الآية ١ من سورة النصر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 110 النصر > الآية ١ من سورة النصر

إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة النصر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة النصر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة إذا جاء نصر الله والفتح وهي مدنية .

قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن ، و " إذا زلزلت " تعدل ربع القرآن .

وقال النسائي : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا جعفر ، عن أبي العميس ( ح ) وأخبرنا محمد بن سليمان ، حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا أبو العميس ، عن عبد المجيد بن سهيل عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : قال لي ابن عباس : يا ابن عتبة ، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت ؟

قلت : نعم ، " إذا جاء نصر الله والفتح " قال : صدقت وروى الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي ، عن صدقة بن يسار ، عن ابن عمر قال : أنزلت هذه السورة : " إذا جاء نصر الله والفتح " على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق ، فعرف أنه الوداع ، فأمر براحلته القصواء فرحلت ، ثم قام فخطب الناس ، فذكر خطبته المشهورة وقال الحافظ البيهقي : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار ، حدثنا الأسفاطي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد بن العوام ، عن هلال بن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : " إذا جاء نصر الله والفتح " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وقال : " إنه قد نعيت إلي نفسي " ، فبكت ثم ضحكت ، وقالت : أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت ، ثم قال : " اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي " فضحكت وقد رواه النسائي - كما سيأتي - بدون ذكر فاطمة .

قال البخاري : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم وجد في نفسه ، فقال : لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟

فقال عمر : إنه ممن قد علمتم فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم ، فما رؤيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم ، فقال : ما تقولون في قول الله عز وجل : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) ؟

فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا .

وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ، فقال لي : أكذلك تقول يا ابن عباس ؟

فقلت : لا .

فقال : ما تقول ؟

فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له ، قال : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فذلك علامة أجلك ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) فقال عمر بن الخطاب : لا أعلم منها إلا ما تقول .

تفرد به البخاري

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش, والفتح: فتح مكة ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ ) من صنوف العرب وقبائلها أهل اليمن منهم, وقبائل نـزار ( يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) يقول: في دين الله الذي ابتعثك به, وطاعتك التي دعاهم إليها أفواجًا, يعني: زُمَرًا, فوجًا فوجًا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ما قلنا في قوله: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) : حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) : فتح مكة .

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) النصر حين فتح الله عليه ونصره .

حدثني إسماعيل بن موسى, قال: أخبرنا الحسين بن عيسى الحنفي, عن معمر, عن الزهري, عن أبي حازم, عن ابن عباس, قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة, إذ قال: " اللهُ أكْبَرُ, اللهُ أكْبَرُ, جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ, جاءَ أهْلُ اليَمَنِ", قيل: يا رسول الله, وما أهل اليمن؟

قال: " قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ, لَيِّنةٌ طِبَاعُهُمْ, الإيمَانُ يَمَانٍ, والفِقْهُ يَمَانٍ, والحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة النصروهي مدنية بإجماعوتسمى سورة ( التوديع ) .

وهي ثلاث آيات .وهي آخر سورة نزلت جميعا ؛ قاله ابن عباس في صحيح مسلمبسم الله الرحمن الرحيمإذا جاء نصر الله والفتحالنصر : العون مأخوذ من قولهم : قد نصر الغيث الأرض : إذا أعان على نباتها ، من قحطها .

قال الشاعر :إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري أرض عامرويروى :إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي بلاد تميم وانصري أرض عامريقال : نصره على عدوه ينصره نصرا ؛ أي أعانه .

والاسم النصرة ، واستنصره على عدوه : أي سأله أن ينصره عليه .

وتناصروا : نصر بعضهم بعضا .

ثم قيل : المراد بهذا النصر نصر الرسول على قريش ؛ الطبري .

وقيل : نصره على من قاتله من الكفار ؛ فإن عاقبة النصر كانت له .

وأما الفتح فهو فتح مكة ؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما .

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : هو فتح المدائن والقصور .

وقيل : فتح سائر البلاد .

وقيل : ما فتحه عليه من العلوم .

و ( إذا ) بمعنى قد ؛ أي قد جاء نصر الله ؛ لأن نزولها بعد الفتح .

ويمكن أن يكون معناه : إذا يجيئك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

في هذه السورة الكريمة، بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه على ما يترتب على ذلك.فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله، وفتحه مكة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( إذا جاء نصر الله والفتح ) أراد فتح مكة .

وكانت قصته - على ما ذكر محمد بن إسحاق وأصحاب الأخبار - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صالح قريشا عام الحديبية ، واصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين ، يأمن فيهن الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان بينهما شر قديم .

ثم إن بني بكر عدت على خزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة ، يقال له " الوتير " ، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حتى بيت خزاعة ، وليس كل بكر تابعه ، فأصابوا منهم رجلا وتحاربوا واقتتلوا ، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيا بالليل ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين : صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، مع عبيدهم فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر : يا نوفل إنا دخلنا الحرم ، إلهك إلهك ، فقال كلمة عظيمة : إنه لا إله لي اليوم ، [ يا بني بكر ] أصيبوا ثأركم فيه .

فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العهد بما استحلوا من خزاعة - وكانوا في عقده - خرج عمرو بن سالم الخزاعي ، حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وكان ذلك مما هاج فتح مكة ، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس ، فقال : لا هم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا الأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قد نصرت يا عمرو بن سالم " ، ثم عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنان من السماء ، فقال : " إن هذه السحابة لتستهل ، بنصر بني كعب " ، وهم رهط عمرو بن سالم .

ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ، حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما أصيب منهم [ وبمظاهرة ] قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس : كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة .

ومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعسفان ، قد بعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشد العقد ويزيد في المدة ، وقد رهبوا الذي صنعوا ، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال : من أين أقبلت يا بديل ؟

وظن أنه قد أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي ، قال : أوما أتيت محمدا ؟

قال : لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان : لئن كان جاء المدينة لقد علف ناقته بها النوى ، فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا .

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه ، فقال : يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم أرغبت به عني ؟

قالت : بلى هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنت رجل مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : والله لقد أصابك يا بنية بعدي [ شيء ] ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فلم يرد عليه شيئا [ غير أنه قال : نقض أهل مكة العهد ] .

ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما أنا بفاعل ، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال : أنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟

!

فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، وعنده فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندها الحسن بن علي رضي الله عنهما ، غلام يدب ، بين يديها ، فقال : يا علي إنك أمس القوم بي رحما وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا ، اشفع لنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟

قالت : والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس ، وما يجير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد ، فقال : يا أبا الحسن - إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني ، قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك ، قال أوترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟

قال : لا والله ، ما أظن ، ولكن لا أجد لك غير ذلك .

فقام أبو سفيان في المسجد فقال : يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟

قال : جئت محمدا فكلمته والله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة ، فلم أجد عنده خيرا ، فجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم ، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بشيء صنعته ، فوالله ما أدري هل [ يغنيني ] شيئا أم لا ؟

قالوا : وماذا أمرك ؟

قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت ، قالوا : فهل أجاز ذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟

قال : لا قالوا : والله إن زاد علي على أن لعب بك ، فلا يغني عنا ما قلت ، قال : لا والله ما وجدت غير ذلك .

قال : وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بالجهاز ، وأمر أهله أن يجهزوه ، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تصلح بعض جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أي بنية أمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن تجهزوه ؟

قالت : نعم فتجهز ، قال : فأين ترينه يريد ؟

قالت : ما أدري .

ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة ، وأمرهم بالجد والتهيؤ ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى [ نبغتها ] في بلادها ، فتجهز الناس .

وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش [ - وفيه قصة ] ذكرناها في سورة الممتحنة - .

ثم استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري ، وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان ، فصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد - ماء بين عسفان وأمج - أفطر .

ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين ، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد ، فلما نزل بمر الظهران ، وقد عميت الأخبار عن قريش ، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يدرون ما هو فاعل ، فخرج في تلك الليلة : أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، يتحسسون الأخبار هل يجدون خبرا ؟

وقد قال العباس بن عبد المطلب ليلتئذ : واصباح قريش ، والله لئن [ بغتها ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى آخر الدهر .

فخرج العباس على بغلة رسول الله وقال : أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة .

قال العباس فخرجت وإني - والله - لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، وقد خرجوا يتحسسون الخبر ، فسمعت أبا سفيان يقول : والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا ، وقال بديل : هذه والله نيران خزاعة [ حمشتها ] الحرب ، فقال أبو سفيان : خزاعة ألأم من ذلك وأذل فعرفت صوته فقلت : يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي فقال : يا أبا الفضل ، فقلت : نعم ، فقال : مالك فداك أبي وأمي ؟

قلت : ويحك يا أبا سفيان هذا ، والله ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاء بما لا قبل لكم به ، بعشرة آلاف من المسلمين ، قال : وما الحيلة ؟

قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستأمنه فردفني ، ورجع صاحباه فخرجت أركض به بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا : هذا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ، فقال : من هذا ؟

وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة ، قال : أبو سفيان عدو الله!

الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد ، ثم اشتد نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركضت البغلة وسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء ، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخل عليه عمر ، فقال : يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد ، فدعني فلأضرب عنقه ، فقلت : يا رسول الله إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول الله فأخذت برأسه وقلت : والله لا يناجيه الليلة أحد دوني ، فلما أكثر فيه عمر - رضي الله عنه - قلت : مهلا يا عمر ، فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف ، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا .

قال : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، [ وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلام الخطاب لو أسلم ] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به " ، قال : فذهبت إلى رحلي فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رآه قال : " ويحك يا أبا سفيان [ ألم يأن ] لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟

" قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك !

والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئا بعد ، قال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟

قال : بأبي أنت وأمي وما أحلمك وأكرمك وأوصلك!

أما هذه فإن في النفس منها [ حتى الآن ] شيئا ، قال العباس : قلت له : ويحك !

أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، قبل أن يضرب عنقك ، قال : فشهد شهادة الحق وأسلم ، قال العباس : قلت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئا ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عباس احبسه ، بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ، قال : فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال : ومرت به القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : من هؤلاء يا عباس ؟

قال : أقول : سليم ، قال يقول : مالي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول : من هؤلاء ؟

فأقول : مزينة ، فيقول : مالي ولمزينة ، حتى نفذت القبائل لا تمر قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته يقول : مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخضراء ، كتيبة رسول الله ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، قال : سبحان الله من هؤلاء يا عباس ؟

قلت : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار ، فقال : والله ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ، فقال : ويحك!

إنها النبوة ، قال : نعم إذا .

فقلت : الحق الآن بقومك فحذرهم ، فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، قالوا : فمه ؟

قال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا : ويحك وما تغني عنا دارك ؟

قال : ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .

قال : وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران فأسلما وبايعاه ، فلما بايعاه بعثهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام .

ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل المهاجرين والأنصار ، وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحجون ، وقال : لا تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك ، ومن ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وضربت هناك قبته ، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من قضاعة وبني سليم أن يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناف ومن كان من الأحابيش ، أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة ، وإن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ، وكانوا قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالد والزبير حين بعثهما : لا تقاتلا إلا من قاتلكم ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي ، فقال سعد حين توجه داخلا اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، فسمعها رجل من المهاجرين فقال : يا رسول الله ، اسمع ما قال سعد بن عبادة ، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب : أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت الذي تدخل بها ، فلم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال ، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة ، فقاتلهم فهزمهم الله ، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك .

وقتل من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له : سلمة بن الميلاء ، من خيل خالد بن الوليد ، ورجلان يقال لهما : كرز بن جابر [ وخنيس ] بن خالد ، كانا في خيل خالد بن الوليد ، فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه ، فقتلا جميعا .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم ، إلا [ أنه قد عهد ] في نفر سماهم أمر بقتلهم ، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة .

منهم : عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركا ، ففر إلى عثمان ، وكان أخاه من الرضاعة ، فغيبه حتى أتى به [ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن اطمأن أهل مكة ، فاستأمن له .

وعبد الله بن خطل ، كان رجلا من بني تميم بن غالب ] ، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقا ، وكان له مولى يخدمه وكان مسلما ، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ، ثم ارتد مشركا ، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر بقتلهما معه .

والحويرث ، بن [ نقيذ ] بن وهب ، كان ممن يؤذيه بمكة .

ومقيس بن صبابة ، وإنما أمر بقتله ، لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطئا ورجوعه إلى قريش مرتدا .

وسارة ; مولاة كانت لبعض بني المطلب كانت ممن يؤذيه بمكة .

وعكرمة بن أبي جهل ، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن ، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، فاستأمنت له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه ، فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم .

وأما عبد الله بن خطل ، فقتله سعد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي ، اشتركا في دمه ، وأما مقيس بن صبابة ، فقتله تميلة بن عبد الله ، رجل من قومه ، وأما قينتا ابن خطل ; فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمنها ، وأما سارة فتغيبت حتى استؤمن لها فأمنها ، فعاشت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها ، وأما الحويرث بن نقيذ ، فقتله علي بن أبي طالب .

فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وقف قائما على باب الكعبة وقال : لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا إن كل مأثرة أو دم أو مال في الجاهلية يدعى فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم خلق من تراب ، ثم تلا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " ( الحجرات - 13 ) الآية ، يا أهل مكة ، ماذا ترون أني فاعل بكم ؟

قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة ، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء .

ثم اجتمع الناس للبيعة ; فجلس لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصفا ، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس ، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا ، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء .

قال عروة بن الزبير : خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب الجمحي : يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومي ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو آمن ، قال : يا رسول الله أعطني شيئا يعرف به أمانك ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمامته التي دخل بها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال : يا صفوان فداك أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جئتك به ، فقال : ويلك اغرب عني فلا تكلمني ، قال : أي صفوان فداك أبي وأمي ، أفضل الناس وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ، ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك .

قال : إني أخافه على نفسي ، قال : هو أحلم من ذلك وأكرم ، فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك أمنتني ؟

قال : صدق ، قال فاجعلني في أمري بالخيار شهرين ، قال : أنت فيه بالخيار أربعة أشهر .

قال ابن إسحاق : وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف ، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان ، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة [ يقصر ] الصلاة .

ثم خرج إلى هوازن وثقيف ، قد نزلوا حنينا .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، أن خزاعة قتلوا رجلا .

.

.

" وقال محمد بن إسماعيل ، قال عبد الله بن رجاء : حدثنا حرب عن يحيى ، حدثنا أبو سلمة " حدثنا أبو هريرة : أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين .

ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد من بعدي ، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه ، حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظر إما يؤدى وإما أن يقاد فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اكتبوا لأبي شاه ثم قام رجل من قريش فقال : يا رسول الله إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إلا الإذخر " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن أبي النضر - مولى عمر بن عبيد الله - أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول : ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة ابنته تستره بثوب ، قالت : فسلمت ، فقال : من هذه ؟

فقلت : أنا أم هانئ بنت أبي طالب ، قال : مرحبا بأم هانئ ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ، ثم انصرف فقلت له : يا رسول الله ، زعم ابن أمي ، علي بن أبي طالب ، أنه قاتل رجلا أجرته ، فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، وذلك ضحى .

قوله - عز وجل - : ( إذا جاء نصر الله ) إذا جاءك نصر الله يا محمد على من عاداك وهم قريش ، ( والفتح ) فتح مكة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إذا جاء نصر الله» نبيَّه صلى الله عليه وسلم على أعدائه «والفتح» فتح مكة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذا تمَّ لك -أيها الرسول- النصر على كفار قريش، وتم لك فتح "مكة".

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

النصر : التغلب على العدو ، والإِعانة على بلوغ الغاية ، ومنه قولهم : قد نصر الغيث الأرض ، أى : أعان على إظهار نباتها .والمراد به هنا : إعانة الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه ، حتى حقق له النصر عليهم .والفتح : يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها ، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس ، ومنه قوله - تعالى - : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ) والمراد به : هنا فتح مكة .

وما ترتب عليه من إعزاز الدين ، وإظهار كلمة الحق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ في الآية لطائف: إحداها: أنه تعالى لما وعد محمداً بالتربية العظيمة بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر  ﴾ لا جرم كان يزداد كل يوم أمره، كأنه تعالى قال: يا محمد لم يضيق قلبك، ألست حين لم تكن مبعوثاً لم أضيعك بل نصرتك بالطير الأبابيل، وفي أول الرسالة زدت فجعلت الطير ملائكة ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بخمسة آلاف ثم الآن أزيد فأقول إني أكون ناصراً لك بذاتي: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ فقال: إلهي إنما تتم النعمة إذا فتحت لي دار مولدي ومسكني فقال: ﴿ والفتح ﴾ فقال: إلهي لكن القوم إذا خرجوا، فأي لذة في ذلك فقال: ﴿ وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أفواجا ﴾ ثم كأنه قال: هل تعلم يا محمد بأي سبب وجدت هذه التشريفات الثلاثة إنما وجدتها لأنك قلت في السورة المتقدمة: ﴿ يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ  ﴾ يشتمل على أمور ثلاثة أولها: نصرتني بلسانك فكان جزاؤه: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ .

وثانيها: فتحت مكة قلبك بعسكر التوحيد فأعطيناك فتح مكة وهو المراد من قوله، ﴿ والفتح ﴾ والثالث: أدخلت رعية جوارحك وأعضائك في طاعتي وعبوديتي فأنا أيضاً أدخلت عبادي في طاعتك، وهو المراد من قوله: ﴿ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أفواجا ﴾ ثم إنك بعد أن وجدت هذه الخلع الثلاثة فابعث إلى حضرتي بثلاث أنواع من العبودية تهادوا تحابوا، إن نصرتك فسبح، وإن فتحت مكة فاحمد وإن أسلموا فاستغفر، وإنما وضع في مقابلة: نصر الله تسبيحه، لأن التسبيح هو تنزيه الله عن مشابهة المحدثات، يعني تشاهد أنه نصرك، فإياك أن تظن أنه إنما نصرك لأنك تستحق منه ذلك النصر، بل اعتقد كونه منزهاً عن أن يستحق عليه أحد من الخلق شيئاً، ثم جعل في مقابل فتح مكة الحمد لأن النعمة لا يمكن أن تقابل إلا بالحمد، ثم جعل في مقابلة دخول الناس في الدين الاستغفار وهو المراد من قوله: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات  ﴾ أي كثرة الأتباع مما يشغل القلب بلذة الجاه والقبول، فاستغفر لهذا القدر من ذنبك، واستغفر لذنبهم فإنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر فكان احتياجهم إلى استغفارك أكثر الوجه الثاني: أنه عليه السلام لما تبرأ عن الكفر وواجههم بالسوء في قوله: ﴿ يا أيها الكافرون ﴾ كأنه خاف بعض القوم فقلل من تلك الخشونة فقال: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ فقيل: يا محمد لا تخف فإني لا أذهب بك إلى النصر بل أجيء بالنصر إليك: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ نظيره: زويت لي الأرض يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك، فإن سئمت المقام وأردت الرحلة، فمثلك لا يرتحل إلا إلى قاب قوسين: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ  ﴾ بل أزيد على هذا فأفضل فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا فإذا بقي الفقير من غير مطية أسوق الجنة إليه: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ الوجه الثالث: كأنه سبحانه قال: يا محمد إن الدنيا لا يصفو كدرها ولا تدوم محنها ولا نعيمها فرحت بالكوثر فتحمل مشقة سفاهة السفهاء حيث قالوا: أعبد آلهتنا حتى نعبد إلهك فلما تبرأ عنهم وضاق قلبه من جهتهم قال: أبشر فقد جاء نصر الله فلما استبشر قال: الرحيل الرحيل أما علمت أنه لابد بعد الكمال من الزوال، فاستغفره أيها الإنسان لا تحزن من جوع الربيع فعقيبه غنى الخريف ولا تفرح بغنى الخريف فعقيبه وحشة الشتاء، فكذا من تم إقباله لا يبقى له إلا الغير ومنه: إذا تم أمر دنا نقصه *** توقع زوالا إذا قيل تم إلهي لم فعلت كذلك قال: حتى لا نضع قلبك على الدنيا بل تكون أبداً على جناح الارتحال والسفر الوجه الرابع: لما قال في آخر السورة المتقدمة: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ فكأنه قال: إلهي وما جزائي فقال: نصر الله فيقول: وما جزاء عمي حين دعاني إلى عبادة الأصنام فقال: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ  ﴾ فإن قيل: فلم بدأ بالوعد قبل الوعيد، قلنا: لوجوه: أحدها: لأن رحمته سبقت غضبه.

والثاني: ليكن الجنس متصلاً بالجنس فإنه قال: ﴿ وَلِىَ دِينِ ﴾ وهو النصر كقوله: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ  ﴾ .

وثالثها: الوفاء بالوعد أهم في الكرم من الوفاء بالانتقام، فتأمل في هذه المجانسات الحاصلة بين هذه السور مع أن هذه السور مع أن هذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة وتلك السورة من أوائل ما نزل بمكة ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله وبأمره.

الوجه الخامس: أن في السورة المتقدمة لم يذكر شيئاً من أسماء الله، بل قال: ما أعبد بلفظ ما، كأنه قال: لا أذكر اسم الله حتى لا يستخفوا فتزداد عقوبتهم، وفي هذه السورة ذكر أعظم أساميه لأنها منزلة على الأحباب ليكون ثوابهم بقراءته أعظم فكأنه سبحانه قال لا تذكر اسمي مع الكافرين حتى لا يهينوه واذكره مع الأولياء حتى يكرموه.

الوجه السادس: قال النحويون: ﴿ إذاً ﴾ منصوب بسبح، والتقدير: فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله، كأنه سبحانه يقول: جعلت الوقت ظرفاً لما تريده وهو النصر والفتح والظفر وملأت ذلك الظرف من هذه الأشياء، وبعثته إليك فلا ترده علي فارغاً، بل املأه من العبودية ليتحقق معنى: تهادوا تحابوا فكأن محمداً عليه السلام قال: بأي شيء أملأ ظرف هديتك وأنا فقير، فيقول الله في المعنى: إن لم تجد شيئاً آخر فلا أقل من تحريك اللسان بالتسبيح والحمد والاستغفار، فلما فعل محمد عليه الصلاة والسلام ذلك حصل معنى تهادوا، لا جرم حصلت المحبة، فلهذا كان محمد حبيب الله.

الوجه السابع: كأنه تعالى يقول: إذا جاءك النصر والفتح ودخول الناس في دينك، فاشتغل أنت أيضاً بالتسبيح والحمد والاستغفار، فإني قلت: ﴿ لئن شكرتم لأزدينكم  ﴾ فيصير اشتغالك بهذه الطاعات سبباً لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة، ولا تزال تكون في الترقي حتى يصير الوعد بقولي: ﴿ إنا أعطيناك الكوثر ﴾ .

الوجه الثامن: أن الإيمان إنما يتم بأمرين: بالنفي والإثبات وبالبراءة والولاية، فالنفي والبراءة قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ والإثبات والولاية قوله: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ فهذه هي الوجوه الكلية المتعلقة بهذه السورة.

واعلم أن في الآية أسراراً، وإنما يمكن بيانها في معرض السؤال والجواب.

السؤال الأول: ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف الفتح على النصر؟

الجواب: من وجوه: أحدها: النصر هو الإعانة على تحصيل المطلوب، والفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً، وظاهر أن النصر كالسبب الفتح، فلهذا بدأ يذكر النصر وعطف الفتح عليه.

وثانيها: يحتمل أن يقال: النصر كمال الدين، والفتح الإقبال الدنيوي الذي هو تمام النعمة، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى  ﴾ .

وثالثها: النصر هو الظفر في الدنيا على المنى، والفتح بالجنة، كماقال: ﴿ وَفُتِحَتْ أبوابها  ﴾ وأظهر الأقوال في النصر أنه الغلبة على قريش أو على جميع العرب.

السؤال الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبداً منصوراً بالدلائل والمعجزات، فما المعنى من تخصيص لفظ النصر بفتح مكة؟

والجواب: من وجهين: أحدهما: المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع، إنما جعل فظ النصر المطلق دالاً على هذا النصر المخصوص، لأن هذا النصر لعظم موقعه من قلوب أهل الدنيا جعل ما قبله كالمعدوم، كماأن المثاب عند دخول الجنة يتصور كأنه لم يذق نعمة قط، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله  ﴾ وثانيهما: لعل المراد نصر الله في أمور الدنيا الذي حكم به لأنبيائه كقوله: ﴿ إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ  ﴾ السؤال الثالث: النصر لا يكون إلا من الله، قال تعالى: ﴿ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله  ﴾ فما الفائدة في هذا التقييد وهو قوله: ﴿ نَصْرُ الله ﴾ ؟

والجواب معناه نصر لا يليق إلا بالله ولا يليق أن يفعله إلا الله أو لا يليق إلا بحكمته ويقال: هذا صنعة زيد إذا كان زيد مشهوراً بإحكام الصنعة، والمراد منه تعظيم حال تلك الصنعة، فكذا هاهنا، أو نصر الله لأنه إجابة لدعائهم: ﴿ متى نَصْرُ الله ﴾ فيقول هذا الذي سألتموه.

السؤال الرابع: وصف النصر بالمجيء مجاز وحقيقته إذا وقع نصر الله فما الفائدة في ترك الحقيقة وذكر المجاز؟

الجواب فيه إشارات: إحداها: أن الأمور مربوطة بأوقاتها وأنه سبحانه قدر لحدوث كل حادث أسباباً معينة وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم والتأخر والتغير والتبدل فإذا حضر ذلك الوقت وجاء ذلك الزمان حضر معه ذلك الأثر وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ  ﴾ .

وثانيها: أن اللفظ دل على أن النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن ذلك النصر كان مستحقاً له بحكم الوعد فالمقتضى كان موجوداً إلا أن تخلف الأثر كان لفقدان الشرط فكان كالثقيل المعلق فإن ثقله يوجب الهوى إلا أن العلاقة مانعة فالثقيل يكون كالمشتاق إلى الهوى، فكذا هاهنا النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

وثالثها: أن عالم العدم عالم لا نهاية له وهو عالم الظلمات إلا أن في قعرها ينبوع الجود والرحمة وهو ينبوع جود الله وإيجاده، ثم انشعبت بحار الجود والأنوار وأخذت في السيلان، وسيلانها يقتضي في كل حين وصولها إلى موضع ومكان معين فبحار رحمة الله ونصرته كانت آخذة في السيلان من الأزل فكأنه قيل: يا محمد قرب وصولها إليك ومجيئها إليك فإذا جاءتك أمواج هذا البحر فاشتغل بالتسبيح والتحميد والاستغفار فهذه الثلاثة هي السفينة التي لا يمكن الخلاص من بحار الربوبية إلا بها، ولهذا السبب لما ركب أبوك نوح بحر القهر والكبرياء استعان بقوله: ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا  ﴾ السؤال الخامس: لا شك أن الذين أعانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة هم الصحابة من المهاجرين والأنصار، ثم إنه سمى نصرتهم لرسول الله: ﴿ نَصْرُ الله ﴾ فما السبب في أن صار الفعل الصادر عنهم مضافاً إلى الله؟

الجواب: هذا بحر يتفجر منه بحر سر القضاء والقدر، وذلك لأن فعلهم فعل الله، وتقريره أن أفعالهم مسندة إلى ما في قلوبهم من الدواعي والصوارف، وتلك الدواعي والصوارف أمور حادثة فلابد لها من محدث وليس هو العبد، وإلا لزم التسلسل، فلابد وأن يكون الله تعالى، فيكون المبدأ الأول والمؤثر الأبعد هو الله تعالى، ويكون المبدأ الأقرب هو العبد.

فمن هذا الاعتبار صارت النصرة المضافة إلى الصحابة بعينها مضافة إلى الله تعالى، فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد مفرعاً على فعل الله تعالى، وهذا يخالف النص، لأنه قال: ﴿ إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ  ﴾ فجعل نصرنا له مقدماً على نصره لنا والجواب: أنه لا امتناع في أن يصدر عن الحق فعل، فيصير ذلك سبباً لصدور فعل عنا، ثم الفعل عنا ينساق إلى فعل آخر يصدر عن الرب، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها متسلسلة على ترتيب عجيب يعجز عن إدراك كيفيته أكثر العقول البشرية.

السؤال السادس: كلمة: ﴿ إِذَا ﴾ للمستقبل، فهاهنا لما ذكر وعداً مستقبلاً بالنصر، قال: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ فذكر ذاته باسم الله، ولما ذكر النصر الماضي حين قال: ﴿ وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ  ﴾ فذكره بلفظ الرب، فما السبب في ذلك؟

الجواب: لأنه تعالى بعد وجود الفعل صار رباً، وقبله ما كان رباً لكن كان إلهاً.

السؤال السابع: أنه تعالى قال: ﴿ إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ  ﴾ وإن محمداً عليه السلام نصر الله حين قال: ﴿ قُلْ يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ فكان واجباً بحكم هذا الوعد أن ينصره الله، فلا جرم قال: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ فهل تقول بأن هذا النصر كان واجباً عليه؟

الجواب: أن ما ليس بواجب قد يصير واجباً بالوعد، ولهذا قيل: وعد الكريم ألزم من دين الغريم، كيف ويجب على الوالد نصرة ولده، وعلى المولى نصرة عبده، بل يجب النصر على الأجنبي إذا تعين بأن كان واحداً اتفاقاً، وإن كان مشغولاً بصلاة نفسه، ثم اجتمعت هذه الأسباب في حقه تعالى فوعده مع الكرم وهو أرأف بعبده من الوالد بولده والمولى بعبده وهو ولي بحسب الملك ومولى بحسب السلطنة، وقيوم للتدبير وواحد فرد لا ثاني له فوجب عليه وجوب الكرم نصرة عبده، فلهذا قال: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ والفتح ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: نقل عن ابن عباس أن الفتح هو فتح مكة وهو الفتح الذي يقال له: فتح الفتوح.

روي أنه لما كان صلح الحديبية وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار بعض من كان في عهد قريش على خزاعة وكانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء سفير ذلك القوم وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليه، ثم قال: أما إن هذا العارض ليخبرني أن الظفر يجيء من الله، ثم قال لأصحابه: أنظروا فإن أبا سفيان يجيء ويلتمس أن يجدد العهد فلم تمض ساعة أن جاء الرجل ملتمساً لذلك فلم يجبه الرسول ولا أكابر الصحابة فالتجأ إلى فاطمة فلم ينفعه ذلك ورجع إلى مكة آيساً وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسير لمكة، ثم يروى أن سارة مولاة بعض بني هاشم أتت المدينة فقال عليه السلام لها: جئت مسلمة؟

قالت: لا لكن كنتم الموالي وبي حاجة، فحث عليها رسول الله بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بعشرة دنانير واستحملها كتاباً إلى مكة نسخته: اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً عليه السلام وعماراً في جماعة وأمرهم أن يأخذوا الكتاب وإلا فاضربوا عنقها، فلما أدركوها جحدت وحلفت فسل علي عليه السلام سيفه، وقال: الله ما كذبنا فأخرجته من عقيصة شعرها، واستحضر النبي حاطباً وقال: ما حملك عليه؟

فقال: والله ما كفرت منذ أسلمت ولا أحببتهم منذ فارقتهم، لكن كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم فخشيبت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر، ثم خرج رسول الله إلى أن نزل بمر الظهران، وقدم العباس وأبو سفيان إليه فاستأذنا فأذن لعمه خاصة فقال أبو سفيان: إما أن تأذن لي وإلا أذهب بولدي إلى المفازة فيموت جوعاً وعطشاً فرق قلبه، فأذن له وقال له: ألم يأن أن تسلم وتوحد؟

فقال: أظن أنه واحد، ولو كان هاهنا غير الله لنصرنا، فقال: ألم يأن أن تعرف أني رسوله؟

فقال: إن لي شكاً في ذلك، فقال العباس: أسلم قبل أن يقتلك عمر، فقال: وماذا أصنع بالعزى، فقال عمر: لولا أنك بين يدي رسول الله لضربت عنقك، فقال: يا محمد أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش وتصالح قومك وعشيرتك، فسكان مكة عشيرتك وأقارب، و(لا) تعرضهم للشن والغارة، فقال عليه السلام: «هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي، وأهل مكة أخرجوني وظلموني، فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم»، وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر، فكانت الكتيبة تمر عليه، فيقول من هذا؟

فيقول العباس هو فلان من أمراء الجند إلى أن جاءت الكتيبة الخضراء التي لا يرى منها إلا الحدق، فسأل عنهم، فقال العباس: هذا رسول الله، فقال: لقد أوتي ابن أخيك ملكاً عظيماً، فقال العباس: هو النبوة، فقال هيهات النبوة، ثم تقدم ودخل مكة، وقال: إن محمداً جاء بعسكر لا يطيقه أحد، فصاحت هند وقالت: اقتلوا هذا المبشر، وأخذت بلحيته فصاح الرجل ودفعها عن نفسه، ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر، وكانوا عشرة آلاف فزع لذلك فزعاً شديداً وسأل العباس، فأخبره بأمر الصلاة، ودخل رسول الله مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه كالساجد تواضعاً وشكراً، ثم التمس أبو سفيان الأمان، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقال: ومن تسع داري، فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن فقال: ومن يسع المسجد؟

فقال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ثم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب المسجد، وقال: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: يا أهل مكة ما ترون إني فاعل بكم، فقالوا: خير أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ومن ذلك كان علي عليه السلام يقول لمعاوية: أنى يستوي المولى والمعتق يعني أعتقناكم حين مكننا الله من رقابكم ولم يقل: اذهبوا فأنتم معتقون، بل قال: الطلقاء، لأن المعتق يجوز أن يرد إلى الرق، والمطلقة يجوز أن تعاد إلى رق النكاح وكانوا بعد على الكفر، فكان يجوز أن يخونوا فيستباح رقهم مرة أخرى ولأن الطلاق يخص النسوان، وقد ألقوا السلاح وأخذوا المساكن كالنسوان، ولأن المعتق يخلى سبيله يذهب حيث شاء، والمطلقة تجلس في البيت للعدة، وهم أمروا بالجلوس بمكة كالنسوان، ثم إن القوم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فصاروا يدخلون في دين الله أفواجاً، روي أنه عليه السلام صلى ثمان ركعات: أربعة صلاة الضحى، وأربعة أخرى شكراً لله نافلة، فهذه هي قصة فتح مكة، والمشهور عند المفسرين أن المراد من الفتح في هذه السورة هو فتح مكة، ومما يدل على أن المراد بالفتح فتح مكة أنه تعالى ذكره مقروناً بالنصر.

وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير، فإنه فتح البلد لكن لم يأخذ القوم، أما يوم فتح مكة اجتمع له الأمران النصر والفتح، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم القول الثاني: أن المراد فتح خيبر، وكان ذلك على يد علي عليه السلام، والقصة مشهورة، روي أنه أستصحب خالد بن الوليد، وكان يساميه في الشجاعة، فلما نصب السلم قال لخالد: أتتقدم؟

قال: لا، فلما تقدم علي عليه السلام سأله كم صعدت؟

فقال: لا أدري لشدة الخوف، وروي أنه قال: لعلي عليه السلام ألا تصارعني، فقال: ألست صرعتك؟

فقال: نعم لكن ذاك قبل إسلامي، ولعل علياً عليه السلام إنما امتنع عن مصارعته ليقع صيته في الإسلام أنه رجل يمتنع عنه علي، أو كان علي يقول صرعتك حين كنت كافراً، أما الآن وأنت مسلم فلا يحسن أن أصرعك القول الثالث: أنه فتح الطائف وقصته طويلة والقول الرابع: المراد النصر على الكفار، وفتح بلاد الشرك على الإطلاق، وهو قول أبي مسلم والقول الخامس: أراد بالفتح ما فتح الله عليه من العلوم، ومنه قوله: ﴿ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً  ﴾ لكن حصول العلم لابد وأن يكون مسبوقاً بانشراح الصدر وصفاء القلب، وذلك هو المراد من قوله: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ ويمكن أن يكون المراد بنصر الله إعانته على الطاعة والخيرات، والفتح هو انتفاع عالم المعقولات والروحانيات.

المسألة الثانية: إذا حملنا الفتح على فتح مكة، فللناس في وقت نزول هذه السورة قولان: أحدهما: أن فتح مكة كان سنة ثمان، ونزلت هذه السورة سنة عشر، وروي أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوماً، ولذلك سميت سورة التوديع والقول الثاني: أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وهو وعد لرسول الله أن ينصره على أهل مكة، وأن يفتحها عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح ﴾ يقتضي الاستقبال، إذ لا يقال فيما وقع: إذا جاء وإذا وقع، وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات من حيث إنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقاً له، والإخبار عن الغيب معجز فإن قيل: لم ذكر النصر مضافاً إلى الله تعالى، وذكر الفتح بالألف واللام؟

الجواب: الألف واللام للمعهود السابق، فينصرف إلى فتح مكة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا جَاء ﴾ منصوب بسبح، وهو لما يستقبل.

والاعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوّة.

روي أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع.

فإن قلت: ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف عليه؟

قلت: النصر الإغاثة والإظهار على العدوّ.

ومنه: نصر الله الأرض غاثها.

والفتح: فتح البلاد والمعنى نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة وقيل: جنس نصر الله للمؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم.

وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى هوازن، وحين دخلها وقف على باب الكعبة، ثم قال: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ، ثم قال: «يا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم.

قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئاً، فلذلك سمى أهل مكة الطلقاء، ثم بايعوه على الإسلام ﴿ فِى دِينِ الله ﴾ في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه غيرها ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] .

﴿ أَفْوَاجاً ﴾ جماعات كثيفة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أنه بكى ذات يوم، فقيل له.

فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا» وقيل: أراد بالناس أهل اليمن.

وقال أبو هريرة: لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن: قوم رقيقة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» وقال: «أجد نفير ربكم من قبل اليمن» وعن الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقبلت العرب بعضها على بعض، فقالوا: أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس به يدان، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وعن كل من أرادهم، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجاً من غير قتال.

وقرأ ابن عباس: فتح الله والنصر.

وقرئ: ﴿ يدخلون ﴾ على البناء للمفعول.

فإن قلت: ما محل يدخلون؟

قلت: النصب إما على الحال، على أن رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت.

أو هو مفعول ثانٍ على أنه بمعنى علمت ﴿ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ فقل سبحان الله: حامداً له، أي: فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم، واحمده على صنعه.

أو: فاذكره مسبحاً حامداً، زيادة في عبادته والثناء عليه، لزيادة إنعامه عليك.

أو فصل له.

روت أمّ هانئ: أنه لما فتح باب الكعبة صلى صلاة الضحى ثماني ركعات، وعن عائشة: كان عليه الصلاة والسلام يكثر قبل موته أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك» ، والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين: من الجمع بين الطاعة والاحتراس من المعصية، ليكون أمره بذلك مع عصمته لطفاً لأمته، ولأنّ الاستغفار من التواضع لله وهضم النفس، فهو عبادة في نفسه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأستغفر في اليوم والليلة مائة مرة» وروي: أنه لما قرآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه استبشروا وبكى العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا عم» ؟

قال: نعيت إليك نفسك.

قال: «إنها لكما تقول» فعاش بعدها سنتين لم ير فيهما ضاحكاً مستبشراً، وقيل: إن ابن عباس هو الذي قال ذلك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أوتي هذا الغلام علماً كثيراً» وروي: أنها لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء الله» ، فعلم أبو بكر رضي الله عنه، فقال: فديناك بأنفسما وأموالنا وآبائنا وأولادنا.

وعن ابن عباس أن عمر رضي الله عنهما كان يدينه ويأذن له مع أهل بدر، فقال عبد الرحمن: أتأذن لهذا الفتى معنا وفي آبائنا من هو مثله؟

فقال إنه ممن قد علمتم.

قال ابن عباس: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن قول الله تعالى: ﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ ولا أراه سألهم إلاّ من أجلي؛ فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه؛ فقلت: ليس كذلك، ولكن نعيت إليه نفسه؛ فقال عمر: ما أعلم منها إلاّ مثل ما تعلم، ثم قال: كيف تلومونني عليه بعدما ترون؟

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه دعا فاطمة رضي الله عنها فقال: «يا بنتاه إنه نعيت إليّ نفسي» ، فبكت، فقال: «لا تبكي، فإنك أوّل أهلي لحوقاً بي» وعن ابن مسعود أنّ هذه السورة تسمى سورة التوديع ﴿ كَانَ تَوَّاباً ﴾ أي: كان في الأزمنة الماضية منذ خلق المكلفين تواباً عليهم إذا استغفروا، فعلى كل مستغفر أن يتوقع مثل ذلك.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة إذا جاء نصر الله أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح مكة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ النَّصْرِ مَدَنِيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ إظْهارُهُ إيّاكَ عَلى أعْدائِكَ.

﴿ والفَتْحُ ﴾ وفَتْحُ مَكَّةَ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ نَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ وفَتْحُ مَكَّةَ وسائِرِ البِلادِ عَلَيْهِمْ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ الحُصُولِ بِالمَجِيءِ تَجَوُّزًا لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُقَدَّراتِ مُتَوَجِّهَةٌ مِنَ الأزَلِ إلى أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها فَتَقْرُبُ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَدْ قَرُبَ النَّصْرُ مِن وقْتِهِ فَكُنْ مُتَرَقِّبًا لِوُرُودِهِ مُسْتَعِدًّا لِشُكْرِهِ.

﴿ وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ، ويَدْخُلُونَ حالٌ عَلى أنَّ رَأيْتَ بِمَعْنى أبْصَرْتَ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى عَلِمْتَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ} هو حال من الناس على أن رَأَيْتُ بمعنى أبصرت أو عرفت أو مفعول ثانٍ على أنه بمعنى علمت {فِى دِينِ الله أفواجا} هو حال من فاعل يدخلون وجواب إذا فَسَبّحْ أي إذا جاء نصر الله إياك على من ناواك وفتح البلاد ورأيت أهل اليمن يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة بعد ما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ النَّصْرِ وتُسَمّى سُورَةَ إذا جاءَ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ؛ لِما فِيها مِنَ الإيماءِ إلى وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَوْدِيعِهِ الدُّنْيا وما فِيها.

وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: «نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي»».

وفِي رِوايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْهُ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ دَعا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وقالَ: «إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي».

فَبَكَتْ ثُمَّ ضَحِكَتْ، فَقِيلَ لَها فَقالَتْ: أخْبَرَنِي أنَّهُ نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أخْبَرَنِي بِأنَّكِ أوَّلُ أهْلِي لَحاقًا بِي فَضَحِكْتُ».

وقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ مِنها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ يَفْعَلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَها فِعْلَ مُوَدِّعٍ.

وهي مَدَنِيَّةٌ عَلى القَوْلِ الأصَحِّ في تَعْرِيفِ المَدَنِيِّ، فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في مُسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينارٍ وصَدَقَةُ بْنُ بَشّارٍ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْسَطَ أيّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى وهو في حَجَّةِ الوَداعِ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ حَتّى خَتَمَها».

الخَبَرَ.

وأخْرَجَهُ أيْضًا ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُما، لَكِنْ قالَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ بَعْدَ أنْ أخْرَجَهُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: إنَّ إسْنادَهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ قالَ أحْمَدُ: لا تَحِلُّ الرِّوايَةُ عَنْهُ وعَلَيْهِ إنْ صَحَّ يَكُونُ نُزُولُها قَرِيبًا جِدًّا مِن زَمانِ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ ما بَيْنَ حَجَّةِ الوَداعِ وإجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ داعِيَ الحَقِّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ ونَيِّفٌ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما عاشَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ قَلِيلًا سَنَتَيْنِ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وفِي البَحْرِ: إنَّ نُزُولَها عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن خَيْبَرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ غَزْوَةَ خَيْبَرَ كانَتْ في سَنَةِ سَبْعٍ أواخِرَ المُحَرَّمِ فَيَكُونُ ما في البَيْنِ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ، ويَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّتِها أيْضًا ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ في القُرْآنِ جَمِيعًا: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ وآيُها ثَلاثٌ بِالِاتِّفاقِ، وفِيها إشارَةٌ إلى اضْمِحْلالِ مِلَّةِ الأصْنامِ وظُهُورِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وهو وجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها.

ويُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ وهي عَلى ما أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ رُبْعُ القُرْآنِ.

ولَمْ أظْفَرْ بِوَجْهِ ذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ: إعانَتُهُ تَعالى وإظْهارُهُ إيّاكَ عَلى عَدُوِّكَ وهَذا مَعْنى النَّصْرِ المُعَدّى بِعَلى، وفُسِّرَ بِهِ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والفَتْحُ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُعَدّى بِمَن ومَعْناهُ الحِفْظُ والفَتْحُ يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ بِالمَعْنى الأوَّلِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الكَلامُ مُشْتَمِلًا عَلى إفادَةِ النَّصْرَيْنِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ.

و«إذا» مَنصُوبٌ بِسَبِّحْ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وأبُو حَيّانَ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ بَعْدَها ولَيْسَتْ مُضافَةً إلَيْهِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَوْلٌ آخَرُ.

والمُرادُ بِهَذا النَّصْرِ ما كانَ في أمْرِ مَكَّةَ مِن غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى قُرَيْشٍ، وذَكَرَ النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّصْرَ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ، وأمّا الفَتْحُ فَقَدْ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْهُ وعَنْ عائِشَةَ أنَّ المُرادَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ وصَحَّحَهُ الجُمْهُورُ وكانَ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: لِثَلاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِن شَهْرِ رَمَضانَ عَلى رَأْسِ ثَمانِ سِنِينَ ونِصْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ.

وخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتا مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أحْمَدَ لِثَمانِ عَشْرَةَ، وفي أُخْرى لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وعِنْدَ مُسْلِمٍ لِسِتَّ عَشْرَةَ.

وقالَ الواقِدِيُّ: خَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَمَضانَ بَعْدَ العَصْرِ، وضَعَّفَهُ القَسْطَلانِيُّ وكانَ المُسْلِمُونَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ عَشَرَةَ آلافٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وطَوائِفَ مِنَ العَرَبِ.

وفي الإكْلِيلِ: اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وجُمِعَ بِأنَّ العَشَرَةَ خَرَجَ بِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المَدِينَةِ ثُمَّ تَلاحَقَ الألْفانِ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ النَّصْرُ عَلى ما كانَ مَعَ الفَتْحِ المَذْكُورِ فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ نازِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وتَتَضَمَّنُ الإعْلامَ بِذَلِكَ قَبْلَ كَوْنِهِ وهو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وإذا كانَتْ نازِلَةً بَعْدَهُ فَقالَ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ: إنَّ «إذا» بِمَعْنى «إذْ» الَّتِي لِلْماضِي، ومَجِيئُها بِهَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ وعَلَيْهِ تَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمُقَدَّرٍ كَكَمَّلَ الأمْرَ أوْ أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلى العِبادِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لا بِ «سَبِّحْ» لِأنَّ الكَلامَ حِينَئِذٍ نَحْوَ: أضْرِبُ زَيْدًا أمْسِ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: هي لِما يُسْتَقْبَلُ كَما هو الأكْثَرُ في اسْتِعْمالِها، وحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن أنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مُسْتَقْبَلًا مُتَرَقِّيًا بِاعْتِبارِ أنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كانَ أُمَّ الفُتُوحِ والدُّسْتُورَ لِما يَكُونُ مِن بَعْدِهِ فَهو مُتَرَقَّبٌ بِاعْتِبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مُتَحَقِّقًا بِاعْتِبارِهِ في نَفْسِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِقْبالُ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ ما في حَيِّزِ إذا، فَمِنهُ ما هو مُسْتَقْبَلٌ وهو ما تَضَمَّنَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاث آيات مكية قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وروى عبد الملك بن سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول كان أناس من المهاجرين قد وجدوا عمر وفي إدنائه ابن عباس  ما دونهم وكان يسأله فقال عمر: أما إني سأريكم منه اليوم ما تعرفون به فضله فسأله عن هذه السورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال بعضهم: أمر الله تعالى نبيه محمدا  إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده ويستغفره فقال لابن عباس تكلم، فقال أعلمه الله متى يموت فقال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فهي آيتك من الموت فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، قال مقاتل لما نزلت هذه السورة قرأ رسول الله  على أصحابه أبي بكر وعمر  ما فاستبشروا فسمع بذلك ابن عباس فبكى فقال النبي  ما يبكيك فقال نعيت نفسك فقال: «صَدَقْتَ» فعاش بعد هذه السورة سنتين.

وروى أبو عبيد بن عبد الله أن النبي  كان يكثر أن يقول: «سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمِدكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» وقال علي  لما نزلت هذه السورة مرض النبيّ  فخرج إلى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل وتوفي بعد أيام.

وروي عن ابن عباس  ما في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ يعني: إذا أتاك نصر من الله تعالى على الأعداء من قريش وغيرهم، وَالْفَتْحُ يعني: فتح مكة والطائف وغيرها وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً يعني: جماعة جماعة وقبيلة قبيلة، وكان قبل ذلك يدخلون واحداً واحداً فدخلوا فوجاً فوجاً فإذا رأيت ذلك فاعلم أنك ميت فاستعد للموت بكثرة التسبيح والاستغفار فذلك قوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يعني: سبحه، ويقال: يعني: سبح صل لربك وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً يعني: مسبحاً وذلك لمن تاب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النَّصْرِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَفِي أفْرادِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ: مَعُونَتُهُ عَلى الأعْداءِ.

والفَتْحُ: فَتْحُ مَكَّةَ.

قالَ الحَسَنُ: «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ  مَكَّةَ قالَتِ العَرَبُ: أما إذْ ظَفِرَ مُحَمَّدٌ بِأهْلِ الحَرَمِ، وقَدْ أجارَهُمُ اللَّهُ مِن أصْحابِ الفِيلِ، فَلَيْسَ لَكم بِهِ يَدانِ فَدَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا.» قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والأفْواجُ: جَماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: نُعِيَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ بِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأُعْلِمَ أنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهُ، فَأُمِرَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ لِيُخْتَمَ لَهُ عُمْرُهُ بِالزِّيادَةِ في العَمَلِ الصّالِحِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ : داعٍ مِنَ اللَّهِ، ووَداعٌ مِنَ الدُّنْيا.

قالَ قَتادَةُ: وعاشَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سَنَتَيْنِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَصْرِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ اجْتِماعًا.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ ﴾ ﴿ وَرَأيْتَ الناسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أفْواجًا ﴾ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ"، وسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ جَمْعًا مِنَ الصَحابَةِ الأشْياخِ وبِالحَضْرَةِ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، عن مَعْنى هَذِهِ السُورَةِ وسَبَبُها، فَقالُوا كُلُّهُمْ: مُقْتَضى ظاهِرُ ألْفاظِها أنَّ رَسُولَ اللهِ  أمَرَ عِنْدَ الفُتُوحِ الَّتِي فُتِحَتْ عَلَيْهِ -مَكَّةُ وغَيْرُها- بِأنْ يُسَبِّحَ رَبَّهُ ويَحْمَدَهُ ويَسْتَغْفِرَهُ، فَقالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: فَما تَقُولُ أنْتَ يا بْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: هو أجْلُ رَسُولِ اللهِ  ، أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى بِقُرْبِهِ إذا رَأى هَذِهِ الأشْياءَ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ ما أعْلَمُ مِنها إلّا ما ذَكَرْتَ.

وهَذا المَنزَعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأصْحابُهُ، ومُجاهِدٌ وأصْحابُهُ، وقَتادَةُ والضَحّاكُ، ورَوَتْ مَعْناهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، «وَأنَّهُ  لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وأسْلَمَ العَرَبُ جَعَلَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: "سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، اللهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ"، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ في هَذِهِ السُورَةِ وقالَ لَها مَرَّةً: ما أراهُ إلّا حُضُورُ أجْلِي»، وتَأوَّلَهُ عُمَرُ والعَبّاسُ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِحَضْرَةِ النَبِيِّ  فَصَدَقَهُما.

و"النَصْرُ" الَّذِي رَآهُ رَسُولُ اللهِ  غَلَبَتُهُ لِقُرَيْشٍ وهَوازِنَ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"الفَتْحُ" هو فَتْحُ مَكَّةَ والطائِفِ ومُدُنِ الحِجازِ وكَثِيرٍ مِنَ اليَمَنِ، و"دُخُولُ الناسِ في دِينِ اللهِ أفْواجًا"؛ كانَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ إلى مَوْتِ رَسُولِ اللهِ  .

قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ في كِتابِهِ "الِاسْتِيعابُ في الصَحابَةِ" في بابِ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ -: لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللهِ  وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، مِنهم مَن قَدِمَ، ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ، ثُمَّ كانَ بَعْدَهُ  مِنَ الرِدَّةِ ما كانَ ورَجَعُوا كُلُّهم إلى الدِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرادُ -واللهُ أعْلَمُ- العَرَبُ الأوثانُ، وأمّا نَصارى بَنِي تَغْلِبَ فَما أراهم أسْلَمُوا قَطُّ في حَياةِ رَسُولِ اللهِ  ، لَكِنْ أعْطَوُا الجِزْيَةَ.

و"الأفْواجُ" الجَماعَةُ إثْرَ الجَماعَةِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿ أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ بِـ "الناسِ" أهْلُ اليَمَنِ، وفَدَ مِنهم سَبْعُمِائَةُ رَجُلٍ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ الجُمْهُورُ: المُرادُ جَمِيعُ وُفُودِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم قالُوا: إذا فُتِحَ الحَرَمُ لِمُحَمَّدٍ وقَدْ حَماهُ اللهُ مِنَ الحَبَشَةِ وغَيْرِهِمْ، فَلَيْسَ لَكم بِهِ يُدانُ.

«وَذَكَرَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِرْقَةَ الصَحابَةِ فَبَكى، وقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: "دَخَلَ الناسُ في الدِينِ أفْواجًا وسَيَخْرُجُونَ مِنهُ أفْواجًا".» وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ بِعَقِبِ "واسْتَغْفِرْهُ" تَرْجِيَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ، جَعَلَنا اللهُ مِنهُمْ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ النَصْرَ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّ الفَتْحَ فَتَحُ مَكَّةَ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ عَلى النَبِيِّ  بِمِنى في وسَطِ أيّامِ التَشْرِيقِ، في حِجَّةِ الوَداعِ، وعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا أو نَحْوَها،  ،.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَصْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ إذا ﴾ اسم زمان مبهم يتعين مقدارهُ بمضمون جملةٍ يضاف إليها هو.

ف ﴿ إذا ﴾ اسمُ زمان مطلق، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالباً.

ولذلك يضمَّن معنى الشرط غالباً، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالباً لإفادة التحقق، وقد يكون مضارعاً كقوله تعالى: ﴿ وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ﴾ [الشورى: 29].

ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي، ولا تضمن ﴿ إذا ﴾ معنى الشرط حينئذ وإنما هي لمجرد الإِخبار دون قصد تعليق نحو: ﴿ وإذَا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11].

و ﴿ إذا ﴾ هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء في قوله: ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت.

والنصر: الإِعانة على العدوّ.

ونصر الله يعقبه التغلب على العدو.

و ﴿ الفتح ﴾ : امتلاك بلد العدوّ وأرضِه لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى: ﴿ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ [المائدة: 23]، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأَرضين التي لها شعاب وثغور قال لبيد: وأَجَنَّ عوراتتِ الثغور ظَلاَمُها وقد فتح المسلمون خيْبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد، وهو المعهود في قوله تعالى: ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك اللَّه نصراً عزيزاً ﴾ [الفتح: 1 3].

فإضافة ﴿ نصر ﴾ إلى ﴿ اللَّه ﴾ تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها.

و ﴿ جاء ﴾ مستعمل في معنى: حصَل وتحقق مجازاً.

والتعريف في «الفتح» للعهد وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم به غير مرة من ذلك قوله تعالى: ﴿ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ﴾ [القصص: 85] وقوله: ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ [الفتح: 27].

وهذه الآية نزلت عام الحديبية وذلك قبل نزول سورة ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ على جميع الأقوال.

وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمَن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقصور، يعنون الحصون.

وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد به وأهل مَكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبي صلى الله عليه وسلم ويتلومون بدخولهم في الإِسلام فتحَ مكة يقولون: إنْ ظهر محمد على قومه فهو نبيء.

وتكرر أنْ صَدَّ بعضُهم بعضاً ممن يريد اتباع الاسلام عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإِسلام أو غلب الشرك.

أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال: «لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون دَعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبيء».

وعن الحسن: لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا: أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس لنا به يَداننِ فكانوا يدخلون في الإِسلام أفواجاً.

فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها.

ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإِسلام وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإِسلام سنة الوفود.

وعلى ما روي عن ابن عمر: «أنها نزلت في حجة الوداع» يكون تعليق جملة: ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ على الشرط الماضي مراداً به التذكير بأنه حصل، أي إذا تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإِسلام بلادَ العرب فسبح بحمد ربك، وهو مراد مَن قال من المفسرين ﴿ إذا ﴾ بمعنى (قد)، فهو تفسير حاصل المعنى، وليست ﴿ إذا ﴾ مما يأتي بمعنى (قد).

والرؤية في قوله: ﴿ ورأيت الناس ﴾ يجوز أن تكون علمية، أي وعلمت علم اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وذلك بالأخبار الواردة من آفاق بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمَنْ يحضر من وفودهم.

فيكون جملة ﴿ يدخلون ﴾ في محل المفعول الثاني ل ﴿ رأيت ﴾ .

ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة يدخلون في الإِسلام وذلك سنة تسع، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ببصره ما علم منه دخولهم كلهم في الإِسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع فقد كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة ﴿ يدخلون ﴾ في موضع الحال من الناس.

و ﴿ دين اللَّه ﴾ هو الإِسلام لقوله تعالى: ﴿ إن الدين عند اللَّه الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقوله: ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها ﴾ [الروم: 30].

والدخول في الدين: مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين الناشئة عن تلك الشهادة.

فشُبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول، على تشبيه التلبس بالدين بتلبس المظروف بالظرف، ففيه استعارة أخرى تصريحية.

و ﴿ الناس ﴾ : اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا باللَّه ﴾ في سورة [البقرة: 8].

وإذا عُرّف اسم ناس باللام احتملت العهد نحو: ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ [آل عمران: 173]، واحتملت الجنس نحو: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ [آل عمران: 173] واحتملت الاستغراق نحو: ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ [البقرة: 8] ونحو: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [الناس: 1].

والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي، أي جميع الناس الذين يخطرون بالبال لعدم إرادة معهودين معينني ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله بدليل المشاهدة، فالمعنى: ورأيتَ ناساً كثيرين أو ورأيت العرب.

قال ابن عطية: «قال أبو عُمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب «الاستيعاب» في باب خراش الهذلي: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإِسلام بعد حُنين والطائِف، منهم من قدِم ومنهم من قدِم وافده» ا ه.

وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن لأن مِن عرب الشام والعراق من لم يدخلوا في الإِسلام، وهم: تَغلب وغسان في مشارف الشام والشاممِ، وكذلك لخم وكلب من العراق فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون في دين الله رؤية بصرية.

ويجوز أن يكون اللَّهُ أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية.

والأفواج: جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ في سورة [ص: 59]، أي يدخلون في الإِسلام قبائل، وانتصب أفواجاً } على الحال من ضمير ﴿ يدخلون ﴾ .

وجملة: ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ باعتبار ما تضمنته من معنى الشرط، وفعل ﴿ فسبح ﴾ هو العامل في ﴿ إذا ﴾ النصبَ على الظرفية، والفاء رابطة للجواب لأنه فعل إنشاء.

وقَرن التسبيح بالحمد بباء المصاحبة المقتضية أن التسبيح لاحقٌ للحمد لأن باء المصاحبة بمعنى (مع) فهي مثل (مع) في أنها تدخل على المتبوع فكان حمد الله على حصول النصر والفتح ودخول الناس في الإِسلام شيئاً مفروغاً منه لا يحتاج إلى الأمر بإيقاعه لأن شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد فعله، وإنما يحتاج إلى تذكيره بتسبيح خاص لم يحصل من قبل في تسبيحاته وباستغفار خاص لم يحصل من قبل في استغفاره.

ويجوز أن يكون التسبيح المأمور به تسبيحَ ابتهاج وتعجب من تيسير الله تعالى له ما لا يخطر ببال أحد أن يتم له ذلك، فإن سبحان الله ونحوه يستعمل في التعجب كقول الأعشى: قد قلتُ لما جاءني فخرُه *** سبحانَ من علقمةَ الفاخِر وفي تقديم الأمر بالتسبيح والحمد على الأمر بالاستغفار تمهيد لإجابة استغفاره على عادة العرب في تقديم الثناء قبل سؤال الحاجة كما قال ابن أبي الصلت: إذا أثنى عليك المرء يوماً *** كفاه عن تعرضه الثناء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخلو عن تسبيح الله فأريد تسبيح يقارن الحمد على ما أعطيه من النصر والفتح ودخول الأمة في الإِسلام.

وعطف الأمر باستغفار الله تعالى على الأمر بالتسبيح مع الحمد يقتضي أنه من حَيِّز جواب ﴿ إذا ﴾ ، وأنه استغفار يحصل مع الحمد مثل ما قرر في ﴿ فسبح بحمد ربك ﴾ فيدل على أنه استغفار خاص لأن الاستغفار الذي يعم طلب غفران التقصير ونحوه مأمور به من قبل وهو من شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال: " إنه لَيُغَانَ على قلْبي فأستغفر اللَّه في اليوم والليلة مائة مرة " فكان تعليق الأمر بالتسبيح وبالاستغفار على حصول النصر والفتح إيماءً إلى تسبيح واستغفار يحصل بهما تقرب لم يُنْو من قبل، وهو التهيّؤ للقاء الله، وأن حياته الدنيوية أوشكت على الانتهاء، وانتهاء أعمال الطاعات والقربات التي تزيد النبي صلى الله عليه وسلم في رفع درجاته عند ربه فلم يبق إلا أن يسأل ربه التجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضرورية للحياة أو من اشتغال بمهم من أحوال الأمة يفوته بسببه أمر آخر هو أهم منه، مثل فِداء أسرى بدر مع فوات مصلحة استئصالهم الذي هو أصلح للأمة فعوتِبَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ﴿ ما كان لنبيء أن يكون له أسرى ﴾ [الأنفال: 67] الآية، أو من ضرورات الإِنسان كالنوم والطعام التي تنقص من حالة شبهه بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فكان هذا إيذاناً باقتراب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بانتقاله من حياة تحمل أعباء الرسالة إلى حياة أبدية في العلويات الملكية.

والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإِكثار من قول ذلك.

وقد دل ذوق الكلام بعضَ ذوي الأفهام النافذة من الصحابة على هذا المعنى وغاصت عليه مثل أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد الله وابن مسعود، فعن مقاتل: " لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ففرحوا واستبشروا وبكى العباس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عم؟

قال: نُعيتْ إليك نفسك.

فقال: إنه لكَما تقول ".

وفي رواية: " نزلت في منى فبكى عمر والعباس فقيل لهما، فقالا: فيه نُعي رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقتما نُعِيَتْ إليّ نفسي ".

وفي «صحيح البخاري» وغيره عن ابن عباس: «كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فوجد بعضهم من ذلك، فقال لهم عمر: إنه مَن قد علمتم.

قال: فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فقالوا: أمر الله نبيئه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال: ما تقول يا ابن عباس؟

قلت: ليس كذلك ولكن أخبر الله نبيئه حضور أجله فقال: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ ، فذلك علامة موتك؟

فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» فهذا فهم عمر والعباس وعبد الله ابنه.

وقال في «الكشاف»: روي أنه لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله عز وجل.

فعلم أبو بكر فقال: فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا " اه.

قال ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف»: الحديث متفق عليه إلا صدره دون أوله من كونه كان عند نزول السورة ا ه.

ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية «الكشاف» والثانية عند خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه.

وعن ابن مسعود أن هذه السورة «تسمى سورة التوديع» أي لأنهم علموا أنها إيذان بقرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار لأن التسبيح راجع إلى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب، فالتسبيح متمحض لجانب الله تعالى، ولأن الحمد ثناء على الله لإنعامه، وهو أداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم فهو مستلزم إثبات صفات الكمال لله التي هي منشأ إنعامه على عبده فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده لأنه طلبه اللَّه أن يعفو عما يؤاخذه عليه.

ومقتضى الظاهر أن يقول: فسبح بحمده، لتقدم اسم الجلالة في قوله: ﴿ إذا جاء نصر اللَّه ﴾ فعدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر وهو ﴿ ربك ﴾ لما في صفة (رب) وإضافتها إلى ضمير المخاطب من الإِيماء إلى أن من حكمة ذلك النصر والفتح ودخول الناس في الإِسلام نعمةً أنعم الله بها عليه إذا حصل هذا الخير الجليل بواسطته فذلك تكريم له وعناية به وهو شأن تلطف الرب بالمربوب، لأن معناه السيادة المرفوقة بالرفق والإِبلاغ إلى الكمال.

وقد انتهى الكلام عند قوله: ﴿ واستغفره ﴾ .

وقد روي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في قراءته يقف عند ﴿ واستغفره ﴾ ثم يكمل السورة».

﴿ واستغفره إِنَّهُ كَانَ ﴾ .

تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الأمر باستغفار ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك.

وتوّاب: مثال مبالغة من تاب عليه.

وفعل تاب المتعدي بحرف (على) يطلق بمعنى: وفّق للتوبة، أثبته في «اللسان» و«القاموس»، وهذا الإِطلاق خاص بما أسند إلى الله.

وقد اشتملت الجملة على أربع مؤكدات هي: إنّ، وكانَ، وصيغة المبالغة في التوّاب، وتنوين التعظيم فيه.

وحيث كان توكيد ب (إنَّ) هنا غير مقصودٍ به ردُّ إنكار ولا إزالة تردد إذ لا يفرضان في جانب المخاطب صلى الله عليه وسلم فقد تمحض (إنَّ) لإفادة الاهتمام بالخبر بتأكيده.

وقد تقرر أن من شأن (إنَّ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غَناء فاء الترتيب والتسبب وتفيد التعليل وربط الكلام بما قبله كما تفيده الفاء، وقد تقدم غير مرة، منها عند قوله تعالى: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ في سورة [البقرة: 32]، فالمعنى: هو شديد القبول لتوبة عباده كثير قبوله إياها.

وإذ قد كان الكلام تذييلاً وتعليلاً للكلام السابق تعين أن حذف متعلق ﴿ تواباً ﴾ يُقدر بنحو: على التائبين.

وهذا المقدر مراد به العموم، وهو عموم مخصوص بالمشيئة تخصصه أدلة وصف الربوبية، ولما ذكر دليل العموم عَقب أمرِه بالاستغفار أفاد أنه إذا استغفره غفر له دلالة تقتضيها مستتبعات التراكيب، فأفادت هذه الجملة تعليل الأمر بالاستغفار لأن الاستغفار طلب لغفر، فالطالب يترقب إجابة طلبه، وأما ما في الجملة من الأمر بالتسبيح والحمد فلا يحتاج إلى تعليل لأنهما إنشاء تنزيه وثناء على الله.

ومن وراء ذلك أفادت الجملة إشارة إلى وعدٍ بحسن القبول عند الله تعالى حينما يقدم على العالم القدسي، وهذا معنى كنائي لأن من عُرف بكثرة قبول توبة التائبين شأنه أن يكرم وفادة الوافدين الذين سَعوْا جهودهم في مرضاته بمنتهى الاستطاعة، أو هو مجاز بعلاقة اللزوم العرفي لأن منتهى ما يخافه الأحبة عند اللقاء مرارة العتاب، فالإِخبار بأنه توّاب اقتضى أنه لا يخاف عتاباً.

فهذه الجملة بمدلولها الصريح ومدلولها الكنائي أو المجازي ومستتبعاتها تعليل لما تضمنته الجملة التي قبلها من معنى صريح أو كنائي يناسبه التعليل بالتسبيح والحمد باعتبارهما تمهيداً للأمر بالاستغفار كما تقدم آنفاً لا يحتاجان إلى التعليل، أو يغني تعليل الممهد له بهما عن تعليلهما ولكنهما باعتبار كونهما رمزاً إلى مداناة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون ما في قوله: ﴿ إنه كان تواباً ﴾ من الوعد بحسن القبول تعليلاً لمدلولهما الكنائي، وأما الأمر بالاستغفار فمناسبة التعليل له بقوله: ﴿ إنه كان تواباً ﴾ ناهضة باعتبار كلتا دلالتيه الصريحة والكنائيّة، أي إنه متقبل استغفارك ومتقبلك بأحسن قبول، شأنَ من عهد من الصفح والتكرم.

وفعل ﴿ كان ﴾ هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي.

وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ﴾ [البقرة: 37].

ومقتضى الظاهر أن يقال: إنه كان غفّاراً، كما في آية: ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ [نوح: 10] فيُجرى الوصف على ما يناسب قوله: ﴿ واستغفره ﴾ ، فعُدل عن ذلك تلطفاً مع النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ أمره بالاستغفار ليس مقتضياً إثبات ذنب له لما علمت آنفاً من أن وصف (تواب) جاء من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى، فإنه لا يُسأل عما يفعل بعباده، لولا تفضله بما بيَّن لهم من مراده، ولأن وصف (توّاب) أشد ملاءمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة ﴿ أفواجاً ﴾ لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف من الحروف الموصوفة بالشدة، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرِّخوة.

وروي في «الصحيح» عن عائشة قالت: «ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً بعد أن نزلت عليه سورة: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلا يقول: " سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن " أي يتأول الأمر في قوله: ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره ﴾ على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى اقتراب أجله صلى الله عليه وسلم

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النَّصْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ﴾ أمّا النَّصْرُ فَهو المَعُونَةُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ نَصَرَ الغَيْثُ الأرْضَ إذا أعانَ عَلى نَباتِها ومَنَعَ مِن قَحْطِها، قالَ الشّاعِرُ إذا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ وَفِي المَعْنِيِّ بِهَذا النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَصْرُ الرَّسُولِ عَلى قُرَيْشٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

الثّانِي: نَصْرُهُ عَلى كُلِّ مَن قاتَلَهُ مِن أعْدائِهِ، فَإنَّ عاقِبَةَ النَّصْرِ كانَتْ لَهُ.

وَقِيلَ: إذا جاءَ نَصْرُهُ بِإظْهارِهِ إيّاكَ عَلى أعْدائِكَ، والفَتْحُ: فَتْحُهُ مَكَّةَ وقِيلَ المُرادُ حِينَ نَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وفَتَحَ مَكَّةَ وسائِرَ البِلادِ عَلَيْهِمْ.

وَإنَّما عَبَّرَ عَنِ الحُصُولِ بِالمَجِيءِ تَجَوُّزًا لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُقَدَّراتِ مُتَوَجِّهَةٌ حِينٌ إلى أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ لَها، فَتُعْرَفُ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَدْ قَرَّبَ النَّصْرُ مَن قُوَّتِهِ فَكُنْ مُتَرَقِّبًا لِوُرُودِهِ مُسْتَعِدًّا لِشُكْرِهِ.

وَفِي هَذا الفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ ما فَتَحَهُ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ.

﴿ وَرَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ اليَمَنِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (اَلدِّينُ يَمانٍ والفِقْهُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ)» ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: « (إنِّي لَأجِدُ نَفَسَ رَبِّكم مِن قِبَلِ اليَمَنِ)» وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرَجُ لِتُتابِعِ إسْلامِهِمْ أفْواجًا.

الثّانِي: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَفَّسَ الكَرْبَ عَنْ نَبِيِّهِ بِأهْلِ اليَمَنِ، وهُمُ الأنْصارُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم سائِرُ الأُمَمِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

وَقالَ الحَسَنُ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مَكَّةَ، قالَتِ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّها القَوْمُ لَيْسَ لَكم بِهِ ولا بِالقَوْمِ يَدٌ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا أُمَّةً أُمَّةً.

قالَ الضَّحّاكُ: والأُمَّةُ أرْبَعُونَ رَجُلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأفْواجُ (اَلزُّمَرُ)، وقالَ الكَلْبِيُّ: الأفْواجُ القَبائِلُ.

وَرَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (إنَّ النّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وسَيَخْرُجُونَ أفْواجًا)» .

﴿ أفْواجًا ﴾ جَماعاتٍ كَثِيفَةً كَأهْلِ مَكَّةَ والطّائِفِ واليَمَنِ وهَوازِنَ وقَبائِلِ سائِرِ العَرَبِ.

﴿ يَدْخُلُونَ ﴾ حالٌ، عَلى أنَّ (رَأيْتَ) بِمَعْنى أبْصَرْتَ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى أنَّ رَأيْتَ بِمَعْنى عَلِمْتَ.

﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ في أمْرِهِ بِهَذا التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وبِالِاسْتِغْفارِ مُداوَمَةَ الذِّكْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ صَرِيحَ التَّسْبِيحِ، الَّذِي هو التَّنْزِيهُ والِاسْتِغْفارُ مِنَ الذُّنُوبِ.

رَوَتْ عائِشَةُ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي أراكَ أحْدَثْتَها؟

فَقالَ: (جُعِلَتْ لِي عَلامَةً في أُمَّتِي إذا رَأيْتُها قُلْتُها)» وفي قَوْلِهِ ﴿ إنَّهُ كانَ تَوّابًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: قابِلُ التَّوْبَةِ.

والثّانِي: مُتَجاوِزٌ عَنِ الصَّغائِرِ.

وَفي أمْرِهِ بِهَذا بَعْدَ النَّصْرِ والفَتْحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى نِعَمِهِ، لِأنَّ تَجْدِيدَ النِّعَمِ يُوجِبُ تَجْدِيدَ الشُّكْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ نَعى إلَيْهِ نَفْسَهُ، لِيَجِدَّ في عَمَلِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وداعٌ مِنَ اللَّهِ، ووَداعٌ مِنَ الدُّنْيا، فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَها إلّا سَنَتَيْنِ مُسْتَدِيمًا التَّسْبِيحَ والِاسْتِغْفارَ كَما أُمِرَ، وكانَ قَدْ لَبِثَ أرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يُوحَ إلَيْهِ، ورَأى رُؤْيا النُّبُوَّةِ سَنَتَيْنِ، وماتَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وفِيهِ هاجَرَ.

وَقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ فَتْحِ الطّائِفِ، والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، والنّاسُ أهْلُ اليَمَنِ، وهي آيَةُ مَوْتِ النَّبِيِّ  فَلَمّا نَزَلَتْ قَرَأها عَلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَفَرِحا بِالنَّصْرِ وبِدُخُولِ النّاسِ أفْواجًا في دِينِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وسَمِعَها العَبّاسُ فَبَكى، فَقالَ النَّبِيُّ  : « (ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ؟

فَقالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ)، قالَ: (إنَّهُ لَكَما تَقُولُ)» .

وهَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى التَّوْدِيعَ، عاشَ النَّبِيُّ بَعْدَها حَوْلًا عَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ، وحَوْلَيْنِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ  مِن قابِلٍ، فَنَزَلَ ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ الآيَةَ، فَعاشَ بَعْدَها ثَمانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ فَعاشَ بَعْدَها خَمْسَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ فَعاشَ بَعْدَها واحِدًا وعِشْرِينَ يَوْمًا.

وَقالَ مُقاتِلٌ: عاشَ بَعْدَها سَبْعَةَ أيّامٍ، واَللَّهُ أعْلَمُ وصَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مُتَتابِعَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَلى مَرِّ الأزْمانِ وكَرِّ الأوانِ، وعَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل بالمدينة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزل ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ بالمدينة.

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ كلها بالمدينة بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين ينعى إليه نفسه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ حتى ختمها، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿ إذا جاء فتح الله والنصر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: فتح مكة ﴿ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً ﴾ قال: أعلم أنك ستموت عند ذلك.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أفواجاً ﴾ قال: الزمر من الناس.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: كانت هذه السورة آية لموت النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: ذكر لنا أن ابن عباس قال: هذه السورة علم وحد حده الله لنبيه ونعى نفسه أي إنك لن تعيش بعدها إلا قليلاً.

قال قتادة: والله ما عاش بعدها إلا قليلاً سنتين ثم توفي.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعيت إلى نفسي إني مقبوض في تلك السنة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إلى نفسي وقرب أجلي» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ علم أنه نعيت إليه نفسه.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال: «لما نزلت هذه السورة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها ثم قال: أنا وأصحابي خير والناس خير لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» .

وأخرج النسائي وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة» فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي فتبسمت» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي بن أبي طالب، يا فاطمة بنت محمد جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبحان ربي وبحمده واستغفره إنه كان توابا» .

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي قال: نعى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزل عليه ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فكان الفتح سنة ثمان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طعن في سنة تسع من مهاجره تتابع عليه القبائل تسعى فلم يدر متى الأجل ليلاً أو نهاراً، فعمل على قدر ذلك فوسع السنن، وشدد الفرائض، وأظهر الرخص، ونسخ كثيراً من الأحاديث، وغزا تبوك، وفعل فعل مودع.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلى آخر القصة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا علي بن أبي طالب، ويا فاطمة بنت محمد، جاء نصر الله والفتح إلى آخر القصة، سبحان ربي وبحمده وأستغفره إنه كان توّاباً، ويا علي إنه يكون بعدي في المؤمنين الجهاد.

قال: علام نجاهد المؤمنين الذين يقولون آمنا؟

قال: على الاحداث في الدين إذا عملوا بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما الدين من الرب أمره ونهيه قال علي: يا رسول الله أرأيت إن عرض علينا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم يقض فيه سنة منك.

قال: تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة، فلو كنت مستخلفاً أحداً لم يكن أحد أحق منك لقربك في الإِسلام، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهرك، وعندك سيدة نساء المؤمنين، وقبل ذلك ما كان بلاء أبي طالب إياي، ونزل القرآن وأنا حريص على أن أرعى له في ولده» .

وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال: إنه قد نعيت إلى نفسي» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني وأشياخ بدر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله فقال: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ حتى ختم السورة فقال بعضهم: أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا جاء نصر الله وفتح علينا وقال بعضهم: لا ندري وبعضهم لم يقل شيئاً فقال لي يا ابن عباس: أكذاك تقول؟

قلت: لا.

قال: فما تقول؟

قلت: هو أجل رسول الله أعلمه الله ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون ﴾ والفتح فتح مكة، فذلك علامة أجلك ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ﴾ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فقالوا: فتح المدائن والقصور، قال: فأنت يا ابن عباس ما تقول؟

قال: قلت مثل ضرب لمحمد نعيت له نفسه.

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ جاء العباس إلى عليّ فقال: انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر لنا من بعده لم تشاحنا فيه قريش، وإن كان لغيرنا سألناه الوصاة لنا.

قال: لا، قال العباس: جئت فذكرت ذلك له، فقال: «إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه وهو مستوص فاسمعوا له وأطيعوا تهتدوا وتفلحوا، واقتدوا به ترشدوا» قال ابن عباس: فما وافق أبا بكر على رأيه ولا وازره على أمره ولا أعانه على شأنه إذ خالفه أصحابه في ارتداد العرب إلا العباس.

قال: فوالله ما عدل رأيهما وحزمهما رأي أهل الأرض أجمعين.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: ذاك حين نعى لهم نفسه يقول: إذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً يعني إسلام الناس يقول فذلك حين حضر أجلك ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّاباً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله: ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال: علم وحد حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ونعى إليه نفسه أنك لا تبقى بعد فتح مكة إلا قليلاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ .

وأخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي عن أبي بكر أن سورة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن نفسه نعيت إليه.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح فتح مكة فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف سنة من مقدمة المدينة، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقيت من رمضان.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقلت يا رسول الله: أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: خبرني أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ فتح مكة ﴿ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده.

«سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن يعني ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أنزلت عليه هذه السورة ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلا يقول مثلهما: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك فقلت له: قال: إني أمرت بها وقرأ ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ » إلى آخر السورة.

وأخرج عبد الرزاق ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التواب الغفور» .

وأخرج الحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: سبحانك ربنا وبحمدك فلما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال:سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاء أهل اليمن هم أرقْ قلوباً الإِيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانيه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ﴾ فقال: ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض قال: «لما نزلت ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ إلى آخر السورة قال محمد صلى الله عليه وسلم: يا جبريل نعيت إليَّ نفسي قال جبريل: الآخرة خير لك من الأولى» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم وطباعهم سجية قلوبهم عظيمة حسنتهم دخلوا في دين الله أفواجاً» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ﴾ هو قال المفسرون: إذا جاءك يا محمد نصر الله على من عاداك، وهم قريش، وغيرهم (١) ﴿ وَالْفَتْحُ ﴾ فتح مكة (٢) ﴿ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة، و (أهل) (٣) (٤) (٥) (٦) وقال الحسن: لما فتح رسول الله -  - مكة قالت العرب: أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان (٧) (٨) قال أبو إسحاق: معنى (أفواجًا) أي جماعات كثيرة، أي بعد أن كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين، صارت تدخل القبيلة بأسرها في الإسلام (٩) وقوله (١٠) ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ﴾ قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة على النبي -  - (أنه) (١١) (١٢) قال الحسن: اعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالاستغفار والتوبة (١٣) وقال قتادة (١٤) (١٥) (١٦)  - بعد نزول هذه السورة سنتين.

وقال عبد الله: لما نزلت هذه السورة كان النبي -  - يكثر أن يقول: "سبحانك اللهم بحمدك اغفر لي أنك أنت التواب" (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) قال أبو إسحاق: أمره  أن يكثر التسبيح والاستغفار ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح (٢١) وقال (عطاء عن) (٢٢) (٢٣) وقال آخرون: نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك إياه (٢٤) وهذا هو الأولى لما روى عبد الله، وعائشة، وأم سلمة أن النبي -  - كان يكثر أن يقول: "سبحان الله وأستغفره، وأتوب إليه بعد نزول هذه السورة".

وقوله (٢٥) ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ أي على المسبحين المستغفرين؛ يتوب عليهم، فيرحمهم، ويغفر لهم، ويقبل توبتهم (بمنه وفضله) (٢٦) (١) قال بذلك ابن عباس.

انظر: "جامع البيان" 30/ 332، و"بحر العلوم" 3/ 522 وعزاه الثعلبي إلى عامة أهل التفسير.

"الكشف والبيان" 13/ 171 أ، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 536، و"زاد المسير" 8/ 324 (٢) قال بذلك مجاهد، والحسن، وابن عباس انظر: "جامع البيان" 30/ 332، و"النكت والعيون" 6/ 360، و"التفسير الكبير" 32/ 153.

(٣) ساقط من (أ).

(٤) "جامع البيان" 30/ 333، و"الكشف والبيان" 13/ 179 أ، و"النكت والعيون" 6/ 360، و"التفسير الكبير" 32/ 153، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 230، و"الدر المنثور" 8/ 644 وعزاه إلى ابن عساكر.

(٥) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 404 - 405 و"جامع البيان" 30/ 333 و"الكشف ==والبيان" 13/ 179 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 532، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 230، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 601.

(٦) "تفسير مقاتل" 255 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 179 أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 532، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 230، "ثلاث رسائل للحافظ ابن رجب"، تقديم ابن جبرين ص 39.

(٧) يدان: أي طاقة نقلًا عن "الوسيط" 34/ 566 والذي رجعت إليه من المصادر كالنهاية واللسان لم أجد ذكراً للطاقة.

(٨) "الكشف والبيان" 13/ 179 أ، و"النكت والعيون" 6/ 360، و"معالم التنزيل" 4/ 541، و"الكشاف" 4/ 239، و"زاد المسير" 8/ 324، و"لباب التأويل" 4/ 423، و"فتح القدير" 5/ 509.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 373 بنصه.

(١٠) في (أ): (قوله).

(١١) ساقط من (أ).

(١٢) ورد معنى قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 404، و"جامع البيان" 30/ 334، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 601، و"الدر المنثور" 8/ 660 وعزاه إلى ابن مردويه.

وله أيضًا في ذلك حديثًا مرفوعًا، انظر "مجمع الزوائد" 7/ 144 كتاب التفسير: سورة إذا جاء نصر الله، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في حديث طويل، وفي إسناده هلال بن خباب، قال يحيى: ثقة مأمون لم يتغير، ووثقه ابن حبان، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح، وفي إسناده أحمد عطاء بن السائب وقد اختلط.

(١٣) ورد معنى قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 404، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"فتح القدير" 4/ 510، "تفسير الحسن البصري" 2/ 443.

(١٤) "جامع البيان" 30/ 335، و"الكشف والبيان" 13/ 180 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"زاد المسير" 8/ 324، و"الدر المنثور" 8/ 660 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(١٥) "تفسير مقاتل" 255 أ، إلا أنه قال عاش بعدها ثمانين يومًا، و"الكشف والبيان" 13/ 180 أ.

(١٦) ساقط من (أ).

(١٧) "الكشف والبيان" 13/ 180 أب، و"الدر المنثور" 8/ 663 وعزاه إلى عبد الرزاق، ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، و"المستدرك" 2/ 538 - 539: كتاب التفسير: سورة النصر: قال عنه صحيح، ووافقه الذهبي.

(١٨) ورد قولها في: "جامع البيان" 30/ 332 - 333 - 334، و"النكت والعيون" 6/ 361، و"الكشف والبيان" 13/ 180 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 542، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231، و"الدر المنثور" 8/ 663، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، ومسلم، وابن المنذر، وابن مردويه، وله ألفاظ كثيرة متقاربة، فراجعها في الدر، وانظر: "الجامع الصحيح" للبخاري 3/ 333: ح 4968: كتاب التفسير: باب 2 والحديث عن مسروق عن عائشة  ا قالت: كان رسول الله -  - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن، كما أخرجه مسلم في "صحيحه" 1/ 350: ح: 217: كتاب الصلاة: باب 42.

والإمام أحمد في: "المسند" 6/ 43، 49، 190، وابن ماجة في: "السنن" 1/ 160: ح 874: أبواب إقامة الصلاة: باب 20.

(١٩) "جامع البيان" 30/ 335، و"الكشف والبيان" 13/ 180 ب "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231، و"الدر المنثور" 8/ 663 وعزاه إلى ابن مردويه.

(٢٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢١) "معاني القرآن وإعرابه" 50/ 373.

(٢٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٣) "النكت والعيون" 6/ 361، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231، و"زاد المسير" 8/ 324.

(٢٤) لم أعثر على من قال ذلك، وقد ورد بمثله من غير عزو في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 231.

(٢٥) في (أ): (قوله).

(٢٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله والفتح ﴾ يعني بالفتح فتح مكة والطائف وغيرهما من البلاد التي فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: إن النصر صلح الحديبية، والفتح فتح مكة، وقيل: النصر إسلام أهل اليمن، والإخبار بذلك كله قبل وقوعه إخباره بغيب، فهو من أعلام النبوّة ﴿ وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً ﴾ أي جماعات، وذلك أنه أسلم بعد فتح مكة بشر كثير، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه في فتح مكة عشرة آلاف، وكان معه في غزوة تبوك سبعون ألفاً وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر.

وقد قيل: إن عدد المسلمين عند متوه مائة ألف وأربعة عشر ألفاً بل أكثر ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره ﴾ قد ذكر التسبيح والاستغفار ومعنى بحمد ربك فيما تقدم، فإن قيل: لم أمره الله بالتسبيح والحمد والاستغفار عند رؤية النصر والفتح، وعند اقتراب أجله؟

فالجواب: أنه أمر بالتسبيح والحمد ليكون شكراً على النصر والفتح وظهور الإسلام وأمره بذلك وبالاستغفار عند اقتراب أجله ليكون ذلك زاداً للآخرة وعدة للقاء الله.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف: ﴿ والفتح ﴾ ه ﴿ أفواجاً ﴾ ه لا ﴿ واستغفره ﴾ ط ﴿ تواباً ﴾ ه.

التفسير: السورة المتقدمة اشتملت على نصرة الله بقوله ﴿ يا أيها الكافرون  ﴾ وعلى فتح مكة القلب بعسكر التوحيد، وعلى تسخير جميع القوى البدنية في طاعة خالقها بقوّة البراءة عن الأديان الباطلة كلها فقال الله  : نصرتني بلسانك فكان جزاؤه ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ فتح مكة في الظاهر وسخرت قواك لطاعتي فجازيناك بدخول الناس في دين الله أفواجاً.

ثم إنه قابل هذه الخلع الثلاث بحكم تهادوا تحابوا بثلاثة أنواع العبودية إن نصرتك فسبح تنزيهاً لفعلي عن مشابهة المحدثات وتنبيهاً على أن لا يستحق أحد عليّ شيء، وإذا فتحت مكة فاحمد لأن النعمة يجب مقابلتها بالحمد، وإذا رأيت الناس قد أطاعوك فاستغفر لذنبك وهو الاشتغال بماعسى أن يقع من لذة الجاه والقبول وللمؤمنين والمؤمنات، لأنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر وكان احتياجهم إلى الاستغفار أشد.

وقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ معناه لا تذهب إلى النصر بل النصر يجيء إليك نظيره " زويت لي الأرض " يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك، ولا ترحل إلا إلى مقام قاب قوسين ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً  ﴾ بل أزيد على هذا فأفضل فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا، فإذا بقي الفقراء من غير مطية أسوق الجنة إليهم ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد  ﴾ وإنما قال في السورة المتقدّمة ﴿ ما أعبد  ﴾ وههنا قال ﴿ نصر الله ﴾ إشارة إلى أنه يجب أن لا يذكر اسمي مع الأعداء حتى لا يهينوه ولكن اذكر اسمي مع الأحباب حتى يكرموه.

والفرق بين النصر والفتح أن النصر أي الإعانة على تحصيل المطلوب هو الطريق، والفتح هو المقصود، ولهذا قدم الأول على الثاني.

وقيل: النصر كمال الدين والفتح الإقبال الدنيوي له ولأمته كقوله ﴿ أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ وقيل: النصر هو الظفر على المنى في الدنيا والفتح في الآخرة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكان رسول الله  أبداً منصوراً بالدلائل والمعجزات إلا أن الغلبة على قريش بل على أكثر العرب لما حصلت في هذا التاريخ صح التقييد به.

ثم إن جمهور المفسرين ومنهم ابن عباس ذكروا أن الفتح هو فتح مكة الذي يقال له فتح الفتوح.

يروى أن فتح مكة كان سنة ثمان ونزول السورة سنة عشر ولم يعش رسول الله  بعد نزولها إلا سبعين يوماً ولذلك تسمى سورة التوديع، وقد اتفق أكثر الصحابة على أنها دلت على نعي الرسول  وفهمه بعض الصحابة منها، وخطب رسول الله  بعد نزولها فقال: إن عبداً خيرّه الله بين الدنيا وبين لقائه في الآخرة فاختار لقاء الله.

قالوا: ومما يدل عليه أنه ذكر مقروناً بالنصرة وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير فإن فتح البلد لكن لم يأخذ القوم.

أما يوم فتح مكة فاجتمع له الأمران، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم "وذلك أنه  وقف على باب المسجد وقال: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.

ثم قال: يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟

فقالوا: خير، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" .

فسموا بذلك.

وقيل: فتح خيبر.

وقيل: فتح الطائف.

وعن أبي مسلم: النصر على الكفار وفتح بلاد الشرك على الإطلاق.

وقيل: انشراح الصدر للخيرات والأعمال الفاضلة، والفتح انفتاح أبواب المعارف والكشوف.

أما الذين قالوا إن الفتح فتح مكة وكان نزول السورة قبله على ما يدل عليه ظاهر صيغة إذاً فالآية من جملة المعجزات لأنها إخبار بالغيب وقد وقع.

واللام في الفتح بدل من الإضافة كأنه قيل: وفتح الله.

قوله ﴿ ورأيت ﴾ ظاهره أنها رؤية القلب، وجوز أن تكون رؤية البصر فيكون ﴿ يدخلون ﴾ حالاً.

وظاهر لفظ الناس يقتضي العموم فيجيب أن يقدر غيرهم كالنسناس بدليل قوله ﴿ أولئك كالأنعام  ﴾ وسئل الحسن بن عليّ فقال: نحن الناس وأشياعنا أشباه الناس وأعداؤنا النسناس، فقبّله عليّ بين عينينه وقال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ قيل: إنهم لما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير فكيف استحقوا المدح بأنهم الناس؟

وأجيب بأنه إشارة إلى سعة رحمة الله فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية سبعين سنة فإذا أتى بالإيمان في آخر عمره قبل إيمانه كأن الرب  يقول: ربيته سبعين سنة مات على كفره وقع في النار وضاع إحساني إليه في سبعين سنة.

ويروى أن الملائكة تقول لمثل هذا الإنسان: أتيت وإن كنت قد أبيت.

وعن النبي  " الله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد والظمآن الواردة " ويجوز أن يكون المراد بالناس أهل اليمن على ما روي عن أبي هريرة انه لما نزلت السورة قال النبي  : "الله أكبر جاء نصر الله والفتح.

وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية" وقال " إني لأجد نفس الرحمن من جانت اليمن" " قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلد صحيح لأنه  حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من أعظم المنن على نبيه.

ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدلائل ولا صفات الكمال ونعوت الجلال، وكونه  متصفاً بها منزهاً عن غيرها ولا ثبوت المعجز التام على يد محمد  ولا وجه دلالة المعجزة على النبوة.

وعن الحسن: لما فتح رسول الله  مكة قالت العرب: لا يدي لنا به فقد ظفر بأهل مكة وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وكل من أرادهم بسوء فأخذوا يدخلون في الإسلام أفواجاً من غير قتال.

ولا شك أن هذا القدر مما يفيد غلبة الظن فقط.

والفوج الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين.

وروي أن جابر بن عبد الله بكى ذات يوم فقيل له: ما يبكيك؟

فقال: سمعت رسول الله  يقول: دخل الناس في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً.

ثم إنه أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار فكأنه  ضاق قلبه عن تأخير النصر كما قال ﴿ وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله  ﴾ فأمر بالتسبيح تنزيهاً لله عما لا يليق بكماله وحكمته وعنايته بخلقه، وأمر أن يكون التسبيح مقروناً بالحمد لأن المقام يستدعي تذكير النعمة وهي الفتح والنصر ودخول الناس في الدين من غير متاعب الجهاد ومؤن القتال، ثم أمر بالاستغفار كفارة لما عسى أن يبدو ويدور في الخلد من ملاحظة حاله بعين الكمال، وكما أن التسبيح المقرون بالحمد نظر من الحق إلى الخلق فالاستغفار عكسه وهو التفات عن الخلق إلى الحق.

وإنما فهمت الصحابة من السورة نعي النبي  لأن كل كمال فإنه يدل على زوال كما قيل: إذا تم أمر يدا نقصه *** توقع زوالاً إذا قيل تم ويمكن أن يقال: إنه أمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقاً.

ولا يخفى أن الاشتغال بهذه الأعمال يمنع من الاشتغال بأعباء التبليغ وبأداء ما كان يواظب عليه من رعاية مصالح الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أن أمر الرسالة قد تم وكمل بسبب الموت والإلزام العزل.

"روت عائشة أن رسول الله  بعد نزول هذه السورة كان يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" .

وفي رواية: "كان يكثر أن يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي" .

وفي رواية أخرى "كان نبي الله  في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله وبحمده.

فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من قول سبحان الله وبحمده قال: إني أمرت بها وقرأ السورة" .

وعن ابن مسعود أنه لما نزلت هذه السورة كان  "يكثر أن يقول: سبحانك الله وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم" .

وفي الآية تنبيه على أن العاقل إذا قرب أجله وأنذره الشيب أقبل على التوبة والاستغفار وتدارك بعض ما فات في أوان الغفلة والاغترار.

وفي معنى الباء في قوله ﴿ بحمد ربك ﴾ وجوه للمفسرين منها: أن المراد قل سبحان الله والحمد لله تعجباً مما أراك من مقصودك.

يقال: شربت اللبن بالعسل أي خلطتهما فشربت المخلوط.

ومنها أن الباء للآلة أي سبحه بواسطة تحميده لأن الثناء يتضمن التنزيه عن النقائص، والدليل عليه أنه  عند فتح مكة بدأ بالتحميد قائلاً الحمد لله الذي نصر عبده.

ومنها أن المراد فسبح متلبساً بالحمدنية لأنك لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظاً فاجمعهما نية.

وقيل: سبحه مقروناً بحمد الله على ما هداك إلى تسبيحه كما روي أنه  كان يقول: الحمد لله على الحمد لله.

وقيل: الباء للبدل أي ائت بالتسبيح بدل الحمد الواجب عليك في مقابلة نعمة النصر والفتح لأن الحمد لا حصر له ﴿ وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وقيل: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لله أمر أن لا يجوز تأخير أحدهما عن الآخر لوجوب الإتيان بكل منهما على الفور كما لو ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب وجب أن يقول اخترت الشفعة بردّي ذلك المبيع.

وقيل: الباء صلة أي طهر محامد ربك عن النقائض والرياء.

وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن التربية هي الموجبة للحمد، أما الاستغفار فإن كان لأجل الأمة فلا إشكال، وإن كان لأجل نفسه فإما للاقتداء وإما لترك الأولى والأفضل، وإما بالنظر إلى المرتبة المتجاوز عنها فإن السالك يلزمه عند الارتقاء في كل درجة يصل إليها أن يستغفر عما يخلفها.

وفي قوله ﴿ تواباً ﴾ دون أن يقول " غفاراً كما في سورة نوح إشارة إلى أن هذا النبي  بل هذه الأمة امتثلوا فاستغفروا وتابوا فوجب على فضل الله قبول توبتهم بخلاف قوم نوح.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: إن قوله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ هو مكة، والنصر الذي نصر رسول الله  على أهل مكة.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يحتمل؛ لأن فتح مكة كان بعد الهجرة بثماني سنين، ونزول هذه السورة كان بعد الهجرة بعشر سنين، ولا يقال للذي مضى: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ ، ولكن أراد سائر الفتوح التي فتحها له، أو كلام نحو هذا، ولكن يحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ يعني: إذ جاء.

وجائز ذلك في اللغة، وفي القرآن كثير "إذا" مكان "إذ"، فإن كان [على] هذا فيستقيم حمله على فتح مكة؛ على ما قاله أولئك.

أو يكون قوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: قد جاء نصر الله.

أو يكون أراد بما ذكر من النصر والفتح: الفتوح التي كانت له من بعد حين دخل الناس في دين الله أفواجا؛ على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: عون الله وخذلانه لأعدائه.

أو أن يكون قوله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ﴾ : هي فتوح الأمور التي فتحها الله - عز وجل - عليه من تبليغ الراسلة إلى من أمر بتبليغها إليهم، والقيام بالأمور التي أمره أن يقوم بها، فتح تلك الأمور عليه وأتمها، فإن كان على هذا، تصير فتوح تلك الأمور له نعيا له؛ بالدلالة على ما قاله أهل التأويل: إنه نعى لرسول الله  نعيه، وجهة الاستدلال الوجوه التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل 0: ﴿ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ﴾ .

ذكر أهل التأويل أنه كان قبل ذلك يدخل واحداً واحداً، فلما كان فتح مكة، جعلوا يدخلون دينه أفواجا أفواجا، وقبيلة قبيلة.

ويحتمل ما ذكرنا من سائر الفتوح، أي: فتوح الأمور التي ذكرنا، على ما روي عن النبي  أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين، شهار أمامى، وشهرا ورائي".

ثم [فى] قوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ﴾ الآية، نعي لرسول الله  من وجوه، وقد ذكر في الأخبار: أنه نعى إليه نفسه بهذه السورة.

أحدها: ما ذكرنا من جهة الاستدلال عرف أنه قد دنا أجله؛ حيث أتم ما أمر به، وفرغ منه: من التبليغ والدعاء.

والثاني: عرف ذلك اطلاعا من الله  ، أطلعه عليه بعلامات جعلها له؛ ففهم رسول الله  ما لا يدرك أفهامنا ذلك.

والثالث: لما كفي مؤنة القيام بالتبليغ بنفسه بدخول الناس في الدين جماعة جماعة، وكان قبل ذلك يقوم بنفسه، عرف بذلك حضور أجله، وهو نوع من الدلالة.

ووجه الدلالة: أن القوم لما دخلوا في دين الله فوجا فوجا؛ دل ذلك على ظهور الإسلام وكثرة أهله؛ فكانت الغلبة والنصر دليل الأمن من الزوال عما هم عليه من الدين إذا زال الرسول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، قال أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك، وأصله: ما ذكرنا فما تقدم: أن التسبيح هو التنزيه، والتبرئة عن جميع معاني الخلق، والوصف بما يليق به، قال: نزهه وبرئه بالثناء عليه، وصفه بالصفات العلا، وسمه بالأسماء الحسنى التي علمك ربك.

ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ ، أي: قل: "سبحان الله وبحمده" على ما جاء في الأخبار أن النبي  كان يكثر في دعائه "سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه" وهذا لأن "  الله" حرف جامع يجمع جميع ما يستحق من الثناء عليه، والوصف له بالعلو والعظمة والجلال، والتنزيه عن جميع العيوب والآفات، وعن جميع معاني الخلق، جعل لهم هذا الحرف الجامع؛ لما عرف عجزهم عن القيام بالوصف بجميع ما يستحق من الثناء عليه.

وكذلك حرف "الحمد لله"، هو حرف جامع يجمع شكر جميع ما أنعم الله عليهم، جعل لهم ذلك؛ لما عرف من عجزهم، وقلة شكر ما أنعم عليهم واحدا بعد واحد.

وعلى ذلك يخرج قوله: "اللهم صل على محمد"، امرهم أن يجعلوا الصلاة على رسول الله  بقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ ولما لم يجعل في وسعهم القيام بما يستحقه أمروا أن يقولوا: "اللهم صل على محمد"؛ ليكون هو المتولي ذلك بنفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْهُ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: دل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْهُ ﴾ على أن كان منه تقصير وتفريط في أمره حتى أمره بالاستغفار عن ذلك.

لكن هذا كلام وحش؛ لا يصف رسول الله  بالتقصير في شيء، ولا بالتفريط في أمر قط، ولكن قد جعل الله -  - على كل أحد من نعمه وفضله وإحسانه في طرفة عين ولحظة بصر ما ليس في وسعه وطاقته القيام بشكر واحد منها، وإن لطف، وإن طال عمره؛ فأمر بالاستغفار؛ لما يتوهم منه التقصير في أداء شكر نعمه عن القيام بذلك.

أو أن يكون لأمته لا لنفسه.

فإن قال قائل: ما معنى أمره بالاستغفار، وقد ذكر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟

فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون أمر بالاستغفار لأمته، نحو قوله -  -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

أو أن يكون الله -  - وعد له المغفرة إذا لزم الاستغفار، ودام عليهز وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾ : أي: كان لم يزل توابا، ليس أن صار توابا بأمر اكتسبه وأحدثه، على ما تقول المعتزلة: إنه صار توابا.

ثم قوله: ﴿ تَوَّاباً ﴾ ، على التكثير، أي: يقبل توبة بعد توبة، أي: إذا تاب مرة، ثم ارتكب الجرم وعصاه؛ ثم تاب ثانيا، وثالثا، وإن كثر؛ فإنه يقبل توبته.

والثاني: ﴿ تَوَّاباً ﴾ ، أي: رجاعا يرجعهم ويردهم عن المعاصي، إلى أن يتوبوا، أي: هو الذي يوفقهم على التوبة.

ثم قال: ﴿ تَوَّاباً ﴾ ، ولم يقل: "غفاراً"، وحق مثله من الكلام أن يقال: "إنه كان غفارا"؛ كما قال في آية أخرى: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، ولكن المعنى فيه عندنا: أن المراد من الاستغفار ليس قوله: "أستغفر الله"، ولكن أن يتوب إليه، ويطلب منه المغفرة بالتوبة؛ ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾ .

ويجوز أن يكون فيه إضمار؛ كأنه قال: "واستغفره، وتب إليه؛ إن كان توابا".

ويجوز [أن يستغنى] بذكر الاستغفار في السؤال عن ذكره في الجواب، وأحرى [أن يستغنى] بذكر التوبة في الجواب عن ذكرها في السؤال، ووقد يجوز مثل هذا في الكلام.

ثم الدين اسم يقع على ما يدين به الإنسان، حقا كان أو باطلا، وعلى ذلك أضاف النبي  ما كان يدين به إلى نفسه، وما دان به الكفرة إليهم، حيث قال: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وأما إضافته إلى الله -  - حيث قال: ﴿ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً ﴾ \[الآية\]؛ لأنه الدين الذي أمرهم به، ودعاهم إليه؛ لذلك خرجت الإضافة والنسبة إليه، والله أعلم [بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إذا جاء نصر الله لدينك -أيها الرسول- وإعزازه له، وحدث فتح مكة.

<div class="verse-tafsir" id="91.O0pPq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الخطاب الذي يرد في كتاب الله مفردًا، تارة يكون للنبي  خاصة كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ  ﴾ ، وقد يكون لكل من يفهم الخطاب كقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى  عَبْدًا إِذَا صَلَّى  أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى  أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  ﴾ ، وقد يكون خطابًا له  مقصودًا به نفسه الشريفة مع من معه من أصحابه والمخلصين من أُمته.

ومن هذا الأخير ما جاء من الخطاب في سورة النصر.

كان المؤمنون أيام قلتهم وفقرهم وكثرة عدد عدوهم وقوته واشتداده عليهم ومضايقته لهم، يمر الضجر بنفوسهم، ويأخذ الحزن منها مأخذه.

وكان  يحزن ويضيق صدره لما يكذبه قومه -والحق يسطع نوره وهم يعمون عنه- حتى قال الله له: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ  ﴾ وقال له: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ وقال بعد ذلك ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ  ﴾ .

وجاء في غير ذلك من آيات الكتاب ما يدل على أن النبي  وأصحابه كانوا يضجرون ويقلقون لشدة ما كانوا يلقون.

ولا يخفى ما في القلق والضجر من استبطاء نصر الله للحق الذي بعث به نبيه، بل فيه شيء من السهو عن وعد الله بتأييد دينه.

وليس ذلك من النقص الذي يعاب به  ، فإن كل مخلوق لا يعلم من غيب الله ما يعلم الله، لا بد أن يمسه هذا الضجر، ويصيبه هذا القلق، وتأخذه الشدة بهذا النسيان حتى يكون الكمال لله وحده.

قال: ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ  ﴾ .

ولكن الله جل شأنه قد يعده على أقرب المقربين إليه، كما قالوا حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وقد يراه النبي  -إذا رجع إلى نفسه، وخرج من غمرة الشدة- ذنبًا يتوب إلى الله ويستغفره منه.

ولهذا ورد له الأمر الإلهي بالاستغفار مما كان منه من حزن وضجر في أوقات الشدة ...

ورد له ذلك الأمر في صورة البشارة بقرب مجيء الفتح والنصر حيث قال ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ  ﴾ فعبر بإذا المفيدة لتحقيق وقوع ما يضاف إليه، أي عندما ترى نصر الله لدينه الحق على الباطل، ويفتح الله بينك وبين قومك، فيجعل لك الغلبة عليهم، ويضعف أمرهم في التمسك بعقائدهم الباطلة.

(ورأيت الناس) عند ذلك (يدخلون في دين الله)، وهو دينك الذي جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذي كان يحول بينهم وبينه، وهو غطاء قوة الباطل فيقبلون عليه (أفواجًا): أي طوائف وجماعات لا آحادًا كما كان ذلك في بدء الأمر أيام الشدة.

إذا حصل ذلك كله -وهو لا ريب حاصل- (فسبح بحمد ربك): أي فنزه ربك عن أن يهمل الحق ويدعه للباطل يأكله، وعن أن يخلف وعده في تأييده، وليكن هذا التنزيه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين ليمتحن قلوب المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين، ولا يصلح عمل المفسدين والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه رياء المرائين.

(واستغفره): أي اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق والضجر والحزن لتأخر زمن النصر والفتح.

والاستغفار إنما يكون بالتوبة الخالصة.

والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله وتغليب هذه الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد.

وهو -وإن كان مما يشق على نفوس البشر- ولكن الله علم أن نفس نبيه  قد تبلغ ذلك الكمال، فلذلك أمره به، وكذلك تقاربه قلوب الكُمَّل من أصحابه وأتباعه  ، والله يتقبل ذلك منهم.

(إنه كان توابًا) أي إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة لأنه رب يربي النفوس بالمحن، فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدد هممها بحسن الوعد: ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال.

وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها، وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التّواب الرحيم.

وكأن الله يقول إذا حصل الفتح وتحقق النصر، وأقبل الناس على الدين الحق، فقد ارتفع الخوف، وزال موجب الحزن، فلم يبق إلا تسبيح الله وشكره، والنزوع إليه عما كان من خواطر النفس، فلن تعود الشدة تأخذ نفوس المخلصين ما داموا على تلك الكثرة في ذلك الإخلاص.

ومن هذا أخذ النبي  أن الأمر قد تم، ولم يبق له إلا أن يسير إلى ربه فقال -فيما روي عنه- "إنه قد نعيت إليه نفسه" والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة النصر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله