الآية ١ من سورة الكافرون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 109 الكافرون > الآية ١ من سورة الكافرون

قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الكافرون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١ من سورة الكافرون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة قل يا أيها الكافرون وهي مكية .

ثبت في صحيح مسلم ، عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهذه السورة ، وب " قل هو الله أحد " في ركعتي الطواف .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في ركعتي الفجر .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ، بضعا وعشرين مرة - أو : بضع عشرة مرة - " قل يا أيها الكافرون " و " قل هو الله أحد " .

وقال أحمد أيضا : حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين - أو : خمسا وعشرين - مرة ، يقرأ في الركعتين قبل الفجر ، والركعتين بعد المغرب ب " قل يا أيها الكافرون " و " قل هو الله أحد " .

وقال أحمد : حدثنا أبو أحمد - هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري - ، حدثنا سفيان - هو الثوري - ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد عن ابن عمر قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا ، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر ب " قل يا أيها الكافرون " و " قل هو الله أحد " .

وكذا رواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث أبي أحمد الزبيري ، وأخرجه النسائي من وجه آخر ، عن أبي إسحاق به ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن .

وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن ، و " إذا زلزلت " تعدل ربع القرآن .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق عن فروة ابن نوفل - هو ابن معاوية - عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " هل لك في ربيبة لنا تكفلها ؟

" قال : أراها زينب .

قال : ثم جاء فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عنها ، قال : " ما فعلت الجارية ؟

" قال : تركتها عند أمها .

قال : " فمجيء ما جاء بك ؟

" قال : جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي .

قال : " اقرأ : " قل يا أيها الكافرون " ثم نم على خاتمتها ، فإنها براءة من الشرك " .

تفرد به أحمد .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عمرو القطراني ، حدثنا محمد بن الطفيل ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن جبلة بن حارثة - وهو أخو زيد بن حارثة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أويت إلى فراشك فاقرأ : " قل يا أيها الكافرون " حتى تمر بآخرها ، فإنها براءة من الشرك " [ والله أعلم وهو حسبي ونعم الوكيل ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن فروة بن نوفل عن الحارث بن جبلة قال : قلت : يا رسول الله ، علمني شيئا أقوله عند منامي .

قال : " إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ : " قل يا أيها الكافرون " فإنها براءة من الشرك " .

وروى الطبراني من طريق شريك ، عن جابر ، عن معقل الزبيدي ، عن [ عباد أبي الأخضر ، عن خباب ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه قرأ : " قل يا أيها الكافرون " حتى يختمها .

هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون ، وهي آمرة بالإخلاص فيه ، فقوله : ( قل يا أيها الكافرون ) شمل كل كافر على وجه الأرض ، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش .

وقيل : إنهم من جهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة ، ويعبدون معبوده سنة ، فأنزل الله هذه السورة ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة, على أن يعبد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة, فأنـزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ( قُلْ ) يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة, على أن يعبدوا إلهك سنة ( يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) بالله ( لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) من الآلهة والأوثان الآن ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) الآن ( وَلا أَنَا عَابِدٌ ) فيما أستقبل ( مَا عَبَدْتُمْ ) فيما مضى ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ ) فيما تستقبلون أبدا( مَا أَعْبُدُ ) أنا الآن, وفيما أستقبل.

وإنما قيل ذلك كذلك, لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين, قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا , وسبق لهم ذلك في السابق من علمه, فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه, وحدّثوا به أنفسهم, وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم, في وقت من الأوقات, وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم, ومن أن يفلحوا أبدا, فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا, إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف, وهلك بعض قبل ذلك كافرا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وجاءت به الآثار.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن موسى الحَرشي, قال: ثنا أبو خلف, قال: ثنا داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة, ويزّوجوه ما أراد من النساء, ويطئوا عقبه, فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد, وكفّ عن شتم آلهتنا, فلا تذكرها بسوء, فإن لم تفعل, فإنا نعرض عليك خصلة واحدة, فهي لك ولنا فيها صلاح.

قال: " ما هي؟" قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى, ونعبد إلهك سنة, قال: " حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي", فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) السورة, وأنـزل الله: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ...

إلى قوله: فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ .

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن عُلَية, عن محمد بن إسحاق, قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري (1) قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل, والأسود بن المطلب, وأميَّة بن خلف, رسول الله, فقالوا: يا محمد, هلمّ فلنعبد ما تعبد, وتعبدْ ما نعبد, ونُشركك في أمرنا كله, فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه, وأخذنا بحظنا منه; وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك, كنت قد شَرِكتنا في أمرنا, وأخذت منه بحظك, فأنـزل الله: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) حتى انقضت السورة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الكافرونوهي ست آياتوهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة .

ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك وفي الترمذي من حديث أنس : أنها تعدل ثلث القرآن .

وفي كتاب ( الرد لأبي بكر الأنباري ) : أخبرنا عبد الله بن ناجية قال : حدثنا يوسف قال حدثنا القعنبي وأبو نعيم عن موسى بن وردان عن أنس ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قل يأيها الكافرون تعدل ربع القرآن .

ورواه موقوفا عن أنس .

وخرج الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد عن ابن عمر قال : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه صلاة الفجر في سفر ، فقرأ قل يأيها الكافرون .

و قل هو الله أحد ، ثم قال : قرأت بكم ثلث القرآن وربعه .

وروى جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا " ؟

قلت : نعم .

قال : " فاقرأ هذه السور الخمس من أول قل يا أيها الكافرون إلى - قل أعوذ برب الناس وافتتح قراءتك ببسم الله الرحمن الرحيم " .

قال : فوالله لقد كنت غير كثير المال ، إذا سافرت أكون أبذهم هيئة ، وأقلهم زادا ، فمذ قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة ، وأكثرهم زادا ، حتى أرجع من سفري ذلك .

وقال فروة بن نوفل الأشجعي : قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أوصني قال : " اقرأ عند منامك قل يأيها الكافرون ، فإنها براءة من الشرك " .

خرجه أبو بكر [ ص: 200 ] الأنباري وغيره .

وقال ابن عباس : ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها ؛ لأنها توحيد وبراءة من الشرك .

وقال الأصمعي : كان يقال لـ قل يأيها الكافرون ، وقل هو الله أحد المقشقشتان ؛ أي أنهما تبرئان من النفاق .

وقال أبو عبيدة : كما يقشقش الهناء الجرب فيبرئه .

وقال ابن السكيت : يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف ، وللجرب في الإبل إذا قفل : قد توسف جلده ، وتقشر جلده ، وتقشقش جلده .بسم الله الرحمن الرحيمقل يا أيها الكافرون ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس : أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ؛ لقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا ، كنا قد شاركناك فيه ، وأخذنا بحظنا منه .

وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك ، كنت قد شركتنا في أمرنا ، وأخذت بحظك منه ؛ فأنزل الله - عز وجل - قل يا أيها الكافرون .وقال أبو صالح عن ابن عباس : أنهم قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك ؛ فنزل جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه السورة فيئسوا منه ، وآذوه ، وآذوا أصحابه .

والألف واللام ترجع إلى معنى المعهود وإن كانت للجنس من حيث إنها كانت صفة لأي ؛ لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كفره ، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم .

ونحوه عن الماوردي : نزلت جوابا ، وعنى بالكافرين قوما معينين .

لا جميع الكافرين ؛ لأن منهم من آمن ، فعبد الله ، ومنهم من مات أو قتل على كفره .

، وهم المخاطبون بهذا القول ، وهم المذكورون .

قال أبو بكر بن الأنباري : وقرأ من طعن في القرآن : قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون ، وزعم أن ذلك هو الصواب ، وذلك افتراء على رب العالمين ، وتضعيف لمعنى هذه السورة ، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين بخطابه إياهم [ ص: 201 ] بهذا الخطاب الزري ، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لب وحجا .

وذلك أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل ، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى ، وتزيد تأويلا ليس عندهم في باطلهم وتحريفهم .

فمعنى قراءتنا : قل للذين كفروا : يأيها الكافرون ؛ دليل صحة هذا : أن العربي إذا قال لمخاطبه : قل لزيد : أقبل إلينا ، فمعناه قل لزيد : يا زيد أقبل إلينا .

فقد وقعت قراءتنا على كل ما عندهم ، وسقط من باطلهم أحسن لفظ وأبلغ معنى ؛ إذ كان الرسول - عليه السلام - يعتمدهم في ناديهم ، فيقول لهم : يأيها الكافرون .

وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر ، ويدخلوا في جملة أهله إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد ، أو تقع به من جهتهم أذية .

فمن لم يقرأ : قل يأيها الكافرون ، كما أنزلها الله ، أسقط آية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وسبيل أهل الإسلام ألا يسارعوا إلى مثلها ، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه ، التي منحه الله إياها ، وشرفه بها .وأما وجه التكرار فقد قيل إنه للتأكيد في قطع أطماعهم ؛ كما تقول : والله لا أفعل كذا ، ثم والله لا أفعله .

قال أكثر أهل المعاني : نزل القرآن بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز ؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد ؛ قال الله تعالى : فبأي آلاء ربكما تكذبان .

ويل يومئذ للمكذبين .

كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون .

و فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا .

كل هذا على التأكيد .

وقد يقول القائل : ارم ارم ، أعجل أعجل ؛ ومنه قوله - عليه السلام - في الحديث الصحيح : فلا آذن ، ثم لا آذن ، إنما فاطمة بضعة مني .

خرجه مسلم .

وقال الشاعر :هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أيناوقال آخر :يا لبكر أنشروا لي كليبا يا لبكر أين أين الفراروقال آخر :يا علقمه يا علقمه يا علقمه خير تميم كلها وأكرمه[ ص: 202 ] وقال آخر :يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرعوقال آخر :ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ثلاث تحيات وإن لم تكلمومثله كثير .

وقيل : هذا على مطابقة قولهم : تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، ثم نعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، فنجري على هذا أبدا سنة وسنة .

فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده ؛ أي إن هذا لا يكون أبدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل للكافرين معلنا ومصرحًا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( قل يا أيها الكافرون ) إلى آخر السورة .

نزلت في رهط من قريش منهم : الحارث بن قيس السهمي ، والعاص بن وائل ، والوليد بن المغيرة ، [ والأسود ] بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب بن أسد ، وأمية بن خلف ، قالوا : يا محمد [ هلم فاتبع ] ديننا ونتبع دينك ونشركك في أمرنا كله ، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه وأخذنا حظنا منه ، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه ، فقال : معاذ الله أن أشرك به غيره ، قالوا : فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك ، فقال : حتى أنظر ما يأتي من عند ربي ، فأنزل الله - عز وجل - : " قل يا أيها الكافرون " إلى آخر السورة ، فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش ، فقام على رءوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة ، فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل يا أيها الكافرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- للذين كفروا بالله ورسوله: يا أيها الكافرون بالله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين جاؤوك ليساوموك على أن تعبد آلهتهم مدة ، وهم يعبدون إلهك مدة أخرى .

.

قل لهم على سبيل الحزم والتأكيد " لا أعبد " أنا الذى تعبدونه من آلهة باطلة ، ولا أنتم عابدون الإِله الحق الذى أعبده ، لجهلكم وجحودكم .

وعكوفكم على ما كان عليه آباؤكم من ضلال .وافتتحت السورة الكريمة بفعل الأمر " قل " للاهتمام لما سيأتى بعده من كلام المقصود منه إبلاغه إليهم ، وتكليفهم بالعمل به .ونودوا بوصف الكافرين ، لأنهم كانوا كذلك ، ولأن فى هذا النداء تحقيرا واستخفافا بهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله تعالى: فيه فوائد: أحدهما: أنه عليه السلام كان مأموراً بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال: ﴿ قل ﴾ ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضاً غليظ القلب لانفضوا من حولك  ﴾ ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم  ﴾ ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين  ﴾ ثم كان مأموراً بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن: ﴿ وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ ولما كان الأمر كذلك، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون: كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله: قل تقرير هذا المعنى.

وثانيها: أنه لما قيل له: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين  ﴾ وهو كان يحب أقرباءه لقوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى  ﴾ فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له: ﴿ قُلْ ﴾ .

وثالثها: أنه لما قيل له: ﴿ يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  ﴾ فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال الله تعالى له: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال: إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله: ﴿ قُلْ ياأيها الكافرون ﴾ فأنا أيضاً أبلغه إلى الخلق هكذا.

ورابعها: أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم، على ما قال تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ والعبد يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء: ﴿ يا أيها الكافرون ﴾ لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه.

أما لما سمعوا قوله: ﴿ قُلْ ﴾ علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به.

وخامسها: أن قوله: ﴿ قُلْ ﴾ يوجب كونه رسولاً من عند الله، فكلما قيل له: ﴿ قُلْ ﴾ كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته، وذلك يقتضي المبالغة في تعظيم الرسول، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده، فإذا كان يكتب له كل شهر وسنة منشوراً جديداً دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه، وأنه على عزم أن يزيده كل يوم تعظيماً وتشريفاً.

وسادسها: أن الكفار لما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتبعد آلتنا سنة، فكأنه عليه السلام قال: استأمرت إليه فيه.

فقال: ﴿ قُلْ ياأيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ .

وسابعها: الكفار قالوا فيه السوء، فهو تعالى زجرهم عن ذلك، وأجابهم وقال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر  ﴾ وكأنه تعالى قال: حين ذكروك بسوء، فأنا كنت المجيب بنفسي، فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء، فكن أنت المجيب: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تعبدون ﴾ .

وثامنها: أنهم سموك أبتر، فإن شئت أن تستوفي منهم القصاص، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقاً فيه: ﴿ قُلْ يا أيهالكافرون ﴾ لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما هو فعلهم.

وتاسعها: أن بتقدير أن تقول: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدونه، والكفار يقولون: هذا كلام ربك أم كلامك، فإن كان كلام ربك فربك يقول: أنا لا أعبد هذه الأصنام، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما نطلبها منك، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه الأصنام، فلم قلت: إن ربك هو الذي أمرك بذلك، أما لما قال: قل، سقط هذا الاعتراض لأن قوله: ﴿ قُلْ ﴾ يدل على أنه مأمور من عند الله تعالى بأن لا يعبدها ويتبرأ منها.

وعاشرها: أنه لو أنزل قوله: ﴿ يا أيها الكافرون ﴾ لكان يقرؤها عليهم لا محالة، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما قال: ﴿ قُلْ ﴾ كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم، والتأكيد يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم.

فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش.

الحادي عشر: كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف، أما الآن لما قوينا قلبك بقولنا: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ وبقولنا: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ فلا تبال بهم ولا تلتفت إليهم و: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ .

الثاني عشر: أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار، إنه تعالى لا يكلمهم، فلو قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون ﴾ لكان ذلك من حيث إنه خطاب مشافهة يوجب التعظيم، ومن حيث إنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر الإيذاء بالإكرام، أما لما قال: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ فحينئذ يرجع تشريف المخاطبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وترجع الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار، فيحصل فيه تعظيم الأولياء، وإهانة الأعداء، وذلك هو النهاية في الحسن.

الثالث عشر: أن محمداً عليه السلام كان منهم، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم، وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب، والأب الذي يكون في غاية الشفقة بولده، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ثم إنه يصف ولده بعيب عظيم فالولد إن كان عاقلاً يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا لصدقه في ذلك ولأنه بلغ مبلغاً لا يقدر على إخفائه، فقال تعالى: قل يا محمد لهم: أيها الكافرون ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهم موصوفون بهذه الصفة القبيحة، فربما يصير ذلك داعياً لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها.

الرابع عشر: أن الإيذاء والايحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم، ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم: يا أيها الكافرون فلعله يصعب ذلك الكلام عليهم، فيصير ذلك داعياً لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر.

الخامس عشر: كأنه تعالى يقول: ألسنا بينا في سورة: ﴿ والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ وفي سورة الكوثر: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر ﴾ وأتيت بالإيمان والأعمال الصالحات، بمقتضى قولنا: ﴿ فَصَلّ لِرَبّكَ وانحر ﴾ بقي عليك التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير الله، فقل: قل ياأيها الكافرون.

السادس عشر: كأنه تعالى يقول: يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة، قال الكافرون: إنه ودعه ربه وقلاه، فشق عليك ذلك غاية المشقة، حتى أنزلت عليك السورة، وأقسمت بالضحى: والليل إذا سجى أنه ما ودعك ربك وما قلى فلما لم تستجز أن أتركك شهراً ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه: ما ودعك ربك وما قلى أفتستجيز أن تتركني شهراً وتشتغل بعبادة آلهتهم فلما ناديت بنفي تلك التهمة، فناد أنت أيضاً في العالم بنفي هذه التهمة و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

السابع عشر: لما سألوا منه أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئاً، لا لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقاً، فإنه كان قاطعاً بفساد ما قالوه لكنه عليه السلام، توقف في أنه بماذا يجيبهم؟

أبأن يقيم الدلائل العقلية على امتناع ذلك أو بأن يزجرهم بالسيف أو بأن ينزل الله عليهم عذاباً، فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا: إن محمداً مال إلى ديننا، فكأنه تعالى قال: يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ولكنه أوهم باطلاً، فتدارك إزالة ذلك الباطل، وصرح بما هو الحق و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الثامن عشر: أنه عليه السلام لما قال له ربه ليلة المعراج: أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية فقال: لا أحصي ثناء عليك، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه قيل له: إن سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و: قل يا أيها الكافرون حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله، وفيه تقرير آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل: هاهنا حتى إن هيبة قولك تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار.

التاسع عشر: لو قال له: لا تعبد ما يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أما لما أمره بأن يقول بلسانه: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو فعل ذلك لصار كلامه كذباً، فثبت أنه لما قال له قل: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ فلزمه أن يكون منكراً لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه.

ولو قال له: لا تعبد ما يعبدون لزمه تركه، أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان، ومن المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله له: ﴿ قُلْ ﴾ يقتضي المبالغة في الأنكار، فلهذا قال: ﴿ .....

لاَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ .

العشرون: ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين فاجعل لفظك جنة للموحدين وناراً للمشركين و: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ .

الحادي والعشرون: أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال: إن شافهتهم بالرد تأذوا، وحصلت النفرة عن الإسلام في قلوبهم، فكأنه تعالى قال له: يا محمد لم سكت عن الرد، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك، فلا حاجة بك في هذا المعنى إليهم: فإِنا أعطينك الكوثر وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك الخوف بقولنا: ﴿ إنَاْ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر ﴾ فلا تلتفت إليهم، ولا تبال بكلامهم، وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الثاني والعشرون: أنسيت يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي، فقلت: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين  ﴾ فقدمت أهل الكتاب في الكفر على المشركين لأن طعن أهل الكتاب فيك وطعن المشركين في، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على المشركين، وأنت أيضاً هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت: اللهم أهد قومي ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت: اللهم املأ بطونهم ناراً فهاهنا أيضاً قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفاً منهم، أو لست خائفاً منهم فأظهر إنكار قولهم: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الثالث والعشرون: كأنه تعالى يقول: قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة إلى هذه الواقعة، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئاً ولا تظهره بلسانك، بل قلت لك على سبيل العتاب: ﴿ وَتُخْفِى فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  ﴾ فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة الحقيرة إلا بالإظهار، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه المسألة، وهي أعظم المسائل خطراً بالسكوت، قل بصريح لسانك: يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الرابع والعشرون: يا محمد ألست قلت لك: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً  ﴾ ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره، بل الرسالة له لا لغيره حيث قلت: ﴿ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين  ﴾ فأنت مع علمك بأنه يستحيل عقلاً أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في العالمين بنفي هذه الشركة.

فقل: وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الخامس والعشرون: كأنه تعالى يقول: القوم جاؤك وأطمعوك في متابعتهم لك ومتابعتك لدينهم فسكت عن الإنكار والرد، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة معي حيث قلت: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله  ﴾ وجعلت متابعتك متابعة لي حيث قلت: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله  ﴾ ثم إني ناديت في العالمين وقلت: ﴿ أَنَّ الله بَرِئ منَ المشركين وَرَسُولُهُ  ﴾ فصرح أنت أيضاً بذلك، و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

السادس والعشرون: كأنه تعالى يقول: ألست أرأف بك من الولد بولده، ثم العرى والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب، كيف والجوع لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم عارون عن التقوى، فقد جربتني، ألم أجدك يتيماً وضالاً وعائلاً، ألم نشرح لك صدرك، ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة، وبعلي علماً، ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك، ألم أكف أسلافك رحلة الشتاء والصيف، ألم أعطك الكوثر، ألم أضمن أن خصمك أبتر، ألم يقل جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَالاً يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً  ﴾ فصرح بالبراءة عنها و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

السابع والعشرون: كأنه تعالى يقول: يا محمد ألست قد أنزلت عليك: ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا  ﴾ ثم إن واحداً لو نسبك إلى والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه، حتى قلت: ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح فإذا لم تسكت عند التشريك في الولادة، فكيف سكت عند التشريك في العبادة!

بل أظهر الإنكار، وبالغ في التصريح به، و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الثامن والعشرون: كأنه تعالى يقول يا محمد ألست قد أنزلت عليك: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يخلق عْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ  ﴾ فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن الجماد في المعبودية لا يكون عاقلاً بل يكون مجنوناً، ثم إني أقسمت وقلت: ﴿ نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ  مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ  ﴾ والكفار يقولون: إنك مجنون، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براءتي عن عيب الشرك، وبراءتك عن عيب الجنون و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

التاسع والعشرون: أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة، والمشاركة في الاسم لا توجب المشاركة في المعنى، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان في الإنسانية حقيقة، ثم القيمية كلها حظ الزوج لأنه أعلم وأقدر، ثم من كان أعلم وأقدر كان له كل الحق في القيمية، فمن لا قدرة له ولا علم ألبتة كيف يكون له حق في القيومية، بل هاهنا شيء آخر: وهو أن امرأة لو ادعاها رجلان فاصطلحا عليها لا يجوز، ولو أقام كل واحد منها بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد منهما، والجارية بين إثنين لا تحل لواحد منهما، فإذا لم يجز حصول زوجة لزوجين، ولا أمة بين موليين في حل الوطء فكيف يعقل عابد واحد بين معبودينا بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهراً، ثم الثاني شهراً آخر كان كافراً، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون كافراً فكأنه تعالى يقول لرسوله: إن هذه المقالة في غاية القبح فصرح بالإنكار وقل: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الثلاثون: كأنه تعالى يقول أنسيت أني لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك: ﴿ قُل لازواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا  وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا  ﴾ ثم خشيت من عائشة أن تختار الدنيا، فقلت لها: لا تقولي شيئاً حتى تستأمري أبويك، فقالت: أفي هذا استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرةا فناقصة العقل ما توقفت فيما يخالف رضاي أتتوقف فيما يخالف رضاي وأمري مع أني جبار السموات والأرض: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ .

الحادي والثلاثون: كأنه تعالى يقول: يا محمد ألست أنت الذي قلت: من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يوقفن مواقف التهم، وحتى أن بعض المشايخ قال لمريده الذي يريد أن يفارقه: لا تخاف السلطان قال: ولم؟

قال: لأنه يوقع الناس في أحد الخطأين، وإما أن يعتقدوا أن السلطان متدين، لأنه يخالطه العالم الزاهد، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله، وكلاهما خطأ، فإذا ثبت أنه يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجر إليك تهمة الرضا بذلك، لاسيما وقد سبق أن الشيطان ألقى فيما بين قراءتك تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجي، فأزل عن نفسك هذه التهمة: وقل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الثاني والثلاثون: الحقوق في الشاهد نوعان حق من أنت تحت يده، وهو مولاك، وحق من هو تحت يدك وهو الولد، ثم أجمعنا على أن خدمة المولى مقدمة على تربية الولد، فإذا كان حق المولى المجازي مقدماً، فبأن يكون حق المولى الحقيقي مقدماً كان أولى، ثم روي أن علياً عليه السلام إستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في التزوج بابنة أبي جهل فضجر وقال: لا آذن لا آذن لا آذن إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويسرني ما يسرها والله لا يجمع بين بنت عدو الله، وبنت حبيب الله، فكأنه تعالى يقول: صرحت هناك بالرد وكررته على سبيل المبالغة رعاية لحق الولد، فهاهنا أولى أن تصرح بالرد، وتكرره رعاية لحق المولى فقل: ﴿ يا أيها الكافرين لا أعبد ما تعبدون ﴾ ولا أجمع في القلب بين طاعة الحبيب وطاعة العدو.

الثالث والثلاثون: يا محمد ألست قلت لعمر: رأيت قصراً في الجنة، فقلت: لمن؟

فقيل: لفتى من قريش، فقلت: من هو، فقالوا: عمر فخشيت غيرتك فلم أدخلها حتى قال عمر: أو أغار عليك يا رسول الله، فكأنه تعالى قال: خشيت غيرة عمر فما دخلت قصره أفما تخشى غيرتي في أن تدخل قلبك طاعة غيري، ثم هناك أظهرت الامتناع فهاهنا أيضاً أظهر الامتناع و: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الرابع والثلاثون: أترى أن نعمتي عليك دون نعمة الوالدة، ألم أربك؟

ألم أخلقك؟

ألم أرزقك؟

ألم أعطك الحياة والقدرة والعقل والهداية والتوفيق؟

ثم حين كنت طفلاً عديم العقل وعرفت تربية الأم فلو أخذتك امرأة أجمل وأحسن وأكرم من أمك لأظهرت النفرة ولبكيت ولو أعطتك الثدي لسددت فمك تقول لا أريد غير الأم لأنها أول المنعم علي، فهاهنا أولى أن تظهر النفرة فتقول: لا أعبد سوى ربي لأنه أول منعم علي فقل: ﴿ يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ .

الخامس والثلاثون: نعمة الإطعام دون نعمة العقل والنبوة، ثم قد عرفت أن الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعهما فكيف يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان فكيف في حق أفضل الخلق: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ .

السادس والثلاثون: مذهب الشافعي أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلاً بها، لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً فبتقدير أن كنت متصلاً بها، كان يجب أن تنفصل عنها وتتركها، فكيف وما كنت متصلاً بها أيليق بك أن تقرب الاتصال بها قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

السابع والثلاثون: هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به الغني وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة فقل: يا محمد لي إله واحد أقوم له في الليل وأصوم له في النهار، ثم بعد لم أتفرغ من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.

الثامن والثلاثون: أن مريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام: ﴿ قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً  ﴾ فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كمال رجوليتك أن تميل إلى الأصنام: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون.

التاسع والثلاثون: مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارئة يقول: لأنه كان قيماً فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب فالحق سبحانه يقول: كنت قيماً ولم أتعيب، فكيف يجوز الإعراض عني: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون.

الأربعون: هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن الله خالقهم: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والارض لَيَقُولُنَّ الله  ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الارض  ﴾ فكأنه تعالى يقول: هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل، لأن البذر مني والتربية والسقي مني، والحفظ مني، فأي شيء للصنم، أو شركة الوجوه وذلك أيضاً باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهوراً مني، أو شركة الأبدان وذلك أيضاً باطل، ون ذلك يستدعي الجنسية، أو شركة العنان، وذلك أيضاً باطل، لأنه لابد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام، أو يقول ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيباً من الملك، فكأن الرب يقول: ما أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزاً من الذبابة: ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً  ﴾ فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض، فالتربية والسقي والحفظ مني.

ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيباً مني، ما هذا بقول يليق بالعقلاء: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون.

الحادي والأربعون: أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات وأما الدعاة إلى معرفة أحكام الله فهم الأنبياء عليهم السلام، ولما كان كل بق وبعوضة داعياً إلى معرفة الذاتي والصفات قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا  ﴾ ، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله بحسب تركيبها العجيب تدعوا إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة الله، فكأنه تعالى يقول: مثل هذا الشيء كيف يتسحيا منه، روي أن عمر رضي الله عنه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشاً وحمله بنفسه فرآه علي من بعيد فتنكب علي عن الطريق فاستقبله عمر وقال له: لم تنكبت عن الطريق؟

فقال علي: حتى لا تستحي، فقال: وكيف أستحي من حمل ما هو غذائي!

فكأنه تعالى يقول: إذا كان عمر لا يستحي من الكرش الذي هو غذاؤه في الدنيا فكيف أستحي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك، ثم كأنه تعالى يقول: يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا تصرح بالرد عليهم: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون وإن فرعون لما ادعى الإلهية فجبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفاً فلست أضعف من بعوضة نمروذ، وإن كنت قوياً فلست أقوى من جبريل، فأظهر الإنكار عليهم و: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون.

الثاني والأربعون: كأنه تعالى يقول يا محمد: قل بلسانك لا أعبد ما تعبدون واتركه قرضاً علي فإني أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه، ألا ترى أن النصراني إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله فأقول أنا لا أكتفي بهذا مالم تصرح بالبراءة عن النصرانية، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت أيضاً أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيري فقل: يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون.

الثالث والأربعون: أن موسى عليه السلام كان في طبعه الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً  ﴾ وأما محمد عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيهاً على أنه في غاية الرحمة، فقيل له: قل يا أيها الكافون لا أعبد ما تعبدون.

أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ ياْ أَيُّهَا ﴾ ، قد تقدم القول فيها في مواضع، والذي نزيده هاهنا، أنه روي عن علي عليه السلام أنه قال: يا نداء النفس وأي نداء القلب، وها نداء الروح، وقيل: يا نداء الغائب وأي للحاضر، وها للتنبيه، كأنه يقول: أدعوك ثلاثاً ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك الخفي، ومنهم من قال: أنه تعالى جمع بين يا الذي هو للبعيد، وأي الذي هو للقريب، كأنه تعالى يقول: معاملتك معي وفرارك عني يوجب البعد البعيد، لكن إحساني إليك، ووصول نعمتي إليك توجب القرب القريب: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ وإنما قدم يا الذي يوجب البعد على أي الذي يوجب القرب، كأنه يقول: التقصير منك والتوفيق مني، ثم ذكرها بعد ذلك لأن ما يوجب البعد الذي هو كالموت وأي يوجب القرب الذي هو كالحياة، فلما حصلا حصلت حالة متوسطة بين الحياة والموت، وتلك الحالة هي النوم، والنائم لابد وأن ينبه وها كلمة تنبيه، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف.

المسألة الثانية: روي في سبب نزول هذه السورة أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، قالوا لرسول الله تعالى: حتى نعبد إلهك مدة، وتعبد آلهتنا مدة، فيحصل مصلح بيننا وبينك، وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً، فنزلت هذه السورة ونزل أيضاً قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون  ﴾ فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر، واعلم أن الجهل كالشجرة، والكفر كالثمرة، فلما نزلت السورة وقرأها على رؤوسهم شتموه وأيسوا منه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لم ذكرهم في هذه السورة بالكافرين، وفي الأخرى بالجاهلين؟

الجواب: لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم، فلابد وأن تكون المبالغة هاهنا أشد، وليس في الدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر، وذلك لأنه صفة ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقاً أو مقيداً، أما لفظ الجهل فإنه عند التقييد قد لا يذم، كقوله عليه السلام في علم الأنساب: علم لا ينفع وجهل لا يضر.

السؤال الثاني: لما قال تعالى في سورة: (لم تحرم) ﴿ يا أيها الذين كفروا  ﴾ ، ولم يذكر قل، وهاهنا ذكر قل، وذكره باسم الفاعل والجواب: الآية المذكورة في سورة لم تحرم: إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول رسولاً إليهم فأزال الواسطة وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين.

فلذلك ذكره بلفظ الماضي، وأما هاهنا فهم كانوا موصوفين بالكفر، وكان الرسول رسولاً إليهم، فلا جرم قال: ﴿ قُلْ ياأيها الكافرون ﴾ .

السؤال الثالث: قوله هاهنا: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ خطاب مع الكل أو مع البعض؟

الجواب: لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ خطاباً مع الكل، لأن في الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ ولا يجوز أيضاً أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ خطاباً مع الكل، لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد الله فإذن وجب أن يقال: إن قوله: ﴿ با أيها الكافرون ﴾ خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمنا ذلك، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.

روي أنّ رهطاً من قريش قالوا: يا محمد، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: «معاذ الله أن أشرك بالله غيره» فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت؛ فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرآها عليهم.

فأيسوا.

﴿ لاَ أَعْبُدُ ﴾ أريدت به العبادة فيما يستقبل، لأنّ (لا) لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن (ما) لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الحال، ألا ترى أن (لن) تأكيد فيما تنفيه (لا).

وقال الخليل في (لن): أنّ أصله (لا أن) والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ أي: وما كنت قطّ عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه يعني: لم تعهد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.

فإن قلت: فهلا قيل: ما عبدت، كما قيل: ما عبدتم؟

قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت.

فإن قلت: فلم جاء على (ما) دون (من)؟

قلت: لأن المراد الصفة، كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق.

وقيل: إن (ما) مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ لكم شرككم، ولي توحيدي.

والمعنى: أني نبيّ مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني، فدعونى كفافاً ولا تدعوني إلى الشرك.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت منه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك ويعافي من الفزع الأكبر» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ، وآيُها سِتُّ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ يَعْنِي كَفَرَةً مَخْصُوصِينَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

رُوِيَ «أنْ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً فَنَزَلَتْ.» ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ فَأنْ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما أنَّ ما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ بِمَعْنى الحالِ.

﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ لِأنَّهُ في قِرانِ لا أعْبُدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل يا أيها الكافرون} المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله أنهم لا يؤمنون روي أن رهطاً من قريش قالوا يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فقال معاذ الله أن أشرك بالله غيره قالوا فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك فنزلت فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأ عليم فآيسوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الكافِرُونَ وتُسَمّى المُقَشْقِشَةَ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَلى زُرارَةَ بْنِ أوْفى وهو مِن قَشْقَشَ المَرِيضُ إذا صَحَّ وبَرَأ أيِ المُبَرِّئَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وتُسَمّى أيْضًا كَما في جَمالِ القُرّاءِ سُورَةَ العِبادَةِ، وكَذا تُسَمّى سُورَةَ الإخْلاصِ وهي عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ والجُمْهُورِ مَكِّيَّةٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنْ قَتادَةَ عَلى خِلافِ ما في مَجْمَعِ البَيانِ مِن أنَّهُ قائِلٌ بِمَكِّيَّتِها وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُ الدَّوانِيِّ إنَّها مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ.

وآيُها سِتٌّ بِلا خِلافٍ، وفِيها إعْلانُ ما فُهِمَ مِمّا قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكْفِي ذَلِكَ في المُناسَبَةِ بَيْنَهُما.

وقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِجَبَلَةَ بْنِ حارِثَةَ وهو أخُو زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وقَدْ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَلِّمْنِي شَيْئًا أقُولُهُ عِنْدَ مَنامِي نَحْوَ ذَلِكَ كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وأمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَسًا بِأنْ يَقْرَأها عِنْدَ مَنامِهِ أيْضًا مُعَلِّلًا لِذَلِكَ بِما ذُكِرَ كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَبّابًا بِذَلِكَ أيْضًا كَما في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««ألا أدُلُّكم عَلى كَلِمَةٍ تُنْجِيكم مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى؟

تَقْرَءُونَ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ عِنْدَ مَنامِكُمْ»».

ورَوى الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرادٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «المُنافِقُ لا يُصَلِّي الضُّحى ولا يَقْرَأُ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ »».

ويُسَنُّ قِراءَتُها أيْضًا مَعَ سُورَةِ: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ في رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الفَجْرِ الَّتِي هي عِنْدَ الأكْثَرِينَ أفْضَلُ السُّنَنِ الرَّواتِبِ وكَذا في الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ وهي حُجَّةٌ عَلى مَن قالَ مِنَ الأئِمَّةِ إنَّهُ لا يُسَنُّ في سُنَّةِ الفَجْرِ ضَمُّ سُورَةٍ إلى الفاتِحَةِ.

وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وفي آخَرَ أخْرَجَهُ في الصَّغِيرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ كَذَلِكَ أنَّها تَعْدِلُ رُبْعَ القُرْآنِ.

ووَجَّهَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأمْرِ بِالمَأْمُوراتِ والنَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ، وكُلٌّ مِنهُما إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَلْبِ أوْ بِالجَوارِحِ فَيَكُونُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ المُحَرَّماتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقَلْبِ فَتَكُونُ كَرُبْعِ القُرْآنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ العِبادَةَ أعَمُّ مِنَ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، والأمْرُ والنَّهْيُ المُتَعَلِّقانِ بِها لا يَخْتَصّانِ بِالمَأْمُوراتِ والمَنهِيّاتِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، وأنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ العَظِيمِ لا تَنْحَصِرُ في الأمْرِ والنَّهْيِ المَذْكُورَيْنِ بَلْ هو مُشْتَمِلٌ عَلى مَقاصِدَ أُخْرى كَأحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ ومِن هُنا قِيلَ: لَعَلَّ الأقْرَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ التَّوْحِيدُ والأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ وأحْوالُ المَعادِ، والتَّوْحِيدُ عِبارَةٌ عَنْ تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ وهو الَّذِي دَعا إلَيْهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوَّلًا بِالذّاتِ والتَّخْصِيصُ إنَّما يَحْصُلُ بِنَفْيِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى وعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ إذِ التَّخْصِيصُ لَهُ جُزْآنِ؛ النَّفْيُ عَنِ الغَيْرِ والإثْباتُ لِلْمُخَصَّصِ بِهِ، فَصارَتِ المَقاصِدُ بِهَذا الِاعْتِبارِ أرْبَعَةً، وهَذِهِ السُّورَةُ تَشْتَمِلُ عَلى تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ والتَّبَرِّي مِنها فَصارَتْ بِهَذا الِاعْتِبارِ رُبْعَ القُرْآنِ ولِكَوْنِها لَيْسَ فِيها التَّصْرِيحُ بِالأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما أنَّ فِيها التَّصْرِيحَ بِتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى لَمْ تَكُنْ كَنِصْفِ القُرْآنِ وقِيلَ: إنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ صِفاتُهُ تَعالى والنُّبُوّاتُ والأحْكامُ والمَواعِظُ وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى أساسِ الأوَّلِ وهو التَّوْحِيدُ ولِذا عَدَلَتْ رُبْعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أحْبابِي المُعاصِرِينَ أوْجُهًا في ذَلِكَ أحْسَنُها فِيما أرى أنَّ الدِّينَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ أرْبَعَةُ أنْواعٍ: عِباداتٌ ومُعامَلاتٌ وجِناياتٌ ومُناكَحاتٌ، والسُّورَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنَّوْعِ الأوَّلِ فَكانَتْ رُبْعًا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أرادَ فَكانَتْ رُبْعًا مِنَ القُرْآنِ فَلا نُسَلِّمُ صِحَّةَ تَفْرِيعِهِ عَلى كَوْنِ الدِّينِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ أرْبَعَةَ أنْواعٍ، وإنْ أرادَ فَكانَتْ رُبْعًا مِنَ الدِّينِ فَلَيْسَ الكَلامُ فِيهِ إنَّما الكَلامُ في كَوْنِها تَعْدِلُ رُبْعًا مِنَ القُرْآنِ؛ إذْ هو الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ الأخْبارُ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِها، والتَّلازُمُ بَيْنَهُما غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى أنَّ المُقابَلَةَ الحَقِيقِيَّةَ بَيْنَ ما ذُكِرَ مِنَ الأنْواعِ غَيْرِ تامَّةٍ.

وأُجِيبَ بِاحْتِمالِ أنَّهُ أرادَ أنَّ مَقاصِدَ القُرْآنِ هي تِلْكَ الأرْبَعَةُ الَّتِي هي الدِّينُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ما تَضَمَّنَ واحِدًا مِنها عَدَلَ القُرْآنَ كُلَّهُ مَقاصِدَهُ وغَيْرَها.

ولا يَرِدُ عَلى الحَصْرِ أنَّ مِن مَقاصِدِهِ أحْوالَ المَبْدَأِ والمَعادِ؛ فَبِدُخُولِ ذَلِكَ في العِباداتِ بِنَوْعِ عِنايَةٍ وعَدَمِ التَّقابُلِ الحَقِيقِيِّ لا يَضُرُّ؛ إذْ يَكْفِي في الغَرَضِ عَدُّ أهْلِ العُرْفِ تِلْكَ الأُمُورَ مُتَقابِلَةً ولَوْ بِالِاعْتِبارِ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ.

واللَّهُ تَعالى الهادِي لِأقْوَمِ المَسالِكِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ قالَ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهِمْ كَفَرَةٌ مِن قُرَيْشٍ مَخْصُوصُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أبَدًا.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِيناءَ مَوْلى أبِي البُخْتُرِيِّ قالَ: «لَقِيَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِي بْنُ وائِلٍ والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ ونَعْبُدُ ما تَعْبُدُ ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ أصَحَّ مِنَ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ مِنهُ حَظًّا، وإنْ كانَ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ أصَحَّ مِنَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ كُنّا قَدْ أخَذْنا مِنهُ حَظًّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ حَتّى انْقَضَتِ السُّورَةُ».

وفِي رِوايَةٍ: «أنَّ رَهْطًا مِن عُتاةِ قُرَيْشٍ قالُوا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلُمَّ فاتَّبِعْ دِينَنا ونَتَّبِعْ دِينَكَ تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً.

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَعاذَ اللَّهِ تَعالى أنْ أُشْرِكَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرَهُ».

فَقالُوا: فاسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا نُصَدِّقُكَ ونَعْبُدُ إلَهَكَ، فَنَزَلَتْ فَعَدا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وفِيهِ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رُؤُوسِهِمْ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ فَأيِسُوا».

ولَعَلَّ نِداءَهم «بِيّا أيُّها» لِلْمُبالَغَةِ في طَلَبِ إقْبالِهِمْ لِئَلّا يَفُوتَهم شَيْءٌ مِمّا يُلْقى إلَيْهِمْ، وبِ «الكافِرُونَ» دُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ كانَ دِينَهُمُ القَدِيمَ ولَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُمْ، أوْ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ الَّذِينَ يُعْلَمُ اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ فَهو كاللّازِمِ لَهم أوْ لِلْمُسارَعَةِ إلى ذِكْرِ ما يُقالُ لَهم لِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِهِ وبِهِ دُونَ المُشْرِكِينَ مَعَ أنَّهم عَبَدَةُ أصْنامٍ والأكْثَرُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ أنْكى لَهم فَيَكُونُ أبْلَغَ في قَطْعِ رَجائِهِمُ الفارِغِ.

وقِيلَ: هَذا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الإشارَةِ إنْكاءٌ لَهم أيْضًا وفي نِدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ في نادِيهِمْ ومَكانِ بَسْطَةِ أيْدِيهِمْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ؛ إذِ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ، والمُرادُ حَقِيقَةُ الأمْرِ خِلافًا لِصاحِبِ التَّأْوِيلاتِ لِلْكافِرِينَ: ﴿ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ست آيات مكيّة قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وذلك أن قريشاً قالوا للنبي  : إن يَسُرّك بأن نتبعك عاماً ونترك ديننا ونتبع دينك وترجع إلى ديننا عاماً.

فنزلت هذه السورة وقال مقاتل: نزلت في المستهزئين وذلك أن النبي  لما قرأ سورة النجم وجرى على لسانه ما جرى فقال أبو جهل أخزاه الله لا يفارقنا إلا على أحد أمرين ندخل معك في بعض ما تعبد وتدخل معنا في بعض ديننا أو نتبرأ من آلهتنا وتتبرأ من إلهك فنزلت هذه السورة، وقال الكلبي: إنهم أتوا العباس فقالوا له: لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول وآمنا به فنزل قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ويقال إنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك يؤذينا ونحن لا نؤذيه بحرمتك فدعاه أبو طالب وذكر ذلك له فقال رسول الله  : «إنَّما أَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ» فقال ما هي؟

قال: «لا إله إلا الله» فنفروا عن هذه الكلمة فنزلت قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ يعني: قل يا محمد لأهل مكة لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ يعني: لاَ أَعْبُدُ بعد هذا مَا تَعْبُدُونَ أنتم من الأوثان ولا أرجع إلى دينكم وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ يعني: لا تعبدون أنتم بعد هذا الرب الذي أعبده أنا حتى ترون ما يستقبلكم غدا وهذا كقوله عز وجل: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً [الكهف: 29] قوله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ يعني: لست أنا في الحال عابداً لأصنامكم وما كنت عابداً لها قبل هذا لأني علمت مضرة عبادتها وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ يعني: لستم عابدين في الحال لجهلكم وغفلتكم وقلة عقلكم.

ثم قال عز وجل: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ يعني: قد أكملت عليكم الحجة فليس عليّ أن أجبركم على الإسلام فاثبتوا على دينكم حتى تروا ماذا يستقبلكم غداً وأنا أثبت على ديني الذي أكرمني الله تعالى به ولا أرجع إلى دينكم أبداً وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسخ بآية القتال، فيها دليل أن الرجل إذا رأى منكراً أو سمع قولاً منكراً فأنكره فلم يقبلوا منه لا يجب عليه أكثر من ذلك وإنما عليه أن يحفظ مذهبه وطريقه ويتركهم على مذهبهم وطريقهم.

وقال الحسن سمعت شيخاً يحدث قال: بينما أسير مع النبيّ  فسمع رجلاً يقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فقال: «أَمَّا هذا فَقَدْ بَرِىء مِنَ الشِّرْكِ» وسمع رجلاً يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقال: «أَمَّا هذا فَقَدْ غَفَرَ الله تَعَالَى لَهُ» والله أعلم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الكافِرُونَ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.

ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها.

اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ لَقُوا العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالُوا: يا أبا الفَضْلِ: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ أسْلَمَ بَعْضَ آلِهَتِنا لَصَدَّقْناهُ بِما يَقُولُ ولَآمَنّا بِإلَهِهِ، فَأتاهُ العَبّاسُ فَأخْبَرَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقِيا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالا يا مُحَمَّدُ: لا نَدَعُكَ حَتّى تَتَّبِعَ دِينَنا، ونَتَّبِعَ دِينَكَ، فَإنْ كانَ أمْرُنا رُشْدًا كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، وإنْ كانَ أمْرُكَ رُشْدًا كُنّا قَدْ أخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنْ سَرَّكَ أنْ نَتَّبِعَ دِينَكَ عامًا، وتَرْجِعَ إلى دِينِنا عامًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ وهْبٌ.

قالَ مُقاتِلٌ في آخَرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أبِي جَهْلٍ وفي المُسْتَهْزِئِينَ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ أحَدٌ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ فَهو في مَوْضِعِ " مَن " ولَكِنَّهُ جُعِلَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَعْبُدُونَ ﴾ وهي الأصْنامُ.

وفي تَكْرارِ الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِتَأْكِيدِ الأمْرِ، وحَسْمِ أطْماعِهِمْ فِيهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقَدْ أنْعَمْنا شَرْحَ هَذا في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٣] .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ في حالِي هَذِهِ ﴿ وَلا أنْتُمْ ﴾ في حالِكم هَذِهِ ﴿ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ فِيما أسْتَقْبِلُ، وكَذَلِكَ أنْتُمْ، فَنَفى عَنْهُ وعَنْهم ذَلِكَ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وهَذا في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ، فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ تَكْرارًا، هَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ، والزَّجّاجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ فَتَحَ ياءَ " ولِيَ " نافِعٌ، وحَفْصٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ.

وأثْبَتَ ياءَ " دِينِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.

وهَذا مَنسُوخٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بِآيَةِ السَّيْفِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكافِرُونَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ إجْماعًا.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا".

ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ جَماعَةً مِن عُتاةِ قُرَيْشٍ ورِجالاتِها قالُوا لِلنَّبِيِّ  : دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ولَنَعْبُدْ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، هَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ ولَفْظِهِمْ، لَكِنْ لِلرُّواةِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الجَماعَةَ المَذْكُورَةَ هُمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأُبِيُّ بْنُ خَلَفٍ وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ، ولِرَسُولِ اللهِ  مَعَهم في هَذِهِ المَعانِي مَقاماتٌ نَزَلَتِ السُورَةُ في إحْداها بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: هَلُمَّ نَشْتَرِكُ في عِبادَةِ إلَهِكَ وآلِهَتِنا، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: اعْبُدْ إلَهَنا عامًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ عامًا، فَأخْبَرَهم عن أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، وأنَّهم غَيْرُ عابِدِينَ ما يَعْبُدُ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: "لا أعْبُدُ" مُحْتَمَلًا أنْ يُرادَ بِهِ "الآنَ" ويَبْقى المُسْتَأْنِفُ مُنْتَظِرًا ما يَكُونُ فِيهِ مِن عِبادَتِهِ جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ أيٍ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، أما إنَّ هَذا في مَعْنَيَيْنِ، وقَوْمُ نُوحٍ عَمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا، مَعْنى التَرْدِيدِ الَّذِي في السُورَةِ وهو بارِعُ الفَصاحَةِ ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ مَعَ التَأْكِيدِ والإبْلاغِ، وزادَ الأمْرَ بَيانًا وتَبَرِّيًا مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ وفي هَذا المَعْنى الَّذِي عَرَضَتْ قُرَيْشٌ نَزَلَ أيْضًا: ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ  ﴾ .

وقَرَأ أبُو عُمَرَ: "وَلِيَ دِينِ" ساكِنَةَ الياءِ مِن "لِي" ونَصَبَها الباقُونَ بِخِلافٍ، عن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وأمالَ قَوْمٌ "عابِدٌ" و"عابِدُونَ" وفَتَحَها قَوْمٌ، وهُما حَسَنَتانِ أيْضًا، ولَمْ يَخْتَلِفِ السَبْعَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "دِينِ"، وأثْبَتَها سَلّامٌ، ويَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: في هَذِهِ الألْفاظِ مُهادَنَةُ ما، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الكافِرُونَ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاحها ب ﴿ قلْ ﴾ للاهتمام بما بعد القول بأنه كلام يراد إبلاغه إلى الناس بوجه خاص منصوص فيه على أنه مرسل بقول يبلغه وإلا فإن القرآن كله مأمور بإبلاغه، ولهذه الآية نظائر في القرآن مفتتحة بالأمر بالقول في غير جواببٍ عن سؤال منها: ﴿ قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء للَّه ﴾ في سورة الجمعة (6).

والسور المفتتحة بالأمر بالقول خمس سور: ﴿ قل أوحي ﴾ [الجن: 1]، وسورة الكافرون، وسورة الإخلاص، والمعوّذتان، فالثلاث الأول لقول يبلِّغه، والمعوّذتان لقول يقوله لتعويذ نفسه.

والنداء موجه إلى الأربعة الذين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد، كما في خبر سبب النزول وذلك الذي يقتضيه قوله: ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ كما سيأتي.

وابتدئ خطابهم بالنداء لإِبلاغهم، لأن النداء يستدعي إقبال أذهانهم على ما سيلقى عليهم.

ونُودوا بوصف الكافرين تحقيراً لهم وتأييداً لوجه التبرؤ منهم وإيذاناً بأنه لا يخشاهم إذا ناداهم بما يَكرهون مما يثير غضبهم لأن الله كفاه إياهم وعصمه من أذاهم.

قال القرطبي: قال أبو بكر بن الأنباري: إن المعنى: قل للذين كفروا يا أيها الكافرون أن يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم: يا أيها الكافرون، وهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر.

فقوله: ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ إخبار عن نفسه بما يحصل منها.

والمعنى: لا تحصل مني عبادتي ما تعبدون في أزمنة في المستقبل تحقيقاً لأن المضارع يحتمل الحال والاستقبال فإذا دخل عليه (لا) النافية أفادت انتفاءه في أزمنة المستقبل كما درج عليه في «الكشاف»، وهو قول جمهور أهل العربية.

ومن أجل ذلك كان حرف (لَن) مفيداً تأكيد النفي في المستقبل زيادة على مطلق النفي، ولذلك قال الخليل: أصل (لَن): لا أنْ، فلما أفادت (لا) وحدها نفي المستقبل كان تقدير (أنْ) بعد (لا) مفيداً تأكيد ذلك النفي في المستقبل فمن أجل ذلك قالوا إن (لن) تفيد تأكيد النفي في المستقبل فعلمنا أن (لا) كانت مفيدة نفي الفعل في المستقبل.

وخالفهم ابن مالك كما في «مغني اللبيب»، وأبو حيان كما قال في هذه السورة، والسهيلي عند كلامه على نزول هذه السورة في «الروض الأنف».

ونفي عبادته آلهتهم في المستقبل يفيد نفي أن يعبدها في الحال بدلالة فحوى الخطاب، ولأنهم ما عرضوا عليه إلا أن يعبد آلهتهم بعد سنة مستقبلة.

ولذلك جاء في جانب نفي عبادتهم لله بنفي اسم الفاعل الذي هو حقيقة في الحال بقوله: ﴿ ولا أنتم عابدون ﴾ ، أي ما أنتم بمغيِّرين إشراككم الآن لأنهم عرضوا عليه أن يبتدِئوا هُم فيعبدوا الرب الذي يعبده النبي صلى الله عليه وسلم سنة.

وبهذا تعلم وجه المخالفة بين نظم الجملتين في أسلوب الاستعمال البليغ.

وهذا إخباره إياهم بأنه يعلم أنهم غير فاعلين ذلك من الآن بإنباء الله تعالى نبيئه صلى الله عليه وسلم بذلك فكان قوله هذا من دلائل نبوءته نظير قوله تعالى: ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ [البقرة: 24] فإن أولئك النفر الأربعة لم يُسلم منهم أحد فماتوا على شركهم.

ومَا صدقُ ﴿ ما أعبد ﴾ هو الله تعالى وعبر ب ﴿ ما ﴾ الموصولة لأنها موضوعة للعاقل وغيره من المختار وإنما تختص (مَن) بالعاقل، فلا مانع من إطلاق (ما) على العاقل إذا كان اللبس مأموناً.

وقال السهيلي في «الروض الأنف»: إن (ما) الموصولة يؤتى بها لقصد الإِبهام لتفيد المبالغة في التفخيم كقول العرب: سبحان ما سَبَّح الرعد بحمده، وقوله تعالى: ﴿ والسماء وما بناها ﴾ كما تقدم في سورة الشمس (5).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.

﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ.

وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ » فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ.

﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.

﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟

قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى.

﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي.

وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه قال: أنزلت بالمدينة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوّجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكر آلهتنا بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح.

قال: ما هي؟

قالوا: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة.

قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ الآية.

وأنزل الله: ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾ [ الزمر: 64] إلى قوله: ﴿ الشاكرين ﴾ [ الزمر: 66] .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك عاماً وترجع إلى ديننا عاماً فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ حتى انقضت السورة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ السورة كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال: كانت هذه السورة تسمى المقشقشة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت ثم جاء مقام إبراهيم فقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ [ البقرة: 125] ثم صلى فقرأ بفاتحة الكتاب و ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ [ الاخلاص: 1] فقال كذلك الله: ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ قال: ذاك الله ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ قال: كذلك الله ثم ركع وسجد ثم قرأ بفاتحة الكتاب و ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ قال: لا أعبد إلا الله ﴿ ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ فقال: لا أعبد إلا الله ﴿ لكم دينكم ولي دين ﴾ ثم ركع وسجد.

وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن ماجة عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت ثم صلى ركعتين قرأ فيهما ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد.

وأخرج مسلم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين مرة وفي لفظ شهراً فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن الضريس والحاكم في الكنى وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً في غزوة تبوك فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ويقول: نعم السورتان تعدل واحدة بربع القرآن والأخرى بثلث القرآن.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل صلاة الفجر ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ كانت له عدل ربع القرآن» .

وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن أبي العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن» .

وأخرج مسدد عن رجل من الصحابة قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وعشرين مرة يقول: «نعم السورتان يقرأ بهما في الركعتين الأحد الصمد و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن الضريس والبغوي وحميد بن زنجويه في ترغيبه عن شيخ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فمر برجل يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وإذا آخر يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بها وجبت له الجنة» ، وفي رواية: «أما هذا فقد غفر له» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: إني حديث عهد بشرك فمرني بآية تبرئني من الشرك فقال: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » قال: فما أخطأها أبي من يوم ولا ليلة حتى فارق الدنيا.

وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنوفل بن معاوية الأشجعي: «إذا أتيت مضجعك للنوم فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فإنك إذا قرأتها فقد برئت من الشرك» .

وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة وقال الطبراني عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة قال: قلت يا رسول الله: علمني شيئاً أقوله: عند منامي قال: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ عند منامك فإنها براءة من الشرك» .

وأخرج الديلمي عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المنافق لا يصلي الضحى ولا يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » .

وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإِشراك بالله، تقرؤون ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ عند منامكم» .

وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أخذت مضجعك فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » وان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت فراشه قط إلا قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ حتى يختم.

وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي مسعود الأنصاري قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ في ليلة فقد أكثر وأطاب.

وأخرج الطبراني في الصغير عن علي قال: «لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره ثم دعا بماء وملح وجعل يمسح عليها ويقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ [ الفلق: 1] و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [ الناس: 1] » .

وأخرج أبو يعلى عن جبير بن مطعم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحب يا جبير إذا خرجت سفراً أن تكون أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟

قلت: نعم بأبي أنت وأمي.

قال: فاقرأ هذه السور الخمس ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ وافتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم» قال جبير: وكنت غنياً كثير المال، فكنت أخرج في سفر فأكون من أبذهم هيئة وأقلهم زاداً، فما زلت منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأت بهن أكون من أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً حتى أرجع من سفري.

وأخرج ابن الضريس عن عمرو بن مالك قال: كان أبو الجوزاء يقول: أكثروا من قراءة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وابرأوا منهم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ قال جماعة المفسرين (١)  - سورة النجم بمكة على المشركين، وألقى الشيطان في قراءته: تلك الغرانيق (٢) (٣) (٤) (٥)  -: "معاذ الله أن أشرك به غيره"، فأنزل الله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ (٦) (١) قال بذلك: ابن عباس، والقرظي، والضحاك، والسدي، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومقاتل، انظر "تفسير مقاتل" 254/ ب، و"جامع البيان" 17/ 131، و"معالم التنزيل" 3/ 292، و"زاد المسير" 5/ 302، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 239، "أسباب النزول" ص 258، تح: أيمن.

(٢) الغرانيق: هي الأصنام، وهي في الأصل الذكور من طير الماء، سمي به لبياضه، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله عز وجل، وتشفع لهم إليه، فشبهت == بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء.

"لسان العرب" 10/ 287 (غرنق)، انظر تفسير أبي العالية تح: الورثان، رسالة غير منشورة: 1/ 272.

(٣) سورة الحج: 52 قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .

(٤) قصة الغرانيق باطلة سندًا ومتنًا وقد تقدم التعليق عليها في سورة الحج، وقد تناولها كثير من العلماء بالنقد والتجريح، والخلاصة فيها ما يلي: وهو ما وصفه الألباني من أن أسانيد القصة على اختلاف طرقها بأنها جميعها معللة بالإرسال والضعف والجهالة، كما بين أنه ليس في أحدها ما يصلح للاحتجاج به لا سيما في أمر خطير كهذا، ثم بين أن مما يؤكد ضعفها؛ بل بطلانها ما في القصة من نكارة لا تليق بمقام النبوة والرسالة.

انظر: "نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق" للألباني ص 18 وما بعدها.

وممن أبطلها أيضًا ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 239، وابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 130، والشوكاني في "فتح القدير" 3/ 461، والشنقيطي في "أضواء البيان" 5/ 730 ومن أراد الاستزادة فليراجع ذلك في "تفسير أبي العالية" رسالة غير منشورة، تح: "نورة الورثان" 2/ 272 - 276.

(٥) ساقط من (أ).

(٦) ممن قال بمعنى هذه الرواية: وهب، وعكرمة عن ابن عباس، وسعيد مولي البختري، ومقاتل، وعبيد بن عمير.= انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 403، و"جامع البيان" 30/ 331، و"زاد المسير" 8/ 322 - 323، و"بحر العلوم" 3/ 520، و"لباب النقول" 237، و"الدر المنثور" 8/ 655 وعزاه إلى ابن أبي حاتم والطبراني.

وقال بها أيضًا الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 169/ ب، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 535 "التفسير الكبير" 32/ 144، و"أسباب النزول"، تح: أيمن ص 405.

قال ابن حجر: في الرواية التي من حديث ابن عباس: إن في إسناده أبا خلف عبد الله بن عيسى، وهو ضعيف.

"فتح الباري" 8/ 733.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

سبب هذه السورة «أن قوماً من قريش منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن وائل وأبو جهل ونظراؤهم قالوا: يا محمد اتبع ديننا ونتبع دينك، أعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة.

فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئاً، ونزلت السورة» في معنى البراءة من آلهتهم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأها برئ من الشرك ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ هذا إخبار أنه لا يعبد أصنامهم، فإن قيل: لم كرر هذا المعنى بقوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ ؟

فالجواب من وجهين أحدهما قاله الزمخشري وهو أن قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يريد في الزمان المستقبل وقوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ يريد به فيما مضى، أي ما كنت قط عابداً ما عبدتم فيما سلف، فكيف تطلبون ذلك مني الآن.

الثاني قاله ابن عطية: وهو أن قوله: لا أعبد ما تعبدون لما كان يحتمل أن يراد به زمان الحال خاصة قال: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ أي: أبداً ما عشت.

لأن لا النافية إذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للاستقبال فقوله: لا أعبد لا يحتمل أن يراد به الحال.

ويحتمل عندي أن يكون قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يراد به في المستقبل.

على حسب ما تقتضيه لا من الاستقبال، ويكون قوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ يريد به في الحال، فيحصل من المجموع نفي عبادته الأصنام في الحال والاستقبال.

ومعنى الحال في قوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ ثم أظهر من معنى المضي الذي قاله الزمخشري، ومن معنى الاستقبال فإن قولك: ما زيد بقائم ينفي الجملة الاسمية يقتضي الحال.

﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ هذا إخبار أن هؤلاء الكفار لا يعبدون الله، كما قيل لنوح: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ [هود: 36] إلا أن هذا في حق قوم مخصوصين ماتوا على الكفر، وقد روي أن هؤلاء الجماعة المذكورين هم أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبيّ بن خلف وابن الحجاج وكلهم ماتوا كفاراً، فإن قيل: لم قال ما أعبد بما دون من التي هي موضوعة لمن يعقل؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدهما أن ذلك لمناسبة قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ فإن هذا واقع على الأصنام التي لا تعقل ثم جعل ما أعبد على طريقته لتناسب اللفظ.

الثاني أنه أراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، قال الزمخشري.

الثالث أن ما مصدرية والتقدير: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي وهذا ضعيف، فإن قيل لم كرّر هذا المعنى واللفظ فقال بعد ذلك: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ مرة أخرى؟

فالجواب من وجهين: أحدهما قول الزمخشري: وهو أن الأوّل في المستقبل والثاني فيما مضى والآخر قاله ابن عطية وهو أن الأول في الحال والثاني في الاستقبال فهو حتم عليهم أن لا يؤمنوا أبداً ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ أي لكم شرككم ولي توحيدي وهذه براءة منهم، وفيها مسالمة منسوخة بالسيف.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عابدون ﴾ وما بعده بالإمالة قتيبة والحلواني عن هشام ﴿ ولي الدين ﴾ بالفتح: نافع غير إسماعيل وحفص والمفضل وهشام وزمعة عن ابن كثير ﴿ وديني ﴾ بالإسكان في الحالين: يعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ الكافرون ﴾ ه لا ﴿ ما تعبدون ﴾ ه لا ﴿ أعبد ﴾ ه ج للتكرار مع العطف ﴿ عبدتم ﴾ ه لا ﴿ أعبد ﴾ ه ط ﴿ دين ﴾ ه.

التفسير: هذد السورة تسمى أيضاً سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة.

وروي " "من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن" فأوّلها العلماء بأن القرآن فيه مأمورات ومنهيات، وكل منهما إمّا أن يتعلق بالقلب والجوراح، وإما أن يتعلق بالجوارح، وهذه السورة تتضمن القسم الثالث أعني النهي المتعلق بالقلب فكانت ربعاً لما يتعلق بالتكاليف من القرآن بل ربعاً للقرآن لأن المقصود الأصلي من المواعظ والقصص وغيرها هو التزام التكاليف كما قال  ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ يروى أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف قالوا لرسول الله  تعال حتى نعبد إلهك مدّة وتعبد إلهنا مدّة فيحصل الصلح بيننا وبينك وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً فنزلت هذه السورة ونزل قوله ﴿ قل أفغير الله تأمرونّي أعبد أيها الجاهلون  ﴾ فتارة وصفهم بالجهل وتارة خاطبهم بالكفر، فالجهل كالشجرة والكفر كالثمرة، ولكن الكفر أشنع من الجهل، فقد يكون الجهل غير ضارّ كما روي أنه  قال في علم الأنساب " "علم لا ينفع ولا يضر" ولهذا خصت السورة بهذا الخطاب لأنها بأسرها فيهم.

وروي عن علي  أن " يا " نداء النفس " و" أي" نداء القلب و " ها " نداء الروح.

وبوجه آخر " يا " للغائب و " أي " للحاضر و " ها " للتنبيه.

كان الله  يقول أدعوك ثلاثاً ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجلهلك بحقي.

ثم الخطاب مع جميع الكفار أو مع بعضهم، وعلى الأول يدخله التخصيص لا محالة لأن فيهم من يعبد الله كأهل الكتاب فلا يجوز أن يقول لهم ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ وفيهم من آمن بعد ذلك فلا يجوز أن يخبر عنهم بقوله ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ وعلى الثاني يكون خطاباً لبعض الكفرة المعهودين الحاضرين وهو الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، ولا يلزم التخصيص فيكون أولى.

أما ظاهر التكرار الذي وقع في هذه السورة ففيه قولان: أحدهما أنه للتأكيد وأىّ موضع أحوج إلى التأكيد من هذا المقام فإنهم رجعوا إلى النبي  فيما طلبوا منه مراراً، وسكت الرسول  عن الجواب فوقع في قلوبهم أنه قد مال إلى دينهم بعض الميل.

وروي أنهم ذكروا قولهم تعبد إلهنا مدة ونعبد إلهك مدة مرتين، فأجيبوا مكرراً على وفق قولهم وهو نوع من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد قد يجاب عنه بنفيه مكرراً للاستخفاف وحسم مادة الطمع.

القول الثاني: إن الأول للمستقبل وعلامته لا التي هي للاستقبال بدليل أن " لن " نفي للاستقبال على سبيل التوكيد أو التأبيد.

وزعم الخليل أن أصله " لا أن " والثاني للحال والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي.

ثم قال ﴿ ولا أنا عابد ﴾ في الحال ﴿ ما عبدتم ولا أنتم ﴾ في الحال بعابدين لمعبودي.

وعلى هذا القول زعم بعضهم أن الأمر بالعكس إذا الترتيب أن ينفى الحال أوّلاً ثم الاستقبال، وللأولين أن يجيبوا بأنهم إنما دعوه إلى عبادة غير الله في الاستقبال فكان الابتداء به أهم.

وفائدة الإخبار عن الحال وكان معلوماً أنه ما كان يعبد الصنم والكفار كانوا يعبدون الله في بعض الأحوال هي أن لا يتوهم أحد أنه يعبد غير الله سراً خوفاً أو طمعاً، وعبادة الكفار لم تكن معتدّاً بها لأجل الشرك.

ولأبي مسلم قول ثالث هو أن ما في الأولين بمعنى الذي، وأما في الآخرين فمصدرية أي ولا أنا عابد عبادتكم المبنية على الإشراك، ولا أنتم عابدون عبادتي المبنية على اليقين.

ووجه رابع وهو أن يحمل الأول على نفي الالتماس الصادر عنهم، والآخر على النفي المطلق العام المتناول لجميع الجهات كمن يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعم فيقول: لا أظلم لغرض التنعم بل لا أظلم رأساً لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض.

قوله ﴿ ما تعبدون ﴾ ليس فيه إشكال إنما الإشكال في قوله ﴿ ما أعبد ﴾ فأجيب بعد تسليم أن " ما " ليست أعم بأن المراد به الصفة كأنه قيل: لا أعبد الباطل ولكن أعبد الحق أو هي " ما " المصدرية على نحوم ما مر، أو هي للطباق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ فإن قيل: لما كان المقام مقام التأكيد والمبالغة ولهذا كرر ما كرر فلم لم يقل " لن أعبد " كما قال أصحاب الكهف ﴿ لن ندعو من دونه إلهاً  ﴾ قلت: إن أصحاب الكهف كانوا متهمين بعبادة الأصنام لأنه قد وجد منهم ذلك قبل أن أرشدهم الله، وإن محمداً  لم يكن متهماً بذلك قط يحتج إلى المبالغة بـ " لن " ثم أوّل السورة لما اشتمل على التشديد البليغ وهو النداء بالكفر والتكرير فاشتمل آخرها على اللطف من بعض الوجوه كأنه قال: قد بالغت في منعكم من هذا الأمر القبيح فإن لم تقبلوا قولي فاتركوني سواء بسواء.

قال ابن عباس: لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص.

ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن السورة منسوخة بآية القتال.

والمحققون على أنه لا نسخ بل المراد التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وقيل: الدين الجزاء.

وقيل: المضاف محذوف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني.

وقيل: الدين العبادة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ...

﴾ إلى آخرها.

ذكر أنها نزلت في منابذة المتمردين المعاندين منهم، الذين علم الله -  - منهم أنهم لا يؤمنون أبدا، ولا يرجعون عما هم عليه من عبادة الأوثان إلى التوحيد والإسلام؛ لأنه لا كل كافر يكون على وصف أنه لا يعبد الله -  - في وقت من الأوقات؛ إذ قد يجوز أن يكون كافراً في وقت، ثم يسلم في وقت آخر؛ فدل ما ذكرنا أنها نزلت في المتمردين المعاندين الذين علم الله -  - أنهم يثبتون على الكفر، ولا يؤمنون أبدا، وكان كما أخبر،؛ ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ إذ أخبر أنهم لا يؤمنون، فلم يؤمنوا، وماتوا على الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أنتم الآن، ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ ﴾ اليوم ﴿ مَآ أَعْبُدُ ﴾ فيما بعد اليوم.

وقال بعضهم: الأول: فيما مضى من الوقت، والثاني إخبار عن الحال، والآخر فيما بقي من الوقت.

ولكن لا يجيء أن يكون هكذا؛ بل يجيء أن يكون قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ في حادث الوقت؛ لأن حرف "ما" إنما يستعمل في حادث الأوقات، يقول الرجل: لا أفعل كذا، يريد به: حادث الوقت.

وقوله: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ كذلك - أيضا - في حادث الأوقات، أو إخبار عن الحال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ إنما هو إخبار عن الماضي من الأوقات؛ كأنه يقول: لم أكن أنا عابدا في وقت من الأوقات، وهذا يدل على أن رسول الله  لم يكن عبد غير الله قط.

وفي هذه السورة وجهان من الدلالة: أحدهما: ما ذكرنا من إثبات الرسالة.

والثاني: إخبار عن الإياس لهم من رسول الله  عن أن يرجع إلى دينهم أبدا، وقطع رجائهم وطمعهم في ذلك.

وفيه - أيضا - أن من أشرك غيره في عبادة الله -  وتعالى - أو عبد غيره دونه على رجاء القربة إلى الله -  - فهو ليس بعابد لله -  - ولا موحد له؛ لأن أولئك إنما عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم، ورجاء أن تقربهم إلى الله -  - زلفى؛ أخبر أنها لا تقربهم زلفى، وأنهم ليسوا بموحدين، ولا عابدين لله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لكم جزاء دينكم الذي دنتم، ولي جزاء ديني الذي دنت.

والثاني: على المنابذة والإياس، لكم ما اخترتم من الدين، ولي ما اخترت، لا يعود واحد منا إلى دين الآخر، وكان قبل ذلك يطمع كل فريق عود الفريق الآخر إلى دينهم الذي هم عليه.

وقوله -  -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ليس على الأمر، على ما نذكر في سورة الإخلاص والمعوذتين؛ إذ لو كان على الأمر فهو يلزم أن يقول كل واحد منا لكل كافر ذلك، فإذا لم يلزم دل أنه ليس على الأمر.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولى دين).

وعنه أنه قال: "من قرأ هذه السورة فقد أكثر وأطنب".

وفي حديث مرفوع من النبي  أنه قال لرجل: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ؛ فإنه براءة من الشرك" وأهل التأويل يقولون: إن سببن زول هذه ومنابذته أياهم: أن رهطا من قريش قالوا لرسول الله  : هلم فلنعبد ما تعبد، واعبد أنت ما نعبد نحن؛ فيكون أمرنا أمرا واحدا؛ فنزلت هذه السورة.

قال أبو عوسجة: الدين: العادة، تقول: هذا ديني، أي: عادتي.

ثم المعنى الذي وقع عليه التكرار لهذه الأحرف عندنا: أن التكرار حرف جرى الاستعمال به في موضع المبالغة والتأكيد لما قصد به من الكلام في أي كلام كان، رجاء كان، أو وعيداً أو غيره، كقولهم: بخ بخ، والويل الويل، وهيهات هيهات، وغير ذلك، فكذلك في هذا الموضع لما وقع الإياس عن إيمانهم بالله -  - بما علم النبي  بطريق الوحي أنهم لا يؤمنون، كرر هذا الكلام؛ تأكيدا للإياس وإبلاغا فيه، والله أعلم.

[وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: يا أيها الكافرون بالله.

<div class="verse-tafsir" id="91.vZQ0e"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(الكافر): هو المعاند الجاحد الذي رأى ضياء الحق أغمض عينيه وإذا سمع الحرف من كلمته سد أذنيه..

ذلك الذي لا يبحث في دليل بعد عرضه عليه ولا يذعن لحجة إذا اخترقت فؤاده، بل يدفع جميع ذلك حبًا فيما وجد نفسه فيه مع الكثير ممن حوله، واستند في التمسك به إلى تقليد من سلفه.

فهذا الصنف هو الذي قال الله فيه: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ  وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ .

بعض هذا الصنف -بل الغالب من أفراده- يقول للداعي إلى الحق، أو يحدث نفسه ليلهيها عن فهمه: إلى ما يدعونا؟!

إلى الله؟

فنحن نعتقد به.

إلى توحيده؟

فنحن نوحده.

وغاية ما في الأمر نتخذ شفعاء إليه نسأله بحقهم عنده، أو بمكانتهم لديه..

إلى عبادته؟

فنحن نركع ونسجد له!

وغاية ما عندنا -زيادة على ذلك- أننا نعظم أولياءه وأهل الشفاعة عنده، ونتوسل إليهم ليتوسلوا إليه.

هذه وساوسهم وهذه أمانيهم، فأراد الله سبحانه أن يقطع العلاقة بينهم وبين ما عليه الداعي إلى الحق  بأصرح ما يمكن أن يصرح به فقال له: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ  لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ  ﴾ : أي أن الإله الذي تزعمون أنكم تعبدونه ليس هو الذي أعبده لأنكم إنما تعبدون ذلك الذي يتخذ الشفعاء أو الولد، أو الذي يظهر في شخص، أو يتجلى في صورة معينة، أو نحو ذلك مما تزعمون.

وإنما أعبد إلهًا منزهًا عن جميع ما تصفون به إلهكم.

﴿ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  ﴾ أي أنكم لستم بعابدين إلهي الذي أدعو إليه، كما تزعمون.

فإنكم زعمتم أن الذي تعبدونه يتقرب إليه بتعظيم الوسائط لديه فتوسلتم بها إليه، وتعتقدون أنه يقبل توسطها عنده.

فهذا الذي تعبدونه ليس الذي أعبد، فلهذا لا تعبدون ما أعبد، بل تعصونه وتخالفون أمره.

ثم لما كانوا يظنون أن عبادتهم التي يؤدونها أمام شفعائهم، أو في المعابد التي أقاموها لهم وبأسمائهم، أو يؤدونها لله في المعابد الخاصة به، أو في خلواتهم -وهم على اعتقادهم بالشفعاء- عبادة لله خالصة، وأن النبي  لا يفضلهم في شيء..

نفى أن تكون عبادته مماثلة لعبادتهم، وأن تكون عبادتهم مماثلة لعبادته فقال: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ  ﴾ .

فما هذه مصدرية، وليست بالموصولة مثل التي تقدمت، أي ولا أنا بعابد عبادتكم.

(ولا أنتم عابدون ما أعبد): أي ولا أنتم عابدون عبادتي.

فمفاد الجملتين الأوليين الاختلاف التام في المعبود.

ومفاد الجملتين الأخريين تمام الاختلاف في العبادة: فلا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة، لأن معبودي ذلك الإله الواحد المنزه عن الند والشفيع، المتعالي عن الظهور في شخص معين أو المحاباة لشعب أو واحد بعينه، الباسط فضله لكل من أخلص له، الآخذ قهرة بناصية كل من نابذ المبلغين الصادقين عنه.

والذي تعبدونه على خلاف ذلك..

وعبادتي مخلصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك، مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى فلا تسمى على الحقيقة عبادة، فأين هي من عبادتي؟

﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ  ﴾ دينكم مختص بكم لا يتعداكم إلي، فلا تظنوا أني عليه أو على شيء منه، (ولي دين) أي ديني هو دين خاص بي، وهو الذي أدعو إليه، ولا مشاركة بينه وبين ما أنتم عليه.

ولا يخفى أن هذا المعنى الذي بيناه، هو ما يهدي إليه أسلوب السورة الشريفة -خصوصًا هذه الآية الأخيرة (لكم دينكم ولي دين)- فإنها صريحة في أن المراد نفي الخلط المزعوم.

وما دلت عليه السورة هو ما دلت عليه آية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ أي لا علاقة بينك وبينهم لا في المعبود ولا في العبادة.

وأما ما قيل من غير ذلك، فإن صح شيء مما ورد فيه، فأحمله على معناه مستقلًا عن معنى السورة، ولا تغتر بكل ما يقال.

فأفضل ما تفهم هو أقرب ما يفهم.

والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة الكافرون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده