الآية ١٣ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٣ من سورة يونس

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 43 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية ، في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم (34) ، (لما ظلموا) ، يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه (35) ، (وجاءتهم رسلهم) من عند الله، (بالبينات)، وهي الآيات والحجج التي تُبين عن صِدْق من جاء بها.

(36) ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق ، ( وما كانوا ليؤمنوا) يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدِّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له ، ( وكذلك نجزي المجرمين) ، يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم ، أيها المشركون ، بظلمهم أنفسَهم ، وتكذيبهم رسلهم ، وردِّهم نصيحتَهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدًا صلى الله عليه وسلم، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تُنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي ، أن أهلكه بسَخَطي في الدنيا ، وأوردُه النار في الآخرة.

-------------------- الهوامش : (34) انظر تفسير " القرون " فيما سلف 11 : 263 .

(35) انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .

(36) انظر تفسير " البينات " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمينقوله تعالى ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا يعني الأمم الماضية من قبل أهل مكة أهلكناهم .

لما ظلموا أي كفروا وأشركوا .وجاءتهم رسلهم بالبينات أي بالمعجزات الواضحات والبراهين النيرات .وما كانوا ليؤمنوا أي أهلكناهم لعلمنا أنهم لا يؤمنون .

يخوف كفار مكة عذاب الأمم الماضية ; أي نحن قادرون على إهلاك هؤلاء بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، ولكن نمهلهم لعلمنا بأن فيهم من يؤمن ، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن .

وهذه الآية ترد على أهل الضلال القائلين بخلق الهدى والإيمان .

وقيل : معنى ما كانوا ليؤمنوا أي جازاهم على كفرهم بأن طبع على قلوبهم ; ويدل على هذا أنه قال : كذلك نجزي القوم المجرمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية بظلمهم وكفرهم، بعد ما جاءتهم البينات على أيدي الرسل وتبين الحق فلم ينقادوا لها ولم يؤمنوا‏.‏ فأحل بهم عقابه الذي لا يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله، وهذه سنته في جميع الأمم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ) أشركوا ، ( وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك ) أي : كما أهلكناهم بكفرهم ، ( نجزي ) نعاقب ونهلك ، ( القوم المجرمين ) الكافرين بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم ، يخوف كفار مكة بعذاب الأمم الخالية المكذبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد أهلكنا القرون» الأمم «من قبلكم» يا أهل مكة «لما ظلموا» بالشرك «و» قد «جاءتهم رسلهم بالبينات» الدالات على صدقهم «وما كانوا ليؤمنوا» عطف على ظلموا «كذلك» كما أهلكنا أولئك «نجزي القوم المجرمين» الكافرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أهلكنا الأمم التي كذَّبت رسل الله من قبلكم -أيها المشركون بربهم- لـمَّا أشركوا، وجاءتهم رسلهم من عند الله بالمعجزات الواضحات والحجج التي تبين صدق مَن جاء بها، فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها لتصدق رسلها وتنقاد لها، فاستحقوا الهلاك، ومثل ذلك الإهلاك نجزي كل مجرم متجاوز حدود الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - جانباً من شأنه مع الناس ومن شأنهم معه .

أتبع ذلك ببيان مصير الأمم الظالمة ليكون فى ذلك عبرة وعظة فقال - تعالى - :( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا .

.

.

) .الخطاب فى قوله : ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا .

.

) لأهل مكة الذين كانوا معاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومناوئين لدعوته ، ويدخل فيه غيرهم ممن يصلح للخطاب على سبيل التبع .والقرون جمع قرن .

والقرن - كما يقول القرطبي - الأمة من الناس ، قال الشاعر :إذا ذهب القرن الذى كنت فيهم ...

وخلفت فى قرن فأنت غريبفالقرن كل عالم فى عصره ، مأخذو من الاقتران ، أى : عالم مقترن بعضهم إلى بعض .وفي الحديث الشريف : " خير القرون قرني - يعني أصحابي - ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم " .فالقرن على هذا مدة من الزمان .

قيل : ستون عاما ، وقيل سبعون ، وقيل ثمانون ، وقيل : مائة سنة ، وعليه أكثر أصحاب الحديث ، أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن بسر : " تعيش قرنا " فعاش مائة سنة .و ( لما ) ظرف بمعنى حين ، وهو متعلق بقوله ( أَهْلَكْنَا ) .والمعنى : ولقد أهكلنا أهل القرون السابقة عليكم يا أهل مكة .

حين استمروا فى ظلمهم وعنادهم ، وحين أصروا على كفرهم بعد أن جاءتهم رسلهم بالدلائل الدالة على وحدانية الله ، وعلى صدقهم فيها يبلغونه عن ربهم فعليكم - أيها الغافلون - أن تثوبوا إلى رشدكم ، وأن تتبعوا الحق الذى جاءكم به نبيكم كي لا يصيبكم ما أصاب الظالمين من قبلكم .وقوله : ( وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات ) يدل على إفراط أولئك المهلكين فى الظلم ، وبلوغهم فيه أقصى الغايات ، لأنهم مع وضوح الشواهد على صدق الرسل ، استمروا فى جحودهم وظلمهم .وقوله : ( وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ) معطوف على ( ظَلَمُواْ ) أى : أهلكنا أهل القرون السابقين عليكم حين استمروا على ظلمهم ، وحين علم الله - منهم الإِصرار على الكفر ، فإهلاكهم كان بسبب مجموع هذين الأمرين .وقوله : ( كذلك نَجْزِي القوم المجرمين ) تذييل قصد به التهديد والوعيد .أي : مثل ذلك الجزاء الأليم وهو إهلاك الظالمين ، نجزي القوم المجرمين فى كل زمان ومكان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في بيان كيفية النظم.

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم كانوا يقولون: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ثم إنه أجاب عنه بأن ذكر أنه لا صلاح في إجابة دعائهم، ثم بين أنهم كاذبون في هذا الطلب لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع إلى الله تعالى في إزالتها والكشف لها، بين في هذه الآية ما يجري مجرى التهديد، وهو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم، والغرض منه أن يكون ذلك رادعاً لهم عن قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، لأنهم متى سمعوا أن الله تعالى قد يجيب دعاءهم وينزل عليهم عذاب الاستئصال، ثم سمعوا من اليهود والنصارى أن ذلك قد وقع مراراً كثيرة.

صار ذلك رادعاً لهم وزاجراً عن ذكر ذلك الكلام، فهذا وجه حسن مقبول في كيفية النظم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف ﴿ لَّمّاً ﴾ ظرف لأهلكنا، والواو في قوله: ﴿ وَجَاءتْهُمْ ﴾ للحال، أي ظلموا بالتكذيب.

وقد جاءتهم رسلهم بالدلائل والشواهد على صدقهم وهي المعجزات، وقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على ظلموا، وأن يكون اعتراضاً، واللام لتأكيد النفي، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر وهذا يدل على أنه تعالى إنما أهلكهم لأجل تكذيبهم الرسل، فكذلك يجزى كل مجرم، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله، وقرئ ﴿ يَجْزِى ﴾ بالياء وقوله: ﴿ ثُمَّ جعلناكم خلائف ﴾ الخطاب للذين بعث إليهم محمد عليه الصلاة والسلام، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكناهم، لننظر كيف تعملون، خيراً أو شراً، فنعاملكم على حسب عملكم.

بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: كيف جاز النظر إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة؟

والجواب: أنه استعير لفظ النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه، وشبه هذا العلم بنظر الناظر وعيان المعاين.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ ثُمَّ جعلناكم خلائف فِي الأرض مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ مشعر بأن الله تعالى ما كان عالماً بأحوالهم قبل وجودهم.

والجواب: المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ وقد مر نظائر هذا.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» وقال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيراً، بالليل والنهار.

المسألة الثالثة: قال الزجاج: موضع ﴿ كَيْفَ ﴾ نصب بقوله: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ لأنها حرف، لاستفهام والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ولو قلت: لننظر خيراً تعملون أم شراً، كان العالم في خير وشر تعملون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَمَّا ﴾ ظرف لأهلكنا: والواو في ﴿ وَجَاءتْهُمْ ﴾ للحال، أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالحجج والشواهد على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على ظلموا، وأن يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، يعني: ما كانوا يؤمنون حقاً تأكيداً لنفي إيمانهم، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وأن الإيمان مستبعد منهم.

والمعنى: أن السبب في إهلاكهم تكذيب الرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجّة ببعثه الرسل ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك ﴿ نَجْزِي ﴾ كل مجرم، وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقرئ: ﴿ يجزي ﴾ بالياء ﴿ ثُمَّ جعلناكم ﴾ الخطاب للذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكنا ﴿ لِنَنظُرَ ﴾ أتعملون خيراً أم شراً فنعاملكم على حسب عملكم.

و ﴿ كَيْفَ ﴾ في محل النصب بتعلمون لا بننظر، لأنّ معنى الاستفهام فيه يحجب أن يتقدّم عليه عامله.

فإن قلت: كيف جاز النظر على الله تعالى وفيه معنى المقابلة قلت: هو مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجوداً شبه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحققه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يا أهْلَ مَكَّةَ.

﴿ لَمّا ظَلَمُوا ﴾ حِينَ ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ واسْتِعْمالِ القُوى والجَوارِحِ لا عَلى ما يَنْبَغِي ﴿ وَجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالحُجَجِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ وهو حالٌ مِنَ الواوِ بِإضْمارِ قَدْ أوْ عَطْفٍ عَلى ظَلَمُوا.

﴿ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ وخِذْلانِ اللَّهِ لَهم وعِلْمِهِ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى كَفْرِهِمْ، واللّامِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو إهْلاكُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ بِحَيْثُ تَحَقَّقَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ ﴿ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ نَجْزِي كُلَّ مُجْرِمٍ أوْ نَجْزِيكم فَوُضِعَ المَظْهَرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ جُرْمِهِمْ وأنَّهم أعْلامٌ فِيهِ.

﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ اسْتَخْلَفْناكم فِيها بَعْدَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها اسْتِخْلافَ مَن يُخْتَبَرُ.

﴿ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى مُقْتَضى أعْمالِكم، وكَيْفَ مَعْمُولُ تَعْمَلُونَ فَإنَّ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ يَحْجُبُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الجَزاءِ جِهاتُ الأفْعالِ وكَيْفِيّاتُها لا هي مِن حَيْثُ ذاتِها ولِذَلِكَ يَحْسُنُ الفِعْلُ تارَةً ويَقَبَحُ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ} يا أهل مكة {لما ظلموا} أشركوا وهو ظرف لأهلكنا والواو فى {وجاءتهم رسلهم} للحال اظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم {بالبينات} بالمعجزات {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} إن بقوا ولم يهلكوا لأن الله علم منهم أنهم يصرون

يونس (١٣ _ ١٦)

على كفرهم وهو عطف على ظلموا أو اعتراض واللام لتأكيد النفي يعني أن السبب في إِهلاكهم تكذيبهم للرسل وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل {كذلك} مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك {نَجْزِي القوم المجرمين} وهو وعيد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ ﴾ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وهو جَمْعُ قَرْنٍ بِفَتْحِ القافِ أهْلُ كُلِّ زَمانٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاقْتِرانِ كَأنَّ أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ اقْتَرَنُوا في أعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً وقِيلَ: ثَمانُونَ وقِيلَ مِائَةٌ وقِيلَ هو مُطْلَقُ الزَّمانِ والمُرادُ هُنا المَعْنى الأوَّلُ وكَذا في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» وقَوْلُهُ: إذا ذَهَبَ القَرْنُ الَّذِي أنْتَ فِيهِمْ وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فَأنْتَ غَرِيبُ ﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِكم والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في تَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ بَعْدَ تَأْيِيدِهِ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا ومَنَعَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ القُرُونِ ﴿ لَمّا ظَلَمُوا ﴾ أيْ حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ والتَّمادِي في الغَيِّ والضَّلالِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا وجَعْلُ لَمّا شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ جَوابٍ هو أهْلَكْناهم بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ ظَلَمُوا ﴾ بِإضْمارِ قَدْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْهم عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن رُسُلِهِمْ دالَّةٌ عَلى إفْراطِهِمْ في الظُّلْمِ وتَناهِيهِمْ في المُكابَرَةِ أيْ ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِها حِينَ لا مَجالَ لِلتَّكْذِيبِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ عَطْفُهُ عَلى ﴿ ظَلَمُوا ﴾ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ مَحَلُّهُ الجَرُّ وذَلِكَ عِنْدَ مَن يَرى إضافَةَ الظَّرْفِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ ولا حاجَةَ إلى هَذا الِاعْتِذارِ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ لَيْسَ مُنْحَصِرًا في التَّكْذِيبِ بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى سائِرِ أنْواعِ الظُّلْمِ، والتَّكْذِيبُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدِهِ لِأنَّ اللّامَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى ﴿ ظَلَمُوا ﴾ ولَيْسَ مِنَ العَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ في شَيْءٍ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ خِلافًا لِلطِّيبِيِّ لِأنَّ الأوْلى إخْبارٌ بِأحْداثِ التَّكْذِيبِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِالإصْرارِ عَلَيْهِ وعَلى الثّانِي عَطْفٌ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ وقِيلَ: اعْتِراضٌ لِلتَّأْكِيدِ بَيْنَ الفِعْلِ وما يَجْرِي مَجْرى مَصْدَرِهِ التَّشْبِيهِيِّ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ فَإنَّ الجَزاءَ المُشارَ إلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ مَصْدَرِهِ أيْ مِثْلَ الجَزاءِ الفَظِيعِ أيِ الإهْلاكِ الشَّدِيدِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ 13﴾ أيْ كُلَّ طائِفَةٍ مُجْرِمَةٍ فَيَشْمَلُ القُرُونَ وجَعْلُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْهم غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ وقُرِئَ (يَجْزِي) بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا مِنَ التَّكَلُّمِ في ﴿ أهْلَكْنا ﴾ إلَيْها وحاصِلُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ وأنَّهم ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ وخِذْلانِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم ويَقْتَصِرُ عَلى الأمْرِ الأوَّلِ في بَيانِ الحاصِلِ عَلى تَقْدِيرِ الِاعْتِراضِ وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَدَلَ الأمْرِ الثّانِي عِلْمَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجَعَلَ بَيانًا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ وفِيهِ ما يَحْتاجُ إلى الكَشْفِ فَتَدَبَّرْهُ، وتَعْلِيلُ عَدَمِ الإيمانِ بِالخِذْلانِ ونَحْوِهِ ظاهِرٌ، وكَلامُ القاضِي صَرِيحٌ في تَعْلِيلِهِ أيْضًا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُنافٍ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وتَكَلَّفَ بَعْضُ الفُضَلاءِ في تَصْحِيحِهِ ما تَكَلَّفَ ولَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: مَعْنى كَوْنِ العِلْمِ تابِعًا لِلْمَعْلُومِ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى في الأزَلِ بِالمَعْلُومِ المُعَيَّنِ الحادِثِ تابِعٌ لِماهِيَّتِهِ بِمَعْنى أنَّ خُصُوصِيَّةَ العِلْمِ وامْتِيازَهُ عَنْ سائِرِ العُلُومِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ الماهِيَّةِ وأمّا وُجُودُ الماهِيَّةِ وفِعْلِيَّتُها فِيما لا يَزالُ فَتابِعٌ لِعِلْمِهِ الأزَلِيِّ التّابِعِ لِماهِيَّتِهِ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَها في الأزَلِ عَلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ لَزِمَ أنْ تَتَحَقَّقَ وتُوجَدَ فِيما لا يَزالُ عَلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ فَنَفْسُ مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمُ إيمانِهِمْ مَتْبُوعٌ لِعِلْمِهِ تَعالى الأزَلِيِّ ووُقُوعُهُ تابِعٌ لَهُ وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ وهو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى وبِهِ يَنْحَلُّ إشْكالاتٌ كَثِيرَةٌ فَلْيُحْفَظْ.

وذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخِ إبْراهِيمَ الكُورانِيِّ أنَّ مَعْنى كَوْنِ العِلْمِ تابِعًا لِلْمَعْلُومِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كاشِفٌ لَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ وبَنى عَلى ذَلِكَ كَوْنَ الماهِيّاتِ ثابِتَةً غَيْرَ مَجْعُولَةٍ في ثُبُوتِها والقَوْلُ بِالتَّبَعِيَّةِ المَذْكُورَةِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ ونازَعَ في ذَلِكَ عَبْدِ الكَرِيمِ الجِيلِيُّ وقالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عُمَرَ البَغْدادِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّ كَوْنَ العِلْمِ تابِعًا لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ إلى حَضْرَةِ الأعْيانِ القَدِيمَةِ الَّتِي أعْطَتِ الحَقَّ العِلْمَ التَّفْصِيلِيَّ بِها وأمّا بِالنَّظَرِ إلى العِلْمِ الإجْمالِيِّ الكُلِّيِّ فالمَعْلُومُ تابِعٌ لِلْعِلْمِ لِأنَّ الحَقَّ تَعالى لَمّا تَجَلّى مِن ذاتِهِ لِذاتِهِ بِالفَيْضِ الأقْدَسِ حَصَلَتِ الأعْيانُ واسْتِعْداداتُها فَلَمْ تَحْصُلْ عَنْ جَهْلٍ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وحِينَئِذٍ فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ والجِيلِيِّ عَلى أنَّهُ إنْ بَقِيَتْ هُناكَ مُخالَفَةٌ فالحَقُّ مَعَ الشَّيْخِ لِأنَّ الجِيلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ نَحْلَةٌ تُدَنْدِنُ حَوْلَ الحِمى والدَّلِيلُ أيْضًا مَعَ الشَّيْخِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ لَكِنَّهُ قَدْ أبْعَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الشَّوْطَ بِقَوْلِهِ: العِلْمُ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ والمَعْلُومُ أنْتَ وأنْتَ هو والبَحْثُ وعْرُ المَسْلَكِ صَعْبُ المُرْتَقى وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ واسْتِفادَةُ مَعْنى العِلْمِ هُنا عَلى ما قِيلَ مِنَ التَّأْكِيدِ الَّذِي أفادَتْهُ اللّامُ وفي الآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ أكِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم وأُولَئِكَ المُهْلَكِينَ مُشْتَرِكُونَ فِيما يَقْتَضِي الإهْلاكَ ويُعْلَمُ مِمّا تَقَرَّرَ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ كانُوا ﴾ لِلْقُرُونِ وهو ظاهِرٌ وجَوَّزَ مُقاتِلٌ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وكَذا جَوَّزَ كَوْنَ المُرادِ بِالقَوْمِ المُجْرِمِينَ أهْلَ مَكَّةَ عَلى طَرِيقَةِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الخِطابِ إيذانًا بِأنَّهم أعْلامٌ في الأجْرامِ وذِكْرُ ﴿ القَوْمَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العَذابَ عَذابُ اسْتِئْصالٍ والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا ظاهِرٌ إذِ المَعْنى يَجْزِيكم مِثْلَ جَزاءِ مَن قَبْلَكم وأمّا عَلى الأوَّلِ فَهو عَلى مِنوالِ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ وأضْرابِهِ وفِيهِ بُعْدٌ أيْضًا بَلْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يَأْباهُ كُلَّ الإباءِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا، يعني: أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا الرسل أقاموا على كفرهم، خوَّف أهل مكة بمثل عذاب الأمم الخالية لكيلا يكذبوا محمداً  .

وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ، يعني: بالآيات بالأمر والنهي.

وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا، يعني: لم يصدقوا الرسل ولم يرغبوا في الإيمان.

ويقال: وما كانوا ليصدقوا بنزول العذاب بما كذبوا من قبل يوم الميثاق.

كَذلِكَ نَجْزِي، يعني: نعاقب الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، يعني: الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فهي تحيَّة موضوعةٌ من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد رَوَى ابنُ القاسِمُ، عن مالكٍ في قوله تعالى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي: هذا السَّلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، واللَّه أعلم.

انتهى.

وقرأ الجمهور «١» : «أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ» ، وهي عند سَيْبَوَيْهِ «٢» «أن» المخفَّفَةُ من الثقيلة قال أبو الفتح: فهي بمنزلة قول الأعْشَى: [البسيط] :

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ...

أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يحفى وينتعل «٣»

وقوله سبحانه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ...

الآية: هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها: فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا ...

الآية، وقيل: إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم:

إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: ٣٢] ، وقيل:

نزلت في قولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا [هود: ٣٢] ، وما جرى مجراه، والعَمَهُ: الخبط في ضلال.

وقوله سبحانه: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ ...

الآية: هذه الآية أيضا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هَذا تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ.

والظُّلْمُ هاهُنا بِمَعْنى الشِّرْكِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عَلى القُرُونِ المُتَقَدِّمَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ألْزَمَهُمُ اللَّهُ تَرْكَ الإيمانِ لِمُعانَدَتِهِمُ الحَقَّ وإيثارِهِمُ الباطِلَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَعَلَ جَزاءَهُمُ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ ما قَدْ عُلِمَ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي ﴾ أيْ: نُعاقِبُ ونُهْلِكُ ﴿ القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وضَرْبُ أمْثالٍ لَهُمْ، أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ فِعْلَكم فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ إخْبارٌ عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ كُفْرِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وغَيْرُهُمْ: "نَجْزِي" بِنُونِ الجَماعَةِ، وفِرْقَةٌ "يَجْزِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يَجْزِي اللهُ، و"خَلائِفُ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "لِنَنْظُرَ" مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ في الوُجُودِ ما عَلِمْناهُ أزَلًا، لَكِنْ جَرى القَوْلُ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ -وَقالَ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ -: "لِنَظُّرَ" بِإدْغامِ النُونِ في الظاءِ.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَنا خُلَفاءَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَمَلُنا فَأرُوا اللهَ حُسْنَ أعْمالِكم في السِرِّ والعَلانِيَةِ"، وكانَ أيْضًا يَقُولُ: "قَدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ"، وأحْيانًا كانَ يَقُولُ: "قَدِ اسْتَخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِهِمْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي هو مِن قِبَلِكَ عَلى اخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمْتَهُ وحَرِّمْ ما حَلَّلْتَهُ لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا وَكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً، فَذَمَّ اللهُ هَذِهِ الصَنْعَةَ وذَكَّرَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا لِلْآياتِ البَيِّناتِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الواضِحِ، وأنْ يَسْتَسْلِمَ ويَتَّبِعَ حُكْمَ اللهِ تَعالى ويُعْلِمَ بِخَوْفِهِ رَبَّهُ، واليَوْمُ العَظِيمُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عاد الخطاب إلى المشركين عودا على بدئه في قوله: ﴿ إن ربكم الله إلى قوله لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ [يونس: 3 5] بمناسبة التماثل بينهم وبين الأمم قبلهم في الغرور بتأخير العذاب عنهم حتى حل بهم الهلاك فجأة.

وهذه الآية تهديد وموعظة بما حل بأمثالهم.

والجملة معطوفة على جملة: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر ﴾ [يونس: 11] بما تضمنته من الإنذار بأن الشر قد ينزل بهم ولكن عذاب الله غير معجل، فضرب لهم مثلاً بما نزل بالأمم من قبلهم فقضَى إليهم بالعذاب أجلُهم وقد كانوا يعرفون أمما منهم أصابهم الاستيصال مثل عاد وثمود وقوم نوح.

ولتوكيد التهديد والوعيد أكدت الجملة بلام القسم وقد التي للتحْقيق.

والإهلاك: الاستيصال والإفناء.

والقرون: جمع قرن وأصله مدة طويلة من الزمان، والمراد به هنا أهل القرون.

وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ﴾ في سورة [الأنعام: 6].

وقوله: من قبلكم} حال من القرون.

و ﴿ لمّا ﴾ اسم زمان بمعنى حين على التحقيق، وتضاف إلى الجملة.

والعرب أكثروا في كلامهم تقديم (لما) في صدر جملتها فأشِمَّت بذلك التقديم رائحة الشرطية فأشبهت الشروط لأنها تضاف إلى جملة فتشبه جملةَ الشرط، ولأن عاملها فعل مُضي فبذلك اقتضت جملتين فأشبهت حروفَ الشرط.

والمعنى: أهلكناهم حينما ظلموا، أي أشركوا وجاءتهم رسلهم بالبينات مثل هود وصالح ولم يؤمنوا.

وجملة: ﴿ وجاءتهم ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ظلموا ﴾ .

والبينات: جمع بينة، وهي الحجة على الصدق، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فقد جاءكم بينة من ربكم ﴾ في سورة [الأنعام: 157].

وجملة: وما كانوا ليؤمنوا } معطوفة عليها.

ومجموع الجمل الثلاث هو ما وُقِّت به الإهلاك ﴿ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ﴾ [القصص: 59].

وعبر عن انتفاء إيمانهم بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفائه إشارة إلى اليأس من إيمانهم.

وجملة: ﴿ كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾ تذييل.

والتعريف في ﴿ القوم المجرمين ﴾ للاستغراق فلذلك عم القرون الماضية وعم المخاطبين، وبذلك كان إنذاراً لقريش بأن ينالهم ما نال أولئك.

والمُراد بالإجرام أقصاه، وهو الشرك.

والقول في ﴿ كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾ كالقول في نظيره آنفاً.

وكذلك ذكر لفظ (القوم) فهو كما في نظيره في هذه السورة وفي البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ دعانا لجنبه ﴾ قال: مضطجعاً.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً ﴾ قال: على كل حال.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: ادع الله يوم سرائك يستجب لك يوم ضرائك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾ \[الآية\] (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ ، قال ابن الأنباري: ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق، وايثارهم الباطل، يدل على هذا قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ (٣) وقال أبو إسحاق (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [قال: وجائز أن يكون أعلم (٩) (١٠) (١١) (١٢)  كما فعلنا بمن قبلهم.

(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 8 أ، والبغوي 4/ 125، والسمرقندي 2/ 91، وأصل القول لمقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 138 ب.

(٣) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 330، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 540.

(٤) في (ى): (ابن عباس)، وهو خطأ.

(٥) هكذا، وهو صحيح كما في "اللسان" (بقى) 1/ 330، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 281، واللفظ في المصدر: أبقاهم.

(٦) في جميع النسخ (كذبوا به)، وهو خطأ.

(٧) رقم: 101، وبقيتها: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴾ .

(٨) في (م): (وقوله)، وهو خطأ.

(٩) في (ى): (أعلمهم).

(١٠) أي أن الله سبحانه علم موتهم على الكفر فأخبر في هذه الآية بذلك.

(١١) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 10، وقد قدم المؤلف بعض الجمل على بعض.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون ﴾ إخبار ضمنه وعيد للكفار ﴿ لِنَنظُرَ ﴾ معناه ليظهر في الوجود فتقوم عليكم الحجة به ﴿ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ﴾ يعني على قريش ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي ما تلوته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده وما هو من عندي ﴿ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي ولا أعلمكم به ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ ﴾ أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ تنصل من الافتراء على الله، وبيان لبراءته صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، وإشارة إلى كذبهم على الله في نسبة الشركاء له ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآياته ﴾ بيان لظلمهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ﴾ : فإن قيل: قد أهلك من قد ظلم ومن لم يظلم، فما يعلم من أهلك من الظلمة أنه إنما أهلكهم لظلمهم، أو أهلك لصلاح من لم يظلم.

قيل: إنه أهلك الظلمة إهلاك استئصال وعقوبة، وأهلك من لم يظلم لا إهلاك عقوبة واستئصال، إنما هو إهلاك بآجالهم التي جعل لهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ : إنما أهلك أولئك بسؤالهم الذي سألوا سؤال تعنت رسلهم الآيات، فإذا جاءوا بتلك الآيات كذبوها، فأهلكوا عند ذلك، فأنتم يا أهل مكة إذا سألتم رسولكم الآية ثم كذبتموها، يعذبكم كما عذب أولئك؛ إذ من حكمه الإهلاك على أثر السؤال، كأنه ينهى أهل مكة عن سؤال الآيات، فإن على إثره الإهلاك إذا لم يقبلوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يحتمل البينات التي تبين ما يؤتى وما يتقى، وقد ذكرناها في غير موضع.

﴿ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ : يخبر رسوله أنهم وإن سألوك الآيات فإذا جئت بها فإنهم لا يؤمنون، يعني: أهل مكة.

﴿ كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ : كل مجرم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ خَلاَئِفَ ﴾ أي: جعل أنفسكم خلف أنفس أولئك الذين لم يهلكهم، يخرج هذا مخرج تذكير النعمة والامتنان والرحمة، يذكرهم أنه لو شاء أهلك الكل، فلا يكون هؤلاء خلف أولئك، ولكن بفضله ورحمته أبقاكم.

ويحتمل قوله: ﴿ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ ﴾ [أولئك في المحنة والعبادة أي: جعل عليكم من المحنة والعبادة كما كان على آبائكم من المحنة والعبادة.

ويشبه أن يكون قوله جعلناكم خلائف] الذين لم يظلموا، فكيف لا تتبعونهم، لأن الذين ظلموا قد أهلكتهم، فأنتم خلائف أولئك الذين لم يظلموا ولم يكذبوا الرسل، فكيف لا تتبعونهم كأنهم ادعوا أن آباءهم كانوا على ما هم عليه، وأنهم على مذاهب آبائهم، يقول: جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم، أي: لست أنا بأول رسول أرسلت إليكم، بل لم يزل الله [يرسل رسلاً] في الأمم، فكان فيهم لهم أتباع يتبعون رسلهم إلى ما يدعونهم إليه ويجيبونهم، فاتبعوني أنتم يا أهل مكة فيما دعيتم إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ : لم يزل الله  عالماً بما كان ويكون منهم من المعصية والطاعة، ولكن ليعلمهم عصاة ومطيعين؛ لأن المعصية إنما تكون بعد ما يكون النهي والطاعة إنما تكون بالأمر فيبتليكم فيعلمكم عصاة كما علم أنه يكون منكم معصية ويعلمكم مطيعين كما علم أنه يكون منكم الطاعة، وقد ذكرنا أمثال هذا فيما تقدم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أهلكنا الأمم من قبلكم -أيها المشركون- لتكذيبهم برسل الله وارتكابهم المعاصي، وقد جاءتهم رسلهم الذين أرسلناهم إليهم بالبراهين الواضحة الدالة على صدقهم فيما جاؤوا به من عند ربهم، فما استقام لهم أن يؤمنوا؛ لعدم استعدادهم للإيمان، فخذلهم الله، ولم يوفقهم له، كما جازينا تلك الأمم الظالمة نجزي أمثالهم في كل زمان ومكان.

<div class="verse-tafsir" id="91.Z8mG2"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله