تفسير سورة المائدة الآية ١٠٧ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٧

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٠٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

فنزل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ الآية (١) قال الليث: عثر الرجل يعثرُ عُثُورًا: إذا هجم على أمرِ لم يهجُم عليه غيره، وأعثرت فلانًا على أمري، أي: أطلعته، وعَثَر الرجل يَعْثُر عَثْرة، إذا وقع على شيء (٢) قال أهل اللغة: وأصل عثر بمعنى اطلع، من العثرة التي هي الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، ثم إذا عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفيًا عنه: قد عثر عليه.

وأعثر غيره إذا أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم، ومعنى الآية: فإن ظُهِر أنهما أتيا خيانة واستحقا الإثم أي: استوجباه بقصدهما في شهادتهما إلى غير الاستقامة، ولم يتحريا الحق وحنثا في اليمين، ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ ، أي: مقام الشاهدين الذين هما من غيرنا.

وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ﴾ ، قال الزجاج: هذا موضع من أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله ﴿ مِنَ الَّذِينَ ﴾ صفة للآخرين، وقوله: ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ صلة الذين.

ومعنى ﴿ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أي: استحقت الوصية عليهم، أو استحق الإيصاء عليهم، وهم ورثة الميت.

ويجوز أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم الإثم، كأن المعنى من الذين جنى عليهم الإثم (٣) ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ  ﴾ وقال بعضهم: معنى (على) معنى (من) كأنه قيل: من الذين استحق منهم الإثم، وكانت (على) بمنزلة (من) كقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ  ﴾ أي: من الناس (٤) قال صاحب النظم مختارًا لهذا القول: ﴿ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ أي: نيل منهم ظلم بالخيانة وهم ورثة المتوفى الموصي.

انتهى كلامه، والمسند إليه استحق الإيصاء والإثم على ما بينا، وحذف ذلك لتقدم ذكر الوصية والإثم في قوله: ﴿ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ وقوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ الْأَوْلَيَانِ ﴾ لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء، وقد أُخِّر كأنه في التقدير: فالأوليان بأمر (٥) (٦) (٧) وقد أجاز أبو الحسن الأخفش أن يكون (الأوليان) صفة لقوله (فآخران) لأنه لما وُصف (آخران) اختص بما وُصفَ به فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له بما يوصف به المعارف (٨) وقال صاحب النظم: النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة كقوله عز وجل: ﴿ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ  ﴾ فمصباح نكرة، ثم قال: ﴿ الْمِصْبَاحُ ﴾ ثم قال: ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ ثم قال ﴿ الزُّجَاجَةُ ﴾ وهذا مثل قولك: رأيت رجلاً، فاستفهمك إنسان فقال: من الرجل؟

فصار العود إلى ذكره معرفة، قال: ويجوز أن يكون (الأوليان) بدلاً من قوله: (آخران) وإبدال المعرفة من النكرة سائغ كثير، ومعنى الأوليان: أي: الأقربان إلى الميت.

ويجوز أن يكون المعنى: الأوليان باليمين (٩) (١٠) (١١) ﴿ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ وتقديره: من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم.

وإنما قيل لهم: الأولين فمن حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى قد تقدم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ﴾ وكذلك: ﴿ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ ذكرا في اللفظ قبل قوله: (أو آخران من غيركم) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد ليميننا أحق من يمينهما (١٥) وهذا ملتقى به ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ﴾ لأن معناه: فيقولان: والله لشهادتنا، وسميت اليمين ههنا شهادة؛ لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف أنه كذلك، وقد يقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم عليه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اعْتَدَيْنَا ﴾ ، قال ابن عباس: أي: فيما طلبنا من حقنا (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقال عبد الله بن مسلم في ذكر معنى هذه الآية على سياق واحد موافق لما قدمنا: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ ﴾ بعد ما حلف الوصيان ﴿ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ أي: حنثًا في اليمين بكذبٍ في قولٍ أو خيانةٍ في وديعةٍ، قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت، فيحلفان بالله لقد ظُهِر على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما، وما اعتدينا عليهما (٢٠) رجعنا إلى قصة تميم وعدي، قالوا: فلما نزلت هذه الآية قام عمرو ابن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا، فدفع الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وغرم تميم وعدي ما أخذاه من ثمنه، فكان تميم الداري بعد ما أسلم وبايع النبي  يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره (٢١)  أنه قال هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام (٢٢) (١) "تفسير الطبري" 7/ 117، "تفسير البغوي" 3/ 113.

(٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2327 (عثر).

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 216، 217.

(٤) "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 217.

(٥) في (ج): (بالأمر).

(٦) في (ج): (عثرا).

(٧) "الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 267، و"معاني الزجاج" 2/ 216،217.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" للأخفش 2/ 479، و"الحجة" لأبي علي 3/ 267.

(٩) انظر: "الحجة" 3/ 268.

(١٠) في (ش): (الجازم) والأقرب ما أثبته.

"تفسير الطبري" 7/ 115، و"الإصابة" 1/ 184.

والمقصود بالجام ما أخذه تميم وأخوه من مال الميت وهو الإناء، والجام قال الأزهري في تعريفه: "عن ابن الأعرابي: الجام الفاثور من اللجين".

"تهذيب اللغة" 1/ 525 (جام).

والفاثور: الخوان أو المائدة.

قال محقق الطبري 11/ 185: (ط.

شاكر) "الجام إناء من فضة، وهو عربي فصيح مخوص بالذهب".

(١١) "تفسير الطبري" 7/ 114، و"الحجة" 3/ 260، والنشر في القراءات العشر 2/ 256.

(١٢) انظر: "الحجة" 3/ 169، و"حجة القراءات" ص 238.

(١٣) أخرجه الفراء في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 324، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 381، و"حجة القراءات" ص 238.

(١٤) فى رواية حفص عنه ، "الحجة" 3/ 260 - 261.

و"حجة القراءات" ص 238، و"النشر" 2/ 256.

(١٥) انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.

(١٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.

(١٧) انظر: "بحر العلوم" 1/ 465، "تفسير البغوي" 3/ 114.

(١٨) انظر: "الحجة" 3/ 261 - 270.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214 - 217.

(٢٠) "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 379، 380 باختصار.

(٢١) أخرجه الطبري 7/ 115 - 116 عن عكرمة، وكذا ابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 603.

(٢٢) "القرطبي" 6/ 358.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده