الآية ٥ من سورة الفاتحة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 1 الفاتحة > الآية ٥ من سورة الفاتحة

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 340 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥ من سورة الفاتحة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥ من سورة الفاتحة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من إياك وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر وهي قراءة شاذة مردودة ؛ لأن إيا ضوء الشمس .

وقرأ بعضهم : أياك بفتح الهمزة وتشديد الياء ، وقرأ بعضهم : هياك بالهاء بدل الهمزة ، كما قال الشاعر : فهياك والأمر الذي إن تراحبت موارده ضاقت عليك مصادره و نستعين بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس ] .

العبادة في اللغة من الذلة ، يقال : طريق معبد ، وبعير معبد ، أي : مذلل ، وفي الشرع : عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف .

وقدم المفعول وهو إياك ، وكرر ؛ للاهتمام والحصر ، أي : لا نعبد إلا إياك ، ولا نتوكل إلا عليك ، وهذا هو كمال الطاعة .

والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين ، وهذا كما قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] فالأول تبرؤ من الشرك ، والثاني تبرؤ من الحول والقوة ، والتفويض إلى الله عز وجل .

وهذا المعنى في غير آية من القرآن ، كما قال تعالى : ( فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ) [ هود : 123 ] قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) [ الملك : 29 ] رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) [ المزمل : 9 ] ، وكذلك هذه الآية الكريمة : ( إياك نعبد وإياك نستعين .

وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب ، وهو مناسبة ، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى ؛ فلهذا قال : ( إياك نعبد وإياك نستعين وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى ، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك ؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك ، وهو قادر عليه ، كما جاء في الصحيحين ، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب .

وفي صحيح مسلم ، من حديث العلاء بن عبد الرحمن ، مولى الحرقة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، إذا قال العبد : ( الحمد لله رب العالمين ) [ الفاتحة : 2 ] قال : حمدني عبدي ، وإذا قال : ( الرحمن الرحيم ) [ الفاتحة : 3 ] قال : أثنى علي عبدي ، فإذا قال : ( مالك يوم الدين ) [ الفاتحة : 4 ] قال الله : مجدني عبدي ، وإذا قال : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين [ الفاتحة : 6 ، 7 ] قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إياك نعبد يعني : إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك وإياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها .

وقال قتادة : إياك نعبد وإياك نستعين يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم .

وإنما قدم : ( إياك نعبد على وإياك نستعين لأن العبادة له هي المقصودة ، والاستعانة وسيلة إليها ، والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم ، والله أعلم .

فإن قيل : فما معنى النون في قوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين فإن كانت للجمع فالداعي واحد ، وإن كانت للتعظيم فلا تناسب هذا المقام ؟

وقد أجيب : بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم ، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم ، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها ، وتوسط لهم بخير ، ومنهم من قال : يجوز أن تكون للتعظيم ، كأن العبد قيل له : إذا كنت في العبادة فأنت شريف وجاهك عريض فقل : ( إياك نعبد وإياك نستعين ، وإذا كنت خارج العبادة فلا تقل : نحن ولا فعلنا ، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لافتقار الجميع إلى الله عز وجل .

ومنهم من قال : ألطف في التواضع من إياك أعبد ، لما في الثاني من تعظيمه نفسه من جعله نفسه وحده أهلا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته ، ولا يثني عليه كما يليق به ، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى ، كما قال بعضهم : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته [ فقال ] الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) [ الكهف : 1 ] وأنه لما قام عبد الله يدعوه ) [ الجن : 19 ] سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) [ الإسراء : 1 ] فسماه عبدا عند إنزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به ، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين له ، حيث يقول : ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) [ الحجر : 97 - 99 ] .

وقد حكى فخر الدين في تفسيره عن بعضهم : أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة ؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق والرسالة من الحق إلى الخلق ؛ قال : ولأن الله متولي مصالح عبده ، والرسول متولي مصالح أمته وهذا القول خطأ ، والتوجيه أيضا ضعيف لا حاصل له ، ولم يتعرض له فخر الدين بتضعيف ولا رده .

وقال بعض الصوفية : العبادة إما لتحصيل ثواب ورد عقاب ؛ قالوا : وهذا ليس بطائل إذ مقصوده تحصيل مقصوده ، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى ، وهذا - أيضا - عندهم ضعيف ، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال ، قالوا : ولهذا يقول المصلي : أصلي لله ، ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العذاب لبطلت صلاته .

وقد رد ذلك عليهم آخرون وقالوا : كون العبادة لله عز وجل ، لا ينافي أن يطلب معها ثوابا ، ولا أن يدفع عذابا ، كما قال ذلك الأعرابي : أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حولها ندندن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ .

قال أبو جعفر: وتأويل قوله (إيَّاكَ نعبُدُ) : لك اللهم نَخشعُ ونَذِلُّ ونستكينُ ، إقرارًا لك يا رَبنا بالرُّبوبية لا لغيرك.

171 - كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، قال: حدثنا أبو رَوق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريلُ لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )، إياكَ نُوحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك (100) .

وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا.

وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نَخشع ونذلّ ونستكينُ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف- وإن كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة- لأنّ العبودية، عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة، وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة: معبَّدًا .

ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد: تُبَــارِي عِتَاقًــا نَاجيـاتٍ وأَتْبَعـت وَظِيفًــا وظيفًـا فـوق مَـوْرٍ مُعَبَّـدِ (101) يعني بالموْر: الطريق.

وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء (102) .

ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج: معبَّد.

ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه.

والشواهد على ذلك -من أشعار العرب وكلامها- أكثرُ من أن تُحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى.

القول في تأويل قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .

قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ): وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها -لا أحدًا سواك، إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة.

172 - كالذي حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، &; 1-162 &; قال: حدثني بشر بن عُمارة، قال: حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، قال: إياك نستَعِينُ على طاعتك وعلى أمورنا كلها (103) .

فإن قال قائل: وما معنى أمر الله عبادَه بأن يسألوه المعونةَ على طاعته ؟

أوَ جائزٌ، وقد أمرهم بطاعته، أن لا يعينهم عليها؟

أم هل يقول قائل لربه: إياك نستعين على طاعتك، إلا وهو على قوله ذلك مُعانٌ، وذلك هو الطاعة.

فما وجهُ مسألة العبد ربَّه ما قد أعطاه إياه؟

قيل: إن تأويلَ ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه ، وإنما الداعي ربَّه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه، داعٍ أن يعينه فيما بقي من عُمره على ما كلّفه من طاعته، دون ما قد تَقضَّى ومَضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره .

وجازت مسألةُ العبد ربَّه ذلك، لأن إعطاء الله عبدَه ذلك -مع تمكينه جوارحَه لأداء ما كلَّفه من طاعته، وافترض عليه من فرائضه، فضلٌ منه جل ثناؤه تفضّل به عليه، ولُطْف منه لَطَف له فيه.

وليس في تَركه التفضُّلَ على بعض عبيده بالتوفيق -مع اشتغال عبده بمعصيته، وانصرافه عن مَحبته، ولا في بَسطه فضلَه على بعضهم، مع إجهاد العبد نفسه في مَحبته، ومسارعته إلى طاعته -فسادٌ في تدبير، ولا جَور في حكم، فيجوز أن يجهلَ جاهل موضع حُكم الله في أمرِه عبدَه بمسألته عَونَه على طاعته (104) .

وفي أمر الله جل ثناؤه عبادَه أن يقولوا: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، بمعنى مسألتهم إياه المعونةَ على العبادة، أدلُّ الدليل على فساد قول القائلين بالتَّفويض من أهل القدر (105) ، الذين أحالوا أن يأمُرَ الله أحدًا من عبيده بأمرٍ، أو يكلّفه &; 1-163 &; فرضَ عمل، إلا بعدَ إعطائه المعونة على فعلِه وعلى تركِه.

ولو كانَ الذي قالوا من ذلك كما قالوا ، لبطلت الرَّغبة إلى الله في المعونة على طاعته.

إذ كان -على قولهم، مع وجود الأمر والنهي والتكليف- حقًّا واجبًا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبدُه أو تركَ مسألة ذلك .

بل تَرك إعطائه ذلك عندهم منه جَورٌ.

ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا، لكان القائل : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، إنما يسأل رَبَّه أن لا يجور.

وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا -على تصويب قول القائل: " اللهم إنا نستعينك "، وتخطئَتِهم قول القائل: " اللهم لا تَجُرْ علينا "- دليل واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولهم.

إذْ كان تأويلُ قول القائل عندهم : " اللهم إنّا نستعينك- اللهم لا تترك مَعونتنا التي تركُكَها جَوْرٌ منك.

فإن قال قائل : وكيف قيل: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )، فقُدِّم الخبرُ عن العِبادة، وأخِّرتْ مسألةُ المعونة عليها بعدَها؟

وإنما تكون العِبادة بالمعونة، فمسألةُ المعونة كانت أحقَّّ بالتقديم قبلَ المُعَان عليه من العمل والعبادةُ بها.

قيل: لمَّا كان معلومًا أن العبادة لا سبيلَ للعبد إليها إلا بمعونة من الله جلّ ثناؤه، وكان محالا أن يكون العبْد عابدًا إلا وهو على العبادة مُعان، وأن يكون مُعانًا عليها إلا وهو لها فاعل- كان سواءً تقديمُ ما قُدمّ منهما على صاحبه .

كما سواءٌ قولك للرجل إذا قضى حاجَتَك فأحسن إليك في قضائها: " قضيتَ حاجتي فأحسنتَ إليّ " ، فقدّمت ذكر قضائه حاجتَك، أو قلتَ: أحسنتَ إليّ فقضيتَ حاجتي"، فقدَّمتَ ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة.

لأنه لا يكون قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتك قاضٍ.

فكذلك سواءٌ قول القائل: اللهم إنّا إياك نعبُدُ فأعِنَّا على عبادتك، وقوله : اللهم أعنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبُدُ.

&; 1-164 &; قال أبو جعفر: وقد ظنّ بعض أهل الغفلة أنّ ذلك من المقدّم الذي معناه التأخيرُ، كما قال امرؤ القيس: ولَـوْ أَنّ مَـا أسْـعَى لأَدْنَـى مَعِيشـةٍ كَفـاني, ولـم أطلُـبْ, قليلٌ من المالِ (106) يريد بذلك: كفاني قليلٌ من المال ولم أطلب كثيرًا.

وذلك -من معنى التقديم والتأخير، ومن مشابهة بيت امرئ القيس- بمعْزِل.

من أجل أنّه قد يكفيه القليلُ من المال ويطلُب الكثيرَ، فليس وُجودُ ما يكفيه منه بموجبٍ له تركَ طلب الكثير، فيكونَ نظيرَ العبادة التي بوجُودها وجود المعونة عليها، وبوجود المعونة عليها وُجُودها، فيكونَ ذكرُ أحدِهما دالا على الآخر، فيعتدلَ في صحة الكلام تقديمُ ما قُدِّم منهما قبلَ صاحبه، أن يكونَ موضوعًا في درجته ومرتَّبًا في مرتَبتِه.

فإن قال: فما وجْه تكراره: " إياك " مع قوله : " نستعين "، وقد تقدَّم ذلك قَبْل نَعْبُدُ ؟

وهلا قيل: " إياك نعبُدُ ونستعين "، إذ كان المخبَرُ عنه أنه المعبودُ، هو المخبر عنه أنه المستعانُ؟

قيل له: إن الكاف التي مع " إيَّا "، هي الكاف التي كانت تصل بالفعل -أعني بقوله: نَعْبُدُ -لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعل.

وهي كنايةُ اسم المخاطبِ المنصوب بالفعل، فكُثِّرت بـ " إيّا " متقدِّمةً، إذْ كان الأسماء إذا انفردتْ بأنفسِها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد.

فلمّا كانت الكاف من " إياكَ " هي كنايةَ اسم المخاطَب التي كانت تكون كافًا وحدها متصلةً بالفعل إذا كانتْ بعد الفعل، ثم كان حظُّها أن تعادَ مع كلّ فعل اتصلتْ به، فيقال: " اللهم إنا نعبدكَ ونستعينكَ ونحمدكَ ونشكرك "، وكان ذلك أفصحَ في كلام العرب من أن يقال: " اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد "- كان كذلك، إذا قدِّمت كنايةُ اسم المخاطب قبل الفعل موصولةً بـ " إيّا "، كان الأفصح إعادَتها مع كل فعل.

كما كان الفصيحُ من الكلام إعادَتها مع &; 1-165 &; كل فعل، إذا كانت بعد الفعل متصلةً به، وإن كان تركُ إعادتها جائزًا.

وقد ظنّ بعضُ من لم يُنعم النظرَ (107) أنّ إعادة " إياك " مع " نستعين "، بعد تقدّمها في قوله: " إياك نستعين "، بمعنى قول عدي بن زيد العِبَاديّ: وجَـاعِل الشَّـمس مِصْـرًا لا خَفَاءَ بِه بَيْـن النَّهـارِ وَبيْـنَ اللَّيـل قد فَصَلا (108) وكقول أعشى هَمْدان: بَيْــنَ الأشَــجِّ وبَيْـنَ قَيْسٍ بـاذخٌ بَـــخْ بَــخْ لوَالِــدِهِ وللمَولُــودِ (109) وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ " إيّاك " أن تكون مكررة مع كل فعل، لما وصفنا آنفًا من العلة، وليس ذلك حُكم " بين " لأنها لا تكون -إذ اقتضت اثنين- إلا تكريرًا إذا أعيدت، إذْ كانت لا تنفَرد بالواحد.

وأنها لو أفْرِدت بأحد الاسمين، في حال اقتضائها اثنين، كان الكلام كالمستحيل.

وذلك أنّ قائلا لو قال: " الشمس قد فَصَلت بين النهار "، لكان من الكلام خَلْفًا (110) لنُقصان الكلام عما به الحاجة إليه، من تمامه الذي يقتضيه " بين ".

ولو قال قائل: " اللهمّ إياك نعبد "، لكان ذلك كلامًا تامًّا.

فكان معلومًا بذلك أنّ حاجةَ كلِّ كلمةٍ -كانت نظيرةَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ - إلى " إياك " كحاجة &; 1-166 &; نَعْبُدُ إليها (111) وأنّ الصواب أن تكونَ معها " إياك "، إذْ كانت كل كلمة منها جملةَ خبرِ مبتدأ، وبيّنًا حُكم مخالفة ذلك حُكم " بين " فيما وَفّق بينهما الذي وصفنا قوله.

------------ الهوامش : (100) الخبر 171 - إسناده ضعيف ، بيناه في : 137 .

وهذا الخبر والذي بعده 172 جمعهما السيوطي 1 : 14 ، ونسبهما أيضًا لابن أبي حاتم .

(101) ديوان الستة الجاهليين : 31 .

يصف ناقته .

تباري : تجاريها وتسابقها .

والعتاق جمع عتيق : وهو الكريم المعرق في كرم الأصل .

وناجيات : مسرعات في السير ، من النجاء ، وهو سرعة السير .

والوظيف : من رسغي البعير إلى ركبتيه في يديه ، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه .

وعنى بالوظيف هنا : الخف .

(102) في المخطوطة : "الموطن" ، وهو قريب المعنى .

(103) الخبر 172 - هو بالإسناد الضعيف قبله .

وأشرنا إليه هناك .

(104) في المطبوعة : "حكم الله وأمره عبده" ، وفي المخطوطة : "حكم الله امره" بغير واو .

والذي أثبتناه أصوب .

والحكم : الحكمة ، كما مر مرارًا (105) أهل القدر : هم نفاة القدر لا مثبتوه .

والقائلون بالتفويض هم القدرية والمعتزلة والإمامية .

يزعمون أن الأمر فوض إلى الإنسان (أي رد إليه) ، فإرادته كافية في إيجاد فعله ، طاعة كان أو معصية ، وهو خالق لأفعاله ، والاختيار بيده .

(106) ديوانه 1 : 71 .

(107) في المطبوعة : "لم يمعن النظر" ، بدلوها ، كما فعلوا في ص : 55 ، تعليق : 3 .

(108) في اللسان (مصر) منسوبًا إلى أمية بن أبي الصلت .

واستدركه ابن بري ونسبه لعدي بن زيد .

والمصر : الحاجز والحد بين الشيئين .

يقول : جعل الشمس حدا وعلامة بين الليل والنهار .

(109) ديوان الأعشين : 323 ، والأغاني 6 : 46 ، 61 .

وأعشى همدان هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني أبو مصبح ، كان أحد الفقهاء القراء ، ثم ترك ذلك وقال الشعر .

يمدح عبد الحمن بن الأشعث بن قيس الكندي ، وكان خرج على الحجاج ، فخرج معه الفقهاء والقراء ، فلما أسر الحجاج الأعشى ، قال له : ألست القائل : وأنشده البيت - والله لا تبخبخ بعدها أبدًا!

وقتله .

الأشج : هو الأشعث والد عبد الحمن ، وقيس جده .

وبخ بخ : كلمة للتعظيم والتفخيم .

وهذا البيت والذي سبقه شاهدان على صحة تكرار "بين" ، مع غير الضمير المتصل ، ومثلهما كثير .

وأهل عصرنا يخطئون من يقوله ، وهم في شرك الخطأ .

(110) الخلف (بفتح فسكون) : الرديء من القول .

يقال هذا خلف من القول ، أي رديء .

وفي المثل : "سكت ألفًا ونطق خلفًا" ، يقال للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ .

أي سكت دهرًا طويلًا ، ثم تكلم بخطأ .

كنى بالألف عن الزمن الطويل ، ألف ساعة مثلا .

(111) يعني أن حاجة الأولى منهما كحاجة الثانية ، فلذلك وجب تكرارها .

سياق العبارة : "فكان معلومًا أن حاجة كل كلمة .

.

.

وكان معلومًا أم الصواب أن تكون معها .

.

.

وكان بينًا .

.

.

" إلى آخر الفقرة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إياك نعبد رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين ; لأن من أول السورة إلى هاهنا خبرا عن الله تعالى وثناء عليه ، كقوله وسقاهم ربهم شرابا طهورا .

ثم قال : إن هذا كان لكم جزاء .

وعكسه : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم على ما يأتي .و ( نعبد ) معناه نطيع ; والعبادة الطاعة والتذلل .

وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين ; قاله الهروي .

ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى ; إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك .

وإياك نستعين أي نطلب العون والتأييد والتوفيق .قال السلمي في حقائقه : سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول : سمعت أبا حفص الفرغاني يقول : من أقر ب إياك نعبد وإياك نستعين فقد برئ من الجبر والقدر .إن قيل : لم قدم المفعول على الفعل ؟

قيل له : قدم اهتماما ، وشأن العرب تقديم الأهم .

يذكر أن أعرابيا سب آخر فأعرض المسبوب عنه ; فقال له الساب : إياك أعني : فقال له الآخر : وعنك أعرض ; فقدما الأهم .

وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود ; فلا يجوز نعبدك ونستعينك ، ولا نعبد إياك ونستعين إياك ; فيقدم الفعل على كناية المفعول ، وإنما يتبع لفظ القرآن .

وقال العجاج :إياك أدعو فتقبل ملقي واغفر خطاياي وكثر ورقيويروى : وثمر .

وأما قول الشاعر :إليك حتى بلغت إياكافشاذ لا يقاس عليه .

والورق بكسر الراء من الدراهم ، وبفتحها المال .

وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك .الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من إياك في الموضعين .

وقرأ عمرو بن قائد : ( إياك ) بكسر الهمزة وتخفيف الياء ، وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها .

وهذه قراءة مرغوب عنها ، فإن المعنى يصير : شمسك نعبد أو ضوءك ; وإياة الشمس ( بكسر الهمزة ) : ضوءها ; وقد تفتح .

وقال [ طرفة بن العبد ] :سقته إياة الشمس إلا لثاته أسف فلم تكدم عليه بإثمدفإن أسقطت الهاء مددت .

ويقال : الإياة للشمس كالهالة للقمر ، وهي الدارة حولها .

وقرأ الفضل الرقاشي : " أياك " ( بفتح الهمزة ) وهي لغة مشهورة .

وقرأ أبو السوار الغنوي : " هياك " في الموضعين ، وهي لغة ; قال :فهياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك مصادرهوإياك نستعين عطف جملة على جملة .

وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش : ( نستعين ) بكسر النون ، وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة ; ليدل على أنه من استعان ، فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل .

وأصل " نستعين " نستعون ، قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء والمصدر استعانة ، والأصل استعوان ; قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية لأنها زائدة ، وقيل الأولى لأن الثانية للمعنى ، ولزمت الهاء عوضا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة, لأن تقديم المعمول يفيد الحصر, وهو إثبات الحكم للمذكور, ونفيه عما عداه.

فكأنه يقول: نعبدك, ولا نعبد غيرك, ونستعين بك, ولا نستعين بغيرك.

وقدم العبادة على الاستعانة, من باب تقديم العام على الخاص, واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده.

و { العبادة } اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة.

و { الاستعانة } هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به في تحصيل ذلك.

والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية, والنجاة من جميع الشرور, فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما.

وإنما تكون العبادة عبادة, إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله.

فبهذين الأمرين تكون عبادة, وذكر { الاستعانة } بعد { العبادة } مع دخولها فيها, لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى.

فإنه إن لم يعنه الله, لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر, واجتناب النواهي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله: {إياك نعبد} (( إياً )) كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر ويستعمل مقدماً على الفعل؛ فيقال: إياك أعني، وإياك أسأل، ولا يستعمل مؤخراً إلا منفصلاً.

فيقال: ما عنيت إلا إياك.

قوله: {نعبد}: أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع وسمي العبد عبداً لذلته وانقياده، يقال: طريق معبد أي مذلل.

{وإياك نستعين}: نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا، فإن قيل: لِمَ قَدَّم ذِكْر العبادة على الاستعانة والاستعانة تكون قبل العبادة؟

فلهذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل.

ونحن بحمد الله نجعل التوفيق (والاستعانة) مع الفعل، فلا فرق بين التقديم والتأخير.

ويقال: الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولاً ثم ذكر ما هو من تفاصيلها.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إيَّاك نعبد وإياك نستعين» أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره ونطلب المعونة على العبادة وغيرها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا نخصك وحدك بالعبادة، ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا، فالأمر كله بيدك، لا يملك منه أحد مثقال ذرة.

وفي هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده، وفيها شفاء القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء والعجب، والكبرياء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

كانت الآيات الثلاث التى تقدمت هذه الآية تقريراً للحقيقة فى جانب الربوبية وعظمتها وعموم سلطانها وسعة رحمتها تقريرا جمع أمور الدنيا والآخرة ثم جاءت هذه الآية لتقرر أن الذى يجدر بنا أن نعبده وأن نسعتين به إنما هو الله الذى تجلت أوصافه، ووضحت عظمته، وثبتت هيمنته على هذا الكون.ولفظ " إيا " ضمير منفصل، و " الكاف " الملحقة به للخطاب.والعبارة تفيد أن الطاعة البالغة حد النهاية فى الخضوع والخشوع والتعظيم، والعبادة الصحيحة تتأتى للمسلم بتحقق أمرين: إخلاصها لله، وموافقتها لما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم.قال ابن جرير: " لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمى الطريق المذلل الذى وطئته الأقدام وذللته السابلة معبداً ".والاستعانة: طلب المعونة، من أجل الأقتدار على الشئ والتمكن من فعله.والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإِعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير على كل شئ، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.وقدم - سبحانه - المعبود على العبادة فقال: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ، لإِفادة قصر العبادة عليه، وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص.وقال: { نعبد } بنون الجماعة ولم يقل أعبد، ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون فى جماعة المؤمنين، وللإِشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون فى اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم فى الحديث عن شئونهم الظاهرة وغير الظاهرة مقام جميعهم، فهم كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: " المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم ".وقدمت العبادة على الاستعانة، لكون الأولى وسيلة إلى الثانية.

وتقديم الوسائل سبب فى تحصيل المطالب، وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات، بل إن عون الله هو الذى ييسر لهم أداءها.ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال، ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإِنسان من الأعمال الصالحة.وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات، تلوينا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب.

وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: " فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟

قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان.وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم...

وذلك على عادة العرب فى افتنانهم فى الكلام وتصرفهم فيه.

لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإِصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد: وقد تختص مواضعه بفوائد.

ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء وغاية للخضوع والاستعانة فى المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه...

".هذا، وقد جاءت فى فضل هذه الآية الكريمة آثار متعددة، ومن ذلك قول بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فالأول تبرؤ من الشرك، والثانى تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ".

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وأما قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فاعلم أن العبادة عبارة عن الإتيان بالفعل المأمور به على سبيل التعظيم للآمر فما لم يثبت بالدليل أن لهذا العالم إلهاً واحداً.

قادراً على مقدورات لا نهاية لها، عالماً بمعلومات لا نهاية لها، غنياً عن كل الحاجات، فإنه أمر عباده ببعض الأشياء، ونهاهم عن بعضها، وأنه يجب على الخلائق طاعته والانقياد لتكاليفه فإنه لا يمكن القيام بلوازم قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ثم إن بعد الفراغ من المقام المذكور لابد من تفصيل أقسام تلك التكاليف، وبيان أنواع تلك الأوامر والنواهي، وجميع ما صنف في الدين من كتب الفقه يدخل فيه تكاليف الله، ثم كما يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب هذه الشريعة فكذلك يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب الشرائع التي قد كان أنزلها الله تعالى على الأنبياء المتقدمين، وأيضاً يدخل فيه الشرائع التي كلف الله بها ملائكته في السموات منذ خلق الملائكة وأمرهم بالاشتغال بالعبادات والطاعات، وأيضاً فكتب الفقه مشتملة على شرح التكاليف المتوجهة في أعمال الجوارح، أما أقسام التكاليف الموجودة في أعمال القلوب فهي أكبر وأعظم وأجل، وهي التي تشتمل عليها كتب الأخلاق، وكتب السياسات، بحسب الملل المختلفة والأمم المتباينة، وإذا اعتبر الإنسان مجموع هذه المباحث وعلم أنها بأسرها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ علم حينئذٍ أن المسائل التي اشتملت هذه الآية عليها كالبحر المحيط الذي لا تصل العقول والأفكار إلا إلى القليل منها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إيا ﴾ ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء في قولك: إياك، وإياه، وإياي، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، كما لا محل للكاف في أرأيتك، وليست بأسماء مضمرة، وهو مذهب الأخفش وعليه المحققون، وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب» فشيء شاذ لا يعوّل عليه، وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ ﴾ [الزمر: 64] ، ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا ﴾ [الأنعام: 164] .

والمعنى نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة.

وقرئ: ﴿ إياك ﴾ بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء.

قال طفيل الغنوي: فهَيَّاكَ والأَمْرَ الَّذِي إنّ تَرَاحَبَتْ ** مَوَارِدُهُ ضاقَتْ عليْكَ مَصادِرُه والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل.

ومنه: ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوّة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع.

فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟

قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ [يونس: 22] .

وقوله تعالى: ﴿ والله الذى أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ ﴾ [فاطر: 9] .

وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالأَثْمَدِ ** ونَامَ الخَلِيُّ ولَم تَرْقُد وبَاتَ وباتَتْ لَهُ لَيْلةٌ ** كلَيْلَةِ ذِي العائرِ الأرْمَدِ وذلك مِنْ نَبَإ جَاءَني ** وخبِّرْتُهُ عنْ أَبي الأَسوَدِ وذلك على عادة افتتانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد.

ومما اختص به هذا الموضع: أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به.

فإن قلت: لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟

قلت: ليجمع بين ما يتقرّب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته.

فإن قلت: فلم قدّمت العبادة على الاستعانة؟

قلت: لأنّ تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة إليها.

فإن قلت: لم أطلقت الاستعانة؟

قلت: ليتناول كل مستعان فيه، والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: ﴿ اهدنا ﴾ بياناً للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟

فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض.

وقرأ ابن حبيش: ﴿ نستعين ﴾ ، بكسر النون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ثُمَّ إنَّهُ لَمّا ذُكِرَ الحَقِيقُ بِالحَمْدِ، ووُصِفَ بِصِفاتٍ عِظامٍ تَمَيَّزَ بِها عَنْ سائِرِ الذَّواتِ وتَعَلَّقَ العِلْمُ بِمَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ خُوطِبَ بِذَلِكَ، أيْ: يا مَن هَذا شَأْنُهُ نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الِاخْتِصاصِ، ولِلتَّرَقِّي مِنَ البُرْهانِ إلى العِيانِ والِانْتِقالِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الشُّهُودِ، فَكَأنَّ المَعْلُومَ صارَ عِيانًا والمَعْقُولَ مُشاهَدًا والغَيْبَةَ حُضُورًا، بَنى أوَّلَ الكَلامِ عَلى ما هو مَبادِي حالِ العارِفِ مِنَ الذِّكْرِ والفِكْرِ والتَّأمُّلِ في أسْمائِهِ والنَّظَرِ في آلائِهِ والِاسْتِدْلالِ بِصَنائِعِهِ عَلى عَظِيمِ شَأْنِهِ وباهِرِ سُلْطانِهِ، ثُمَّ قَفّى بِما هو مُنْتَهى أمْرِهِ وهو أنْ يَخُوضَ لُجَّةَ الوُصُولِ ويَصِيرَ مِن أهْلِ المُشاهَدَةِ فَيَراهُ عِيانًا ويُناجِيهِ شِفاهًا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنَ الواصِلِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.

ومِن عادَةِ العَرَبِ التَّفَنُّنُ في الكَلامِ والعُدُولُ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ تَطْرِيَةً لَهُ وتَنْشِيطًا لِلسّامِعِ، فَيُعْدَلُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، ومِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ وبِالعَكْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ ﴾ وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالإثْمِدِ...

ونامَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدِ وباتَ وباتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ...

∗∗∗ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ وذَلِكَ مِن نَبَأٍ جاءَنِي...

∗∗∗ وخُبِّرْتُهُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ وَإيّا ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ مُنْفَصِلٌ، وما يَلْحَقُهُ مِنَ الياءِ والكافِ والهاءِ حُرُوفٌ زِيدَتْ لِبَيانِ التَّكَلُّمِ والخِطابِ والغَيْبَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، كالتّاءِ في أنْتَ والكافِ في أرَأيْتُكَ.

وقالَ الخَلِيلُ: إيّا مُضافٌ إلَيْها، واحْتَجَّ بِما حَكاهُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: إذا بَلَغَ الرَّجُلَ السِّتِّينَ فَإيّاهُ وإيّا الشَّوابِّ، وهو شاذٌّ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.

وقِيلَ: هي الضَّمائِرُ، وإيّا عُمْدَةٌ فَإنَّها لَمّا فُصِلَتْ عَنِ العَوامِلِ تَعَذَّرَ النُّطْقُ بِها مُفْرَدَةً فَضُمَّ إلَيْها إيّا لِتَسْتَقِلَّ بِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ هو المَجْمُوعُ.

وقُرِئَ إيّاكَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ و « هَيّاكَ» بِقَلْبِها هاءً.

والعِبادَةُ: أقْصى غايَةِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أيْ مُذَلَّلٌ، وثَوْبٌ ذُو عَبَدَةٍ إذا كانَ في غايَةِ الصَّفاقَةِ، ولِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى.

والِاسْتِعانَةُ: طَلَبُ المَعُونَةِ وهِيَ: إمّا ضَرُورِيَّةٌ، أوْ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ.

والضَّرُورِيَّةُ ما لا يَتَأتّى الفِعْلُ دُونَهُ كاقْتِدارِ الفاعِلِ وتَصَوُّرِهِ وحُصُولِ آلَةٍ ومادَّةٍ يَفْعَلُ بِها فِيها وعِنْدَ اسْتِجْماعِها يُوصَفُ الرَّجُلُ بِالِاسْتِطاعَةِ ويَصِحُّ أنْ يُكَلَّفَ بِالفِعْلِ.

وغَيْرُ الضَّرُورِيَّةِ تَحْصِيلُ ما يَتَيَسَّرُ بِهِ الفِعْلُ ويَسْهُلُ كالرّاحِلَةِ في السَّفَرِ لِلْقادِرِ عَلى المَشْيِ، أوْ يُقَرِّبُ الفاعِلَ إلى الفِعْلِ ويُحِثُّهُ عَلَيْهِ، وهَذا القِسْمُ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ والمُرادُ طَلَبُ المَعُونَةِ في المُهِمّاتِ كُلِّها، أوْ في أداءِ العِباداتِ، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في الفِعْلَيْنِ لِلْقارِئِ ومَن مَعَهُ مِنَ الحَفَظَةِ، وحاضِرِي صَلاةِ الجَماعَةِ.

أوْ لَهُ ولِسائِرِ المُوَحِّدِينَ.

أدْرَجَ عِبادَتَهُ في تَضاعِيفِ عِبادَتِهِمْ وخَلْطِ حاجَتِهِ بِحاجَتِهِمْ لَعَلَّها تَقْبَلُ بِبَرَكَتِها ويُجابُ إلَيْها ولِهَذا شُرِّعَتِ الجَماعَةُ وقُدِّمَ المَفْعُولُ لِلتَّعْظِيمِ والِاهْتِمامِ بِهِ والدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (مَعْناهُ نَعْبُدُكَ ولا نَعْبُدُ غَيْرَكَ) وتَقْدِيمُ ما هو مُقَدَّمٌ في الوُجُودِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ العابِدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ إلى المَعْبُودِ أوَّلًا وبِالذّاتِ، ومِنهُ إلى العِبادَةِ لا مِن حَيْثُ إنَّها عِبادَةٌ صَدَرَتْ عَنْهُ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها نِسْبَةٌ شَرِيفَةٌ إلَيْهِ ووَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَقِّ، فَإنَّ العارِفَ إنَّما يَحِقُّ وُصُولُهُ إذا اسْتَغْرَقَ في مُلاحَظَةِ جَنابِ القُدْسِ وغابَ عَمّا عَداهُ، حَتّى إنَّهُ لا يُلاحِظُ نَفْسَهُ ولا حالًا مِن أحْوالِها إلّا مِن حَيْثُ إنَّها مُلاحَظَةٌ لَهُ ومُنْتَسِبَةٌ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ فَضْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْ حَبِيبِهِ حِينَ قالَ: ﴿ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا ﴾ .

عَلى ما حَكاهُ عَنْ كَلِيمِهِ حِينَ قالَ: ﴿ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ .

وكَرَّرَ الضَّمِيرَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ المُسْتَعانُ بِهِ لا غَيْرَ، وقُدِّمَتِ العِبادَةُ عَلى الِاسْتِعانَةِ لِيَتَوافَقَ رُؤُوسُ الآيِ، ويُعْلَمَ مِنهُ أنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى طَلَبِ الحاجَةِ أدْعى إلى الإجابَةِ.

وَأقُولُ: لَمّا نَسَبَ المُتَكَلِّمُ العِبادَةَ إلى نَفْسِهِ أوْهَمَ ذَلِكَ تَبَجُّحًا واعْتِدادًا مِنهُ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ، فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ العِبادَةَ أيْضًا مِمّا لا يَتِمُّ ولا يَسْتَتِبُّ لَهُ إلّا بِمَعُونَةٍ مِنهُ وتَوْفِيقٍ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ والمَعْنى نَعْبُدُكَ مُسْتَعِينِينَ بِكَ.

وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ فَإنَّهم يَكْسِرُونَ حُرُوفَ المُضارَعَةِ سِوى الياءِ إذا لَمْ يَنْضَمَّ ما بَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إيا عند الخليل وسيبويه اسم مضمر والكاف حرف خطاب عند سيبويه ولا محل له من الإعراب وعند الخليل هو اسم مضمر أضيف إيا إليه لأنه يشبه المظهر لتقدمه على الفعل والفاعل وقال الكوفيون إياك بكمالها اسم وتقديم المفعول لقصد الاختصاص والمعنى نخصك بالعبادة وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل ونخصك بطلب المعونة وعدل عن الغيبة إلى الخطاب للالتفات وهو قد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى {حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طيبة} وقوله {والله الذي أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فسقناه} وقول امرئ القيس

تطاول ليلك بالإثمد

ونام الخلي ولم ترقد ...

وبات وباتت له ليلة

كليلة ذي العائر الأرمد ...

وذلك من نبإٍ جاءني

وخبرته عن أبي الأسود

فالتفت في الأبيات الثلاثة حيث لم يقل ليلي وبت وجاءك والعرب يستكثرون منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل فى القبول عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه وأملأ لاستلذاذا إصغائه وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا

الفاتحة (٥ _ ٧)

للحذاق المهرة والعلماء النحارير وقليل ما هم ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء

وأجرى عليه تلك الصفات العظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة أقرب إلى الإجابة أو النظم الآي كما قدم الرحمن وإن كان الأبلغ لا يقدم وأطلقت الاستعانة لتنناول كل مستعان فيه ويجوز أن يراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادات ويكون قوله اهدنا بياناً للمطلوب من المعونة كأنه قيل كيف أعينكم فقالوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ اخْتُلِفَ فِيها، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، بَلْ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى قَوْلٍ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأكْثَرِ الصَّحابَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ، حَتّى عُدَّ هَفْوَةً مِنهُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ، وبِالمَدِينَةِ لَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ، لِيُعْلَمَ أنَّها في الصَّلاةِ كَما كانَتْ، وقِيلَ: بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقَدْ لَهِجَ النّاسُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَكِّيَّتِها بِآيَةِ الحِجْرِ: ﴿ ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ وهي مَكِّيَّةٌ لِنَصِّ العُلَماءِ والرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها حُكْمٌ مَرْفُوعٌ، لا لِأنَّ ما قَبْلَها وما بَعْدَها في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما كانَ في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ، والمَشْهُورُ خِلافُهُ، والأقْوى الِاسْتِدْلالُ بِالنَّقْلِ عَنِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ شاهَدُوا الوَحْيَ والتَّنْزِيلَ، لِأنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ أوَّلًا عَلى تَفْسِيرِ السَّبْعِ المَثانِي بِالفاتِحَةِ، وهو وإنْ كانَ صَحِيحًا ثابِتًا في الأحادِيثِ إلّا أنَّهُ قَدْ صَحَّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَفْسِيرُها بِالسَّبْعِ الطِّوالِ، وثانِيًا عَلى امْتِناعِ الِامْتِنانِ بِالشَّيْءِ قَبْلَ إيتائِهِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ امْتَنَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأُمُورٍ قَبْلَ إيتائِهِ إيّاها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ فَهو قَبْلَ الفَتْحِ بِسِنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي تَحْقِيقٌ لِلْوُقُوعِ، وهَذا وإنْ كانَ خِلافَ الظّاهِرِ، لا سِيَّما مَعَ إيرادِ اللّامِ، وكَلِمَةِ (قَدْ)، ووُرُودِهِ في مَعْرِضِ المِنَّةِ، والغالِبُ فِيها سَبْقُ الوُقُوعِ، وعَطْفُ: ﴿ ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ ﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ قَدْ خُدِشَ الدَّلِيلُ، لا يُقالُ: إنَّ هَذا وذَلِكَ لا يَدُلّانِ إلّا عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وأمّا عَلى نَفْيِ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ أيْضًا فَلا، لِأنّا نَقُولُ: النَّفْيُ هو الأصْلُ، وعَلى مُدَّعِي الإثْباتِ الإثْباتُ وأنّى بِهِ، وما قالُوا في الجَوابِ عَنِ الِاعْتِراضِ بِأنَّ النُّزُولَ ظُهُورٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى الشَّهادَةِ، والظُّهُورُ بِها لا يَقْبَلُ التَّكَرُّرَ، فَإنَّ ظُهُورَ الظّاهِرِ ظاهِرُ البُطْلانِ، كَتَحْصِيلِ الحاصِلِ مِن دَعْوى أنَّهُ كانَ في كُلٍّ لِفائِدَةٍ، أوْ أنَّهُ عَلى حَرْفٍ مَرَّةً وآخَرَ أُخْرى لِوُرُودِ (مالِكِ) و(مَلِكِ)، أوْ بِبَسْلَمَةٍ تارَةً، وتارَةً بِدُونِها، وبِهِ تَجَمُّعُ المَذاهِبِ والرِّواياتِ مُصَحِّحٌ لِلْوُقُوعِ لا مُوجِبٌ لَهُ، كَما لا يَخْفى، والسُّورَةُ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِإبْدالٍ إنْ كانَتْ مِنَ السُّؤْرِ، وهو البَقِيَّةُ، لِأنَّ بَقِيَّةَ كُلِّ شَيْءٍ بَعْضُهُ، وبِدُونِهِ إنْ كانَتْ مِن سُورِ البِناءِ، وهي المَنزِلَةُ أوْ سُورِ المَدِينَةِ لِإحاطَتِها بِآياتِها، أوْ مِنَ التَّسَوُّرِ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ لِارْتِفاعِها بِكَوْنِها كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وتُطْلَقُ عَلى المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلَكٍ حَوْلَها يَتَذَبْذَبُ وحَّدَها قُرْآنٌ يَشْتَمِلُ عَلى ذِي فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ، وقِيلَ: طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لِتَخْرُجَ آيَةُ الكُرْسِيِّ مُتَرْجَمَةً تَوْقِيفًا، وقَدْ ثَبَتَتْ أسْماءُ الجَمِيعِ بِالأحادِيثِ والآثارِ، فَمَن قالَ بِكَراهَةِ أنْ يُقالَ: سُورَةُ كَذا، بَلْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها كَذا، بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ وابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ حَدِيثُ أنَسٍ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ، وحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ، وإنْ رُوِيَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، والفاتِحَةُ في الأصْلِ صِفَةٌ جُعِلَتْ إمّا لِأوَّلِ الشَّيْءِ، لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، أوِ المُبالَغَةِ، ولا اخْتِصاصَ لَها بِزِنَةِ عَلامَةٍ أوْ مَصْدَرٍ أُطْلِقَتْ عَلى الأوَّلِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ إشْعارًا بِأصالَتِهِ، كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ، إذْ تَعَلُّقُهُ بِهِ أوَّلًا، ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِالمَجْمُوعِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الخاتِمَةِ، فَإنَّ بُلُوغَ الآخِرِ يَعْرِضُ الآخِرَ أوَّلًا، والكُلُّ بِواسِطَتِهِ، ولَيْسَ هَذا كالأوَّلِ لِقِلَّةِ فاعِلَةٍ في المَصادِرِ، إلّا أنَّهُ أوْلى مِن كَوْنِهِ لِلْآلَةِ، أوْ باعِثًا، لِأنَّ هَذِهِ مُلْتَبِسَةٌ بِالفِعْلِ ومُقارِنَةٌ لَهُ، والغالِبُ أنْ لا تَتَّصِفَ الآلَةُ، ولا يُقارَنُ الباعِثُ، عَلى أنَّ الآلَةَ هُنا غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِإيهامِ أنْ يَكُونَ البَعْضُ غَيْرَ مَقْصُودٍ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ، أيْ ذاتُ فَتْحٍ، مَعَ وُجُوهٍ أُخَرَ مَرْجُوحَةٍ، (والكِتابُ) هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ، وفَتْحُ الفاتِحَةِ بِالقِياسِ إلَيْهِ لا إلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ، وهو مُتَحَقِّقٌ في العِلْمِ أوِ اللَّوْحِ أوْ بَيْتِ العِزَّةِ، فَلا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ بِهَذا الِاسْمِ في الأوائِلِ، والإضافَةُ الأوْلى مِن إضافَةِ الِاسْمِ إلى المُسَمّى، وهي مَشْهُورَةٌ، والثّانِيَةُ بِمَعْنى اللّامِ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ لا بِمَعْنى (مِن)، كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ لِأنَّ المُضافَ جُزْئِيٌّ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وهو مَذْهَبُ بَعْضٍ في كُلٍّ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ والسِّيرافِيُّ: وجَمْعُ إضافَةِ الجُزْءِ عَلى مَعْنى (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ بَلْ في اللُّمَعِ وشَرْحِهِ: إنَّ مِنَ المَقْدِرَةِ في الإضافَةِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الجُزْءِ والجُزْئِيِّ، وبَعْضُهم جَعَلَ الإضافَةَ في الجُزْئِيِّ بَيانِيَّةً مُطْلَقًا، وبَعْضُهم خَصَّها بِالعُمُومِ، والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ كَما في المِثالِ، وجَعَلَها في المُطْلَقِ كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، لامِيَّةً والشُّهْرَةُ لا تُساعِدُهُ.

ولِهَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أسْماءٌ أوْصَلَها البَعْضُ إلى نَيِّفٍ وعِشْرِينَ، أحَدُها فاتِحَةُ الكِتابِ، لِأنَّها مَبْدَؤُهُ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، لا لِأنَّها يُفْتَتَحُ بِها في التَّعْلِيمِ، وفي القِراءَةِ في الصَّلاةِ، كَما زَعَمَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ، ولا لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَما قِيلَ، أمّا الأوَّلُ والثّالِثُ فَلِأنَّ المَبْدَئِيَّةَ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ أوِ النُّزُولُ تَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ، ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والنُّزُولِيَّ لَيْسا كالتَّرْتِيبِ المَعْهُودِ، وأمّا الثّانِي فَلِما عَرَفْتَ أنَّ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى يُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ، وحَكى المُرْسِيُّ أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها أوَّلُ سُورَةٍ كُتِبَتْ في اللَّوْحِ، ويَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، وإنْ صَحَّحْنا أنَّ تَرْتِيبَ القُرْآنِ الَّذِي في مَصاحِفِنا كَما في اللَّوْحِ، فَلَرُبَّما كُتِبَ التّالِي ثُمَّ كُتِبَ المَتْلُوُّ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ أمْرٌ آخَرُ، (وثانِيها) فاتِحَةُ القُرْآنِ، لِما قَدَّمْنا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، (وثالِثُها ورابِعُها) أُمُّ الكِتابِ وأُمُّ القُرْآنِ، وحَدِيثُ: «(لا يَقُولَنَّ أحَدُكم أُمُّ الكِتابِ، ولْيَقُلْ: فاتِحَةُ الكِتابِ)،» لا أصْلَ لَهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ في الصِّحاحِ تَسْمِيَتُها بِهِ، كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الِابْتِداءَ كِتابَةً أوْ تِلاوَةً أوْ نُزُولًا عَلى قَوْلٍ أوْ صَلاةٍ بِها، وما بَعْدَها تالٍ لَها، فَهي كالأُمِّ الَّتِي يَتَكَوَّنُ الوَلَدُ بَعْدَها، ويُقالُ أيْضًا لِلرّايَةِ: أُمٌّ، لِتَقَدُّمِها واتِّباعِ الجَيْشِ لَها، ومِنهُ أُمُّ القُرى، أوْ لِاشْتِمالِها كَما قالَ العَلّامَةُ عَلى مَقاصِدِ المَعانِي الَّتِي في القُرْآنِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِما هو أهْلُهُ، ومِنَ التَّعَبُّدِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ومِنَ الوَعِيدِ، أمّا الثَّناءُ فَظاهِرٌ، وأمّا التَّعَبُّدُ فَإمّا مِنَ ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ لِأنَّهُ لِلتَّعْلِيمِ، فَيُقَدَّرُ أمْرٌ يُفِيدُهُ، والأمْرُ الإيجابِيُّ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنِ الضِّدِّ في الجُمْلَةِ، ولا نَرى فِيهِ بَأْسًا، أوْ مِنَ ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ مِلَّةُ الإسْلامِ، أوْ مِن تَقْدِيرِ قُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، ومِن تَأْخِيرِ مُتَعَلِّقِهِ، وإمّا مِن ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وهي التَّحَقُّقُ بِالعُبُودِيَّةِ بِارْتِسامِ ما أمَرَ السَّيِّدُ أوْ نَهى، فَيَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّهم مُتَعَبَّدُونَ، ولا يُرَدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ عَدَمُ سَبْقِ أمْرٍ ونَهْيٍ أصْلًا، ويُجابُ عِنْدَنا بَعْدَ تَسْلِيمِ العَدَمِ لِلْأوَّلِيَّةِ بِأنَّ رَأْسَ العِبادَةِ التَّوْحِيدُ، وفي الصَّدْرِ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ سَبَقَ تَكْلِيفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ وتَبْلِيغِ السُّورَةِ، وذَلِكَ يَكْفِي، وأمّا الوَعْدُ والوَعِيدُ فَمِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ أوْ مِن يَوْمِ الدِّينِ، أيِ الجَزاءِ، والمَجْزِيُّ إمّا ما يَسُرُّ أوْ ما يَضُرُّ، وهُما الثَّوابُ والعِقابُ، وإنَّما كانَتِ المَقاصِدُ هَذِهِ لِأنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وإنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةً لِلْعِبادِ، وإرْشادًا إلى ما يُصْلِحُهم مَعاشًا، ومَعادًا، وذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ مَن يَقْدِرُ عَلى إيصالِ النِّعَمِ إيجادًا، وإمْدادًا، ثُمَّ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِما يَرْبِطُ العَتِيدَ، ويَجْلِبُ المَزِيدَ عَمَلًا واعْتِقادًا، والتَّنَصُّلِ عَمّا يُفْضِي بِهِ إلى رَجْعِ المُحَصَّلِ، ومَنعِ المُسْتَحْصَلِ قُلُوبًا وأجْسادًا، والثَّناءُ فَرْعُ مَعْرِفَةِ المَثْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِحْقاقِ، وتَدْخُلُ المَعْرِفَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ، ومِنها ما مِنهُ الإرْسالُ والإنْزالُ والتَّفاوُتُ بَيْنَ المُطِيعِ، والمُذْنِبِ، فَدَخَلَ الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ والنُّبُوّاتِ والمَعادِ عَلى الإجْمالِ، والتَّعَبُّدُ يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ التَّوَصُّلِ والتَّنَصُّلِ، ويُدْخَلُ فِيهِ مِن وجْهِ الإيمانِ بِالنُّبُوّاتِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الكِتابِ، والمَلائِكَةِ، إذِ الأمْرُ والنَّهْيُ فَرْعُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ، والوَعْدُ والوَعِيدُ يَتَضَمَّنانِ الإيمانَ بِالمَعادِ، ويَبْعَثانِ عَلى التَّعَبُّدِ، والنّاسُ كَإبِلٍ مِائَةٍ لا تَجِدُ فِيها راحِلَةً، والأكْثَرُونَ بَعَثَتْهُمُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، وأوْسَطُهُمُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والخَواصُّ وقَلِيلٌ ما هُمُ الأُنْسُ والهَيْبَةُ، فَبِالثَّلاثَةِ تَمَّ الإرْشادُ إلى مَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، ولا أحْصُرُ لَكَ وجْهَ الحَصْرِ بِهَذا، فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، ولَكَ أنْ تَرُدَّ الثَّلاثَةَ إلى اثْنَيْنِ، فَتُدْرِجُ الثَّناءَ في التَّعَبُّدِ، إذْ لا حُكْمَ لِلْعَقْلِ، ولَعَلَّهُ إنَّما جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ تَلْمِيحًا إلى أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ عَقْلًا، مُراعاةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، ولَمْ يُبالِ البَيْضاوِيُّ بِذَلِكَ فَعَبَّرَ بِما عَبَّرَ بِهِ مِنَ المَقالِ، أوْ لِاشْتِمالِها عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ، والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والِاطِّلاعُ عَلى مَراتِبِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ، والأوَّلُ مُسْتَفادٌ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ والثّانِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وما بَعْدَهُ، وسُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ اهْدِنا ﴾ الآيَةَ، والِاطِّلاعُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، فَدَخَلا فِيهِ، والأمْثالُ والقَصَصُ المَقْصُودُ بِها الِاتِّعاظُ، وكَذا الدُّعاءُ والثَّناءُ، وهَذِهِ جُمْلَةُ المَعانِي القُرْآنِيَّةِ إجْمالًا مُطابَقَةً والتِزامًا، وأبْسَطُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ العُلُومِ الَّتِي هي مَناطُ الدِّينِ، (الأوَّلُ) عِلْمُ الأُصُولِ، ومَعاقِدُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، وصِفاتِهِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ومَعْرِفَةُ النُّبُوّاتِ وهي المُرادَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ والمَعادِ المُومى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ .

(الثّانِي) عِلْمُ الفُرُوعِ، وأُسُّهُ العِباداتُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وهي بَدَنِيَّةٌ ومالِيَّةٌ، وهُما مُفْتَقِرانِ إلى أُمُورِ المَعاشِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُناكَحاتِ، ولا بُدَّ لَها مِنَ الحُكُوماتِ، فَتَمَهَّدَتِ الفُرُوعُ عَلى الأُصُولِ، (الثّالِثُ) عِلْمُ ما بِهِ يَحْصُلُ الكَمالُ، وهو عِلْمُ الأخْلاقِ، وأجَلُّهُ الوُصُولُ إلى الحَضْرَةِ الصَّمَدانِيَّةِ، والسُّلُوكِ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِقامَةِ في مَنازِلِ هاتِيكَ الرُّتَبِ العَلِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ﴿ اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ (الرّابِعُ) عِلْمُ القَصَصِ والأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ ﴾ وإذا انْبَسَطَ ذِهْنُكَ أتَيْتَ بِأبْسَطِ مِن ذَلِكَ، وهَذانِ الوَجْهانِ يَسْتَدْعِيانِ حَمْلَ الكِتابِ عَلى المَعانِي، أوْ تَقْدِيرَها في التَّرْكِيبِ الإضافِيِّ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَقْتَضِيهِ ومِن هَذا رَجَّحَهُ البَعْضُ، وإنْ كانَ أدَقَّ وأحْلى، لا لِأنَّهُ يُشْكِلُ عَلَيْهِما ما ورَدَ مِن أنَّ الفاتِحَةَ تَعْدِلُ ثُلُثَيِ القُرْآنِ إذْ يُزِيلُهُ إذا ثَبَتَ أنَّ الإجْمالَ لا يُساوِي التَّفْصِيلَ، فَزِيادَةُ مَبانِيهِ مَنزِلَةً مَنزِلَةً ثُلُثٌ آخَرُ مِنَ الثَّوابِ، قالَهُ الشِّهابُ ثُمَّ قالَ: ومِنَ العَجَبِ ما قِيلَ هُنا مِن أنَّ ذَلِكَ لِاشْتِمالِها عَلى دِلالَةِ التَّضَمُّنِ، والِالتِزامِ، وهُما ثُلُثا الدِّلالاتِ انْتَهى، وأنا أقُولُ: الأعْجَبُ مِن هَذا تَوْجِيهُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ ما رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: فاتِحَةُ الكِتابِ تُجْزِي ما لا يُجْزِي شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ولَوْ أنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ جُعِلَتْ في كِفَّةِ المِيزانِ، وجُعِلَ القُرْآنُ في الكِفَّةِ الأُخْرى لَفُضِّلَتْ فاتِحَةُ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ سَبْعَ مَرّاتٍ، فَإنَّهُ لا يَتَبادَرُ مِنهُ إلّا الفَضْلُ في الثَّوابِ، فَيُعارِضُ ظاهِرُهُ ذَلِكَ الخَبَرَ عَلى تَوْجِيهِهِ، وعَلى تَوْجِيهِ صاحِبِ القِيلِ لا تَعارُضَ، نَعَمْ، أنَّهُ بَعِيدٌ، ويُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ، وبِهِ يَزُولُ الإشْكالُ بِأنَّ الأوَّلَ كانَ أوَّلًا وتَضاعَفَ الثَّوابُ ثانِيًا، ولا حَجْرَ عَلى الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ، أوْ بِأنَّ اخْتِلافَ المَقالِ لِاخْتِلافِ الحالِ، أوْ بِأنَّ ما يَعْدِلُ الشَّيْءَ كُلَّهُ يَعْدِلُ ثُلُثَيْهِ، أوْ بِأنَّ القُرْآنَ في أحَدِ الخَبَرَيْنِ أوْ فِيهِما بِمَعْنى الصَّلاةِ، مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ النّاسِ في قِراءَتِهِمْ وصَلَواتِهِمْ، فَلْيُتَدَبَّرْ، وعَلى العِلّاتِ لا يُقاسانِ بِما قِيلَ في وجْهِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها أفْضَلُ السُّوَرِ، أوْ لِأنَّ حُرْمَتَها كَحُرْمَةِ القُرْآنِ كُلِّهِ، أوْ لِأنَّ مَفْزَعَ أهْلِ الإيمانِ إلَيْها، أوْ لِأنَّها مُحْكَمَةٌ، والمُحْكَماتُ أُمُّ الكِتابِ، ولا أعْتَرِضُ عَلى البَعْضِ بِعَدَمِ الِاطِّرادِ لِأنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يَجِبُ اطِّرادُهُ، ولَكِنِّي أُفَوِّضُ الأمْرَ إلَيْكَ، وسَلامُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ، (لا يُقالُ): إذا كانَتِ الفاتِحَةُ جامِعَةً لِمَعانِي الكِتابِ فَلِمَ سَقَطَ مِنها سَبْعَةُ أحْرُفٍ الثّاءُ والجِيمُ والخاءُ والزّايُ والشِّينُ والظّاءُ والفاءُ، لِأنّا نَقُولُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَمالَ المَعْنَوِيَّ لا يَلْزَمُهُ الكَمالُ الصُّورِيُّ، ولا يَنْقُصُهُ نُقْصانُهُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ، وكانَتْ سَبْعَةً مُوافِقَةً لِعَدَدِ الآيِ المُشْتَمِلِ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الأسْرارِ، وكانَتْ مِنَ الحُرُوفِ الظَّلَمانِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ في المُتَشابِهِ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، ويَجْمَعُها بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ: (صِراطٌ عَلى حَقٍّ نُمْسِكُهُ) وهي النُّورانِيَّةُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها بِأسْرِها الفاتِحَةُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ الجَمالِ عَلى الجَلالِ المُشْعِرِ بِها تَكَرُّرُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ في الفاتِحَةِ، وإنَّما لَمْ يَسْقُطِ السَّبْعَةُ الباقِيَةُ مِن هَذا النَّوْعِ فَتَخْلُصُ النُّورانِيَّةُ لِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ مَشُوبٌ، ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ ﴿ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ ﴾ إشارَةٌ وأيُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ لِمَن تَأمَّلَ حالَ الجُمْلَتَيْنِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ النُّورانِيَّةِ وهي أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مَذْكُورَةً بِتَمامِها، والظَّلَمانِيَّةِ مَذْكُورَةً مِنها سَبْعَةٌ، وإذا طُوبِقَتِ الآحادُ يَحْصُلُ نُورانِيٌّ مَعَهُ ظَلَمانِيٌّ، ونُورانِيٌّ خالِصٌ إشارَةً إلى قِسْمَيِ المُؤْمِنِينَ، فَمُؤْمِنٌ لَمْ تَشُبْ نُورَ إيمانِهِ ظُلْمَةُ مَعاصِيهِ، ومُؤْمِنٌ قَدْ شابَهَ ذَلِكَ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَ الإيمانِ والمَعْصِيَةِ، فَلا تُطْفِئُ ظُلْمَتُها نُورَهُ، «(ولا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)» مَحْمُولٌ عَلى الكَمالِ، ولَيْسَ البَحْثُ لِهَذا، وإذا لُوحِظَ السّاقِطُ وهو الظَّلَمانِيُّ المَحْضُ المُشِيرُ إلى الظّالِمِ المَحْضِ السّاقِطِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ، والمَذْكُورُ هو النُّورانِيُّ المَحْضُ، المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَحْضِ، والنُّورانِيُّ المَشُوبُ المُشِيرُ إلى المُؤْمِنِ المَشُوبِ، يَظْهَرُ سِرُّ التَّثْلِيثِ فِي: ﴿ فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ ﴾ وإنَّما كانَ السّاقِطُ هَذِهِ السَّبْعَةَ بِخُصُوصِها مِن تِلْكَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ، ولَمْ يَعْكِسْ، فَيُسْقِطَ المُثْبَتَ ويُثْبِتَ السّاقِطَ، أوْ يُسْقِطَ سَبْعَةً تُؤْخَذُ مِن هَذا، وهَذا لِسِرِّ عِلْمِهِ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، نَعَمْ، في كَوْنِ السّاقِطِ مُعْجَمًا فَقَطْ إشارَةٌ إلى أنَّ الغَيْنَ في العَيْنِ، والرَّيْنَ في البَيْنِ، فَلِهَذا وقَعَ الحِجابُ وحَصَلَ الِارْتِيابُ، وهَذا ما يَلُوحُ لِأمْثالِنا مِن أسْرارِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وأيْنَ هو مِمّا يَظْهَرُ لِلْعارِفِينَ الغارِقِينَ مِن بِحارِهِ، المُتَضَلِّعِينَ مِن ماءِ زَمْزَمِ أسْرارِهِ.

ولِمَوْلانا العَلّامَةِ فَخْرِ الدِّينِ الرّازِيِّ في هَذا المَقامِ كَلامٌ لَيْسَ لَهُ في التَّحْقِيقِ أدْنى إلْمامٍ، حَيْثُ جَعَلَ سَبَبَ إسْقاطِ هَذِهِ الحُرُوفِ أنَّها مُشْعِرَةٌ بِالعَذابِ، فالثّاءُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُورِ، والجِيمُ أوَّلُ حَرْفٍ مِن جَهَنَّمَ، والخاءُ يُشْعِرُ بِالخِزْيِ، والزّايُ والشِّينُ مِنَ الزَّفِيرِ والشَّهِيقِ، وأيْضًا الزّايُ تَدَلُّ عَلى الزَّقُّومِ، والشِّينُ تَدَلُّ عَلى الشَّقاءِ، والظّاءُ أوَّلُ الظِّلِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴾ وأيْضًا تَدُلُّ عَلى لَظًى، والفاءُ عَلى الفِراقِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قالُوا: لا حَرْفَ مِنَ الحُرُوفِ إلّا وهو مَذْكُورٌ في اسْمِ شَيْءٍ يُوجِبُ نَوْعًا مِنَ العَذابِ، فَلا يَبْقى لِما ذَكَرْتُمْ فائِدَةٌ، فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ قالَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: ﴿ لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ ثُمَّ أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ سَبْعَةً مِنَ الحُرُوفِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهي أوائِلُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ، وآمَنَ بِها، وعَرَفَ حَقائِقَها، صارَ آمِنًا مِنَ الدَّرَكاتِ السَّبْعِ في جَهَنَّمَ، انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وجَوابُهُ لا يَنْفَعُهُ ولا يُغْنِيهِ، إذْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلْتَسْقُطِ الذّالُ، والواوُ، والنُّونُ، والحاءُ، والعَيْنُ، والمِيمُ، والغَيْنُ، إذِ الواوُ مِنَ الوَيْلِ، والذّالُ مِنَ الذِّلَّةِ، والنُّونُ مِنَ النّارِ، والحاءُ مِنَ الحَمِيمِ، والعَيْنُ مِنَ العَذابِ، والمِيمُ مِنَ المِهادِ، والغَيْنُ مِنَ الغَواشِي، والآياتُ ظاهِرَةٌ، والكُلِّ في أهْلِ النّارِ، وتَكُونُ الفائِدَةُ في إسْقاطِها كالفائِدَةِ في إسْقاطِ تِلْكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا، عَلى أنَّ في كَلامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، بَلْ ومَعَ تَسْلِيمِ سَلامَتِهِ مِمّا قِيلَ، أوْ يُقالُ، لا أرْتَضِيهِ لِلْفَخْرِ، وهو السَّيِّدُ الَّذِي غَدا سَعْدَ المِلَّةِ، وحُجَّةَ الإسْلامِ، وناصِرَ أهْلِهِ، وأمّا نِسْبَتُهُ لِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ سَألَ قَيْصَرُ الرُّومِ مُعاوِيَةَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ، فَسَألَ عَلِيًّا فَأجابَ، فَلا أصْلَ لَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَما مَرامُ الأمِيرِ بِالِاكْتِفاءِ عَلى هَذا المِقْدارِ إلّا التَّنْبِيهُ لِلسّائِلِ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنَ الأسْرارِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.

(وخامِسُها وسادِسُها وسابِعُها) الكَنْزُ، والوافِيَةُ، والكافِيَةُ، لِما مَرَّ مِنِ اشْتِمالِها عَلى الجَواهِرِ المَكْنُوزَةِ، فَتَفِي وتَكْفِي، أوْ لِأنَّها لا تُنَصَّفُ في الصَّلاةِ، ولا يَكْفِي فِيها غَيْرُها، (وثامِنُها) الأساسُ، لِأنَّها أصْلُ القُرْآنِ وأوَّلُ سُورَةٍ فِيهِ، (وتاسِعُها وعاشِرُها والحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ) سُورَةُ الحَمْدِ، وسُورَةُ الشُّكْرِ، وسُورَةُ الدُّعاءِ، وسُورَةُ تَعْلِيمِ المَسْألَةِ، وسُورَةُ السُّؤالِ، لِاشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ، أمّا اشْتِمالُها عَلى الحَمْدِ فَظاهِرٌ، وكَذا عَلى الشُّكْرِ لَدى مَن أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِالفَهْمِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ كَأُمِّ القُرْآنِ وأُمِّ الكِتابِ.

وأمّا الِاشْتِمالُ عَلى الثّالِثِ فَكالِاشْتِمالِ عَلى الأوَّلِ، بَلْ أظْهَرُ، وأمّا تَعْلِيمُ المَسْألَةِ فَلِأنَّها بُدِئَتْ بِالثَّناءِ قَبْلَهُ، والخامِسُ كالثّالِثِ، وهُما كَذَيْنِكَ الثّالِثِ والرّابِعِ كَما لا يَخْفى، (والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ) سُورَةُ المُناجاةِ، وسُورَةُ التَّفْوِيضِ لِأنَّ العَبْدَ يُناجِي رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ، وبِالتّالِي يَحْصُلُ التَّفْوِيضُ، (والسّادِسَ عَشَرَ والسّابِعَ عَشَرَ والثّامِنَ عَشَرَ) الرُّقْيَةُ والشِّفاءُ والشّافِيَةُ، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُشْعِرَةٌ بِذَلِكَ، (والتّاسِعَ عَشَرَ) سُورَةُ الصَّلاةِ لِأنَّها واجِبَةٌ أوْ فَرِيضَةٌ فِيها، والِاسْتِحْبابُ مَذْهَبُ بَعْضِ المُجْتَهِدِينَ، ورِوايَةٌ عَنِ البَعْضِ في النَّفَلِ، قِيلَ: ومِن أسْمائِها الصَّلاةُ لِحَدِيثِ: «(قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ)،» وأرادَ السُّورَةَ، والمَجازُ اللُّغَوِيُّ لِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا كالمَجازِ في الحَذْفِ مُحْتَمَلٌ، (والعِشْرُونَ) النُّورُ لِظُهُورِها بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، أوْ لِتَنْوِيرِها القُلُوبَ لِجَلالَةِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّها لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي عِبارَةٌ عَنِ النُّورِ بِمَعْنى القُرْآنِ، (والحادِي والعِشْرُونَ) القُرْآنُ العَظِيمُ، وهو ظاهِرٌ مِمّا قَدَّمْناهُ، (والثّانِي والعِشْرُونَ) السَّبْعُ المَثانِي لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ بِاتِّفاقٍ، وما رَأيْنا مُشارِكًا لَها سِوى ”أرَأيْت“ والقَوْلُ بِأنَّها ثَمانِ كالقَوْلِ بِأنَّها تِسْعٌ شاذٌّ لا يُعْبَأُ بِهِ، أوْ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي، إلّا أنَّ مِنهم مَن عَدَّ التَّسْمِيَةَ آيَةً دُونَ ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ومِنهم مَن عَكَسَ، والمَدارُ الرِّوايَةُ، فَلا يُوَهَّنُ الثّانِي أنَّ وِزانَ الآيَةِ لا يُناسِبُ وِزانَ فَواصِلِ السُّوَرِ، عَلى أنَّ في سُورَةِ النَّصْرِ ما هو مِن هَذا البابِ، وتُثَنّى وتُكَرَّرُ في كُلِّ رَكْعَةٍ وصَلاةٍ ذاتِ رُكُوعٍ، أوِ المُرادُ المُتَعارَفُ الأغْلَبُ مِنَ الصَّلاةِ، فَلا تُرَدُّ الرَّكْعَةُ الواحِدَةُ ولا صَلاةُ الجِنازَةِ عَلى أنَّ في البُتَيْراءِ اخْتِلافًا، وصَلاةُ الجِنازَةِ دُعاءٌ لا صَلاةٌ حَقِيقَةً، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُثَنّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أوْ لِأنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، أوْ لِأنَّها عَلى قِسْمَيْنِ دُعاءٍ وثَناءٍ، أوْ لِأنَّها كُلَّما قَرَأ العَبْدُ مِنها آيَةً ثَنّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالإخْبارِ عَنْ فِعْلِهِ كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ الأقْوالُ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنْ تَكُونَ المَثانِي مِنَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَّناءِ لِما فِيها مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِما ورَدَ مِنَ الثَّناءِ عَلى مَن يَتْلُوها، وأنْ تَكُونَ مِنَ الثُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْناها لِهَذِهِ الأُمَّةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، ثُمَّ الحِكْمَةُ في تَسْوِيرِ القُرْآنِ سُوَرًا كالكُتُبِ خِلافًا لِلزَّرْكَشِيِّ أنْ يَكُونَ أنْشَطَ لِلْقارِئِ، وأبْعَثَ عَلى التَّحْصِيلِ كالمُسافِرِ إذا قَطَعَ مِيلًا أوْ فَرْسَخًا نَفَّسَ ذَلِكَ مِنهُ، ونَشِطَ لِلْمَسِيرِ، وإذا أخَذَ الحافِظُ السُّورَةَ اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى طائِفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعْظُمُ عِنْدَهُ ما حَفِظَ، وأيْضًا الجِنْسُ إذا انْطَوى تَحْتَهُ أنْواعٌ وأصْنافٌ كانَ أحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ بابٌ واحِدٌ، مَعَ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقَ كَوْنِ السُّورَةِ بِمُجَرَّدِها مُعْجِزَةً وآيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، والحِكْمَةُ في كَوْنِها طِوالًا وقِصارًا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان النبيّ  يكتب: باسمك اللهم فلما نزل في سورة هود بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: 41] كتب: بسم الله فلما نزل في سُورَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: 110] كتب بسم الله الرحمن فلما نزل في سورة النمل إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: 30] كتب: بسم الله الرحمن الرحيم.

ففي هذا الخبر دليل على أنه ليس من أول كل سورة، ولكنه بعض آية من كتاب الله تعالى من سورة النمل.

فأما تفسير قوله: بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت باسم الله، ولكن لم يذكر بدأت، لأن الحال ينبئ أنك مبتدئ فيستغنى عن ذكره.

وأصله: باسم الله بالألف، ولكن حذفت من الاسم لكثرة الاستعمال، لأنها ألف وصل، وليست بأصلية، بدليل أنها تسقط عند التصغير، فتقول سميّ.

وقال بعضهم: معنى قوله بِسْمِ اللَّهِ، يعني: بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده، ليذكروا اسم الله تعالى عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة اسم الله تعالى.

وقوله اللَّهِ هو اسم موضوع ليس له اشتقاق، وهو أجلّ من أن يذكر له الاشتقاق، وهو قول الكسائي.

قال أبو الليث رحمه الله: هكذا سمعت أبا جعفر يقول: روي عن محمد بن الحسن أنه قال: هو اسم موضوع ليس له اشتقاق.

وروي عن الضحاك أنه قال: إنّما سمي اللَّهِ إلها، لأن الخلق يولهون إليه في قضاء حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم.

وذكر عن الخليل بن أحمد البصري أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه، بنصب اللام، ويألهون بكسر اللام أيضا، وهما لغتان وقيل أيضا: إنه اشتق من الارتفاع.

وكانت العرب تقول للشيء المرتفع «لاه» ، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: طلعت لاهة، غربت لاهة وقيل أيضا: إنما سمي اللَّهِ، لأنه لا تدركه الأبصار، «ولاه» معناه احتجب كما قال القائل: لاه ربّي عن الخلائق طرّا ...

خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل أيضا: سمي اللَّهِ لأنه يوله قلوب العباد بحبه.

وأما «الرحمن» فالعاطف على جميع خلقه بالرزق لهم، ولا يزيد في رزق التقيّ لأجل تقاه، ولا ينقص من رزق الفاجر لأجل فجوره.

وما كان في لغة العرب على ميزان «فعلان» يراد به المبالغة في وصفه، كما يقال: شبعان، وغضبان، إذا امتلأ غضبا.

فلهذا سمى نفسه رحمانا، لأن رحمته وسعت كل شيء، فلا يجوز أن يقال لغير الله تعالى «الرحمن» ، لأن هذا الوصف لا يوجد في غيره.

وأما «الرحيم» فالرفيق بالمؤمنين خاصة، يستر عليهم ذنوبهم في الدنيا، ويرحمهم في الآخرة، ويدخلهم الجنة.

وقيل أيضا: إنما سمى نفسه رحيما، لأنه لا يكلف عباده جميع ما يطبقون، وكل ملك يكلف عباده جميع ما يطيقون، فليس برحيم.

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال في قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ قال: اسمه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء.

وأما الرحمن فهو عون لمن آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره.

وأما «الرحيم» فلمن تاب وآمن وعمل صالحاً.

وقد فسره بعضهم على الحروف، وروى عبد الرحمن المديني، عن عبد الله بن عمر: أن عثمان بن عفان-  م- سأل  عن تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: أما الباء: فبلاء الله وروحه، ونصره وبهاؤه وأما السين: فسناء الله، وأما الميم: فملك الله وأما الله: فلا إله غيره وأما الرحمن: فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم: فالرفيق بالمؤمنين خاصة.

وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء، بهاؤه، والسين: سناؤه ولا شيء أعلى منه، والميم: ملكه، وَهُوَ على كُلّ شَىْء قدير، فلا شيء يعازه.

وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه فالباء: مفتاح اسمه بصير، والسين: مفتاح اسمه سميع، والميم: مفتاح اسمه ملك، والألف: مفتاح اسمه الله، واللام: مفتاح اسمه لطيف، والهاء: مفتاح اسمه هادي، والراء: مفتاح اسمه رزاق، والحاء: مفتاح اسمه حليم، والنون: مفتاح اسمه نور.

ومعنى هذا كله: دعاء الله عند الافتتاح.

سبع آيات مدنية روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: هي مكية.

ويقال: نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة.

حدثنا الحاكم أبو الفضل، محمد بن الحسين الحدادي قال: حدثنا أبو حامد المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا جهضم بن عبد الله بن العلاء عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة-  - قال: قال رسول الله  : «إنَّ فِي كِتَابِ الله لَسُورَةً مَا أَنْزَلَ الله عَلَى نَبِيٍ مِثْلَهَا، فسأله أبي بن كعب عنها فقال: إنِّي لأرْجُو أنْ لا تَخْرُجَ مِنَ البَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا، فجعلتُ أتبطَّأ، ثم سأله أبيٌّ عنها فقال: كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلاتِكَ؟

قال: بأمِّ الكتاب.

فقال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالقُرْآنِ مِثْلُهَا، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران، والخمس التي بعدها، وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين.

وقال أكثر أهل العلم: هي سورة الفاتحة وإنما سميت السبع، لأنها سبع آيات وإنما سميت المثاني، لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة.

وقال: حدثنا أبي قال: حدّثنا أبو عبد الله، محمد بن حامد الخزعوني قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن ابن عباس-  ما- في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: الشكر لله.

ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها وقد قيل: (الحمد لله) يعني الوحدانية لله.

وقد قيل: الألوهية لله.

وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله، الذى لم يجعلنا من المغضوب عليهم ولا الضالين.

ثم معنى قوله (الحمد لله) قال بعضهم: «قل» فيه مضمر يعني: قُلِ: الحمد لِلَّهِ.

وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده فيحمدوه.

وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: الثناء عليه بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد.

وقال بعضهم: الشكر أعم، لأنه باللسان وبالجوارح وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة.

كما قال اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] .

وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك إن آدم  ، قال حين عطس: الحمد لله فقال الله تعالى: يرحمك الله، فسبقت رحمته غضبه.

وقال الله تعالى لنوح: فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم-  -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل: 15] وقال لمحمد-  -: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر.

وقوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن عباس-  ما-: سيد العالمين.

وهو رب كل ذي روح تدب على وجه الأرض.

ويقال: معنى قوله رَبِّ الْعالَمِينَ: خالق الخلق ورازقهم ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة.

والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [يوسف: 50] ، يعني إلى سيدك.

والربّ: هو المالك يقال: ربّ الدار، وربّ الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي.

وقوله: (العالمين) كل ذي روح ويقال: كل من كان له عقل يخاطب، مثل بني آدم والملائكة والجن، ولا يقع على البهائم ولا على غيرها.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «إن لله تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عَالَمٍ، وَإنَّ دُنْيَاكُمْ مِنْهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ» ويقال: كل صنف من الحيوان عالم على حده.

قوله عَزَّ وَجَلَّ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال في رواية الكلبي: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر.

وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع، فلو قال: هما اسمان لطيفان، لكان أحسن ولكن معناه عندنا- والله أعلم- أنه أراد بالرقة الرحمة، يقال: رق فلان لفلان إذا رحمه.

يقال: رق يرق إذا رحم.

وقوله: أحدهما أرق من الآخر قال بعضهم: الرحمن أرق، لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين والكافرين وقال بعضهم: الرحيم أرق، لأنه في الدنيا وفي الآخرة.

وقال بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال: أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر.

قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف، وقرأ عاصم والكسائي بالألف.

فأما من قرأ بالألف قال: لأن المالك أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك الدابة، ولا يقال ملك: إلا لملك من ملوك.

وأما الذي قرأ: ملك بغير ألف قال: «لأن الملك أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة، يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة، كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة.

وروى مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله  وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكلهم يقرءون مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف.

قال الفقيه- رحمه الله-: سمعت أبي يحكي بإسناده عن أبي عبد الله، محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ بقراءة الكسائي مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالألف، فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة وكنت أقرأ ملك يَوْمِ الدين، فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟

أما بلغك الخبر عن رسول الله  أنه قال: «اقرءوا القُرْآنَ فَخْماً مُفَخَّماً» ، فلم أترك القراءة ب: «ملك» حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال لي: لم حذفت الألف من مالك؟

أما بلغك عن رسول الله  أنه قال: من قرأ القُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ، فَلِمَ نقّصت من حسناتك عشراً في كل قراءة؟

فلما أصبحت، أتيت قطرباً- وكان إماماً في اللغة- فقلت له: ما الفرق بين ملك ومالك؟

فقال: بينهما فرق كثير.

فأما ملك فهو ملك من الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك.

فرجعت إلى قراءة الكسائي.

ثم معنى قوله «مالك» يعني: قاضي وحاكم يَوْمِ الدِّينِ يعني: يوم الحساب كما قال تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [التوبة: 36 وغيرها] ، يعني الحساب القيم.

وقيل أيضاً: معنى يَوْمُ الدين، يعني يوم القضاء.

كما قال تعالى: مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: 76] يعني: في قضائه وقيل أيضاً: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما يقال: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تجازى به.

فإن قيل: ما معنى تخصيص يوم الدين؟

وهو مالك يوم الدين وغيره، قيل له: لأن في الدنيا، كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون ونمرود وغيرهما.

وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له.

كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [الرعد: 16، وغيرها] فكذلك هاهنا.

قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني في ذلك اليوم لا يكون مالك، ولا قاض، ولا مجاز غيره.

قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ هو تعليم علم المؤمنين كيف يقولون، إذا قاموا بين يديه في الصلاة، فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم، حتى يوفقهم ويعينهم فقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي نوحد ونطيع.

وقال بعضهم إِيَّاكَ نَعْبُدُ يعني إياك نطيع طاعة نخضع فيها لك.

وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول: بك نستوثق على عبادتك وقضاء الحقوق.

وفي هذا دليل على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم ذكر بلفظ المخاطبة، فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهذا كما قال في آية أخرى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها [يونس: 22] هذا ذكر على المغايبة ومثل هذا في القرآن كثير.

قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ رويت القراءتان عن ابن كثير أنه قرأ «السراط» بالسين، وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي، وقرأ الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد، وكذلك الزاي مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد قال ابن عباس  ما: اهْدِنَا يعني أرشدنا، الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وهو الإسلام فإن قيل: أليس هو الطريق المستقيم؟

وهو الإسلام فما معنى السؤال؟

قيل له: الصراط المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود.

فإنما يسأل العبد ربه أن يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل المتفرقة.

وقد روي عن عبد الله بن مسعود-  - أنه قال: خط لي رسول الله  خطاً مستقيماً، وخط بجنبه خطوطاً، ثم قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو إليه ويقول: هلم إلى الطريق.

وفي هذا نزلت هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل المتفرقة.

قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام.

وروي عن علي بن أبي طالب-  - أنه قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ يعني ثبتنا عليه.

ومعنى قول علي: ثبتنا عليه.

يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا تقلبها بمعصيتنا.

وهذا موافق لقول الله تعالى: وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً [الفتح: 2] فكذلك هاهنا.

قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ماتوا عليه.

وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه.

فامنن علينا كما مننت عليهم.

أخبرنا الفقيه، أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل، القاضي قال: حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم، عن أبي العالية في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: هو النبي  وصاحباه من بعده أبو بكر- وعمر  ما- قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: صدق والله أبو العالية ونصح.

وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أي غير طريق اليهود.

يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام.

وَلَا الضَّالِّينَ يعني ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا.

وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى، فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟

واليهود أيضاً من الضالين؟

فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟

قيل له: إنّما عرف ذلك بالخبر واستدلالاً بالآية.

فأما الخبر، فما روي عن رسول الله  أن رجلاً سأله وهو بوادي القرى: من المغضوب عليهم؟

قال: اليهود قال: ومن الضالين؟

فقال: النصارى وأما الآية، فلأن الله تعالى قال في قصة اليهود: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] .

«آمين» ليس من السورة.

ولكن روي عن النبيّ  أنه كان يقوله ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك يكون.

وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم ن أسماء الله تعالى ويكون معناه: يا الله استجب دعاءنا.

وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية.

وروي عن النبيّ  أنه قال: مَا حَسَدَتْكُمْ اليَهُودُ فِي شَيْءٍ، كَحَسَدِهِمْ فِي «آمين» خَاتَمِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَخْتِمُ بِهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ.

وقال مقاتل: هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة.

وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس-  ما-: سألت رسول الله  ما معنى آمين؟

قال: رَبِّ افْعَلْ.

ويقال: فيه لغتان «أمين» بغير مد، و «آمين» بالمد، ومعناهما واحد، وقد جاء في أشعارهم كلا الوجهين.

قال القائل: تَبَاعَدَ عَنِّي فُطْحُلٌ إِذْ دَعَوْتُه ...

آمِينَ فَزَادَ الله مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وقال الآخر: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدَا ...

وَيَرْحَمُ الله عَبْداً قَالَ: آمِينَا وصلى الله على سيدنا محمد.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال: وهذا من حذف العربِ ما يدلُّ ظاهر الكلام عليه، وهو كثيرٌ.

والرب في اللغة: المعبودُ، والسيدُ المالكُ، والقائمُ بالأمور المُصْلِحُ لما يفسد منها، فالرب على الإِطلاق هو ربُّ الأرباب على كل جهة، وهو اللَّه تعالى.

والعَالَمُونَ: جمع عَالَمٍ، وهو كل موجود سوى اللَّه تعالى، يقال لجملته: عَالَمٌ، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عَالَمٌ، عَالَمٌ، وبحسب ذلك يجمع على العَالَمِينَ، ومن حيثُ عالَمُ الزمانِ متبدِّلٌ في زمان آخر، حَسُنَ جمعها، ولفظة العالَمِ جمع لا واحد له من لفظه، وهو مأخوذ من العَلَمِ والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزَّجَّاج «١» ، قال أبو حَيَّان «٢» : الألف واللام في العَالَمِينَ لِلاستغراقِ، وهو جمع سلامة، مفرده عَالَمٌ، اسم جمع، وقياسه ألا يجمع، وشذَّ جمعه أيضاً جمع سلامة لأنه ليس بعَلَمٍ ولا صفةٍ.

م: وذهب ابنُ مالك «٣» في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» إلى أن «عَالَمِين» اسم جمعٍ لمن يعقل، وليس جمع عالمٍ لأن العَالَمَ عامٌّ، و «عالَمِينَ» خاصٌّ، قلت: وفيه نظر.

انتهى.

وقد تقدّم القول في الرحمن الرحيم.

مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: الدِّينُ في كلام العربِ على أنحاء، وهو هنا الجزاءُ يوم الدين، أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها قاله ابن عباس «٤» وغيره مَدِينِينَ:

محاسَبِينَ «٥» ، وحكى أهل اللغة: دِنْتُهُ بِفِعْلِهِ دَيْناً بفتح الدال، ودينا بكسرها: جزيته

ومنه قول الشاعر: [الكامل]

واعلم يَقِيناً أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ...

واعلم بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ «١»

إِيَّاكَ نَعْبُدُ: نطق المؤمن به إِقرار بالربوبية، وتذلُّل وتحقيق لعبادة اللَّه وقدَّم «إِيَّاكَ» على الفعل اهتماما، وشأن العرب تقديم الأَهَمِّ، واختلف النحويُّون في «إِياك» «٢» ، فقال الخليلُ «٣» : «إيَّا» : اسم مضمر أضيف إِلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكى عن العرب: «إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابِّ» ، وقال المبرِّد: إِيَّا: اسمٌ مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، وحكى ابن كَيْسَانَ «٤» عن بعض الكوفيِّين أنَّ «إِيَّاكَ» بكماله اسم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ .

وَقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو مِجْلَزٍ "يُعْبَدُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: إيّاكَ يُعْبَدُ، والعَرَبُ تَرْجِعُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا ﴾ ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً ﴾ \[ الدَّهْرِ: ٢١ -٢٢ \] .

وَقالَ لَبِيدٌ: باتَتْ تَشْكِي إلَيَّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً وقَدْ حَمَتْلَكَ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينا وَفِي المُرادِ بِهَذِهِ العِبادَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى التَّوْحِيدِ.

رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ  ﴾ .

الثّالِثُ: أنَّهُما بِمَعْنى الدُّعاءِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ نُطْقُ المُؤْمِنِ بِهِ إقْرارٌ بِالرُبُوبِيَّةِ، وتَذَلُّلٌ وتَحْقِيقٌ لِعِبادَةِ اللهِ، إذْ سائِرُ الناسِ يَعْبُدُونَ سِواهُ مِن أصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ عَلى الفِعْلِ اهْتِمامًا، وشَأْنُ العَرَبِ تَقْدِيمُ الأهَمِّ.

ويَذْكُرُ أنَّ أعْرابِيًّا سَبَّ آخَرَ، فَأعْرَضَ المَسْبُوبُ عنهُ، فَقالَ لَهُ السابُّ: إيّاكَ أعْنِي، فَقالَ الآخَرُ: وعنكَ أعْرِضُ، فَقَدَّما الأهَمَّ.

وقَرَأ الفَضْلُ الرُقاشِيُّ "أيّاكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "إيّاكَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وذَلِكَ أنَّهُ كَرِهَ تَضْعِيفَ الياءِ لِثِقَلِها، وكَوْنُ الكَسْرَةِ قَبْلَها، وهَذا كَتَخْفِيفِ "رَبِ" و"إنْ".

وقَرَأ أبُو السِوارِ الغَنَوِيُّ "هَيّاكَ نَعْبُدُ، وهَيّاكَ نَسْتَعِينُ" بِالهاءِ وهي لُغَةٌ.

واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "إيّاكَ"، قالَ الخَلِيلُ: "إيّا" اسْمٌ مُضْمَرٌ، أُضِيفَ إلى ما بَعْدَهُ لِلْبَيانِ لا لِلتَّعْرِيفِ، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: "إذا بَلَغَ الرَجُلُ السِتِّينَ فَإيّاهُ وايا الشَوابِّ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "إيّا" اسْمٌ مُبْهَمٌ، أُضِيفَ لِلتَّخْصِيصِ لا لِلتَّعْرِيفِ.

وحَكى ابْنُ كَيْسانَ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ "إيّاكَ" بِكَمالِهِ اسْمٌ مُضْمَرٌ، ولا يُعْرَفُ اسْمٌ مُضْمَرٌ يُتَغَيَّرُ آخِرُهُ غَيْرُهُ.

وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: الكافُ والهاءُ والياءُ هي الِاسْمُ المُضْمَرُ، لَكِنَّها لا تَقُومُ بِأنْفُسِها، ولا تَكُونُ إلّا مُتَّصِلاتٍ، فَإذا تَقَدَّمَتِ الأفْعالُ جَعَلَ "إيّا" عِمادًا لَها، فَيُقالُ: "إيّاكَ، وإيّاهُ، وإيّايَ".

وإذا تَأخَّرَتِ اتَّصَلَتْ بِالأفْعالِ واسْتُغْنِيَ عن "إيّا".

وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: أنَّ "إيّا" اسْمٌ مُبْهَمٌ يُكَنّى بِهِ عَنِ المَنصُوبِ، وزِيدَتِ الكافُ والهاءُ تَفْرِقَةً بَيْنَ المُخاطَبِ والغائِبِ والمُتَكَلِّمِ، ولا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، فَهي كالكافِ في ذَلِكَ، وفي أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما فَعَلَ.

و"نَعْبُدُ" مَعْناهُ: نُقِيمُ الشَرْعَ والأوامِرَ مَعَ تَذَلُّلٍ واسْتِكانَةٍ، والطَرِيقُ المُذَلَّلُ يُقالُ لَهُ مُعَبَّدٌ، وكَذَلِكَ البَعِيرُ، وقالَ طَرَفَةُ: تُبارِي عِتاقًا ناجِياتٍ وأتْبَعَتْ وظِيفًا وظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ وتَكَرَّرَتْ "إيّاكَ" بِحَسَبِ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، فاحْتاجَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى تَأْكِيدٍ واهْتِمامٍ.

و"نَسْتَعِينُ"، مَعْناهُ نَطْلُبُ العَوْنَ مِنكَ في جَمِيعِ أُمُورِنا، وهَذا كُلُّهُ تَبَرُّو مِن الأصْنامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ، والنَخْعِيُّ: "نَسْتَعِينُ" بِكَسْرِ النُونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ قُرَيْشٍ في النُونِ والتاءِ والهَمْزَةِ، ولا يَقُولُونَها في ياءِ الغائِبِ، وإنَّما ذَلِكَ في كُلِّ فِعْلٍ سُمِّيَ فاعِلُهُ فِيهِ زَوائِدَ، أو فِيما يَأْتِي مِنَ الثُلاثِيِّ عَلى فَعِلَ يَفْعَلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي، وفَتْحِها في المُسْتَقْبَلِ، نَحْوُ عَلِمَ وشَرِبَ، وكَذَلِكَ فِيما جاءَ مُعْتَلَّ العَيْنِ نَحْوُ خالٍ يَخالُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: تَخالُ وأخالُ.

و"نَسْتَعِينُ" أصْلُهُ نَسْتَعْوِنُ.

نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى العَيْنِ، وقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

والمَصْدَرُ: "اسْتِعانَةٌ"، أصْلُهُ "اسْتِعْوانٌ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى العَيْنِ، فَلَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وهي في نِيَّةِ الحَرَكَةِ انْقَلَبَتْ ألِفًا، فَوَجَبَ حَذْفُ أحَدِ الألِفَيْنِ الساكِنَيْنِ، فَقِيلَ: حُذِفَتِ الأولى لِأنَّ الثانِيَةَ مَجْلُوبَةٌ لِمَعْنًى فَهي أولى بِالبَقاءِ، وقِيلَ: حُذِفَتِ الثانِيَةُ لِأنَّ الأُولى أصْلِيَّةٌ فَهي أولى بِالبَقاءِ، ثُمَّ لَزِمَتِ الهاءَ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إذا أتم الحامِدُ حَمْد ربه يأخذ في التوجه إليه بإظهار الإخلاص له انتقالاً من الإفصاح عن حق الرب إلى إظهار مراعة ما يقتضيه حقه تعالى على عبده من إفراده بالعبادة والاستعانة.

فهذا الكلام استئناف ابتدائي.

ومُفَاتَحَة العظماء بالتمجيد عند التوجه إليهم قَبْلَ أن يخاطَبوا طريقة عربية.

روى أبو الفرج الأصفهاني عن حسان بن ثابت قال: كنتُ عند النعمان فَنادَمْتُه وأَكَلْتُ معه فبينَا أنا على ذلك معه في قُبَّة إذَا رجلٌ يَرْتجز حولَها: أَصمَّ أمْ يَسمع ربُّ القبه *** يا أَوْهَبَ النَّاسسِ لِعيسسٍ صُلْبَه ضَرَّابَةٍ بالمِشْغَرِ الأَذِيَّهْ *** ذَاتتِ هِباببٍ في يَدَيْها خُلْبَهْ في لاَحب كأنَّه الأَطِبَّهْ *** فقال النعمان: أليس بأبي أُمَامَة؟

(كنية النابغة) قالوا: بلى، قال: فأْذَنوا له فدخل.

والانتقال من أسلوب الحديث بطريق الغائب المبتدإِ من قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ إلى قوله: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ ، إلى أسلوب طريق الخطاب ابتداءً من قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ إلى آخر السورة، فن بديع من فنون نظم الكلام البليغ عند العرب، وهو المسمى في علم الأدب العربي والبلاغة التفاتاً.

وفي ضابط أسلوب الالتفات رأيان لأئمة علم البلاغة: أحدهما رأي مَن عدا السكاكي من أئمة البلاغة وهو أن المتكلم بعد أن يعبِّر عن ذات بأحد طرق ثلاثة من تكلم أو غيبة أو خطاب ينتقل في كلامه ذلك فيعبر عن تلك الذات بطريق آخر من تلك الثلاثة، وخالفهم السكاكي فجعل مسمى الالتفات أن يعبِّر عن ذات بطريق من طرق التكلم أو الخطاب أو الغيبة عادلاً عن أحدهما الذي هو الحقيق بالتعبير في ذلك الكلام إلى طريق آخر منها.

ويظهر أثر الخلاف بين الجمهور والسكاكي في المحسِّن الذي يسمى بالتجريد في علم البديع مثل قول علقمة بن عبده في طالع قصيدته: طَحَا بكَ قلبٌ في الحسان طروب *** مخاطباً نفسه على طريقة التجريد، فهذا ليس بالتفات عند الجمهور وهو معدود من الالتفات عند السكاكي، فتسمية الالتفات التفاتاً على رأي الجمهور باعتبار أن عدول المتكلم عن الطريق الذي سلكه إلى طريق آخر يشبه حالة الناظر إلى شيء ثم يلتفت عنه، وأما تسميته التفاتاً على رأي السكاكي فتجري على اعتبار الغالب من صور الالتفات دون صورة التجريد، ولعل السكاكي التزم هذه التسمية لأنها تقررت من قبله فتابع هو الجمهور في هذا الاسم.

ومما يجب التنبه له أن الاسم الظاهر معتبر من قبيل الغائب على كلا الرأيين، ولذلك كان قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ التفاتاً على كلا الرأيين لأن ما سبق من أول السورة إلى قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ تعْبير بالاسم الظاهر وهو اسم الجلالة وصفاته.

ولأهل البلاغة عناية بالالتفات لأن فيه تجديدَ أسلوب التعْبير عن المعنى بعينه تحاشياً من تكرر الأسلوب الواحد عدة مرار فيحصل بتجديد الأسلوب تجديد نشاط السامع كي لا يمل من إعادة أسلوب بعينه.

قال السكاكي في «المفتاح» بعد أن ذكر أن العرب يستكثرون من الالتفات: «أَفتراهم يحسنون قِرى الأشباح فيخالفون بين لون ولون وطَعْم وطَعْم ولا يحسنون قِرى الأرواح فيخالفون بين أسلوب وأسلوب».

فهذه فائدة مطردة في الالتفات.

ثم إن البلغاء لا يقتصرون عليها غالباً بل يراعون للالتفات لطائف ومناسبات ولم يزل أهل النقد والأدب يستخرجون ذلك من مغاصه.

وما هنا التفاتٌ بديع فإن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات بلغت به الفكرة منتهاهَا فتخيل نفسه في حضرة الربوبية فخاطب ربه بالإقبال، كعكس هذا الالتفاتتِ في قول محمد بن بشير الخارجي (نسبَة إلى بني خارجة قبيلة): ذُممتَ ولم تُحمد وأدركتُ حاجةً *** تولَّى سواكم أَجرَها واصطناعها أَبى لك كَسْبَ الحمدِ رأيٌ مقصِّرُ *** ونفسٌ أضاق اللَّهُ بالخير باعها إذا هي حثتْه على الخير مرة *** عصاها وإنْ هَمَّت بشرَ أطاعها فخاطبه ابتداء ثم ذكر قصور رأيه وعدم انطباع نفسه على الخير فالتفت من خطابه إلى التعبير عنه بضمير الغيبة فقال: إذا هي حثته فكأنه تخيله قد تضاءل حتى غاب عنه، وبعكس ذلك قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي ﴾ [العنكبوت: 23] لاعتبار تشنيع كفر المتحدَّث عنهم بأنهم كفروا بآيات صاحب ذلك الاسم الجليل، وبعد تقرر ذلك انتقل إلى أسلوب ضمير المتكلم إذ هو الأصل في التعبير عن الأشياء المضافة إلى ذات المتكلم.

ومما يزيد الالتفات وقعاً في الآية أنه تخلص من الثناء إلى الدعاء ولا شك أن الدعاء يقتضي الخطاب فكان قوله: ﴿ إياك نعبد ﴾ تخلصاً يجئ بعده: ﴿ اهدنا الصراط ﴾ ونظيره في ذلك قول النابغة في رثاء النعمان الغساني: أبى غفلتي أَني إذا ما ذكرته *** تحرك داء في فُؤَادِيَ داخل وأن تِلاَدِي إنْ نظرتُ وشكَّتِي *** ومُهري وما ضَمَّت إليَّ الأنامل حِباؤُك والعيسُ العتاقُ كأنها *** هِجان المَهى تُزْجى عليها الرحائل وأبو الفتح ابن جني يسمى الالتفات «شَجاعة العربية» كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ وتمكنه من تصريف أساليب كلامه كيف شاء كما يتصرف الشجاع في مجال الوغي بالكر والفر.

و (إياك) ضمير خطاب في حالة النصب.

والأظهر أن كلمة إيا جعلت ليَعْتَمِد عليها الضمير عند انفصاله ولذلك لزمتها الضمائر نحو: إياي تعني، وإيَّاك أعني، وإيَّاهم أرجو.

ومن هنالك التزم في التحذير لأن الضمير انفصل عند التزام حذف العامل.

ومن النحاة من جعل (إيَّا) ضميراً منفصلاً ملازماً حالة واحدة وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد.

ومنهم من جعل (إيَّا) هو الضمير وجعل ما بعده حروفاً لبيان الضمير.

ومنهم من جعل (إيَّا) اعتماداً للضمير كما كانت أيٌّ اعتماداً للمنادى الذي فيه ال.

ومنهم من جعل (إيَّا) اسماً ظاهراً مضافاً للمضمَرات.

والعبادة فعل يدل على الخضوع أو التعظيم الزائدين على المتعارف بين الناس.

وأما إطلاقها على الطاعة فهو مجاز.

والعبادة في الشرع أخص فتُعرَّف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربه، وقال الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56] ((العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق، وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه الشرائع وإن اختلفوا في الوضع والهيئة والقلة والكثرة)) ا ه فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال لأحكام الشريعة كلها.

وقد فسر الصوفية العبادة بأنها فعل ما يرضي الرب، والعبودية بالرضا بما يفعل الرب.

فهي أقوى.

وقال بعضهم: العبودية الوفاء بالعهود، وحفظ الحدود، والرضا بالموجود.

والصبر على المفقود.

وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها.

قال الفخر: ((مراتب العبادة ثلاث: الأولى أن يعبد الله طمعاً في الثواب وخوفاً من العقاب وهي العبادة، وهي درجة نازلة ساقطة لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب.

الثانية أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته والانتساب إليه بقبول تكاليفه وهي أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة لأن المقصود بالذات غير الله.

الثالثة أن يعبد الله لكونه إلها خالقاً مستحقاً للعبادة وكونه هو عبداً له، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية)) ا ه.

قلت ولم يسم الإمام المرتبة الثالثة باسم والظاهر أنها ملحقة في الاسم بالمرتبة الثالثة أعني العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال في «الإشارات»: ((العارف يريد الحق لا لشيء غيره ولا يُؤْثِر شيئاً على عرفانه وتعبُّدُه له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة)) ا ه فجعلهما حالة واحدة.

وما ادعاه الفخر في سقوط الدرجة الأولى ونزول مرتبتها قد غلب عليه فيه اصطلاح غلاة الصوفية وإلا فإن العبادة للطمع والخوف هي التي دعا إليها الإسلام في سائر إرشاده، وهي التي عليها جمهور المؤمنين وهي غاية التكليف، كيف وقد قال تعالى: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ [فاطر: 28] فإن بلغ المكلف إلى المرتبتين الأخريين فذلك فضل عظيم وقليل ما هم، على أنه لا يخلو من ملاحظة الخوف والطمع في أحوال كثيرة، نعم إن أفاضل الأمة متفاوتون في الاحتياج إلى التخويف والإطماع بمقدار تفاوتهم في العلم بأسرار التكليف ومصالحه وتفاوتهم في التمكن من مغالبة نفوسهم، ومع ذلك لا محيص لهم عن الرجوع إلى الخوف في أحوال كثيرة والطمع في أحوال أكثر.

وأعظم دليل على ما قلنا أن الله تعالى مدح في كتابه المتقين في مواضع جمة ودعا إلى التقوى، وهل التقوى إلا كاسمهما بمعنى الخوف والاتقاء من غضب الله قال تعالى: ﴿ ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ﴾ [الإسراء: 57].

والمرتبة الثالثة هي التي أشار لها قوله صلى الله عليه وسلم لمن قال له كيف تُجهد نفسك في العبادة وقد غَفَر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: " أفلا أكون عبداً شكوراً " لأن من الظاهر أن الشكر هنا على نعمة قد حصلت فليس فيه حظ للنفس بالطمع في المزيد لأن الغفران العام قد حصل له فصار الشكر لأجل المشكور لا غير وتمحض أنه لا لخوف ولا طمع.

واعلم أن من أهم المباحث البحثَ عن سر العبادة وتأثيرها وسر مشروعيتها لنا وذلك أن الله تعالى خلق هذا العالم ليكون مظهراً لكمال صفاته تعالى: الوجود، والعلم، والقدرة.

وجعل قبول الإنسان للكمالات التي بمقياسها يَعلم نسبة مبلغ علمه وقدرته من علم الله تعالى وقدرته، وأودع فيه الروح والعقل اللذين بهما يزداد التدرج في الكمال ليكون غير قانع بما بلغه من المراتب في أوج الكمال والمعرفة، وأرشده وهداه إلى ما يستعين به على مرامه ليحصل له بالارتقاء العاجل رُقيّ آجل لا يضمحل، وجعل استعداده لقبول الخيرات كلها عاجلها وآجلها متوقفاً على التلقين من السَّفَرَة الموحَى إليهم بأصول الفضائل.

ولما توقف ذلك على مراقبة النفس في نَفَرَاتها وشَرَدَاتها وكانت تلك المراقبة تحتاج إلى تذكر المُجازي بالخير وضده، شُرعت العبادة لِتَذَكُّرِ ذلك المُجازي لأن عدم حضور ذاته واحتجابَه بسُبحات الجلال يُسَرِّب نسيانَه إلى النفوس، كما أنه جعل نظامه في هذا العالم متصلَ الارتباط بين أفراده فأمرهم بلزوم آداب المعاشرة والمعاملة لئلا يفسُد النظام، ولمراقبة الدوام على ذلك أيضاً شُرعت العبادة لتذكِّرَ به، على أن في ذلك التذكر دوامَ الفكر في الخالق وشؤونه وفي ذلك تخلق بالكمالات تدريجاً فظهر أن العبادة هي طريق الكمال الذاتي والاجتماعي مَبدأً ونهايةً، وبه يتضح معنى قوله تعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56] فالعبادة على الجملة لا تخرج عن كونها محقِّقة للمقصد من الخلق، ولما كان سرُّ الخلق والغايةُ منه خفيةَ الإدراككِ عَرَّفنا الله تعالى إياها بمظهرها وما يحققها جمعاً لعظيم المعاني في جملة واحدة وهي جملة: ﴿ إلا ليعبدون ﴾ ، وقريب من هذا التقرير الذي نحوناه وأقل منه قول الشيخ ابن سينا في «الإشارات»: ((لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما يُفرغ كل واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير وكانَ مما يتعسر إنْ أمكن، وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفَظه شرعٌ يَفرِضه شارع متميزٌ باستحقاق الطاعة ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند القدير الخبير، فوجب معرفة المُجازي والشارع وأن يكون مع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففُرِضت عليهم العبادة المذكِّرة للمعبود، وكررت عليهم ليُسْتَحْفَظ التذكيرُ بالتكرير)) ا ه.

لا شك أن داعي العبادة التعظيم والإجلال وهو إما عن محبة أو عن خوف مجرد، وأهمه ما كان عن محبة لأنه يرضي نفس فاعله قال: أهابككِ إجلالاً وما بككِ قدرةٌ *** عليّ ولكن ملء عين حبيبها وهي تستلزم الخوف من غضب المحبوب قال محمود الوراق أو منصور الفقيه: تَعصي الإله وأنتَ تُظهر حبَّه *** هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأَطَعْتَه *** إن المحبَّ لمن يُحِب مطيع ولذلك قال تعالى: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ [آل عمران: 31] فذلك يشعر بأن اتباع الشريعة يوجب محبة الله وأن المحب يود أن يحبه حبيبه كما قال المتنبي: أنت الحبيب ولكني أعوذ به *** من أن أكون مُحباً غير محبوب وإلى هذا النوع ترجع عبادة أكثر الأمم، ومنها العبادة المشروعة في جميع الشرائع لأنها مبنية على حب الله تعالى، وكذلك عبادة المشركين أصنامهم قال تعالى: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ﴾ [البقرة: 165].

ومن الأمم من عبدت عن خوف دون محبة وإنما هو لاتقاء شر كما عبدت بعض الأمم الشياطين وعبدت المانوية من المجوس المعبود (أهْرُمُنْ) وهو عندهم رب الشر والضر ويرمزون إليه بعنصر الظُلمة وأنه تولد من خاطر سوء خطر للرب (يَزْدَان) إله الخير، قال المعري: فَكَّرَ يَزْدَانُ على غِرة *** فَصِيغَ من تفكيره أَهْرُمُنْ والحصر المستفاد من تقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ حصر حقيقي لأن المؤمنين الملقَّنين لهذا الحمد لا يعبدون إلا الله.

وزعم ابن الحاجب في «إيضاح المفصل» في شرح ديباجة «المفصل» عند قول الزمخشري «اللهاَ أحمد» أن التقديم لا يفيد إلا الاهتمام دون حصر وأن قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ تقديم المفعول للاهتمام دون قصر وأن تمسكهم بقوله: ﴿ بل الله فاعْبُد ﴾ [الزمر: 66] ضعيف لورود: ﴿ فاعبد الله مخلصا له الدين ﴾ [الزمر: 2] وإبطال رأيه مقرر في كتب علم المعاني.

وأنا أرى استدلاله بورود قوله تعالى: ﴿ فاعبد الله ﴾ لا يليق بمقامه العلمي إذ لا يظن أن محامل الكلام متماثلة في كل مقام، ﴿ وإياك نستعين ﴾ جملة معطوفة على جملة ﴿ إياك نعبد ﴾ وإنما لم تفصل عن جملة ﴿ إياك نعبد ﴾ بطريقة تعداد الجمل مقام التضرع ونحوه من مقامات التعداد والتكرير كلاً أو بعضاً للإشارة إلى خطور الفعلين جميعاً في إرادة المتكلمين بهذا التخصيص، أي نخصك بالاستعانة أيضاً مع تخصيصك بالعبادة.

والاستعانةُ طلب العون.

والعون والإعانة تسهيل فعللِ شيء يشُق ويعسُر على المستعين وحدَه، فهي تحصل بإعداد طريق تحصيله من إعارة آلة، أو مشاركة بعمل البدن كالحمل والقَوْد، أو بقول كالإرشاد والتعليم، أو برأي كالنصيحة.

قال الحريري في المقامة: «وخُلُقي نعم العون»، أو بمال كدفع المغرم، بحيث يحصل الأمر بعسير من جهود المستعين والمعين.

وأما الاستعانة بالله فهي طلب المعونة على ما لا قِبل للبشر بالإعانة عليه ولا قبل للمستعين بتحصيله بمفرده، ولذلك فهي مشعرة بأن المستعين يصرف مقدرته لتحصيل الفعل ويطلب من الله العون عليه بتيسير ما لا قِبل لقدرة المستعين على تحصيله بمفرده، فهذه هي المعونة شرعاً.

وقد فسرها العلماء بأنها هي خَلْق ما به تمامُ الفعل أو تيسيرُه، فتنقسم قسمين ضرورية أي ما يتوقف الفعل عليها فلا يحصل بدونها أي لا يحصل بدون توفر متعلقها وهي إعطاء الاقتدار للفاعل وتصوره للفعل وحصول المادة والآلة، ومجموع هاته الأربعة يعبر عنه بالاستطاعة، ويعبر عنها بسلامة الأسباب والآلات وبها يصح تكليف المستطيع.

القسم الثاني المعونة غير الضرورية وينبغي أن تخص باسم الإعانة وهي إيجاد المُعين ما يتيسر به الفعل للمُعان حتى يسهل عليه ويقرب منه كإعداد الراحلة في السفر للقادر على المشي.

وبانضمام هذا المعنى للمعنى الأول تتم حقيقة التوفيق المعرف عندهم بأنه خلق القدرة والداعية إلى الطاعة، وسمى الراغب هذا القسم الثاني بالتوفيق ولا تعارض بين كلامه وبين تعريفهم إياه لما علمت من أنه لا يحصل إلا بعد حصول المعونة بالمعنى الأول فتم التوفيق؛ والمقصود هنا الاستعانة على الأفعال المهمة كلها التي أعلاها تلقي الدين وكلِّ ما يعسر على المرء تذليله من توجهات النفوس إلى الخير وما يستتبع ذلك من تحصيل الفضائل.

وقرينة هذا المقصود رسمه في فاتحة الكتاب ووقوعُ تخصيص الإعانة عقب التخصيص بالعبادة.

ولذلك حذف متعلِّق ﴿ نستعين ﴾ الذي حقه أن يذكر مجروراً بعلى، وقد أفاد هذا الحذفُ الهامُّ عموم الاستعانة المقصورة على الطلب من الله تأدباً معه تعالى، ومن توابع ذلك وأسبابه وهي المعارف والإرشادات والشرائع وأصول العلوم فكلها من الإعانة المطلوبة وكلها من الله تعالى فهو الذي ألهمنا مبادئ العلوم وكلفنا الشرائع ولقننا النطق، قال: ﴿ ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين ﴾ [البلد: 8 10] فالأول إيماء إلى طريق المعارف وأصلُها المحسوسات وأعلاها المبصرات، والثاني إيماء إلى النطق والبيان للتعليم، والثالث إلى الشرائع.

والحصر المستفاد من التقديم في قوله: ﴿ وإياك نستعين ﴾ حصر ادعائي للمبالغة لعدم الاعتداد بالاستعانات المتعارفة بين الناس بعضهم ببعض في شؤونهم، ومعنى الحصر هنا لا نستعين على عظائم الأمور التي لا يستعان فيها بالناس إلا بالله تعالى.

ويفيد هذا القصر فيهما التعريض بالمشركين الذين يعبدون غير الله ويستعينون بغيره لأنهم كانوا فريقين منهم من عبد غير الله على قصد التشريك إلا أَن وَلَعه واستهتاره بغير الله تعالى أنساه عبادة الله تعالى كما عبدت سَبأ الشمسَ وعبد الفُرس النورَ والظلمة، وعبدَ القِبط العِجل وألَّهوا الفراعنة، وعبدت أمم السودان الحيوانات كالثعابين.

ومن المشركين من أشرك مع عبادة الله عبادة غيره وهذا حال معظم العرب ممن عبد الأصنام أو عبد الكواكب، فقد عبدت ضبة وتَيْم وعُكْل الشمسَ، وعبدت كنانةُ القمَر، وعبدت لخم وخزاعةُ وبعض قريش الشِّعْرى، وعبدت تميم الدبَران، وعبدت طيئ الثُريا، وهؤلاء كلهم جعلوا الآلاهة بزعمهم وسيلة يتقربون بها إلى الله تعالى، فهؤلاء جمعوا العبادة والاستعانة بهم لأنَّ جَعْلَهم وسيلة إلى الله ضربٌ من الاستعانة، وإنما قلنا إن استفادة الرد على المشركين ونحوهم بطريق التعريض أي بطريق عُرض الكلام لأن القصر الحقيقي لا يصلح أن يكون لرد الاعتقاد إلا تعريضاً لأن معناه حاصل على الحقيقة كما أشار إليه السلكوتي في «حاشية التفسير».

فإن قلت كيف أمرنا بأن لا نعبد إلا الله ولا نستعين إلا به حسبما تشير إليه هذه الآية، وقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علَّم عبد الله بن عباس قال له «إذا سَأَلْتَ فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» فلم يأت بصيغة قصر.

قلت قد ذكر الشيخ الجد قدس الله روحه في تعليقه على هذا الحديث أن ترك طريقة القصر إيماء إلى أن المَقام لا يقبل الشركة وأن من حق السؤال أن لا يكون إلا لله القادر العليم، وقد قال علماء البلاغة إذا كان الفعل مقصوراً في نفسه فارتكاب طريق القصر لغو من الكلام ا ه.

وأقول تقفيةً على أثره إن مقام الحديث غير مقام الآية فمقام الحديث مقام تعليم خاص لمن نشأ وشب وترجل في الإسلام فتقرُّرُ قصر الحكم لديه على طَرَف الثمام ولذلك استغنى عنه وأما مقام هذه الآية فمقام مفتَتح الوحي والتشريع واستهلال الوعظ والتقريع، فناسب تأكيد الحكم بالقصر مع التعريض بحال الشرك الشنيع على أن تعليق الأمر بهما في جواب الشرط على حصول أيّ سؤال وأية استعانة يفيد مفاد القصر تعريضاً بالمشركين وبراءة من صنيعهم فقد كانوا يستعينون بآلهتهم.

ومن ذلك الاستقسام بالأزلام الموضوعة عند الآلهة والأصنام.

وضميرا ﴿ نعبد ونَستعين ﴾ يعودَان إلى تالي السورة ذاكراً معه جماعة المؤمنين.

وفي العدول عن ضمير الواحد إلى الإتيان بضمير المتكلم المشارَك الدلالة على أن هذه المحامد صادرة من جماعات، ففيه إغاظة للمشركين إذ يعلمون أن المسلمين صاروا في عِزة ومَنَعة، ولأنه أبلغ في الثناء من أعبد وأستعين لئلا تخلو المناجاة عن ثناء أيضاً بأن المحمود المعبود المستعان قد شهد له الجماعات وعرفوا فضله، وقريب من هذا قول النابغة في رثاء النعمان بن الحارث الغساني: قعودا له غسان يرجون أوْبَة *** وتُركٌ ورهطُ الأعجمين وكابُل إذ قصد من تعداد أصناف من الأمم الكناية عن عظمة النعمان وكثرة رعيته.

فكَأَنَّ الحامد لما انتقل من الحمد إلى المناجاة لم يغادر فرصة يقتنص منها الثناء إلا انتهزها.

ووجهه تقديم قوله ﴿ إياك نعبد ﴾ على قوله: ﴿ وإياك نستعين ﴾ أن العبادة تقرُّب للخالق تعالى فهي أجدر بالتقديم في المناجاة، وأما الاستعانة فهي لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدِّم المناجي ما هو من عزمه وصنعه على ما يسأله مما يعين على ذلك، ولأن الاستعانة بالله تتركب على كونه معبوداً للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على الاستعانة في التعقل.

وقد حصل من ذلك التقديم أيضاً إيفاء حق فواصل السورة المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان.

وأعيد لفظ ﴿ إياك ﴾ في الاستعانة دون أن يعطف فعل ﴿ نستعين ﴾ على ﴿ نعبد ﴾ مع أنهما مقصودان جميعاً كما أنبأ عنه عطف الجملة على الجملة لأن بين الحصرين فرقاً، فالحصر في ﴿ إياك نعبد ﴾ حقيقي والقصر في ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ [المائدة: 2] ولكنه لا يستعين في عظائم الأمور إلا بالله ولا يعد الاستعانة حقيقة إلا الاستعانة بالله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ إيّاكَ ﴾ هو كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اسْمَ اللَّهِ تَعالى مُضافٌ إلى الكافِ، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ.

والثّانِي: أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ كُنِّيَ بِها عَنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ فِيها إضافَةٌ لِأنَّ المُضْمَرَ لا يُضافُ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ نَعْبُدُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ العِبادَةَ الخُضُوعُ، ولا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّها أعْلى مَراتِبِ الخُضُوعِ، فَلا يَسْتَحِقُّها إلّا المُنْعِمُ بِأعْظَمِ النِّعَمِ، كالحَياةِ والعَقْلِ والسَّمْعِ والبَصَرِ.

والثّانِي: أنَّ العِبادَةَ الطّاعَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها التَّقَرُّبُ بِالطّاعَةِ.

والأوَّلُ أظْهَرُها، لِأنَّ النَّصارى عَبَدَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ تُطِعْهُ بِالعِبادَةِ، والنَّبِيُّ  مُطاعٌ، ولَيْسَ بِمَعْبُودٍ بِالطّاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي هريرة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ بالصاد.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن الأنباري عن ابن عباس.

أنه قرأ ﴿ اهدنا السراط ﴾ بالسين.

وأخرج أبن الأنباري عن عبد الله بن كثير.

أنه كان يقرأ ﴿ السراط ﴾ بالسين.

وأخرج ابن الأنباري عن الفراء قال: قرأ حمزة ﴿ الزراط ﴾ بالزاي قال الفراء: و ﴿ الزراط ﴾ باخلاص الزاي.

لغة لعذرة، وكلب، بني العين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يقول ألهمنا دينك الحق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ قال ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: ﴿ الصراط ﴾ الطريق.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والمحاملي في أماليه من نسخة المصنف والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ قال: هو الإِسلام، وهو أوسع مما بين السماء والأرض.

وأخرج ابن جريج عن ابن عباس قال: ﴿ الصراط المستقيم ﴾ الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ الصراط المستقيم ﴾ الإِسلام.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مروديه والبيهقي في شعب الإِيمان عن النّواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصرط جميعاً ولا تتفرقوا.

وداع يدعو من فوق: الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك.

لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه.

فالصراط الإِسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم» .

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو بكر بن الأنباري في كتاب المصاحف والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ قال: هو كتاب الله.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين.

ياعباد الله هذا الصراط فاتبعوه، ﴿ والصراط المستقيم ﴾ كتاب الله فتمسكوا به.

وأخرج ابن أبي شيبة والدرامي والترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مروديه والبيهقي في شعب الإيمان عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون فتن قلت: وما المخرج منها؟

قال: كتاب الله.

فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل وليس بالهزل، وهو حبل الله المتين، وهو ذكره الحكيم، وهو الصراط المستقيم» .

وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال: ﴿ الصراط المستقيم ﴾ الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: ﴿ الصراط المستقيم ﴾ تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرفه، والطرف الآخر في الجنة.

واخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن سعد عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن هو النور المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن عدي وابن عساكر من طريق عاصم الأحول عن أبي العالية في قوله: ﴿ الصراط المستقيم ﴾ قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده قال: فذكرنا ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية، ونصح.

وأخرج الحاكم وصححه من طريق أبي العالية عن ابن عباس في قوله: ﴿ الصراط المستقيم ﴾ قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية الرياحي قال: تعلموا الإسلام، فإذا علمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإن ﴿ الصراط المستقيم ﴾ الإسلام، ولا تحرفوا يميناً وشمالاً.

وأخرج سعيد بن منصور في سننه وابن المنذر والبيهقي في كتاب الرؤية عن سفيان قال: ليس في تفسير القرآن اختلاف إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا....

وأخرج ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية عن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء: إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً.

وأخرج ابن سعد عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس يحدث عن الخوارج الذين أنكروا الحكومة فاعتزلوا علي بن أبي طالب قال: فاعتزل منهم اثنا عشر ألفاً، فدعاني علي فقال: اذهب إليهم فخاصمهم، وادعهم إلى الكتاب والسنة، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذوو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة.

وأخرج ابن سعد عن عمران بن مناح قال: فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين فأنا أعلم بكتاب الله منهم.

في بيوتنا نزل فقال: صدقت، ولكن القرآن جمال ذو وجوه يقول...

ويقولون...

ولكن حاججهم بالسنن فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً.

فخرج ابن عباس إليهم، فحاججهم بالسنن، فلم يبق بأيديهم حجة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ الرجل ستين فإياه وإيا الشواب (١٠) وحكى ابن كيسان عن بعض النحويين أنه قال: (إياك) بكمالها: اسم.

قال: وقال بعضهم: (الياء والكاف والهاء) هي الأسماء، و (إيا) عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها (١١) وقال أبو إسحاق: (الكاف) في (إياك) في موضع جر بإضافة (١٢) (١٣) (١٤) أما قول الخليل: إن (إيا) اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد؛ وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافة؛ لأن الغرض في الإضافة التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص فلا حاجة به إلى الإضافة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا (١٥) وحكاية سيبويه في إضافة (١٦) (١٧) وأما قول من قال: (إياك) بكماله اسم، فليس (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وأما قول أبي إسحاق: وإن (إيا) اسم مظهر، خص بالإضافة إلى المضمر (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) واعلم: أن الضمير ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٤٨) (٤٩) أما ضمير المرفوع المتصل فنحو (تاء) فعلت وفعلت، وتثنيتهما، وجمعهما وتأنيثهما.

وأما ضمير المرفوع المنفصل فنحو (أنا وأنت وهو) وتثنيتها وجمعها، وتأنيثها (٥٠) وأما ضمير المنصوب المتصل فنحو (ياء) ضربني، و (كاف) ضربك و (هاء) ضربه (٥١) (٥٢) وأما المستكن فهو ما كان مستكنا في الفعل كقولك: قعد، وقام، فالضمير (٥٣) واعلم: أن (إيا) مبنية على السكون؛ لأن فيها شبه الحرف، فهي مثل (أنت، وأنا، وهو) وهذِه كلها مبنية لشبه الحرف، والألف في آخرها غير منقلبة مثل ألف (لا) و (ما) و (حتى) و (كلا) (٥٤) قال أبو الفتح: وحكى لي حاك عن أبي إسحاق قال (٥٥) ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ما تأويله؟

فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة، قال (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال صاحب "النظم" (٦١) فإياك والأمر الذي إن توسعت ...

موارده ضاقت عليك المصادر (٦٢) وربما قالوا: إياك الأسد، بلا (واو)، قال (٦٣) عليك القصد فاقصده برفق ...

وإياك المحاين أن تحينا (٦٤) فمن حذف (الواو)، فمعناه احذر على نفسك الأسد، وصن (٦٥) (٦٦) قال أبو بكر (٦٧) ﴿ إِيَّاكَ ﴾ بعد (٦٨) ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ (٦٩) (٧٠) ﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا  ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً  ﴾ وقال الأعشى: عنده البر والتقى وأسا الصد ...

ع وحمل لمضلع الأثقال ووفاء (٧١) (٧٢) وأنشد أبو عبيدة (٧٣) يا لهف نفسي كان جدة خالد ...

وبياض وجهك للتراب الأعفر (٧٤) وقال كثير (٧٥) (٧٦) وقوله تعالى: ﴿ نَعْبُدُ ﴾ معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله عز وجل، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللا موطوءا (٧٧) (٧٨) (٧٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قال أبو بكر: وإنما كرر (إياك) للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى  ﴾ أراد (وما قلاك) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني (٨٦) ويقال: لم قدم ذكر العبادة على المعونة، وإنما المعونة بها تكون العبادة؟

والجواب: أن الواو عند النحويين لا توجب ترتيبا (٨٧) (٨٨) (٨٩) (١) في (ج): (نحبد) تصحيف.

(٢) في (ب): (اختلف).

(٣) ما ذكره الواحدي عن (إياك) نقله عن أبي الفتح ابن جني من كتاب "سر صناعة الإعراب" == مع تصرف يسير في العبارة، وأبو الفتح اعتمد على أبي علي الفارسي، وصرح بنقله عنه، وكلام الفارسي موجود في "الإغفال" قال أبو الفتح: (وهذِه مسألة لطيفة عنت لنا في أثناء هذا الفصل، نحن نشرحها ونذكر خلاف العلماء فيها، ونخبر بالصواب عندنا من أمرها إن شاء الله وهي قوله عز اسمه ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وما كان مثله.

أخبرني أبو علي، عن أبي بكر محمد بن السري، عن أبي العباس محمد بن يزيد: أن الخليل يذهب إلى أن (إيا) اسم مضمر مضاف إلى الكاف ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312، وانظر: "الإغفال" ص 52 (رسالة ماجستير).

(٤) هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني الشيباني، النحوي المشهور، أستاذ أبى العباس المبرد، اختلف في سنة وفاته فقيل: (236 هـ)، وقيل: (248 هـ)، وقيل: غير ذلك.

انظر ترجمته في "طبقات النحويين واللغويين" ص 87، "تاريخ بغداد" 7/ 93، "إنباه الرواة" 1/ 246، "معجم الأدباء" 2/ 345، "نزهة الألباء" ص 140.

(٥) هو محمد بن السري كما في "سر صناعة الإعراب" 1/ 312.

(٦) المبرد، "سر صناعة الإعراب" 1/ 312.

(٧) في (ب): (الخير).

(٨) في (ب): (يتغير).

(٩) في (ج): (الباصل).

(١٠) "سر صناعة الإعراب" 1/ 313.

وانظر قول سيبويه في "الكتاب" 1/ 279 (تحقيق عبد السلام هارون)، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 11، "اللسان" (إيا) 1/ 187.

(١١) انظر بقية كلام ابن كيسان في "سر صناعة الإعراب" 1/ 313.

(١٢) في (ب): (اضافة).

(١٣) "سر صناعة الإعراب" 1/ 313، وانظر نص قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 10، 11.

قال الزجاج: (..

و (أيا) اسم للمضمر المنصوب إلى أنه يضاف إلى سائر المضمرات ..).

(١٤) قال أبو الفتح: (وتأملنا هذِه الأقوال على اختلافها والاعتدال لكل قول منها، فلم نجد فيها ما يصح مع الفحص والتنقيب غير قول أبي الحسن الأخفش ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 314.

(١٥) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.

(١٦) عند أبي الفتح: (فأما ما حكاه سيبويه عنه (أي عن الخليل) من قولهم: فإياه وإيا الشواب، فليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع ...

الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.

(١٧) في (ب): (إيا إليها) زيادة (إليها).

(١٨) في (ب): (فليست).

(١٩) في (ب): (الياء) تصحيف.

(٢٠) عند أبي الفتح: (تفيد خطاب ..)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.

(٢١) فلا يكون (إياك) بكماله اسم.

(٢٢) عند أبي الفتح: (وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) في إياك وإياه وإياي هي الأسماء وأن (إيا) إنما عمدت بها هذِه الأسماء لقلتها فغير مرضي أيضا) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.

(٢٣) في (ب): (ايه).

(٢٤) في (أ): (أخرى) وما في (ب)، (ج) موافق لما عند أبي الفتح، 1/ 316.

(٢٥) عند أبي الفتح: (اسم مضمر منفصل) وفي الحاشية: (اسم) سقط من (ش)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.

(٢٦) فالتاء في (قمت) ضمير، وفي (أنت) التاء للخطاب و (الاسم) أن.

(٢٧) في (ب): (ليس).

(٢٨) في (ب): (التاء).

(٢٩) في ب، (ج): (والمتكلم) وعند أبي الفتح (التكلم) وفي الحاشية (ل)، (ب): (المتكلم) "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.

(٣٠) "سر صناعة الإعراب" 1/ 316، وانظر رأي أبي إسحاق في "معاني القرآن" 1/ 10، 11.

(٣١) عند أبي الفتح: (...

وهو الرفع، فكما أن (أنا وأنت وهو ونحن) وما أشبه ذلك أسماء مضمرة، فكذلك (إيا) اسم مضمر لاقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، ولم نعلم اسما مظهرا ...

الخ) 1/ 316.

(٣٢) قال أبو الفتح: (ولم نعلم اسما مظهرا اقتصر به على النصب البتة إلى ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية وذلك نحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وذا صباح وما جرى مجراهن، شيئا من المصادر نحو: سبحان الله ...

الخ)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 316.

(٣٣) في (ج): (ولرايتك).

(٣٤) في (ب): (عمروا).

وقوله (ليسك عمرا) أي: (ليس عمرا) والكاف لتوكيد الخطاب، وكذا أبصرك زيدا، أى أبصر زيدا.

انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 309.

(٣٥) (النجاءك): إذا أردت: انج، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3509، "سر صناعة الإعراب" 1/ 308.

(٣٦) في "سر صناعة الإعراب" (...

فكيف يصنع أبو الحسن بقولهم: إياه وإياي ...) 1/ 317.

(٣٧) في (ج): (ولنا).

(٣٨) (غير) كنا في جميع النسخ، وعند أبي الفتح (عن) وهو الصحيح.

"سر صناعة الإعراب" 1/ 317.

(٣٩) فكما كانت (الكاف) حرف خطاب في (إياك) تكون (الهاء) في (إياه) و (الياء) في (إياي) حرفين، ولا مسوغ لاختلافهما عن (الكاف).

(٤٠) في (ب): (ولا خلاصة للحرفة).

(٤١) في (ج): (أخوك).

(٤٢) في (ب): (الضمير).

(٤٣) في (ج): (خلق).

(٤٤) فصل أبو الفتح هذا بالأمثلة، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 318.

(٤٥) في (ب): (واخلصا).

(٤٦) قال أبو الفتح: (...

فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل وبه كان أبو علي رحمه الله ينتصر لمذهب أبي الحسن ويذب عنه، ولا غاية في جودة الحجاج بعده)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 318.

(٤٧) انتهى ما نقله عن أبي الفتح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 312 - 318، وانظر: "الإغفال" ص 50 - 57.

(٤٨) هذا البحث لا علاقهَ له بتفسير الآية، ومكانه كتب النحو واللغة، وجرى الواحدي في == هذا على منهج شيخه الثعلبي حيث ذكر أقسام الضمير في هذا الموضع 1/ 129/ أ، وانظر أقسام الضمير في باب: الكنايات في (أصول النحو) لابن السرج 2/ 114، (التبصرة والتذكرة) للصيمري 1/ 493 - 511.

(٤٩) في (ب): (ثلاثة أنواع أوجه) وكلمة (أنواع) جاءت في الجانب فلعلها شر من الكاتب (٥٠) في (ج): (وتثنيتهما وجمعهما وتأنيثهما).

(٥١) في (ب): (ضربته).

(٥٢) (تأنيثها) سقط من (ب).

(٥٣) في (ب): (والضمير).

(٥٤) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 655، 656.

(٥٥) في "سر صناعة الإعراب": (أراه قال لي: سمعته ....) 2/ 656.

(٥٦) قال: المراد أبو الفتح.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656.

(٥٧) في (ب): (جمع).

(٥٨) وهو ما تقدم مما قرره الواحدي نقلا عن أبي الفتح ابن جني.

(٥٩) انظر بقية كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 2/ 656، وانظر (المحتسب) 1/ 40.

(٦٠) ترك الواحدي بقية كلام أبي الفتح، فلم يرد جواب السؤال واضحا، قال أبو الفتح بعد هذا: (ولكنك إن تكلفت ذلك على تبيين حاله لو كان مما يصح تمثيله، لاحتمل أن يكون من ألفاظ مختلفة، وعلى أمثلة مختلفة فالألفاظ ثلاثة: أحدها: أن يكون من لفظ (أويت)، والآخر: من لفظ الآية، والآخر: من تركيب (أوو ...)، ثم أخذ في تفصيل ذلك في كلام طويل.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 656 - 664.

(٦١) هو أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني، وكتابه هو "نظم القرآن" سبق الحديث عنه وعن كتابه في مصادر الواحدي في "البسيط"، وذكرت هناك: أن كتاب "نظم القرآن" مفقود، وقد نقل عنه الواحدي كثيرا.

(٦٢) ينسب البيت للطفيل الغنوي، وهو في (ديوانه) ص 102، قال المحقق: وهو قريب من شعر الطفيل، وينسب لمضرس بن ربعي الفقعسي، وكل المصادر روت البيت (فهياك) بدل (فإياك) وهو الشاهد عندهم حيث أبدل الهمزة هاء.

ورد البيت في "المحتسب" 1/ 40، ("الإنصاف") 1/ 215، "ديوان الطفيل الغنوي" ص 102، "اللسان" (هيا) 8/ 4743، "الكشاف" 1/ 62، والقرطبي 1/ 127.

(٦٣) في (ب): (وقال).

(٦٤) أنشد الفراء شطره الثاني ولم ينسبه "معاني القرآن" 1/ 166، وكذا المزني في "معاني الحروف" ص 102، وابن قتيبة في (أدب الكاتب) ص 322 وشطره الأول عنده: ألا أبلغ أبا عمرو رسولا وقوله: المحاين: المهالك، تحين: تهلك أو يأتي حينها ووقتها.

(٦٥) في (ج): (أوصن).

(٦٦) أي ضمير (إيا).

(٦٧) ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 1/ 14.

(٦٨) في (ب): (إياك نعبد قوله) وفي (ج) سقطت (بعد).

(٦٩) في (ب): (مالك).

(٧٠) انظر: "زاد المسير" 1/ 14، "مجاز القرآن" 1/ 23، والطبري 1/ 67، وابن عطية 1/ 104، "الكشاف" 1/ 62، والرازي 1/ 252.

(٧١) في (ج): (ووحاء).

(٧٢) البيتان من قصيدة للأعشى يمدح الأسود بن المنذر، وليس البيتان متواليين في القصيدة، وإنما بينهما أبيات، وفي "الديوان" ورد (الحزم) بدل (البر) و (الصرع) بدل (الصدع).

قوله: (التقي) أي: الحذر، (أسا): دواء.

انظر: "الديوان" ص 166 - 167، ولم أجدهما في غيره.

(٧٣) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 24.

(٧٤) البيت لأبي كبير الهذلي، يرثي صديقا له اسمه خالد (جدة) يعني: شبابه، (الأعفر) يقول: دفن في أرض ترابها أعفر: أي: أبيض.

ورد البيت في "مجاز القرآن" 1/ 24، "شرح أشعار الهذليين" للسكري 3/ 1081، والطبري 1/ 67، "أمالي ابن الشجري" 1/ 117، وابن عطية 1/ 104.

(٧٥) هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة من خزاعة، كان أحد العشاق المشهورين، وصاحبته (عزة) وهي من ضمرة، وإليها ينسب، كان كثير رافضيا توفي في اليوم الذي توفي فيه عكرمة مولى ابن عباس.

انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 334، "طبقات فحول الشعراء" 2/ 534، "الخزانة" 5/ 221.

(٧٦) من قصيدة لكثير في ذكر (عزة) قوله (مقلية) من القلي وهو البغض، (تقلت) تبغضت، ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 343، "ديوان كثير" ص 101، نشر دار الثقافة بيروت، "أمالي ابن الشجري" 1/ 49، 118، "المحكم" 3/ 144، "الخزانة" 5/ 219.

(٧٧) في (ب): (بوطوا).

(٧٨) ذكر هذِه المعاني الثعلبي في "تفسيره الكشاف" 1/ 29/ ب، وانظر الطبري 1/ 69.

(٧٩) أراد أبيات طرفة التي ذكرها الثعلبي بعد الكلام السابق وهي: قال طرفة: تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ...

وظيفا وظيفا فوق مور معبد وقوله: إلى أن تحامتني العشيرة كلها ...

وأفردت إفراد البعير المعبد انظر الثعلبي 1/ 29/ ب، والطبري 1/ 69، "الأضداد" لابن الأنباري ص 35.

(٨٠) ذكر نحوه الثعلبي 1/ 29/ ب وذكره ابن جرير ثم رده قال: (وقد ظن من لم ينعم النظر أن إعادة (إياك) مع (نستعين) بعد تقدمها في قوله: ﴿ إياك نعبد ﴾ بمعنى قول عدي بن زيد: وجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به ...

بين النهار وبين الليل قد فصلا وذكر بيتا آخر ..

ثم قال: وذلك من قائله جهل، من أجل أن حظ إياك أن تكون مكررة مع كل فعل ..

الخ).

الطبري 1/ 71.

(٨١) يعني: الضميرين.

(٨٢) في (ج): (الكائن).

(٨٣) ذكر نحوه ابن جرير 1/ 71.

قال أبو حيان: كرر (إياك) ليكون كل من العبادة والاستعانة سيقا في جملتين، وكل منهما مقصودة، وللتنصيص على طلب العون منه ...)، "البحر المحيط" 1/ 25.

وقال أبو السعود: (تكرير الضمير المنصوب للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة من العبادة والاستعانة)، أبو السعود 1/ 17، وانظر ابن كثير 1/ 28.

(٨٤) أي كرر للتوكيد، واختار ابن جرير الثاني 1/ 71.

(٨٥) قال ابن جرير: إن الأفصح إعادة الضمير مع كل فعل اتصل به، فيقال: (اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك) ..

وإن كان ترك الإعادة جائزا.

انظر الطبري 1/ 71.

(٨٦) قال أبو حيان: حذف المفعول اختصارا في (قلى) إذ يعلم أنه ضمير المخاطب وهو الرسول  .

"البحر المحيط" 8/ 485، وقال الرازي في حذف الكاف وجوه: 1 - اكتفاء بالكاف في (ودعك)، ولأن رؤوس الآيات بالياء، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف.

2 - الإطلاق، أنه ما قلاك، ولا أحدا من أصحابك، ولا أحدا ممن أحبك.

الرازي 31/ 209، وانظر القرطبي 20/ 94.

(٨٧) انظر: "الكتاب" 3/ 42، "سر صناعة الإعراب" 2/ 632.

(٨٨) وعليه فتقديم الخبر عن العبادة وتأخير مسألة طلب المعونة، ليس من باب الترتيب، واختار الطبري هذا قال: (..

كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه ...

ثم قال: == وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ....).

الطبري 1/ 70.

وقال ابن كثير 1/ 28: (قدم ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ على ﴿ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم).

وللرازي في هذا التقديم تعليلات يطول ذكرها.

انظر (تفسيره) 1/ 254.

(٨٩) في (ج): (يحتج).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع المثاني.

وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدّم في اللغات من تفسير ألفاظها، واختُلف هل هي مكية أو مدنية؟

ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلاّ أن الشافعي يعدّ البسملة آية منها، والمالكيّ يسقطها، ويعدّ أنعمت عليهم آية.

الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة.

وحجتهما؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ ما تيسر من القرآن» .

الفائدة الثانية: اختلف هل أوّل الفاتحة على إضمار القول تعليماً للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولابدّ من إضمار القول في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وما بعده.

الفائدة الثالثة: الحمد أَعَمُّ من الشكر؛ لأنّ الشكر لا يكون إلاّ جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح.

فإذا فهمتَ عموم الحمد: علمتَ أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميعَ خلقه في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق دون عدّهَ عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة.

الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التحدث بالنعم شكر» والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة.

والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضلا باستحقاق العبد.

واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى.

ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير.

والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا مُنعوا شكروا.

وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الخلق فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة.

الفائدة الخامسة: قولنا: ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ أفضل عند المحققين من لا إله إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرّجه النسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة» والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إله إلا الله حاصل في قولك ﴿ رَبِّ العالمين ﴾ وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدّمنا، وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» ، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إله إلا الله.

الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: الإله، والسيد، والمالك، والمصلح.

وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات.

الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور.

والثالث: أنها لا تقتضي خلاف الأصل.

وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي على طريقة الاتساع، وأُجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف.

وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلاّ أنها شاذة.

الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جرّ مالك ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اس الفاعل غير محضة؟

فالجواب: أنها تكون غير محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائماً فإضافته محضة.

الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء والقهر، ومنه ﴿ أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ [الصافات: 53].

الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدّم ليفيد الحصر فإنّ تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ اعترافاً بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلاّ بالله وحده.

الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأنّ الحق بين ذلك.

الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى.

فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون الهدى وهو حاصل لهم؟

فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو الزيادة منه فإنّ الارتقاء في المقامات لا نهاية له.

الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأنّ تلك السنة في الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة.

وكذلك قدّم الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدّم إياك نعبد على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة.

الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرّب منه فصار من أهل الحضور فناداه.

الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، والمعنيان متقاربان، لأنّ القرآن يضمّن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صاداً لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في الجهر.

الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.

وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأوّل أرجح لعمومه، ولقوله: ﴿ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين ﴾ [النساء: 69].

الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال.

الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله.

والغضب لما لم يسم فاعله على وجه التأدب: كقوله: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 80] وعليهم أوّل في موضع نصب، والثاني في موضع رفع.

الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وجلاله قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: كقوله: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ ﴾ [البقرة: 90]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السبيل ﴾ [المائدة: 77].

الفائدة العشرون: هذه السور جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدّمة الأول تعلم ذلك في الألوهية حاصلاً في قوله: كلها من الاعتقادات والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مدّ الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ والإمام إذا أسرّ، واختلفوا إذا جهر.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "مالك": بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك: ﴿ الرحيم ملك ﴾ مدغماً: أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل ﴿ قال لهم  ﴾ أو مخرج واحد مثل ﴿ ولتأت طائفة  ﴾ أو قريبي المخرج مثل ﴿ خلقكم  ﴾ و ﴿ لقد جاءكم  ﴾ سواء كان الحرف المدغم ساكناً مثل ﴿ أنبتت سبع سنابل  ﴾ ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركاً فأسكن للإدغام مثل ﴿ قيل لهم  ﴾ و ﴿ لذهب بسمعهم  ﴾ ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفاً نحو ﴿ أحل لكم  ﴾ و ﴿ مس سقر  ﴾ أو منقوصاً مثل ﴿ وما كنت ترجو  ﴾ و ﴿ كنت تراباً  ﴾ ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحاً قبله ساكن مثل { ﴿ البحر لتأكلوا  ﴾ و ﴿ والحمير لتركبوها  ﴾ إلا في مواضع أربعة { ﴿ كاد يزيغ  ﴾ و ﴿ قال رب ﴾ \[المؤمنون: 26\] في كل القرآن و ﴿ الصلاة طرفي النهار  ﴾ و ﴿ بعد توكيدها  ﴾ أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو ﴿ أفأنت تهدي  ﴾ ﴿ أفأنت تسمع  ﴾ وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين.

"الصراط" بإشمام الراء ههنا وفي جميع القرآن: حمزة.

وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد.

"عليهم": وإليهم ولديهم بضم الهاآت كل القرآن: حمزة وسهل ويعقوب.

ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو ﴿ أأنذرتهم أم  ﴾ .

الوقوف: العالمين (لا) لاتصال الصفة بالموصوف.

الرحيم (لا) لذلك.

الدين (ط) للعدول عن الغائب إلى المخاطب.

نستعين (ط) لابتداء الدعاء.

المستقيم (لا) لاتصال البدل بالمبدل.

أنعمت عليهم (لا) لاتصال البدل أو الصفة.

الضالين(ه).

التفسير: روي عن جندب عن رسول الله  : "من قال في كتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ" وعن ابن عباس قال: قال رسول الله  : "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" فذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في تفسير القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة  م قد فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه.

وليس كل ما قالوه سمعوه، كيف وقد " دعا النبي  لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" فإن كان التأويل مسموعاً كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك؟!

وإنما النهي يحمل على وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأوّل القرآن على وفق هواه ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.

وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ليس ذلك، ولكن يلبس على خصمه.

وقد يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه.

وقد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: المراد بفرعون في قوله  ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى  ﴾ هو النفس.

الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير.

فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أوّلاً ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهم والاستنباط.

والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة كقوله  { ﴿ وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها  ﴾ معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها.

فالناظر إلى ظاهر العربية يظن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء، وما يدري بما ظلموا وإنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم.

وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد الأصلية والفرعية.

واعلم أن مقتضى الديانة أن لا يؤوّل المسلم شيئاً من القرآن والحديث بالمعاني بحيث تبطل الأعيان التي فسرها النبي  ، والسلف الصالح مثل: الجنة والنار والصراط والميزان والحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها، ولكنه يجب أن يثبت تلك الأعيان كما جاءت.

ثم إن فهم منها حقائق أخرى ورموزاً ولطائف بحسب ما كوشف فلا بأس، فإن الله  ما خلق شيئاً في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئاً في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، وما خلق في العالمين شيئاً إلا وله أنموذج في عالم الإنسان والله  أعلم.

والتفسير أصله الكشف والإظهار وكذلك سائر تقاليبه.

من ذلك: سفرت المرأة كشفت عن وجهها، والسفر لأنه يكشف به عن وجوه الحوائج، ومنه السرف لأنه يكشف به عن ماله حينئذ.

والرفس لأنه يكشف عن عضوه وانكشاف حال المقيد في رسفانه واضح.

فمن التفسير ما يتعلق باللغة ومنه ما يتعلق بالصرف أو النحو أو المعاني أو البيان إلى غير ذلك من العلوم كما أشرنا إلى ذلك في آخر المقدمة العاشرة، ومنه أسباب النزول وذكر القصص والأخبار وغير ذلك.

ونحن على أن نورد بعد القرآن مع الترجمة القراءة ثم الوقوف ثم أسباب النزول ثم التفسير الشامل لجميع ذلك، ثم التأويل إن كان، ولم نذكره في التفسير ونذكر منه ما هو أقرب إلى الإمكان والله المستعان.

فلنشتغل بتفسير الفاتحة فنقول: في البسملة مسائل: الأولى: الجار والمجرور لا بد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدراً وأنه يكون فعلاً أو اسماً فيه رائحة الفعل.

وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدماً أو مؤخراً نحو: ابدأ بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدئ، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر ههنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال: بسم الله متبركاً، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح.

ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله  ﴿ بسم الله مجريها ومرساها  ﴾ لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون: ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله  قبله.

ولأنهم كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقول: باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في ﴿ إياك نعبد ﴾ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص.

قال في الكشاف: وإنما قدم الفعل في ﴿ اقرأ باسم ربك  ﴾ لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنهما أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.

وقال صاحب المفتاح: الصواب أن يقال: معنى إقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقاً باقرأ الثاني.

وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان: إما تعلق القلم بالكتبة في قولك "كتبت بالقلم" كان فعله لا يجيء معتداً به شرعاً إلا بعد تصديره بذكر الله قال  : "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر" وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله  ﴿ تنبت بالدهن ﴾ \[المؤمنون: 20\] أي متبركاً باسم الله أقرأ كما في قوله "بالرفاء والبنين" أي أعرست متلبساً بالرفاء وهذا أعرب وأحسن.

أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل.

وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله  عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليماً لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.

الثانية: أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ "الله" بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة: أحبب ربك بكل قلبك.

وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار.

وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفاً والرقيقة حرفاً آخر كما عدوا الدال حرفاً والطاء حرفاً آخر مع أن نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.

الثالثة: طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم.

وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيماً لكتاب الله.

وقال أهل الإشارة: الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ "الله" ارتفعت واستعملت.

فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.

الرابعة: إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة.

قال أهل الإشارة: الأصل في قولنا "الله" الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ: ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدئ من النكرة والجهالة ويترقى قليلاً قليلاً في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلاً قليلاً حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل: النهاية رجوع إلى البداية.

وأما حذف الألف قبل النون من لفظ "الرحمن" فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.

الخامسة: الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سميّ وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره.

وقيل: لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عالٍ عليه حذفوا عجزه كما في "يد" و "دم" فبقي حرفان أولهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذراً من اللكنة والبشاعة.

ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول: سم كما قال: باسم الذي في كل سورة سمه.

وقد يضم السين فيقال: "سم" كأن الأصل عنده "سمو".

وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة.

وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيماً وحجمه أوساماً.

السادسة: قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري: إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجوداً والمسمى معدوماً كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحداً كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسماً للمسمى وكونه المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة.

ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالماً بنفسه لأنهما متغايران اعتباراً، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقياً بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة.

وقال المعتزلة: الاسم نفس المسمى لقوله  ﴿ تبارك اسم ربك  ﴾ مكان "تبارك ربك": والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله  من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي.

وأيضاً قد يزاد لفظ الاسم مجازاً كقوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما.

قالوا: إذا قال الرجل: زينب طالق.

وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعاً.

قلنا: المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضاً مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.

السابعة: وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما.

والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعاً فيكون سابقاً عليه وضعاً.

وأيضاً الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل.

وأيضاً الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.

الثامنة: أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة: أولها: لاسم الواقع على الذات.

ثانيها: الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كالحيوان على الإنسان ثالثها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ.

رابعها: الواقع عليه بحسب صفة إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك.

خامسها: الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير.

سادسها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة.

سابعها: صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئاً.

ثامنها: صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق.

تاسعها صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسماً خارجاً عنها، سواء كان لله  أو لمخلوقاته.

التاسعة: هل لله  بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟

ذكر بعضهم أن حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته؟

وما الفائدة في ذلك؟

أقول: لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبداً، وأنه  بكل شيء محيط فلا يدركه شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقاً.

فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضاً إذا كان الواضع هو الله  وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسماً مخصوصاً لا يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكناً فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور.

فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات.

ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه.

منهم من قال: هو ذو الجلال والإكرام ولهذا قال  : "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات.

ومنهم من يقول: إنه الحي القيوم " "لقوله  لأبيّ بن كعب حين قال له: ما أعظم آية في كتاب الله؟

فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم.

فقال  :ليهنك العلم يا أبا المنذر" وزيف بأن الحي هو الدرّاك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما القيوم فمعناه كونه قائماً بنفسه مقوّماً لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي.

ومنهم من قال: إن أسماء الله  كلها عظيمة لا ينبغي أن يفاوت بينها، ورد بما مرّ من أن اسم الذات أشرف من اسم الصفة، ومنهم من قال: إن الإسم الأعظم هو الله وهذا أقرب، لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه  ، وإذا كان كذلك كان دالاً على ذاته المخصوصة، ويؤيد ذلك ما روت أسماء بنت زيد أن رسول الله  قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم  ﴾ وفاتحه سورة آل عمران ﴿ ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ " [آل عمران: 1 - 2] وعن بريدة " "أن رسول الله  سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى" ولا شك أن اسم الله في الآية والحديث أصل والصفات مرتبة عليه هذا، وأما الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزائه فمحال في حق الله  ، لأن ذاته  مبرأ عن شائبة التركيب بوجه من الوجوه.

وأما الاسم الدال بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة، فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود، وإما أن تكون كيفية من كيفيات الوجود، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود، فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأسماء الدالة على الوجود منها الشيء ويجوز إطلاقه على الله  عند الأكثرين لقوله  ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم  ﴾ ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ أي ذاته.

وفي الخبر "كان الله ولم يكن شيء غيره" ولأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه وذاته  كذلك.

حجة المخالف قوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ فلو كان الله  شيئاً لزم أن يكون خالق نفسه.

ومثله { ﴿ وهو على كل شيء قدير  ﴾ قلنا: خص بالدليل العقلي.

قالوا: ليس من صفات المدح.

قلنا: نعم هو خير من لا شيء، وإن كان سائر الأشياء مشتركة معه في ذلك كالموجود والكريم والحليم، فإن كلاً منها مدح بالنسبة إلى من لا وجود له ولا كرم ولا حلم، بل الشيء بالحقيقة هو وباقي الأشياء شيئيتها مستعارة كوجودها ومنها الموجود.

وأطبق المسلمون على جواز إطلاقه عليه  وكيف لا؟

ومعنى قول الموحد لا إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله.

ومنها الذات ولا شك في جواز إطلاقه عليه إذ يصدق على كل حقيقة أنها ذات الصفات أي صاحبة الصفات القائمة بها، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "إن إبراهيم لم يكذّب إلا في ثلاث: ثنتين في ذات الله" - أي في طلب مرضاته ـ ومنها النفس قال  : ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  ﴾ وقال  : "أنت كما أثنيت على نفسك" أي على ذاتك وحقيقتك.

ومنها الشخص قال: "لا شخص أغير من الله  ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شخص أحب إليه العذْر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدحة من الله" والمراد بالشخص الحقيقة المتعينة الممتازة عما عداها.

ومنها النور قال عز من قائل: ﴿ الله نور السماوات والأرض  ﴾ وليس المراد به ما يشبه الكيفية المبصرة وإنما المراد أنه الظاهر في نفسه المظهر لغيره.

وإذ لا ظهور ولا إظهار فوق ظهوره وإظهاره فإنه واجب الوجود لذاته أزلاً وأبداً، ومخرج جميع الممكنات من العدم إلى الوجود.

فإذن هو نور الأنوار  وتقدس، وسوف يأتيك تمام التحقيق إذا وصلنا إلى سورة النور وهو أعلم بحقائق الأمور.

ومنها الصورة وقد ورد في الخبر "أن الله خلق آدم على صورته" فقيل: معناه خلق آدم على صورته التي كان عليها يعني ما تولد من نطفة ودم وما كان جنيناً، ورضيعاً بل خلقه الله  رجلاً كاملاً دفعة واحدة.

وقيل في حديث آخر "لا تقبحوا الوجه فإن الله  خلق آدم على صورة الرحمن" المراد من الصورة الصفة كما يقال: صورة هذه المسألة كذا أي خلقه على صفته في كونه خليفة في أرضه متصرفاً في جميع الأجسام الأرضية كما أنه  نافذ القدرة في جميع العالم.

ويمكن أن يقال: الصورة إشارة إلى وجه المناسبة التي ينبغي أن تكون بين كل علة ومعلولها، فإن الظلمة لا تصدر عن النور وبالعكس، وكنا قد كتبنا في هذا رسالة.

ومنها الجوهر وأنه لا يطلق عليه بمعنى موجود لا في موضوع، أي إذا وجد كان وجودهن بحيث لا يحتاج إلى محل يقوم به ويستغني المحل عنه، لأن ذلك ينبئ عن كون وجوده زائداً على ماهيته.

وإنما يمكن أن يطلق عليه بمعنى آخر وهو كونه قائماً بذاته غير مفتقر إلى شيء في شيء أصلاً لكن الإذن الشرعي حيث لم يرد بذلك وجب الامتناع عنه.

ومنها الجسم ولا يطلقه عليه إلا المجسمة، فإن أرادوا الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة فمحال للزوم التركيب والتجزي، وإن أرادوا معنى يليق بذاته من كونه موجوداً قائماً بالنفس غنياً عن المحل فالإذن الشرعي لم يرد به فلزم الامتناع.

ومنها الماهية والآنية أي الحقيقة التي يسأل عنها بما هي وثبوته الدال عليه لفظ "ان"، ولا بأس بإطلاقهما عليه إذا أريد بهما الحقيقة والذات المخصوصة إلا من حيث الشرع.

ومنها الحق فإنه  أحق الأشياء بهذا الاسم، إما بحسب ذاته فلأنه الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله، والحق يقال بإزاء الباطل والباطل يقال للمعدوم قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.

وإما بحسب ما يقال إن هذا الخبر حق وصدق فهذا الخبر أحق وأصدق، وإما بحسب ما يقال إن هذا الاعتقاد حق فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه أصوب الاعتقادات المطابقة.

القسم الثاني في الأسماء الدالة على كيفية الوجود منها القديم وهو في اللغة يفيد طول المدة، وفي الشرع يرادفه الأزلي، ويراد بهما ما لا أول له في الطرف الماضي كالأبدي في الطرف المستقبل.

وكذا السرمدي واشتقاقه من السرد التوالي والتعاقب، زيدت الميم للمبالغة.

ونعني بالنسبة في هذه الألفاظ أنه  منسوب إلى عدم البداية والنهاية في كلا طرفي الامتداد الوهمي المسمى بالزمان.

ومنها الممتد والمستمر ونعني بهما تلاحق الأجزاء وتعاقب الأبعاض، ولا يخفى أن أمثال هذه الألفاظ إنما يصح إطلاقها بالحقيقة على الزمان والزمانيات، وأما في حق الله جل ذكره فلا يصح إلا بالمجاز بعد التوقيف.

ومنها الباقي قال تعالى: ﴿ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام  ﴾ وأنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم.

ومنها الدائم وهو كالباقي.

ومنها واجب الوجود لذاته أي ذاته اقتضى وجوده، وما بالذات لا ينفك عنه أبداً فهو ممتنع الفناء والعدم أزلاً وأبداً ولهذا قيل: خداي معناه خوداي أي أنه جاء بنفسه.

ومنها الكائن قال  : ﴿ وكان الله عليماً حكيماً  ﴾ وفي بعض الأدعية المأثورة عن النبي  "يا كائناً قبل كل كون، ويا حاضراً مع كل كون، ويا باقياً بعد انقضاء كل كون" واعلم: أن لفظة "كان" تفيد الحصول والثبوت والوجود، إلا أن هذا قسمان: منه ما يفيد حصول الشيء في نفسه، ومنه ما يفيد حصول موصوفية شيء بشيء.

والأول يتم باستناده إلى ذلك الشيء وهي التامة، والثاني لا يتم إلا بذكر شيئين وهي الناقصة نحو: كان زيد عالماً أي حصل موصوفية زيد بالعلم وكلا القسمين يجوز إطلاقه عليه  .

القسم الثالث في الصفات الحقيقية المغايرة للوجود ولكيفيات الوجود.

الفلاسفة والمعتزلة أنكروا قيام مثل هذه الصفات بذات الله  أشد إنكار لأن واجب الوجود لذاته يجب أن يكون واحداً من جميع جهاته، ولأن تلك الصفة لو كانت واجبة الوجود لزم شريك للباري مع أن الجمع بين الوجود الذاتي وبين كونه صفة للغير، والصفة مفتقرة إلى الموصوف محال، وإن كانت ممكنة الوجود فلها علة موجدة، ومحال أن يكون هو الله  لأنه قابل لها فلا يكون فاعلاً لها، ولأن ذاته لو كانت كافية في تحصيل تلك الصفة فتكون ذاته بدون تلك الصفة كاملة في العلية وهو المطلوب، وإن لم تكن كافية لزم النقص المنافي لوجوب الوجود.

حجة المثبتين أن إله العالم يجب أن يكون عالماً قادراً حياً، ثم إنا ندرك التفرقة بين قولنا: "ذات الله  ذات" وبين قولنا: "ذاته عالم قادر" وذلك يدل على المغايرة بين الذات وهذه الصفات.

وإذا قلنا بإثبات الصفة الحقيقية فنقول: العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور.

والصفة الحقيقية العارية عن النسب والإضافات في حقه  ليست إلا صفة الحياة إن لم نقل إنها عبارة عن الدرّاكية والفعالية، بل يقال: إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالماً وقادراً، والتحقيق أن الحياة عبارة عن كون الشيء بحيث يصدر عنه ما من شأنه أن يصدر عنه كما ينبغي أن يصدر عنه، ولا ريب أن واجب الوجود  أحق الأشياء بهذا الاسم، لأن وجوب الوجود يقتضي اتصافه بجميع الصفات الكمالية وصدور الأشياء الممكنة عنه على النحو الأفضل، ولهذا مدح الله  به نفسه قائلاً ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم  ﴾ ﴿ وعنت الوجوه للحي القيوم  ﴾ وأما الأسماء الدالة على الصفات الإضافية، فمنها التكوين وهو عند المعتزلة والأشعري نفس المكوّن.

وقال غيرهم: إنه غيره.

حجة الأولين أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة وهي القدرة لا غير، أو على سبيل الوجوب.

ويلزم كونه موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار.

وأيضاً إن كانت قديمة لزم قدم الآثار، وإن كانت حادثة افتقرت إلى تكوين آخر وتسلسل الآخرون.

قالوا: كونه خالقاً رازقاً ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية، لأن المعقول من كونه موجداً مغاير للمعقول من كونه قادراً، فإن القادر على الفعل قد يوجد وقد لا يوجد.

ومنها كونه  معلوماً ومذكوراً مسبحاً ممجداً فيقال: يا أيها المسبح بكل لسان، ويا أيها الممدوح عند كل إنسان، ويا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان.

ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية.

ومنها ألفاظ متقاربة تدل على مجرد كونه موجداً مثل الموجد ومعناه المؤثر في الموجود، والمحدث وهو أخص لأنه الذي جعله موجوداً بعد العدم، والمكوّن وهو كالموجد والمنشئ ومعناه ينشئ على التدريج والمبدع والمخترع ويفهم منهما الإيجاد الدفعي، وكذا الفاطر مثل الصانع ويفهم منه تكلف، وأما الخلق فهو التقدير وأنه في حق الله تعالى يرجع إلى العلم، وأما الباري فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة.

يقال: برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقاً لغرض معين.

ومنها ألفاظ تدل على إيجاد شيء بعينه وأنها تكاد تكون غير متناهية.

ومنها ألفاظ تدل على إيجاد النوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية، فإذا خلق المنافع سمي نافعاً، وإذا خلق الألم سمي ضاراً، وإذا خلق الحياة سمي محيياً، وإذا خلق الموت سمي مميتاً، وإذا خصهم بالإكرام سمي براً لطيفاً، وإذا خصهم بالقهر سمي قهاراً جباراً، وإذا أقلّ العطاء سمي قابضاً، وإذا أكثر سمي باسطاً، وإذا جازى الذنوب بالعقاب سمي منتقماً، وإذا ترك ذلك الجزاء سمي عفوّاً غفوراً رحماناً رحيماً، وإذا حصل المنع والإعطاء في المال سمي قابضاً باسطاً، وإذا حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضاً رافعاً.

وأما الصفات السلبية فمنها ما يعود إلى الذات كقولنا إنه ليس جوهراً ولا جسماً ولا مكانياً ولا زمانياً ولا حالاً ولا محلاً ولا مفتقراً إلى شيء غيره،  في ذاته وفي صفاته، وإنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

ومنها ما يعود إلى الصفات، ولا يخفى أن كل صفة من صفات النقص يجب تنزيه الله عنها، وذلك إما راجع إلى أضداد العلم كنفي النوم { ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ وكنفي النسيان ﴿ وما كان ربك نسياً  ﴾ وكنفي الجهل ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وكأن لا يمنعه العلم ببعض المعلومات عن العلم بغيره لا يشغله شأن عن شأن.

وإما راجع إلى أضداد القدرة ككونه منزهاً في أفعاله عن التعب والنصب ﴿ وما مسنا من لغوب  ﴾ وإنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات وتقديم المادة والمدّة ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ وأنه لا يتفاوت في قدرته القليل والكثير ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب  ﴾ وأنه لا تنتهي قدرته ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز  ﴾ وإما راجع إلى صفة الوحدة كنفي الأنداد والأضداد ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ﴾ \[المؤمنون: 91\] أو إلى صفة الاستغناء ﴿ وهو يطعم ولا يُطْعَم  ﴾ ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ } [المؤمنون: 88] ومنها ما يعود إلا الأفعال لا يخلق الباطل ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً  ﴾ لا يخلق اللعب ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين  ﴾ لا يخلق العبث ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\] لا يرضى بالكفر، لا يريد الظلم، لا يحب الفساد لا يؤذي من غير سابقة جرم ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم  ﴾ لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين { ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها  ﴾ ليس لأحد أن يعترض عليه في أفعاله وأحكامه ﴿ لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون  ﴾ ﴿ لا يخلف الميعاد  ﴾ ومن أسماء السلوب القدوس والسلام لأنه منزه وسالم من نقائص الإمكان.

ومنها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير أو لا يغلبه شيء، والحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة ولا يمنع من إيصال الرحمة، والصبور الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه، وربما يفرق بينهما بأن المكلف يأمن العقوبة في صفة الحليم دون صفة الصبور.

وأما الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية فمنها: القادر والقدير والمقتدر والمالك والملك ومالك الملك والمليك والقوي وذو القوة ومعانيها ترجع إلى القدرة ومنها ما يرجع إلى العلم ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه  ﴾ ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ﴿ وهو بكل شيء عليم  ﴾ ﴿ علام الغيوب  ﴾ ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون  ﴾ ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون  ﴾ ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ ولم يرد علامة وإن كان يفيد المبالغة لأن ذلك بتأويل أمة أو جماعة.

والخبير يقرب من العليم وكذا الشهيد إذا فسر بكونه مشاهداً لها، وإذ أخذ من الشهادة كان من وصف الكلام.

والحكمة تشارك العلم من حيث إنه إدراك حقائق الأشياء كما هي وتباينه بأنها أيضاً صدور الأشياء عنه كما ينبغي.

واللطيف قد يراد به إيصال المنافع إلى الغير بطرق خفية عجيبة، والتحقيق أنه الذي ينفذ تصرفه في جميع الأشياء.

ومنها ما يرجع إلى الكلام ﴿ وكلم الله موسى تكليماً  ﴾ ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً  ﴾ ﴿ وإذ قال ربك  ﴾ ﴿ ما يبدل القول لديَّ  ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً  ﴾ ﴿ إنما أمره  ﴾ ﴿ إن الله يأمركم  ﴾ ﴿ وعد الله حقاً  ﴾ ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ وكان الله شاكراً عليماً  ﴾ ﴿ كان سعيكم مشكوراً  ﴾ وذلك أنه أثنى على عبده بمثل قوله ﴿ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون  ﴾ وهذا صورة الشكر.

ومنها ما يرجع إلى الإرادات ﴿ يريد الله بكم اليسر  ﴾  م أي صار مريداً لأفعالهم ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله يحب المطهرين  ﴾ يريد إيصال الخير إليهم ﴿ كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً  ﴾ .

الأشعرية: الكراهية عبارة عن إرادة عدم الفعل.

المعتزلة: له صفة أخرى غير الإرادة.

ومنها ما يرجع إلى السمع والبصر ﴿ إنني معكما أسمع وأرى  ﴾ ﴿ إنه هو السميع البصير  ﴾ ﴿ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار  ﴾ وأما الصفات الإضافية مع السلبية فكالأول لأنه مركب من معنيين: أحدهما أنه سابق على غيره، والثاني لا يسبق عليه غيرهن وكالآخر فإنه الذي يبقى بعد غيره ولا يبقى بعد غيرهن، وكالقيوم فإنه الذي يفتقر إليه غيره ولا يفتقر إلى غيره، والظاهر إضافة محضة وكذا الباطن، أي أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب الماهية.

وأما الاسم الدال على مجموع الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية فالإله، ولا يجوز إطلاق هذا اللفظ في الإسلام على غير الله وأما الله، فسيأتي أنه اسم علم.

وقد بقي ههنا أسماء يطلقها عليه  أهل التشبيه ككونه متحيزاً أو حالاً في المتحيز استبعاداً منهم أنه كيف يكون موجود خالياً عن كلا الوصفين وهو عند أهل التقديس محال للزوم الافتقار، اللهم إلا أن يقال استصحاب المكان لا يستلزم الافتقار إلى المكان ومنها العظيم والكبير وهما متقاربان لقوله  في موضع ﴿ وهو العلي العظيم  ﴾ وفي آخر ﴿ وهو العلي الكبير  ﴾ وقد يفرق بينهما بأنه ورد "الكبرياء ردائي و العظمة إزاري" والرداء أرفع من الإزار.

وأيضاً اختص تحريم الصلاة بالله أكبر دون الله أعظم.

ولا ريب أن إطلاق العظمة والكبر على الله  بحسب الحجمية والمقدار كما للأجسام محال للزوم التبعيض والتجزئة.

ومنها العلي والمتعالي، فإن العلو بالمعنى المستلزم للتمكن محال على الله فإما أن يراد بمثل هذه الألفاظ مزيد الرتبة والشرف على الممكنات، وإما أن يقال: إنا نطلق هذه الأسماء للإذن الشرعي فنكل معانيها إلى مراد الله  ، وإما أن نستمد في إدراكها بضرب من الكشف والعيان.

(العاشر في الأسماء المضمرة) قال عز من قائل: ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا  ﴾ ولا يصح لغيره هذا الذكر إلا حكاية.

وما جاء من قول بعض أهل الكمال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا.

إشارة إلى كمال المحبة وغاية إرادة الاتصاف بصفة المحبوب وفناء إرادته في إرادته، وقال: ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ ولا يصح هذا إلا من العبد بشرط الحضور والمشاهدة.

وقال ﴿ لا إله إلا هو  ﴾ وإنما يصح هذا من الغائبين.

واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه، فكل حاضر غائب بالنسبة إلى ما فوق تلك الدرجة، ورب غائب حاضر كما قيل: أيا غائباً حاضراً في الفؤاد *** سلام على الغائب الحاضر وفي لفظة "هو" أسرار عجيبة منها: أن العبد إذا قال: يا هو فكأنه يقول: ما للتراب ورب الأرباب؟

وما المناسبة بين المتولد من النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم؟

فلهذا ينادي نداء الغائبين ويقول: يا هو.

ومنها أنه إذا قال: يا هو فقد حكم على كل ما سوى الله  بأنه نفي محض، لأنه لو حصل في الوجود شيئان لكان قوله "هو" صالحاً لهما جميعاً فلا يتعين النداء.

ومنها إذا قال: يا رحمن فكأنه يتذكر رحمته أو يطلب رحمته، وكذا إذا قال: يا كريم وغيره من الصفات.

فأما إذا قال: "يا هو" فكأنه استغرق في بحر العرفان وفني عما سوى الذات.

ومنها إذا قال: "يا هو" فكأنه يقول: أجلّ حضرتك أن أمدحك، وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك وهي صفات الجلال نحو: لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا في المحل، أو بإسناد كمالات الممكنات إليك وهي صفات الإكرام ككونه مرتباً للموجودات على النحو الأكمل، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي.

ومنها أن هذا الذكر يفيد أن المنادي بسيط محض لا طريق إلى تصوره إلا بالإشارة العقلية.

ومنها أن العبد كأنه دهش حتى ذهل عن كل ما يوصف به مالكه إلا عن هذه الإشارة.

ولاختصاص هذا الذكر بهذه الأسرار ذكر الغزالي لا إله إلا الله توحيد العوام، ولا إله إلا هو توحيد الخواص.

وذلك أن قوله "لا هو" معناه كل شيء هالك، وقوله "إلا هو" معناه إلا وجهه.

ومن جملة الأذكار الشريفة: يا هو يا من لا هو إلا هو، يا أزل يا أبد يا دهر يا ديهور يا من هو الحي الذي لا يموت.

ولقد لقنني بعض المشايخ من الذكر: يا هو يا من هو هو يا من لا هو إلا هو يا من لا هو بلا هو إلا هو.

فالأول فناء عما سوى الله، والثاني فناء في الله، والثالث فناء عما سوى الذات، والرابع فناء عن الفناء عما سوى الذات.

الحادي عشر في بقية مباحث الأسماء اختلفوا في أسماء الله  توقيفية أم لا.

فمال بعضهم إلى التوقيف لأنا نصف الله تعالى بكونه عالماً ولا نصفه بكونه طبيباً وفقيهاً ومستيقناً، فلولا أن أسماءه توقيفية لوصف بمثلها وإن كان على سبيل التجوز.

القائلون بعدم التوقيف احتجوا بأن أسماء الله  وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية وأن شيئاً منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها.

والجواب أن عدم التوقيف في غير اللغة العربية لا يوجب عدمه في العربية، وبأن الله  قال: ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ وكل اسم دل على صفات الكمال ونعوت الجلال كان حسناً ويجوز إطلاقه.

والجواب أنه يجوز ولكن بعد التوقيف لم قلتم إنه ليس كذلك؟

والغزالي فرق بين اسم الذات وبين أسماء الصفات فمنع الأول وجوّز الثاني.

واعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على معانٍ لا يمكن إثباتها بالحقيقة في حق الله  منها: الاستهزاء ﴿ الله يستهزئ بهم  ﴾ والاستهزاء مذموم لكونه جهلاً ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ .

ومنها المكر ﴿ ومكروا ومكر الله  ﴾ ومنها الغضب ﴿ وغضب الله عليهم  ﴾ ومنها التعجب ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فيمن قرأ بضم التاء.

والتعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء ومنها التكبر ﴿ الجبار المتكبر  ﴾ ومنها الحياء ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً  ﴾ والحياء تغير يعرض للقلب والوجه عند فعل شيء قبيح.

والقانون في تصحيح هذه الألفاظ أن يقال لكل واحدة من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية وآثار تصدر منها في النهاية مثاله: الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دمه وسخونة مزاجه، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه.

فالغضب في حقه  محمول على الأثر الحاصل في النهاية لا الأمر الكائن في البداية، وقس على هذا.

قيل: إن لله  أربعة آلاف اسم، ألف منها في القرآن والأخبار، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور.

وقد يقال: ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك إلى البشر وهذا غير مستبعد، فإن أقسام صفات الله  بحسب السلوب والإضافات لا تكاد تنحصر، وكل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله  في تدبير العالم العلوي والعالم السفلي أكثر كان اطلاعه على أسماء الله أكثر.

وإن قلنا: إن له بكل مخلوق اسماً وكذا بكل خاصية ومنفعة فيه كمنافع الأعضاء والحيوان والنبات والأحجار، خرجت الأسماء عن حيز العد والإحصاء كما قال عز من قائل: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ فإن قلت: إنا نرى في كتب العزائم أذكاراً غير معلومة ورقى غير مفهومة وقد تكون كتابتها أيضاً غير معلومة، فما بال تلك الأذكار والرقى؟

قلت: لا نشك أن تلك الكلمات إن لم تدل على شيء أصلاً لم تفد، وإن دلت فأحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون شيئاً من هذه الأدعية.

ولا ريب أن الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات، إلا أن أكثر الناس إذا قرأوا هذه الأذكار المعلومة ولم يكن لهم نفوس مشرقة تجذب بهم إلى عالم القدس ويلوح عليهم أثر الإلهيات، لم يكد يظهر عليهم شروق أنوارها ولهذا قد ورد "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه" نعوذ بالله من هذه الحالة.

أما إذا قرأوا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئاً وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية، استولى الفزع والرعب على قلوبهم فيحصل لهم بهذا السبب نوع تجرد عن الجسمانيات وتوجه إلى الروحانيات فتتأثر نفوسهم وتؤثر، وهذا وجه مناسب في قراءة الرقى المجهولة.

واعلم أن بين الخلق وبين أسماء الله  مناسبات عجيبة، والنفوس مختلفة والجنسية علة الضم، فكل اسم يغلب معناه على بعض النفوس فإذا واظب صاحبه على ذلك الاسم كان انتفاعه به أسرع والله الموفق.

حكي أن الشيخ أبا النجيب البغدادي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يرى مصلحته فيه، ثم يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين.

وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه قال له: اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق، وإن رآه تأثر مزيد تأثر عند سماع اسم خاص أمره بالمواظبة على ذلك الذكر وقال: إن أبواب المكاشفات تنفتح عليك من هذا الطريق.

وذلك أن الرياضة والمجاهدة لا تغلب النفوس عن أحوالها الفطرية، ولكنها تضعف بحيث لا تستولي على الإنسان ولهذا قال  "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" "الأرواح جنود مجندة" "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فهذا تمام البحث عن مطلق الأسماء.

(الثاني عشر في الأبحاث المختصة باسم الله) المختار عند الخليل ومتابعيه وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن هذا اللفظ ليس بمشتق ألبتة، وأنه اسم علم له  وتعالى .

لأنه لو كان مشتقاً لكان معناه معنى كلياً لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا "إلا الله" موجباً للتوحيد المحض.

فلا يدخل الكافر بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" في الإسلام كما لو قال: "أشهد أن لا إله إلا الرحمن" أو "إلا الملك" لا يدخل بذلك في الإسلام بالاتفاق.

وأيضاً الترتيب العقلي ذكر الذات ثم تعقيبه بالصفات نحو: زيد الفقيه الأصولي النحوي.

ثم إنا نقول: الله الرحمن الرحيم العالم القادر ولا نقول بالعكس، فدل ذلك على أن "الله" اسم علم.

وقراءة من قرأ ﴿ إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ بخفض اسم الله ليست لأجل أن جعله وصفاً وإنما هو للبيان، فوازنه وزان قولك: "مررت بالعالم الفاضل الكامل زيد".

وأيضاً قال  : { ﴿ هل تعلم له سمياً  ﴾ وليس المراد به الصفة والإلزام خلاف الواقع، فوجب أن يكون المراد اسم العلم وليس ذلك إلا الله.

حجة القائلين باشتقاقه قوله عز من قائل { ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ فإنه لا يجوز أن يقال هو زيد في البلد وإنما يقال هو العالم في البلد.

قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك جارياً مجرى قولك "هو زيد الذي لا نظير له في البلد"؟

قالوا: لما كانت الإشارة ممتنعة في حقه  ، كان اسم العلم له ممتنعاً.

وأيضاً العلم للتمييز ولا مشاركة فلا حاجة إلى التمييز.

قلنا: وضع العلم لتعيين الذات المعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، ولا يتوقف على حصول الشركة، وكأن النزاع بين الفريقين لفظي، لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن الإله مشتق من أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وأنه اسم جنس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه.

وأما "الله" بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره.

وينبغي أن يكون المراد من كون الله  معبوداً كونه مستحقاً ومستأهلاً لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد، فإن اللائق بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات.

ولا يخفى أن الاستحقاق والاستئهال حاصل له أزلاً وأبداً، فيكون إلهاً أزلاً وأبداً وإن كل من سواه عابد له بقدر استعداده وعلى حسب حاله، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم  ﴾ ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا  ﴾ والعبد الصالح من يعبد الله  لذاته لا لغرض رغبة في الثواب ورهبة من العقاب، حتى لو فرض حصول المرغوب أو فقد المرهوب لم يكن عابداً، ومع ذلك فينبغي أن يقطع النظر عن عبادته أيضاً.

وقيل: اشتقاقه من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه.

فالنفوس لا تسكن إلا إليه  ، والعقول لا تقف إلا لديه، لأن الكمال محبوب لذاته ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا  ﴾ وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه الخذلان.

وقيل: من لاه ارتفع لأنه  ارتفع عن مشابهة الممكانات ومناسبة المحدثات.

وقيل: من أله في الشيء إذا تحير فيه، لأن العقل وقف بين إقدام على إثبات ذاته نظراً إلى وجود مصنوعاته، وبين تكذيب لنفسه لتعاليه عن ضبط وهمه وحسه، فلم يبق إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه الجلال والجمال، وههنا العجز عن درك الإدراك إدراك.

وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول.

فإنا إنما نستدلّ على كون الشعاع مستفاداً من الشمس بدورانه معها وجوداً وعدماً وشروقاً وأفولاً، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان يكون الشعاع مستفاداً منها، ولما كان ذاته  باقياً على حاله وكذا الممكنات التابعة له، فربما يخطر ببال الضعفاء أن هذه الأشياء موجودة بذواتها فلا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق محجوب.

وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأمه، لأن العباد مولعون بالتضرع إليه في البليات { ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ هذا شأن الناقصين، وأما الكاملون فهو جليسهم وأنيسهم أبداً.

شكا بعض المريدين كثرة الوسواس فقال الشيخ: كنت حدّاداً عشر سنين وقصاراً عشراً وبواباً عشراً.

فقيل: وكيف وما رأينا منك؟

قال: القلب كالحديد ألينه بنار الخوف عشراً، ثم شرعت في غسله عن الأوضار والأوزار عشراً، ثم وقفت على باب القلب عشراً أسل سيف "لا إله إلا الله" فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله ويدخل فيه حب الله، فلما خلت عرصة القلب من غيره وقويت فيه محبته سقطت من بحر عالم الجلال قطرة من النور فغرق القلب فبقي في تلك القطرة وفني عن الكل ولم يبق فيه إلا محض سر "لا إله إلا الله".

وقيل: من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره.

والمجير للخلائق من كره المضارّ هو الله ﴿ وهو يجير ولا يجار عليه ﴾ \[المؤمنون: 88\] ومن لطائف اسم الله أنك إذا لم تتلفظ بالهمزة بقي "الله" ﴿ ولله جنود السموات والأرض  ﴾ فإن تركت من هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة "له" ﴿ له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وإن تركت اللام الباقية أيضاً بقي الهاء المضمومة من "هو" ﴿ قل هو الله أحد  ﴾ والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع هما هم.

هذا بحسب اللفظ، وأما بحسب المعنى فإذا دعوت الله به فكأنك دعوته بجميع الصفات بخلاف سائر الأسماء ولهذا صحت كلمة الشهادة به فقط والله  أعلم.

(الثالث عشر فيما يتعلق بالرحمن الرحيم) الرحمن فعلان من رحم، والرحيم فعيل منه واشتقاقه من الرحمة وهي ترك عقوبة من يستحقها أو إرادة الخير لأهله.

وأصله الرقة والتعطف ومنه الرحم لرقتها وانعطافها على ما فيها.

واختلف في منع صرف رحمن إذ ليس له مؤنث على فعلى كعطشى، ولا على فعلانة كندمانة، فمن شرط في منع صرف فعلان صفة وجود فعلي صرفه، ومن شرط فيه انتفاء فعلانة لم يصرفه، وإذا تساقط الدليلان للتعارض فللصرف وجه، وهو أن الأصل في الأسماء الصرف ولمنع الصرف وجه وهو القياس على أخوته من بابه نحو: عطشان وغرثان.

وزعم قوم أنهما بمعنى واحد كندمان ونديم، وجمع بينهما للتأكيد والاتساع كقولهم جاد مجدّ قال طرفة.

متى أدن منه ينأ عني ويبعد *** وقال قوم: الرحمن أشد مبالغة استدلالاً بالزيادة في اللفظ على الزيادة في المعنى.

قالوا: ولهذا جاء رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، وربما يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، وفي الآخرة اختصت بالمؤمنين.

فالرحمن خاص اللفظ عام المعنى والرحيم بالعكس.

أما خصوص الرحمن فمن حيث لا يسمى به إلا الله  لأنه من الصفات الغالبة كالدبران والعيوق، وأما عمومه فمن حيث إنه يشمل جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع.

وأما عموم الرحيم فاشتراك تسمية الخلق به، وأما خصوصه فرجوعه إلى اللطف بالمؤمنين والتوفيق.

الضحاك: الرحمن بأهل السماء حيث أسكنهم السموات وطوقهم الطاعات وأنطق ألسنتهم بأنواع التسبيحات وجنبهم الآفات وقطع عنهم المطامع واللذات، والرحيم بأهل الأرض حيث أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب.

فقال عكرمة: الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة كما قال  : " إن لله  مائة رحمة وإنه أنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر تسعاً وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة" قال ابن المبارك: الرحمن الذي إذا سئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يسأل غضب.

قال  : "من لم يسأل الله يغضب عليه" الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وحبا، والرحيم باللأواء وهي ما صرف وزوى.

الرحمن بالإنقاذ من النار ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  ﴾ والرحيم بإدخالهم الجنان ﴿ ادخلوها بسلام آمنين ﴾ } [الحجر: 46] الرحمن الراحم القادر على كشف الضر، والرحيم الراحم وإن لم يقدر على كشف الضر.

وتسمية مسيلمة الكذاب بالرحمن تعنت منهم واقتطاع من أسماء الله تعالى.

قال عطاء: ولذلك قرنه الله  بالرحيم لأن هذا المجموع لم يسم غيره.

وإنما قدم الرحمن وهو الأعلى على الرحيم، والعادة التدرج من الأدنى إلى الأعلى، لأن الرحمن يتناول عظائم النعم وأصولها، فإردافه بالرحيم كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف.

واعلم أن الأشياء التي أنعم الله  بها على الخلق أربعة أقسام: الأول: ما يكون نافعاً وضرورياً معاً وذلك في الدنيا التنفس، فإنه لو انقطع لحظة واحدة مات، وفي الآخرة معرفة الله فإنها إذا زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب واستوجب عذاب الأبد.

الثاني: أن يكون نافعاً لا ضرورياً كالمال في الدنيا وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة.

الثالث: أن يكون ضرورياً لا نافعاً كالآفات والعلل ولا نظير لهذا القسم في الآخرة الرابع: أن لا يكون نافعاً ولا ضرورياً كالفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة.

وبالجملة فكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنما تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمة الله  وفضله من غير شائبة غرض ولا ضميمة علة، لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته ولا يخشى إلا عقابه.

(الرابع عشر في نكت شريفة).

الأولى: كل العلوم تندرج في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن، وعلوم القرآن في الفاتحة، وعلوم الفاتحة في "بسم الله الرحمن الرحيم"، وعلومها في الباء، من بسم الله، وذلك أن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، وهذه الباء للإلصاق، فهو يوصل العبد إلى الرب وهو نهاية المطلب وأقصى الأمد.

وقيل: إنما وقع ابتداء كتاب الله  بالباء دون الألف، لأن الألف تطاول وترفع والباء انكسار وتساقط ومن تواضع لله رفعه الله.

الثانية: مرض موسى  واشتد وجع بطنه، فشكا إلى الله فدله على عشب في المفازة فأكله فعوفي بإذن الله، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه، فقال: يا رب أكلته أوّلاً فاشتفيت به وأكلته ثانياً فضرني.

فقال: لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء.

وفي الثانية: ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض.

أما علمت أن الدنيا كلها سم وترياقها اسمي.

الثالثة: باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة، فلما انفجر الصبح نامت فدخل السارق دارها وأخذ ثيابها، وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب فوضعها فوجد الباب، وفعل ذلك ثلاث مرات فنودي من زاوية البيت: ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان.

الرابعة: كان بعض العارفين يرعى غنماً فحضر في غنمه الذئب ولا يضر أغنامه، فمر عليه رجل وناداه متى اصطلح الغنم والذئب؟

قال الراعي: من حين اصطلح الراعي مع الله.

الخامسة: روي أن فرعون قبل أن ادعى الألوهية قصد أو أمر أن يكتب باسم الله على بابه الخارج، فلما ادعى الألوهية وأرسل الله إليه موسى ودعا فلم ير به أثر الرشد قال: إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً، فقال  : يا موسى لعلك تريد إهلاكه، أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه.

والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من الهلاك وإن كان كافراً، فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله!؟

السادسة: سمى نفسه رحماناً ورحيماً فكيف لا يرحم؟

روي أن سائلاً وقف على باب رفيع فسأل شيئاً فأعطي قليلاً فجاء بفأس وأخذ يخرب الباب، فقيل له: لم تفعل؟

قال: إما أن تجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب.

إلهي كما أثبت في أول كتابك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين من فضلك.

السابعة: إذا اشترى العبيد شيئاً من الدواب أو المتاع وضعوا عليه سمة الملك لئلا يطمع فيه العدوّ، فالله  يقول: عبدي عدوّك الشيطان فإذا شرعت في عمل وطاعة فاجعل عليها سمتي وقل: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

الثامنة: اجعل ذكر الله قرينك حتى لا تبعد عنه في أحوالك.

روي أن النبي  دفع خاتماً إلى أبي بكر وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله" فدفعه إلى النقاش وقال: اكتب فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " فكتب النقاش ذلك، فأتى أبو بكر بذلك الخاتم إلى النبي  فرأى النبي فيه "لا إله إلا الله محمد رسول الله  أبو بكر الصديق" فقال: يا أبا بكر ما هذه الزوائد؟

فقال: يا رسول الله ما رضيت أن أفرق اسمك من اسم الله فما رضي الله أن يفرق اسمي عن اسمك.

التاسعة: أن نوحاً  لما ركب السفينة قال: ﴿ بسم الله مجريها ومرساها  ﴾ فنجا بنصف هذه الكلمة، فما ظنك بمن واظب على الكلمة طول عمره كيف يبقى محروماً عن النجاة؟

العاشرة: الناس ثلاثة: سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه.

فقال: الله للسابقين، الرحمن للمقتصدين، الرحيم للظالمين.

الله معطي العطاء، الرحمن المتجاوز عن زلات الأولياء، الرحيم الساتر لعيوب الأغنياء.

يعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك، ولو علمت المرأة لجفتك، ولو علمت الأمة لأقدمت على الفرار، ولو علم الجار لسعى في تخريب الدار.

الله يوجب ولايته ﴿ الله ولي الذين آمنوا  ﴾ الرحمن يستدعي محبته ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا  ﴾ الرحيم يفيض رحمته ﴿ وكان بالمؤمنين رحيماً  ﴾ هو رحيم بهم في ستة مواضع: في القبر وحسراته، والقيامة وظلماته، وقراءة الكتب وفزعاته، والصراط ومخافاته، والنار ودركاته والجنة ودرجاته.

الحادية عشرة: مر عيسى  بقبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتاً، فلما انصرف من حاجته مر بالقبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور.

فتعجب من ذلك فصلى ودعا الله فأوحى الله  إليه: يا عيسى، كان هذا العبد عاصياً وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت وربت ولده حتى كبر فسلمته إلى الكتاب فلقنه المعلم "بسم الله الرحمن الرحيم" فاستحييت من عبدي أن أعذبه بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على ظهر الأرض.

الثانية عشرة: كتب عارف "بسم الله الرحمن الرحيم" وأوصى أن تجعل في كفنه.

فقيل له في ذلك؟

فقال: أقول يوم القيامة: إلهي بعثت كتاباً وجعلت عنوانه "بسم الله الرحمن الرحيم" فعاملني بعنوان كتابك.

الثالثة عشرة: "بسم الله الرحمن الرحيم" تسعة عشر حرفاً والزبانية تسعة عشر، فالله تعالى يدفع بليتهم بهذه الحروف التسعة عشر.

الرابعة عشرة: اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة، ثم فرض خمس صلوات في خمس ساعات فبقي التسعة عشرة ساعة لا تستغرق بذكر الله  ، وهذه التسعة عشر حرفاً تقع كفارات للذنوب الواقعة في تلك التسع عشرة.

الخامسة عشرة: لما كانت سورة التوبة مشتملة على القتال والبراءة لم يكتب في أولها "بسم الله الرحمن الرحيم" وأيضاً السنة أن يقال عند الذبح: "بسم الله والله أكبر" ولا يقال: "بسم الله الرحمن الرحيم" فلما وفقك الله لذكر هذه الكلمات كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك للقتل والعذاب وإنما خلقك للرحمة والثواب.

السادسة عشرة: قال  : "من رفع قرطاساً من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالاً لله  كتب عند الله من الصدّيقين وخفف عن والديه وإن كانا من المشركين" وعن علي  قال: لما نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" قال رسول الله  : أول ما نزلت هذه الآية على آدم قال: أمن ذريتي من العذاب ما داموا على قراءتها، ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم  فتلاها وهو في كفة المنجنيق فجعل الله عليه النار برداً وسلاماً، ثم رفعت بعده فما أنزلت إلا على سليمان وعندها قالت الملائكة: الآن تم والله ملكك، ثم رفعت فأنزلها الله  عليّ، ثم يأتي أمتي يوم القيامة وهم يقولون: "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا وضعت أعمالهم في الميزان ترجحت حسناتهم.

وعن أبي هريرة أنه  قال "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله الرحمن الرحيم فإن حفظتك لا يستريحون أن يكتبوا لك الحسنات حتى تفرغ، وإذا غشيت أهلك فقل: بسم الله الرحمن الرحيم فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة، فإن حصل من تلك المواقعة ولد كتبت لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد.

يا أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل: باسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة، وإذا ركبت سفينة فقل: باسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها" وعن أنس أن رسول الله  قال: "ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا بسم الله الرحمن الرحيم" والإشارة فيه إذا صارهذا الاسم حجاباً بينك وبين أعدائك من الجن في الدنيا أفلا يصير حجاباً بينك وبين الزبانية في العقبى؟

كانت لنفسي أهواء مفرّقة *** فاستجمعت إذ رأتك النفس أهوائي فصار يحسدني من كنت أحسده *** وصرت مولى الورى مذ صرت مولاي تركت للناس دنياهم ودينهم *** شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائي هذا تمام الكلام في تفسير البسملة.

وأما تفسير الفاتحة ففيه أيضاً مسائل: الأولى: في أسماء هذه السورة وهي كثيرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى.

فالأول: فاتحة الكتاب سميت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي التعليم وفي القراءة في الصلاة، ولأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن.

وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.

الثاني: سورة الحمد لأن أولها الحمد.

الثالث: أم الكتاب وأم القرآن لأنها أصل القرآن وأصل كل كتاب منزل لاشتمالها على الإلهيات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والنبوات، أو لأن فيها حاصل جميع الكتب السماوية وذلك هو الثناء على الله والاشتغال بالخدمة والطاعة وطلب المكاشفات والمشاهدات، أو لأن المقصود من جميع العلوم معرفة عزة الربوبية وذلة العبودية، أو لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة وهي أم القرى أشرف البلدان، أو أصل لجميع البلدان حيث دحيت من تحتها، وكما أن الحمى سميت أم ملدم لأنهم جعلوها معظم الأوجاع واللدم الضرب.

الرابع: السبع المثاني لأنها سبع آيات ولأنها تثنى في كل صلاة، أو لأن نصفها ثناء العبد للرب والنصف الآخر إعطاء الرب العبد، أو لأنها مستثناة لهذه الأمة قال  : "والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة والإنجيل ولا في الزبور مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم" أو لأنها نزلت مرتين، أو لأنها أثنية ومدائح لله  .

الخامس: الوافية لأنها تجب قراءة كلها ولا يجزئ بعضها في الصلاة.

السادس: الكافية قال  : "أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضاً عنها" السابع: الشفاء والشافية لقوله  "فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم" الثامن: الأساس لأنها أول سور القرآن فهي كالأساس، أو لأنها تشتمل على أساس العبادات والمطالب.

قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس يقول: أساس الكتب القرآن، وأساس القرآن فاتحة الكتاب، وأساس الفاتحة "بسم الله الرحمن الرحيم" فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس تشف بإذن الله  .

التاسع: الصلاة قال النبي  حكاية عن الله  : "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" .

يعني الفاتحة وهو من باب تسمية الشيء بمعظم أركانه.

ومنه يعلم وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة.

العاشر: سورة تعليم المسألة لأن الله  علم عباده فيها آداب السؤال فبدأ بالثناء ثم بالإخلاص ثم بالدعاء.

الحادي عشر: سورة الكنز لما روي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ولهذا قال أكثر العلماء: إنها مكية وخطؤا مجاهداً في قوله: إنها مدنية، وكيف لا؟

وقد صح عن النبي  في حديث أبي بن كعب أنها من أول ما نزل من القرآن وأنها السبع المثاني، وسورة الحجر مكية بلا خلاف وفيها قوله تعالى: ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ ولا يسعنا القول بأن رسول الله  لبث بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب.

وقد جمع طائفة من العلماء بين القولين فقالوا إنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وعلى هذا فإنها لم تثبت في المصحف مرتين لأنه لم يقع التواتر على نزولها مرتين.

ومن فضائل هذه السورة أنه لم يوجد فيها الثاء وهو الثبور ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً  ﴾ والجيم وهو جهنم ﴿ وإن جهنم لموعدهم أجمعين  ﴾ والخاء وهو الخزي ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ والزاء وهو الزفير والزقوم.

والشين وهو الشهيق ﴿ لهم فيها زفير وشهيق  ﴾ والظاء وهو لظى ﴿ كلا إنها لظى  ﴾ والفاء وهو الفراق ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون  ﴾ فلما أسقط الله  من الفاتحة هذه الحروف الدالة على العذاب وهي بعدد أبواب جهنم لقوله  : ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم  ﴾ غلب على الظن أن من قرأ الفاتحة نجا من جهنم ودخول أبوابها وتخلص من دركات النار وعذابها.

الثانية: في المباحث اللفظية.

الحمد مبتدأ والله خبره أي الحمد ثابت لله.

وأصله النصب الذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله كقولهم شكراً وعجباً وسبحانك ومعاذ الله، فعدل إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره نحو قوله  ﴿ قالوا سلاماً قال سلام  ﴾ ولهذا كان تحية إبراهيم  أحسن من تحيتهم كما جاء ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها  ﴾ ومما يدل على أن أصله النصب أن قوله ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ بيان لحمدهم فكأنه قيل: كيف يحمدون؟

فقيل: إياك نعبد.

والأصل توافق الجملتين.

واللام في "الحمد" لتعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والاستغراق وهم لأنه لو سلم كونه اللام للاستغراق فحمد أبويه مثلاً لا يدخل فيه.

وأيضاً نحو نحمد الله لا يفهم منه إلا حقيقة الحمد من حيث هي فكذا ما ناب منابه وهو الحمد لله.

وقرأ بعضهم بكسر الدال إتباعاً، وبعضهم بضم اللام.

الرب المالك، ربه يربه فهو رب، أو مصدر وصف به للمبالغة كالعدل.

وهو مطلقاً مختص بالله  ، ومضافاً يجوز إطلاقه على غيره نحو: رب الدار ﴿ ارجع إلى ربك  ﴾ وقرئ بالنصب على المدح أو بتقدير نحمد.

والعالم اسم موضوع للجمع كالأنام والرهط، وهو ما يعقل من الملائكة والثقلين قاله ابن عباس والأكثرون.

وقيل: كل ما علم به الخالق من الجواهر والأعراض كقوله  ﴿ قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما  ﴾ فعلى الأول مشتق من العلم وخصوا بالذكر للتغليب، وعلى الثاني من العلامة وجمع ليشمل كل جنس مما سمي به، وجمع بالواو والنون تغليباً لما فيه من صفات العقلاء.

﴿ مالك يوم الدين ﴾ صفة أخرى.

واليوم هو المدة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها، أو من ابتداء طلوعها إلى غروب كلها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في عرف الشرع.

ويراد به في الآية الوقت لعدم الشمس ثمة.

والدين الجزاء بالخير والشر "كما تدين تدان" وإضافة اسم الفاعل إلى الظرف اتساع وإجراء للظرف مجرى المفعول به مثل: يا سارق الليلة أهل الدار.

وإنما أفادت التعريف حتى جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه إما بمعنى الماضي نحو ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم  ﴾ أو بمعنى الاستمرار نحو: زيد مالك العبيد.

فيكون بمعنى من يملك المفيد للاستمرار نحو: فلان يعطي ويمنع.

وحينئذ لا تعمل، فتكون الإضافة حقيقية، وقرئ بنصب الكاف ورفعها مدحاً، وبسكون اللام مخفف ملك مكسور اللام وبجعله فعلاً ماضياً ونصب يوم و مليك رفعاً ونصباً وجراً.

"إيا" ضمير منصوب منفصل ولا محل لكاف الخطاب نحو "أرأيتك" وهو مذهب الأخفش والمحققين وحكاية الخليل "إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب" شاذ.

والأصل نعبدك ونستعينك، فلما قدم الضمير المتصل للاختصاص صار منفصلاً.

وقرئ إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء، قال طفيل: فهياك والأمر الذي إن تراحبت *** موارده ضاقت عليك مصادره فإن قيل: لم عدل عن الغيبة إلى الخطاب؟

قلنا: هذا يسمى الالتفات في علم البيان وذلك على عادة افتنانهم في الكلام والتنقل من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع.

وقد يختص مواقعه بفوائد وسننظم لك في سلك التقرير فائدته في هذا الموضع.

والعبادة أقصى غاية الخضوع.

طريق معبد أي مذلل، وثوب ذو عبدة في غاية الصفاقة وقوة النسج هدى يتعدى باللام أو بإلى ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم  ﴾ فعومل معاملة اختار في قوله  ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ والأصل فيه الإمالة ومنه ﴿ إنا هدنا إليك  ﴾ أي ملنا والهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك والهدي للذي يساق إلى الحرم أي أمل قلوبنا إلى الحق.

والصراط الجادة، وأصله السين من سرط الشيء ابتلعه لأنه يسرط السابلة إذا سلكوه كما سمي لقماً لأنه يلتقمهم، ومثله مسيطر ومصيطر.

والصراط يذكر ويؤنث كالطريق والسبيل و ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ بدل الكل من ﴿ الصراط المستقيم ﴾ وفائدته التوكيد كقولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان؟

ويكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك بينت ذكره مجملاً أوّلاً ومفصلاً ثانياً.

وقراءة ابن مسعود ﴿ صراط من أنعمت عليهم وغير المغضوب ﴾ بدل من "الذين" أو صفة.

وإنما جاز وقوعه صفة للمعرفة لأنه تعريف الذين كلاً تعريف كقوله: "ولقد أمر على اللئيم يسبني".

أو لأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم فهو كقولك: عليك بالحركة غير السكون ويجوز أن يكون بدلاً وإن كان نكرة من معرفة ولا نعت للإفادة.

والفرق بين عليهم الأولى والثانية، أن الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على أنها مفعول أقيم مقام الفاعل.

وأصل النعمة المبالغة والزيادة يقال: دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه.

وكل ما في القرآن من ذكر النعمة بكسر النون فهي المنة والعطية.

والنعمة بفتح النون التنعم وسعة العيش ﴿ ونعمة كانوا فيها فاكهين  ﴾ والغضب في اللغة الشدة وقد عرفت معناه بحسب إطلاقه على الخلق وعلى الخالق.

وأصل الضلال الغيبوبة ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه، وضل الكافر غاب عن الحق.

قال  : ﴿ أئذا ضللنا في الأرض  ﴾ و "غير" ههنا بمعنى "لا" و "لا" بمعنى "غير" ولذلك جاز عطف أحدهما على الآخر.

تقول: أنا زيداً غير ضارب كما تقول: أنا زيداً لا ضارب.

ويعضده ما قرئ وغير الضالين وقرأ أيوب السختياني ولا الضألين بالهمزة كما قرأ عمرو بن عبيد ﴿ ولا جأنّ ﴾ وآمين مداً وقصراً معناه استجب، كما أن رويد معناه أمهل.

وعن ابن عباس عن رسول الله  معناه إفعل.

(الثالث في المباحث الفقهية).

البحث الأول: أجمع الأكثرون ومنهم الشافعي على أن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وإن ترك منها حرفا واحداً وهو يحسنها لم تصح صلاته.

وعند أبي حنيفة قراءتها غير واجبة لنا أنه  واظب طول عمره على قراءتها في الصلاة فتجب علينا لقوله  ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأيضاً أقيموا الصلاة معناه الصلاة التي أتى بها الرسول  ، لكنه كان يقرأ الفاتحة فيها فتجب.

وأيضاً روي في ذلك أخبار كثيرة مثل "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" " كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج" وروى رفاعة بن مالك "أن رجلاً دخل المسجد وصلى، فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر إلى أن قال الرجل: علمني الصلاة يا رسول الله.

فقال  : إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب" ، وظاهر الأمر للوجوب ولا سيما في معرض التعليم.

وأيضاً الخلفاء الراشدون واظبوا على قراءتها طول العمر وقال  : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وأيضاً المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز إن لم تكن واجبة فثبت أنها واجبة.

حجة أبي حنيفة ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن  ﴾ قلنا: الفاتحة هي المتيسرة المحفوظة على جميع الألسنة.

ثم قال: إذا قرأ آية واحدة كفت مثل ﴿ الم ﴾ أو ﴿ حم  ﴾ ﴿ والطور  ﴾ و ﴿ مدهامتان  ﴾ .

أبو يوسف ومحمد: لا بد من قراءة ثلاث آيات أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين.

البحث الثاني: قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك وهو مذهب أبي حنيفة ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة.

وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه لما روي عن أم سلمة  ا أنها قالت: قرأ رسول الله  فاتحة الكتاب فعد ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ آية، ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ آية، ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ آية، ﴿ مالك يوم الدين ﴾ آية، ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ آية، ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ آية ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ آية.

وعن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم" وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله  ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟

فقلت: بلى فقال: بأي شيء تفتتح القرآن إذ افتتحت الصلاة؟

قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم.

قال: هي هي.

وبإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي  قال له: كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟

قال: أقول "الحمد لله" قال: قل "بسم الله الرحمن الرحيم" وبإسناده عن علي بن أبي طالب أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص في صلاته وبإسناده عن ابن عباس في قوله ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني  ﴾ قال: فاتحة الكتاب.

فقيل لابن عباس: فأين السابع؟

فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم".

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: يقول الله  "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.

فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله: مجدني عبدي وإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله: أثنى عليّ عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال الله: فوّض إلي عبدي وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" إلى غير ذلك من الأخبار.

وأيضاً التسمية مكتوبة بخط القرآن في مصاحف السلف مع توصيتهم بتجريد القرآن عما ليس منه ولذلك لم يثبتوا "آمين".

وأيضاً قال  لأبي بن كعب: ما أعظم آية في كتاب الله؟

قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فصدّقه النبي  .

ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله ﴿ إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ فتكون آية في غير هذا الموضع.

وأيضاً إن أكثر الأنبياء أوجبوا على أنفسهم الابتداء بذكر الله قال نوح عند ركوب السفينة: ﴿ باسم الله مجريها ومرساها  ﴾ وكتب سليمان إلى بلقيس "بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله ﴿ إنه من سليمان ﴾ من قول بلقيس قبل فتح الكتاب، فلما فتحت الكتاب قرأت التسمية فقالت: وإنه ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ولما ثبت الابتداء بالتسمية في حقهم ثبت في حق نبينا أيضاً { ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  ﴾ وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم".

وعن ابن عمر قال: نزلت "بسم الله الرحمن الرحيم" في كل سورة.

وأيضاً البسملة من القرآن في النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن فوجب أن نعتقد كونه من القرآن مثل ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ } [الرحمن: 13] ﴿ ويل يومئذ للمكذبين  ﴾ حجة المخالف خبر أبي هريرة أيضاً في رواية أخرى قال: "يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي" إلى آخره.

قال: لم يذكر التسمية، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها.

قلنا: إذا تعارضت الروايتان فالترجيح للمثبت لا للنافي.

قالوا: التنصيف إنما يحصل إذا لم تعد التسمية آية حتى يحصل للرب ثلاث آيات ونصف وللعبد ثلاث ونصف من "إياك نستعين" إلى آخر السورة.

أما إذا قلنا التسمية آية صار القسم الأول أربع آيات ونصفاً فينخرم التنصيف.

قلنا: نحن نعد التسمية آية ولا نعد "أنعمت عليهم" وهذا أولى رعاية لتشابه المقاطع، ولأن غير صفة أو بدل ويختل الكلام بجعله منقطعاً عما قبله لأن طلب الاهتداء بصراط المنعم عليهم لا يجوز إلا بشرط كون المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالاً بدليل قوله  : ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ } [إبراهيم: 28] فهذا المجموع كلام واحد، وهذا بخلاف ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ فإنا لو قطعنا النظر عن الصفة كان الكلام مع الموصوف غير مختل النظام.

قالوا: روت عائشة أن النبي  كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.

قلنا: قال الشافعي: لعل عائشة جعلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ اسماً لهذه السورة كما يقال قرأ فلان "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض".

قالوا: لو كانت من الفاتحة لزم التكرار في ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ قلنا: التكرار للتأكيد غير عزيز في القرآن.

فإن قيل: إذا عد التسمية آية من كل سورة على ما يروى عن ابن عباس، فمن تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله.

فما وجه ما روي عن أبي هريرة أن النبي  قال في سورة الملك: إنها ثلاثون آية وفي الكوثر إنها ثلاث آيات مع أن العدد حاصل بدون التسمية؟

قلنا: إما أن تعد التسمية مع ما بعدها آية وذلك غير بعيد، ألا ترى أن قوله "الحمد لله رب العالمين" آية تامة، وفي قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ بعض آية؟

وإما أن يراد ما هو خاصة الكوثر ثلاث آيات، فإن التسمية كالشيء المشترك فيه بين السور.

البحث الثالث: عن أحمد بن حنبل أن التسمية آية من الفاتحة، ويسرّ بها في كل ركعة.

أبو حنيفة: ليست بآية ويسر بها.

مالك: لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سراً ولا جهراً.

الشافعي: آية ويجهر بها لأنها بعد ما ثبت كونها من الفاتحة والقرآن لا يعقل فرق بينها وبين باقي الفاتحة حتى يسر بهذه ويجهر بذلك.

وأيضاً إنه ثناء على الله وذكر له فوجب أن يكون الإعلان به مشروعاً لقوله عز من قائل ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً  ﴾ وأيضاً الإخفاء والسر إنما يليق بما فيه نقيصة ومثلبة لا بما فيه مفخرة وفضيلة.

قال  : "طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله" وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين.

وكان مذهبه الجهر بها في جميع الصلوات، وقد ثبت هذا منه تواتراً ومن اقتدى به لن يضل.

قال  : "اللهم أدر الحق معه حيث دار" وروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال: كان رسول الله  يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم.

وروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير مثل ذلك، وروى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت من الصلاة أين "بسم الله الرحمن الرحيم" أين التكبير عند الركوع والسجود؟

ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير.

قال: وكان معاوية شديد الشكيمة ذا شوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية كان مقرراً عند كل الصحابة لم يجسروا على ذلك حجة المخالف ما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: صليت خلف رسول الله  وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.

وفي رواية ولم أسمع أحداً منهم قال: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وفي رواية ولم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم.

وعن عبد الله بن المغفل أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فقال: أي بني، إياك والحدث في الإسلام!

وقد صليت خلف أبي بكر فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وصليت خلف عمر فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وصليت خلف عثمان فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فإذا صليت فقل" ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

والجواب أن حديث أنس معارض بما يروى عنه أيضاً أن معاوية لما ترك التسمية في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار.

وروى أيضاً أبو قلابة عن أنس أن رسول الله  وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.

ويروى أيضاً أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة، وإذا اضطربت الروايات عنه وجب الرجوع إلى سائر الدلائل.

وأيضاً ففيها تهمة أخرى وهي أن علياً  كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعياً في إبطال آثار علي بن أبي طالب، فلعل أنساً خاف منهم فلهذا اضطربت أقواله.

وأيضاً من المعلوم أن النبي  كان يقدم أولى الأحلام والنهي والأكابر والعلماء على غيرهم، ولا شك أن علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً من أنس وابن المغفل وأقرب موقفاً، وأنه  ما كان يبالغ في الجهر لقوله  ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً  ﴾ فلهذا لم يسمعا.

ورواية المثبت أولى من رواية النافي، والدلائل العقلية معنا ويؤيدها عمل علي بن أبي طالب كما مر.

البحث الرابع: تقديم التسمية على الوضوء سنة عند عامة العلماء وليست بواجبة خلافاً لبعض أهل الظاهر حيث قالوا: لو تركها عمداً أو سهواً لم تصح صلاته لنا قوله  "توضأ كما أمرك الله" والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء.

والصحيح عندنا أن الجنب والحائض لا يقولها بقصد القراءة، والتسمية عند الذبح وعند الرمي إلى الصيد وعند إرسال الكلب مستحبة، فلو تركها عامداً أو ناسياً، لم تحرم الذبيحة عند الشافعي ولكن تركها عمداً مكروه، وعند أبي حنيفة إن ترك التسمية عمداً لم يحل، وإن نسي حل.

والعلماء أجمعوا على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال إلا أن يقول: باسم الله، فإذا نام قال باسم الله، وإذا انتبه قال: باسم الله، وإذا قام من المقام قال: باسم الله، وإذا أكل أو شرب قال: باسم الله، وإذا أعطى أو أخذ قال: باسم الله، ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن تقول باسم الله وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل القبر قيل باسم الله وهذا آخر أحواله من الدنيا، وإذا قام من القبر قال: باسم الله، وإذا حضر الموقف قال: باسم الله، فلا جرم يدخل الجنة ببركة اسم الله.

البحث الخامس: قال الشافعي: ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها.

وقال أبو حنيفة: إنها كافية في حق القادر والعاجز.

وقال أبو يوسف ومحمد: كافية في حق العاجز لا القادر لنا أنه  والخلفاء من بعده وجميع الصحابة ما قرأوا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي فوجب علينا اتباعهم، وكيف يجوّز عاقل قيام الترجمة بأي لغة كانت وهي كلام البشر مقام كلام خالق القوى والقدر؟

وقالوا: وروي عن عبدالله بن مسعود أنه كان يعلم رجلاً أن شجرة الزقوم طعام الأثيم والرجل لا يحسنه.

فقال: قل طعام الفاجر، ثم قال عبدالله: ليس الخطأ في القرآن أن تقرأ مكان العليم الحكيم إنما الخطأ بأن تضع آية الرحمة مكان آية العذاب.

قلنا: الظن بابن مسعود غير ذلك.

قالوا ﴿ وإنه لفي زبر الأولين  ﴾ ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ ولا ريب أن القرآن بهذا اللفظ ما كان في زبر الأولين لكن بالعبرية والسريانية.

قلنا إن القصص والمواعظ موجودة لا باللفظ بل بالمعنى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الموجود فيها قرآناً، فإن النظم المعجز جزء من ماهية القرآن والكل بدون الجزء مستحيل.

البحث السادس: الشافعي في القول الجديد قال: تجب قراءة الفاتحة على المقتدي سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها.

وفي القديم: تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وأحمد أبو حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال لنا قوله  { ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن  ﴾ وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" يشمل المنفرد والمقتدي، وأيضاً روى الترمذي في جامعه بإسناده عن عبادة بن الصامت "أن النبي  صلى الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف  قال: إني أراكم تقرأون خلف إمامكم قلنا: أي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها" قال: وهذا حديث حسن.

وأيضاً قراءتها لا تبطل الصلاة عندهم ولكن يجوّزون تركها ويبطلها عدم القراءة عندنا، فالأحوط قراءتها.

احتج المخالف بقوله  ﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا  ﴾ وبأخبار بين ضعفها البيهقي في كتابه، ونحن نقول: أما القرآن فمخصوص بغير الفاتحة لما مر، وأما الأخبار فهب أنها صحيحة إلا أن الترجيح معنا لأن الاشتغال بقراءة القرآن من أعظم الطاعات ولأنه أحوط.

البحث السابع: مذهب الشافعي أن الفاتحة واجبة في كل ركعة فإن تركها في ركعة بطلت صلاته، وبه قال أبو بكر وعمر وعلي عليهم السلام وابن مسعود ومعظم الصحابة، لأنه  كان يقرأوها في كل ركعة، ولأنه قال للأعرابي الذي علمه الصلاة وكذلك فأفعل في كل ركعة.

"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا النبي  أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة" وأيضاً القراءة في كل ركعة أحوط فيجب المصير إليها.

وقيل: غير واجبة أصلاً، وقيل: تجب في كل صلاة في ركعة واحدة فقط وبه يحصل امتثال قوله "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وعند أبي حنيفة القراءة تجب في الركعتين الأوليين لقول عائشة: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر.

فهما أصل والزائد تبع.

قلنا: ما ذكرنا أحوط، وقيل: تجب الفاتحة في الأوليين وتكره في الآخرتين.

وعند مالك تجب في أكثر الركعات، ففي الثنائية فيهما وفي الثلاثية في اثنتين وفي الرباعية في ثلاث.

البحث الثامن: إذا ثبت أن القراءة شرط في الصلاة فلو تركها أو حرفاً من حروفها عمداً بطلت صلاته وكذا سهواً على الجديد.

وما روي أن عمر بن الخطاب صلى المغرب فترك القراءة فقيل له: تركت القراءة.

قال: كيف كان الركوع والسجود؟

قالوا: حسناً.

قال: فلا بأس، معارض بما روى الشعبي عنه أنه أعاد الصلاة.

وأيضاً لعله ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة.

البحث التاسع: يجب رعاية الترتيب في أجزاء الفاتحة وما وقع غير مرتب فغير محسوب.

البحث العاشر: إن لم يحفظ شيئاً من الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها من القرآن، ثم من ذكر من الأذكار، ثم عليه مثل وقفة بقدرها فإن تعلم قرأ ما لم يفرغ منه.

البحث الحادي عشر: نقل عن ابن مسعود أنه كان ينكر أن تكون الفاتحة والمعوذتان من جملة القرآن والظن به أن هذا النقل عنه كذب وإلا فجحد المتواتر كيف يليق بحاله؟

الرابع فيما يختص بتفسير الحمد لله من الفوائد.

الفائدة الأولى في الفرق بين الحمد والمدح والشكر.

المدح للحي ولغير الحي كاللؤلؤة والياقوتة الثمينة، والحمد للحي فقط.

والمدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده، والحمد إنما يكون بعد الإحسان.

والمدح قد يكون منهياً عنه قال  : "احثوا التراب في وجوه المداحين" والحمد مأمور به مطلقاً قال  : "من لم يحمد الناس لم يحمد الله" والمدح عبارة عن القول الدال على أنه مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره، والحمد قول دال على أنه مختص بفضيلة اختيارية معينة وهي فضيلة الإنعام إليك وإلى غيرك، ولا بد أن يكون على جهة التفضيل لا على سبيل التهكم والاستهزاء، والشكر على النعمة الواصلة إليك خاصة وهو باللسان، وقد يكون بالقلب والجوارح قال الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه قوله  "الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده" وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وأداء الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي.

والحمد نقيضه الذم ولهذا قيل: الشعير يؤكل ويذم.

والمدح نقيضه الهجاء، والشكر نقيضه الكفران، إذا عرفت ذلك فنقول: إذا قال المدح لله لم يدل ذلك على كونه  فاعلاً مختاراً لما مر أن المدح قد يكون لغير المختار.

ولو قال: الشكر لله كان ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل.

وإذا قال: الحمد لله فكأنه يقول سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين وأنت مستحق للحمد العظيم، ولا ريب أن هذا أولى.

وقيل: الحمد لله على ما دفع من البلاء، فكأنه يقول: أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف بأعلاهما؟

ويمكن أن يقال: إن المنع غير متناه والإعطاء متناه، والابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى، وأيضاً دفع الضرر أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى.

الثانية: لو قال: أحمد الله أفاد كون ذلك القائل على حمده، وإذا قال: الحمد لله أفاد أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين.

وأيضاً الحمد لله معناه أن مطلق الحمد والثناء حق لله وملكه كما ينبئ عنه اللام الجنسية واللام الجارة وذلك بسبب كثرة إيلائه أنواع آلائه على عبيده وإمائه.

ولا يخفى أن هذا أولى من أن يحمده شخص واحد فقط، ولهذا لو سئلت هل حصل لفلان عليك نعمة؟

فإن قلت نعم فقد حمدته ولكن حمداً ضعيفاً، ولو قلت في الجواب بل نعمه على كل الخلائق كان أكمل.

فإن قيل: أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه؟

فالأستاذ يستحق الحمد من التلميذ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية، وقال  : "من لم يحمد الناس لم يحمد الله" قلنا: المنعم في الحقيقة هو الله لأنه خلق تلك الداعية في ذلك المنعم بعد أن خلق تلك النعمة وسلط المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع وأمنه من فوات الانقطاع، ولهذا قال عز من قائل ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله  ﴾ وأيضاً كل مخلوق ينعم على غيره فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضاً إما ثواباً أو ثناء، أو تحصيل خلق أو تخلصاً من رذيلة البخل.

وطالب العوض لا يكون منعماً ولا مستحقاً للحمد في الحقيقة، أما الله  فإنه كامل لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال، لأن تحصيل الحاصل محال فكان عطاؤه جوداً محضاً، فثبت أن لا مستحق للحمد إلا الله  .

الثالثة: إنما لم يقل "احمدوا الله" لأن الإنسان عاجز عن الإتيان بحمد الله وشكره فلم يحسن أن يكلف فوق ما يستطيعه، وذلك أن نعم الله على العباد غير محصورة ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وإذا امتنع الوقوف عليها امتنع اقتداره على الشكر والثناء اللائق بها.

وأيضاً إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله على ذلك الحمد والشكر وخلق في قلبه داعية ذلك وأزال عنه العوائق والصوارف، وكل ذلك إنعام من الله فيتسلسل.

وأيضاً الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل إنعام المنعم بشكر نفسه، ومن اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعمة الله فقد أشرك، وهذا معنى قول الواسطي "الشكر شرك" أما إذا قال: "الحمد لله" فالمعنى أن كمال الحمد حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا.

ونقل أن داود  قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن توفقني لذلك الشكر؟

فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك.

الرابعة: عن النبي  "إذا أنعم الله على عبد فقال: الحمد لله يقول الله  : انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة له " ومعناه أن ما أنعم الله على العبد شيء واحد، وإذا قال: الحمد لك فمعناه المحامد التي أتى بها الأولون والآخرون من الملائكة والثقلين لله  ، وكذا المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قوله  ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيّتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين فالمنعم به متناه والحمد غير متناه، وإذا أسقط المتناهي من غير المتناهي بقي غير المتناهي.

فالذي بقي للعبد طاعات غير متناهية فلا بد من مقابلتها بنعم غير متناهية، فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي.

الخامسة: لا شك أن الوجود خير من العدم، وأن وجود كل ما سوى الله فإنه حصل بإيجاد الله وجوده، فإنعام الله  واصل إلى كل من سواه، فإذا قال العبد: "الحمد لله" فكأنه قال: الحمد لله على كل مخلوق خلقه، وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وإنسي وذات وصفة وجسم وعرض من أزل الآزال إلى أبد الآباد، وأنا أشهد أنها بأسرها لك لا شركة لأحد فيها معك.

السادسة: التسبيح مقدم على التحميد لأنه يقال: سبحان الله والحمد لله.

فما السبب في وقع البداءة بالتحميد؟

والجواب أن التسبيح داخل في التحميد دون العكس، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص، والتحميد يدل على كونه محسناً إلى العباد، ولا يكون محسناً إليهم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ليعلم مواقع الحاجات وإلا إذا كان قادراً على المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنياً في نفسه وإلا شغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، فثبت أن كونه محسناً لا يتم إلا بعد كونه منزهاً عن النقائص والآفات.

السابعة: الحمد له تعلق بالماضي وهو وقوعه شكراً على النعم السابقة، وتعلق بالمستقبل وهو اقتضاء تجدد النعم لقوله  ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم  ﴾ فبالأول يغلق عنك أبواب النيران، وبالثاني يفتح لك أبواب الجنان، فإن الحمد لله ثمانية أحرف بعدد أبواب الجنة.

الثامنة: الحمد لله كلمة جليلة لكنه يجب أن تذكر في موضعها ليحصل المقصود.

قال السري: منذ ثلاثين سنة أستغفر الله لقولي مرة واحدة الحمد لله.

وذلك أنه وقع الحريق في بغداد وأحرقت دكاكين الناس فأخبرني واحد أن دكاني لم يحترق فقلت: الحمد لله.

وكان من حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة.

فالحمد على نعم الدين أفضل من الحمد على نعم الدنيا، والحمد على أعمال القلوب أولى من الحمد على أعمال الجوارح، والحمد على النعم من حيث إنها عطية المنعم أولى من الحمد عليها من حيث هي نعم، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يقع الحمد في موضعه اللائق به.

التاسعة: أول ما بلغ الروح إلى سرة آدم عطس فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وآخر دعوى أهل الجنة ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد، فاجتهد أن يكون أول أعمالك وآخرك مقروناً بكلمة الحمد.

العاشرة: لا يحسن عندنا أن يقدّر قولوا: "الحمد لله" لأن الإضمار خلاف القياس، ولأن الوالد إذا قال لولده: أعمل كذا وكذا فلم يمتثل كان عاقاً، فالأولى أن يقول الأمر الفلاني ينبغي أن يفعل.

ثم إن كان الولد باراً فإنه يجيبه ويطيعه وإن كان عاقاً كان إثمه أقل، فكذلك إذا قال: الحمد لله فمن كان مطيعاً حمده ومن كان عاصياً كان إثمه أقل، بخلاف ما لو قدر "قولوا الحمد لله".

الحادية عشرة: شنعت الجبرية على المعتزلة ومن يجري مجراهم بأنكم تثبتون للعبد فعلاً واختياراً، واستحقاق الحمد إنما يكون على أشرف النعم وهو الإيمان، فلو كان الإيمان بفعل العبد لكان المستحق للحمد هو العبد.

والجواب أن الإيمان باختيار العبد لكن الاختيار أيضاً مستند إلى الله  فاستحق الحمد لذلك.

وشنعت المعتزلة على الجبرية بأن قوله "الحمد لله" لا يتم إلا على مذهبنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبح في فعله ولا جور في قضيته، وعندكم لا قبح إلا وهو فعله، ولا جور إلا وهو حكمه.

والجواب أن القبح والجور إنما يثبتان لو أمكن تصور الفعل المخصوص في القابل المخصوص أحسن وأتم مما صدر لكنه محال، فإنه  حكيم وكل ما يصدر عن الحكيم كان على أفضل ما يمكن بالنسبة إلى المحل المخصوص.

الثانية عشرة: اختلفوا في أن شكر المنعم واجب عقلاً أو شرعاً.

فمنهم من قال عقلاً ومن جملة أدلتهم قوله "الحمد لله" فإنه يدل على ثبوت الاستحقاق على الإطلاق.

وأيضاً عقبه بقوله "رب العالمين" وترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فدل ذلك على أن استحقاقه للحمد ثابت بكونه رباً للعالمين قبل مجيء الشرع وبعده.

والجواب أن استحقاقه لمثل هذا الحمد عرفناه من قبل الشرع.

واعلم أن الحمد سبيله سبيل سائر الأذكار والعبادات في أنها إنما يؤتى بها لا لأن الله  مستكمل بها ولا لأنه  مجازي بها، ولكنها لتحقيق نسبة العبودية وإضافة الإمكان الله حسبي الخامس في فوائد قوله رب العالمين.

الأولى: الموجود إما واجب لذاته وهو الله  وتعالى فقط، وإما ممكن لذاته وهو كل ما سواه ويسمى العالم كما مر، وذلك إما متحيز أو صفة للمتحيز أو لا هذا ولا ذاك.

القسم الأوّل: إن كان قابلاً للقسمة فهو الجسم وإلا فالجوهر الفرد.

فالجسم إما علوي أو سفلي، والعلوي كالسماويات ويندرج فيها العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة والكواكب، والسفلي إما بسيط وهو العناصر الأربعة: الأرض بما عليها وفيها والماء وهو البحر المحيط وما يتشعب منه في القدر المكشوف من الأرض، والهواء ومنه كرة البخار وكرة النسيم ومنه الهواء الصافي والنار.

وإما مركب وهو المعادن والنبات والحيوان على تباين أنواعها وأصنافها.

القسم الثاني: الأعراض بأجناسها وأنواعها.

القسم الثالث: الأرواح وهي إما سفلية خيرة كالجن، أو شريرة كالشياطين.

وإما علوية متعلقة بالأجسام كملائكة السموات قال  : "ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد" أو غير متعلقة وهي الملائكة المقربون ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ولأن كل موجود سوى الواجب يحتاج إلى الواجب في الوجود.

وفي البقاء أيضاً فهو إله العالمين من حيث إنه أخرجها من العدم إلى الوجود، ورب العالمين من حيث إنه يبقيها حال استقرارها.

فكل من كان أكثر إحاطة بأحوال الموجودات وتفاصيلها كان أكثر وقوفاً على تفسير قوله ﴿ رب العالمين ﴾ .

الثانية: المربي قسمان: أحدهما أن يربي ليربح عليهم، والثاني أن يربي ليربحوا عليه.

والأول شأن المخلوقين الذين غرضهم من التربية إما ثواب أو ثناء أو تعصب أو غير ذلك، والثاني دأب الحق  وتعالى كما قال: "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" وكيف لا يربحون عليه وأنه متعال عن الاستكمال منزه عن أن يحدث في خزائنه بسبب التربية والإفادة والإفاضة اختلال يحب الملحين في الدعاء ﴿ ويزيد في الخلق ما يشاء  ﴾ يكفي علمه من المقال ويغني كرمه عن السؤال ﴿ وسع كل شيء علماً  ﴾ ويربي كل حي كرماً وحلماً ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 12 - 13، 14\] ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم  ﴾ ﴿ ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وجعلنا سراجاً وهاجاً وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً لنخرج به حباً ونباتاً وجناتٍ ألفافاً  ﴾ .

الثالثة: لما كان الله أحسن الأسماء عقبه بأكمل الصفات وهو ﴿ رب العالمين ﴾ إذ معناه أن وجود ما سواه فائض عن تربيته، وإحسانه وجوده وامتنانه، فالأول يدل على التمام والثاني على أنه فوق التمام.

الرابعة: رب العالمين ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وهو الله الواحد الأحد الصمد، وأنت تخدمه كأنّ لك أرباباً غيره فما إنصافك أيها الإنسان؟

﴿ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن  ﴾ خلقت لعبادة الرب فلا تهدم حقيقتك بمعصية الرب، الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب.

السادس: في فوائد قوله ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ .

الأولى: الرحمن بما لا يتصور صدوره من العباد، والرحيم بما يقدر عليه العباد.

أنا الرحمن لأنك تسلم إليّ نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة، أنا الرحيم لأنك تسلم إليّ طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة.

الثانية: ذهب بعضهم إلى ملك فقال: جئتك لمهم يسير.

فقال: أطلب المهم اليسير من الرجل اليسير.

فكأن الله  يقول: لو اقتصرت على الرحمن لاحتشمت مني ولتعذر عليك سؤالي الأمور اليسيرة، فأنا الرحمن لتطلب مني الأمور العظيمة، وأنا الرحيم لتطلب مني شراك نعلك وملح قدرك.

الثالثة: الوالد إذا أهمل حال ولده ولم يؤدبه ظن أن ذلك رحمة وهو في الحقيقة عذاب.

من لم يؤدبه الأبوان أدبه الملوان، وعكسه حال من تقطع يده لأكلة فيها، أو يضرب لتعليم حرفة، أو لتأدب بخصلة شريفة.

فكل ما في العالم من محنة وبلية فهو في الحقيقة رحمة ونعمة ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم  ﴾ وقصة موسى مع الخضر كما تجيء في موضعها تؤيد ما ذكرناه، والحكيم المحقق هو الذي يبني الأمور على الحقائق لا على الظواهر، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

الرابعة: أعطى مريم عليها السلام رحمة ﴿ ولنجعله آية للناس ورحمة منّا  ﴾ فصارت سبباً لنجاتها من توبيخ الكفار والفجار، وأعطانا رحمة ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ فكيف لا ننجو بسببه من عذاب النار.

الخامسة: وصف النبي  بالرحمة فكان من حاله أنه لما كسرت أسنانه قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وأنه يوم القيامة يقول: أمتي أمتي.

فلما وصف نفسه بكونه رحماناً رحيماً أيضاً فكأنه يقول: الرحمة الواحدة لا تكفي لصلاح المخلوقات فذرني وعبيدي فإني أنا الرحمن الرحيم، رحمتي غير متناهية ومعصيتهم متناهية والمتناهي لا يدرك غير المتناهي فستغرق معصيتهم في بحار رحمتي ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ .

السادسة: حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: كنت ضيفاً لبعض القوم، فقدم المائدة فنزل غراب وسلب رغيفاً فاتبعته تعجباً، فنزل في بعض التلال فإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين، فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه.

وعن ذي النون أنه قال: كنت في البيت إذ وقعت في قلبي داعية أن أخرج من البيت، فانتهيت إلى شط النيل فرأيت عقرباً قوياً يعدو، فلما وصل إلى النيل فإذا هو بضفدع على طرف النهر، فقفز العقرب عليه وأخذ الضفدع يسبح، فركبت السفينة فاتبعته حتى إذا وصل الضفدع إلى الطرف الآخر نزل العقرب عن ظهره وأخذ يعدو، فتبعته فرأيت شاباً نائماً تحت شجرة وعنده أفعى يقصده، فلما قرب الأفعى من ذلك الشاب وصلت العقرب إلى الأفعى ولدغتها والأفعى أيضاً لدغتها وماتتا معاً.

وفي أدعية العرب: يا رازق النعاب في عشه.

وحكايته أن ولد الغراب لما يخرج من البيض يكون كأنه قطعة لحم فتهجره أمه تنفراً منه، حتى إذا خرج ريشه عادت إليه، فيبعث الله  إليه في تلك المدة ذباباً يغتذي به.

وروي "أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله، فأتوا النبي  وأخبروه، فقام فدخل عليه وكان يعرض عليه الشهادة ولا يعمل لسانه فقال  : أما كان يصلي أما كان يزكي أما كان يصوم؟

فقالوا: بلى.

فقال: فهل عق والدته؟

قالوا: نعم.

فقال: هاتوا أمه.

فأتي بعجوز عوراء.

فقال النبي  : هلا عفوت عنه؟

فقالت: لا أعفو عنه لأنه لطمني ففقأ عيني.

فقال  : هاتوا بالحطب والنار فقالت: وما تصنع بالنار؟

فقال  : أحرقه بالنار بين يديك جزاء بما عمل.

فقالت: عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر أللنار أرضعته سنتين فأين رحمة الأم؟

فعند ذلك انطلق لسانه وذكر أشهد أن لا إله إلا الله" والنكتة أنها كانت رحيمة فقط ولم تجوّز الإحراق، فالرحمن الرحيم كيف يجوز إحراق عبد واظب على ذكر الرحمن الرحيم سبعين سنة؟

قال  : "إن لله  مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والطير والبهائم والهوام فيها يتعاطفون ويتراحمون، وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة" ولعل هذا على سبيل التفهيم والتمثيل وإلا فكرمه بلا غاية ورحمته بلا نهاية.

السابع: في فوائد قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

الأولى: من قضية العدالة الفرق بين المحسن والمسيء، والمطبع والعاصي، والموافق والمخالف، ولا يظهر ذلك إلا في يوم الجزاء ﴿ إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى  ﴾ ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ روي أنه يجاء برجل يوم القيامة وينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ألبتة، فيأتيه النداء يا فلان ادخل الجنة بعملك.

فيقول: إلهي ماذا عملت؟

فيقول الله: ألست لما كنت نائماً تقلب من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ذلك "الله"، ثم غلبك النوم في الحال فنسيت؟

أما أنا فلا تأخذني سنة ولا نوم، فما نسيت ذلك.

ويجاء برجل وتوزن حسناته بسيئاته فتخف حسناته فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة "أن لا إله إلا الله" فلا يثقل مع ذكر الله غيره.

واعلم أن حقوق الله  على المسامحة لأنه غني عن العالمين، وأما حقوق العباد فهي أولى بالاحتراز عنها.

روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله  : "أتدرون ما المفلس؟

قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار" الثانية: من قرأ "مالك" احتج بوجوه: الأول أن فيه حرفاً زائداً فيكون ثوابه أكثر.

الثاني: في القيامة ملوك ولا مالك إلا الله.

الثالث: المالكية سبب لإطلاق التصرف والملكية ليست كذلك.

الرابع: العبد أدون حالاً من الرعية فيكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية.

الخامس: الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك بالاختيار بخلاف المملوك.

السادس: الملك يجب عليه رعاية حال الرعية "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ولا يجب على الرعية خدمة الملك، أما المملوك فيجب عليه خدمة مالكه وأن لا يستقل في الأمر إلا بإذنه حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة، ويصير مسافراً إذا نوى مولاه السفر، ومقيماً إذا نوى الإقامة.

حجة من قرأ "ملك" أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً، والملك لا يكون إلا أعلاهم شأناً.

وأيضاً ﴿ قل أعوذ برب الناس ملك الناس  ﴾ لم يقرأ فيه غير "ملك" فتعين.

وأيضاً الملك أقصر ومالك يلزم منه تطويل الأمل فإنه يمكن أن يدركه الموت قبل تمام التلفظ به.

وأجيب بأن العزم يقوم مقام الفعل لو مات قبل الإتمام، كما لو نوى بعد غروب الشمس صوم يوم يجب صومه بخلاف ما لو نوى في النهار عن الغد.

ثم يتفرع على كل من القراءتين أحكام، أما المتفرعة على الأول فقراءة "مالك" أرجى من قراءة "ملك" لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأساً برأس، والمالك يطلب العبد منه الكسوة والطعام والتربية والإنعام "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم.

يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" والملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه، والملك لا يختار من العسكر إلا كل قوي سويّ ويترك من كان مريضاً عاجزاً، والمالك إن مرض عبده عالجه، وإن ضعف أعانه.

الملك له هيبة وسياسة، والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة.

وأما المتفرعة على الثانية فإنه في الدنيا ملك الملوك ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء  ﴾ وفي الآخرة لا ملك إلا هو ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ وملكه لا يشبه ملك المخلوقين لأنهم إذ بذلوا قلَّت خزائنهم ونفدت ذخائرهم، وأنه  كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكاً.

فإن أعطاك عشرة أولاد زاد في ملكه عشرة أعبد.

ومن لوازم ملكه كمال الرحمة فلهذا قرن بقوله "ملك يوم الدين" قوله "رب العالمين الرحمن الرحيم" ومثله ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ ﴿ قل أعوذ برب الناس ملك الناس  ﴾ فمن اتصف بهذه الصفة من ملوك الدنيا صدق عليه أنه ظل الله في الأرض.

الكفر سبب لخراب العالم ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا.

أن دعوا للرحمن ولداً  ﴾ والطاعة تتضمن صلاح المعاش والمعاد ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ فعلى الناس أن يطيعوا ملوكهم، وعلى الملوك أن يطيعوا مالك الملك حتى تنتظم أمور معاشهم ومعادهم لما وصف نفسه بأنه "ملك يوم الدين" أظهر للعالمين كمال عدله بنفي الظلم تارة ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ وبثبوت العدل أخرى ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة  ﴾ فلا خلة للملك أعم نفعاً وأتم وقعاً من أن يكون عادلاً.

ومن هنا تظهر البركة في العالم أو ترتفع إن كان السلطان عادلاً أو جائراً.

يحكى أن أنوشروان خرج يوماً إلى الصيد وانقطع عن عسكره واستولى عليه العطش، فرأى بستاناً فيه رمان.

فلما دخله قال لصبي فيه: أعطني رمانة، فأعطاه فعصرها وأخرج منها ماء كثيراً، فشربه وأعجبه ذلك، فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه.

ثم قال لذلك الصبي: أعطني رمانة أخرى، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصاً.

فقال: أيها الصبي، لم صار الرمان هكذا؟

فقال الصبي: فلعل ملك البلد عزم على الظلم فلشؤم ظلمه صار هكذا، فتاب أنوشروان في قلبه وأناب، وقال للصبي: أعطني رمانة أخرى فعصرها فوجدها أطيب من الأولى فقال للصبي: لم بدلت هذه الحالة؟

فقال: لعل الملك تاب عن ظلمه.

فلما وجد أنوشروان مقالة الصبي مطابقة لأحواله في قلبه تاب بالكلية، فكان من ميامن عدله أن ورد في حقه قول نبينا  "ولدت في زمن الملك العادل".

الثالثة: كونه مالكاً وملكاً معناه أنه قادر على ترجيح جانب وجود الممكنات على عدمها، وأنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة كما يشاء من غير مانع ولا منازع.

وعلى قضية الحكمة والعدالة فهو الملك الحق وأنه ملك يوم الدين أيضاً، لأن القدرة على إحياء الخلق بعد إماتتهم والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس لا يختص به أحد غيره، فإذا كان الحشر والنشور لا يتأتى إلا بعلم يتعلق بجميع المعلومات وقدرة تنفذ في كل الممكنات، فلا مالك ليوم الدين إلا الله.

فإن قيل: لا يكون مالكاً إلا إذا كان المملوك موجوداً لكن القيامة غير موجودة فينبغي أن يقال "مالك يوم الدين" بالتنوين بدليل أنه لو قال: أنا قاتل زيد كان إقراراً، ولو قال: أنا قاتل زيداً كان تهديداً.

قلنا: لما كان قيام القيامة أمراً حقاً لا يجوز الإخلال به في الحكمة، جعل وجوده كالشيء القائم في الحال.

ولو قيل: من مات فقد قامت قيامته زال السؤال.

الرابعة: قالت القدرية: إن كان الكل من الله فثواب الرجل على ما لم يعمله عبث وعقابه على ما لم يفعله ظلم، فيبطل كونه مالكاً ليوم الدين.

قلنا: خلق الجنة وخلق اهلاً لها، وخلق النار وخلق أهلاً لها، وذلك أن له صفة لطف وصفة قهر كما ينبغي لكل ملك.

فخلق لكل صفة مظهراً ولا يسأل عما يفعل، لأن كل سؤال ينقلب فهو باطل.

الخامسة: في هذه السورة من أسماء الله  خمسة: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، المالك.

كأنه يقول: خلقتك أولاً فأنا الله، ثم ربيتك بأصناف النعم فأنا الرب، ثم عصيت فسترت عليك فأنا الرحمن، ثم تبت فغفرت لك فأنا الرحيم، ثم أجازيك بما عملت فأنا مالك يوم الدين وذكر الرحمن الرحيم مرة في التسمية ومرة أخرى في السورة دليل على أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأوصاف، ومع ذلك عقبها بقوله "مالك يوم الدين" كيلا يغتروا بها.

ونظيره ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب  ﴾ .

السادسة: الحمد والمدح والتعظيم فيما بين الناس إنما يكون لكونه كاملاً في ذاته وإن لم يكن له إحسان إليك، وإما لكونه محسناً إليك، وإما رجاء وطمعاً في المستقبل، وإما خوفاً ورهبة، فكأنه  يقول: إن كنتم تعظمون للكمال الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله، وإن كنتم تعظمون للإحسان السالف فأنا رب العالمين، وإن كنتم تعظمون للإحسان المترقب فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم تعظمون رهبة عن العقاب فأنا مالك يوم الدين.

الثامن: في فوائد قوله "إياك نعبد".

الأولى: لا شك أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص أي لا نعبد أحداً سواك والحاكم فيه الذوق السليم.

واستحقاق هذا الاختصاص لله  ظاهر، لأن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم فلا تليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو الله  .

وذلك أن للعبد أحوالاً ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل.

أما الماضي فقد كان معدوماً فأوجده ﴿ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً  ﴾ ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ وكان جاهلاً فعلمه ﴿ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ثم أسمعه وأبصره وأعقله ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة  ﴾ فهو إله بهذه المعاني.

وأما الحاضر فحاجاته كثيرة، ووجوه افتقاره غير محصورة من أول عمره إلى آخره مع انفتاح أبواب المعصية وانخلاع ربقة الطاعة، فهو رب رحمن رحيم من هذه الوجوه.

وأما المستقبل فأموره المتعلقة بما بعد الموت وأنه مالك يوم الدين بهذه الحيثية، فلا مفزع للعبد في شيء من أحواله إلا إليه، فلا يستحق عبادة العبد إلا هو.

وأيضاً ثبت بالدلائل القاطعة وجوب كونه  عالماً قادراً جواداً غنياً حكيماً إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وأما كون غيره من الفلكيات والطبائع والنفوس كذلك فمشكوك فيه وإن كنا نجزم بأنه لا تأثير لها فوجب طرح المشكوك والأخذ باليقين، فلا معبود بالحق إلا الله  ، وأيضاً العبودية ذلة ومهانة، فكلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية أهنأ وأمرأ.

ولما كان الله  أشرف الموجودات وأعلاها وأولاها بالصفات العلى، فعبوديته أولى، وأيضاً كل ما سوى الواجب الغني ممكن فقير، والفقير مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه إفادة غيره.

فدافع الحاجات هو الله فلا يستحق العبادة إلا هو ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ﴾ .

الثانية: تقديم ذكر الله  يورث الخشية والمهابة حتى لا يلتفت في العبادة يميناً وشمالاً بخلاف العكس.

(يحكى) أن واحداً من المصارعين الأستاذين صارع بعض من هو دونه ولا يعرفه، فصرع الأستاذ مراراً فقيل له: فلان الأستاذ فانصرع في الحال وما ذاك إلا لاحتشامه بعد عرفانه.

وأيضاً ذكره  أوّلاً مما يورث العبد قوة يسهل بها عليه ثقل العبودية فوجب تقديمه، كما أن من أراد حمل ثقيل يقدم عليه دواء أو غذاء بعينه على ذلك، كما أن العاشق يسهل عليه جميع الآلام عند حضور معشوقه.

وأيضاً ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ فالنفس إذا مسها طائف الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة طلع لها جلال الله من مشرق "إياك نعبد" فتصير مبصرة مستعدة لأداء حق العبودية.

وأيضاً إن بدأ بالعبادة فض إبليس قلبه أن المعبود من هو فيلقي في نفسه وساوس، أما إذا غير هذا الترتيب وقال: "إياك نعبد" كان بعيداً عن احتمال الشرك.

وأيضاً الواجب لذاته متقدم في الوجود فيناسب أن يكون مقدماً في الذكر.

وأيضاً المحققون نظرهم على المعبود لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة، ولهذا قيل لبني إسرائيل ﴿ اذكروا نعمتي  ﴾ ولأمة محمد ﴿ اذكروني  ﴾ فذكر المعبود عندهم أولى من ذكر العبادة.

الثالثة: النون في قوله "نعبد" فيه وجوه من الحكمة منها: أنه تشريف من الله  للعبد حيث لقنه لفظاً ينبئ عن التعظيم والتكريم كقوله حكاية عن نفسه ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص  ﴾ كأنه قال: لما أظهرت عبوديتي ولم تستنكف أن تكون عبداً ليّ جعلناك أمة ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ ومنها أنه لو قال: إياك أعبد كان إخباراً عن كونه عبداً فقط، ولما قال: "إياك نعبد" صار معناه إني واحد من عبيدك، ولا ريب أن الثاني أدخل في الأدب والتواضع.

ومنها أن يكون تنبيهاً على أن الصلاة بالجماعة أولى قال  : "التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها" وههنا نكتة وهي أن الإنسان إذا أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة كيلا يتأذى منه جاره، وإذا كان ثواب الجماعة لا يفي بهذا القدر من الإيذاء فكيف يفي بما هو أكثر من ذلك إيذاء للمسلمين من الغيبة والتهمة والنميمة والسعاية وسائر أنواع الظلم؟

ومنها أن يكون المراد أعبدك والملائكة معي والحاضرون بل جميع عبادك الصالحين.

ومنها أن المؤمنين إخوة فكأن الله تعالى قال: لما أثنيت عليّ بقولك ﴿ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ﴾ ارتفعت منزلتك عندنا، فلا تقتصر على إصلاح حالك بل عليك بالسعي في إصلاح حال جميع إخوانك فقل: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ .

ومنها أن العبد يقول: إلهي عبادتي مخلوطة بالتقصير وإني أخلطها بعبادة جميع العابدين، فلا يليق بكرمك أن تميز بين العبادات، ولا أن ترد الكل وفيها عبادة الأنبياء والأولياء بل الملائكة المقربين.

وهذا كما أن الرجل إذا باع من غيره عشرة أعبد، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو يرد الكل وليس له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة.

الرابعة: من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها وثقل عليه الاشتغال بغيرها لأن الكمال محبوب لذاته وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بخدمة مولاه، فإنه يستنير قلبه بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد ورد "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وأيضاً التكاليف أمانة ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان  ﴾ وأداء الأمانة واجب عقلاً وشرعاً ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها  ﴾ وأداء الأمانات من أحد الجانبين سبب لأدائها من الجانب الآخر.

قال بعض الصحابة: أتى أعرابي باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا، فلما خرج لم يجد الناقة فقال: إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي؟

قال الرواي: فزدنا تعجباً، فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه.

"وقال  لابن عباس: يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات" وأيضاً الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور، وركون من الخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة.

(يحكى) عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وهو في الصلاة فلم يشعر بها.

ووقعت الأكلة في بعض أعضاء عبد الله بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فقطع وهو في الصلاة ولم يشعر به.

وعن رسول الله  أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزاً كأزيز المرجل.

ومن استبعد فليقرأ قوله  ﴿ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن  ﴾ فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال الله وعظمته إذا تجلى على قلب الموحد العابد؟!

وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين؟!

واعلم أن العبادة لها ثلاث درجات، لأنه إما أن يعبد الله رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه، ويختص باسم الزاهد حيث يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعاً فيما هو أشرف منها وأدوم، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين.

وإما أن يعبد الله تشرفاً بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية.

وإما أن يعبد الله لكونه إلهاً ولكونه عبداً له، والإلهية توجب العزة والهيبة، والعبودية تقتضي الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها الإشارة بقول المصلي: أصلي لله فإنه لو قال: أصلي لثواب الله أو هرباً من عقابه فسدت صلاته.

(يحكى) أن عابداً في بني إسرائيل اعتزل وعبد الله  سبعين سنة، فأرسل الله  إليه ملكاً فقال: إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا تجاهد، فأجاب العابد بأن الذي عليّ هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما عليّ، فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود.

فرجع الملك فقال الله: بم أجاب العابد؟

فقال: أنت أعلم يا رب، إنه قال كذا وكذا.

فقال الله تعالى: ارجع إليه وقل له: قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك.

والتحقيق أن إثبات نسبة الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين.

وفي العبادة انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين.

قال عز من قائل ﴿ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون.

فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين.

واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ولأن العبودية أشرف المقامات.

مدح الله  نبيه في قوله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال: ﴿ إني عبد الله  ﴾ وكان عليّ يقول: كفاني فخراً أن أكون لك عبداً وكفاني شرفاً أن تكون لي رباً.

اللهم إني وجدتك إلهاً كما أردت، فاجعلني عبداً كما أردت.

ومنهم من قال: العبودية أشرف من الرسالة، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات، وبالرسالة يقبل على التصرفات، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ .

التاسع: في فوائد قوله ﴿ وإياك نستعين ﴾ .

الأولى: لا شك أن للعبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وإنما يحصل الرجحان بمرجح.

ولو كان ذلك المرجح من عند العبد عاد التقسيم، فلا بد أن ينتهي إلى الله  .

وأيضاً كل الخلائق يطلبون طريق الحق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب، ولا يفوز به إلا بعضهم، فليس ذلك إلا بإعانة الحق.

وأيضاً قد يطلب الإنسان حاجة من غيره ويدافعه مدة مديدة ثم يقضي حاجته، فإلقاء تلك الداعية في القلب ليس إلا من الله، فثبت أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله.

وتظهر فائدة الاستعانة في أنه ربما جعل الله  ذلك واسطة إلى نيل المطلوب كالشبع الحاصل عقيب أكل الطعام ونحوه، فيسقط اعتراض الجبري والقدري فافهم.

الثانية: لقائل أن يقول: الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع فيه لا بعده،فهلا قدّمت الاستعانة على ذكر العبادة؟

والجواب كأنه يقول: شرعت في العبادة فأستعين بك على إتمامها حتى لا يمنعني مانع ولا يعارضني صارف، فإن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن.

وأيضاً إن قيل: الاستعانة مطلقة تتناول كل مستعان فيه فذكر العبادة كالوسيلة إلى طلب الإعانة على الحوائج وتقديم الوسيلة مناسب.

الثالثة: لا أريد بالإعانة غيرك إقتداء بالخليل  حيث قيد نمروذ يديه ورجليه ورماه إلى النار فجاءه جبرائيل وقال: هل لك حاجة؟

فقال له: أما إليك فلا.

قال: فاسأل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وهنا نكتة وهي أن المؤمن في الصلاة مقيدة رجلاه عن المشي، ويداه عن البطش، ولسانه إلا عن القراءة والذكر، فكما أن الله قال ﴿ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  ﴾ فكذلك تقول له نار جهنم: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي.

الرابعة: لا أستعين غيرك لأن الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته، فأنا أقطع الواسطة ولا أنظر إلا إلى إعانتك.

الخامسة: "إياك نعبد" تورث العجب بالعبادة فأردفه بقوله "وإياك نستعين" لإزالة ذلك.

السادسة: ههنا مقامان: معرفة الربوبية ومعرفة العبودية، وعند اجتماعهما يحصل الربط المذكور في قوله ﴿ أوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ أما معرفة الربوبية فكمالها مذكور في قوله ﴿ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ﴾ فانتقال العبد من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلهاً، وحصول الفوائد للعبد حال وجوده يدل على كونه رباً رحماناً رحيماً، وأحوال معادة تدل على أنه مالك يوم الدين، وأما معرفة العبودية فمبدؤها "إياك نعبد" وكمالها "إياك نستعين" في جميع المطالب، وإذا تم الوفاء بالعهدين ترتبت عليه الثمرة وهو قوله: "اهدنا" إلى آخره.

وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه.

السابعة: في الالتفات الوارد في السورة وجوه: منها أن المصلي كان أجنبياً عند الشروع في الصلاة، فلا جرم أثنى على الله بالألفاظ الغائبة إلى قوله: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

ثم الله  كأنه يقول: حمدتني وأقررت بأني إله، رب العالمين، رحمن رحيم، مالك يوم الدين، فنعم العبد أنت يا عبد.

رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل "إياك نعبد".

ومنها أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من كونه رباً لا يخرج شيء من ملكوته منعماً على الخلق بأنواع النعم - جلائلها ودقائقها - مالكاً للأمر كله في العاقبة، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بغاية الخضوع والاستعانة في المهام، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل "إياك" يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به.

ومنها أن الدعاء بالحضور أولى كما أن الثناء في الغيبة أوقع وأحرى، وهكذا فعل الأنبياء عليهم السلام ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ ﴿ رب زدني علماً  ﴾ ﴿ ربي أرني  ﴾ ﴿ رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين  ﴾ ومنها أنه إذا شرع في الصلاة نوى القربة فأثنى على الله بما هو أهله، فاستجاب الله دعاءه في تحصيل تلك القربة ونقله إلى مقام الحضور من مقام الغيبة.

الثامنة: اعلم أن المشركين طوائف، منهم من اتخذ إلهه من الأجسام المعدنية كالحجر والذهب والفضة والنحاس، ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر المعين، ومنهم من اتخذه من الإنسان كعبدة المسيح وعزير، ومنهم من اتخذه من الأجسام البسيطة، إما السفلية كعبدة النار وهم المجوس، أو العلوية كعبدة الشمس والقمر وسائر الكواكب.

ومنهم من قال: مدبر العالم نور وظلمة وهم الثنوية، ومنهم من قال: الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية يدبره وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم، فيتخذون لتلك الأرواح صوراً وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة.

ومنهم من قال: للعالم إلهان، أحدهما خير وهو الله، والآخر شرير وهو إبليس.

إذا عرفت ذلك فنقول: قد مر أن "الحمد لله" يتضمن التسبيح له وسائر الصفات منبئة عن سبب إثبات جميع أنواع "الحمد لله" "وإياك نعبد" يدل على التوحيد المحض والبراءة من كل ما يعبد من دون الله، وأن الله أكبر من جميع المعبودين، فيقوم مقام قوله "لا إله إلا الله والله أكبر" "وإياك نستعين" يدل على قوله "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" فثبت أن سورة الفاتحة مشتملة إلى هنا على الذكر المشهور "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".

العاشر في فوائد قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

الأولى: سئل أن طلب الهداية من المؤمن وهو مهدي تحصيل للحاصل.

وأجيب بأن المراد منه صراط الأولين في تحمل ما يشق، وكان تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى.

يحكى أن نوحاً  كان يضرب في كل يوم مرات بحيث يغشى عليه وكان يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

وأيضاً إن في كل خلق من الأخلاق طرفي إفراط وتفريط هما مذمومان، والحق هو الوسط والصواب.

فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مهتدياً، لكنه لا بد مع ذلك من حصول الملكات والأخلاق الفاضلة التي هي وسط بين الطرفين ومستقيم بين المنحرفين.

ففي القوة الشهوية طرف الإفراط فجور وطرف التفريط خمود وهما مذمومان، والوسط وهو استعمالها في مواضعها على قضية العدالة والشريعة محمود وهو العفة، وكذا في القوة الغضبية طرفا التهور والجبن مذمومان والوسط وهو الشجاعة محمود، وفي القوة النفسانية الجربزة والبله مذمومان والوسط وهو الحكمة محمود.

وبالجملة فإنه يحصل من توسيط استعمال القوة الشهوية الحياء والرفق والصبر والقناعة والورع والحرية والسخاء، ومن توابع السخاء الكرم والإيثاء والعفو والمروءة والمسامحة، ويلزم من توسط استعمال القوة الغضبية كبر النفس وعلو الهمة والثبات والحلم والسكون والتحمل والتواضع والحمية والرقة، ومن توسط استعمال القوة النطقية الذكاء وسرعة الفهم وصفاء الذهن وسهولة التعلم وحسن التعقل والتحفظ والتذكر، ويحصل من كمال التوسط في القوى الثلاث كمال العدالة ويتبعها الصداقة والألفة والوفاء والشفقة وصلة الرحم والمكافأة وحسن الشركة والتسليم والتوكل وتعظيم المعبود الحق وملائكته وأنبيائه وأولي الأمر والانقياد لأوامرهم ونواهيهم.

والتقوى تكمل هذه المعاني وتتممها، ولأن القوة النطقية ذاتية للإنسان، والشهوية والغضبية حصلتا له بواسطة التعلقِ البدني، فكمال التوسط في النطقية أن يستعملها بحيث لا يمكن أزيد منها.

وكمال التوسط في الأخريين أن يستعملهما بحيث لا يمكن أقل من ذلك ليفضي إلى تحصيل سعادة الدارين.

وأيضاً العلم النظري يقبل الزيادة بمعنى تواصل أوقاته وقلة الفترات، وبمعنى زيادة الأدلة فليس من علم بدليل كمن علم بأدلة، فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلالة على وجود الله وعلمه وقدرته، وجوده ورحمته وحكمته.

وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلاً عن سائر الدلائل فكأنه يقول: عرفنا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وعلمك وقدرتك.

وأيضاً قد يراد بالصراط المستقيم الاقتداء بالأنبياء، وهو أن يكون الإنسان معرضاً عما سوى الله مقبلاً بكلية قلبه وفكره وذكره على الله، حتى لو أمر بذبح ولده لأطاع كالخليل، ولو أمر أن يذبح لانقاد كإسماعيل، ولو أمر بإلقاء نفسه في البحر امتثل كيونس، ولو أمر بتلمذة من هو أعلم منه بعد بلوغه أعلى منصب ائتمر كموسى مع الخضر.

وعن خباب قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟

فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ويجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه.

وأيضاً كأن العبد يقول: الأحباب يدعونني إلى طريق، والأعداء إلى طريق ثانٍ، والشيطان إلى ثالث.

وكذا القول في الشهوة والغضب والاعتقادات والآراء، والعقل ضعيف، والعمر قصير، والقضاء عسير، فاهدني هذا الطريق السوي الذي لا أزيغ به.

حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله، فإذا أعرابي على ناقة له.

فقال: يا شيخ إلى أين؟

فقال: إلى بيت الله.

قال: كأنك مجنون، لا أرى لك مركباً ولا زاداً والسفر طويل!

فقال إبراهيم: إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها.

قال: وما هي؟

قال: إذا نزلت عليّ بلية ركبت مركب الصبر، وإذا أسديت إليّ نعمة ركبت مركب الشكر، وإذا ألم بي القضاء ركبت مركب الرضا، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى.

فقال الأعرابي: سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل.

وقيل: الصراط القرآن أو الإسلام وليس بشيء، إذ يصير المعنى اهدنا صراط المتقدمين، مع أنه لم يكن لهم قرآن ولا إسلام، اللهم إلا أن يراد أصول هذه الشريعة وقوانينها كما قال { ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ .

وعن علي كرم الله وجهه: ثبتنا على الهداية كقوله ﴿ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا  ﴾ فكم من عالم يزل ومهتد يضل.

وفي اختيار لفظ الصراط دون الطريق أو السبيل، تذكير للصراط الذي هو الجسر الممدود بين طرفي جهنم، سهل الله  علينا عبوره ووروده.

الثانية: إنما قبل "اهدنا" بلفظ الجمع لأن الدعاء متى كان أعم كان إلى الإجابة أقرب، ولهذا قال بعض العلماء لتلميذه: إذا قلت قبل القراءة "رضي الله عنك، وعن جماعة المسلمين" فإياك وأن تنساني في قولك "وعن جماعة المسلمين" فإن ذلك أوقع عندي من قولك "رضي الله عنك"، لأن هذا تخصيص بالدعاء ويجوز أن لا يقبل، وأما قولك "وعن المسلمين" فإنه أرجى لأنه لا بد أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة، وإذا أجاب الله دعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي.

ومن هنا ورد في السنة أن يصلي على النبي صلى الله علبه وسلم قبل كل دعاء وبعده، لأن الدعاء في الطرفين مستجاب ألبتة لأنه في حق النبي  فيستجاب الوسط بتبعية ذلك لا محالة.

وأيضاً قال  : "ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها.قالوا: يا رسول الله، ومن لنا بتلك الألسنة؟

قال: يدعو بعضكم لبعض لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك " وأيضاً "الحمد لله" شامل لحمد جميع الحامدين، و "إياك نعبد" لعبادة الجميع، "وإياك نستعين" لاستعانة الكل، فلا جرم لما طلب الهداية طلبها للكل كما طلب الاقتداء بالصالحين جميعاً في قوله: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ والفرار من الطالحين جميعاً في قوله: ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

وإذاكان كذلك في الدنيا يرجى أن يكون كذلك في الآخرة ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً  ﴾ .

الثالثة: الخط المستقيم أقرب خط يصل بين النقطتين، والعبد عاجز فلا يليق بضعفه إلا الطريق المستقيم.

وأيضاً المستقيم واحد وما سواه معوجة يشبه بعضها بعضاً في الاعوجاج، فكان أبعد من الخوف وأقرب إلى الخلاص.

وأيضاً ميل الطباع إلى الاستقامة أكثري فلهذه الأسباب سئل الصراط المستقيم.

الحادي عشر في فوائد قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ .

الأولى: حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولاً على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق الشكر.

ثم نقول: كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من الله  لقوله ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله  ﴾ ولأن الواصل من جهة غير الله ينتهي إليه أيضاً لأنه الخالق لتلك النعمة، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك الإنعام فيه.

والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضاً من الله تعالى لأنها بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار.

وأول نعمة من الله  على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن المضارّ قال  : ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ ثم عقب ذلك بقوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ .

الثانية: هل لله  على الكافر نعمة أم لا؟

أنكر ذلك بعض أصحابنا لوجوه منها: قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى.

والجواب أن قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ يدفع ذلك، ومنها قوله ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيراً ونعمة لهم أن لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة، فإن الإملاء تأخير النقمة بعد ثبوت استحقاقها، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك.

على أن نفس الإملاء أيضاً تمتيع حالي ﴿ قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار  ﴾ وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن، وإنما هو كمن ناول شخصاً حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضاً وصيره كالسم القاتل بالنسبة إليه، ولهذا قال  : "نعم المال الصالح للرجل الصالح" وكيف لا تعم نعم الله  وقد قال على العموم: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون.

الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء  ﴾ وقال: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم.

وقال: ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين  ﴾ والشكر لا يكون إلا بعد النعمة.

الثالثة: ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله "أنعمت عليهم"؟

قلنا: يتناول كل من كان لله عليه نعمة دينية ودنيوية.

ثم إنه يخرج بقوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم الله عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع، فكذلك أصل النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات.

وكما أن كمال البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور  ﴾ وكما أن حياة البدن من الله فكذا الإيمان منه وبتوفيقه.

وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب.

والمؤمن لا يبقى مخلداً في النار، فإن من شرفه الله  بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام، فما الإنعام إلا بالإتمام.

قيل: لو كان رعاية الأصلح على الله واجباً لم يكن ذلك إنعاماً لأن أداء الواجب لا يسمى إنعاماً.

قلت: النزاع لفظي لأن الأصلح لا بد أن يصدر عنه، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه.

الثاني عشر في فوائد قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ الأولى: من المغضوب عليهم ومن الضالون؟

قلت: المغضوب عليهم هم المائلون في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود، والضالون هم المائلون إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى.

وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب يلزمه البعد والطرد، والمفرّط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد عن ذلك.

وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال، فغاب عن المقصود ومني بالحرمان ﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران  ﴾ فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم الله من عدوّهم ﴿ يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  ﴾ ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ ولهذا قال عز من قائل ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا  ﴾ والنصارى أفرطوا وقالوا ﴿ المسيح ابن الله  ﴾ ﴿ إن الله ثالث ثلاثة  ﴾ روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله  قال: "غير المغضوب عليهم اليهود والضالون النصارى" وتصديق ذلك من كتاب الله حيث قال في اليهود ﴿ وباءوا بغضب من الله  ﴾ وفي النصارى ﴿ وضلوا عن سواء السبيل  ﴾ هذا شأن الفريقين.

وأما المؤمنون فطلبوا الوسط بين المنحرفين وذلك من لطف الله  بهم وفضله عليهم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس  ﴾ وخير الأمور أوسطها.

الثانية: الآية تدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء ما أقدم على عمل أو اعتقاد يخالف الحق وإلا لكان ضالاً لقوله  ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ يصلح للاقتداء به والاهتداء بطريقه.

الثالثة: ما الفائدة في أن عدل من أن يقول اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى ما عدل؟

قلت: الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف كما قال  : "لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا" فقوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ يدل على الرجاء، وباقي الآية يدل على الخوف، فيكمل الإيمان بطرفيه وركنيه.

الثالث عشر: في تفسير السورة مجموعة وفيه مناهج: المنهج الأول نسبة عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ونسبة الأصل إلى الفرع، والنور إلى الظلمة، فكل شاهد.

فله في الغائب أصل وإلا كان كسراب زائل وخيال باطل، وكل غائب فله في الشاهد مثال وإلا كان كشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل، وكل شريف فهو بالنسبة إلى ما دونه مطاع كما قال عز من قائل ﴿ ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين  ﴾ والمطاع في عالم الروحانيات مطاع في عالم الجسمانيات، والمطاع في عالم الأرواح هو المصدر، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر.

ولا بد من أن يكون بينهما ملاقاة ومجانسة وبهما تتم سعادة الدارين لأنهما يدعوان إلى الله بالرسالة.

وحاصل الدعوة أمور سبعة تشتمل عليها خواتيم سورة البقرة، أربعة منها تتعلق بالمبدأ وهي معرفة الربوبية أعني معرفة الله  وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله  ﴾ واثنان منها تتعلق بالوسط أحدهما مبدأ العبودية ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا  ﴾ والثاني كمال العبودية وهو الالتجاء إلى الله وطلب المغفرة منه ﴿ غفرانك ربنا  ﴾ وواحد يتعلق بالمعاد وهو الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب ﴿ وإليك المصير  ﴾ ويتفرع على هذه المراتب سبع مراتب في الدعاء والتضرع أولها { ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا  ﴾ فضد النسيان هو الذكر ﴿ واذكر ربك إذا نسيت  ﴾ وهذا الذكر إنما يحصل بقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ .

وثانيها { ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا  ﴾ ودفع الإصر والثقل يوجب ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .

وثالثها: ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به  ﴾ .

ذلك إشارة إلى كمال رحمته "الرحمن الرحيم" ورابعها ﴿ واعف عنا  ﴾ لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ﴿ مالك يوم الدين ﴾ .

وخامسها ﴿ واغفر لنا  ﴾ لأنا التجأنا بكليتنا إليك وتوكلنا في جميع الأمور عليك ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ .

وسادسها ﴿ وارحمنا  ﴾ لأنا طلبنا الهداية منك ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ وسابعها ﴿ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين  ﴾ ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

فهذه المراتب ذكرها محمد  في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت في عهد الرسول  من المصدر إلى المظهر، فلهذا السبب قال  : "الصلاة معراج المؤمن" المنهج الثاني: المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة: الشهوة والغضب والهوى.

الشهوة بهيمية، والغضب سبعية، والهوى شيطانية أرضية، ولهذا قال: فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منها، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه.

قال  ﴿ وينهىٰ عن الفحشاء  ﴾ أي الشهوة، والمنكر الغضب، والبغي الهوى، فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه، وبالغضب ظالماً لغيره، وبالهوى لربه، ولهذا قال  "الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه" ونتيجة الشهوة الحرص والبخل، ونتيجة الغضب العجب والكبر، ونتيجة الهوى الكفر والبدعة.

ويحصل من اجتماع هذه الست في بني آدم خصلة سابعة هي الحسد وهو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة، ولهذا السبب ختم الله  مجامع الشرور الإنسانية بالحسد في قوله  : ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد  ﴾ كما ختم جوامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة في قوله ﴿ يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس  ﴾ روي أن إبليس أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون: من هذا؟

قال: إبليس ولو كنت إلهاً ما جهلت.

فلما دخل قال فرعون: أتعرف في الأرض شراً مني ومنك؟

قال: نعم، الحاسد، وبالحسد وقعت فيما وقعت.

ثم نقول: الأسماء الثلاثة في التسمية دافعة للأخلاق الثلاثة الأصلية، والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة، بيان ذلك من عرف الله تباعد عنه شيطان الهوى ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقاً نازعني في ملكي إلا هواك.

ومن عرف أنه رحمن لم يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ ومن عرف أنه رحيم صحح نسبته إليه فلا يظلم نفسه ولا يلطخها بالأفعال البهيمية.

وأما الفاتحة فإذا قال "الحمد لله" فقد شكر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد، ومن عرف أنه ﴿ مالك يوم الدين ﴾ بعد أن عرف إنه ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ زال غضبه، ومن قال: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ زال كبره بالأول وعجبه بالثاني، وإذا قال ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ اندفع عنه شيطان الهوى، وإذا قال ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ زال عنه كفره، وإذا قال ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ اندفعت بدعته، وإذا زالت عنه الأخلاق الستة اندفع عنه الحسد، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة.

وهنا نكتة دقيقة تتعلق بالرب والإله وبسببها ختم القرآن عليها، كأنه قال: إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس، وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس، وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس.

المنهج الثالث: في أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يفتقر إليه الإنسان في معرفة المبدأ والوسط والمعاد "الحمد لله" إشارة إلى إثبات الصانع المختار العليم الحكيم المستحق للحمد والثناء والتعظيم.

"رب العالمين" يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه، ولهذا جاء في القرآن الاستدلال بخلق الخلائق كثيراً ﴿ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ ﴿ الذي خلقني فهو يهدين  ﴾ ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين  ﴾ ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  ﴾ ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق.

خلق الإنسان من علق  ﴾ وهذه الحالة كما أنها في نفسها دليل على وجود الرب فكذلك هي في نفسها إنعام عظيم، وذلك أن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع، وكل منها مطابق للمطلوب وموافق للغرض كما يشهد به علم تشريح الأبدان.

فلا أحق بالحمد والثناء من هذا المنعم المنان الكريم الرحمن الرحيم الذي شمل إحسانه قبل الموت وعند الموت وبعد الموت.

﴿ مالك يوم الدين ﴾ يدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يقدر بعد هذا اليوم يوماً آخر يظهر فيه تمييز المحسن من المسيء والمظلوم من الظالم، وههنا تمت معرفة الربوبية.

ثم إن قوله "إياك نعبد" إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي نوعان: الأعمال والآثار المتفرعة على الأعمال أما الأعمال فلها ركنان: أحدهما الإتيان بالعبادة وهو قوله "إياك نعبد" والثاني علمه بأنه لا يمكنه ذلك إلا بإعانة الله وهو قوله "وإياك نستعين".

وأما الآثار المتفرعة على الأعمال فهي حصول الهداية والتحلي بالأخلاق الفاضلة المتوسطة بين الطرفين المستقيمة بين المنحرفين ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ إلى آخره وفي قوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ دليل على أن الاستضاءة بأنوار أرباب الكمال خلة محمودة وسنة مرضية "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ وفي قوله ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ إشارة إلى أن التجنب عن مرافقة أصحاب البدع والأهواء واجب.

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي والجمر يوضع في الرماد فيخمد *** المنهج الرابع: قال  حكاية عن الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يقول الله: ذكرني عبدي.

وإذا قال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ يقول الله: حمدني عبدي وإذا قال: "الرحمن الرحيم" يقول الله: عظمني عبدي.

وإذا قال: ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يقول الله: مجدني عبدي - وفي رواية فوض إلي عبدي - وإذا قال: "إياك نعبد" يقول الله: عبدني عبدي وإذا قال: "وإياك نستعين" يقول الله: توكّل عليّ عبدي - وفي رواية وإذا قال: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فقوله "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي" إشارة إلى أن أهم مهمات العبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ فلا جرم أنزل الله  هذه السورة جامعة لكل ما يحتاج إليه العبد في الوفاء بذلك العهد وقوله "إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله ذكرني عبدي" مناسب لقوله  ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ "أنا جليس من ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" والذكر مقام عالٍ شريف ذكره الله  في القرآن كثيراً ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك في نفسك  ﴾ ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم  ﴾ ولهذا وقع الإبتداء به.

وقوله "ذكرني عبدي" دل على أن ذاته المخصوصة صارت مذكورة بقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ وهذا يدل على أن الله اسم علم.

وقوله "إذا قال: الله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي" يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر لأنه أول كلام في أول خلق العالم حيث قالت الملائكة: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  ﴾ وآخر كلام في الجنة ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ ولأن الفكر في ذات الله  غير ممكن "تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله" وكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فيحمد الله  أكثر، فقوله "حمدني عبدي" شهادة من الله  على وقوف العبد بعقله وفكره على وجوه فضله وإنعامه في ترتيب العالم وتربية العالمين، وأنه أقر بقلبه ولسانه بكرمه وإحسانه.

قوله "وإذا قال: الرحمن الرحيم" "يقول الله: عظمني عبدي" يدل ذلك على أن الإله الكامل المكمل المنزه عن الشريك والنظير والمثل والند والضد، هو في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده.

ولا شك أن غاية ما يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام وهو التعظيم لله.

وقوله "وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي" أي نزهني وقدسني عن الظلم وعن شبهة الظلم حيث قضيت معاداً يحشر إليه العباد ويقضي فيه بين الظالم والمظلوم والقوي والضعيف.

أيحسب الظالم في ظلمه *** أهمله القادر أم أمهلا ما أهملوه بل لهم موعد *** لن يجدوا من دونه موئلا وقوله "وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي" معناه أن "إياك نعبد" يدل على إقدام العبد على الطاعة والعبادة ولا يتم ذلك إلا بإعانة الله بخلق داعية فيه خالصة عن المعارض، فإن العبد غير مستقل بالإتيان بذلك العمل فهو المراد من قوله "وإياك نستعين" وقوله "وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" تقريره أن أهل العلم مختلفون بالنفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية أو أكثرها، وفي المعاد والنبوات وغيرها مع استواء الكل في العقل والنظر.

فالاهتداء إلى ما هو الحق في الأمر نفسه ليس إلا بهداية الله  وإرشاده كما قالت الملائكة ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ وقال إبراهيم  ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  ﴾ وقال موسى ﴿ رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري  ﴾ .

المنهج الخامس: آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة في الصلاة أيضاً سبعة: القيام والركوع والانتصاب منه والسجود الأول والانتصاب منه والسجود الثاني والقعدة.

فهذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح، وإنما يحصل الكمال عند اتصال الروح بالجسد، فقوله ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ بإزاء القيام، ألا ترى أن الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله حصل قائماً مرتفعاً.

وأيضاً التسمية لبداية الأمور "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله أبتر" والقيام أيضاً أول الأعمال.

وقوله ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ بإزاء الركوع لأن الحمد في مقام التوحيد نظراً إلى الحق وإلى الخلق والمنعم والنعمة، لأنه الثناء على الله بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد، فهو حالة متوسطة بين الإعراض والاستغراق، كما أن الركوع متوسط بين القيام والسجود، وأيضاً ذكر النعم الكثيرة مما يثقل الظهر فينحني وقوله "الرحمن الرحيم" مناسب للانتصاب، لأن العبد لما تضرع إلى الله بالركوع فاللائق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ولهذا قال  : "إذا قال العبد: سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة" وقوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ مناسب للسجدة الأولى لدلالته على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع.

وقوله ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ مناسب للقعدة بين السجدتين لأن إياك نعبد إخبار عن السجدة التي تقدمت و "إياك نستعين" استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية، وقوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة الثانية ليدل على نهاية الخشوع.

وقوله ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ إلخ.

مناسب للقعود لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابله الله بالإكرام والقعود بين يديه وحينئذ يقرأ "التحيات لله" كما أن محمداً  قرأها في معراجه فالصلاة معراج المؤمن.

المنهج السادس: آيات الفاتحة سبع وأعمال الصلاة المحسومة سبعة كما تقدم، ومراتب خلق الإنسان سبع ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 12 - 14\] فنور آيات الفاتحة يسري إلى الأعمال السبعة، ونور الأعمال السبعة يسري إلى هذه المراتب فيحصل في القلب نور على نور، ثم ينعكس إلى وجه المؤمن "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار".

المنهج السابع: إنه كان لرسول الله  معراجان: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم من المسجد الأقصى إلى عالم الملكوت.

هذا في عالم الحس، وأما في عالم الأرواح، فمن الشهادة إلى الغيب، ثم من الغيب إلى غيب الغيب، فهذا بمنزلة قوسين متلاصقين، فتخطاهما محمد  فكان قاب قوسين.

وقوله "أو أدنى" إشارة إلى فنائه في نفسه.

والمراد بعالم الشهادة كل ما يتعلق بعالم الجسم والجسمانيات، وبعالم الأرواح ما فوق ذلك من الأرواح السفلية، ثم المتعلقة بسماء سماء إلى الملائكة الحافين من حول العرش، ثم إلى حملة العرش ومن عند الله الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبته وأنسهم بالثناء عليه ولذتهم في خدمته ﴿ لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ وهكذا يتصاعد إلى أن ينتهي إلى نور الأنوار وروح الأرواح ولا يعلم تفاصيلها إلا الله أو من ارتضاه، والمقصود أن نبينا  لما عرج وأراد أن يرجع قال رب العزة: المسافر إذا عاد إلى وطنه أتحف أصحابه وإن تحفة أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين الجسماني بالأفعال والروحاني بالأذكار.

فليكن المصلي ثوبه طاهراً وبدنه طاهراً لأنه بالوادي المقدس طوى.

وأيضاً عنده ملك وشيطان، ودين ودنيا، وعقل وهوى، وخير وشر، وصدق وكذب، وحق وباطل، وحلم وطيش، وقناعة وحرص، وسائر الأخلاق المتضادة والصفات المتنافية، فلينظر أيها يختار فإنه إذا استحكمت المرافقة تعذرت المفارقة، اختار الصديق صحبة محمد  فلم يفارقه في الدنيا وفي القبر ويكون معه في القيامة وفي الجنة، وصحب كلب أصحاب الكهف فلزمهم في الدنيا والآخرة قال  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين  ﴾ ثم إذا تطهر فليرفع يديه إشارة إلى توديع الدنيا والآخرة وليوجه قلبه وروحه وسره إلى الله ثم ليقل "الله أكبر" أي من كل الموجودات بل هو أكبر من أن يقاس إليه غيره بأنه أكبر منه، ثم ليقل "سبحانك اللهم وبحمدك" وفي هذا المقام ينكشف له نور سبحات الجلال، ثم ليقل "تبارك اسمك" إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ليطالع حقيقة الأزل في القدم وحقيقة الأبد في البقاء، فيتجلى له نور الأزل والأبد، ثم ليقل "وتعالى جدك" إشارة إلى أنه أعلى وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور، ثم ليقل "ولا إله غيرك" إشارة إلى أن صفات الجلال وسمات الكمال له  لا لغيره فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو، وههنا بكل اللسان وتدهش الألباب، ثم عد أيها المصلي إلى نفسك وحالك وقل "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض" فقولك "سبحانك اللهم وبحمدك" معراج الملائكة المقربين حيث قالوا ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  ﴾ وهو أيضاً معراج محمد  لأن معراجه مفتتح بقوله "سبحانك اللهم وبحمدك" وقوله "وجهت وجهي" معراج الخليل  ، وقولك "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي" معراج الحبيب محمد  .

فقد جمع المصلي بين معراج الملائكة المقربين ومعراج عظماء الأنبياء والمرسلين ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لتدفع العجب عن نفسك، وفي هذه المقام يفتح لك أحد أبواب الجنة وهو باب المعرفة، وبقولك ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يفتح باب الذكر، وبقولك ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ يفتح باب الشكر، وبقولك "الرحمن الرحيم" يفتح باب الرجاء، وبقولك ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يفتح باب الخوف، وبقولك ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ يفتح باب الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وبقولك ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ يفتح باب الدعاء والتضرع ﴿ ادعوني استجب لكم  ﴾ وبقولك: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ الخ.

يفتح باب الاقتداء بالأرواح الطيبة والاهتداء بأنوارهم، فجنات المعارف الربانية انفتحت لك أبوابها الثمانية بهذه المقاليد الروحانية، فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة، وأما الجسماني فأولى المراتب أن تقوم بين يدي الله كقيام أصحاب الكهف ﴿ إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض  ﴾ بل قيام أهل القيامة ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين  ﴾ ثم اقرأ "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم "وجهت وجهي" ثم "الفاتحة" وبعدها "ما تيسر لك من القرآن" واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها، وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين وهذا سر قوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ واعلم أن نفسك إلى الآن جارية مجرى خشية عرضتها على نار خوف الجلال فلانت، فاجعلها منحنية بالركوع ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض طاعة الله إلى نفسك "فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بغاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو وقل: "سبحان ربي الأعلى" فإذا سجدت ثانية حصل لك ثلاثة أنواع من الطاعة...

ركوع واحد وسجدتان، فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات، وبالسجود الأول من عقبة الغضب الذي هو رئيس المؤذيات، وبالسجود الثاني تنجو من عقبة الهوى الداعي إلى كل المضلات.

فإذا تجاوزت هذه الصفات وتخلصت عن هذه الدركات، وصلت إلى الدرجات العاليات وملكت الباقيات الصالحات، وانتهيت إلى عقبة جلال مدبر الأرض والسموات، فقل عند ذلك "التحيات المباركات" باللسان، و "الصلوات" بالأركان و "الطيبات" بالجنان وقوة الإيمان بالله، فيصعد نور روحك وينزل نور روح محمد  فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والريحان فقل "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" فعند ذلك يقول محمد  "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" فكأنه قيل لك: بم نلت هذه الكرامات؟

فقل: بقولي: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً رسول الله" فقيل: إن محمداً الذي هداك أي شيء هديتك له  ؟

فقل "اللهم صل على محمد وآل محمد"، فقيل لك: إن إبراهيم  وهو الذي قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم  ﴾ فما جزاؤك له  ؟

فقل "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين" فيقال لك: هذه الخيرات من محمد وإبراهيم أو من الله؟

فقل: بل من الحميد المجيد "إنك حميد مجيد".

ثم إن العبد إذا ذكر الله  بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله  في محافل الملائكة "إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه" فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى العبد فقال الله  : إن الملائكة اشتاقوا إلى زيارتك وقد جاؤوك زائرين فابدأ بالسلام عليهم لتكون من السابقين، فقل عن اليمين وعن الشمال "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته" فلا جرم إذا دخل المصلون الجنة فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتهم فنعم عقبى الدار.

المنهج الثامن: أعظم المخلوقين جلالة ومهابة المكان والزمان، فالمكان فضاء لا نهاية له، وخلاء لا غاية له، والزمان امتداد وهمي شبيه بنهر خرج من قعر جبل الأزل فامتد ودخل في قعر الأبد، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا لاستقراره منزل.

فالأول والآخر صفة الزمان، والظاهر والباطن صفة المكان، وكمال هذه الأربعة "الرحمن الرحيم" فالحق  وسع المكان ظاهراً وباطناً، ووسع الزمان أولاً وآخراً، وهو منزه عن الافتقار إلى المكان والزمان، فإنه كان ولا مكان ولا زمان، فعقد المكان بالكرسي ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض  ﴾ وعقد الزمان بالعرش ﴿ وكان عرشه على الماء  ﴾ لأن جري الزمان يشبه جري الماء، فالعلو صفة الكرسي ﴿ وسع كرسيه  ﴾ والعظمة صفة العرش ﴿ رب العرش العظيم  ﴾ وكمال العلو والعظمة لله ﴿ ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم  ﴾ والعلو والعظمة درجتان من درجات الكمال إلا أن العظمة أقوى وفوق الكل درجة الكبرياء "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" ولا يخفى أن الرداء أعظم من الإزار وفوق جميع الصفات صفة الجلال وهي تقدسه في هويته المخصوصة عن مناسبة الممكنات وبه استحق الإلهية، ولهذا قال  : "ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام" وفي التنزيل ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام  ﴾ فالمصلي يبتغي وجه الله، والداخل على السلطان يجب أن يتطهر من الأدناس والأرجاس، وأولى المراتب التطهر من دنس الذنوب ﴿ توبوا إلى الله توبة نصوحاً  ﴾ ثم من الدنيا حلالها وحرامها وهو الزهد، ثم من الكونين الدنيا والآخرة وهو مقام المعرفة، ثم من الالتفات إلى أعماله وهو مقام الإخلاص، ثم من الالتفات إلى عدم الالتفات وهو مقام المحسنين، ثم من الالتفات إلى كل ما سوى الله وهو مقام الصديقين، ثم قم قائماً ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً  ﴾ واستحضر في نفسك جميع أقسام العالم من الروحانيات والجسمانيات فقل "الله أكبر" أي من الكل كما مر، أو من لا يراني ولا يسمع كلامي كما قال النبي  "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" أو أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأفهامهم كما قال علي بن أبي طالب  : التوحيد أن لا تتوهمه أو أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته فإذا قلت "الله أكبر" فأجل طرف عقلك في ميادين جلال الله وقل "سبحانك اللهم وبحمدك" ثم قل "وجهت وجهي" ثم انتقل إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لكي تبصر فيها عجائب الدنيا والآخرة، وتطلع منها على أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا والأديان السالفة والكتب الإلهية والشرائع النبوية فتصل إلى الشريعة ومنها إلى الطريقة ومنها إلىالحقيقة وتشاهد درجات الكاملين ودركات الناقصين، فإذا قلت ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ أبصرت به الدنيا فباسمه قامت السموات والأرضون، وإذا قلت ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ أبصرت به الآخرة فبالحمد قامت الآخرة ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وإذا قلت ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ أبصرت به عالم الجمال المشتمل على أصول النعم وفروع النوال، وإذا قلت ﴿ مالك يوم الدين ﴾ أبصرت به عالم الجلال وما يحصل هناك من الأحوال والأهوال، وإذا قلت "إياك نعبد" أبصرت به عالم الشريعة، وإذا قلت "وإياك نستعين" أبصرت به عالم الطريقة، وإذا قلت ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ أبصرت به عالم الحقيقة وإذا قلت ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ أبصرت به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات، وإذا قلت ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ لاحظت دركات أهل التفريط والإفراط فإذا انكشفت لك هذه المقامات فلا تظن أنك قد بلغت الغايات بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ولنفسك بالهوان وقل "الله أكبر" ثم انزل من صفة الكبرياء إلى العظمة وقل "سبحان ربي العظيم" ثم انتصب ثانياً وادع لمن وقف موفقك وحمد حمدك وقل "سمع الله لمن حمده" فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم.

ولا تكبير في هذا المقام لأن التكبير من الكبرياء والهيبة والخوف وهذا مقام الشفاعة، ثم عد إلى التكبير وانحدر به إلى غاية العلو وقل "سبحان ربي الأعلى" لأن السجود أكثر تواضعاً.

روي أن لله ملكاً تحت العرش اسمه حزقيل.

فأوحى إليه أيها الملك طر فطار ثلاثين ألف سنة، ثم ثلاثين ألف سنة، فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني فأوحى الله إليه: لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ إلى الطرف الثاني من العرش.

فقال الملك عند ذلك: سبحان ربي الأعلى.

أما فوائد السجدتين فالأولى الأزل والثانية الأبد، والقعدة بينهما هي الدنيا، فتعرف بأزليته أنه لا أول له فتسجد له، وبأبديته أنه لا آخر له فتسجد له ثانياً.

وأيضاً الأولى فناء الدنيا في الآخرة، والثانية فناء الآخرة في جلال الله تعالى، وأيضاً الأولى فناء الكل في أنفسها، والثانية بقاؤها ببقائه، وأيضاً الأولى انقياد عالم الشهادة لقدرته، والثانية انقياد عالم الأرواح لعزته ﴿ ألا له الخلق والأمر  ﴾ وأيضاً الأولى سجدة الشكر بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته، والثانية سجدة الخوف مما فاتنا من أداء حقوق كبريائه.

وأيضاً صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم فتواضع السجدتين بإزاء تواضع ركوع واحد، وأيضاً ليكونا شاهدين للعبد على أداء العبادة، وأيضاً ليناسب الوجود الأخذ من الوحدة إلى الكثرة ومن الفردية إلى الزوجية، وأيضاً الانتصاب صفة الإنسان والانحناء صفة الأنعام والجثوم صفة النبات.

ففي الركوع هضم للنفس بمرتبة واحدة، وفي السجود بمرتبتين، ولعل ما فاتنا من الفوائد أكثر مما أدركنا.

المنهج التاسع في اللطائف: عن النبي  أن إبراهيم  سأل ربه فقال: ما جزاء من حمدك؟

فقال  : الحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته.

فقال أهل التحقيق: من ههنا جعلها الله فاتحة كتابه وخاتمة كلام أحبائه في جنته ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ وعن علي  أن أول ما خلق الله العقل من نوره المكنون، ثم قال له: تكلم فقال: الحمد لله فقال الرب: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعز عليّ منك.

ونقل عن آدم  لما عطس قال: الحمد لله فأول كلام لفاتحة المحدثات الحمد، وأول كلام لخاتمة المحدثات الحمد، فلا جرم جعلها الله  فاتحة كتابه.

وأيضاً أول كلام الله "الحمد لله" وآخر أنبيائه محمد رسول الله  وبين الأول والآخر مناسبة، فجعل "الحمد لله" أول آية من كتاب محمد رسول الله، ولما كان كذلك وضع لمحمد رسول الله من كلمة الحمد اسمان: محمد وأحمد.

وعند هذا قال  "أنا في السماء أحمد وفي الأرض محمد" فأهل السماء في تحميد الله ورسوله أحمدهم، والله  في تحميد أهل الأرض كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ورسول الله محمدهم.

أخرى: الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالرحمة والنعمة، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال فلهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" أخرى: أن رسول الله  اسمه أحمد أي أكثر الحامدين حمداً فوجب أن تكون رحمة الله في حقه أكثر فلهذا جاء رحمة للعالمين.

أخرى: إن من أسماء رسول الله  سوى اسمه محمد وأحمد الحامد والمحمود على ما جاء في الروايات، وكلها تدل على الرحمة، لأن الحمد يتضمن النعمة فقال  : ﴿ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم  ﴾ فقوله "نبئ" إشارة إلى محمد وهو مذكور قبل العباد، والياء في قوله "عبادي" ضمير الله  .

وكذا في "أني" و "أنا" و "الغفور" و "الرحيم" صفتان لله، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول  مع خمسة أسماء تدل على الرحمة، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله  تدل على الرحمة، ورحمة الرسول كثيرة ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ورحمة الله  غير متناهية ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء  ﴾ فكيف يضيع المذنب فيما بين هذه الأصناف من الرحمة؟!.

أخرى: في الفاتحة عشرة أشياء، خمسة من صفات الربوبية: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، وخمسة من صفات العبودية: العبادة الاستعانة طلب الهداية طلب الاستقامة طلب النعمة في قوله "أنعمت عليهم" وكأنه قيل "إياك نعبد" لأنك أنت الله "وإياك نستعين" يا رب اهدنا يا رحمن، وارزقنا الاستقامة يا رحيم، وأفض علينا سجال فضلك يا مالك.

أخرى: الإنسان مركب من خمسة أشياء: بدن ونفس شيطانية ونفس سبعية ونفس بهيمية وجوهر ملكي عقلي.

فتجلى اسم الله للجوهر الملكي فاطمأن إليه ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ وتجلى للنفس الشيطانية باسم الرب فلان وانقاد لطاعة الديان ﴿ رب أعوذ بك من همزات الشياطين ﴾ \[المؤمنون: 97\] وتجلى للنفس السبعية باسم الرحمن وهو مركب من القهر واللطف ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن  ﴾ فترك الخصومة والعدوان.

وتجلى للنفس البهيمية باسم الرحيم ﴿ أحل لكم الطيبات  ﴾ فترك العصيان، وتجلى للأبدان بصفة القهر والمالكية لأن البدن غليظ كثيف فيحتاج إلى قهر شديد ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ فدان.

فلمكان هذه التجليات انغلقت له أبواب النيران وفتحت عليه أبواب الجنان ورجع القهقرى كما جاء، فلطاعة الأبدان قال: "إياك نعبد" ولطاعة النفس البهيمية قال: "وإياك نستعين" على ترك اللذات وارتكاب المنكرات، ولطاعة النفس السبعية قال: "اهدنا وأرشدنا وعلى دينك ثبتنا" ولطاعة النفس الشيطانية طلب الاستقامة فقال: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ ولجوهره العقلي الملكي طلب مرافقة الأرواح المقدسة لا المدنسة فقال: ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ .

أخرى: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فشهادة أن لا إله إلا الله من تجلي نور اسم الله، وإقام الصلاة من تجلي نور اسم الرب لأن الرب من التربية، والعبد يربي أمانة عدد الصلاة، وإيتاء الزكاة من تجلي اسم الرحمن لأن الزكاة سببها الرحمة على الفقراء، وصوم رمضان من تجلي اسم الرحيم لأن الصائم إذا جاع يذكر جوع الفقراء فيعطيهم (يحكى) أن يوسف حين تمكن من مصر كان لا يشبع فقيل له في ذلك؟

فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.

وأيضاً الصائم يرحم نفسه لأنه إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات، فعند الموت يسهل عليه مفارقتها.

ووجوب الحج من تجلي اسم "مالك يوم الدين" لأن الحج يوجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد وذلك يشبه سفر القيامة.

وأيضاً الحاج يكون عارياً حافياً حاسراً وهو يشبه أحوال القيامة.

أخرى: الحواس خمس ولكل أدب فأدب البصر ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وأدب السمع ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ وأدب الذوق ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ﴾ \[المؤمنون: 51\] وأدب الشم ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ وأدب المس ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] فاستعن بأنوار الأسماء الخمسة: الله الرب الرحمن الرحيم المالك، على تأديب هذه الحواس الخمس.

أخرى: الشطر الأول من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة لله فيفيض أنوارها على الأسرار، والشطر الثاني مشتمل على الصفات الخمس للعبد فتصعد منها أسراره إلى تلك الأنوار ويحصل للعبد معراج في قراءته، وتقرير الأسرار أن حاجة العبد إما لدفع ضر أو جلب خير، وكل منهما إما في الدنيا وإما في الآخرة، فهذه أربعة، وههنا قسم خامس هو الأشرف وذلك الإقبال على طاعة الله وعبوديته لا لأجل رغبة أو رهبة، فإن شاهدت نور اسم الله لم تطلب منه شيئاً سوى الله، وإن طالعت نور الرب طلبت منه خيرات الجنة، وإن طالعت نور الرحمن طلبت منه خيرات الدنيا، وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه العصمة عن مضار الآخرة، وإن طالعت نور "مالك يوم الدين" طلبت منه الصون عن آفات الدنيا الموقعة في عذاب الآخرة أعاذنا الله منها.

أخرى: للتجلي ثلاث مراتب: تجلي الذات ﴿ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون  ﴾ وهذا لعظماء الأنبياء والملائكة المقربين وهذه نهاية الأحوال ويدل عليه اسم الله، وتجلي الصفات وهو في أواسط الأحوال ويكون للأولياء وأولي الألباب ﴿ الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً  ﴾ ويدل عليه اسم الرحمن.

وتجلي الأفعال والآيات وهو في بداية الأحوال ويكون لعامة العباد ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجاً من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي  ﴾ ويدل علي لفظ الرحيم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً  ﴾ .

أخرى: في الفاتحة كلمتان مضافتان إلى اسم الله "بسم الله" و "الحمد لله" بسم الله لبداية الأمور والحمد لله لخواتيم الأمور، "بسم الله" ذكر "والحمد لله" شكر بسم الله أستحق الرحمة رحمن الدنيا، وبالحمد لله أستحق رحمة أخرى رحيم الآخرة.

كلمتان أضيف إليهما اسمان لله "رب العالمين" "مالك يوم الدين" فالربوبية لبداية حالهم ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ والملك لنهاية حالهم ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ وبينهما اسمان مطلقان لوسط حالهم "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

المنهج العاشر: للخلق خمس أحوال: أولها: الإيجاد والتكوين والإبداع ويدل عليه اسم الله.

وثانيها: التربية في مصالح الدنيا ويدل عليه اسم الرب.

وثالثها: التربية في معرفة المبدأ ويدل عليها اسم الرحمن.

ورابعها: في معرفة المعاد ويدل عليها اسم الرحيم كي يقدم على ما ينبغي ويحجم عما لا ينبغي.

وخامسها: نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى المعاد ويدل عليه اسم "مالك يوم الدين" ثم إن العبد إذا انتفع بهذه الأسماء صار من أهل المشاهدة فقال: "إياك نعبد" لأنك أنت الله الخالق "وإياك نستعين" لأنك أنت الرب الرازق "إياك نعبد" لأنك الرحمن "وإياك نستعين" لأنك الرحيم "إياك نعبد" لأنك الملك "وإياك نستعين" لأنك المالك، "إياك نعبد" لأنا ننتقل من دار الشرور إلى دار السرور ولا بد من زاد وخير الزاد العبادة، "وإياك نستعين" لأن الذي نكتسب بقوتنا وقدرتنا لا يكفينا فإن السفر طويل والزاد قليل.

ثم إذا حصل الزاد بإعانتك فالشقة شاسعة والطرق كثيرة، فلا طريق إلا أن يطلب الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

ثم إنه لا بد لسالك الطريق الطويل من رفيق ودليل ﴿ صراط الذين أنعمت عليهم ﴾ فالأنبياء أدلاء والصديقون والشهداء والصالحون رفقاء، غير المغضوب عليهم ولا الضالين لأن الحجب قسمان: نارية وهي الدنيا بما فيها، ونورية وهي ما سواها.

اللهم ادفع عنا كل ما يحجب بينك وبيننا إنك رب العالمين ومالك يوم الدين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ .

فهو - والله أعلم - على إضمار الأَمر، أي: قل: ذا.

ثم لم يجعل له أن يَسْتثنى في القول به، بل ألزمه القول بالقول فيه.

ثم هو يتوجه وجهين: أحدهما: يحال القول به على الخبر عن حاله؛ فيجب ألا يستثنى في التوحيد، وأن من يَسْتَثْني فيه عن شَكٍّ يُسْتَثْنَى.

والله -  - وصف المؤمنين بقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 15].

وكذلك "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: إيمان لا شكَّ فيه" والثاني: عن الأحوال التي ترد في ذلك.

لكنه إذا كان ذلك على اعتقاد المذهب لم يجز الشك فيه؛ إذ المذاهب لا تعتقد لأوقات، إنما تعتقد للأبد؛ لذلك لم يجز الثناء فيه في الأبد.

وبالله التوفيق.

ثم قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: إلى التوحيد، وكذا رُوِيَ عن ابن عباس -  ما - أنه قال: "كُلُّ عبادةٍ في القرآنِ فهو توحيدٌ" والوجه الآخر: أن يكون على كل طاعة أن يعبد الله بها، وأصلها يرجع إلى واحد؛ لما على العبد أن يوحد الله -  - في كل عبادة لا يُشرك فيها أحداً، بل يخلصها فيكون موحِّداً لله  بالعبادة والدين جميعاً.

وعلى ذلك قطعُ الطمع، والخوف، والحوائج كلها عن الخلقِ.

وتوجيهُ ذلك إلى الله  بقوله: ﴿ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ وعلى ذلك المؤمن لا يطمعُ في الحقيقة بأحدٍ غير الله، ولا يرفع إليه الحوائج، ولاَ يخاف إلا من الوجه الذي يخشى أن الله جعله سبباً لوصول بلاءٍ من بلاياه إليه على يديه؛ فعلى ذلك يخافُه، أو يرجو أن يكون الله  جعلَ سببَ ما دفعه إليه على يديه، فبذلك يرجو ويطمع، فيكون ذلك من الضَّالِّين، فيكون في ذلك التعوُّذُ من جميع أنواع الذنوب، والاستهداءُ إلى كل أنواع البر.

وقوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ .

فذلك طلب المعونة من الله  على قضاء جميع حوائجه ديناً ودنيا.

ويحتمل أن يكون هو على أثر الفزع إلى الله بقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ على طلب التوفيقِ لما أَمر به، والعصمة عما حذَّره عنه، وكذلك الأَمر البيّن في الخلق من طلب التوفيق، والمعونة من الله، والعصمةِ عن المنهى عنه جرت به سنة الأَخيار.

والله الموفق.

ثم لا يصلح هذا على قول المعتزلة؛ لأن تلك المعونةَ على أَداءِ ما كلف قد أَعطى؛ إذ هو على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفاً قد بقي شىء - مما به أَداءُ ما كلف - عند الله، وطلبُ ما أُعْطِي كتمانُ العطيةِ، وكتمانُ العطيةِ كفرانٌ؛ فيصير كأَنَّ الله أَمر أَن يَكْفُر نعمَهُ ويكتمها ويطلبها منه تعنتاً.

وظنُّ مثله بالله كفرٌ.

ثم لا يخلو من أَن يكون عند الله ما يُطْلب لم يُعطه التمام إذاً، أَوْ ليس عندهُ فيكون طلبه استهزاءً به، إذ مَنْ طَلَب إلى آخَرَ مَا يَعْلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف، مع ما كان الذي يُطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف فيبطل قولهم؛ إذ لا يجوز أَن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطى، أَوْ ليس له أَلا يعطى فكأَنه قال: اللهم لا تَجُرْ.

وَمَنْ هذا عِلْمهُ بربه فالإسلام أَولى به، وهذا مع ما كان لا يدعو الله أَحدٌ بالمعونة إلا ويطمئن قلبهُ أَنه لا يذل عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثلهُ يملك الله عند المعتزلة.

ولا قوة إلا بالله.

وقد روي عن النبي  أنه قال في خبر القسمة: "الله يقول: هذا بَيْني وبينَ عبْدي نِصْفين" وذلك يحتمل: أن يكون كل حرف من ذلك بما فيها جميعاً الفزعُ إلى الله بالعبادة، والاستعانة ورفع الحاجة إليه، وإظهار غناه - جل وعلا - عنه؛ فيتضمن ذلك الثناء عليه، وطلب الحاجة إليه.

ويحتمل: أن يكون الحرفُ الأَول لله بما فيه عبادتُه وتوحيدهُ، والثاني للعبد بما فيه طلبُ معونته وقضاءُ حاجته.

ويؤيد ذلك بقية السورة أنه أُخرج على الدعاء فقال الله - عز وجل -: "هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل" وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .

قال ابنُ عباس -  ما -: أرْشِدْنا.

والإرشاد، والهداية واحد، بل الهدايةُ في حق التوفيق أقربُ إلى فهم الخلق من الإرشاد بما هي أعم في تعارفهم.

ثم القول بالهداية يُخرَّج على وجوهٍ ثلاثة: أحدها: البيانُ.

ومعلومٌ أن البيانَ قد تقدم من الله لا أحد يريد به ذلك لمضى ما به البيان من كتابٍ وسنةٍ، وإلى هذا تذهب المعتزلة.

والثاني: التوفيقُ له، والعصمةُ عن زيغة.

وذلك معنى قوله: "اللهمَّ اهْدِنَا فيمَنْ هَدَيْتَ"، وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ ﴾ وصَفَهم إلى آخر السورة، ولو كان على البيان على ما قالت المعتزلة فهو والمغضوب عليهم في ذلك سواء، فثبت أَنه على ما قلنا دون ما ذهبوا إليه.

والثالث: أَن يكون على طلب خلق الهداية لنا؛ إذ نسب إليه من جهة الفعل، وكل ما يفعله خلق؛ كأَنه قال: اخلُق لنا هدايتنا، وهو الاهتداءُ منا.

وبالله التوفيق.

ثم تأويل طلب الهداية، ممن قد هداه الله يتوجه وجهين: أحدهما: طلب الثبات على ما هداه الله، وعلى هذا معنى زيادات الإيمان، أنها بمعنى الثبات عليه، وذلك كرجلين ينظران إلى شيء فيرفع أَحدهما بصره عنه، جائز القول بازدياد نظر الآخر.

ووجه آخر: على أن في كل حال يخاف على المرءِ ضد الهدى، فيهديه مكانه أبداً فيكون له حكم الاهتداءِ؛ إذْ في كل وقت إيمانٌ منه دفع به ضده.

وعلى ذلك قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [النساء: 136] ونحو ذلك من الآيات.

وقد يحتمل أيضاً معنى الزيادةِ هذا النوعُ.

وبالله التوفيق.

وأما ﴿ ٱلصِّرَاطَ ﴾ فهو الطريق والسبيل في جميع التآويل وهو قوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي...

﴾ الآية [الأنعام: 153]، وقوله: ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ  ﴾ .

ثم اختلفوا فيما يراد به: فقال بعضهم: هو القرآن.

وقال بعضهم: هو الإيمان.

وأيهما كان فهو القائم الذي لا عوج له، والقيِّم الذي لا اختلاف فيه، مَنْ لزِمهُ وصَلَ إلى ما ذكر.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ .

قيل: هو القائم بمعنى الثابت بالبراهين والأَدلة، لا يُزيله شيء، ولا ينقضُ حُجَجه كيدُ الكائدين، ولا حيلُ المريبين.

وقيل: ﴿ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ الذي يستقيم بمن تمسك به حتى يُنجيه، ويدخله الجنة.

وقيل: ﴿ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ بمعنَى: يُستقامُ به؛ كقوله: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، أي: يُبْصَرُ به.

يدل عليه قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ...

﴾ الآية [فصلت: 30]، فالمستقيم هو المتبع له.

وبالله التوفيق.

ثم ذكر من ذكر من المُنعَم عليهم؛ ولله على كل مؤمن نعَمٌ بالهداية.

وما ذكر دليل على أن "الصراط" هو الدين؛ لأَنه أنعم به على جميع المؤمنين.

لكن تأْويل من يردُّ إلى الخُصوص يتوجه وجهين: أحدهما: أنه أَنعم عليهم بمعرفة الكتب والبراهين، فيكون على التأْويل الثاني من القرآن والأدلة.

والثاني: أن يكون لهم خصوص في الدين قُدِّموا به على جميع المؤمنين؛ كقول داود، وسليمان: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وعلى هذا الوجه يكون ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .

ووجه آخر: وهو المخصوص الذي خص به كثيراً من المؤمنين من بين غيرهم، لكن الثُّنْيَا يدل على صرف الإرادة إلى جملة المؤمنين؛ إذ انصرف إلى غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

وقولَهُ: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ .

على قول المعتزلة: ليس لله على أحد من المؤمنين نعمة ليست على المغضوب عليهم ولا الضالين؛ إذ لا نعمة من الله على أحد إلا الأَصلح في الدين والبيان للسبيل المرضي، وتلك قد كانت على جميع الكفرة فيبطل على قولهم الثُّنْيَا.

والله الموفق.

ثم اختلف فى ﴿ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .

منهم من قال: هو واحد؛ إذ كل ضال قد استحق الغضب عليه، وكل مغضوب عليه استحق الوصف بالضلال.

ومنهم من قال: ﴿ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم ﴾ هم اليهود، وإنما خصوا بهذا: بما كان منهم من فضل تمرد وعُتُو لم يكن ذلك من النصارى نحو إنكارهم بعيسى، وقصدهم قتله مما لم يكن ذلك من النصارى.

ثم قولهم في الله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ...

﴾ الآية [المائدة: 64].

قولهم: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ...

﴾ الآية [آل عمران: 181].

وقول الله  فيهم: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ...

﴾ الآية [المائدة: 82].

وكفرِهم برسول الله صلى الله عليهم وسلم بعد استفتاحهم، وشدة تعنتهم، وظهور النفاق؛ فاستحقوا بذلك اسم الغضب عليهم، وإن كانوا شركاء غيرهم في اسم الضلال.

وبالله التوفيق.

وفي هذا وجه آخر: أَن يُحْمل الذنوب على وجهين: منها ما يوجب الغضب: وهو الكفر - ومنها ما يوجب اسم الضلال - وهو ما دونه - كقول موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ  ﴾ .

ورؤية الهداية لأَهلها والتعوذ به من كل ضلال، ومن جميع ما يوجب مقته وغضبه - وبالله النجاة والخلاص - مع ما في خبر القسمة، وعد جليل من رب العالمين في إجابة العبد مما يرفع إليه من الحوائج، إذْ قال: "قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين" ثم صَيَّر آخر السورة لعبده، وليس في صلاته سوى إظهار الفقر، ودفع الحاجة، وطلب المعونة، والاستهداء إلى ما ذكر مع التعوذ عما وصف، وليس ذلك مما يوصف به العبد أَنَّه له؛ فثبت أن له في ذلك إجابة ربه فيما أمره به، ووعد ذلك، وهو لا يخلف وعده.

فأَنَّى يحتمل ذلك بعد أمره العبدَ بالذي تضمنه أول السورة، فقام به العبد مع لُؤمه وجفائه، والله بكرمه وجوده لا ينجز له ما وعد؟!

لا يكون هذا أَلبتة، وقد قال: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ وغير ذلك مما فيه الإنجاز، وأنه لا يخلف الميعاد.

ثم قد جعلت - بما جاء من الحديث في تلاوتها - أن قدمها على التوراة، والإنجيل، وعدلها بثلثي القرآن، وجعلها شفاءً من أَنواع الأدواء للدين، والنفس، والدنيا، وجعلها معاذاً من كل ضلال، وملجأً إلى كل نعمة.

وبالله نستعين.

مع ما أَوضح - في الأَسماء التي لقب بها فاتحة القرآنَ - عظيمَ موقعه، وجليلَ قدره، وهو أن سمَّاه فاتحة القرآن بما به يفتح القرآن، وكذلك روى عن رسول الله  أنه كان يفتتح القراءَة به وسمى فاتحة الكتاب بما به يفتتح كتابة المصاحف والقرآن.

وسمى أُم القرآن لما يؤم غيره في القراءَة.

وقيل: الأُم بمعنى الأَصل، وهو ألا يحتمل شيء مما فيه النسخَ ولا الرفعَ فصار أصلاً.

وسمى المثاني؛ لما يثنى في الركعات، ولا قوة إلا بالله.

وفي قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ إلى آخره وجهان سوى ما ذكرنا؛ إذ قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ دعاء كاف عما تضمن إلى آخر السورة؛ إذ ليس فيها غير تفسير هذه الجملة.

أحدهما: تذكير نعم الله على الذين يقبلون دينه في قلوبهم، والتوفيق لهم بذلك، وأفضاله عليهم بما ليس لهم عليه.

والثاني: تعوذهم عن زيغ ومقت، وضلال، وذنب، والتجاؤم إليه في ذلك بقوله: ﴿ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

نخصُّك وحدك بأنواع العبادة والطاعة، فلا نشرك معك غيرك، ومنك وحدك نطلب العون في كل شؤوننا، فبيَدِكَ الخير كله، ولا مُعين سواك.

<div class="verse-tafsir" id="91.vendo"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

سميت الفاتحة فاتحة لأنها أول القرآن في هذا الترتيب، وتسمى أم الكتاب، وقالوا: إن حديث النهي عن تسميتها هذا الاسم موضوع.

..

ويتكلمون عند الكلام عن السور على المكي والمدني، وهو يفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ، وليس في الفاتحة ناسخ ولا منسوخ، وهي مكية خلافًا لمجاهد، فالإجماع على أن الصلاة كانت بالفاتحة لأول فريضتها، ولا ريب أن ذلك كان في مكة.

وقالوا: هي المراد بالسبع المثاني في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ  ﴾ ، وهو مكي بالنص.

وقال بعضهم: إنها نزلت مرتين، مرة بمكة عند فريضة الصلاة، وأخرى بالمدينة حين حولت القبلة، وكأن صاحب هذا القول أراد الجمع بين القولين، وليس بشيء.

وقال كثيرون: إنها أول سورة أنزلت بتمامها.

والراجح عندي أنها أول ما نزل من القرآن على الإطلاق..

ولا أستثني من ذلك قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ .

ومن آية ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون، سواء كان كون إيجاد أو كون تشريع أن يظهر سبحانه الشيء مجملًا، ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجًا، وما مثل الهدايات الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة، فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع أصولها ثم تنمو بالتدريج حتى تسبق فروعها، بعد أن تعظم دوحتها، ثم تجود عليك بثمرها.

والفاتحة مشتملة على مجمل ما ورد في القرآن، وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها، ولست أعني بهذا ما يعبرون عنه بالإشارة ودلالة الحروف، كقولهم: إن أسرار القرآن في الفاتحة، وأسرار الفاتحة في البسملة، وأسرار البسملة في الباء، وأسرار الباء في نقطتها.

فإن هذا لم يثبت عن النبي  وأصحابه عليهم الرضوان، ولا هو معقول في نفسه، وإنما هو من مخترعات الغلاة الذين ذهب بهم الغلو إلى إعدام القرآن خاصته، وهي البيان.

وبيان ما أريد هو: أن ما نزل القرآن لأجله أمور: أحدها:التوحيد، لأن الناس كانوا كلهم وثنيين، وإن كان بعضهم يدعي التوحيد.

ثانيها:وعد من أخذ به وتبشيره بحسن المثوبة، ووعيد من لم يأخذ به وإنذاره بسوء العقوبة، والوعد يشمل ما للأمة وما للأفراد، فيعم نعم الدنيا والآخرة وسعادتهما، والوعيد كذلك يشمل نقمهما وشقاءهما فقد وعد الله المؤمنين بالاستخلاف في الأرض والعزة والسلطان والسيادة، وأوعد المخالفين بالخزي والشقاء في الدنيا، كما وعد في الآخرة بالجنة والنعيم وأوعد بنار الجحيم.

ثالثها:العبادة التي تحيي التوحيد في القلوب وتثبته في النفوس.

رابعها:بيان سبيل السعادة، وكيفية السير فيه، الموصل إلى نعم الدنيا والآخرة.

خامسها:قصص من وقف عند حدود الله تعالى، وأخذ بأحكام دينه، وأخبار الذين تعدوا حدوده، ونبذوا أحكام دينه ظهريًا، لأجل الاعتبار واختبار طريق المحسنين، ومعرفة سنن الله في البشر.

هذه هي الأمور التي احتوى عليها القرآن، وفيها حياة الناس وسعادتهم الدنيوية والأخروية، والفاتحة مشتملة عليها إجمالًا بغير ما شك ولا ريب.

فأما التوحيد: ففي قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، لأنه ناطق بأن كل حمد وثناء يصدر عن نعمة ما فهو له تعالى، ولا يصح ذلك إلا إذا كان سبحانه مصدر كل نعمة في الكون تستوجب الحمد، ومنها نعمة الخلق والإيجاد والتربية والتنمية، ولم يكتف باستلزام العبارة لهذا المعنى، فصرح به بقوله: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ، ولفظ ﴿ رَبِّ  ﴾ ليس معناه المالك والسيد فقط، بل فيه معنى التربية والإنماء، وهو صريح بأن كل نعمة يراها الإنسان في نفسه وفي الآفاق منه  فليس في الكون متصرف بالإيجاد والإشقاء والإسعاد سواه.

التوحيد أهم ما جاء لأجله الدين، ولذلك لم يكتف في الفاتحة بمجرد الإشارة إليه، بل استكمله بقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، فاجتث بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في جميع الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله، يستعان بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويتقرب بهم إلى الله زلفى، وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو تفصيل لهذا الإجمال.

وأما الوعد والوعيد: فالأول منهما مطوي في ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فذكر الرحمة في أول الكتاب، وهي التي وسعت كل شيء - بالإحسان، لا سيما وقد كررها مرة ثانية تنبيهًا لنا على أمره إيانا بتوحيده وعبادته، رحمة منه سبحانه بنا، لأنه لمصلحتنا ومنفعتنا.

وقوله تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ يتضمن الوعد والوعيد معًا، لأن معنى الدين الخضوع، أي أن له تعالى، في ذلك اليوم، السلطان المطلق والسيادة التي لا نزاع فيها، لا حقيقة ولا ادعاء، وأن العالم كله يكون فيه خاضعًا لعظمته ظاهرًا وباطنًا، يرجو رحمته ويخشى عذابه، وهذا يتضمن الوعد والوعيد.

أو معنى ﴿ الدِّينِ  ﴾ الجزاء وهو إما ثواب، للمحسن، وإما عقاب، للمسيء، وذلك وعد ووعيد.

وزد على ذلك أنه ذكر بعد ذلك ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ .

وهو الذي من سلكه فاز ومن تنكبه هلك، وذلك يستلزم الوعد والوعيد.

وأما العبادة: فبعد أن ذكرت في مقام التوحيد بقوله.

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ، أوضح معناها بعض الإيضاح في بيان الأمر الرابع الذي يشملها ويشمل أحكام المعاملات وسياسة الأمة بقوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، أي أنه قد وضع لنا صراطًا سيبينه ويحدده وتكون السعادة في الاستقامة عليه هي روح العبادة.

ويشبه هذا قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ ، فالتواصي بالحق والصبر هو كمال العبادة بعد التوحيد.

والفاتحة بجملتها تنفخ روح العبادة في المتدبر لها، وروح العبادة هي إشراب القلوب خشية الله وهيبته والرجاء لفضله، لا الأعمال المعروفة من فعل وكف وحركات اللسان والأعضاء، فقد ذكرت العبادة في الفاتحة قبل ذكر الصلاة وأحكامها والصيام وأيامه، وكانت هذه الروح في المسلمين قبل أن يكلفوا بهذه الأعمال البدنية، وقبل نزول أحكامها التي فصلت في القرآن تفصيلًا ما، وإنما الحركات والأعمال مما يتوسل به إلى حقيقة العبادة، ومخ العبادة والفكر والعبرة.

وأما الأخبار والقصص: ففي قوله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ..

تصريح بأن هنالك قومًا تقدموا وقد شرع الله شرائع لهدايتهم، وصائح يصيح ألا فانظروا في الشؤون العامة التي كانوا عليها واعتبروا بها.

كما قال الله تعالى لنبيه يدعوه إلى الاقتداء بمن كان قبله من الأنبياء ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، حيث بين أن القصص إنما هو للعظة والاعتبار.

وفي قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ تصريح بأن من دون المنعم عليهم فريقين: فريق ضل عن صراط الله وفريق جاحده وعاند من يدعو إليه فكان محفوفًا بالغضب الإلهي والخزي في الحياة الدنيا.

وباقي القرآن يفصل لنا في أخبار الأمم هذا الإجمال على الوجه الذي يفيد العبرة فيشرح حال الظالمين الذين قاوموا الحق عنادًا، والذين ضلوا فيه ضلالًا، وحال الذين حافظوا عليه وصبروا على ما أصابهم في سبيله.

فتبين من مجموع ما تقدم أن الفاتحة قد اشتملت إجمالًا على الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلًا، فكان إنزالها أولًا موافقًا لسنة الله تعالى في الإبداع.

وعلى هذا تكون الفاتحة جديرة بأن تسمى (أم الكتاب)، كما نقول: إن النواة أم النخلة، فإن النواة مشتملة على شجرة النخلة كلها حقيقة لا كما قال بعضهم إن المعنى في ذلك أن الأم تكون أولًا ويأتي بعدها الأولاد.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ...

إنهاعلى كل حال من القرآن، فنتكلم عليها كسائر الآيات.

القرآن إمامنا وقدوتنا، فافتتاحه بهذه الكلمة إرشاد لنا بأن نفتتح أعمالنا بها، فما معنى هذا؟

ليس معناه أن نفتتح أعمالنا باسم من أسماء الله تعالى، بأن نذكره على سبيل التبرك أو الاستعانة به، بل أن نقول هذه العبارة: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم  ﴾ ، فإنها مطلوبة لذاتها.

عندما تقول: إنني أذكر اسم الله تعالى كالعزيز والحكيم، لا تعني أنك تذكر لفظ"اسم"، فلو كان قولهم إن المراد من الابتداء بالكلمة"بسم الله"التبرك باسم الله هو الصواب لكان ينبغي أن يكون قولك"بالله الرحمن الرحيم"مثل (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقوله تعالى ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ ، وقد قال بعضهم: إن الإضافة ها هنا للبيان، أي أفتتح كلامي باسم هو الله ولكن هذا يقتضي أن يكون لفظ"الرحمن الرحيم"واردًا على اللفظ، وهو غير صحيح وإرادة أن الأسماء الثلاثة هي المبينة للفظ الاسم تَمَحُّلٌ ظاهر، فما المقصود إذًا من هذا التعبير؟

مثل هذا التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب، وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمْرًا ما لأجل أمير أو عظيم، بحيث يكون متجردًا من نسبته إليه ومنسلخًا عنه، يقول: عمله باسم فلان ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان، لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه، فإذا كنت أعمل عملًا لا يكون له وجود ولا عنه أثر، لولا السلطان الذي به أمر، أقول..

إن عملي هو باسم السلطان، أي أنه معنون باسمه، ولولاه لما عملته، فمعنى ابتدئ عملي (باسم الله الرحمن الرحيم) أنني أعمل بأمره وله لا لي ولا أعمله باسمي مستقلًا به على أنني فلان، فكأني أقول: إن هذا العمل لله لا لحظ نفسي.

وفيه وجه آخر: وهو أن القدرة التي أنشأت بها العمل هي من الله تعالى، فلولا ما منحني منها لم أعمل شيئًا، فلم يصدر عني هذا العمل إلا باسم الله، ولم يكن باسمي، إذ لولا ما آتاني من القوة عليه لم أستطع أن آتيه، وقد تم هذا المعنى بلفظ (الرحمن الرحيم) كما هو ظاهر.

وحاصل المعنى أنني أعمل متبرئًا من أن يكون باسمي، بل هو باسمه تعالى، لأنني أستمد القوة والعناية منه، وأرجو إحسانه عليه، فلولاه لم اقدر عليه ولم أعمله، بل وما كنت عاملًا له على تقدير القدرة عليه لولا أمره ورجاء فضله، فلفظ الاسم معناه مراد، ومعنى لفظ الجلالة مراد أيضًا وكذلك كل من لفظ الرحمن والرحيم.

وهذا الاستعمال معروف مألوف في كل اللغات، وأقربه إليكم اليوم ما ترون في المحاكم النظامية حيث يبتدئون الأحكام قولًا وكناية باسم السلطان فلان أو الخديوي فلان.

ومعنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام والآيات وغيرها هو لله ومنه ليس لأحد غير الله فيه شيء.

والرحمن الرحيم: مشتقان من الرحمة، وهي معنى يلم بالقلب، فيبعث صاحبه ويحمله على الإحسان إلى غيره، وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر، لأنه في البشر ألم في النفس شفاؤه الإحسان، والله تعالى منزه عن الآلام والانفعالات، فالمعنى المقصود بالنسبة إليه من الرحمة أثرها وهو الإحسان.

وقد مشى"الجلال"في تفسيره، وتبعه"الصبان"على أن الرحمن والرحيم بمعنى واحد، وأن الثاني تأكيد للأول ومن العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم وما هي إلا غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها.

وأنا لا أجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه: إن في القرآن كلمة تغاير أخرى، ثم تأتي لمجرد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنى تستقل به.

نعم..

قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأخرى تقريرًا أو إيضاحًا، ولكن الذي لا أجيزه هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأخرى بدون زيادة ثم يؤتى بها لمجرد التأكيد لا غير بحيث تكون مما يسمى بالمترادف في عرف أهل اللغة، فإن ذلك لا يقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرد التنميق والتزويق، وفي العربية طرق للتأكيد ليس هذا منها.

وأما ما يسمونه بالحرف الزائد الذي يأتي للتأكيد فهو حرف وضع لذلك، ومعناه هو التأكيد، وليس معناه معنى الكلمة التي يؤكدها، فالباء في قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا  ﴾ تؤكد معنى اتصال الكفاية بجانب الله جل شأنه بذاتها ومعناها الذي وضعت له، ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب، وكذلك معنى"من"في قوله ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك.

أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة ﴿ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ ونحوها عقيب ذكر كل نعمة، وهي عند التأمل ليست مكررة، فإن معناها: أفبهذه النعمة تكذبان، وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو.

والجمهور على أن معنى الرحمن: المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم: المنعم بدقائقها.

وبعضهم يقول: إن الرحمن: هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم: المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين.

وكل هذا تحكم في اللغة مبني على أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى.

ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصل مطلقًا، فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه، سواء كان جليلًا أو دقيقًا، وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفًا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفًا، فهو غير مَعْنيِّ ولا مراد.

وقد قارب من قال: إن معنى الرحمن: المحسن بالإحسان العام، ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين.

ولهل الذي حمل من قال: إن الثاني مؤكد للأول على قوله هذا هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة مع عدم التفطن لما هو أحسن منه.

والذي أقول: إن صيغة فَعْلَان تدل على وصف فعلي فيه معنى المبالغة كَفَعَّال، وهو في استعمال اللغة للصفت العارضة كعطشان وغرثان وغضبان، وأما صيغة فَعِيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وجميل.

والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله  ، التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين، فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النعم والإحسان، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة، وبهذا المعنى لا يستغني بأحد الوصفين عن الآخر، ولا يكون الثاني مؤكدًا للأول، فإذا سمع العربي وصف الله جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض بالنعم فعلًا، لا يعتقد منه أن الرحمن من الصفات الواجبة له دائمًا لأن الفعل قد ينقطع إذا كان لم يكن عن صفة لازمة ثابتة، وإن كان كثيرًا، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه ويعلم أن لله صفة ثابتة هي صفة الرحمن التي عنها يكون أثرها، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهانًا عليه.

رسالة إلى أحد العلماء حضرة الأستاذ الفاضل..

أثابك الله على صدق مودتك، ونفعني بإخلاص الصادقين أمثالك، ووفقني الله وإياك للعمل فيما يفيد هذه الأمة، التي نهكتها البدع، وقتلها الزيغ عن الطريق المتبع، وإني أحمد الله على هذه البقية في المسلمين - بقية صالحة في نفوس مستعدة تنشد الحق وتتلمسه فإذا عثرت عليه حَنّت إليه- أمدها الله بالسعي الدائب، والغذاء الصالح، حتى تنمو وتكون شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، لا أزيدك وصية بمزاولة البحث فيما يُنقِّي العقائد من شُبَه الإشراك، وغرور اليأس والأمل، وجراثيم التواكل والكسل، ثم نشر ذلك بكل وسيلة تمكن منه، ثم بالصبر على ما يقول المقلدون، ويهذي به المتكبرون، ممن يلقبون"بالعلماء"وهم لا يعلمون، ففي مثلهم يقول الله: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا  ﴾ ولا يكون كِبْرٌ في الأرض بغير الحق مثل هذا الكِبْر الذي ترتديه هذه النصب، وتظهر في سرابيله هذه التماثيل التي ينحلها الناس ما ليس لها، ويسمونها بأسماء لم ينزل الله بها من سلطان، وما هؤلاء القوم إلا أولئك السادات الذين سيقول المغترون بهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا  ﴾ .

أسأل الله أن يعينك على من يليك، ويوفقك لتأييد كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أما مسألة التأكيد فالأمر فيها سهل، وتعلم أنني ممن يكتب، ويقال إن لي حظًا من معرفة دقائق البلاغة، وإن كنت لا أحسب لنفسي في ذلك حسابًا، ولا أزال أستعمل التوكيد في كلامي، وأذوق لذته، وأعرف موقعه من كلام غيري، وأنكر العبارة تخلو منه وهي محتاجة إليه، وهو معنى من المعاني المقصودة التي وضعت لها في اللغة ألفاظ خاصة كلفظ"إنّ"و"اللام"ونحوهما.

ثم من الألفاظ ما يكون فيه شيء من معنى الآخر، فيؤتي باللفظين ليؤكد أحدهما الآخر بما فيه من المعنى المشترك، ثم يزيد بما انفرد به، كالسيف والصارم، كل هذا لا أنكر شيئًا منه ولكني أنكر الذي يلجأون إليه بدون بيان صحيح، فيقال كلمة كذا توكيد بدون بيان وجه التوكيد، أو لفظ كذا زائد كما يقول"الجلال" في قوله تعالى ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا  ﴾ إن لفظ"مثل"زائد، تعالى الكتاب عن ذلك،"فالجلال"و"الصبان" قالا إن ﴿ الرحيم  ﴾ توكيد، لظنهما أن لا معنى في ﴿ الرحيم  ﴾ سوى ما في ﴿ الرحمن  ﴾ ، وإني أنزه القرآن عما ظنا، حتى لو قصد التوكيد فإنه يكون بمنزلة الرحمن الرحيم، وإنما غاير اللفظ للتحلية وهذا ما أبرئ القرآن منه.

والذي صرحت به في هذا المعنى سبقني إليه"ابن جرير الطبري".

فقد صرح بأنه لا يوجد في القرآن كلمة زائدة لغير معنى مقصود، وهو الذي عنيته.

أما احتمال التوكيد، والوجه الذي ذكرته، فإني لا أراه لأنه لا علاقة بين التوحيد ومعنى الرحمة، ولو ذكر جميع الألفاظ المترادفة في هذا المعنى لم يفد شيئًا في نفي التعدد، ولم يسبق في التاريخ أن أحدًا ذهب إلى أن الرحمن معبود والرحيم معبود آخر حتى يرد عليه بأنهما شيء واحد، ولكن الذي عُرف هو قول النصارى: في ابتداء شؤونهم: باسم الآب والابن والروح القدس، وهو في زعمهم ثلاثة مختلفة الآحاد مع أنها واحد، فأراد الله أن يجعل للمسلمين فاتحة أعمال تحتوي على ثلاثة معان: الأول ذات والآخران صفتان، فلفظ الجلالة هو الذات وهو يقابل الآب عندهم والرحمن: وصف الفعل المتجدد الصادر من فيض الكرم، وهو يقابل الابن، لزعمهم أنه منبثق من الذات، والرحيم: يدل على الصفة الثابتة للذات الأقدس، وهي التي يرجع إليها الفعل المتجدد، وباعتبارها يصدر ويتجدد، وهو يقابل روح القدس، فإنه عندهم الصلة بين الآب والابن، وإن حاولوا ستر ذلك بضروب من العبارات، فأراد الكتاب أن يعلمنا كيف نضع التوحيد مكان التثليث، ونستبدل بألفاظ التشبيه خيرًا منها من ألفاظ التنزيه، ولا يفوتنا المعنى الذي يحتج بقصده من الآب والابن والروح القدس وهو معنى الرحمة وإفاضة النعمة، وهذا هو وجه تكرير هذه الفاتحة الكريمة في كل سورة، والندب إلى الافتتاح بها في كل عمل ذي بال، ولكن غفل كثير من المسلمين عن مرامي إشارات الكتاب فأتوا من عند أنفسهم بما ليس من معناه في شيء.

لا أجد وقتًا لإطالة البحث فيما ذكرت عن"السعد" وغيره وأظن أن فيما كتبته كفاية لذكر مثلك، وأرجو أن لا تنقطع عن مراسلتي، والسلام.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ ..

قالوا: إن معنى الحمد: الثناء باللسان، وقيدوه بالجميل، لأن كلمة"ثناء"تستعمل في المدح والذم جميعًا، يقال أثنى عليه شرًا كما يقال: أثنى عليه خيرًا...

ويقولون: إن"أل"التي في"الحمد"هي للجنس في أي فرد من أفراده لا للاستغراق ولا للعهد المخصوص، لأنه لا يصار إلى كل منهما في فهم الكلام إلا بدليل، وهو غير موجود في الآية، ومعنى كون الحمد لله تعالى بأي نوع من أنواعه هو أن أي شيء يصح الحمد عليه فهو مصدره وإليه مرجعه، فالحمد لله على كل حال.

وهذه الجملة خبرية، ولكنها استعملت لإنشاء الحمد، فأما معنى الخبرية فهو إثبات أن الثناء الجميل في أي أنواعه تحقق فهو ثابت له تعالى وراجع إليه، لأنه متصف بكل ما يحمد عليه الحامدون، فصفاته أجمل الصفات، وإحسانه عم جميع الكائنات، ولأن جميع ما يصح أن يتوجه غليه الحمد مما سواه فهو منه جل ثناؤه، إذ هو مصدر الكون كله، فيكون له ذلك الحمد أولًا وبالذات.

والخلاصة: أن أي حمد يتوجه إلى محمود ما فهو لله تعالى، سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه، وأما معنى الإنشائية فهو أن الحامد جعلها عبارة عما وجهه من الثناء إلى الله تعالى في الحال.

﴿ رَبِّ الْعَالَمِين  ﴾ : يشعر هذا الوصف ببيان وجه الثناء المطلق، ومعنى الرب: السيد المربي الذي يسوس مسوده ويربيه ويدبره، و ﴿ الْعَالَمِينَ  ﴾ جمع عالم، جمعه جمع المذكر العاقل تغليبًا، وأراد به جميع الكائنات الممكنة، أي أنه رب كل ما يدخل في مفهوم لفظ العالم.

وما جمعت العرب لفظ العالم هذا الجمع إلا لنكتة تلاحظها فيه، وهي أن هذا اللفظ لا يطلق عندهم على كل كائن وموجود كالحجر والتراب وإنما يطلقونه على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه إن لم تكن منه، فيقال، عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات.

ونحن نرى أن هذه الأشياء هي التي يظهر فيها معنى التربية الذي يعطيه لفظ"رب"لأن فيها مبدأها، وهو الحياة والتغذي والتوالد، وهذا ظاهر في الحيوان.

ولقد كان"السيد" رحمه الله تعالى يقول: الحيوان شجرة قطعت رجلها من الأرض، فهي تمشي، والشجرة حيوان ساخت رجلاه في الأرض، فهو قائم في مكانه يأكل ويشرب وإن كان لا ينام ولا يغفل.

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ﴾ ..

تقدم معناهما، وبقي الكلام في إعادتهما والنكتة فيها ظاهرة، وهي أن تربيته للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه.

وثم نكتة أخرى، وهي أن البعض يفهم من معنى"الرب"الجبروت والقهر فأراد الله تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدًا، فكأن الله تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وليتعلقوا به ويقبلوا على اكتساب مرضاته منشرحة صدورهم مطمئنة قلوبهم.

ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا وما أعده من العذاب في الآخرة للذين يتعدون الحدود وينتهكون الحرمات، فإنه وإن سمي قهرًا بالنسبة لصورته ومظهره فهو في حقيقته وغايته من الرحمة لأن فيه تربية للناس وزجرًا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، والوالد الرؤوف يربي ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان عليه إذا قام به وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال.

ولله المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون.

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ..

قرأ عاصم والكسائي ويعقوب:"مالك"والباقون"مَلِك"، وعليها أهل الحجاز، والفرق بينهما أن المالك ذو المِلْك (بكسر الميم) والمَلِك ذو المُلْك (بضمها)، والقرآن يشهد للأولى بمثل قوله ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ وللثانية بقوله ﴿ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ  ﴾ .

قال بعضهم: إن قراءة مَلِك أبلغ، لأن هذا اللفظ يفهم منه معنى السلطان والقوة والتدبير، وقال آخرون: إن القراءة الأخرى أبلغ لأن المالك هو الذي يدبر أعمال رعيته العامة ولا تصرف له بشيء من شؤونهم الخاصة، وإنما تظهر هذه التفرقة في عبد مملوك في مملكة لها سلطان، ولا ريب أن مالكه هو الذي يتولى جميع شؤونه دون سلطانه.

و ﴿ الدِّينِ  ﴾ يطلق في اللغة على المكافأة، وورد"كما تدين تدان"وقال الشاعر: ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا وعلى الجزاء وهو قريب من معنى المكافأة، وعلى الطاعة وعلى الإخضاع وعلى السياسة، يقال دَيَّنَ فلان فلانًا أي تولى سياسته، وهو قريب من معنى الإخضاع، وعلى الشريعة، وما يؤخذ العباد به من التكاليف.

والمناسب هنا من هذه المعاني الجزاء والخضوع، وإنما قال ﴿ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ولم يقل"الدين"لتعريفنا بأن للدين يومًا ممتازًا عن سائر الأيام وهو اليوم الذي يلقى فيه كل عامل عمله ويوفى جزاءه.

ولسائل أن يسأل: أليست كل الأيام جزاء، وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق، والقيام بالواجبات عليهم؟

والجواب: بلى، إن أيامنا التي نحن فيها قد يقع فيها الجزاء على أعمالنا، ولكن ربما لا يظهر لأربابه إلا على بعضها دون جميعها.

والجزاء على التفريط في العمل الواجب إنما يظهر في الدنيا ظهورًا تامًا بالنسبة لمجموع الأمة لا لكل فرد من الأفراد، فما من أمة انحرفت عن صراط الله المستقيم، ولم تراع سننه في خليقته إلا وأحل بها العدل الإلهي ما تستحق من الجزاء، كالفقر والذل وفقد العزة والسلطة.

وأما الأفراد فإنا نرى كثيرًا من المسرفين الظالمين يقضون أعمارهم منغمسين في الشهوات واللذات نعم، إن ضمائرهم توبخهم أحيانًا، وإنهم لا يسلمون من المنغصات، وقد يصيبهم النقص في أموالهم وعافية أبدانهم وقوة عقولهم، ولكن هذا كله لم يقابل بعض أعمالهم القبيحة، لا سيما الملوك والأمراء الذين تشقى بأعمالهم السيئة أمم وشعوب.

كذلك نرى من المحسنين في أنفسهم وللناس من يبتلى بهضم الحقوق ولا ينال من الجزاء على عمله شيئًا مما يستحقه، وإن كان قد ينال من الجزاء رضى نفسه، وسلامة أخلاقه، وصحة ملكاته، ولكن ذلك ليس كل ما يستحق، وفي ذلك اليوم يوفى كل فرد من أفراد العاملين جزاءه كاملًا لا يظلم شيئًا منه، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه  ﴾ .

علمنا الله أنه رحمن رحيم، ليجذب قلوبنا إليه، ولكن..

هل يشعر كل عباده بهذه المنة فينجذبوا إليه الانجذاب المطلوب؟

..

كلا ..!!

..

أليس فينا من يسلك كل سبيل؟

لا يبالي بمستقيم ومعوج؟

..

بلى!

ولهذا أعقب سبحانه ذكر الرحمة بذكر الدين، فعرفنا أنه يدين العباد ويجازيهم على أعمالهم، فكان من رحمته بعباده أن رباهم بنوعي التربية كليهما -الترغيب والترهيب- كما تشهد بذلك آيات القرآن الكثيرة.

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ  ﴾ .

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ ما هي العبادة؟

يقولون: هي الطاعة مع غاية الخضوع.

وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل، وتجليه للأفهام واضحًا لا يقبل التأويل، فكثيرًا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه، ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانًا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة، فإن فيها إجمالًا وتساهلًا.

وإننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب"لعبد"وما يماثلها ويقاربها في المعنى كخضع وخنع وأطاع وذل، نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي"عبد"ويحل محلها ويقع موقعها، ولذلك قالوا: إن لفظ"العباد"مأخوذ من"العبادة"، فتكثر إضافته إلى الله تعالى ولفظ (العبيد) تكثر إضافته إلى غير الله تعالى، لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق، وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى.

ومن هنا قال بعض العلماء: إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى.

ولكن استعمال القرآن يخالفه.

يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوًا كبيرًا حتى يفنى في هواه وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء، فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين، فضلًا عن سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئًا من هذا الخضوع عبادة.

فما هي العبادة إذن؟

تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشيء عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها، وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال إنه عبده، وإن قبل مواطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفًا وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء بكرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة للذين يعتقدون أن المُلْك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرًا وأكرمهم جوهرًا، وهؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابًا وعبدوهم عبادة حقيقية.

للعبادة صور كثيرة في كل دين من الأديان، شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة من العبادات الصحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون على ذلك الروح والشعور الذي قلنا إنه منشأ التعظيم والخضوع، فإذا وجدت صورة العبادة خالية من هذا المعنى لم تكن عبادة، كما أن صورة الإنسان وتمثاله ليس إنسانًا.

خذ إليك عبادة الصلاة مثلًا، وانظر كيف أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها، وإقامة الشيء هي الإتيان به مقومًا كاملًا يصدر عن علته وتصدر عنه آثاره.

وآثار الصلاة ونتائجها هي ما أنبأنا الله تعالى بها بقوله: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وقوله  : ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلاَّ الْمُصَلِّينَ  ﴾ ، وقد توعد الذين يأتون بصورة الصلاة من الحركات والألفاظ مع السهو عن معنى العبادة وسرها فيها، المؤدي إلى غايتها بقوله: ﴿ فويل للمصلين  الذين هم عن صلاتهم ساهون  الذين هم يرآءون  ويمنعون الماعون  ﴾ ، فسماهم مصلين لأنهم أتوا بصورة الصلاة ووصفهم بالسهو عن الصلاة الحقيقية التي هي توجه القلب إلى الله تعالى المذكر بخشيته، والمشعر للقلوب بعظيم سلطانه، ثم وصفهم بأثر هذا السهو وهو الرياء ومنع الماعون.

والرياء ضربان: رياء النفاق، وهو العمل لأجل رؤية الناس، ورياء العادة، وهو العمل بحكمها من غير ملاحظة معنى العمل وسره وفائدته وملاحظة من يعمل له ويتقرب إليه به.

وهو ما عليه أكثر الناس فإن صلاة أحدهم في طور الرشد والعقل هي عين ما كان يحاكي به أباه في طور الطفولية عندما يراه يصلي يستمر على ذلك بحكم العادة من غير فهم ولا عقل وليس لله شيء في هذه الصلاة: وقد ورد في أحاديث كثيرة أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا، وأنها تلف كما يلف الثوب البالي ويضرب بها وجهه.

وأما الماعون فهو المعونة والخير الذي تقدم في الآية الأخرى أن من شأن الإنسان أن يكون منوعًا له، إلا المصلين.

والاستعانة هي طلب المعونة، والمعونة هي سد العجز والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز عنه المستعين بنفسه.

أمرنا الله تعالى بأن لا نعبد غيره، لأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب ليست إلا له، دون غيره، فلا يشاركه فيها أحد فيعظم تعظيم العبادة، وأمرنا بأن لا نستعين بغيره أيضًا.

وهذا يحتاج إلى البيان لأنه أمرنا أيضًا في آيات أخرى بالتعاون فقال: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى  ﴾ ، فما معنى حصر الاستعانة به مع ذلك؟

الجواب: أن كل عمل يعمله الإنسان تتوقف ثمرته ونجاحه على حصول الأسباب التي اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون مؤدية إليه، وانتفاء الموانع التي من شأنها، بمقتضى الحكمة، أن تحول دونه، وقد مكن الله تعالى الإنسان بما أعطاه من العلم والقوة من دفع بعض الموانع وكسب بعض الأسباب وحجب عنه البعض الآخر، فيجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك ونبذل في إتقان أعمالنا كل ما نستطيع من حول وقوة، وأن نتعاون، ويساعد بعضنا بعضًا على ذلك، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كل شيء ونلجأ إليه وحده ونطلب المعونة المتممة للعمل والموصلة لثمرته منه سبحانه دون سواه، إذ لا يقدر على ما وراء الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا سبب الأسباب ورب الأرباب، فقوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ متمم لمعنى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ  ﴾ لأن الاستعانة بهذا المعنى فزع من القلب إلى الله وتعلق من النفس به، وذلك من مخ العبادة، فإذا توجه العبد بها إلى غير الله تعالى كانت ضربًا من ضروب العبادة الوثنية التي كانت ذائعة في زمن التنزيل وقبله وخصت بالذكر لئلا يتوهم الجهلاء أن الاستعانة بمن اتخذوه أولياء من دون الله واستعانوا بهم فيما وراء الأسباب المكتسبة لعامة الناس هي كالاستعانة بسائر الناس في الأسباب العامة فأراد الحق جل شأنه أن يرفع هذا اللبس عن عباده ببيان أن الاستعانة فيما هو في استطاعة الناس بالناس إنما هي ضرب من استعمال الأسباب المسنونة، وما منزلتها إلا كمنزلة الآلات فيما هي آلات له، بخلاف الاستعانة في شؤون تفوت الْقُدَرَ والقوى المعروفة في متناول الفهم، كالاستعانة على شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العِدَّة والعُدَّة، فإن ذلك مما لا يجوز الفزع به لغير الله تعالى صاحب السلطان الأعظم على ما لا يصل إليه سلطان أحد من العالم.

فالزارع يبذل جهده في الحرث والعذق وتسميد الأرض وريها ويستعين بالله تعالى على إتمام ذلك بمنع الآفات والجوائح السماوية أو الأرضية، والتاجر يحذق في اختيار الأصناف، ويمهر في صناعة الترويج، ثم يتكل على الله فيما بعد ذلك.

ومن هنا تعلمون أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح، عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون.

أرشدتنا هذه الكلمة الوجيزة ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة: أحدهما: أن نعمل الأعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل بذل فيه المرء طاقته فلم يوفه حقه أو يخشى أن لا ينجح فيه، فطلب المعونة على إتمامه وكماله.

ومن وقع من يده القلم على المكتب لا يطلب المعونة من أحد على إمساكه، ومن وقع تحت عبء ثقيل يعجز عن النهوض به وحده يطلب المعونة من غيره على رفعه، بعد استفراغ القوة في الاستقلال به، وهذا الأمر هو مرقاة السعادة الدنيوية وركن من أركان السعادة الأخروية.

وثانيهما: ما أفاده الحصر من وجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى وحده فيما وراء ذلك، وهو روح الدين وكمال التوحيد الخالص الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الأغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين، والشيوخ الدجالين، ويطلق عزائمهم من قيد المهيمنين الكاذبين، من الأحياء والميتين، فيكون المؤمن مع الناس حرًا خالصًا وسيدًا كريمًا، ومع الله عبدًا خاضعًا ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  ﴾ .

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ الهداية في اللغة: الدلالة بلطف على ما يوصل إلى المطلوب.

منح الله تعالى الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى سعادته: أولاها: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم فإن الطفل بعدما يولد يشعر بألم الحاجة إلى الغذاء فيصرخ طالبًا له بفطرته وعندما يصل الثدي إلى فيه يلهم التقامه وامتصاصه.

الثانية: هداية الحواس والمشاعر، وهي متمة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية ويشارك الإنسان فيهما الحيوان الأعجم بل هو فيهما أكمل من الإنسان، فإن حواس الحيوان وإلهامه يكملان له بعد ولادته بقليل بخلاف الإنسان فإن ذلك يكمل فيه بالتدريج في زمن غير قصير، ألا تراه عقب الولادة لا تظهر عليه علامات إدراك الأصوات والمرئيات، ثم بعد مدة يبصر ولكنه لقصر نظره يجهل تحديد المسافات فيحسب البعيد قريبًا فيمد يديه إليه ليتناوله وإن كان قمر السماء ولا يزال يغلط حسه حتى في طور الكمال؟

الثالثة: هداية العقل.

خلق الإنسان ليعيش مجتمعًا ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما أُعطي النحل والنمل، فإن الله قد منحها من الإلهام ما يكفيها لأن تعيش مجتمعة يؤدي كل واحد منها وظيفة العمل لجميعها، ويؤدي الجميع وظيفة العمل للواحد، وبذلك قامت حياة أنواعها كما هو مشاهد.

أما الإنسان فلم يكن من خاصة نوعه أن يتوفر له مثل ذلك الإلهام فحباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام وهي العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه، وذلك أن البصر يرى الكبير على البعد صغيرًا ويرى العود المستقيم في الماء معوجًا والصفراوي يذوق الحلو مرًا والعقل هو الذي يحكم بفساد هذا الإدراك.

الرابعة: هداية الدين.

يغلط العقل في إدراكه كما تغلط الحواس وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية، ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال، فيجعلها مسخرة لشهواته ولذاته حتى تورده مورد الهلكة.

فإذا وقعت المشاعر في مزالق الذلل، واسترقت الحظوظ والأهواء العقل، فصار يستنبط لها ضروب الحيل، فكيف يتسنى للإنسان مع ذلك أن يعيش سعيدًا؟.

وهذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد يقف الإنسان عنده، وما هو بعائش وحده، وكثيرًا ما تتطاول به إلى ما في يد غيره فهي لهذا تقضي أن يعدو بعض أفراده على بعض فيتنازعون ويتدافعون ويتجادلون ويتجالدون، ويتواثبون ويتناهبون، حتى يفني بعضهم بعضًا ولا تغني عنهم تلك الهدايات شيئًا، فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم، إذا هي غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها.

ثم إن مما أودع في غرائز الإنسان الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببًا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة.

فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه ووهبه هذه الهدايات وغيرها وما فيه سعادته في تلك الحياة الثانية؟

كلا!

إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة -الدين- وقد منحه الله تعالى إياها.

أشار القرآن إلى أنواع الهداية التي وهبها الله تعالى للإنسان في آيات كثيرة منها قوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ أي طريق السعادة والشقاوة والخير والشر ..

وهذه تشمل هداية الحواس الظاهرة والباطنة وهداية العقل وهداية الدين.

ومنها قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى  ﴾ أي دللناهم على طريق الخير والشر فسلكوا سبيل الشر المعبر عنه بالعمى.

ولكن ..

بقي معنا هداية أخرى، وهي المعبر عنها بقوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، فليس المراد من هذه الهداية ما سبق ذكره، فالهداية في الآيات السابقة بمعنى الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس الطريقين -المهلك والمنجي- مع بيان ما يؤدي إليه كل منهما وهي ما تفضل الله به على جميع أفراد البشر.

أما هذه الهداية فهي أخص من تلك، والمراد بها إعانتهم وتوفيقهم للسير في طريق الخير والنجاة مع الدلالة، وهي لم تكن ممنوحة لكل أحد كالحواس والعقل وشرع الدين.

ولما كان الإنسان عرضة للخطأ والضلال في فهم الدين وفي استعمال الحواس والعقل -على ما قدمنا- كان محتاجًا إلى المعونة الخاصة فأمرنا الله بطلبها منه في قوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ ، فمعنى ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ : دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطأ.

وما كان هذا أول داء علمنا الله تعالى إياه، إلا لأن حاجتنا إليه أشد من حاجتنا إلى كل شيء سواه.

والصراط: هو الطريق..

والمستقيم: هو ضد المعوج.

وليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التمعج والتعاريج، بل المراد كل ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب أن ينتهي إليها، والمستقيم في عرف الهندسة أقرب موصل بين الطرفين، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوي، كما هو ظاهر بالبداهة، وإنما قلنا: إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها في خط ذي تعاريج، لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل، ولكن الأول لا يصل إليها قط، بل يزداد بعدًا كلما أوغل في السير وانهمك فيه، وقد قالوا: إن المراد بالصراط المستقيم: الدين أو الحق أو العدل والحدود.

ونحن نقول: إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادتي الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم.

لِمَ سمي الموصل إلى السعادة من ذلك صراطًا وطريقًا؟..

خذ الحق مثلًا، وهو الاعتقاد الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس تر معنى الصراط فيه واضحًا لأن السبيل أو الصراط هو ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التي أقصدها.

كذلك الحق الذي يبين لي الواقع في العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة، فالطريق الواضح للحس يشبهه الحق للعقل وللنفس، سير حسي، وسير معنوي، كذلك إذا اعتبرت المعنى في الحدود والأحكام تجده واضحًا..

قسمت أحكام الأعمال إلى واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه، فكان هذا مريحًا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى وهي الدين كالطريق الواضح يسلك بالعمل.

ومع هذا نجد الشهوات تتلاعب بالأحكام وترجعها إلى أهوائها كما يصرف السفهاء عقولهم وحواسهم فيما يرديهم، وهذا التلاعب بالدين إنما يصدر من علمائه .

واستحلال المحرمات بمثل هذا التأويل ليس بقليل، ولذلك كان الإنسان محتاجًا أشد الاحتياج إلى العناية الإلهية الخاصة لأجل الاستقامة والسير في تلك الهدايات الأربع سيرًا مستقيمًا يوصل إلى السعادة، لهذا نبهنا الله جل شأنه أن نلجأ إليه ونسأله الهداية ليكون عونًا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا وأن تكون استعانتنا في ذلك به لا بسواه، بعد أن نبذل ما نستطيع من الفكر والجهاد في معرفة ما أنزل إلينا من الشرعية والأحكام وأخذ أنفسنا بما نعلم من ذلك.

وهذا أفضل ما نطلب فيه المعونة منه جل شأنه لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة، فهو بهذه الآية يعلمنا كيف نستعين بعد أن علمنا اختصاصه بالاستعانة فيقوله ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ .

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ الصراط المستقيم: هو الموصل إلى الحق، ولكنه ما بينه بذلك كما بينه في نحو سورة العصر، وإنما بينه بإضافته إلى من سلك هذا الصراط كما قال في سورة الأنعام ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ ، وقد قلنا: إن الفاتحة مشتملة على إجمال ما فصل في القرآن حتى من الأخبار التي هي مثل الذكرى والاعتبار، وينبوع العظة والاستبصار، وأخبار القرآن كلها تنطوي في إجمال هذه الآية.

فسر بعضهم المنعم عليهم بالمسلمين والمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى.

ونحن نقول: إن الفاتحة أول سورة نزلت، كما قال الإمام على  وهو أعلم بهذا من غيره لأنه تربى في حجر النبي  ، وأول من آمن به، وإن لم تكن أول سورة على الإطلاق، فلا خلاف في أنها من أوائل السور.

ولم يكن المسلمون في أول نزول الوحي بحيث يطلب الاهتداء بهداهم وما هداهم إلا من الوحي، ثم هم المأمورون بأن يسألوا الله أن يهديهم هذه السبيل، سبيل من أنعم الله عليهم فأولئك غيرهم، وإنما المراد بهذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ  ﴾ وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من الأمم السالفة.

فقد أحال على معلوم أجمله في الفاتحة وفصله في سائر القرآن بقدر الحاجة.

فثلاثة أرباع القرآن تقريبًا قصص وتوجيه للأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، ولا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع، فإذا امتثلنا الأمر والإرشاد ونظرنا في أحوال الأمم السالفة وأسباب علمهم وجهلهم وقوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم وغير ذلك مما يعرض للأمم كان لهذا النظر أثر في نفوسنا يحملنا على حسن الأسوة والاقتداء بأخبار تلك الأمم فيما كان سبب السعادة والتمكن في الأرض واجتناب ما كان سبب الشقاوة أو الهلاك والدمار.

ومن هنا ينجلي للعاقل شأن علم التاريخ وما فيه من الفوائد والثمرات، وتأخذه الدهشة والحيرة إذا سمع أن كثيرًا من رجال الدين من أمة هذا كتابها يعادون التاريخ باسم الدين ويرغبون عنه ويقولون إنه لا حاجة إليه ولا فائدة له.

وكيف لا يدهش ويحار والقرآن ينادي بأن معرفة أحوال الأمم من أهم ما يدعو إليه هذا الدين؟

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ  ﴾ .

ههنا سؤال، وهو كيف يأمرنا الله تعالى باتباع صراط من تقدمنا وعندنا أحكام وإرشادات لم تكن عندهم، وبذلك كانت شريعتنا أكمل من شرائعهم وأصلح لزماننا وما بعده؟

والقرآن يبين لنا الجواب وهو أنه يصرح بأن دين الله في جميع الأمم واحد وإنما تختلف الأحكام بالفروع التي تختلف باختلاف الزمان وأما الأصول فلا خلاف فيها.

قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ الآية، فالاعتقادات بالله وبالنبوة وبترك الشر وبعمل البر والتخلق بالأخلاق الفاضلة مستوفى الجميع، وقد أمرنا الله بالنظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه، فنقتدي بهم في القيام على أصول الخير وهو أمر يتضمن الدليل على أن في ذلك الخير والسعادة على حسب طريقة القرآن في قرن الدليل بالمدلول والعلة بالمعلول والجمع بين السبب والمسبب.

وتفصيل الأحكام التي هذه كلياتها بالإجمال تعرفه من شرعنا ونبينا  .

وأما قوله تعالى: ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، فالمغضوب عليهم هم الذين خرجوا من الحق بعد علمهم به والذين بلغهم شرع الله تعالى ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه انصرافًا عن الدليل، ورضى بما ورثوه من القيل، ووقوفًا عند التقليد وعكوفًا على هوى غير رشيد، وغضب الله عقوبته وانتقامه.

وقوله: ﴿ وَلا الضَّالِّينَ  ﴾ قرن المعطوف فيه"بلا"، لما في"غير"من معنى النفي، أو: غير الضالين، ففيه تأكيد للنفي.

وهو يدل على أن الطوائف ثلاث: المنعم عليهم، والمغضوب عليهم، والضالون.

ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضًا، لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون إلى مطلوب، ولا يهتدون إلى مرغوب.

ولكن فرقًا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق لا يهتدي إلى الجادة فيها وهم من لم تبلغهم الرسالة أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين، فإن الضال حقيقة هو التائه الواقع في عماية لا يهتدي معها إلى المطلوب، والعماية في الدين هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل وتشبه الصواب الخطأ.

الضالون على أقسام: القسم الأول: من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر، فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل وحرموا رشد الدين فإن لم يضلوا في شؤونهم الدنيوية ضلوا لا محالة فيما تطَلْب به نجاة الأرواح وسعادتها في الحياة الأخرى، على أن من شأن الدين الصحيح أن يفيض على أهله من روح الحياة ما به يسعدون في الدنيا والآخرة معًا، فمن حرم الدين حرم السعادتين، وظهر أثر التخبط والاضطراب في أعماله المعاشية، وحل به من الرزايا ما يتبع الضلال والخبط عادة، سنة الله في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلًا.

أما أمرهم في الآخرة فعلى أنهم لن يساووا المهتدين في منازلهم، وقد يعفو الله عنهم، وهو الفعال لما يريد.

وأزيد في إيضاح هذا أن الذين حرموا هداية الدين لا يعقل أن يؤاخذوا في الآخرة على ترك شيء مما يعرف بهذه الهداية، وهذا معنى كونهم غير مكلفين، وعليه جمهور المتكلمين، لقوله تعالى في سورة الإسراء ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا  ﴾ ومن قال إنهم مكلفون بالعقل لا يظهر وجه لقوله إلا إذا أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتقاء أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة، إذ لا شك أن من لم يبعث فيهم رسول يتفاوتون في إدراكهم بتفاوت استعدادهم الفطري وما يصادفون من حسن التربية وقبحها.

وبهذا يجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو يفصل بينهما، وما يعطيهم الله تعالى إياه في الآخرة على حسب حالهم في الخير والشر والفضيلة والرذيلة يكون جزاءً عادلًا على أعمالهم الاختيارية ويزيدهم من فضله إن شاء.

القسم الثاني:من بلغته الدعوة على وجه يبعث على النظر فساق همته إليه، واستفرغ جهده فيه، ولكن لم يوفق إلى الاعتقاد بما دعي إليه، وانقضى عمره وهو في الطلب، وهذا القسم لا يكون إلا أفرادًا متفرقة في الأمم ولا يعم حاله شعبًا من الشعوب فلا يظهر له أثر في أحوالها العامة وما يكون لها من سعادة وشقاء في حياتهم الدنيا.

أما صاحب هذه الحالة فقد ذهب بعض الأشاعرة إلى إنه ممن ترجى له رحمة الله تعالى، وينقل صاحب هذا الرأي قوله عن أبي الحسن الشعري، وعلى رأي الجمهور فلا ريب أن مؤاخذته أخف من مؤاخذة الجاحد الذي استعصى على الدليل وكفر بنعمة العقل أو رضي بحظه من الجهل.

القسم الثالث: من بلغتهم الرسالة وصدقوا بها بدون نظر في أدلتها ولا وقوف على أصولها، فاتبعوا أهواءهم في فهم ما جاءت به من أصول العقائد، وهؤلاء هم المبتدعة في كل دين، ومنهم المبتدعون في دين الإسلام، وهم المنحرفون في اعتقادهم عما تدل عليه جملة القرآن وما كان عليه السلف الصالح وأهل الصدر الأول، ففرقوا الأمة إلى مشارب، يغص بمائها الوارد، ولا يرتوي منها الشارب.

وإني أشير إلى طرف من آثارهم في الناس: يأتي الرجل دوائر القضاء فيستحلف بالله العلي العظيم أو بالمصحف الكريم، وهو كلام الله القديم، إنه ما فعل كذا، فيحلف، وعلامة الكذب بادية على وجهه، فيأتيه المستحلف من طريق آخر، ويحمله على الحلف بشيخ من المشايخ الذين يعتقد بهم الولاية، فيتغير لونه، وتضطرب أركانه، ثم يرجع في أليَّتِه ويقول الحق ويقر بأنه فعل ما حلف عليه أولًا أنه لم يفعله، تكريمًا لاسم ذلك الشيخ وخوفًا منه أن يسلب عنه نعمة أو يحل به نقمة إذا حلف باسمه كاذبًا، فهذا ضلال في أصول العقيدة يرجع إلى الضلال في الاعتقاد بالله وما يجب له من الوحدانية في الأفعال.

ولو أردنا أن نسرد ما وقع فيه المسلمون من الضلال في العقائد الأصلية بسبب البدع التي عرضت على دين الإسلام لطال المقال، واحتيج إلى وضع مجلدات في وجوه الضلال، ومن أشنعها أثرًا وأشدها ضررًا خوض رؤساء الفرق منهم في مسائل القضاء والقدر، والاختيار والجبر، وتحقيق الوعد والوعيد، وتهوين مخالفة الله على نفوس العبيد.

إذا وزنا في أدمغتنا من الاعتقادات بكتاب الله تعالى من غير أن ندخلها فيه أولًا يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين، وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن، وحشرناها فيه أولًا، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يدري ما هو الموزون من الموزون به..

أريد أنه يجب أن يكون القرآن أصلًا تحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلًا والقرآن هو الذي يحمل عليها ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون.

القسم الرابع:ضلال في الأعمال وتحريف للأحكام عما وضعت له، كالخطأ في فهم معنى الصلاة والصيام وجميع العبادات، والخطأ في فهم الأحكام التي جاءت في المعاملات.

ولنضرب لذلك مثلًا: الاحتيال في الزكاة بتحويل المال إلى ملك الغير قبل حلول الحول ثم استرداده بعد مضي قليل من الحول الثاني، حتى لا تجب الزكاة فيه، ظن المحتال أنه بحيلته قد خلص من أداء الفريضة، ونجا من غضب من لا تخفى عليه خافية، ولا يعلم أنه بذلك قد هدم ركنًا من أهم أركان دينه، وجاء بعمل من يعتقد أن الله قد فرض فرضًا، وشرع بجانب ذلك الفرض ما يذهب به، ويمحو أثره، وهو محال عليه، جل شأنه.

ثلاثة أقسام من هذا الضلال: أولها، وثالثها، ورابعها يظهر أثرها في الأمم فتختل قوى الإدراك فيها، وتفسد الأخلاق وتضطرب الأعمال، ويحل بها الشقاء، عقوبة من الله لا بد من نزولها بهم.

سنة الله في خلقه ولن تجد لسنته تحويلًا.

ويعد حلول الضعف ونزول البلاء بأمة من الأمم من العلامات والدلائل على غضب الله تعالى عليها لما أحدثته في عقائدها وأعمالها مما يخالف سننه ولا يتبع فيه سنته.

لهذا علمنا الله تعالى كيف ندعوه بأن يهدينا طريق الذين ظهرت نعمته عليهم بالوقوف عند حدوده، وتقويم العقول والأعمال بفهم ما هدانا إليه، وأن يجنبنا طرق الذين ظهرت فيهم آثار نعمته بالانحراف عن شرائعه، سواء كان ذلك عمدًا وعنادًا أو غواية وجهلًا.

إذا ضلت الأمة سبيل الحق، ولعب الباطل بأهوائها، ففسدت أخلاقها واعتلت أعمالها، وقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشؤونها، ولا يؤخر لها العذاب إلى يوم الحساب -وإن كانت ستلاقي نصيبها منه أيضًا- فإذا تمادى بها الغي، وصل بها إلى الهلاك، ومحي أثرها من الوجود، لهذا علمنا الله تعالى كيف ننظر في أحوال من سبقنا، ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم، لنعتبر ونميز بين ما به تسعد الأقوام وما به تشقى.

أما في الأفراد فلم تجر سنة الله بلزوم العقوبة لكل ضال في هذه الحياة الدنيا، فقد يستدرج الضال من حيث لا يعلم، ويدركه الموت قبل أن تزول النعمة عنه، وإنما يلقى جزاءه ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ .

-٢-

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد