الإسلام > القرآن > سور > سورة 109 الكافرون > الآية ٤ من سورة الكافرون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤ من سورة الكافرون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
فما ههنا بمعنى من قال "ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد" أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدي بها وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وكان المشركون من قومه فيما ذكر عرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة, على أن يعبد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة, فأنـزل الله معرفه جوابهم في ذلك: ( قُلْ ) يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوك عبادة آلهتهم سنة, على أن يعبدوا إلهك سنة ( يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) بالله ( لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) من الآلهة والأوثان الآن ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) الآن ( وَلا أَنَا عَابِدٌ ) فيما أستقبل ( مَا عَبَدْتُمْ ) فيما مضى ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ ) فيما تستقبلون أبدا( مَا أَعْبُدُ ) أنا الآن, وفيما أستقبل.
وإنما قيل ذلك كذلك, لأن الخطاب من الله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم من المشركين, قد علم أنهم لا يؤمنون أبدا , وسبق لهم ذلك في السابق من علمه, فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤيسهم من الذي طمعوا فيه, وحدّثوا به أنفسهم, وأن ذلك غير كائن منه ولا منهم, في وقت من الأوقات, وآيس نبي الله صلى الله عليه وسلم من الطمع في إيمانهم, ومن أن يفلحوا أبدا, فكانوا كذلك لم يفلحوا ولم ينجحوا, إلى أن قتل بعضهم يوم بدر بالسيف, وهلك بعض قبل ذلك كافرا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وجاءت به الآثار.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن موسى الحَرشي, قال: ثنا أبو خلف, قال: ثنا داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة, ويزّوجوه ما أراد من النساء, ويطئوا عقبه, فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد, وكفّ عن شتم آلهتنا, فلا تذكرها بسوء, فإن لم تفعل, فإنا نعرض عليك خصلة واحدة, فهي لك ولنا فيها صلاح.
قال: " ما هي؟" قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى, ونعبد إلهك سنة, قال: " حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي", فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) السورة, وأنـزل الله: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ...
إلى قوله: فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ .
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن عُلَية, عن محمد بن إسحاق, قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري (1) قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل, والأسود بن المطلب, وأميَّة بن خلف, رسول الله, فقالوا: يا محمد, هلمّ فلنعبد ما تعبد, وتعبدْ ما نعبد, ونُشركك في أمرنا كله, فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه, وأخذنا بحظنا منه; وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك, كنت قد شَرِكتنا في أمرنا, وأخذت منه بحظك, فأنـزل الله: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) حتى انقضت السورة .
على نفي العبادة منه لما عبدوا في الماضي .
"ولا أنا عابد ما عبدتم"، في الاستقبال.
«ولا أنا عابد» في الاستقبال «ما عبدتم».
ولا أنا عابد ما عبدتم من الأصنام والآلهة الباطلة.
وقوله - تعالى - : ( وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ .
وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ) تأكيد وتقرير لما اشتمل عليه الكلام السابق .
.
" وما " هنا مصدرية ، فكأنه قبل : ولا أنا عابد عبادتكم ، ولا أنتم عابدون عبادتى .فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم فى المعبود ، وهاتان الآيتان تنفيان الاتحاد فى العبادة ، والمقصود من ذلك المبالغة التامة فى البراءة من معبوداتهم الباطلة ، ومن عبادتهم الفاسدة ، وأنه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ، لا يعبدون إلا الله - عز وجل - ، وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة .
ففيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: أحدهما: أنه لا تكرار فيها.
والثاني: أن فيها تكراراً أما الأول: فتقريره من وجوه: أحدها: أن الأول للمستقبل، والثاني للحال والدليل على أن الأول للمستقبل أن لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، أن ترى أن لن تأكيد فيما ينفيه لا، وقال الخليل في لن أصله لا أن، إذا ثبت هذا فقوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أي لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهي، ثم قال: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ أي ولست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين لمعبودي.
الوجه الثاني: أن تقلب الأمر فتجعل الأول للحال والثاني للاستقبال والدليل على أن قول: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ للاستقبال أنه رفع لمفهوم قولنا: أنا عابد ما عبدتم ولا شك أن هذا للاستقبال بدليل أنه لو قال: أنا قاتل زيداً فهم منه الاستقبال.
الوجه الثالث: قال بعضهم: كل واحد منهما يصلح للحال وللاستقبال، ولكنا نخص إحداها بالحال، والثاني بالاستقبال دفعاً للتكرار، فإن قلنا: إنه أخبر عن الحال، ثم عن الاستقبال، فهو الترتيب، وإن قلنا: أخبر أولاً عن الاستقبال، فلأنه هو الذي دعوه إليه، فهو الأهم فبدأ به، فإن قيل: ما فائدة الإخبار عن الحال وكان معلوماً أنه ما كان يعبد الصنم، وأما الكفار فكانوا يعبدون الله في بعض الأحوال؟
قلنا: أما الحكاية عن نفسه فلئلا يتوهم الجاهل أنه يعبدها سراً خوفاً منها أو طمعاً إليها وأما نفيه عبادتهم.
فلأن فعل الكافر ليس بعبادة أصلاً.
الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم أن المقصود من الأولين المعبود وما بمعنى الذي، فكأنه قال: لا أعبد الأصنام ولا تعبدون الله، وأما في الأخيرين فما مع الفعل في تأويل المصدر أي لا أعبد عبادتكم المبنية على الشرك وترك النظر، ولا أنتم تعبدون عبادتي المبنية على اليقين، فإن زعمتم أنكم تعبدون إلهي، كان ذلك باطلاً لأن العبادة فعل مأمور به وما تفعلونه أنتم، فهو منهي عنه، وغير مأمور به.
الوجه الخامس: أن تحمل الأولى على نفي الاعتبار الذي ذكروه، والثانية على النفي العام المتناول لجميع الجهات فكأنه أولاً قال: لا أعبد ما تعبدون ررجاء أن تعبدوا الله، ولا أنتم تعبدون الله رجاء أن أعبد أصنامكم، ثم قال: ولا أنا عابد صنمكم لغرض من الأغراض، ومقصود من المقاصد ألبتة بوجه من الوجوه: ولا أنتم عابدون ما أعبد بوجه من الوجوه، واعتبار من الاعتبارات، ومثاله من يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعيم، فيقول: لا أظلم لغرض التنعم بل لا أظلم أصلا لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض القول الثاني: وهو أن نسلم حصول التكرار، وعلى هذا القول العذر عنه من ثلاثة أوجه: الأول: أن التكرير يفيد التوكيد وكلما كانت الحاجة إلى التأكيد أشد كان التكرير أحسن، ولا موضع أحوج إلى التأكيد من هذا الموضع، لأن أولئك الكفار رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى مراراً، وسكت رسول الله عن الجواب، فوقع في قلوبهم أنه عليه السلام قد مال إلى دينهم بعض الميل، فلا جرم دعت الحاجة إلى التأكيد والتكرير في هذا النفي والإبطال الوجه.
الثاني: أنه كان القرآن ينزل شيئاً بعد شيء، وآية بعد آية جواباً عما يسألون فالمشركون قالوا: استلم بعد آلهتنا حتى نؤمن بإلهك فأنزل الله: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ ثم قالوا بعد مدة تعبد آلهتنا شهراً ونعبد إلهك شهراً فانزل الله: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ ولما كان هذا الذي ذكرناه محتملاً لم يكن التكرار على هذا الوجه مضراً ألبتة.
الوجه الثالث: أن الكفار ذكروا تلك الكلمة مرتين تعبد آلهتنا شهراً ونعبد إلهك شهراً وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة.
فأتى الجواب على التكرير على وفق قولهم وهو ضرب من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد يجازي بدفع تلك الكلمة على سبيل التكرار استخفافاً به واستحقاراً لقوله.
المسألة الثانية: في الآية سؤال وهو أن كلمة: ﴿ مَا ﴾ لا تتناول من يعلم فهب أن معبودهم كان كذلك فصح التعبير عنه بلفظ ما لكن معبود محمد عليه الصلاة والسلام هو أعلم العالمين فكيف قال: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أن المراد منه الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل وأنتم لا تعبدون الحق.
وثانيها: أن مصدرية في الجملتين كأنه قال: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي في المستقبل، ثم قال: ثانياً لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي في الحال.
وثالثها: أن يكون ما بمعنى الذي وحينئذ يصح الكلام.
ورابعها: أنه لما قال أولاً: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ حمل الثاني عليه ليتسق الكلام كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .
المسألة الثالثة: احتج أهل الجبر بأنه تعالى أخبر عنهم مرتين بقوله: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ والخبر الصدق عن عدم الشيء يضاد وجود ذلك الشيء فالتكليف بتحصيل العبادة مع وجود الخبر الصدق بعدم العبادة تكليف بالجمع بين الضدين، واعلم أنه بقي في الآية سؤالات: السؤال الأول: أليس أن ذكر الوجه الذي لأجله تقبح عبادة غير الله كان أولى من هذا التكرير؟
الجواب بل قد يكون التأكيد والتكرير أولى من ذكر الحجة، إما لأن المخاطب بليد ينتفع بالمبالغة والتكرير ولا ينتفع بذكر الحجة أو لأجل أن محل النزاع يكون في غاية الظهور فالمناظرة في مسألة الجبر والقدر حسنة، أما القائل: بالصنم فهو إما مجنون يجب شده أو عاقل معاند فيجب قتله، وإن لم يقدر على قتله فيجب شتمه، والمبالغة في الإنكار عليه كما في هذه الآية.
السؤال الثاني: أن أول السورة اشتمل على التشديد، وهو النداء بالكفر والتكرير وآخرها على اللطف والتساهل، وهو قوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ فكيف وجه الجمع بين الأمرين؟
الجواب: كأنه يقول: إني قد بالغت في تحذيركم على هذا الأمر القبيح، وما قصرت فيه، فإن لم تقبلوا قولي، فاتركوني سواء بسواء.
السؤال الثالث: لما كان التكرار لأجل التأكيد والمبالغة فكان ينبغي أن يقول: لن أعبد ما تعبدون، لأن هذا أبلغ، ألا ترى أن أصحاب الكهف لما بالغوا قالوا: ﴿ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها ﴾ والجواب: المبالغة إنما يحتاج إليها في موضع التهمة، وقد علم كل أحد من محمد عليه السلام أنه ما كان يعبد الصنم قبل الشرع، فكيف يعبده بعد ظهور الشرع، بخلاف أصحاب الكهف فإنه وجد منهم ذلك فيما قبل.
<div class="verse-tafsir"
المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.
روي أنّ رهطاً من قريش قالوا: يا محمد، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: «معاذ الله أن أشرك بالله غيره» فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت؛ فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرآها عليهم.
فأيسوا.
﴿ لاَ أَعْبُدُ ﴾ أريدت به العبادة فيما يستقبل، لأنّ (لا) لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن (ما) لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الحال، ألا ترى أن (لن) تأكيد فيما تنفيه (لا).
وقال الخليل في (لن): أنّ أصله (لا أن) والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ أي: وما كنت قطّ عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه يعني: لم تعهد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.
فإن قلت: فهلا قيل: ما عبدت، كما قيل: ما عبدتم؟
قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت.
فإن قلت: فلم جاء على (ما) دون (من)؟
قلت: لأن المراد الصفة، كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق.
وقيل: إن (ما) مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ لكم شرككم، ولي توحيدي.
والمعنى: أني نبيّ مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني، فدعونى كفافاً ولا تدعوني إلى الشرك.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت منه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك ويعافي من الفزع الأكبر» .
﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ أيْ في الحالِ أوْ فِيما سَلَفَ.
﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عابِدُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا تَأْكِيدَيْنِ عَلى طَرِيقَةٍ أبْلَغَ وإنَّما لَمْ يَقُلْ ما عَبَدْتُ لِيُطابِقَ ما عَبَدْتُمْ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ المَبْعَثِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، وهو لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ، وإنَّما قالَ ما دُونَ مَن لِأنَّ المُرادَ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ أوْ لِلْمُطابَقَةِ.
وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى الَّذِي والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.
﴿ لَكم دِينُكُمْ ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لا تَتْرُكُونَهُ.
﴿ وَلِيَ دِينِ ﴾ دِينِي الَّذِي أنا عَلَيْهِ لا أرْفُضُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ إذْنٌ في الكُفْرِ ولا مَنعٌ عَنِ الجِهادِ لِيَكُونَ مَنسُوخًا بِآيَةِ القِتالِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا فُسِّرَ بِالمُتارَكَةِ وتَقْرِيرِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ عَلى دِينِهِ، وقَدْ فُسِّرَ ال دِينِ بِالحِسابِ والجَزاءِ والدُّعاءِ والعِبادَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ الكافِرُونَ فَكَأنَّما قَرَأ رُبْعَ القُرْآنِ وتَباعَدَتْ عَنْهُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ وبَرِئَ مَنِ الشِّرْكِ».»
{وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} ولا أعبد فيما أستقبل من
الزمان ما عبدتم
﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ يَتَراءى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا لِلتَّأْكِيدِ، فالجُمْلَةُ الثّالِثَةُ المَنفِيَّةُ عَلى ما في البَحْرِ تَوْكِيدٌ لِلْأُولى عَلى وجْهِهِ أبْلَغَ لِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ، والرّابِعَةُ تَوْكِيدٌ لِلثّانِيَةِ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الطِّيبِيُّ وذَهَبَ إلَيْهِ (الفَرّاءُ) وقالَ: إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ ومِن عادَتِهِمْ تَكْرارُ الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ والإفْهامِ، فَيَقُولُ المُجِيبُ: بَلى بَلى.
والمُمْتَنِعُ: لا لا.
وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وأنْشَدَ قَوْلَهُ: كائِنٌ وكَمْ عِنْدِي لَهم مِن صَنِيعَةٍ أيادِيَ سَنُّوها عَلَيَّ وأوْجَبُوا وقَوْلَهُ: نَعَقَ الغُرابُ بِبَيْنِ لَيْلى غُدْوَةً ∗∗∗ كَمْ كَمْ وكَمْ بِفِراقِ لَيْلى يَنْعَقُ وقَوْلَهُ: هَلّا سَألْتِ جُمُوعَ كِنْ ∗∗∗ دَةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنا وهُوَ كَثِيرٌ نَظْمًا ونَثْرًا، وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ هاهُنا قَطْعُ أطْماعِ الكُفّارِ وتَحْقِيقُ أنَّهم باقُونَ عَلى الكُفْرِ أبَدًا.
واعْتُرِضَ بِأنَّ تَأْكِيدَ الجُمَلِ لا يَكُونُ مَعَ العاطِفِ إلّا بِثُمَّ وكَأنَّ القائِلَ بِذاكَ قاسَ الواوَ عَلى ثُمَّ، والظّاهِرُ أنَّ مَن قالَ بِالتَّأْكِيدِ جَعَلَ الجُمْلَةَ الرّابِعَةَ مَعْطُوفَةً عَلى الثّالِثَةِ، وجَعَلَ المَجْمُوعَ مَعْطُوفًا عَلى مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَهُناكَ مَجْمُوعانِ مُتَعاطِفانِ يُؤَكِّدُ ثانِيهِما أوَّلَهُما ولِمُغايَرَةِ الثّانِي لِلْأوَّلِ بِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ، ويَتَضَمَّنْ ذَلِكَ مَعْنى تَأْكِيدِ الجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الأوَّلِ مِنَ الأوَّلِ وتَأْكِيدِ الجُزْءِ الثّانِي مِنَ الثّانِي لِلْجُزْءِ الثّانِي مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَظاهِرُ ما في البَحْرِ مِمّا لا يَكادُ يَجُوزُ كَما لا يَخْفى، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ لا تَكْرارَ فِيهِ لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ( لا أعْبُدُ ) أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ العِبادَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ «لا» لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما أنَّ ما لا تَدْخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكُمْ، ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي، وما كُنْتُ عابِدًا قَطُّ فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ، وما عَبَدْتُمْ في وقْتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ اعْتَبَرَ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ وأنَّهُ حَمَلَ المُضارِعَ فِيها عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ، وفي الثّانِيَةِ اسْتَغْرَقَ النَّفْيُ لِلْأزْمِنَةِ الماضِيَةِ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ جَعَلَ القَرِينَتَيْنِ لِلْأُولَيَيْنِ لِلِاسْتِقْبالِ والأُخْرَيَيْنِ لِلْماضِي، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنِ الحَصْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما في لا وما غَيَرُ صَحِيحٍ، وإنْ كانا يُشْعِرُ بِهِما ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: ما ذُكِرَ أغْلَبِيٌّ أوْ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ القَرِينَةِ القائِمَةِ عَلى ما يُخالِفُهُ، أوْ هو كُلِّيٌّ ولا حَجَرَ في التَّجَوُّزِ والحَمْلِ عَلى غَيْرِهِ لِمُقْتَضٍ كَدَفْعِ التَّكْرارِ هُنا وإنْ قِيلَ بِتَحَقُّقِ الِاسْتِغْرابِ عَلى القَوْلِ بِاشْتِراطِهِ في الحِكايَةِ في عابِدِ الأوَّلِ وعَدَمِ ضَرَرِ فَقْدِهِ في الثّانِي؛ لِأنَّ النَّصْبَ بِهِ لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ: القَرِينَتانِ الأُولَيانِ لِلِاسْتِقْبالِ كَما مَرَّ، والأُخْرَيانِ لِلْحالِ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ أيْ ولَسْتُ في الحالِ بِعابِدِ مَعْبُودِيكُمْ، ولا أنْتُمْ في الحالِ بِعابِدِي مَعْبُودِي.
وقِيلَ بِالعَكْسِ وعَلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ ومُحْيِي السُّنَّةِ.
وقِيلَ: الأُولَيانِ لِلْماضِي والأُخْرَيانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ حِكايَةِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، ونُقِلَ أيْضًا عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ نَفْيُ الفِعْلِ لِأنَّها جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ نَفْيَ قَبُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ النَّفْيَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ آكَدُ فَكَأنَّهُ نَفى الفِعْلَ، وكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قابِلًا لِذَلِكَ ومَعْناهُ نَفْيُ الوُقُوعِ ونَفْيُ إمْكانِهِ الشَّرْعِيِّ، ونُوقِشَ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ نَفْيُ القَبُولِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ نَفْيُ الفِعْلِ في زَمانٍ مُعَيَّنٍ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْناها نَفْيُ الدُّخُولِ تَحْتَ هَذا المَفْهُومِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلزَّمانِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنا مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا المَفْهُومُ أصْلًا وأنْتُمْ مِمَّنْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ المَفْهُومُ فَتَدَبَّرْ.
وقِيلَ: الأُولَيانِ لِنَفْيِ الِاعْتِبارِ الَّذِي ذَكَرَهُ الكافِرُونَ، والأُخْرَيانِ لِلنَّفْيِ عَلى العُمُومِ؛ أيْ: لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ رَجاءَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ رَجاءَ أنْ أعْبُدَ صَنَمَكم.
ثُمَّ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ صَنَمَكم لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَذا أنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ وإيثارِ ما في «ما» أعْبُدُ قِيلَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ السّابِقَةِ عَلى «مَن» لِأنَّ المُرادَ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: لَمّا أُطْلِقَتْ «ما» عَلى الأصْنامِ أوَّلًا وهو إطْلاقٌ في مَحَزِّهِ أُطْلِقَتْ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ لِلْمُشاكَلَةِ، ومَن يَقُولُ: إنَّ «ما» يَجُوزُ أنْ تَقَعَ عَلى «مَن» يَعْلَمُ ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: «ما» في الأُولَيَيْنِ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولٌ بِهِ، والمَقْصُودُ المَعْبُودُ؛ أيْ: لا أعْبُدُ الأصْنامَ ولا تَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى.
وفي الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ مِثْلَ عِبادَتِكُمُ المَبْنِيَّةِ عَلى الشَّكِّ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى الشِّرْكِ المُخْرِجِ لَها عَنْ كَوْنِها عِبادَةً حَقِيقَةً ولا أنْتُمْ عابِدُونَ مِثْلَ عِبادَتِي المَبْنِيَّةِ عَلى اليَقِينِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ تَكْرارٌ أيْضًا.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في هَذا المَقامِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ إمّا كِلاهُما نَفْيُ الحالِ أوْ كِلاهُما نَفْيُ الِاسْتِقْبالِ، أوْ أحَدُهُما لِلْحالِ والآخَرُ لِلِاسْتِقْبالِ، وعَلى التَّقادِيرِ فَلَفْظُ ما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ في المَوْضِعَيْنِ وإمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ فِيهِما، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ في أحَدِهِما ومَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في الآخَرِ، وهَذِهِ سِتَّةُ احْتِمالاتٍ حاصِلَةٍ مِن ضَرْبِ الثَّلاثَةِ في الِاثْنَيْنِ.
ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَقْسِيمِ صُورَةِ الِاخْتِلافِ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الأُولى والأُخْرى، ولا إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ لِتَكْثُرَ الأقْسامُ؛ لِأنَّ صُوَرَ الِاخْتِلافِ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في دَفْعِ التَّكْرارِ، ومُؤَدّى المَوْصُولَةِ والمَوْصُوفَةِ مُتَقارِبانِ فَيُكْتَفى بِإحْداهُما، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ) في المَوْضِعَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا تَكْرارَ في صُورَةِ الِاخْتِلافِ سَواءٌ كانَ بِاعْتِبارِ الحالِ والِاسْتِقْبالِ أوْ بِاعْتِبارِ كَوْنِ ما في أحَدِهِما مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً وفي الآخَرِ مَصْدَرِيَّةً ونَفْيُ عِبادَتِهِمْ في الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ مَعْبُودَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعِبادَتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى مَعَ الإشْراكِ المُحْبِطِ لَها وجَعْلِها هَباءً مَنثُورًا كَما قِيلَ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي ∗∗∗ فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأفاضِلِ في إخْراجِ الآيَةِ عَنِ التَّكْرارِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ الأصْنامِ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ نَفْيَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ أنْ يَقُولُوا لِغَفْلَةٍ عَنِ المُرادِ أوْ نَحْوِها: كَيْفَ يَسُوغُ لَكَ أنْ تَنْفِيَ عَنْكَ عِبادَةَ ما نَعْبُدُ وعَنّا عِبادَةَ ما تَعْبُدُ ونَحْنُ أيْضًا نَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، غايَةُ ما في البابِ أنّا نَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ إلَخْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم ما عَبَدُوا اللَّهَ حَقِيقَةً وإنَّما عَبَدُوا شَيْئًا قالُوا إنَّهُ اللَّهُ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وراءَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولا أنا عابِدٌ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الإلَهَ الَّذِي عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّكم عَبَدْتُمْ شَيْئًا تَخَيَّلْتُمُوهُ وذَلِكَ بِعُنْوانِ ما تَخَيَّلْتُمْ لَيْسَ بِالإلَهِ الَّذِي أعْبُدُهُ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ؛ لِأنِّي إنَّما أعْبُدُ الإلَهَ المُتَّصِفَ بِالصِّفاتِ الَّتِي قامَ البُرْهانُ عَلى أنَّها صِفاتُ الإلَهِ.
النَّفَسُ الأمْرِيُّ ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ لِلتَّعْبِيرِ بِ «الكافِرُونَ» دُونَ «المُشْرِكُونَ» وكَأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ بِالقَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِهَذا المَعْنى ويُكْتَفى بِهِما عَنِ الأُخْرَيَيْنِ لِأنَّهُما أوْفَقُ بِجَوابِهِمْ مَعَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ أنْكى لَهم فَلا تَغْفُلْ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اخْتارَ كَوْنَ ما في القَرِينَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا بِهِ لِما قَبْلَها، والمُرادُ بِها أوَّلًا آلِهَتُهم وثانِيًا إلَهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ نَفْيُ العِبادَةِ مُلاحَظًا مَعَها التَّعَلُّقُ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ المَفْعُولِ بَلْ هو المَقْصُودُ ومَحَطُّ النَّظَرِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ وُقُوعَ القَرِينَتَيْنِ في الجَوابِ، ويَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ رِعايَةً لِلْغالِبِ في اسْتِعْمالِ «لا» داخِلَةً عَلى المُضارِعِ مَعَ كَوْنِهِ أوْفَقَ بِالجَوابِ أيْضًا، ويَكُونُ قَدْ تَمَّ بِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا أعْبُدُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَعْبُدُونَ في الحالِ مِنَ الآلِهَةِ؛ أيْ؛ لا أُحْدِثُ ذَلِكَ حَسْبَما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي وتَدْعُونَنِي إلَيْهِ، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ في المُسْتَقْبَلِ ما أعْبُدُ في الحالِ، وكَوْنُها في الأُخْرَيَيْنِ مَصْدَرِيَّةً مُؤَوَّلَةً مَعَ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِما قَبْلُ كَما فَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ الإشارَةَ إلى بَيانِ حالِ العِبادَةِ في نَفْسِها مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ وإنْ كانَتْ لا تَخْلُو عَنْهُ في الواقِعِ إثْرَ الإشارَةِ إلى بَيانِ حالِها مَعَ مُلاحَظَةِ تَعَلُّقِها بِالمَفْعُولِ، ويُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ في كِلْتَيْهِما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفي ذَلِكَ مِن إنْكائِهِمْ ما لَيْسَ في الِاقْتِصارِ عَلى ما تَمَّ بِهِ الجَوابُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا أنا عابِدٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِكُمُ الَّتِي أذْهَبْتُمْ بِها أعْمارَكُمْ؛ لِأنَّ عِبادَتِي مَأْمُورٌ بِها وعِبادَتَكم مَنهِيٌّ عَنْها، ولا أنْتُمْ عابِدُونَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عِبادَةً مِثْلَ عِبادَتِي الَّتِي أنا مُسْتَمِرٌّ عَلَيْها؛ لِأنَّكُمُ الَّذِينَ خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى وخَتَمَ عَلى قُلُوبِهِمْ وإنِّي الحَبِيبُ المَبْعُوثُ بِالحَقِّ، فَلا زِلْتُمْ في عِبادَةٍ مَنهِيٍّ عَنْها ولا زِلْتُ في عِبادَةٍ مَأْمُورٍ بِها، ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ الفَرْقَ بَيْنَ العِبادَتَيْنِ بِوَجْهٍ آخَرَ، واعْتِبارُ الِاسْتِمْرارِ في «ما أعْبُدُ» يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ ما عَبَدْتُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما عَبَدْتُمْ قَبْلَهُ إلَيْهِ، وعَنِ العُدُولِ في الثّانِيَةِ إلى ذَلِكَ لِأنَّ أنْواعَ عِبادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ تامَّةً بَعْدُ بَلْ كانَتْ تَتَجَدَّدُ لَها أنْواعٌ أُخَرُ فَأتى بِما يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ التَّجَدُّدِيَّ لِلْإشارَةِ إلى حَقِّيَّةِ جَمِيعِ ما يَأْتِي بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَقُلْ: ما عَبَدْتُ كَما قِيلَ ما عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ قَبْلَ البَعْثِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى في ذَلِكَ الوَقْتِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قَبْلَ البَعْثَةِ.
ونَصَّ أبُو الوَفاءِ عَلى ابْنِ عَقِيلٍ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَدَيِّنًا قَبْلَ بَعْثِهِ بِما يَصِحُّ عَنْهُ أنَّهُ مِن شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا بَعْدَ البَعْثِ فَقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في كِتابِ الوَفاءِ: فِيهِ رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ؛ إحْداهُما: أنَّهُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِما صَحَّ مِن شَرائِعِ مَن قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ لا مِن جِهَتِهِمْ ولا نَقْلِهِمْ ولا كُتُبِهِمُ المُبَدَّلَةِ، واخْتارَها أبُو الحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وهو قَوْلُ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، الثّانِيَةُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا إلّا بِما يُوحى إلَيْهِ مِن شَرِيعَتِهِ وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ، ولِأصْحابِ الشّافِعِيِّ وجْهانِ كالرِّوايَتَيْنِ، والقائِلُونَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَعَبِّدٌ بِشَرْعِ مَن قَبْلَهُ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ فَقِيلَ: كانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلَيْهِ أصْحابُ الشّافِعِيِّ، وقِيلَ: بِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا ما نُسِخَ في شَرْعِنا، وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مُتَعَبِّدًا بِكُلِّ ما صَحَّ أنَّهُ شَرِيعَةٌ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ ما لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ تَزَلِ العَرَبُ عَلى بَقايا دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالحَجِّ والخِتانِ وإيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ والدِّيَةِ والغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ وتَحْرِيمِ المُحَرَّمِ بِالقُرابَةِ والصِّهْرِ، وكانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والعَمَلِ بِشَرائِعِهِمُ.
انْتَهى.
والمُعْتَزِلَةُ لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ لِزَعْمِهِمْ أنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً وهو إيجابُ النُّفْرَةِ.
نَعَمْ مِن أُصُولِهِمْ وُجُوبُ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ تَعالى وأدِلَّةِ تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ ومَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ولا يُمْكِنُ أنْ يُخِلَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ.
وفي الكَشْفِ: العِبادَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ الواقِعَةِ عَلى سَبِيلِ القِرْبَةِ فالإيمانُ والنِّيَّةُ والإخْلاصُ شُرُوطٌ؛ ومِنهُ: «لَفَقِيهٌ واحِدٌ أشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِن ألْفِ عابِدٍ».
واخْتُلِفَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُتَعَبِّدًا بِهَذا المَعْنى قَبْلَ نُبُوَّتِهِ بِشَرْعٍ أوْ لا، فَمَيْلُ الإمامِ فَخْرِ الدِّينِ وجَماعَةٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ وأبِي الحُسَيْنِ البَصَرِيِّ وأتْباعِهِ إلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا، وأجابُوا عَنِ الطَّوافِ والتَّحَنُّثِ وغَيْرِهِما مِنَ المَكارِمِ أنَّها لا تَحْرُمُ مِن غَيْرِ شَرْعٍ حَتّى يُقالَ الآتِي بِها لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَبِّدًا بَلْ هي مِنَ اقْتِضاءِ العاداتِ المُسْتَمِرَّةِ والمَكارِمِ الغَرِيزِيَّةِ دُونَ نَظَرٍ إلى قُرْبَةٍ، والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ ذَلِكَ القَوْلَ وعَلَيْهِ بَنى تَفْسِيرَهُ.
وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ أصْلَهُ في وُجُوبِ التَّعَبُّدِ العَقْلِيِّ بِالنَّظَرِ في الآياتِ وأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ، ثُمَّ قالَ: والظّاهِرُ حَمْلُ ( ما أعْبُدُ ) عَلى إفادَةِ الِاسْتِمْرارِ والتَّصْوِيرِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ ما كانَ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما مَضى عِبادَةً كانَتْ أوْ لا، بَلْ كانُوا يُعَظِّمُونَهُ ويُلَقِّبُونَهُ بِالأمِينِ إنَّما كانَ المُنْكَرُ ما كانَ عَلَيْهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ ثانِيًا: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ إذْ لَوْ قِيلَ: ما عَبَدْتُ لَمْ يُطابِقِ المَقامَ، وفِيهِ أنَّ ما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِن مُوافَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا بِالدَّعْوَةِ انْتَهى.
فَتَدَبَّرْهُ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَغايُرَ الأسالِيبِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِتَغايُرِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي تَكْلِيفِ مِثْلِ هَؤُلاءِ المُخاطِبِينَ بِما ذُكِرَ عَلى القَوْلِ بِإفادَتِهِ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ بِالإيمانِ بَحْثٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الأُصُولِ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ تَبَّتْ إشارَةٌ ما إلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ست آيات مكيّة قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وذلك أن قريشاً قالوا للنبي : إن يَسُرّك بأن نتبعك عاماً ونترك ديننا ونتبع دينك وترجع إلى ديننا عاماً.
فنزلت هذه السورة وقال مقاتل: نزلت في المستهزئين وذلك أن النبي لما قرأ سورة النجم وجرى على لسانه ما جرى فقال أبو جهل أخزاه الله لا يفارقنا إلا على أحد أمرين ندخل معك في بعض ما تعبد وتدخل معنا في بعض ديننا أو نتبرأ من آلهتنا وتتبرأ من إلهك فنزلت هذه السورة، وقال الكلبي: إنهم أتوا العباس فقالوا له: لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول وآمنا به فنزل قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ويقال إنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك يؤذينا ونحن لا نؤذيه بحرمتك فدعاه أبو طالب وذكر ذلك له فقال رسول الله : «إنَّما أَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ» فقال ما هي؟
قال: «لا إله إلا الله» فنفروا عن هذه الكلمة فنزلت قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ يعني: قل يا محمد لأهل مكة لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ يعني: لاَ أَعْبُدُ بعد هذا مَا تَعْبُدُونَ أنتم من الأوثان ولا أرجع إلى دينكم وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ يعني: لا تعبدون أنتم بعد هذا الرب الذي أعبده أنا حتى ترون ما يستقبلكم غدا وهذا كقوله عز وجل: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً [الكهف: 29] قوله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ يعني: لست أنا في الحال عابداً لأصنامكم وما كنت عابداً لها قبل هذا لأني علمت مضرة عبادتها وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ يعني: لستم عابدين في الحال لجهلكم وغفلتكم وقلة عقلكم.
ثم قال عز وجل: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ يعني: قد أكملت عليكم الحجة فليس عليّ أن أجبركم على الإسلام فاثبتوا على دينكم حتى تروا ماذا يستقبلكم غداً وأنا أثبت على ديني الذي أكرمني الله تعالى به ولا أرجع إلى دينكم أبداً وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسخ بآية القتال، فيها دليل أن الرجل إذا رأى منكراً أو سمع قولاً منكراً فأنكره فلم يقبلوا منه لا يجب عليه أكثر من ذلك وإنما عليه أن يحفظ مذهبه وطريقه ويتركهم على مذهبهم وطريقهم.
وقال الحسن سمعت شيخاً يحدث قال: بينما أسير مع النبيّ فسمع رجلاً يقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فقال: «أَمَّا هذا فَقَدْ بَرِىء مِنَ الشِّرْكِ» وسمع رجلاً يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقال: «أَمَّا هذا فَقَدْ غَفَرَ الله تَعَالَى لَهُ» والله أعلم.
سُورَةُ الكافِرُونَ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.
ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها.
اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ لَقُوا العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالُوا: يا أبا الفَضْلِ: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ أسْلَمَ بَعْضَ آلِهَتِنا لَصَدَّقْناهُ بِما يَقُولُ ولَآمَنّا بِإلَهِهِ، فَأتاهُ العَبّاسُ فَأخْبَرَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقِيا رَسُولَ اللَّهِ فَقالا يا مُحَمَّدُ: لا نَدَعُكَ حَتّى تَتَّبِعَ دِينَنا، ونَتَّبِعَ دِينَكَ، فَإنْ كانَ أمْرُنا رُشْدًا كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، وإنْ كانَ أمْرُكَ رُشْدًا كُنّا قَدْ أخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلنَّبِيِّ : إنْ سَرَّكَ أنْ نَتَّبِعَ دِينَكَ عامًا، وتَرْجِعَ إلى دِينِنا عامًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ وهْبٌ.
قالَ مُقاتِلٌ في آخَرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أبِي جَهْلٍ وفي المُسْتَهْزِئِينَ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ أحَدٌ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ فَهو في مَوْضِعِ " مَن " ولَكِنَّهُ جُعِلَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَعْبُدُونَ ﴾ وهي الأصْنامُ.
وفي تَكْرارِ الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لِتَأْكِيدِ الأمْرِ، وحَسْمِ أطْماعِهِمْ فِيهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وقَدْ أنْعَمْنا شَرْحَ هَذا في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٣] .
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ في حالِي هَذِهِ ﴿ وَلا أنْتُمْ ﴾ في حالِكم هَذِهِ ﴿ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ فِيما أسْتَقْبِلُ، وكَذَلِكَ أنْتُمْ، فَنَفى عَنْهُ وعَنْهم ذَلِكَ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وهَذا في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ، فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ تَكْرارًا، هَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ، والزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ فَتَحَ ياءَ " ولِيَ " نافِعٌ، وحَفْصٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ.
وأثْبَتَ ياءَ " دِينِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
وهَذا مَنسُوخٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بِآيَةِ السَّيْفِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكافِرُونَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ إجْماعًا.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا".
ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ جَماعَةً مِن عُتاةِ قُرَيْشٍ ورِجالاتِها قالُوا لِلنَّبِيِّ : دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ولَنَعْبُدْ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، هَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ ولَفْظِهِمْ، لَكِنْ لِلرُّواةِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ.
ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الجَماعَةَ المَذْكُورَةَ هُمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأُبِيُّ بْنُ خَلَفٍ وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ، ولِرَسُولِ اللهِ مَعَهم في هَذِهِ المَعانِي مَقاماتٌ نَزَلَتِ السُورَةُ في إحْداها بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: هَلُمَّ نَشْتَرِكُ في عِبادَةِ إلَهِكَ وآلِهَتِنا، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: اعْبُدْ إلَهَنا عامًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ عامًا، فَأخْبَرَهم عن أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، وأنَّهم غَيْرُ عابِدِينَ ما يَعْبُدُ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: "لا أعْبُدُ" مُحْتَمَلًا أنْ يُرادَ بِهِ "الآنَ" ويَبْقى المُسْتَأْنِفُ مُنْتَظِرًا ما يَكُونُ فِيهِ مِن عِبادَتِهِ جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ أيٍ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ ﴾ ، أما إنَّ هَذا في مَعْنَيَيْنِ، وقَوْمُ نُوحٍ عَمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا، مَعْنى التَرْدِيدِ الَّذِي في السُورَةِ وهو بارِعُ الفَصاحَةِ ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ مَعَ التَأْكِيدِ والإبْلاغِ، وزادَ الأمْرَ بَيانًا وتَبَرِّيًا مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ وفي هَذا المَعْنى الَّذِي عَرَضَتْ قُرَيْشٌ نَزَلَ أيْضًا: ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ ﴾ .
وقَرَأ أبُو عُمَرَ: "وَلِيَ دِينِ" ساكِنَةَ الياءِ مِن "لِي" ونَصَبَها الباقُونَ بِخِلافٍ، عن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وأمالَ قَوْمٌ "عابِدٌ" و"عابِدُونَ" وفَتَحَها قَوْمٌ، وهُما حَسَنَتانِ أيْضًا، ولَمْ يَخْتَلِفِ السَبْعَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "دِينِ"، وأثْبَتَها سَلّامٌ، ويَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: في هَذِهِ الألْفاظِ مُهادَنَةُ ما، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الكافِرُونَ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
عطف على ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ [الكافرون: 3] عطفَ الجملة على الجملة لمناسبة نفي أو يعبدوا الله فأردف بنفي أن يعبد هو آلهتهم، وعطفُه بالواو صارف عن أن يكون المقصود به تأكيدَ ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ فجاء به على طريقة: ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ بالجملة الإسمية.
للدلالة على الثبات، وبكَون الخبر اسم فاعل دالاً على زمان الحال، فلما نفَى عن نفسه أن يعبد في المستقبل ما يعبدونه بقوله: ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ كما تقدم آنفاً، صرح هنا بما تقتضيه دلالة الفحوى على نفي أن يعبد آلهتهم في الحال، بما هو صريح الدلالة على ذلك لأن المقام يقتضي مزيد البيان، فاقتضى الاعتمادَ على دلالة المنطوق إطناباً في الكلام، لتأييسهم مما راودوه عليه ولمقابلة كلامهم المردود بمثله في إفادة الثبات.
وحصل من ذلك تقرير المعنى السابق وتأكيده، تبعاً لمدلول الجملة لا لموقعها، لأن موقعها أنها عطف على جملة: ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ وليست توكيداً لجملة: ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ بمرادفها لأن التوكيد للفظ بالمرادف لا يعرف إلا في المفردات ولأن وجود الواو يُعيِّن أنها معطوفة إذ ليس في جملة: ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ واو حتى يكون الواو في هذه الجملة مؤكداً لها.
ولا يجوز الفصل بين الجملتين بالواو لأن الواو لا يفصل بها بين الجملتين في التوكيد اللفظي.
والأجود الفصل ب (ثم) كما في «التسهيل» مقتصراً على (ثُم).
وزاد الرضي الفَاء ولم يأت له بشاهد ولكنه قال: «وقد تكون (ثم) والفاء لمجرد التدرج في الارتقاء وإن لم يكن المعطوف مترتباً في الذكر على المعطوف عليه وذلك إذا تكرر الأول بلفظه نحو: بالله، فالله، ونحو واللَّهِ ثم واللَّهِ».
وجيء بالفعل الماضي في قوله: ﴿ ما عبدتم ﴾ للدلالة على رسوخهم في عبادة الأصنام من أزمان مضت، وفيه رمز إلى تنزهه صلى الله عليه وسلم من عبادة الأصنام من سالف الزمان وإلا لقال: ولا أنا عابد ما كُنا نعبد.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.
﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ.
وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ » فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ.
﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.
﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ.
فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟
قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟
قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى.
﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي.
وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه قال: أنزلت بالمدينة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوّجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكر آلهتنا بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح.
قال: ما هي؟
قالوا: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة.
قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ الآية.
وأنزل الله: ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾ [ الزمر: 64] إلى قوله: ﴿ الشاكرين ﴾ [ الزمر: 66] .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك عاماً وترجع إلى ديننا عاماً فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ حتى انقضت السورة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ السورة كلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال: كانت هذه السورة تسمى المقشقشة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت ثم جاء مقام إبراهيم فقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ [ البقرة: 125] ثم صلى فقرأ بفاتحة الكتاب و ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ [ الاخلاص: 1] فقال كذلك الله: ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ قال: ذاك الله ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ قال: كذلك الله ثم ركع وسجد ثم قرأ بفاتحة الكتاب و ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ قال: لا أعبد إلا الله ﴿ ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ فقال: لا أعبد إلا الله ﴿ لكم دينكم ولي دين ﴾ ثم ركع وسجد.
وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج ابن ماجة عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت ثم صلى ركعتين قرأ فيهما ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد.
وأخرج مسلم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين مرة وفي لفظ شهراً فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج ابن الضريس والحاكم في الكنى وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً في غزوة تبوك فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ويقول: نعم السورتان تعدل واحدة بربع القرآن والأخرى بثلث القرآن.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل صلاة الفجر ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ كانت له عدل ربع القرآن» .
وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن أبي العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن» .
وأخرج مسدد عن رجل من الصحابة قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وعشرين مرة يقول: «نعم السورتان يقرأ بهما في الركعتين الأحد الصمد و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » .
وأخرج أحمد وابن الضريس والبغوي وحميد بن زنجويه في ترغيبه عن شيخ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فمر برجل يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وإذا آخر يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بها وجبت له الجنة» ، وفي رواية: «أما هذا فقد غفر له» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: إني حديث عهد بشرك فمرني بآية تبرئني من الشرك فقال: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » قال: فما أخطأها أبي من يوم ولا ليلة حتى فارق الدنيا.
وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنوفل بن معاوية الأشجعي: «إذا أتيت مضجعك للنوم فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فإنك إذا قرأتها فقد برئت من الشرك» .
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة وقال الطبراني عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة قال: قلت يا رسول الله: علمني شيئاً أقوله: عند منامي قال: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ عند منامك فإنها براءة من الشرك» .
وأخرج الديلمي عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المنافق لا يصلي الضحى ولا يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » .
وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإِشراك بالله، تقرؤون ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ عند منامكم» .
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أخذت مضجعك فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » وان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت فراشه قط إلا قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ حتى يختم.
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ » .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي مسعود الأنصاري قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ في ليلة فقد أكثر وأطاب.
وأخرج الطبراني في الصغير عن علي قال: «لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره ثم دعا بماء وملح وجعل يمسح عليها ويقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ [ الفلق: 1] و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [ الناس: 1] » .
وأخرج أبو يعلى عن جبير بن مطعم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحب يا جبير إذا خرجت سفراً أن تكون أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟
قلت: نعم بأبي أنت وأمي.
قال: فاقرأ هذه السور الخمس ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ وافتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم» قال جبير: وكنت غنياً كثير المال، فكنت أخرج في سفر فأكون من أبذهم هيئة وأقلهم زاداً، فما زلت منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأت بهن أكون من أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً حتى أرجع من سفري.
وأخرج ابن الضريس عن عمرو بن مالك قال: كان أبو الجوزاء يقول: أكثروا من قراءة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وابرأوا منهم.
﴿ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴾ يعني فيما بعد اليوم.
﴿ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ فيما بعد (١) قالوا: فلما قرأ رسول الله - - هذه السورة عليهم علموا (٢) وقال (٣) (٤) وروي أن رسول الله - - قال لرجل: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ فإنها براءة من الشرك" (٥) قال أبو إسحاق: نفى رسول الله - -بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال، وفيما يستقبل، (ونفى عنهم عبادة الله في الحال وفيما يستقبل) (٦) ﴿ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ﴾ (٧) ونحو هذا قال أبو عبيدة (٨) (٩) وشرحه ابن الأنباري فقال حاكيًا عن أحمد بن يحيى، معنى التكرار فيه: أنه أراد (لا أعبد ما تعبدون) الساعة، وفي هذا الوقت، ﴿ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ في هذا الوقت أيضًا (ولا أنا عابد ما عبدتم) فيما أْستقبل، (ولا أنتم عابدون ما أعبد) فيما تستقبلون (١٠) وقال صاحب النظم: إنما كرر، لأنه جوزي به الكلام الذي كان هذا جوابه؛ لأنهم قالوا للنبي - -: تعبد آلهتنا لمدة ذكروها، ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا مدة، ونعبد إلهك، فأجيبوا برد ذلك ودفعه على المثال الذي تكلموا به (١١) وقال ابن قتيبة: إن من مذاهب العرب التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز، ولا موضع أولى بالتكرار للتوكيد من الذي نزلت فيه: (قل يا أيها الكافرون)، لأنهم أرادوه على أن يعبد ما يعبدون، ليعبدوا ما يعبد أبدؤوا في ذلك وأعادوا، فأراد الله حسم أطماعهم -قال- وفيه وجه آخر: وهو أن القرآن كان ينزل شيئًا بعد شيء، وآية بعد آية، جوابًا لهم يسألون، وردًا عن النبي - - فكأن المشركين قالوا (له) (١٢) (١٣) ثم غبروا (١٤) (١٥) (١٦) أي لا أعبد آلهتكم على ما تشارطون، ولا أنتم أيضًا عابدون إلا هي (١٧) (١٨) (١٩) قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ قال (ابن عباس (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال أهل المعاني: معنى الآية: لكم جزاؤكم على عبادة الوثن، ولي جزائي على عبادة ربي، وعلى هذا يكون الدين بمعنى: الجزاء، ويجوز أن يكون على تقدير: المضاف لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني (٢٣) وحسبك بجزاء دينهم وبالًا وعقابًا، كما حسبك بجزاء دينه إمتاعًا وثوابًا.
(١) في (أ): (بعد).
(٢) في (أ): (علم).
(٣) في (ع): (قال).
(٤) ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 358، و"زاد المسير" 8/ 322 - "حاشية الأزهرية".
(٥) الحديث أخرجه الدارمي في: "سننه" 2/ 915: ح:3302: كتاب "فضائل القرآن" باب 23 من حديث زهير عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه، والإمام أحمد في "المسند" 5/ 456 من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق.
وأبو داود في "سننه" 2/ 661: كتاب الآداب: باب ما يقول عند النوم من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن رجل.
والترمذي في "سننه" 5/ 474 ح 3403: كتاب الدعوات: باب 22: قال أبو عيسى: وروى زهير هذا الحديث عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه عن النبي - - نحوه وهذا أشبه وأصح من حديث شعبة، وقد اضطرب أصحاب أبي إسحاق في هذا الحديث.
كما ورد في "الدر المنثور"8/ 657 وزاد في عزوه إلى ابن أبي شيبة، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعبه عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه: 3/ 498 ح 2520.
كما ورد بمعناه في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 599 وعزاه إلى أحمد، والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة.
(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 371.
(٨) "مجاز القرآن" 2/ 314.
(٩) ورد قوله في: "النكت والعيون" 6/ 358، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 228، و"فتح القدير" 5/ 506.
(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.
وقد علق الشوكاني حول ما ذكره أبو عبيدة، والأخفش، وابن الأنباري قال: وكل هذا فيه من التكلف والتعسف ما لا يخفى على منصف، فإن جعل قوله: "ولا أعبد ما تعبدون" للاستقبال، وإن كان صحيحًا على مقتضى اللغة العربية، ولكنه لا يتم جعل قوله: "ولا أنتم عابدون ما أعبد" للاستقبال، لأن الجملة الاسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات، فدخول المني عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام والثبات في كل الأوقات، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحًا للزم مثله في قوله: "ولا أنا عابد ما عبدتم" وفي قوله: "ولا أنتم عابدون ما أعبد" فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الأخريتين على الحال، وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس، لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المبتدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيما بعده؛ منفية كلها بحرف واحد، وهو لفظ "لا" في كل واحد منها، فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة.
"فتح القدير" 5/ 507.
(١١) لم أعثر على مصدر لقوله.
(١٢) ساقط من (أ).
(١٣) في (أ)، (ع): (استلم)، والمثبت من مصدر القول.
(١٤) غير الشيء غبورًا: مكث وذهب.
"لسان العرب" 3/ 5 (غير).
(١٥) ساقطة من النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول لاستقامة الكلام به وانتظامه.
(١٦) "تأويل مشكل القرآن" 237 - 238 بيسير من التصرف.
(١٧) في (ع): (الهي).
(١٨) أي ابن قتية.
(١٩) ما بين القوسين قول ابن قتيبة.
انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 239.
(٢٠) "التفسير الكبير" 32/ 147.
(٢١) حكاه عن المفسرين ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 531، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 323، وقال به أيضًا السمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 521، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 170 ب.
(٢٢) وممن قال أيضًا بأنها منسوخة بآية السيف: هبة الله في: "الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ" ص 206، والبارزي في: "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" ص 58، وابن طاهر البغدادي في: "الناسخ والمنسوخ" ص 161.
وقد رد ابن الجوزي دعوى النسخ فيها قال: قال الأكثرون نسخت بآية السيف، ثم قال: وإنما يصح هذا لو كان المعنى: قد أقررتكم على دينكم، وإذا كان لم يكن المفهوم هذا بعد النسخ راجع: "المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ" ص 59، وله أيضًا: "نواسخ القرآن" ص 253.
كما رده أيضًا د.
حلمي كامل؛ محقق كتاب البغدادي "ناسخ القرآن العزيز" ص 161 - 165 فقد بين أنه لا تعارض بين الآية وبين آية السيف، الأمر الذي لا يدعو إلى القول بالنسخ، ثم قال: والقول بالنسخ متعارض من كل وجه لا يمكن معه الجمع بين الآيتين، لا مسوغ له، ولا يصار إليه.
(٢٣) لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد ورد بمعناه من غير عزو في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 229.
<div class="verse-tafsir"
سبب هذه السورة «أن قوماً من قريش منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن وائل وأبو جهل ونظراؤهم قالوا: يا محمد اتبع ديننا ونتبع دينك، أعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة.
فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئاً، ونزلت السورة» في معنى البراءة من آلهتهم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأها برئ من الشرك ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ هذا إخبار أنه لا يعبد أصنامهم، فإن قيل: لم كرر هذا المعنى بقوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ ؟
فالجواب من وجهين أحدهما قاله الزمخشري وهو أن قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يريد في الزمان المستقبل وقوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ يريد به فيما مضى، أي ما كنت قط عابداً ما عبدتم فيما سلف، فكيف تطلبون ذلك مني الآن.
الثاني قاله ابن عطية: وهو أن قوله: لا أعبد ما تعبدون لما كان يحتمل أن يراد به زمان الحال خاصة قال: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ أي: أبداً ما عشت.
لأن لا النافية إذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للاستقبال فقوله: لا أعبد لا يحتمل أن يراد به الحال.
ويحتمل عندي أن يكون قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يراد به في المستقبل.
على حسب ما تقتضيه لا من الاستقبال، ويكون قوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ يريد به في الحال، فيحصل من المجموع نفي عبادته الأصنام في الحال والاستقبال.
ومعنى الحال في قوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ ثم أظهر من معنى المضي الذي قاله الزمخشري، ومن معنى الاستقبال فإن قولك: ما زيد بقائم ينفي الجملة الاسمية يقتضي الحال.
﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ هذا إخبار أن هؤلاء الكفار لا يعبدون الله، كما قيل لنوح: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ [هود: 36] إلا أن هذا في حق قوم مخصوصين ماتوا على الكفر، وقد روي أن هؤلاء الجماعة المذكورين هم أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبيّ بن خلف وابن الحجاج وكلهم ماتوا كفاراً، فإن قيل: لم قال ما أعبد بما دون من التي هي موضوعة لمن يعقل؟
فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدهما أن ذلك لمناسبة قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ فإن هذا واقع على الأصنام التي لا تعقل ثم جعل ما أعبد على طريقته لتناسب اللفظ.
الثاني أنه أراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، قال الزمخشري.
الثالث أن ما مصدرية والتقدير: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي وهذا ضعيف، فإن قيل لم كرّر هذا المعنى واللفظ فقال بعد ذلك: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ مرة أخرى؟
فالجواب من وجهين: أحدهما قول الزمخشري: وهو أن الأوّل في المستقبل والثاني فيما مضى والآخر قاله ابن عطية وهو أن الأول في الحال والثاني في الاستقبال فهو حتم عليهم أن لا يؤمنوا أبداً ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ أي لكم شرككم ولي توحيدي وهذه براءة منهم، وفيها مسالمة منسوخة بالسيف.
القراءات ﴿ عابدون ﴾ وما بعده بالإمالة قتيبة والحلواني عن هشام ﴿ ولي الدين ﴾ بالفتح: نافع غير إسماعيل وحفص والمفضل وهشام وزمعة عن ابن كثير ﴿ وديني ﴾ بالإسكان في الحالين: يعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ الكافرون ﴾ ه لا ﴿ ما تعبدون ﴾ ه لا ﴿ أعبد ﴾ ه ج للتكرار مع العطف ﴿ عبدتم ﴾ ه لا ﴿ أعبد ﴾ ه ط ﴿ دين ﴾ ه.
التفسير: هذد السورة تسمى أيضاً سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة.
وروي " "من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن" فأوّلها العلماء بأن القرآن فيه مأمورات ومنهيات، وكل منهما إمّا أن يتعلق بالقلب والجوراح، وإما أن يتعلق بالجوارح، وهذه السورة تتضمن القسم الثالث أعني النهي المتعلق بالقلب فكانت ربعاً لما يتعلق بالتكاليف من القرآن بل ربعاً للقرآن لأن المقصود الأصلي من المواعظ والقصص وغيرها هو التزام التكاليف كما قال ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ يروى أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف قالوا لرسول الله تعال حتى نعبد إلهك مدّة وتعبد إلهنا مدّة فيحصل الصلح بيننا وبينك وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً فنزلت هذه السورة ونزل قوله ﴿ قل أفغير الله تأمرونّي أعبد أيها الجاهلون ﴾ فتارة وصفهم بالجهل وتارة خاطبهم بالكفر، فالجهل كالشجرة والكفر كالثمرة، ولكن الكفر أشنع من الجهل، فقد يكون الجهل غير ضارّ كما روي أنه قال في علم الأنساب " "علم لا ينفع ولا يضر" ولهذا خصت السورة بهذا الخطاب لأنها بأسرها فيهم.
وروي عن علي أن " يا " نداء النفس " و" أي" نداء القلب و " ها " نداء الروح.
وبوجه آخر " يا " للغائب و " أي " للحاضر و " ها " للتنبيه.
كان الله يقول أدعوك ثلاثاً ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجلهلك بحقي.
ثم الخطاب مع جميع الكفار أو مع بعضهم، وعلى الأول يدخله التخصيص لا محالة لأن فيهم من يعبد الله كأهل الكتاب فلا يجوز أن يقول لهم ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ وفيهم من آمن بعد ذلك فلا يجوز أن يخبر عنهم بقوله ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ وعلى الثاني يكون خطاباً لبعض الكفرة المعهودين الحاضرين وهو الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، ولا يلزم التخصيص فيكون أولى.
أما ظاهر التكرار الذي وقع في هذه السورة ففيه قولان: أحدهما أنه للتأكيد وأىّ موضع أحوج إلى التأكيد من هذا المقام فإنهم رجعوا إلى النبي فيما طلبوا منه مراراً، وسكت الرسول عن الجواب فوقع في قلوبهم أنه قد مال إلى دينهم بعض الميل.
وروي أنهم ذكروا قولهم تعبد إلهنا مدة ونعبد إلهك مدة مرتين، فأجيبوا مكرراً على وفق قولهم وهو نوع من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد قد يجاب عنه بنفيه مكرراً للاستخفاف وحسم مادة الطمع.
القول الثاني: إن الأول للمستقبل وعلامته لا التي هي للاستقبال بدليل أن " لن " نفي للاستقبال على سبيل التوكيد أو التأبيد.
وزعم الخليل أن أصله " لا أن " والثاني للحال والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي.
ثم قال ﴿ ولا أنا عابد ﴾ في الحال ﴿ ما عبدتم ولا أنتم ﴾ في الحال بعابدين لمعبودي.
وعلى هذا القول زعم بعضهم أن الأمر بالعكس إذا الترتيب أن ينفى الحال أوّلاً ثم الاستقبال، وللأولين أن يجيبوا بأنهم إنما دعوه إلى عبادة غير الله في الاستقبال فكان الابتداء به أهم.
وفائدة الإخبار عن الحال وكان معلوماً أنه ما كان يعبد الصنم والكفار كانوا يعبدون الله في بعض الأحوال هي أن لا يتوهم أحد أنه يعبد غير الله سراً خوفاً أو طمعاً، وعبادة الكفار لم تكن معتدّاً بها لأجل الشرك.
ولأبي مسلم قول ثالث هو أن ما في الأولين بمعنى الذي، وأما في الآخرين فمصدرية أي ولا أنا عابد عبادتكم المبنية على الإشراك، ولا أنتم عابدون عبادتي المبنية على اليقين.
ووجه رابع وهو أن يحمل الأول على نفي الالتماس الصادر عنهم، والآخر على النفي المطلق العام المتناول لجميع الجهات كمن يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعم فيقول: لا أظلم لغرض التنعم بل لا أظلم رأساً لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض.
قوله ﴿ ما تعبدون ﴾ ليس فيه إشكال إنما الإشكال في قوله ﴿ ما أعبد ﴾ فأجيب بعد تسليم أن " ما " ليست أعم بأن المراد به الصفة كأنه قيل: لا أعبد الباطل ولكن أعبد الحق أو هي " ما " المصدرية على نحوم ما مر، أو هي للطباق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة ﴾ فإن قيل: لما كان المقام مقام التأكيد والمبالغة ولهذا كرر ما كرر فلم لم يقل " لن أعبد " كما قال أصحاب الكهف ﴿ لن ندعو من دونه إلهاً ﴾ قلت: إن أصحاب الكهف كانوا متهمين بعبادة الأصنام لأنه قد وجد منهم ذلك قبل أن أرشدهم الله، وإن محمداً لم يكن متهماً بذلك قط يحتج إلى المبالغة بـ " لن " ثم أوّل السورة لما اشتمل على التشديد البليغ وهو النداء بالكفر والتكرير فاشتمل آخرها على اللطف من بعض الوجوه كأنه قال: قد بالغت في منعكم من هذا الأمر القبيح فإن لم تقبلوا قولي فاتركوني سواء بسواء.
قال ابن عباس: لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص.
ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن السورة منسوخة بآية القتال.
والمحققون على أنه لا نسخ بل المراد التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ وقيل: الدين الجزاء.
وقيل: المضاف محذوف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني.
وقيل: الدين العبادة.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ...
﴾ إلى آخرها.
ذكر أنها نزلت في منابذة المتمردين المعاندين منهم، الذين علم الله - - منهم أنهم لا يؤمنون أبدا، ولا يرجعون عما هم عليه من عبادة الأوثان إلى التوحيد والإسلام؛ لأنه لا كل كافر يكون على وصف أنه لا يعبد الله - - في وقت من الأوقات؛ إذ قد يجوز أن يكون كافراً في وقت، ثم يسلم في وقت آخر؛ فدل ما ذكرنا أنها نزلت في المتمردين المعاندين الذين علم الله - - أنهم يثبتون على الكفر، ولا يؤمنون أبدا، وكان كما أخبر،؛ ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ إذ أخبر أنهم لا يؤمنون، فلم يؤمنوا، وماتوا على الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أنتم الآن، ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ ﴾ اليوم ﴿ مَآ أَعْبُدُ ﴾ فيما بعد اليوم.
وقال بعضهم: الأول: فيما مضى من الوقت، والثاني إخبار عن الحال، والآخر فيما بقي من الوقت.
ولكن لا يجيء أن يكون هكذا؛ بل يجيء أن يكون قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ في حادث الوقت؛ لأن حرف "ما" إنما يستعمل في حادث الأوقات، يقول الرجل: لا أفعل كذا، يريد به: حادث الوقت.
وقوله: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ كذلك - أيضا - في حادث الأوقات، أو إخبار عن الحال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ إنما هو إخبار عن الماضي من الأوقات؛ كأنه يقول: لم أكن أنا عابدا في وقت من الأوقات، وهذا يدل على أن رسول الله لم يكن عبد غير الله قط.
وفي هذه السورة وجهان من الدلالة: أحدهما: ما ذكرنا من إثبات الرسالة.
والثاني: إخبار عن الإياس لهم من رسول الله عن أن يرجع إلى دينهم أبدا، وقطع رجائهم وطمعهم في ذلك.
وفيه - أيضا - أن من أشرك غيره في عبادة الله - وتعالى - أو عبد غيره دونه على رجاء القربة إلى الله - - فهو ليس بعابد لله - - ولا موحد له؛ لأن أولئك إنما عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم، ورجاء أن تقربهم إلى الله - - زلفى؛ أخبر أنها لا تقربهم زلفى، وأنهم ليسوا بموحدين، ولا عابدين لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لكم جزاء دينكم الذي دنتم، ولي جزاء ديني الذي دنت.
والثاني: على المنابذة والإياس، لكم ما اخترتم من الدين، ولي ما اخترت، لا يعود واحد منا إلى دين الآخر، وكان قبل ذلك يطمع كل فريق عود الفريق الآخر إلى دينهم الذي هم عليه.
وقوله - -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ليس على الأمر، على ما نذكر في سورة الإخلاص والمعوذتين؛ إذ لو كان على الأمر فهو يلزم أن يقول كل واحد منا لكل كافر ذلك، فإذا لم يلزم دل أنه ليس على الأمر.
وفي حرف ابن مسعود - -: (قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولى دين).
وعنه أنه قال: "من قرأ هذه السورة فقد أكثر وأطنب".
وفي حديث مرفوع من النبي أنه قال لرجل: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ؛ فإنه براءة من الشرك" وأهل التأويل يقولون: إن سببن زول هذه ومنابذته أياهم: أن رهطا من قريش قالوا لرسول الله : هلم فلنعبد ما تعبد، واعبد أنت ما نعبد نحن؛ فيكون أمرنا أمرا واحدا؛ فنزلت هذه السورة.
قال أبو عوسجة: الدين: العادة، تقول: هذا ديني، أي: عادتي.
ثم المعنى الذي وقع عليه التكرار لهذه الأحرف عندنا: أن التكرار حرف جرى الاستعمال به في موضع المبالغة والتأكيد لما قصد به من الكلام في أي كلام كان، رجاء كان، أو وعيداً أو غيره، كقولهم: بخ بخ، والويل الويل، وهيهات هيهات، وغير ذلك، فكذلك في هذا الموضع لما وقع الإياس عن إيمانهم بالله - - بما علم النبي بطريق الوحي أنهم لا يؤمنون، كرر هذا الكلام؛ تأكيدا للإياس وإبلاغا فيه، والله أعلم.
[وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين].
ولا أنا عابد ما عبدتم من الأصنام.
<div class="verse-tafsir" id="91.3ZBgG"
(الكافر): هو المعاند الجاحد الذي رأى ضياء الحق أغمض عينيه وإذا سمع الحرف من كلمته سد أذنيه..
ذلك الذي لا يبحث في دليل بعد عرضه عليه ولا يذعن لحجة إذا اخترقت فؤاده، بل يدفع جميع ذلك حبًا فيما وجد نفسه فيه مع الكثير ممن حوله، واستند في التمسك به إلى تقليد من سلفه.
فهذا الصنف هو الذي قال الله فيه: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ .
بعض هذا الصنف -بل الغالب من أفراده- يقول للداعي إلى الحق، أو يحدث نفسه ليلهيها عن فهمه: إلى ما يدعونا؟!
إلى الله؟
فنحن نعتقد به.
إلى توحيده؟
فنحن نوحده.
وغاية ما في الأمر نتخذ شفعاء إليه نسأله بحقهم عنده، أو بمكانتهم لديه..
إلى عبادته؟
فنحن نركع ونسجد له!
وغاية ما عندنا -زيادة على ذلك- أننا نعظم أولياءه وأهل الشفاعة عنده، ونتوسل إليهم ليتوسلوا إليه.
هذه وساوسهم وهذه أمانيهم، فأراد الله سبحانه أن يقطع العلاقة بينهم وبين ما عليه الداعي إلى الحق بأصرح ما يمكن أن يصرح به فقال له: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ : أي أن الإله الذي تزعمون أنكم تعبدونه ليس هو الذي أعبده لأنكم إنما تعبدون ذلك الذي يتخذ الشفعاء أو الولد، أو الذي يظهر في شخص، أو يتجلى في صورة معينة، أو نحو ذلك مما تزعمون.
وإنما أعبد إلهًا منزهًا عن جميع ما تصفون به إلهكم.
﴿ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ أي أنكم لستم بعابدين إلهي الذي أدعو إليه، كما تزعمون.
فإنكم زعمتم أن الذي تعبدونه يتقرب إليه بتعظيم الوسائط لديه فتوسلتم بها إليه، وتعتقدون أنه يقبل توسطها عنده.
فهذا الذي تعبدونه ليس الذي أعبد، فلهذا لا تعبدون ما أعبد، بل تعصونه وتخالفون أمره.
ثم لما كانوا يظنون أن عبادتهم التي يؤدونها أمام شفعائهم، أو في المعابد التي أقاموها لهم وبأسمائهم، أو يؤدونها لله في المعابد الخاصة به، أو في خلواتهم -وهم على اعتقادهم بالشفعاء- عبادة لله خالصة، وأن النبي لا يفضلهم في شيء..
نفى أن تكون عبادته مماثلة لعبادتهم، وأن تكون عبادتهم مماثلة لعبادته فقال: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ ﴾ .
فما هذه مصدرية، وليست بالموصولة مثل التي تقدمت، أي ولا أنا بعابد عبادتكم.
(ولا أنتم عابدون ما أعبد): أي ولا أنتم عابدون عبادتي.
فمفاد الجملتين الأوليين الاختلاف التام في المعبود.
ومفاد الجملتين الأخريين تمام الاختلاف في العبادة: فلا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة، لأن معبودي ذلك الإله الواحد المنزه عن الند والشفيع، المتعالي عن الظهور في شخص معين أو المحاباة لشعب أو واحد بعينه، الباسط فضله لكل من أخلص له، الآخذ قهرة بناصية كل من نابذ المبلغين الصادقين عنه.
والذي تعبدونه على خلاف ذلك..
وعبادتي مخلصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك، مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى فلا تسمى على الحقيقة عبادة، فأين هي من عبادتي؟
﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ ﴾ دينكم مختص بكم لا يتعداكم إلي، فلا تظنوا أني عليه أو على شيء منه، (ولي دين) أي ديني هو دين خاص بي، وهو الذي أدعو إليه، ولا مشاركة بينه وبين ما أنتم عليه.
ولا يخفى أن هذا المعنى الذي بيناه، هو ما يهدي إليه أسلوب السورة الشريفة -خصوصًا هذه الآية الأخيرة (لكم دينكم ولي دين)- فإنها صريحة في أن المراد نفي الخلط المزعوم.
وما دلت عليه السورة هو ما دلت عليه آية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ أي لا علاقة بينك وبينهم لا في المعبود ولا في العبادة.
وأما ما قيل من غير ذلك، فإن صح شيء مما ورد فيه، فأحمله على معناه مستقلًا عن معنى السورة، ولا تغتر بكل ما يقال.
فأفضل ما تفهم هو أقرب ما يفهم.
والله أعلم.