الآية ١ من سورة الإخلاص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 112 الإخلاص > الآية ١ من سورة الإخلاص

قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 181 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الإخلاص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ١ من سورة الإخلاص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الإخلاص وهي مكية .

ذكر سبب نزولها وفضيلتها قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعد محمد بن ميسر الصاغاني ، حدثنا أبو جعفر الرازي ، حدثنا الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، انسب لنا ربك .

فأنزل الله : " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " .

وكذا رواه الترمذي وابن جرير ، عن أحمد بن منيع - زاد ابن جرير : ومحمود بن خداش - عن أبي سعد محمد بن ميسر به - زاد ابن جرير والترمذي - قال : " الصمد " الذي لم يلد ولم يولد ، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ، وليس شيء يموت إلا سيورث ، وإن الله جل جلاله لا يموت ولا يورث ، " ولم يكن له كفوا أحد " ولم يكن له شبه ولا عدل ، وليس كمثله شيء .

ورواه ابن أبي حاتم ، من حديث أبي سعد محمد بن ميسر به .

ثم رواه الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن عبيد الله بن موسى ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، فذكره مرسلا ولم يذكر " أخبرنا " .

ثم قال الترمذي : هذا أصح من حديث أبي سعد .

حديث آخر في معناه : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا سريج بن يونس ، حدثنا إسماعيل بن مجالد ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر : أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : انسب لنا ربك .

فأنزل الله عز وجل : " قل هو الله أحد " إلى آخرها .

إسناده مقارب .

وقد رواه ابن جرير ، عن محمد بن عوف ، عن سريج فذكره .

وقد أرسله غير واحد من السلف .

وروى عبيد بن إسحاق العطار ، عن قيس بن الربيع ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود قال : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : انسب لنا ربك ، فنزلت هذه السورة : " قل هو الله أحد " قال الطبراني : رواه الفريابي وغيره ، عن قيس ، عن أبي عاصم ، عن أبي وائل ، مرسلا .

ثم روى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عثمان الطائفي ، عن الوازع بن نافع ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل شيء نسبة ، ونسبة الله : " قل هو الله أحد الله الصمد " والصمد ليس بأجوف ] .

حديث آخر في فضلها : قال البخاري : حدثنا محمد - هو الذهلي - ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا عمرو ، عن ابن أبي هلال : أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه ، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن - وكانت في حجر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم ، فيختم ب " قل هو الله أحد " فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " سلوه : لأي شيء يصنع ذلك ؟

" .

فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، وأنا أحب أن أقرأ بها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أخبروه أن الله تعالى يحبه " .

هكذا رواه في كتاب " التوحيد " .

ومنهم من يسقط ذكر " محمد الذهلي " .

ويجعله من روايته عن أحمد بن صالح .

وقد رواه مسلم والنسائي أيضا من حديث عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال به .

حديث آخر : قال البخاري في كتاب الصلاة : " وقال عبيد الله ، عن ثابت عن أنس قال : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح ب " قل هو الله أحد " حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة .

فكلمه أصحابه فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى ، فإما أن تقرأ بها ، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى .

فقال : ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتكم .

وكانوا يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره .

فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر ، فقال : " يا فلان ، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟

" .

قال : إني أحبها .

قال : " حبك إياها أدخلك الجنة " .

هكذا رواه البخاري تعليقا مجزوما به .

وقد رواه أبو عيسى الترمذي في جامعه ، عن البخاري ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، فذكر بإسناده مثله سواء .

ثم قال الترمذي : غريب من حديث عبيد الله ، عن ثابت .

قال : وروى مبارك بن فضالة ، عن ثابت عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أحب هذه السورة : " قل هو الله أحد " قال : " إن حبك إياها أدخلك الجنة " .

وهذا الذي علقه الترمذي قد رواه الإمام أحمد في مسنده متصلا فقال : حدثنا أبو النضر ، حدثنا مبارك بن فضالة ، عن ثابت ، عن أنس قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أحب هذه السورة : " قل هو الله أحد " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حبك إياها أدخلك الجنة " .

حديث في كونها تعدل ثلث القرآن : قال البخاري : حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد .

أن رجلا سمع رجلا يقرأ : " قل هو الله أحد " يرددها ، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، وكأن الرجل يتقالها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، إنها لتعدل ثلث القرآن " .

زاد إسماعيل بن جعفر ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ، عن أبيه ، عن أبي سعيد قال : أخبرني أخي قتادة بن النعمان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد رواه البخاري أيضا عن عبد الله بن يوسف والقعنبي .

ورواه أبو داود ، عن القعنبي .

والنسائي ، عن قتيبة ، كلهم عن مالك به .

وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي من طريقين ، عن إسماعيل بن جعفر ، عن مالك به .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا إبراهيم والضحاك المشرقي ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟

" .

فشق ذلك عليهم وقالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله ؟

فقال : " الله الواحد الصمد ثلث القرآن " .

تفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النخعي والضحاك بن شرحبيل الهمداني المشرقي ، كلاهما عن أبي سعيد ، قال القربري : سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق أبي عبد الله قال : قال أبو عبد الله البخاري : عن إبراهيم مرسل ، وعن الضحاك مسند .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري قال : بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله ب " قل هو الله أحد " فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " والذي نفسي بيده ، لتعدل نصف القرآن ، أو ثلثه " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو : أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول : ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة ؟

فقالوا : وهل يستطيع ذلك أحد ؟

قال : فإن " قل هو الله أحد " ثلث القرآن .

قال : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع أبا أيوب ، فقال : " صدق أبو أيوب " .

حديث آخر : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا يزيد بن كيسان ، أخبرني أبو حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " احشدوا ، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن " .

فحشد من حشد ، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ : " قل هو الله أحد " ثم دخل فقال بعضنا لبعض : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن " .

إني لأرى هذا خبرا جاء من السماء ، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : " إني قلت : سأقرأ عليكم ثلث القرآن ، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن " .

وهكذا رواه مسلم في صحيحه ، عن محمد بن بشار به ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ، واسم أبي حازم سلمان .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن زائدة بن قدامة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن الربيع بن خثيم ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن امرأة من الأنصار ، عن أبي أيوب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟

فإنه من قرأ : " قل هو الله أحد الله الصمد " في ليلة ، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن " .

هذا حديث تساعي الإسناد للإمام أحمد .

ورواه الترمذي والنسائي ، كلاهما عن محمد بن بشار بندار - زاد الترمذي وقتيبة - كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به .

فصار لهما عشاريا .

وفي رواية الترمذي : " عن امرأة أبى أيوب ، عن أبي أيوب " ، به [ وحسنه ] .

ثم قال : وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي سعيد وقتادة بن النعمان وأبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي مسعود .

وهذا حديث حسن ، ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث أحسن من رواية " زائدة " .

وتابعه على روايته إسرائيل والفضيل بن عياض .

وقد روى شعبة وغير واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور واضطربوا فيه .

حديث آخر : قال أحمد : حدثنا هشيم ، عن حصين ، عن هلال بن يساف ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب - أو : رجل من الأنصار - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ ب " قل هو الله أحد " فكأنما قرأ بثلث القرآن " .

ورواه النسائي في " اليوم والليلة " ، من حديث هشيم ، عن حصين ، عن ابن أبي ليلى به .

ولم يقع في روايته : هلال بن يساف .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي قيس ، عن عمرو بن ميمون ، عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن " .

وهكذا رواه ابن ماجه ، عن علي بن محمد الطنافسي ، عن وكيع به .

ورواه النسائي في " اليوم والليلة " من طرق أخر ، عن عمرو بن ميمون ، مرفوعا وموقوفا .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، حدثنا بكير بن أبي السميط ، حدثنا قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن أبي الدرداء ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن ؟

" .

قالوا : نعم يا رسول الله ، نحن أضعف من ذلك وأعجز .

قال : " فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء ، ف " قل هو الله أحد " ثلث القرآن " .

ورواه مسلم والنسائي من حديث قتادة به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أمية بن خالد ، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم - ابن أخي ابن شهاب - عن عمه الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن - هو ابن عوف - عن أمه - وهي : أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن " .

وكذا رواه النسائي في " اليوم والليلة " ، عن عمرو بن علي ، عن أمية بن خالد به .

ثم رواه من طريق مالك ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، قوله .

ورواه النسائي أيضا في " اليوم والليلة " من حديث محمد بن إسحاق ، عن الحارث بن الفضيل الأنصاري ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن : أن نفرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " قل هو الله أحد " تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها " .

حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة : قال الإمام مالك بن أنس ، عن عبيد الله بن عبد الرحمن ، عن عبيد بن حنين قال : سمعت أبا هريرة يقول : أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع رجلا يقرأ " قل هو الله أحد " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وجبت " .

قلت : وما وجبت ؟

قال : " الجنة " .

ورواه الترمذي والنسائي من حديث مالك .

وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث مالك .

وتقدم حديث : " حبك إياها أدخلك الجنة " .

حديث في تكرار قراءتها : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا قطن بن نسير ، حدثنا عيسى بن ميمون القرشي ، حدثنا يزيد الرقاشي ، عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أما يستطيع أحدكم أن يقرأ : " قل هو الله أحد " ثلاث مرات في ليلة ، فإنها تعدل ثلث القرآن ؟

" هذا إسناد ضعيف ، وأجود منه حديث آخر ، قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا الضحاك بن مخلد ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن أسيد بن أبي أسيد ، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب ، عن أبيه قال : أصابنا طش وظلمة ، فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا ، فخرج فأخذ بيدي ، فقال : " قل " .

فسكت .

قال : " قل " .

قلت : ما أقول ؟

قال : " " قل هو الله أحد " والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا ، تكفك كل يوم مرتين " .

ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن أبي ذئب به .

وقال الترمذي : حسن صحيح غريب من هذا الوجه .

وقد رواه النسائي من طريق أخرى ، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب ، عن أبيه ، عن عقبة بن عامر ، فذكره [ ولفظه : " يكفك كل شيء " ] .

حديث آخر في ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثنا ليث بن سعد ، حدثني الخليل بن مرة ، عن الأزهر بن عبد الله ، عن تميم الداري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال : لا إله إلا الله واحدا أحدا صمدا ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له كفوا أحد ، عشر مرات ، كتب له أربعون ألف ألف حسنة " .

تفرد به أحمد والخليل بن مرة : ضعفه البخاري وغيره بمرة .

حديث آخر : قال أحمد أيضا : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ " قل هو الله أحد " حتى يختمها ، عشر مرات ، بنى الله له قصرا في الجنة " .

فقال عمر : إذن نستكثر يا رسول الله .

فقال صلى الله عليه وسلم : " الله أكثر وأطيب " .

تفرد به أحمد .

ورواه أبو محمد الدارمي في مسنده فقال : حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا حيوة ، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد - قال الدارمي : وكان من الأبدال - أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ " قل هو الله أحد " عشر مرات ، بنى الله له قصرا في الجنة ، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة ، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة " .

فقال عمر بن الخطاب : إذا لتكثر قصورنا ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أوسع من ذلك " .

وهذا مرسل جيد .

حديث آخر : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا نصر بن علي ، حدثني نوح بن قيس ، أخبرني محمد العطار ، أخبرتني أم كثير الأنصارية ، عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ " قل هو الله أحد " خمسين مرة غفرت له ذنوب خمسين سنة " إسناده ضعيف .

حديث آخر : قال أبو يعلى : حدثنا أبو الربيع ، حدثنا حاتم بن ميمون ، حدثنا ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ في يوم : " قل هو الله أحد " مائتي مرة ، كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين " .

إسناده ضعيف حاتم بن ميمون : ضعفه البخاري وغيره .

ورواه الترمذي ، عن محمد بن مرزوق البصري ، عن حاتم بن ميمون به .

ولفظه : " من قرأ كل يوم ، مائتي مرة : " قل هو الله أحد " محي عنه ذنوب خمسين سنة ، إلا أن يكون عليه دين " .

قال الترمذي : وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أراد أن ينام على فراشه ، فنام على يمينه ، ثم قرأ : " قل هو الله أحد " مائة مرة ، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب عز وجل : يا عبدي ، ادخل على يمينك الجنة " .

ثم قال : غريب من حديث ثابت وقد روي من غير هذا الوجه ، عنه .

وقال أبو بكر البزار : حدثنا سهل بن بحر ، حدثنا حبان بن أغلب ، حدثنا أبي ، حدثنا ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ : " قل هو الله أحد " مائتي مرة ، حط الله عنه ذنوب مائتي سنة " .

ثم قال : لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر والأغلب بن تميم ، وهما متقاربان في سوء الحفظ .

حديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء : قال النسائي عند تفسيرها : حدثنا عبد الرحمن بن خالد ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني مالك بن مغول ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه : أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا رجل يصلي ، يدعو يقول : اللهم ، إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت ، الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

قال : " والذي نفسي بيده ، لقد سأله باسمه الأعظم ، الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب " .

وقد أخرجه بقية أصحاب السنن من طرق ، عن مالك بن مغول ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، به .

وقال الترمذي : حسن غريب .

حديث آخر في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة : قال الحافظ أبو يعلى [ الموصلي ] : حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا بشر بن منصور ، عن عمر بن نبهان ، عن أبي شداد ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء ، وزوج من الحور العين حيث شاء : من عفا عن قاتله ، وأدى دينا خفيا ، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات : " قل هو الله أحد " .

قال : فقال أبو بكر : أو إحداهن يا رسول الله ؟

قال : " أو إحداهن " حديث في قراءتها عند دخول المنزل : قال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر السراج العسكري ، حدثنا محمد بن الفرج ، حدثنا محمد بن الزبرقان ، عن مروان بن سالم ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ : " قل هو الله أحد " حين يدخل منزله ، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران " .

إسناده ضعيف .

حديث في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن العلاء بن محمد الثقفي قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت فيما مضى بمثله ، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا جبريل ، ما لي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت بمثله فيما مضى ؟

" .

قال : إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي ، مات بالمدينة اليوم ، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه .

قال : " وفيم ذلك ؟

" قال : كان يكثر قراءة : " قل هو الله أحد " في الليل وفي النهار ، وفي ممشاه وقيامه وقعوده ، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه ؟

قال : " نعم " .

فصلى عليه .

وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في [ كتاب ] دلائل النبوة " من طريق يزيد بن هارون ، عن العلاء أبي محمد - وهو متهم بالوضع - فالله أعلم .

طريق أخرى : قال أبو يعلى : حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله ، حدثنا عثمان بن الهيثم - مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي - عن محمود أبي عبد الله ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أنس قال : نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : مات معاوية بن معاوية الليثي ، فتحب أن تصلي عليه ؟

قال : " نعم " .

فضرب بجناحه الأرض ، فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت ، فرفع سريره فنظر إليه ، فكبر عليه وخلفه صفان من الملائكة ، في كل صف سبعون ألف ملك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا جبريل ، بم نال هذه المنزلة من الله تعالى ؟

" .

قال بحبه : " قل هو الله أحد " وقراءته إياها ذاهبا وجائيا قائما وقاعدا ، وعلى كل حال .

ورواه البيهقي من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن ، عن محبوب بن هلال ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن أنس فذكره .

وهذا هو الصواب ، ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي : " ليس بالمشهور " .

وقد روي هذا من طرق أخر ، تركناها اختصارا ، وكلها ضعيفة .

حديث آخر في فضلها مع المعوذتين : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا معاذ بن رفاعة ، حدثني علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة عن عقبة بن عامر قال : لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فابتدأته فأخذت بيده ، فقلت : يا رسول الله ، بم نجاة المؤمن ؟

قال : " يا عقبة ، احرس لسانك وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك " .

قال : ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فابتدأني فأخذ بيدي ، فقال : " يا عقبة بن عامر ، ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة ، والإنجيل والزبور ، والقرآن العظيم ؟

" .

قال : قلت : بلى ، جعلني الله فداك .

قال : فأقرأني : " قل هو الله أحد " و " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ثم قال : " يا عقبة ، لا تنسهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن " .

قال : فما نسيتهن منذ قال : " لا تنسهن " ، وما بت ليلة قط حتى أقرأهن .

قال عقبة ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته ، فأخذت بيده ، فقلت : يا رسول الله ، أخبرني بفواضل الأعمال .

فقال : " يا عقبة ، صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، وأعرض عمن ظلمك " روى الترمذي بعضه في " الزهد " ، من حديث عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد وقال : هذا حديث حسن .

وقد رواه أحمد من طريق آخر : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا ابن عياش ، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي ، عن فروة بن مجاهد اللخمي ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله سواء .

تفرد به أحمد .

حديث آخر في الاستشفاء بهن : قال البخاري : حدثنا قتيبة ، حدثنا المفضل ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما : "قل هو الله أحد " و " قل أعوذ برب الفلق " و " قل أعوذ برب الناس " ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ، يبدأ بهما على رأسه ووجهه ، وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك ثلاث مرات .

وهكذا رواه أهل السنن ، من حديث عقيل به .

قد تقدم ذكر سبب نزولها .

وقال عكرمة : لما قالت اليهود : نحن نعبد عزيرا ابن الله .

وقالت النصارى : نحن نعبد المسيح ابن الله .

وقالت المجوس : نحن نعبد الشمس والقمر .

وقالت المشركون : نحن نعبد الأوثان - أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم : ( قل هو الله أحد ) يعني : هو الواحد الأحد ، الذي لا نظير له ولا وزير ، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل ، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل ; لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

ذُكر أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسب ربّ العزّة, فأنـزل الله هذه السورة جوابا لهم.

وقال بعضهم: بل نـزلت من أجل أن اليهود سألوه, فقالوا له: هذا الله خلق الخلق, فمن خلق الله؟

فأُنـزلت جوابا لهم.

ذكر من قال: أنـزلت جوابا للمشركين الذين سألوه أن ينسب لهم الربّ تبارك وتعالى.

حدثنا أحمد بن منيع المَرْوَزِي ومحمود بن خداش الطالَقاني, قالا ثنا أبو سعيد الصنعاني, قال: ثنا أبو جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن أبي بن كعب, قال: قال المشركون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: انسُب لنا ربك, فأنـزل الله: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) .

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة, قال: إن المشركين قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن ربك, صف لنا ربك ما هو, ومن أي شيء هو؟

فأنـزل الله: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) إلى آخر السورة .

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) قال: قال ذلك قتادة الأحزاب: انسُب لنا ربك, فأتاه جبريل بهذه .

حدثني محمد بن عوف, قال: ثنا شريح, قال: ثنا إسماعيل بن مجالد, عن مجالد, عن الشعبي, عن جابر قال: قال المشركون: انسُب لنا ربك, فأنـزل الله ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) .

* ذكر من قال: نـزل ذلك من أجل مسألة اليهود: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن محمد, عن سعيد, قال: أتى رهط من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق, فمن خلقه؟

فغضب النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى انتُقِع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه, فجاءه جبريل عليه السلام فسكنه, وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد, وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه.

قال: " يقول الله: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) " فلما تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم, قالوا: صف لنا ربك كيف خلقه, وكيف عضده, وكيف ذراعه, فغضب النبيّ صلى الله عليه وسلم أشدّ من غضبه الأول, وساورهم غضبا, فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته, وأتاه بجواب ما سألوه عنه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ .

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, قال: جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقالوا: أنسب لنا ربك, فنـزلت: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) حتى ختم السورة .

فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا: قل يا محمد لهؤلاء السائليك عن نسب ربك وصفته, ومَن خَلقه: الربّ الذي سألتموني عنه, هو الله الذي له عبادة كل شيء, لا تنبغي العبادة إلا له, ولا تصلح لشيء سواه.

واختلف أهل العربية في الرافع ( أَحَدٌ ) فقال بعضهم: الرافع له " الله ", وهو عماد (1) بمنـزلة الهاء في قوله: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

وقال آخر منهم: بل هو مرفوع, وإن كان نكرة بالاستئناف, كقوله: هذا بعلي شيخ, وقال: هو الله جواب لكلام قوم قالوا له: ما الذي تعبد؟

فقال: " هو الله ", ثم قيل له: فما هو؟

قال: هو أحد.

وقال آخرون ( أَحَدٌ ) بمعنى: واحد, وأنكر أن يكون العماد مستأنفا به, حتى يكون قبله حرف من حروف الشكّ, كظنّ وأخواتها, وكان وذواتها, أو إنّ وما أشبهها, وهذا القول الثاني هو أشبه بمذاهب العربية.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) بتنوين " أحدٌ ", سوى نصر بن عاصم, وعبد الله بن أبي إسحاق, فإنه رُوي عنهما ترك التنوين: " أحَدُ اللهُ "; وكأن من قرأ ذلك كذلك, قال: نون الإعراب إذا استقبلتها الألف واللام أو ساكن من الحروف حذفت أحيانا, كما قال الشاعر: كَـيْفَ نَـوْمي عـلى الفِـرَاشِ وَلَمَّـا تَشْــمَلِ الشَّــامَ غَــارَةٌ شَـعْوَاءُ تُــذْهِلُ الشَّـيْخَ عَـنْ بَنِيـهِ وَتُبْـدِي عَــنْ خِــدَامِ العَقِيلَــةِ العَــذْراءُ (2) يريد: عن خدام العقيلة.

والصواب في ذلك عندنا: التنوين, لمعنيين: أحدهما أفصح اللغتين, وأشهر الكلامين, وأجودهما عند العرب.

والثاني: إجماع الحجة من قرّاء الأمصار على اختيار التنوين فيه, ففي ذلك مُكْتَفًى عن الاستشهاد على صحته بغيره.

وقد بيَّنا معنى قوله " أحد " فيما مضى, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الإخلاصوهي أربع آياتمكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابرومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسديبسم الله الرحمن الرحيمقل هو الله أحدقوله تعالى : قل هو الله أحد أي الواحد الوتر ، الذي لا شبيه له ، ولا نظير ولا صاحبة ، ولا ولد ولا شريك .

وأصل أحد : وحد ؛ قلبت الواو همزة .

ومنه قول النابغة :كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحدوقد تقدم في سورة ( البقرة ) الفرق بين واحد وأحد ، وفي كتاب ( الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) أيضا مستوفى والحمد لله وأحد مرفوع ، على معنى : هو أحد .

وقيل : المعنى : قل : الأمر والشأن : الله أحد .

وقيل : أحد بدل من قوله : الله .

وقرأ جماعة أحد الله بلا تنوين ، طلبا للخفة ، وفرارا من التقاء الساكنين ؛ ومنه قول الشاعر [ أبو الأسود الدؤلي ] :فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي { قُلْ } قولًا جازمًا به، معتقدًا له، عارفًا بمعناه، { هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المقدسة، الذي لا نظير له ولا مثيل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( قل هو الله أحد ) روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : انسب لنا ربك ، فأنزل الله تعالى هذه السورة .

وروى أبو ظبيان ، وأبو صالح ، عن ابن عباس : أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عامر : إلام تدعونا يا محمد ؟

قال : إلى الله ، قال : صفه لنا أمن ذهب هو ؟

أم من فضة ؟

أم من حديد ؟

أم من خشب ؟

فنزلت هذه السورة فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون ، وقد ذكرناه في سورة الرعد .

وقال الضحاك وقتادة ومقاتل : جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : صف لنا ربك يا محمد لعلنا نؤمن بك ، فإن الله أنزل نعته في التوراة ، فأخبرنا من أي شيء هو ؟

وهل يأكل ويشرب ؟

ومن يرث منه ؟

فأنزل الله هذه السورة .

( قل هو الله أحد ) أي واحد ، ولا فرق بين الواحد والأحد ، يدل عليه قراءة ابن مسعود : قل هو الله الواحد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه فنزل: «قل هو الله أحد» فالله خبر هو وأحد بدل منه أو خبر ثان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: هو الله المتفرد بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات، لا يشاركه أحد فيها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قد افتتحت بفعل الأمر " قل " لإِظهار العناية بما بعد هذا الأمر من توجيهات حكيمة ، ولتلقينه صلى الله عليه وسلم الرد على المشركين الذين سألوه أن ينسب لهم ربه .و ( هو ) ضمير الشأن مبتدأ ، والجملة التى بعده خبر عنه .والأحد : هو الواحد فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله ، وفى كل شأن من شئونه ، فهو منزه عن التركيب من جواهر متعددة ، أو من مادة معينة ، كما أنه - عز وجل - منزه عن الجسمية والتحيز ، ومشابهة غيره .وفى الإِتيان بضمير الشأن هنا : إشارة إلى فخامة مضمون الجملة ، مع ما فى ذلك من زيادة التحقيق والتقرير ، لأن الضمير يشير إلى شئ مبهم تترقبه النفس ، فإذا جاء الكلام من بعده زال الإِبهام ، وتمكن الكلام من النفس فضل تمكن .وجئ بالخبر نكره وهو لفظ " أحد " لأن المقصود الإِخبار عن الله - تعالى - بأنه واحد ، ولو قيل : الله الأحد ، لأفاد أنه لا واحد سواه ، وليس هذا المعنى مقصودا هنا ، وإنما المقصود إثبات أنه واحد فى ذاته وصفاته وأفعاله .

.

ونفى ما زعمه المشركون وغيرهم ، من أنه - تعالى - مركب من أصول مادية أو غير مادية ، أو من أنه له شريك فى ملكه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قبل الخوض في التفسير لابد من تقديم فصول: الفصل الأول: روى أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة قل هو الله أحد، فكأنما قرأ ثلث القرآن وأعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أشرك بالله وآمن بالله».

وقال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ قل هو الله أحد مرة واحدة أعطى من الأجر كمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأعطى من الأجر مثل مائة شهيد».

وروى: أنه كان جبريل عليه السلام مع الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أقبل أبو ذر الغفاري، فقال جبريل: «هذا أبو ذر قد أقبل، فقال عليه الصلاة والسلام: أو تعرفونه؟

قال: هو أشهر عندنا منه عندكم، فقال عليه الصلاة والسلام: بماذا نال هذه الفضيلة؟

قال: لصغره في نفسه وكثرة قراءته ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ».

وروى أنس قال: كنا في تبوك فطلعت الشمس مالها شعاع وضياء وما رأيناها على تلك الحالة قط قبل ذلك فعجب كلنا، فنزل جبريل وقال: إن الله أمر أن ينزل من الملائكة سبعون ألف ملك فيصلوا على معاوية بن معاوية، فهل لك أن تصلي عليه ثم ضرب بجناحه الأرض فأزال الجبال وصار الرسول عليه الصلاة والسلام كأنه مشرف عليه فصلى هو وأصحابه عليه، ثم قال: بم بلغ ما بلغ؟

فقال جبريل: كان يحب سورة الإخلاص وروى: أنه دخل المسجد فسمع رجلاً يدعو ويقول أسألك يا ألله يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال: غفر لك غفر لك غفر لك ثلاث مرات وعن سهل بن سعد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفقر فقال: إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك، واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل فأدر الله عليه رزقاً حتى أفاض على جيرانه وعن أنس: أن رجلاً كان يقرأ في جميع صلاته: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فسأله الرسول عن ذلك فقال: يا رسول الله إني أحبها، فقال: حبك إياها يدخلك الجنة وقيل من قرأها في المنام: أعطي التوحيد وقلة العيال وكثرة الذكر لله، وكان مستجاب الدعوة.

الفصل الثاني: في سبب نزولها وفيه وجوه: الأول: أنها نزلت بسبب سؤال المشركين، قال الضحاك: إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: شققت عصانا وسببت آلهتنا، وخالفت دين آبائك، فإن كنت فقيراً أغنيناك، وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها، فقال عليه الصلاة والسلام: لست بفقير، ولا مجنون، ولا هويت امرأة، أنا رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته، فأرسلوه ثانية وقالوا: قل له بين لنا جنس معبودك، أمن ذهب أو فضة، فأنزل الله هذه السورة، فقالوا له: ثلثمائة وستون صنماً لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق؟

فنزلت: ﴿ والصافات ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّا  فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا  فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْرًا  إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ  ﴾ فأرسلوه أخرى، وقالوا: بين لنا أفعاله فنزل: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ الثاني: أنها نزلت بسبب سؤال اليهود روى عكرمة عن ابن عباس، أن اليهود جاؤا إلى رسول الله ومعهم كعب بن الأشرف، فقالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟

فغضب نبي الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه، وقال: اخفض جناحك يا محمد، فنزل: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فلما تلاه عليهم قالوا: صف لنا ربك كيف عضده، وكيف ذراعه؟

فغضب أشد من غضبه الأول، فأتاه جبريل بقوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ الثالث: أنها نزلت بسبب سؤال النصارى، روى عطاء عن ابن عباس، قال: قدم وفد نجران، فقالوا: صف لنا ربك أمن زبرجد أو ياقوت، أو ذهب، أو فضة؟

فقال: إن ربي ليس من شيء لأنه خالق الأشياء فنزلت: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ قالوا: هو واحد، وأنت واحد، فقال: ليس كمثله شيء، قالوا: زدنا من الصفة، فقال: ﴿ الله الصمد ﴾ فقالوا: وما الصمد؟

فقال: الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج، فقالوا: زدنا فنزل: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ كما ولدت مريم: ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ كما ولد عيسى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ يريد نظيراً من خلقه.

الفصل الثالث: في أساميها، اعلم أن كثرة الألقاب تدل على مزيد الفضيلة، والعرف يشهد لما ذكرناه فأحدها: سورة التفريد.

وثانيها: سورة التجريد.

وثالثها: سورة التوحيد.

ورابعها: سورة الإخلاص لأنه لم يذكر في هذه السورة سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال، ولأن من اعتقده كان مخلصاً في دين الله، ولأن من مات عليه كان خلاصه من النار، ولأن ما قبله خلص في ذم أبي لهب فكان جزاء من قرأه أن لا يجمع بينه وبين أبي لهب.

وخامسها: سورة النجاة لأنها تنجيك عن التشبيه والكفر في الدنيا، وعن النار في الآخرة.

وسادسها: سورة الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله ولأن من عرف الله على هذا الوجه فقد والاه فبعد محنة رحمة كما بعد منحة نعمة.

وسابعها: سورة النسبة لما روينا أنه ورد جواباً لسؤال من قال: أنسب لنا ربك، ولأنه عليه السلام قال لرجل من بني سليم: يا أخا بني سليم استوص بنسبة الله خيراً وهو من لطيف المباني، لأنهم لما قالوا: انسب لنا ربك، فقال: نسبة الله هذا والمحافظة على الأنساب من شأن العرب، وكانوا يتشددون على من يزيد في بعض الأنساب أو ينقص، فنسبة الله في هذه السورة أولى بالمحافظة عليها.

وثامنها: سورة المعرفة لأن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة هذه السورة، روى جابر أن رجلاً صلى فقرأ: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذا عبد عرف ربه» فسميت سورة المعرفة لذلك.

وتاسعها: سورة الجمال قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جميل يحب الجمال» فسألوه عن ذلك فقال: أحد صمد لم يلد ولم يولد لأنه إذا لم يكن واحداً عديم النظير جاز أن ينوب ذلك المثل منابه.

وعاشرها: سورة المقشقشة، يقال: تقشيش المريض مما به، فمن عرف هذا حصل له البرء من الشرك والنفاق لأن النفاق مرض كما قال: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  ﴾ .

الحادي عشر: المعوذة، روى أنه عليه السلام دخل على عثمان بن مظعون فعوذه بها وباللتين بعدها، ثم قال: نعوذ بهن فما تعوذت بخير منها.

والثاني عشر: سورة الصمد لأنها مختصة بذكره تعالى.

والثالث عشر: سورة الأساس، قال عليه الصلاة والسلام: «أسست السموات السبع والأرضون السبع على ﴿ قل هو الله أحد ﴾ » ومما يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب السموات والأرض بدليل قوله: ﴿ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال  ﴾ فوجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة هذه الأشياء وقيل السبب فيه معنى قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ .

الرابع عشر: سورة المانعة روى ابن عباس أنه تعالى قال: لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران.

الخامس عشر: سورة المحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت.

السادس عشر: المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها.

السابع عشر: البراءة لأنه روي أنه عليه السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة، فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وقال عليه السلام: «من قرأ سورة قل هو الله أحد مائة مرة في صلاة أو في غيرها كتبت له براءة من النار».

الثامن عشر: سورة المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ما تتغافل عنه مما أنت محتاج إليه.

التاسع عشر: سورة النور قال الله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والارض  ﴾ فهو المنور للسموات والأرض، والسورة تنور قلبك وقال عليه السلام: «إن لكل شيء نور ونور القرآن قل هو الله أحد».

ونظيره أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة، فصارت السورة للقرآن كالحدقة للإنسان.

العشرون: سورة الأمان قال عليه السلام: «إذا قال العبد لا إله إلا الله دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي».

الفصل الرابع: في فضائل هذه السورة وهي من وجوه: الأول: اشتهر في الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله، وهذه السورة مشتملة على معرفة الذات، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن، وأما سورة: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ فهي معادلة لربع القرآن، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة، وسورة: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ ، و: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان، من حيث إن كل واحدة منهما تفيد براءة القلب عما سوى الله تعالى، إلا أن: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله أو من حيث إن: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله، و: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ تفيد براءة المعبود عن كل مالا يليق به الوجه الثاني: وهو أن ليلة القدر لكونها صدقاً للقرآن كانت خيراً من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث: وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيراً بنور جلال الله وكبريائه، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة، فكانت هذه السورة أعظم السور، فإن قيل: فصفات الله أيضاً مذكورة في سائر السور، قلنا: لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضراً أبداً بهذا السبب، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل ولنرجع الآن إلى التفسير.

قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه، ولا كان القبر سجناً على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل، فصارت جنة مطلقة، وبيان ما قلنا: أن العقل يريد أميناً تودع عنده الحسنات، والشهوة تريد غنياً يطلب منه المستلذات، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني، فإنه ينشط للانتجاع إليه، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة، فلما عرفاه كما أراده عالماً وغنياً تعلقا بذيله، فقال العقل: لا أشكر أحداً سواك، وقالت الشهوة: لا أسأل أحداً إلا إياك، ثم جاءت الشبهة فقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلاً؟

ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل هاهنا باباً آخر؟

فبقي العقل متحيراً وتنغصت عليه تلك الراحة، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال: كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري، فبعث الله رسوله وقال: لا تقله من عند نفسك، بل قل هو الذي عرفته صادقاً يقول لي: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معاً، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أنهم أجمعوا على أنه لابد في سورة: ﴿ قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون ﴾ من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة: ﴿ تُبْتُ ﴾ وأما في هذه السورة فقد اختلفوا، فالقراءة المشهورة: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ وقرأ أبي وابن مسعود.

بغير قل هكذا: ﴿ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم، بدون (قل هو) هكذا: ﴿ الله أَحَدٌ * الله الصمد ﴾ فمن أثبت قل قال: السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره، بل يحكي كل ما يقال له، ومن حذفه قال: لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوماً للنبي عليه الصلاة والسلام.

المسألة الثالثة: اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوهاً أحدها: أن هو كناية عن اسم الله، فيكون قوله: الله مرتفعاً بأنه خبر مبتدأ، ويجوز في قوله: ﴿ أَحَدٌ ﴾ ما يجوز في قولك: زيد أخوك قائم الثاني: أن هو كناية عن الشأن، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعاً بالابتداء وأحد خبره، والجملة تكون خبراً عن هو، والتقدير الشأن والحديث: هو أن الله أحد، ونظيره قوله: ﴿ فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ  ﴾ إلا أن هي جاءت على التأنيث، لأن في التفسير: اسماً مؤنثاً، وعلى هذا جاء: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تعمى الأبصار  ﴾ أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة، كقوله: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً  ﴾ والثالث: قال الزجاج: تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد.

المسألة الرابعة: في أحد وجهان: أحدهما: أنه بمعنى واحد، قال الخليل: يجوز أن يقال: أحد إثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة، والمكسورة كقولهم: وجوه وأجوه وسادة وأسادة والقول الثاني: أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحدكما يقال: رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء.

ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوهاً أحدها: أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه.

وثانيها: أنك إذا قلت: فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقال: لكنه يقاومه إثنان بخلاف الأحد، فإنك لو قلت: فلان لا يقاومع أحد لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه إثنان.

وثالثها: أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي، تقول في الإثبات رأيت رجلاً واحداً وتقول في النفي: ما رأيت أحداً فيفيد العموم.

المسألة الخامسة: اختلف القراء في قوله: ﴿ أَحَدٌ الله الصمد ﴾ فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله، وهو القياس الذي لا إشكال فيه، وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر، وعن أبي عمرو، أحد الله بغير تنوين، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم، ويرمي القوم، ولهذا حذفت النون الساكنة في الفعل نحو: ﴿ لَمْ يَكُ  ﴾ ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ  ﴾ فكذا هاهنا حذفت في (أحد الله) لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف.

وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله: ﴿ عُزَيْرٌ ابن الله  ﴾ وروي أيضاً عن أبي عمرو: ﴿ أَحَدٌ الله ﴾ وقال: أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون، قال أبو علي: قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال من قال: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠  رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا  ﴾ ﴿ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا هِيَهْ  نَارٌ حَامِيَةٌۢ  ﴾ لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم، وقرأ الأعمش: ﴿ قُلْ هُوَ الله الواحد ﴾ فإن قيل: لماذا؟

قيل: أحد على النكرة، قال الماوردي: فيه وجهان: أحدهما: حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير قل: هو الله الأحد.

والثاني: أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم.

المسألة السادسة: اعلم أن قوله: ﴿ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول: مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي، فلا جرم ما رأوا موجوداً سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوماً، فهؤلاء لم يروا موجوداً سوى الحق سبحانه، وقوله: ﴿ هُوَ ﴾ إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معيناً انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين، فلا جرم كان قولنا: هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان، وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط، فلهذا السبب كانت لفظة: ﴿ هُوَ ﴾ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء، المقام الثاني: وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجوداً وشاهدوا الخلق أيضاً موجوداً، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافياً في الإشارة إلى الحق، بل لابد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق: فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة هو، فقيل: لأجلهم هو الله، لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه، ويستغني هو عن كل ما عداه والمقام الثالث: وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم رداً على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ .

وههنا بحث آخر أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون إضافية وإما أن تكون سلبية، أما الإضافية فكقولنا: عالم، قادر مريد خلاق، وأما السلبية فكقولنا: ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات وثانياً على النوع الثاني منها، وقولنا: الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وقولنا: أحد يدل على مجامع الصفات السلبية، فكان قولنا: ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ تاماً في إفادة العرفان الذي يليق بالعقول البشرية، وإنما قلنا: إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبداً بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفاً بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات.

وهذه مجامع الصفات الإضافة، وأما مجامع الصفات السلبية فهي الأحدية، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب، وذلك لأن كل ماهية مركبة فهي مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل مركب فهو ممكن لذاته، فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكناً، فهو في نفسه فرد أحد وإذا ثبتت الأحدية، وجب أن لا يكون متحيزاً لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزاً، وإذا لم يكن متحيزاً لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد ويجب أن لا يكون حالاً في شيء، لأنه مع محله لا يكون أحداً، ولا يكون محلاً لشيء، لأنه مع حاله لا يكون أحداً، وإذا لم يكن حالا ولا محلاً لم يكن متغيراً ألبتة لأن التغير لابد وأن يكون من صفة إلى صفة، وأيضاً إذا كان أحداً وجب أن يكون واحداً إذ لو فرض موجودان واجباً الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب، فثبت أن كونه أحداً يستلزم كونه واحداً فإن قيل: كيف يعقل كون الشيء أحداً، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ثلاث لا أحد الجواب: أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية، فقد لاح بما ذكرنا أن قوله: ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله: ﴿ وإلهكم إله واحد  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُوَ ﴾ ضمير الشأن، و ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أن الله واحد لا ثاني له.

فإن قلت: ما محل هو؟

قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة.

فإن قلت: فالجملة الواقعة خبراً لابد فيها من راجع إلى المبتدأ، فأين الراجع؟

قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك: (زيد غلامك) في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله: ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك (زيد أبوه منطلق) فإن زيداً والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما.

وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت: يعني: الذي سألتموني وصفه هو الله، وأحد: بدل من قوله، (الله).

أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله وحد.

وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿ هو الله أحد ﴾ بغير ﴿ قُلْ ﴾ وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ الله أحد ﴾ بغير ﴿ قُلْ هُوَ ﴾ وقال من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن.

وقرأ الأعمش: ﴿ قل هو الله الواحد ﴾ .

وقرئ: ﴿ أحد الله ﴾ بغير تنوين: أسقط لملاقاته لام التعريف.

ونحوه: وَلاَ ذَاكِر اللَّهِ إلاّ قَلِيلاً والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين.

و ﴿ الصمد ﴾ فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج.

والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ لأنه لا يجانس، حتى يكون له من جنسه صاحبه فيتوالدا.

وقد دلّ على هذا المعنى بقوله: ﴿ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة ﴾ [الأنعام: 101] .

﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس بجسم ولم يكافئه أحد، أي: لم يماثله ولم يشاكله.

ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفياً للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله: ﴿ هُوَ الله ﴾ إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها، وفي طيّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم؛ لأنّ الخلق يستدعي القدرة والعلم، لكونه واقعاً على غاية إحكام واتساق وانتظام.

وفي ذلك وصفه بأنه حيّ سميع بصير.

وقوله: ﴿ أَحَدٌ ﴾ وصف بالوحدانية ونفي الشركاء.

وقوله: ﴿ الصمد ﴾ وصف بأنه ليس إلاّ محتاجاً إليه، وإذا لم يكن إلاّ محتاجاً إليه: فهو غني.

وفي كونه غنياً مع كونه عالماً: أنه عدل غير فاعل للقبائح، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه.

وقوله: ﴿ لَمْ يُولَدْ ﴾ وصف بالقدم والأوّلية.

وقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ نفي للشبه والمجانسة.

وقوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ تقرير لذلك وبت للحكم به، فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نصّ سيبويه على ذلك في كتابه، فما باله مقدّماً في أفصح كلام وأعربه؟

قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه؛ وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه.

وقرئ: ﴿ كفؤاً ﴾ بضم الكاف والفاء.

وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء: فإن قلت: لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر منها وتقارب طرفيها؟

قلت: لأمر ما يسود من يسود، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلاً من اعتراف بفضلها وصدق بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعته؛ ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه؛ ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته.

اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك.

وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين، وروى: أبيّ وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» يعني ما خلقت إلاّ لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سمع رجلاً يقرأ: قل هو الله أحد فقال: «وجبت» .

قيل: يا رسول الله وما وجبت؟

قال: «وجبت له الجنة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الإخْلاصِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها أرْبَعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ كَقَوْلِكَ: هو زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ ولا حاجَةَ إلى العائِدِ لِأنَّها هي هُوَ، أوْ لِما سُئِلَ عَنْهُ أيِ الَّذِي سَألْتُمُونِي عَنْهُ هو اللَّهُ، إذْ رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» واحِدٌ بَدَلٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ صِفاتِ الجَلالِ كَما دَلَّ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ إذِ الواحِدُ الحَقِيقِيُّ ما يَكُونُ مُنَزَّهَ الذّاتِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ، وما يَسْتَلْزِمُ أحَدَهُما كالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ والمُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها كَوُجُوبِ الوُجُودِ والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ وقُرِئَ «هُوَ اللَّهُ» بِلا قُلْ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ في ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ ولا يَجُوزُ في «تَبَّتْ»، ولَعَلَّ ذاكَ لِأنَّ سُورَةَ «الكافِرُونَ» مُشاقَّةُ الرَّسُولِ أوْ مُوادَعَتُهُ لَهم و «تَبَّتْ» مُعاتَبَةُ عَمِّهِ فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ مِنهُ، وأمّا هَذا فَتَوْحِيدٌ يَقُولُ بِهِ تارَةً ويُؤْمَرُ بِأنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ أُخْرى.

﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ مِن صُمِدَ إلَيْهِ إذا قُصِدَ، وهو المَوْصُوفُ بِهِ عَلى الإطْلاقِ فَإنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، وكُلُّ ما عَداهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في جَمِيعِ جِهاتِهِ، وتَعْرِيفُهُ لِعِلْمِهِمْ بِصَمَدِيَّتِهِ بِخِلافِ أحَدِيَّتِهِ وتَكْرِيرُ لَفْظَةِ اللَّهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ، وإخْلاءُ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى أوِ الدَّلِيلِ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الله الصمد} هو فعل بعنى مفعول من صمد اليه اذاقصده وهو السيد المصمود إليه في الحوائج والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم وهو واحد لا شريك له وهو الذي يصمد اليه كل مخلوق لا يستغنون عنه وهو الغني عنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ المَشْهُورُ أنَّ هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ، ومِثْلُها لا يَكُونُ لَها رابِطٌ؛ لِأنَّها عَيْنُ المُبْتَدَأِ في المَعْنى، والسِّرُّ في تَصْدِيرِها بِهِ التَّنْبِيهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى فَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ جَلِيلٌ فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما أمامَهُ مِمّا يُفَسِّرُهُ ويُزِيلُ إبْهامَهُ فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلُ تَمَكُّنٍ.

وقَوْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ: إنَّ لَهُ مَعَ «إنَّ» حُسْنًا بَلْ لا يَصِحُّ بِدُونِها غَيْرَ مُسَلَّمٍ.

نَعَمْ قالَ الشِّهابُ القاسِمِيُّ: إنَّ هاهُنا إشْكالًا لِأنَّهُ إنْ جُعِلَ الخَبَرُ مَجْمُوعَ مَعْنى الجُمْلَةِ المُبَيَّنِ في بابِ القَضِيَّةِ أعْنِي مَجْمُوعَ اللَّهِ ومَعْنى «أحَدٌ» والنِّسْبَةُ بَيْنَهُما فَفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ المَجْمُوعَ لَيْسَ هو الشَّأْنَ وإنَّما الشَّأْنُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ؛ أعْنِي الوَحْدانِيَّةَ وإنْ جُعِلَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ فَتَخْصِيصُ عَدَمِ الرّابِطِ بِالجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ غَيْرُ مُتَّجِهٍ؛ إذْ كُلُّ جُمْلَةٍ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ مِنَ اتِّحادِهِ بِالمُبْتَدَأِ بِحَسْبِ الذّاتِ، ولا يَتَّحِدُ بِهِ كَذَلِكَ إلّا مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ.

وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ تَعْبِيرُهم عَنْ هَذا الضَّمِيرِ أحْيانًا بِضَمِيرِ القِصَّةِ ضَرُورَةً أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الَّذِي هو مُفْرَدٌ لَيْسَ بِقِصَّةٍ، وإنَّما القِصَّةُ مَعْناها المُبَيَّنُ في بابِ القَضِيَّةِ، وأيْضًا هم يَعُدُّونَ مِثْلَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أحَقُّ ما قالَ العَبْدُ وكُلُّنا لَكَ عَبْدٌ: لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ»».

مِنَ الجُمَلِ الَّتِي هي عَيْنُ المُبْتَدَأِ في المَعْنى الغَيْرِ المُحْتاجَةِ إلى الضَّمِيرِ لِذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنْ يُقالَ: لَيْسَ المَضْمُونُ الَّذِي هو مُفْرَدٌ بَلْ هو الجُمْلَةُ بِذَلِكَ المَعْنى، ولِذا تَراهم يُوجِبُونَ كَسْرَ هَمْزَةِ إنَّ بَعْدَ القَوْلِ وكَذا تَمْثِيلُهم لَها بِنُطْقِي: اللَّهُ حَسْبِي وكَفى؛ أيْ: مَنطُوقِي الَّذِي أنْطِقُ بِهِ ذَلِكَ؛ إذْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ ما نَطَقَ بِهِ هو الجُمْلَةُ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ، وقَدْ دَلَّ كَلامُ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ عَلى المُرادِ بِكَوْنِ الجُمْلَةِ الَّتِي لا تَحْتاجُ إلى رابِطٍ عَيْنَ المُبْتَدَأِ أنَّها وقَعَتْ خَبَرًا عَنْ مُفْرَدٍ مَدْلُولُهُ جُمْلَةٌ وهو ظاهِرٌ فِيما قُلْنا أيْضًا، وكَوْنُ ذَلِكَ شَأْنًا أيْ: عَظِيمًا مِنَ الأُمُورِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ، ووَصْفُ الكَلامِ بِالعِظَمِ ومُقابِلُهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ شائِعٌ ذائِعٌ.

وقالَ العَلّامَةُ أحْمَدُ الغُنَيْمِيُّ: إنْ أُرِيدَ أنَّها عَيْنُهُ بِحَسْبِ المَفْهُومِ فَهو مُشْكِلٌ لِعَدَمِ الفائِدَةِ، وإنْ أُرِيدَ عَيْنُهُ بِحَسَبِ المُصَدِّقِ مَعَ التَّغايُرِ في المَفْهُومِ كَما هو شَأْنُ سائِرِ المَوْضُوعاتِ مَعَ مَحْمُولاتِها فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ مُشْكِلٌ أيْضًا؛ إذْ ما صَدَقَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ أعَمُّ مِنَ «اللَّهِ أحَدٌ» والخاصُّ لا يُحْمَلُ عَلى العامِّ في القَضايا الكُلِّيَّةِ، ودَعْوى الجُزْئِيَّةِ في هَذا المَقامِ يَنْبُو عَنْهُ تَصْرِيحُهم بِأنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يَخْلُو عَنْ إبْهامٍ.

وبِعِبارَةٍ أُخْرى وهِيَ: إنَّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مُفْرَدٌ، وما صَدَقَ الجُمْلَةُ مُرَكَّبٌ ولا شَيْءَ مِنَ المُفْرَدِ بِمُرَكَّبٍ، ولِذا تَراهم يُؤَوِّلُونَ الجُمْلَةَ الواقِعَةَ خَبَرًا بِمُفْرَدٍ صادِقٍ عَلى المُبْتَدَأِ لِيَصِحَّ وُقُوعُها خَبَرًا، والتِزامُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ يُنافِيهِ تَصْرِيحُهم بِأنَّها غَيْرُ مُؤَوَّلَةٍ بِالمُفْرَدِ وإنْ كانَتْ في مَوْقِعِهِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ أنَّهُ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ، ومَوْضُوعٌ مَوْضِعَهُ، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ لِلْإيذانِ بِأنَّ مِنَ الشُّهْرَةِ والنَّباهَةِ بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُهُ كُلُّ أحَدٍ وإلَيْهِ يُشِيرُ كُلُّ مُشِيرٍ وعَلَيْهِ يَعُودُ كُلُّ ضَمِيرٍ، وقَوْلُهم في عَدِّ الضَّمائِرِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً مِنها ضَمِيرُ الشَّأْنِ فَإنَّهُ راجِعٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَهُ مُسامَحَةٌ ارْتَكَبُوها؛ لِأنَّ بَيانَ الشَّأْنِ وتَعْيِينَ المُرادِ بِهِ بِها فَماصْدَقُ الضَّمِيرِ هو بِعَيْنِهِ ماصْدَقُ الشَّأْنِ الَّذِي عادَ هو عَلَيْهِ فَيُخْتارُ الشَّقُّ الثّانِي، فَإمّا أنْ يُرادَ بِالشَّأْنِ الشَّأْنُ المَعْهُودُ ادِّعاءً وتُجْعَلَ القَضِيَّةُ شَخْصِيَّةً نَظِيرَ: هَذا زَيْدٌ، وإمّا أنْ يُرادَ المَعْنى الكُلِّيُّ وتُجْعَلَ القَضِيَّةُ مُهْمَلَةً وهي في قُوَّةِ الجُزْئِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْضُ الشَّأْنِ اللَّهُ أحَدٌ.

وجاءَ الإبْهامُ الَّذِي ادُّعِيَ تَصْرِيحُهم بِهِ مِن عَدَمِ تَعَيُّنِ البَعْضِ قَبْلَ ذِكْرِ الجُمْلَةِ وحِمْلِها عَلَيْهِ وما صَدَقَ عَلَيْهِ الشَّأْنُ كَما يَكُونُ مُفْرَدًا يَكُونُ جُمْلَةً فَلْيَكُنْ هُنا كَذَلِكَ، واسْتُمْجِدَ الأوَّلُ، واحْتِمالُ الكُلِّيَّةِ مُبالَغَةً نَحْوَ: كُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا.

كَما تَرى فَلْيُتَأمَّلْ.

وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ هو ضَمِيرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ أوِ المَطْلُوبِ صِفَتُهُ أوْ نِسْبَتُهُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ عاصِمٍ في السُّنَّةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لَنا رَبَّكَ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ » السُّورَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وآخِرُونَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ » إلَخْ.

وفِي المَعالِمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أتَيا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عامِرٌ: إلامَ تَدْعُونا يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: «إلى اللَّهِ» قالا: صِفْهُ لَنا.

أمِن ذَهَبٍ هو أمْ مِن فِضَّةٍ أوْ مِن حَدِيدٍ أوْ مِن خَشَبٍ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، فَأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى أرْبَدَ بِالصّاعِقَةِ وعامِرًا بِالطّاعُونِ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، صِفْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى السُّورَةَ».

وكَوْنٌ السّائِلِينَ اليَهُودَ مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ وهو ظاهِرٌ في أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ.

وجازَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ السُّؤالِ، وجَرى ذِكْرُهُ فِيهِ و«هُوَ» عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ خَبَرُهُ، و«أحَدٌ» خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى ما هو المُخْتارُ مِن جَوازِ إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أحَدٌ.

وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الأعْظَمُ بَدَلًا مِن «هُوَ» و«أحَدٌ» خَبَرُهُ، و«اللَّهُ» تَعالى وتَقَدَّسَ عَلَمٌ عَلى الذّاتِ الواجِبُ الوُجُودُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الأشاعِرَةِ وغَيْرُهم خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قالُوا: العَلَمُ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ لِأنَّ أحَدًا لا يَعْلَمُ ذاتَهُ تَعالى المَخْصُوصَ بِخُصُوصِيَّةٍ حَتّى يُوضَعَ لَهُ وإنَّما يُعْلَمُ بِمَفْهُوماتٍ كُلِّيَّةٍ مُنْحَصِرَةٍ في فَرْدٍ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِأمْثالِ تِلْكَ المَفْهُوماتِ الكُلِّيَّةِ فَلا يَكُونُ عَلَمًا، ورُدَّ بِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِخُصُوصِيَّةِ ذاتِهِ فَيَجُوزُ أنْ يَضَعَ لَفْظًا بِإزائِهِ بِخُصُوصِهِ فَيَكُونُ عَلَمًا وهَذا عَلى مَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ الوَضْعَ هو اللَّهُ تَعالى ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ما يُفْهَمُ مِن لَفْظِ اللَّهِ غَيْرَ ما وُضِعَ لَهُ؛ إذْ لا يَعْلَمُ غَيْرُهُ تَعالى خُصُوصِيَّةَ ذاتِهِ تَعالى الَّتِي هي المَوْضُوعُ لَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْهُومُ الكُلِّيُّ آلَةً لِلْوَضْعِ ويَكُونَ المَوْضُوعُ لَهُ هو الخُصُوصِيَّةُ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها المَفْهُومُ الكُلِّيُّ كَما قِيلَ في هَذا ونَظائِرِهِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أيْضًا أنْ يَكُونَ وضْعُ اللَّفْظِ لِما لا يُفْهَمُ مِنهُ؛ فَإنّا لا نَفْهَمُ مِن أسْمائِهِ تَعالى إلّا تِلْكَ المَفْهُوماتِ الكُلِّيَّةَ.

والظّاهِرُ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَذَلِكَ؛ لِاحْتِجابِ ذاتِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ومِن هُنا اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ ما نُقِلَ عَنِ حُجَّةِ الإسْلامِ أنَّ الأشْبَهَ أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ جارٍ في الدَّلالَةِ عَلى المَوْجُودِ الحَقِّ الجامِعِ لِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ المَنعُوتِ بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْفَرِدِ بِالوُجُودِ الحَقِيقِيِّ مَجْرى الأعْلامِ، أيْ: ولَيْسَ بِعَلَمٍ وقَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

بَقِيَ في هَذا المَقامِ بَحْثٌ وهو أنِ الأعْلامَ الشَّخْصِيَّةَ كَزَيْدٍ إمّا أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنها مَوْضُوعًا لِلشَّخْصِ المُعَيَّنِ كَما هو المُتَبادَرُ المَشْهُورُ، فَإذا أُخْبِرَ أحَدٌ بِتَوَلُّدِ ابْنٍ لَهُ فَسَمّاهُ زَيْدًا مَثَلًا مِن غَيْرِ أنْ يُبْصِرَهُ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفْظُ اسْمًا لِلصُّورَةِ الخَيالِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ في مُخَيِّلَتِهِ، وحِينَئِذٍ إذا لَمْ يَكُنِ المَوْلُودُ بِهَذِهِ السُّورَةِ لَمْ يَكُنْ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِ بِحَسْبِ ذَلِكَ الوَضْعِ، ولَوْ قِيلَ بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِلْمَفْهُومِ الكُلِّيِّ المُنْحَصِرِ في ذَلِكَ الفَرْدِ لَمْ يَكُنْ عَلَمًا كَما سَبَقَ.

ثُمَّ إذا سَمِعْنا عَلَمًا مِن تِلْكَ الأعْلامِ الشَّخْصِيَّةِ ولَمْ نُبْصِرْ مُسَمّاهُ أصْلًا فَإنّا لا نَفْهَمُ الخُصُوصِيَّةَ الَّتِي هو عَلَيْها، بَلْ رُبَّما تَخَيَّلْناهُ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الصُّوَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمِيعُ تِلْكَ الصُّوَرِ الخالِيَةِ مَوْضُوعًا لَهُ فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ مَعانٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ لَهُ هو الخُصُوصِيَّةَ الَّتِي هو عَلَيْها فَقَطْ فَيَكُونُ غَيْرُها خارِجًا عَنِ المَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ فَهْمُ غَيْرِها مِنَ الخُصُوصِيّاتِ مِنهُ غَلَطًا، فَإمّا أنْ يَتْرُكَ دَعْوى كَوْنِ تِلْكَ الأعْلامِ جُزْئِيّاتٍ حَقِيقِيَّةً، ويُقالُ: إنَّها مَوْضُوعاتٌ لِلْمَفْهُوماتِ الكُلِّيَّةِ المُنْحَصِرَةِ في الفَرْدِ، أوْ يَلْتَزِمُ أحَدَ الِاحْتِمالاتِ الأُخَرِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ مَحَلُّ تَأمُّلٍ كَما تَرى فَتَأمَّلْ.

و«أحَدٌ» قالُوا: هَمْزَتُهُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ وأصْلُهُ وحَدٌ وإبْدالُ الواوِ المَفْتُوحَةِ هَمْزَةً قَلِيلٌ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: امْرَأةٌ أناةٌ.

يُرِيدُونَ: وناةٌ.

لِأنَّهُ مِنَ الوَنى وهو الفُتُورُ وهَذا بِخِلافِ أحَدٍ الَّذِي يُلازِمُ النَّفْيَ ونَحْوَهُ.

ويُرادُ بِهِ العُمُومُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ﴾ ، «وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تُحَلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي»».

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ﴾ فَإنَّ هَمْزَتَهُ أصْلِيَّةٌ.

وقِيلَ: الهَمْزَةُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ كالهَمْزَةِ في الآخَرِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما قالَ الرّاغِبُ: إنَّ المُخْتَصَّ بِالنَّفْيِ مِنهُما لِاسْتِغْراقِ جِنْسِ النّاطِقِينَ ويَتَناوَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ عَلى طَرِيقِ الِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ نَحْوَ: ما في الدّارِ أحَدٌ.

أيْ: لا واحِدٌ ولا اثْنانِ فَصاعِدًا لا مُجْتَمِعِينَ ولا مُفْتَرِقِينَ، ولِهَذا لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ في الإثْباتِ لِأنَّ نَفْيَ المُتَضادَّيْنِ يَصِحُّ ولا يَصِحُّ إثْباتُهُما.

فَلَوْ قِيلَ: في الدّارِ أحَدٌ، لَكانَ فِيهِ إثْباتُ واحِدٍ مُنْفَرِدٍ مَعَ إثْباتِ ما فَوْقَ الواحِدِ مُجْتَمِعِينَ ومُفْتَرِقِينَ وذَلِكَ ظاهِرُ الإحالَةِ ولِتَناوُلِ ذَلِكَ ما فَوْقَ الواحِدِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: ما مِن أحَدٍ فاضِلِينَ.

وعَلَيْهِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا.

والمُسْتَعْمَلُ في الإثْباتِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنْ يُضَمَّ إلى العَشَراتِ نَحْوَ: أحَدَ عَشَرَ، وأحَدٌ وعِشْرُونَ.

والثّانِي: أنْ يُسْتَعْمَلَ مُضافًا أوْ مُضافًا إلَيْهِ بِمَعْنى الأوَّلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾ وقَوْلِهِمْ: يَوْمُ الأحَدِ؛ أيْ: يَوْمُ الأوَّلِ.

والثّالِثُ: أنْ يُسْتَعْمَلَ مُطْلَقًا وصْفًا ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا في وصْفِ اللَّهِ تَعالى؛ وهو وإنْ كانَ أصْلُهُ واحِدًا إلّا أنَّ أحَدًا يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ سُبْحانَهُ نَحْوَ قَوْلِ النّابِغَةِ: كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا بِذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنَسٍ وحَدِ انْتَهى.

وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ أحَدٍ واحِدٌ، فَأبْدَلُوا الواوَ هَمْزَةً فاجْتَمَعَ ألْفانِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ تُشْبِهُ الألِفَ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا.

وفَرَّقَ ثَعْلَبٌ بَيْنَ أحَدٍ وواحِدٍ؛ بِأنَّ أحَدًا لا يُبْنى عَلَيْهِ العَدَدُ ابْتِداءً، فَلا يُقالُ: أحَدٌ واثْنانِ كَما يُقالُ: واحِدٌ واثْنانِ، ولا يُقالُ: رَجُلٌ أحَدٌ كَما يُقالُ: رَجُلٌ واحِدٌ، ولِذَلِكَ اخْتَصَّ بِهِ سُبْحانَهُ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما أيْضًا بِأنَّ الأحَدَ في النَّفْيِ نَصٌّ في العُمُومِ بِخِلافِ الواحِدِ فَإنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْعُمُومِ وغَيْرِهِ، فَيُقالُ: ما في الدّارِ أحَدٌ، ولا يُقالُ: بَلِ اثْنانِ.

ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: ما في الدّارِ واحِدٌ بَلِ اثْنانِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ الحَنَفِيَّةِ أنَّهُ قالَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما: إنَّ الأحَدِيَّةَ لا تَحْتَمِلُ الجُزْئِيَّةَ والعَدَدِيَّةَ بِحالٍ، والواحِدِيَّةُ تَحْتَمِلُها؛ لِأنَّهُ يُقالُ: مِائَةٌ واحِدَةٌ، وألْفٌ واحِدٌ، ولا يُقالُ: مِائَةٌ أحَدٌ إلّا ألْفٌ أحَدٌ، وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ مَسْألَةُ الإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الَّتِي ذَكَرَها في الجامِعِ الكَبِيرِ إذا كانَ لِرَجُلٍ أرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقالَ: واللَّهِ لا أقْرَبُ واحِدَةً مِنكُنَّ صارَ مُولِيًا مِنهُنَّ جَمِيعًا ولَمْ يَجُزْ أنْ يَقْرُبَ واحِدَةً مِنهُنَّ إلّا بِكَفّارَةٍ، ولَوْ قالَ: واللَّهِ لا أقْرَبُ إحْداكُنَّ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا إلّا مِن إحْداهُنَّ والبَيانُ إلَيْهِ.

وفَرَّقَ الخَطابِيُّ بِأنَّ الأحَدِيَّةَ لِتَفَرُّدِ الذّاتِ، والواحِدِيَّةُ لِنَفْيِ المُشارَكَةِ في الصِّفاتِ، ونُقِلَ عَنِ المُحَقِّقِينَ التَّفْرِقَةُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يَنْفَكَّ في شَأْنِهِ تَعالى أحَدُ الأمْرَيْنِ مِنَ الآخَرِ قِيلَ: الواحِدُ الأحَدُ في حُكْمِ اسْمٍ واحِدٍ، وفَسَّرَ الأحَدَ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ كَما قالَ الجَوْزِيُّ بِالواحِدِ وأُيِّدَ بِقِراءَةِ الأعْمَشِ: «قُلْ هو اللَّهُ الواحِدُ».

وفُسِّرَ بِما لا يَتَجَزَّأُ ولا يَنْقَسِمُ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الواحِدَ مَقُولٌ عَلى ما تَحْتَهُ بِالتَّشْكِيكِ، فالمُرادُ بِهِ هُنا حَيْثُ أُطْلِقَ المُتَّصِفُ بِالواحِدِيَّةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أزْيَدَ مِنها ولا أكْمَلَ فَهو ما يَكُونُ مُنَزَّهَ الذّاتِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ خارِجًا وذِهْنًا وما يَسْتَلْزِمُ أحَدَهُما كالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ والمُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها كَوُجُوبِ الوُجُودِ والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ الرَّئِيسِ أبِي عَلِيِّ بْنِ سِينا في تَفْسِيرِهِ السُّورَةَ الجَلِيلَةَ حَيْثُ قالَ: إنَّ أحَدًا دالٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى واحِدٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا كَثْرَةَ هُناكَ أصْلًا لا كَثْرَةً مَعْنَوِيَّةً وهي كَثْرَةُ المُقَوِّماتِ والأجْناسِ والفُصُولِ وكَثْرَةُ الأجْزاءِ الخارِجِيَّةِ المُتَمايِزَةِ عَقْلًا كَما في المادَّةِ والصُّورَةِ، والكَثْرَةُ الحِسِّيَّةُ بِالقُوَّةِ أوْ بِالفِعْلِ كَما في الجِسْمِ؛ وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الجِنْسِ والفَصْلِ والمادَّةِ والصُّورَةِ والأعْراضِ والأبْعاضِ والأعْضاءِ والأشْكالِ والألْوانِ وسائِرِ ما يَثْلِمُ الوَحْدَةَ الكامِلَةَ والبَساطَةَ الحَقَّةَ اللّائِقَةَ بِكَرَمِ وجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ أوْ يُساوِيَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ.

وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيُّ: الَّذِي يَصِحُّ لَنا مِنَ القَوْلِ مَعَ إثْباتِ الصِّفاتِ أنَّهُ تَعالى واحِدٌ في إلَهِيَّتِهِ لا غَيْرَ.

وقالَ غَيْرُهُ مِنَ السُّفْلِيِّينَ كالحافِظِ ابْنِ رَجَبٍ: هو سُبْحانَهُ الواحِدُ في إلَهِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتَهُ فَلا مَعْبُودَ ولا رَبَّ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، واخْتارَ بَعْدَ وصْفِهِ تَعالى بِما ورَدَ لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الصِّفاتِ أنَّ المُرادَ الواحِدِيَّةُ الكامِلَةُ؛ وذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ: كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلشَّأْنِ وكَوْنُهُ لِلْمَسْؤُولِ عَنْهُ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ الواحِدُ بِالعَدَدِ أصْلًا؛ إذْ يَخْلُو الكَلامُ عَلَيْهِ مِنَ الفائِدَةِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وهي الصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّةُ.

ويُقالُ لَها صِفاتُ الإكْرامِ أيْضًا.

والأحَدُ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ وهي الصِّفاتُ السَّلْبِيَّةُ، ويَتَضَمَّنُ الكَلامُ عَلى كَوْنِهِما خَبَرَيْنِ الإخْبارَ بِكَوْنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ الصِّفاتِ الجَلالِيَّةِ والكَمالِيَّةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإلَهِيَّةَ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى كَذَلِكَ لِأنَّ الهُوِيَّةَ إلَهِيَّةٌ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْها لِجَلالَتِها وعَظَمَتِها إلّا بِأنَّهُ هو هُوَ، وشَرَحَ تِلْكَ الهُوِيَّةَ بِلَوازِمَ مِنها ثُبُوتِيَّةٌ ومِنها سَلْبِيَّةٌ، واسْمُ اللَّهِ تَعالى مُتَناوِلٌ لَهُما جَمِيعًا؛ فَهو إشارَةٌ إلى هُوِيَّتِهِ تَعالى، واللَّهُ سُبْحانَهُ كالتَّعْرِيفِ لَها؛ فَلِذا عُقِّبَ بِهِ، وكَلامُ الرَّئِيسِ يُنادِي بِذَلِكَ وسَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأُبَيٌّ: «هُوَ اللَّهُ أحَدٌ» بِغَيْرِ «قُلْ» وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنها فِي: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ ولا تَجُوزُ في «تَبَّتْ»، فَقِيلَ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ سُورَةَ الكافِرِينَ مُشاقَّةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ مُوادَعَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم ومِثْلُ ذَلِكَ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورٌ بِالإنْذارِ والجِهادِ، وسُورَةَ «تَبَّتْ» مُعاتَبَةٌ لِأبِي لَهَبِ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وأدَبٍ جَسِيمٍ، فَلَوْ أُمِرَ بِذَلِكَ لَزِمَ مُواجَهَتُهُ بِهِ وهو عَمُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ السُّورَةُ تَوْحِيدٌ وهو يُناسِبُ أنْ يَقُولَ بِهِ تارَةً ويُؤْمَرَ بِأنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ أُخْرى.

وقِيلَ في وجْهِ «قُلْ» في سُورَةِ الكافِرُونَ: إنَّ فِيها ما لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَ: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ فَلا بُدَّ فِيها مِن ذِكْرِ «قُلْ» وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ ذِكْرُهُ بِهَذا اللَّفْظِ فافْهَمْ.

وقالَ الدَّوانِيُّ في وجْهِ تَرْكِ «قُلْ» فِي«تَبَّتْ»: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْلَ بِمُعاتَبَةِ أبِي لَهَبٍ إذا كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ أدْخَلَ في زَجْرِهِ وتَفْضِيحِهِ.

وقِيلَ: فِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لِكَوْنِهِ عَلى العِلّاتِ عَمَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنْبَغِي أنَّ يُهِينَهُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ إلّا الَّذِي خَلَقَهُ؛ إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يَتَأذّى مُسْلِمٌ مِن أقارِبِهِ لَوْ سَبَّهُ أحَدٌ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ عَساكِرَ المَنقُولَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «مَرَّتْ دُرَّةُ ابْنَةُ أبِي لَهَبٍ بِرَجُلٍ، فَقالَ: هَذِهِ ابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ أبِي لَهَبٍ.

فَأقْبَلَتْ عَلَيْهِ فَقالَتْ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أبِي بِنَباهَتِهِ وشَرَفِهِ وتَرَكَ أباكَ بِجَهالَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؛ فَخَطَبَ فَقالَ: «لا يُؤْذَيَنَّ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»».

ثُمَّ إنَّ إثْباتَ «قُلْ» عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ في المُصْحَفِ والتِزامِ قِراءَتِها في هَذِهِ السُّورَةِ ونَظائِرِها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِن دَأْبِ المَأْمُورِ بِقُلْ أنْ يُتَلَفَّظَ في مَقامِ الِائْتِمارِ إلّا بِالمَقُولِ.

قالَ الماتُرِيدِيُّ في التَّأْوِيلاتِ: لِأنَّ المَأْمُورَ لَيْسَ المُخاطَبَ بِهِ فَقَطْ بَلْ كُلُّ أحَدٍ ابْتُلِيَ بِما ابْتُلِيَ بِهِ المَأْمُورُ فَأُثْبِتَ لِيَبْقى عَلى مَرِّ الدُّهُورِ مَنًّا عَلى العِبادِ.

وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُخاطَبُ بِ «قْلُ» نَفْسُ التّالِي كَأنَّهُ تَعالى أعْلَمَ بِهِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ عِنْدَ مَقامِ هَذا المُضَمَّنِ يَنْبَغِي أنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ بِالقَوْلِ بِهِ، وعَدَمِ التَّجاوُزِ عَنْهُ.

فَتَأمَّلْ.

واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي أربع آيات مكيّة قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وذلك أن قريشاً قالوا له صِفْ لنا ربَّك الذي تعبده وتدعونا إليه ما هو؟

فأنزل الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يعني: قل يا محمد للكفار إني ربي الذي أعبده هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يعني: فرد لا نظير له ولا شبيه له ولا شريك له ولا معين له ثم قال عز وجل: اللَّهُ الصَّمَدُ يعني: الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال السدي وعكرمة ومجاهد الصَّمَدُ الذي لا جوف له، وعن قتادة قال كان إبليس لعنه الله ينظر إلى آدم-  - ودخل في فيه وخرج من دبره يعني حين كان صلصالاً فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف وروي عن ابن عباس  أنه قال: الصمد الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ويتضرعون إليه عند مسألتهم وقال أبو وائل الصَّمَدُ السيد الذي انتهى سؤدده وكذلك قال سعيد بن جبير وقال الحسن البصري  الصَّمَدُ الدائم، وقال قتادة الصَّمَدُ الباقي ويقال الكافي وقال محمد بن كعب القرظي الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أحد ويقال: الصَّمَدُ التام في سؤدده وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: الصَّمَدُ الذي لا يخاف من فوقه ولا يرجو من تحته ويُصْمَد إليه في الحوائج ثم قال عز وجل لَمْ يَلِدْ يعني: لم يكن له ولد يرث ملكه.

وَلَمْ يُولَدْ يعني: لم يكن له والد يرث عنه ملكه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ يعني: لم يكن له نظير ولا شريك فينازعه في عظمته وملكه وقال مقاتل: إن مشركي العرب قالوا إن الملائكة كذا وكذا وقالت اليهود والنصارى في عزير والمسيح ما قالت فكذبهم الله تعالى وأبرأ نفسه مما قالوا فقال: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، قرأ عاصم في رواية حفص كفواً بغير همزة وقرأ حمزة بسكوت الفاء مهموزاً والباقون بضم الفاء مهموزاً بهمزة وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بعد صلاة الفجر إحدى عشرة مرة لم يلحقه ذنب يومئذٍ ولو اجتهد الشيطان.

وروي عن أنس بن مالك  عن النبيّ  أنه قال: «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُم أَنْ يَقْرَأ القُرآنَ فِي لَيْلَةٍ؟» فقيل يا رسول الله من يطيق ذلك؟

قال: «أَنْ يَقْرَأ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ثَلاَثَ مَرَاتٍ» ، وروي عن ابن شهاب عن الزهري  قال: بلغنا أن رسول الله  قال: «من قرأ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» والله أعلم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الإخْلاصِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.» ورَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: إنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.» وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ انْسِبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّانِي: «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : إلامَ تَدْعُونا يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ: صِفْهُ لِي، أمِن ذَهَبٍ هُوَ، أوْ مِن فِضَّةٍ، أوْ مِن حَدِيدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا، قَوْمٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالُوا: مِن أيِّ جِنْسٍ هُوَ، ومِمَّنْ ورِثَ الدُّنْيا، ولِمَن يُوَرِّثُها؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والضَّحّاكُ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أحَدُ اللَّهُ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أحَدٌ اللَّهُ " بِضَمِّ الدّالِ، ووَصْلِها بِاسْمِ اللَّهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: هو كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والمَعْنى: الَّذِي سَألْتُمْ تَبْيِينَ نِسْبَتِهِ هو اللَّهُ.

و " أحَدٌ " مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى: هو أحَدٌ، فالمَعْنى: هو اللَّهُ، وهو أحَدٌ.

وقُرِئَتْ " أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ " بِتَنْوِينِ أحَدٍ.

وقُرِئَتْ " أحَدُ اللَّهُ " بِتَرْكِ التَّنْوِينِ، وقُرِئَتْ بِإسْكانِ الدّالِ " أحَدْ اللَّهُ " وأجْوَدُها الرَّفْعُ بِإثْباتِ التَّنْوِينِ، وكَسْرِ التَّنْوِينِ لِسُكُونِهِ وسُكُونِ اللّامِ في " اللَّهِ " ومَن حَذَفَ التَّنْوِينَ، فَلِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا، ومَن أسْكَنَ أرادَ الوَقْفَ ثُمَّ ابْتَدَأ " اللَّهُ الصَّمَدُ " وهو أرْدَؤُها.

فَأمّا " الأحَدُ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو الواحِدُ.

وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: [الواحِدُ]: هو المُنْفَرِدُ بِالذّاتِ، فَلا يُضاهِيهِ أحَدٌ.

والأحَدُ: هو المُنْفَرِدُ بِالمَعْنى، فَلا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ.

وأصْلُ " الأحَدِ " عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: الوَحَدُ، ثُمَّ أبْدَلُوا مِنَ الواوِ الهَمْزَةَ.

وَفِي ﴿ الصَّمَدُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ.

والعَرَبُ تُسَمِّي أشْرافَها: الصَّمَدُ.

قالَ الأسَدِيُّ: لَقَدْ بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ وَقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ، فَقَدْ صَمَدَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ قَصَدَ قَصْدَهُ.

وتَأْوِيلُ صُمُودِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ: أنَّ في كُلِّ شَيْءٍ أثَرَ صُنْعِهِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّمَدَ: السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ يَصْمُدُ إلَيْهِ النّاسُ في أُمُورِهِمْ وحَوائِجِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَكَأنَّ الدّالَ مِن هَذا التَّفْسِيرِ مُبْدَلَةٌ مِن تاءٍ: والمُصْمَتُ مِن هَذا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الدّائِمُ.

والرّابِعُ: الباقِي بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ، حَكاهُما الخَطّابِيُّ وقالَ: أصَحُّ الوُجُوهِ الأوَّلُ، لِأنَّ الِاشْتِقاقَ يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّ أصْلَ الصَّمَدِ: القَصْدُ.

يُقالُ: اصْمُدْ صَمْدَ فُلانٍ، أيِ: اقْصِدْ قَصْدَهُ.

فالصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الأُمُورِ، ويُقْصَدُ في الحَوائِجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَلِدْ فَيُوَرَّثُ، ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ فَيُشارَكُ.

وَذَلِكَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ الرَّحْمَنِ.

وقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَبَرَّأ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالتَّثْقِيلِ والهَمْزِ.

ورَواهُ حَفْصٌ بِالتَّثْقِيلِ وقَلْبِ الهَمْزِ واوًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الفاءِ.

والكُفْءُ: المِثْلُ المُكافِئُ.

وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ وأخَّرَ لِتَتَّفِقَ رُؤُوسُ الآياتِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإخْلاصِ] هَذِهِ السُورَة مَكِّيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وعَطاءٌ وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرْطُبِيُّ وأبُو العالِيَةِ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هو اللهُ أحَدٌ ﴾ ﴿ اللهُ الصَمَدُ ﴾ ﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: "قُلْ هو اللهُ أحَدٌ الواحِدُ الصَمَدُ"، ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ سَألُوا رَسُولَ اللهِ  عن نَسَبِ رَبِّهِ -تَعالى عَمّا يَقُولُ الجاهِلُونَ- فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ،» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ  فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسِبْهُ، فَإنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ في التَوْراةِ ونَسَبَها، فارْتَعَدَ رَسُولُ اللهِ  حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَلامُ بِهَذِهِ السُورَةِ،» وقالَ أبُو العالِيَةِ وقالَ قَتادَةُ: الأحْزابُ لِرَسُولِ اللهِ  : انْسِبْ لَنا رَبَّكَ، فَأتاهُ الوَحْيُ بِهَذِهِ السُورَةِ.

و"أحَدٌ" مَعْناهُ: واحِدٌ فَرْدٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الوَحْدانِيَّةِ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، و"هُوَ" ابْتِداءٌ و"اللهُ" ابْتِداءٌ ثانٍ وأحَدٌ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وقِيلَ: "هُوَ" ابْتِداءٌ، و"اللهُ" خَبَرُهُ، و"أحَدٌ" بَدَلٌ مِنهُ، وحَذَفَ أبُو عَمْرٍو التَنْوِينَ مَن "أحَدٌ" لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ فَقَرَأ " اللهُ أحَدُ اللهُ"، وأثْبَتَهُ الباقُونَ مَكْسُورًا لِلِالتِقاءِ، وأمّا وقْفُهم كُلُّهم فَبِسُكُونِ الدالِ، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الوَصْلُ بِسُكُونِ الدالِ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا تَنْوِينُها.

و"الصَمَدُ" في كَلامِ العَرَبِ: السَيِّدُ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ في الأُمُورِ ويَسْتَقِلُّ بِها، وأنْشَدُوا: ألّا بَكَّرَ الناعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَيِّدِ الصَمَدْ وبِهَذا تَتَفَسَّرُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى جَلَتْ قُدْرَتُهُ هو مَوْجُودُ المَوْجُوداتِ، وإلَيْهِ تَصْمُدُ، وبِهِ قِوامُها، ولا غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الصَمَدُ: الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، كَأنَّهُ بِمَعْنى المُصْمَتِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ.

وفي هَذا التَفْسِيرِ كُلّه نَظَر؛ لِأنَّ الجِسْمَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ اللهِ تَعالى وعن صِفاتِهِ، فَما الَّذِي يُعْطِينا هَذِهِ العِباراتِ؟

و"اللهُ الصَمَدُ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ وقِيلَ: "الصَمَدُ" نَعْتٌ والخَبَرُ فِيما بَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ رَدٌّ عَلى إشارَةِ الكُفّارِ في النَسَبِ الَّذِي سَألُوهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تَفَكَّرُوا في كُلِّ شَيْءٍ ولا تَتَفَكَّرُوا في ذاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأفْهامَ تَقِفُ دُونَ ذَلِكَ حَسِيرَةً، والمُؤْمِنُونَ يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى بِواجِبِ وجُودِهِ، وافْتِقارِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ، واسْتِغْنائِهِ عن كُلِّ شَيْءٍ ويَنْفِي العَقْلُ عنهُ كُلَّ ما لا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وأنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما ذَكَرْتُهُ فَهو في ضِمْنِ هَذِهِ السُورَةِ الوَجِيزَةِ البَلِيغَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ ولا نِدٌّ ولا شَبِيهٌ، والكُفُؤُ والكِفاءُ: النَظِيرُ، وقَرَأ: "كُفُوًا" -بِضَمِّ الكافِ وهَمْزٍ مُسَهِّلٍ- نافِعٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ.

وقَرَأ بِالهَمْزِ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو:"كُفْؤًا" بِالهَمْزِ وإسْكانِ الفاءِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ: "كَفًا" بِفَتْحِ الفاءِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كِفاءٌ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ، والمَدِّ، و"كُفُوًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها "أحَدٌ"، والظَرْفُ مُلْغى، وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَسْتَحْسِنُ أنْ يَكُونَ الظَرْفُ -إذا تَقَدَّمَ- خَبَرًا، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مُلْغًى في أماكِنَ يَقْتَضِيها المَعْنى كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَما قالَ الشاعِر: -أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ -: ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيّا.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "كُفُوًا" حالٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ وصْفًا لِنَكِرَةٍ، كَما قالَ: لِعِزَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ ∗∗∗...........

قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا يَقِلُّ في الكَلامِ، وبابُهُ الشِعْرُ، وقالَ  : «إنَّ ﴿ قُلْ هو اللهُ أحَدٌ ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِما فِيها مِنَ التَوْحِيدِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإخْلاصِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح هذه السورة بالأمر بالقول لإِظهار العناية بما بعد فعل القول كما علمت ذلك عند قوله تعالى: ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [الكافرون: 1] ولذلك الأمر في هذه السورة فائدة أخرى، وهي أنها نزلت على سبب قول المشركين: انْسُبْ لنا ربك، فكانت جواباً عن سؤالهم فلذلك قيل له: ﴿ قل ﴾ كما قال تعالى: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ [الإسراء: 85] فكان للأمر بفعل ﴿ قل ﴾ فائدتان.

وضمير ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن لإِفادة الاهتمام بالجملة التي بعده، وإذا سمعه الذين سألوا تطلعوا إلى ما بعده.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ أيضاً عائداً إلى الرب في سؤال المشركين حين قالوا: انسب لنا ربك.

ومن العلماء من عَدّ ضمير ﴿ هو ﴾ في هذه السورة اسماً من أسماء الله تعالى وهي طريقة صوفية درج عليها فخر الدين الرازي في «شرح الأسماء الحسنى» نقله ابن عرفة عنه في «تفسيره» وذكر الفخر ذلك في «مفاتيح الغيب» ولا بد من المزج بين كلاميه.

وحاصلهما قوله: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فيه ثلاثة أسماء لله تعالى تنبيهاً على ثلاثة مقامات.

الأول: مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأشياء من حيث هِيَ هِيَ، فلا جرم ما رأوا موجوداً سوى الله لأنه هو الذي لأجله يجب وجوده فما سوى الله عندهم معدوم، فقوله: ﴿ هو ﴾ إشارة مطلقة.

ولما كان المشار إليه معيناً انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فكان قوله: ﴿ هو ﴾ إشارة من هؤلاء المقربين إلى الله فلم يفتقروا في تلك الإِشارة إلى مميز فكانت لفظة ﴿ هو ﴾ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء.

المقام الثاني: مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهَدُوا الحق موجوداً وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة ﴿ هو ﴾ تامة الإِفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم ﴿ هو اللَّه ﴾ .

والمقام الثالث: مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الإله فقُرن لفظ ﴿ أحد ﴾ بقوله: ﴿ هو اللَّه ﴾ إبطالاً لمقالتهم ا ه.

فاسمه تعالى العلَم ابتدئ به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلّها عند التخاطب بين المسلمين وعند المحاجَّة بينهم وبين المشركين، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب فمسماه لا نزاع في وجوده ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تَنَزَّه عنها.

أما ﴿ أحد ﴾ فاسم بمعنى (وَاحِد).

وأصل همزته الواو، فيقال: وحَد كما يقال: أحد، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة (بخلاف قلب واو وُجوه) ومعناه منفرد، قال النابغة: كأنَّ رحلي وقد زال النهارُ بنا *** بذي الجليللِ على مستأنِسسٍ وَحَدِ أي كأني وضعتُ الرجل على ثورِ وحْششٍ أحَسَّ بأنسيّ وهو منفردٌ عن قطيعه.

وهو صفة مشبهة مثل حَسَن، يقال: وَحُد مثل كرُم، ووَحِدَ مثل فرِح.

وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتيٌّ له، فلذلك أوثر ﴿ أحد ﴾ هنا على (واحد) لأن (واحد) اسم فاعل لا يفيد التمكن.

ف (واحد) و ﴿ أحد ﴾ وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني التفرد.

هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ (أحد)، أشهرها أنه يستعمل اسماً بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى: ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ في البقرة (285)، وقوله: ﴿ ولا أشرك بربي أحداً ﴾ في الكهف (38) وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو: أحد عشر، وأحد وعشرين، ومؤنثه إحدى، ومن العلماء من خلط بين (واحد) وبين ﴿ أحد ﴾ فوقع في ارتباك.

فوصف الله بأنه ﴿ أحد ﴾ معناه: أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلَم وهي الإلهية المعروفة، فإذا قيل: ﴿ اللَّه أحد ﴾ فالمراد أنه منفرد بالإلهية، وإذا قيل: الله واحد، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمَن دونه ليس بإله.

ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته.

فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليماً للناس كلهم، وإبطالاً لعقيدة الشرك وُصف الله في هذه السورة ب ﴿ أحد ﴾ ولم يوصف ب (واحد) لأن الصفة المشبهة نهايةُ ما يُمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربي المبين.

وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة: إن ﴿ أحد ﴾ دالّ على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلاً لا كثرةً معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول، ولا كثرة حسيّة وهي كثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلاً كما في المادة والصورة.

والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزهاً عن الجنس والفصل، والمادة والصورة، والأعراض والأبعَاض، والأعضاء، والأشكال، والألوان، وسائر ما يُثلم الوحدة الكاملة والبَساطة الحَقَّة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء.

وتبيينُه: أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلاً أولى بالوحدانيَّة مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي لا ينقسم انقساماً عقليّاً أوْلَى بالوحدانية من الذي ينقسم انقساماً بالحسّ بالقوة ثم بالفعل، ف ﴿ أحد ﴾ جامع للدلالة على الوحدانية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اه.

قلت: قد فهم المسلمون هذا فقد روي أن بلالاً كان إذا عذب على الإِسلام يقول: أحَد أحد، وكان شعار المسلمين يوم بدر: أحَد أحَد.

والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن ﴿ أحد ﴾ ليس ملحقاً بالأسماء الحسنى لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة ".

وعدّها ولم يذكر فيها وصف أحد، وذكر وصف واحد وعلى ذلك درج إمام الحرمين في كتاب «الإِرشاد» وكتاببِ «اللمع» والغزالي في «شرح الأسماء الحسنى».

وقال الفهري في «شرحه على لُمع الأدلة» لإِمام الحرمين عند ذكر اسمه تعالى «الواحد».

وقد ورد في بعض الروايات الأحد فلم يجمع بين الاسمين في اسم.

ودرح ابن بَرَّجَان الإِشبيلي في «شرح الأسماء» والشيخ مُحمد بن محمد الكومي (بالميم) التونسي، ولُطف الله الأرضرُومي في «معارج النور»، على عدّ (أحد) في عداد الأسماء الحسنى مع اسمه الوَاحد فقالا: الواحد الأحد بحيث هو كالتأكيد له كما يقتضيه عدهم الأسماء تسعة وتسعين، وهذا بناء على أن حديث أبي هريرة لم يقتضضِ حصر الأسماء الحسنى في التسعة والتسعين، وإنما هو لبيان فضيلة تلك الأسماء المعدودة فيه.

والمعنى: أن الله منفرد بالإلهية لا يشاركه فيها شيء من الموجودات.

وهذا إبطال للشرك الذي يدين به أهل الشرك، وللتثليث الذي أحدثه النصارى المَلْكانية وللثانوية عند المجوس، وللعَدَد الذي لا يُحصى عند البراهمة.

فقوله: ﴿ اللَّه أحد ﴾ نظير قوله في الآية الأخرى: ﴿ إنما الله إله واحد ﴾ [النساء: 171].

وهذا هو المعنى الذي يدركه المخاطبون بهذه الآية السائلون عن نسبة الله، أي حقيقته فابتدئ لهم بأنه واحد ليعلموا أن الأصنام ليست من الإلهية في شيء.

ثم إن الأحدية تقتضي الوجود لا محالة فبطل قول المعطلة والدُّهريين.

وقد اصطلح علماء الكلام من أهل السنة على استخراج الصفات السلبية الربانية من معنى الأحدية لأنه إذا كان منفرداً بالإلهية كان مستغنياً عن المخصِّص بالإِيجاد لأنه لو افتقر إلى من يُوجده لكان من يوجده إلها أوَّلَ منه فلذلك كان وجود الله قديماً غير مسبوق بعدم ولا محتاج إلى مخصص بالوجُود بدَلاً عن العدم، وكان مستعيناً عن الإمداد بالوجود فكان باقياً، وكان غنياً عن غيره، وكان مخالفاً للحوادث وإلا لاحتاج مثلَها إلى المخصص فكان وصفه تعالى: ب ﴿ أحد ﴾ جامعاً للصفات السلبية.

ومثلُ ذلك يُقال في مرادفه وهو وصف وَاحد.

واصطلحوا على أن أحدية الله أحدية واجبة كاملة، فالله تعالى واحد من جميع الوجوه، وعلى كل التقادير فليس لكُنْه الله كثرة أصلاً لا كثرة معنوية وهي تعدد المقوّمات من الأجناس والفصول التي تتقوم منها المواهي، ولا كثرةُ الأجزاء في الخارج التي تتقوم منها الأجسام.

فأفاد وصف ﴿ أحد ﴾ أنه منزه عن الجنس والفصل والمادة والصورة، والأعراض والأبعاض، والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما ينافي الوحدة الكاملة كما إشار إليه ابن سينا.

قال في «الكشاف»: «وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ اللَّه أحد ﴾ بغير ﴿ قل هو ﴾ اه، ولعله أخذه مما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرأ: ﴿ اللَّه أحد ﴾ كان بِعَدْل ثلثثِ القرآن، كما ذكره بأثر قراءة أبيّ بدون ﴿ قل ﴾ كما تأوله الطيبي إذ قال: وهذا استشهاد على هذه القراءة.

وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها التلاوة وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقوله، وهذا كما كان يُكثر أن يقول: " سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي " يَتأول قوله تعالى: ﴿ فسبح بحمد ربك واستغفره ﴾ [النصر: 3].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جَوابًا لَهم»، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ انْسُبْنِي إلى هَذا»، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ «أنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ» إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: قُلْ لَهُ شَقَّقْتَ عَصانا وسَبَّبْتَ آلِهَتَنا وخالَفْتَ دِينَ آبائِكَ، فَإنْ كُنْتَ فَقِيرًا أغْنَيْناكَ وإنْ كُنْتَ مَجْنُونًا داوَيْناكَ، وإنْ هَوَيْتَ امْرَأةً زَوَّجْناكَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (لَسْتُ بِفَقِيرٍ ولا مَجْنُونٍ ولا هَوَيْتُ امْرَأةً، أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أدْعُوكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلى عِبادَتِهِ، فَأرْسَلُوهُ ثانِيَةً وقالُوا لَهُ: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا جِنْسَ مَعْبُودِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَأرْسَلُوهُ ثالِثَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ لَنا ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا لا تَقُومُ بِحَوائِجِنا، فَكَيْفَ يَقُومُ إلَهٌ واحِدٌ بِحَوائِجِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الصّافّاتِ إلى قَوْلِهِ ﴿ إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ ﴾ يَعْنِي في جَمِيعِ حَوائِجِكم، فَأرْسَلُوهُ رابِعَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا أفْعالَ رَبِّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةَ)، وقَوْلُهُ ﴿ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ جَوابِ السّائِلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِرَسُولِهِ  ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ والأحَدُ: هو المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِهِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا شَبَهَ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (أحَدٌ) عَلى وجْهِ النَّكِرَةِ، ولَمْ يَقُلِ الأحَدَ؟

قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ لامَ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها فَصارَتْ مَحْذُوفَةً في الظّاهِرِ، مُثْبَتَةً في الباطِنِ، ومَعْناهُ قُلْ هو اللَّهُ الأحَدُ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِنَكِرَةٍ، وإنَّما هو بَيانٌ وتَرْجَمَةٌ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

فَأمّا الأحَدُ والواحِدُ فَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحَدَ لا يَدْخُلُ العَدَدَ، والواحِدَ يَدْخُلُ في العَدَدِ، لِأنَّكَ تَجْعَلُ لِلْواحِدِ ثانِيًا، ولا تَجْعَلُ لِلْأحَدِ ثانِيًا.

الثّانِي: أنَّ الأحَدَ يَسْتَوْعِبُ جِنْسَهُ، والواحِدَ لا يَسْتَوْعِبُ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُقاوِمَهُ اثْنانِ ولا أكْثَرَ، فَصارَ الأحَدُ أبْلَغَ مِنَ الواحِدِ.

وَفي تَسْمِيَتِها بِسُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ في قِراءَتِها خَلاصًا مِن عَذابِ اللَّهِ.

الثّانِي: لِأنَّ فِيها إخْلاصًا لِلَّهِ مَن كُلِّ عَيْبٍ ومَن كُلِّ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ.

الثّالِثُ: لِأنَّها خالِصَةٌ لِلَّهِ لَيْسَ فِيها أمْرٌ ولا نَهْيٌ.

﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّمَدَ المُصْمَتَ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا الثّانِي: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الباقِي الَّذِي لا يَفْنى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ.

الرّابِعُ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ.

الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْمُدُ النّاسُ إلَيْهِ في حَوائِجِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ألا بَكِّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ.

السّادِسُ: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ وسُفْيانُ وقالَ الشّاعِرُ عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ.

السّابِعُ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ سارُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمَدُوا ∗∗∗ ألّا رَهِينَةَ إلّا السَّيِّدُ الصَّمَدُ.

الثّامِنُ: أنَّهُ المَقْصُودُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ، والمُسْتَغاثُ بِهِ في المَصائِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

التّاسِعُ: أنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ.

﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ والِدًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ في العِزِّ مُشارِكًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا هالِكًا، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ.

وَإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هاتَيْنِ صِفَتا نَقْصٍ فانْتَفَتا عَنْهُ.

الثّانِي: أنَّهُ لا مَثَلَ لَهُ، فَلَوْ ولَدَ أوْ وُلِدِ لَصارَ ذا مَثَلٍ، واَللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُنْ لَهُ مَثَلٌ ولا عَدِيلٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ.

الثّانِي: يَعْنِي لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، فَنَفى عَنْهُ الوَلَدَ والوالِدَةَ والصّاحِبَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكافِئُهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ قَتادَةُ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ خَبَرَ كانَ عَلى اسْمِها لِتَنْساقَ أواخِرُ الآيِ عَلى نَظْمٍ واحِدٍ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن خزيمة وابن أبي حاتم في السنة والبغوي في معجمه وابن المنذر في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد أنسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ﴾ لأنه ليس يولد شيء إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ ليس له شيبة ولا عدل وليس كمثله شيء.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه أن المشركين قالوا يا رسول الله: أخبرنا عن ربك، صف لنا ربك ما هو؟

ومن أي شيء هو؟

فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ .

وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه قال قالوا: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ .

وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي بسند حسن عن جابر رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ .

وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالت قريش، يا رسول الله: أنسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو بكر السمرقندي في فضائل ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عن أنس رضي الله عنه قال: جاءت يهود خيبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب وآدم من حمإ مسنون وإبليس من لهب النار، والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه جبريل بهذه السورة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ليس له عروق تتشعب ﴿ الله الصمد ﴾ ليس بالأجوف لا يأكل ولا يشرب ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ ليس له والد ولا ولد ينسب إليه ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ ليس من خلقه شيء يعدل مكانه يمسك السموات إن زالتا، هذه السورة ليس فيها ذكر جنة ولا نار، ولا دنيا ولا آخرة ولا حلال ولا حرام انتسب الله إليها فهي له خالصة، من قرأها ثلاث مرات عدل بقراءة الوحي كله، ومن قرأها ثلاثين مرة لم يفضله أحد من أهل الدنيا يومئذ إلا من زاد على ما قال، ومن قرأها مائتي مرة أسكن من الفودوس سكناً يرضاه، ومن قرأها حين يدخل منزله ثلاث مرات نفت عن الفقر ونفعت الجار، وكان رجل يقرأها في كل صلاة فكأنهم هزئوا به وعابوا ذلك عليه فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وما حملك على ذلك؟

قال يا رسول الله: إني أحبها.

قال: حبها أدخلك الجنة.

قال: وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويرددها حتى أصبح.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبدالله بن سلام أن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم عهداً، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فوافاه بمنى، والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أنت عبدالله بن سلام؟

قال: نعم، قال: أدن، فدنا منه، فقال: أنشدك بالله أما تجدني في التوراة رسول الله؟

فقال له: أنعت لنا ربك، فجاء جبريل فقال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إلى آخر السورة.

فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أنك رسول الله، ثم انصرف إلى المدينة وكتم إسلامه.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فقالوا يا محمد: صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ﴾ فيخرج منه الولد ﴿ ولم يولد ﴾ فيخرج من شيء.

وأخرج الطبراني في السنة عن الضحاك قال: قالت اليهود يا محمد صف لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ فقالوا: أما الأحد فقد عرفناه، فما الصمد؟

قال: الذي لا جوف له.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: أتى رهط من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟

فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه، فجاءه جبريل فسكنه وقال: اخفض عليك جناحك، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ فلما تلاها عليهم قالوا: صف لنا ربك كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول وساورهم غضباً فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته وأتاه جواب ما سألوه عنه ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ [ الزمر: 67] .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنسب لنا ربك، وفي لفظ: صف لنا ربك، فلم يدر ما يرد عليهم فنزلت ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حتى ختم السورة.

وأخرج أبو عبيد وأحمد في فضائله والنسائي في اليوم والليلة وابن منيع ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنهما قرأ ثلث القرآن» .

وأخرج ابن الضريس والبزار وسمويه في فوائده والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله احد ﴾ مائتي مرة غفر له ذنوب مائتي سنة» .

وأخرج أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب هذه السورة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة» .

وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن الأنباري في المصاحف عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرات في ليلة، فإنها تعدل ثلث القرآن» .

وأخرج أبو يعلى ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ خمسين مرة غفر له ذنوب خمسين سنة» .

وأخرج الترمذي وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن عدي والبيهقي في الشعب، واللفظ له، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ كل يوم مائتي مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كتب الله له ألفاً وخمسمائة حسنة، ومحا عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين» .

وأخرج الترمذي وابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن ينام على فراشه من الليل نام على يمينه فقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة» .

وأخرج ابن سعد وابن الضريس وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم بالشام، فهبط عليه جبريل فقال: يا محمد إن معاوية بن معاوية المزني هلك، أفتحب أن تصلي عليه؟

قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض فتضعضع له كل شيء ولزق بالأرض ورفع له سريره فصلى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من أي شيء أتى معاوية هذا الفضل؟

صلى عليه صفان من الملائكة في كل صف ستمائة ألف ملك.

قال: بقراءة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كان يقرؤها قائماً وقاعداً وجالساً وذاهباً ونائماً» .

وأخرج ابن سعد وابن الضريس والبيهقي في الدلائل والشعب من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس ذات يوم بضياء وشعاع ونور لم نرها قبل ذلك فيما مضى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب من ضيائها ونورها، إذ أتاه جبريل فسأل جبريل: ما للشمس طلعت لها نور وضياء وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى؟

قال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه.

قال: بم ذاك يا جبريل؟

قال: كان يكثر ﴿ قل هو الله أحد ﴾ قائماً وقاعداً وماشياً وآناء الليل والنهار استكثر منها فإنها نسبة ربكم، ومن قرأها خمسين مرة رفع الله له خمسين ألف درجة، وحط عنه خمسين ألف سيئة، وكتب له خمسين ألف حسنة، ومن زاد زاد الله له.

قال جبريل: فهل لك أن أقبض الأرض فتصلي عليه!

قال: نعم.

فصلى عليه» .

وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة غفر له خطيئة خمسين سنة إذا اجتنب أربع خصال الدماء والأموال والفروج والأشربة» .

وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ على طهارة مائة مرة كطهارة الصلاة يبدأ بفاتحة الكتاب كتب الله له بكل حرف عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وبنى له مائة قصر في الجنة وكأنما قرأ القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة، وهي براءة من الشرك، ومحضرة للملائكة، ومنفرة للشياطين، ولها دويّ حول العرش تذكر بصاحبها حتى ينظر الله إليه، وإذا نظر إليه لم يعذبه أبداً» .

وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من جاء بهن مع الإِيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء، من عفا عن قاتله، وأدى ديناً خفياً، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟

قال: أو إحداهن» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجهول عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ في كل يوم خمسين مرة نودي يوم القيامة من قبره: قم مادح الله، فأدخل الجنة» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إذا فرغ» .

وأخرج الطبراني عن جرير البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حين يدخل منزله نفت الفقر من أهل ذلك المنزل والجيران» .

وأخرج البزار والطبراني في الصغير عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] فكأنما قرأ ربع القرآن» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن عبدالله بن الشخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وامن من فتنه القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة» .

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن» .

وأخرج ابن الضريس والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في سفر، فقرأ في الركعة الأولى ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وفي الثانية ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فلما سلم قال: قرأت بكم ثلث القرآن وربعه» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وهو بتبوك فقال: يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال، فتواضعت ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت حتى نظر إلى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة فلما فرغ قال: يا جبريل: ما بلغ معاوية بن معاوية المزني هذه المنزلة؟

قال: بقراءته ﴿ قل هو الله أحد ﴾ قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً.

وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن المسيب قال: «كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له معاوية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهو مريض ثقيل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ثم لقيه جبريل فقال: إن معاوية بن معاوية توفي، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيسرك أن أريك قبره؟

قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض، فلم يبق جبل إلا انخفض حتى أبدى الله قبره فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عن يمينه وصفوف الملائكة سبعين ألفاً حتى إذا فرغ من صلاته قال: يا جبريل بم نزل معاوية بن معاوية من الله بهذه المنزلة؟

قال: ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كان يقرأها قائماً وقاعداً وماشياً ونائماً، ولقد كنت أخاف على أمتك حتى نزلت هذه السورة فيها» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» .

وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريق مجاشع بن عمرو أحد الكذابين عن يزيد الرقاشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاءني جبريل في أحسن صورة ضاحكاً مستبشراً فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرؤك السلام، ويقول: إن لكل شيء نسباً ونسبتي ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فمن أتاني من أمتك قارئاً ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة من دهره ألزمه داري واقامة عرشي وشفعته في سبعين ممن وجبت عقوبته، ولولا أني آليت على نفسي، كل نفس ذائقة الموت، لما قبضت روحه» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد سفراً فأخذ بعضادتي منزله فقرأ إحدى عشرة مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كان الله له حارساً حتى يرجع» .

وأخرج ابن النجار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن ينطق مع أحد يقرأ في الأولى بالحمد و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الركعة الثانية بالحمد و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها» .

وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بعد صلاة الجمعة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ [ الفلق] و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [ الناس] سبع مرات أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى» .

وأخرج الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي في فضائل ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عن اسحق بن عبدالله بن أبي فروة قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة فقال أبو بكر إذن نستكثر يا رسول الله، فقال: الله أكثر وأطيبرددها مرتين» .

وأخرج أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرات فكأنما قرأ جميع ما أنزل الله» .

وأخرج أيضاً عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مرة بورك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهل بيته، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى أهل بيته وجيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة مرة بنى الله له في الجنة اثني عشر قصراً.

ومن قرأها عشرين مرة كان مع النبيين هكذا وضم الوسطى والتي تليها الابهام، ومن قرأها عشرين مرة كان مع النبيين هكذا وضم الوسطى والتي تليها الابهام، ومن قرأها مائة مرة غفر الله له ذنوب خمس وعشرين سنة إلا الدين والدم، ومن قرأها مائتي مرة غفرت له ذنوب خمسين سنة، ومن قرأها أربعمائة مرة كان له أجر أربعمائة شهيد كل عقر جواده وأهريق دمه، ومن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له» .

وأخرج أيضاً عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن ارتجالاً» .

وأخرج أيضاً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة كانت أحب إلى الله من ألف ملجمة مسرجة في سبيل الله» .

وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال: ثلاثة ينزلون من الجنة حيث شاؤوا: الشهيد ورجل قرأ في كل يوم ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة.

وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال: من واظب على قراءة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وآية الكرسي عشر مرات من ليل أو نهار استوجب رضوان الله الأكبر، وكان مع أنبيائه، وعصم من الشيطان.

وأخرج أيضاً من طريق دينار عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله وهو من خاصة الله» .

وأخرج أيضاً من طريق نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاثين مرة كتب الله له براءة من النار وأماناً من العذاب، والأمان يوم الفزع الأكبر» .

وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أتى منزله فقرأ ﴿ الحمد لله ﴾ [ سورة الفاتحة] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ نفى الله عنه الفقر، وكثر خير بيته حتى يفيض على جيرانه» .

وأخرج الطبراني أيضاً من طريق أبي بكر البردعي: حدثنا أبو زرعة وأبو حاتم قالا: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، رازي ثقة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إذا نقر في الناقور اشتد غضب الرحمن فتنزل الملائكة فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حتى يسكن غضبه.

وأخرج إبراهيم بن محمد الخيارجي في فوائده عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله» .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ في ليلة أو يوم ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرات كان مقدار القرآن» .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إحدى عشرة مرة بنى الله له قصراً في الجنة فقال عمر: والله يا رسول الله إذن نستكثر من القصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالله أمن وأفضل» أو قال: «أمن وأوسع» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم: ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فانا أحب أن أقرأها.

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه فقال: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» .

وأخرج ابن الضريس عن الربيع بن خيثم قال: سورة من كتاب الله يراها الناس قصيرة وأراها عظيمة طويلة يحب الله محبها ليس لها خلط، فأيكم قرأها فلا يجمعن إليها شيئاً استقلالاً بها فإنها تجزئه.

وأخرج ابن الضريس عن أنس قال: «قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي أخاً قد حبب إليه قراءة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال: بشر أخاك بالجنة» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجة وابن الضريس عن بريدة قال: «دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ويدي في يده، فإذا رجل يصلي يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» .

وأخرج ابن الضريس عن الحسن قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة كان له من الأجر عبادة خمسمائة سنة.

وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب في تاريخه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات أوجب الله له رضوانه ومغفرته» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي غالب مولى خالد بن عبدالله قال: قال عمر ذات ليلة قبيل الصبح يا أبا غالب ألا تقوم فتصلي، ولو تقرأ بثلث القرآن، فقلت: قد دنا الصبح فكيف أقرأ بثلث القرآن فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن سورة الإِخلاص ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن» .

وأخرج العقيلي عن رجاء الغنوي قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرار فكأنما قرأ القرآن أجمع» .

وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة الغداة ثم لم يتكلم حتى قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرات لم يدركه ذلك اليوم ذنب وأجير من الشيطان» .

وأخرج الديلمي بسند واه عن البراء بن عازب مرفوعاً: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائة بعد صلاة الغداة قبل أن يكلم أحداً رفع له ذلك اليوم عمل خمسين صديقاً» .

وأخرج ابن عساكر عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوجه فاطمة دعا بماء فمجه ثم أدخله معه فرشه في جيبه وبين كتفيه وعوذه ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والمعوّذتين.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: من صلى ركعتين فقرأ فيهما ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاثين مرة بنى الله له ألف قصر من ذهب في الجنة، ومن قرأها في غير صلاة بنى الله له مائة قصر في الجنة، ومن قرأها في صلاة كان أفضل من ذلك، ومن قرأها إذا دخل إلى أهله أصاب أهله وجيرانه منها خير.

وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو «أن أبا أيوب كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة؟

قالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟

قال: فإن ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع أبا أيوب فقال: صدق أبو أيوب» .

وأخرج ابن الضريس والبزار ومحمد بن نصر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة ثلث القرآن؟

قالوا: ومن يطيق ذلك؟

قال: بلى ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل بثلث القرآن» .

وأخرج أحمد والطبراني وابن السني بسند ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصر في الجنة فقال له عمر: إذاً نستكثر يا رسول الله.

قال: الله أكثر وأطيب» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك فلما كان ببعض المنازل صلى بنا صلاة الفجر فقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وفي الثانية ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فلما سلم قال: ما قرأ رجل في صلاة بسورتين أبلغ منهما ولا أفضل» .

وأخرج محمد بن نصر والطبراني بسند جيد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل بثلث القرآن» .

وأخرج أبو عبيد وأحمد والبخاري في التاريخ والترمذي وحسنه والنسائي وابن الضريس والبيهقي في الشعب عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟

فلما رأى أنه قد شق عليهم قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ في ليلة فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن» .

وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال: أوجب لهذا الجنة» .

وأخرج أبو عبيد وأحمد ومسلم وابن الضريس والنسائي عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟

قالوا: نحن أضعف من ذاك.

وأعجز، قال: فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فقال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن» .

وأخرج مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن الضريس والبيهقي في سننه «عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلاً يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» .

وأخرج أحمد والبخاري وابن الضريس عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة، فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك؟

فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن» .

وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: «بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: والذي نفسي بيده إنها لتعدل نصف القرآن أو ثلثه» .

وأخرج البيهقي في سننه من طريق أبي سعيد الخدري قال: «أخبرني قتادة بن النعمان أن رجلاً قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ السورة كلها، يرددها لا يزيد عليها، فلما أصبحنا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها لتعدل ثلث القرآن» .

وأخرج أحمد وأبو عبيد والنسائي وابن ماجة وابن الضريس عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن» .

وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في الشعب بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ بعد صلاة الصبح اثني عشرة مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى» .

وأخرج أحمد وابن الضريس والنسائي والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: «أن رسول الله سئل عن ﴿ قل هو الله أحد ﴾ قال: ثلث القرآن أو تعدله» .

وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن المنكدر قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ويرتل فقال له: سل تعط» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن علي قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرار بعد الفجر وفي لفظ، في دبر الغداة لم يلحق به ذلك اليوم ذنب، وإن جهد الشيطان.

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن ابن عباس قال: من صلى ركعتين بعد العشاء فقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وخمس عشرة مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ بنى الله له قصرين في الجنة يتراآهما أهل الجنة.

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى ركعتين بعد عشاء الآخرة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وعشرين مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ بنى الله له قصرين في الجنة يتراآهما أهل الجنة» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن ابن عباس قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة في أربع ركعات في كل ركعة خمسين مرة غفر الله له ذنوب مائة سنة خمسين مستقبلة وخمسين متأخرة.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ [ سورة الفلق] و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [ سورة الناس] ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده.

يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والطبراني عن عبد الله بن حبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والمعوّذتين حين تصبح وحين تمسي ثلاثاً يكفيك من كل شيء» .

وأخرج أحمد عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان العظيم؟

قلت بلى جعلني الله فداءك، قال: فأقرأني ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعود برب الناس ﴾ ثم قال: يا عقبة لا تنساهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن» .

وأخرج النسائي وابن مردويه والبزار بسند صحيح «عن عبد الله بن أنيس الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره ثم قال له: قل، فلم أدر ما أقول، ثم قال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثم قال لي: قل ﴿ أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ﴾ حتى فرغت منها، ثم قال لي: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ حتى فرغت منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا فتعوّذ فما تعوّذ المتعوّذون بمثلهن قط» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة يصلي فوضع يده على الأرض لدغته عقرب فتناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعله فقتلها، فلما انصرف قال: لعن الله العقرب ما تدع مصلياً ولا غيره أو نبياً أو غيره ثم دعا بملح وماء فجعله في إناء، ثم جعل يصبه على إصبعه حيث لدغته ويمسحها ويعوذها بالمعوذتين، وفي لفظ فجعل يمسح عليها ويقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق علي عن ابن عباس قال: الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس كفو، وليس كمثله شيء.

وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ في العظمة وابن جرير عن كعب قال: إن الله تعالى ذكره أسس السموات السبع والأرضين السبع على هذه السورة ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ وإن الله لم يكافئه أحد من خلقه.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ قال أبي بن كعب: إن المشركين قالوا لرسول الله -  -: انسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة (١) وقال ابن عباس (في رواية عطاء (٢) (٣) (٤) (٥) (٦)  - فقالوا: صف لنا ربك؛ أمن زبرجد، أم من ياقوت، أم من ذهب، أم من فضة؟!

فأنزل الله هذه السورة".

وقال في رواية أبي (ظبيان (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١)  -فقال عامر: إلى من تدعونا يا محمد؟

قال: إلى الله.

فقال: صفه لنا، أم من ذهب هو، أم من فضة، أم من زبرجد، أم من خشب؟

فنزلت هذه السورة.

وقال قتادة (١٢) (١٣) (١٤)  -: انسب لنا ربك، فقد أنزل الله نعته في التوراة، فأخبرنا عنه يا محمد وصفه لنا؟

فأنزل الله ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ إلى آخر السورة.

فقال أبو إسحاق: "هو" كناية عن ذكر الله.

المعنى: الذي سألتم تبيين نسبته (١٥) ﴿ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ قال: ويجوز أن يكون "هو" للأمر، كما تقول: هو زيد قائم، أي الأمر زيد قائم (١٦) (١٧) قال أبو علي الفارسي: من ذهب إلى أن "هو" كناية عن اسم "الله"، كان قوله "الله" مرتفعًا بأنه خبر مبتدأ، ويجوز في قولك: "أحدُ" ما يجوز في قولك زيدٌ أخوك قائم.

ومن ذهب إلى أنه كناية عن القصة، والحديث؛ كان اسم الله عنده مرفوعًا بالابتداء "واحد" خبره، ومثل هذا قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ (١٨) ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ  ﴾ ، فإذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة لقوله: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا  ﴾ (١٩) وقال أبو إسحاق: "أحد" مرفوع على معنى هو أحد، المعنى هو الله، وهو أحد (٢٠) وقال الكسائي: "هو" في قوله "هو الله" عماد (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وأنكر الفراء ذلك، وقال العماد: لا يكون مستأنفًا به (٢٥) (٢٦) وأما "أحد"، فقد تقدم الكلام في أصله وبيانه في سورة البقرة (٢٧) قال أبو علي الفارسي: وهو اسم على ضربين أحدهما: أن يكون اسمًا نحو: أحد وعشرون، يريد به الواحد.

والآخر أن يكون صفة، كبطلٍ، وحسن، وذلك نحو قول النابغة: بذي الجليلِ على مُسْتَأنس وَحَدِ (٢٨) (٢٩) ومعناه: أن "أحدًا" إن جعلته اسمًا لله تعالى فمعناه أنه شيء لا ينقسم في نفسه (٣٠) (٣١) فهو أحد في صفته؛ إذ لم يوصف غيره بما وصف به من الصفات العلية.

وقال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله -تعالى- لا يقال: رجلٌ أحدٌ، و (لا) (٣٢) (٣٣) وقول المفسرين في تفسير "أحد" يدل على أنه وصف لا اسم، فإن ابن عباس قال: يريد الواحد الذي ليس كمثله شيء (٣٤) ومقاتل قال: "أحد" لا شريك له (٣٥) واختلف القراء في قوله: "أحد الله الصمد"، فقراء العامة (٣٦) وتحريكه بالكسرة في نحو: "أحَدُنِ الله" وهو القياس الذي لا إشكال فيه، وذلك أن التنوين من أحد ساكن، ولام المعرفة من "الله" ساكن، فلما التقى ساكنان، حرِّك الأول منهما بالكسر كما تقول: اذهبِ اذهبْ.

فتحرك الساكن الأول بالكسر.

وروي عن أبي عمرو: "أحُد الله" بغير تنوين (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ لم يك  ﴾ ، ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ  ﴾ ، فحذف في "أحد الله" لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف.

وقد جاء ذلك في الشعر كثيرًا، أنشد أبو زيد (فقال) (٤٠) حَيْدَةُ خالي، ولَقيطٌ، وعَليْ ...

وحَاتِمُ الطَّائيُّ وَهَّابُ المئيْ (٤١) (٤٢) وأنشد أيضًا (٤٣) (٤٤) لَتَجدَنِّي بِالأميرِ بَرَّا بالقَنَاةِ مِدْعَسُا ...

مِكَرُّا إذا غُطَيْفُ السُّلَميُّ فَرَّا (٤٥) وقد ذكرنا هذا مستقصى (٤٦) ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ  ﴾ .

وروي عن أبي عمرو أيضًا: "أحد الله الصمد"، وقال: أدركت القراء كذلك يقرؤونها "أَحَدْ" وصلًا على السكون.

قال أبو علي: قد تجرىِ الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف، على هذا قال من قال: ﴿ فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا  ﴾ ، ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ  ﴾ .

وأنشد (٤٧) أصبَحْتُ لا أحمِل (٤٨) (٤٩) والذئب أخشاه إن مررتُ به (٥٠) قال: وهذا مبني على وصل البيت الأول بالثاني، ألا ترى أنه نصب الذئب كما قال -سبحانه-: ﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ  ﴾ بعد قوله: ﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ  ﴾ ، وكذلك الفواصل إذا أدرجت ووصلت بما بعدها.

ومما يؤكد ذلك قطعهم لهمزة الوصل في أنصاف البيوت كقوله (٥١) ولا يُبادِرُ في الشِّتاءِ وَليدُنا ...

ألقِدْرُ يُنْزِلُهَا بغير جِعالِ (٥٢) فهذا لأن النصف الثاني من الأول كالبيت الثاني من الأول، فكذلك "أحد الله" لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف، أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه، وكثرته على ألسنتهم) (٥٣) (١) وردت هذه الرواية من طريق أبي سعد الصاغاني -وهو محمد بن مُيَسَّر- وهو طريق ضعيف لضعف أبو سعد ذكر ذلك: أيمن صالح محقق: "أسباب النزول" ص 409 وكذلك ضعفه الألباني في تحقيقه لكتاب "السنة" 1/ 297 ح 663 باب نسب الرب تبارك وتعالى.

قال ابن حجر: محمد بن مُيَسّر هو: الجعفي أبو الصاغاني البلخي، ضعيف، ورمي بالإرجاء "تقريب التهذيب" 2/ 212 ت 756، كما وصفه البخاري بالاضطراب؛ قال: وفيه اضطراب.

"التاريخ الكبير" 1/ 45 ت 778.

كما وردت هذه الرواية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب في "المسند" 5/ 134، و"سنن الترمذي" 5/ 451 == ح 3364 كتاب تفسير القرآن، باب 93، وفي "المستدرك" 2/ 54: كتاب التفسير: باب تفسير سورة الإخلاص وصححه، ووافقه الذهبي، و"الأسماء والصفات" 1/ 69: جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله.

قال الترمذي: وقد روي بنحو هذه الرواية عن أبي العالية، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصح من حديث أبي سعد.

"سنن الترمذي" المرجع السابق.

وقال ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 739: بعد أن ذكر رواية أبي العالية عن أبي بن كعب: وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن أبي العالية مرسلاً، وقال: هذا أصح، وصحح الموصول ابن خزيمة، والحاكم، وله شاهد من حديث جابر عند أبي يعلى، والطبري، والطبراني في الأوسط، وأخرجه أيضًا ابن الجوزي كما في "جامع الأصول" 2/ 441 ح 893.

وسند رواية أبي بن كعب إن كانت من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عنه، فهو إسناد جيد.

انظر الحكم على سند الرواية: مقالة د.

حكمت بشير، منشورة في "مجلة الجامعة الإسلامية ص: 40 للسنة 26 العددان: 101، 102 عام 1414 - 1415، وقد وردت رواية أبي العالية عن أبي بن كعب في: "جامع البيان" 30/ 342، و"الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"ابن كثير" 4/ 604، و"الدر المنثور" 8/ 669، وعزاه إلى أحمد، والبخاري في تاريخه، والترمذي، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم، والبغوي في معجمه، وابن المنذر، والحاكم وصححه، و"فتح القدير" 5/ 513، و"مجموع الفتاوى" 17/ 221.

كما وردت الرواية من غير ذكر الطريق في: "بحر العلوم" 3/ 525، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377 و"النكت والعيون" 6/ 369، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 246، و"لباب التأويل" 4/ 426.

(٢) "التفسير الكبير" 32/ 175.

(٣) "الكشف والبيان" 13/ 188 ب.

(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٥) في (أ): (أنى).

(٦) في (أ): (بحوران).

(٧) "الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544.

(٨) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٩) "الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 329 من غير ذكر طريق أبي صالح، وكذا في: "لباب التأويل" 4/ 426.

(١٠) عامر بن الطفيل: قال ابن الأثير لم يختلف أهل النقل من المتقدمين أن عامر بن الطفيل مات كافرًا.

انظر: "أسد الغابة" 3/ 127.

(١١) في (أ): (أربد).

(١٢) "تفسير مقاتل" 257 أ.

(١٣) ساقط من (أ).

(١٤) "جامع البيان" 30/ 343، و"النكت والعيون" 6/ 369، و"الكشف والبيان" ج 13/ 188 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"الدر المنثور" 8/ 671 وعزاه إلى ابن المنذر.

(١٥) في (أ): (تشبيه).

(١٦) (زبد قائم) بياض في (ع).

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377 بنصه.

(١٨) ما بين القوسين ساقط من النسختين، وأثبته لأنه موطن الشاهد في الآية، وهو مذكور أيضًا في "الحجة"، وهو مصدر القول.

(١٩) "الحجة" 6/ 458 بيسير من التصرف.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377.

(٢١) يعني به: ضمير فصل.

سبق بيانه.

(٢٢) ساقط من النسختين وهو موضع الشاهد كما هو موضح في "معاني القرآن" 3/ 299.

(٢٣) سورة النحل: 9.

(٢٤) ورد قول الكسائي عند الفراء في "معاني القرآن" 3/ 299.

(٢٥) لا يكون مستانفًا به إلا إذا كان قبله إن أو بعض أخواتها أو كان أو الظن.

"معاني القرآن" الفراء 3/ 299.

(٢٦) "معاني القرآن" المرجع السابق.

(٢٧) سورة البقرة: 163 قال تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ ، ومما جاء في بيان أصله: قال: معنى الوحدة في اللغة هي الانفراد، يقال: وحد الشيء، وهو يحد حده، فهو واحد، وجمعه وحدان بالضم، والوَحْدان بالفتح بمعنى الواحِد؛ مثل قولهم: فَرْدان بمعنى الفرد، وحقيقة الواحد شيء لا يتبعض.

ويقال أيضًا: وَحَد يوحُد وَحَادةً ووحَدً فهو وحيد.

ويستعمل الواحد على الوجهين: أحدهما: على جهة الحكم والحقيقة، والثاني: على الوصف والمجاز ..

فاما الواحد في صفة الله تعالى، فقال الأزهري له معنيان: أحدهما أنه واحد لا نظير له وليس كمثله شيء، والمعنى الثاني أنه إله واحد، ورب واحد ليس له في إلهيته وربوبيته شريك، لأن المشركين أشركوا معه آلهة فكذبهم الله تعالي فقال: "وإلهكم إله واحد".

(٢٨) وصدره: كأن رحلي وقد زال النهار بنا وقد ورد في: "ديوانه" ص 31، ط.

المؤسسة العربية برواية: (يوم) بدلاً من (بذي)، و"تهذيب اللغة" 5/ 19 (وحد)، و"لسان العرب" 3/ 450 (وحد)، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 44، و"الحجة" 6/ 458، و"تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج: تح الدقاق ص 58، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 271، معناه: زال النهار: انتصف.

الجليل: وادٍ قرب مكة، المستأنس: الذي ينظر بعينه؛ لأنه أحس إنسيًا.

وحد: منفرد.

"ديوانه" 31.

(٢٩) "الحجة" 6/ 458 - 459 باختصار.

(٣٠) قوله: "إنه لا ينقسم في نفسه" هذا لفظ مجمل يحتمل حقًّا، وهو: نفي أنه تعالى يتفرق أو يتجزأ، أو أنه ركب من أجزاء، ويحتمل معنى باطلاً، وهو: نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه، أو نفي صفة الوجه واليدين ونحوها مما يليق بجلاله وعظمته.

وقد اشتهر لدى المتكلمين، ومنهم الأشاعرة، ذكر هذا على المعنى الثاني، ولا شك أنه إطلاق باطل، لأن إثبات العلو والاستواء لا يستلزم الانقسام الذي نفاه هؤلاء، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ما في قول المتكلمين: "واحد لا قسيم له" من حق وباطل فقال: قولهم هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له أو لا بعض له، لفظ مجمل، فإن الله سبحانه وتعالي أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع أن يتفرف أو يتجزأ، أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه وامتياز عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.

"التدمرية: لابن تيمية" تح: محمد السعوي ص 184 - 185.

(٣١) لفظ المجسمة لفظ مجمل اختلف المتكلمون في تحديده وتحريفه، واضطربوا فمثلًا يرى من ينفي الأسماء والصفات كالجهمية: أن من يثبت الأسماء لله كالمعتزلة مجسمة، ويرى المعتزلة نفات الصفات - أن الأشاعرة الذين يثبتون لله سبع صفات مجسمة، ويرى الأشاعرة أن أهل السنة إذا اثبتوا لله الوجه، واليدين والنزول والاستواء ونحوها مجسمة.

وهذا.

وقد يطلق هذا على من يشبه لله بخلقه وبجسمه == ويصفه بصفات البشر -كما فعلت المشبهة ونحوهم-، وهو في هذه الحالة الأخيرة إطلاق صحيح.

(انظر: "شرح القصيدة النونية" لابن القيم: شرح د.

محمد الهراس 1/ 82، و"موقف ابن تيمية من الأشاعرة" د.

عبد الرحمن المحمود 3/ 1099، و"التدمرية" تح السعوي: 184 - 185)، والإمام الواحدي رحمه الله بما عرف من أشعريته قد يكون قصد بمذهب المجسمة.

من يثبت لله الوجه واليدين والعلو والاستواء، ويقولون هذه خصائص الأجسام، وكثيرًا ما يذكرون هذا في تفسير الأول، والواحد.

ولا شك أن هذا الإطلاق خطأ؛ بل إثبات هذه الصفات هو الحق الذي عليه الأئمة، وهو الصواب.

والله أعلم.

انظر: "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" 3/ 948، و"شرح القصيدة النونية" 1/ 82.

(٣٢) ساقط من (أ).

(٣٣) "تهذيب اللغة" 5/ 97 - 198 بتصرف.

(٣٤) "الوسيط" 4/ 571، وبمعناه في "زاد المسير" 8/ 330 وعبارته: الأحد هو الواحد.

(٣٥) "الوسيط" 4/ 571.

(٣٦) وهم: ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وقرأ أبو عمر: "أحَدْ * الله" بغير تنوين ثم يقف.

انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 701، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 807، و"الحجة" 6/ 454.

(٣٧) القراءة عن هارون عن أبي عمرو بضم الدال في "أحد" بغير تنوين قراءة شاذة رويت أيضًا عن نصر بن عاصم، وعمر بن الخطاب انظر "مختصر الشواذ" ص 182وإن كان المقصود قراءته بالوقف من غير تنوين فهي قراءة صحيحة - كما مر بنا.

(٣٨) في (أ): (يزد).

(٣٩) في كلا النسختين: (بغزوا).

(٤٠) ساقط من (أ).

(٤١) في (أ): (المأوى)، وفي (ع): (الماى).

(٤٢) البيت لامرأة من بني عقيل تفخر بأخوالها من اليمن، وقد ورد البيت في كتاب "النوادر في اللغة" لأبي زيد ص 321: باب رجز.

"لسان العرب" 15/ 27 (مأى)، ونسبه للعامرية، و"الأمالي الشجرية" 1/ 383، و"المنصف" 2/ 68.

(٤٣) الرجز لقائل مجهول - انظر حاشية "الحجة" 6/ 457.

(٤٤) ساقط من (أ).

(٤٥) ورد البيت في: "النوادر" ص 321 باب رجز، و"الحجة" 4/ 185، و"لسان العرب" 7/ 36 (دعص)، أنشد الأول منه والثاني برواية: (بالقناة) مِدْعَصا - دعصه بالرمح طعنه به، ورجل مدعَصُ بالرمح طعان، و"لسان العرب" 6/ 84 (دعس)، و"الأمالي الشجرية" 1/ 382 - 383، و"الإنصاف" 2/ 665، و"معاني القرآن" 1/ 431، و"شرح أبيات معاني القرآن" ص 140: ش 302 - 303 - 304، و"جامع البيان" 30/ 344 - حاشية 1 - موضع الشاهد: غطيف أراد غطيف بالتنوين إلا أنه حذف لالتقاء الساكنين كما حذفت نون التوكيد لالتقاء الساكنين.

(٤٦) في (ع): (مستقصى).

(٤٧) البيت للربيع بن ضب الفزاري.

(٤٨) في (ع): (ولا أملك)؛ بدلاً من (ولا أحمل).

(٤٩) في (ع): (ولا أحمل)؛ بدلاً من (ولا أملك).

(٥٠) وعجزه: وَجْدي وأخش الرياح والمطرا وقد ورد في: "كتاب سيبويه" 1/ 89 - 90، و"شرح أبيات سيبويه" 71: ش 163، و"المحتسب" 2/ 99، و"النوادر" 446.

(٥١) البيت للبيد، وليس في ديوانه نقلاً عن - حاشية 1، و"الحجة" 6/ 461.

(٥٢) ورد البيت في: "كتاب سيبوية" 4/ 105، و"شرح أبيات سيبوية" 186 ش 709، و"لسان العرب" 11/ 112 (جعل) برواية: "ولا تبادر في الشتاء وليدتي"، ونسبه إلى ابن بري، ومعنى جعال.

ما تنزل به القدر من خرقة وغيرها.

اللسان.

(٥٣) ما بين القوسين نقله عن "الحجة" 6/ 454 - 462 بتصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

واختلف في معنى قوله صلى الله عليه سلم: « ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ تعدل ثلث القرآن» فقيل: إن ذلك في الثواب، أي لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، وقيل: إن ذلك فيما تضمنته من المعاني والعلوم؛ وذلك أن علوم القرِآن ثلاثة: توحيد وأحكام وقصص، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد فهي ثلث القرآن بهذا الاعتبار، وهذا أظهر وعليه حمل ابن عطية الحديث.

ويؤيده أن بعض روايات الحديث: «إن الله جزأ القرآن ثلاثةأجزاء، فجعل قل هو الله أحد جزءاً من أجزاء القرآن» وأخرج النسائي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرؤها فقال: أما هذا فقد غفر له» وفي رواية أنه قال: «وجبت له الجنة» ، وأخرج مسلم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في الصلاة ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟

فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه» وفي رواية خرّجها الترمذي «أنه صلى الله عليه وسلم قال للرجل: حبك إياها أدخلك الجنة» وحرّج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ مائة مرة كل يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين.

﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ الضمير هنا عند البصريين ضمير الأمر والشأن والذي يراد به التعظيم والتفخيم، وإعرابه مبتدأ وخبره الجملة التي بعده وهي المفسرة له، والله مبتدأ وأحد خبره.

وقيل: الله هو الخبر وأحد بدل منه وقيل: الله بدل وأحد هو الخبر.

وأحد له معنيان أحدهما أن يكون من أسماء النفي التي لا تقع إلا في غير الواجب كقولك: ما جاءني أحد وليس هذا موضع هذا المعنى وإنما موضعه قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ والآخر أن يكون بمعنى واحد وأصله واحد بواو ثم أبدل من الواو همزة وهذا هو المراد هنا.

واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى.

الأول: أنه واحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد.

والثاني: أنه واحد لا نظير ولا شريك له كما تقول: فلان واحد عصره أي لا نظير له.

والثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض، والأظهر أن المراد في السورة نفي الشريك لقصد الرد على المشركين ومنه قوله تعالى: ﴿ وإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ [البقرة: 163] قال الزمخشري: أحد وصفُ بالوحدانية ونفي الشركاء.

قلت: وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته وذلك في القرآن كثيراً جداً أوضحها أربعة براهين: الأول قوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ [النحل: 17] لأنه أذا ثبت أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات لم يمكن أن يكون واحد منها شريكاً له، والثاني قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22] والثالث قوله: ﴿ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 42] والرابع قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ [المؤمنون: 91] وقد فسرنا هذه الآيات في مواضعها وتكلمنا على حقيقة التوحيد في قوله: ﴿ وإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ [البقرة: 163].

﴿ الله الصمد ﴾ في معنى الصمد ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصمد الذي يُصمَد إليه في الأمور أي يلجأ إليه.

والآخر: أنه لا يأكل ولا يشرب فهو كقوله: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ [الأنعام: 14] والثالث: أنه الذي لا جوف له، والأول هو المراد هنا على الأظهر، ورجحه ابن عطية بأن الله موجد الموجودات وبه قوامها، فهي مفتقرة إليه إي تصمد إليه إذ لا تقوم بأنفسها.

ورجّحه شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير لورود معناه في القرآن حيثما ورد نفي الولد عن الله تعالى كقوله في مريم «وقالوا اتخذ الله ولداً» ثم أعقبه بقوله: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً ﴾ [مريم: 93] وقوله: ﴿ بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ [الأنعام: 101] وقوله: ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 116] وكذلك هنا ذكره مع قوله لم يلد فيكون برهاناً على نفي الولد، قال الزمخشري: صمد فَعَل بمعنى مفعول لأنه مصمود إليه في الحوائج.

﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ .

هذا ردّ على كل من جعل لله ولداً فمنهم النصارى في قولهم: ﴿ عيسى ابن الله ﴾ واليهود في قولهم: ﴿ عزيز ابن الله ﴾ والعرب في قولهم: الملائكة بنات الله وقد أقام الله البراهين في القرآن على نفي الولد، وأوضحها أربعة أقوال: الأول: أن الولد لابد أن يكون من جنس والده.

والله تعالى ليس له جنس فلا يمكن أن يكون له ولد وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ [المائدة: 75] فوصفهما بصفة الحدوث لينفي عنهما صفة القدم فتبطل مقالة الكفار.

والثاني: أن الوالد إنما يتخذ ولداً للحاجة إليه، والله لا يفتقر إلى شيء فلا يتخذ ولداً وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغني ﴾ [يونس: 68] الثالث: أن جميع الخلق عباد الله والعبودية تنافي النبوة وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً ﴾ [مريم: 93] الرابع أنه لا يكون له ولد إلا لمن له زوجة، والله تعالى لم يتخذ زوجة فلا يكون له ولد وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة ﴾ [الأنعام: 101].

﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ هذا رد عل الذين قالوا: أنسب لنا ربك، وذلك أن كل مولود محدث، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده، القديم الذي كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولوداً تعالى عن ذلك.

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ الكفؤ هو النظير والمماثل قال الزمخشري: يجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، فيكون نفياً للصاحبة.

وهذا بعيد والأول هو الصحيح ومعناه أن الله ليس له نظير ولا شبيه ولا مثيل، ويجوز في كفوءاً ضم الفاء وإسكانها مع ضم الكاف.

وقد قرئ بالوجهين ويجوز أيضاً كسر الكاف وإسكان الفاء، ويجوز كسر الكاف وفتح الفاء والمدّ ويجوز فيه الهمزة والتسهيل وانتصب كفواً على أنه خبر كان، وأحد اسمها، قال ابن عطية: ويجوز أن يكون كفواً حالها لكونه كان صفة للنكرة فقدم عليها، فإن قيل: لم قدَّم المجرور وهو له على أسم كان وخبرها، وشأن الظرف إذا وقع غير خبر أن يؤخر؟

فالجواب: من وجهين: أحدهما: أنه قدم للاعتناء به والتعظيم، لأنه ضمير الله تعالى وشأن العرب تقديم ما هو أهم وأولى.

والآخر: أن هذا المجرور به يتم معنى الخبر وتكمل فائدته، فنه ليس المقصود نفي الكفؤ مطلقاً إنما المقصود نفي الكفؤ عن الله تعالى، فلذلك اعتنى بهذا المجرور الذي يحرز هذا المعنى، فقدم.

فإن قيل: إن قوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ يقتضي نفي الولد والكفؤ فلم نص على ذلك بعده؟

فالجواب: أن هذا من التجريد، وهو تخصيص الشيء بالذكر بعد دخوله في عموم ما تقدم، كقوله تعالى: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] ويفعل ذلك لوجهين يصح كل واحد منهما هنا؛ أحدهما: الإعتناء، ولا شك أن نفي الولد والكفؤ عن الله ينبغي الاعتناء به للرد على من قال خلاف ذلك من الكفار.

والآخر: الإيضاح والبيان، فإن دخول الشيء في ضمن العموم ليس كالنص عليه فنص على هذا بياناً، وإيضاحاً للمعنى ومبالغة في الرد على الكفار، وتأكيداً لإقامة الحجة عليهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: كانوا أبو عمرو يستحب الوقف على قوله ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وإذا وصل كان له وجهان من القراءة: أحدهما التنوين وكسره، والثاني حذف التنوين كقراءة عزير بن الله لاجتماع الساكنين، وكل صواب ﴿ وكفؤاً ﴾ بالسكون والهمزة: حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل ورويس عن يعقوب.

وكان حمزة يقف ساكنة الفاء ملينة الهمزة ويجعلها شبه الواو إتباعاً للمصحف.

وقرأ حفص غير الخراز مثقلاً غير مهموز.

الباقون: مثقلاً مهموزاً.

الوقوف: ﴿ أحد ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعدها جملة أخرى أو خبران آخران ﴿ الصمد ﴾ ه ج لمثل ذلك ﴿ ولم يولد ﴾ لا ﴿ أحد ﴾ ه.

التفسير: قد وردت الأخبار الكثيرة بفضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن فاستنبط العلماء لذلك وجهاً مناسباً وهو أن القرآن مع عزارة فوائده اشتمل على ثلاثة معانٍ فقط: معرفة ذات الله  وتقدّس، ومعرفة صفاته وأسمائه، ومعرفة أفعاله وسننه مع عباده.

ولما تضمنت سورة الإخلاص أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس، وازنها رسول الله  بثلث القرآن.

"وعن أنس أن رجلاً كان يقرأ في جميع صلاته قل هو الله أحد فسأله الرسول  عن ذلك فقال: يا رسول الله إني أحبها فقال: حبك إياها يدخلك الجنة" .

أما سبب نزولها فعن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي  انسب لنا ربك فأنزل الله  هذه السورة.

وعن عطاء عن ابن عباس قال: قدم وفد نجران فقالوا: صف لنا ربك أزبرجد أم ياقوت أم ذهب أم فضة.

فقال: إن ربي ليس من شيء لأنه خلق الأشياء فنزلت ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقالوا: هو واحد وأنت واحد فقال ﴿ ليس كمثله شيء  ﴾ قالوا: زدنا من الصفة.

قال ﴿ الله الصمد ﴾ فقالوا: وما الصمد؟

قال: الذي يصمد الخلق إليه في الحوائج فقالوا: زدنا فقال ﴿ لم يَلد ﴾ كما ولدت مريم ﴿ ولم يولد ﴾ كما ولد عيسى ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ يريد نظيراً من خلقه.

ولشرف هذه السورة سميت بأسماء كثيرة أشهرها الإخلاص لأنها تخلص العبد من الشرك أو من النار.

وقد يقال لها سورة التفريد أو التجريد أو التوحيد أو النجاة أو الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله أو المعرفة لما روى جابر أن رجلاً صلى فقرأ السورة فقال النبي  : هذا عبد عرف ربه.

أو الجمال لقوله  " إن الله جميل يحب الجمال" ومن كمالات الجميل كونه عديم النظير.

أو الأساس لقوله  " "أسست السموات السبع والأرضون اسبع على ﴿ قل هو الله أحد ﴾ " " وهذا قول معقول لأن القول بالتثليث يوجب خراب السموات والأرض كما قال ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا أن ادعو للرحمن ولداً  ﴾ فوجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة العالم.

وقد تسمى سورة النسبة لما مر أنها نزلت عند قول المشركين " انسب لنا ربك " فكأنه قيل: نسبه الله هذا.

والمانعة لرواية ابن عباس أنه  قال لنبيه حين عرج به: أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز العرش، وهي المانعة تمنع فتان القبر ونفحات النيران، والمحضرة لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت، والمنفرة أي للشيطان، والراءة أي من الشرك، وسورة النور لقوله  " إن لكل شيء نوراً ونور القرآن قل هو الله أحد" قلت: وذلك لأن الله  نور الله نور السموات والأرض، وكما أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة كذلك نور القرآن في أقصر السور سوى " الكوثر ".

ثم إن العلماء أجمعوا على أن الوحدانية مما يمكن معرفتها بطريق السمع والعقل جميعاً وليست كمعرفة ذات الصانع حيث لا يمكن معرفته إلا بطريق العقل فقال أهل العرفان في بيانه: إن العقل يريد عالماً كاملاً أميناً تودع عنده الحسنات، والشهوة تريد غنياً تطلب منه المستلذات بل العقل كالإنسان الذي له همة عليه لا تنقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي يطلب غنياً يتكدى منه بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له على النعم السابقة، والهوى يطلبها ليستفيد منه النعم اللاحقة.

فلما عرفاه كما أرادا تعلقاً بذيل عنايته فقال العقل: لا أشكر أحداً سواك.

وقالت الشهوة: لا أسأل أحداً إلا إياك.

فجاءت الشبهة وقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلاً؟

ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا باباً آخر؟

فبقي العقل متحيزاً وتبغصت عليه راحة المعرفة حين أراد أن يسافر في عالم الاستدلال لتحصيل ربح التوحيد ويغوص في بحر الفكر ليعود بجوهرة النحر، فأدركته عناية المولى فقال: كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري؟

فبعث إلأيه رسولاً صادقاً وقال: لا تقله من عند نفسك فيوقعك الوهم في الشك ولكن اقبله من الصادق الأمين ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والضمير للشأن أي الشأن والحديث الله أحد.

هذا قول جمهور النجاة وقريب منه قول الزجاج: إن المراد هذا الذي سألتم عنه الله أحد.

وقيل: هو كناية عن الله فيكون كقولك " زيد أخوك قائم " قال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله  لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد.

وقال غيره: الفرق بين الواحد والأحد من ثلاثة أوجه أحدها: أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه.

وثانيها أنك إذا قلت " فلان لا يقاومه واحد " جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان.

وثالثها أن الواحد يستعمل في الإثبات كقولك " رأيت رجلاً واحداً " والأحد يستعمل في النفي نحو " ما رأيت أحداً " فيفيد العموم.

قلت: ولعلّ وجه تخصيص الله بالأحد هو هذا المعنى وذلك أنه أبسط الأشياء وكأنك قلت: إنه لا جزء له أصلاً بوجه من الوجوه ومن هنا قال بعضهم: إن الأحد يدل على جميع المعاني السلبية ككونه ليس بجوهر ولا عرض ولا متحيز وغير ذلك كما أن اسم الله يدل على مجامع الصفات الإضافية لأن الله اسم للمعبود بالحق واستحقاق العبادة لا يتجه إلا إذا كان مبدأ لجميع ما سواه عالماً قادراً إلى غير ذلك.

وأما لفظة ﴿ هو ﴾ فإنها تدل على نفس الذات فتبين أن قوله ﴿ قل هو الله أحد ﴾ يدل على الذات والصفات جميعاً.

وههنا لطيفة وهي أن قوله ﴿ هو ﴾ إشارة إلى مرتبة السابقين الذين لا يرون معه شيئاً آخر فيكفي الكناية بالنسبة إليهم، وأما اسم ﴿ الله ﴾ فإشارة إلى مرتبة أصحاب اليمين وهم الذين عرفوه بالبرهان مستدلين على الوجوب بالإمكان فهم ينظرون إلى الحق وإلى الخلق جميعاً فيحتاجون في التمييز إلى اسمه العلم.

وأما " الأحد " فرمز إلى أدون المراتب الإنسانية وهم أصحاب الشمال الذي يثبتون مع الله إلهاً آخر فوجب التنبيه على إبطال معتقدهم بأن الله أحد لا شريك له أو لا جزء بوجه من الوجوه، وبعبارة أخرى هو للأخص والله للخواص وأحد للعموم.

وأما " الصمد " فقيل: إنّه فعل بمعنى " مفعول " من صمده إذا قصده أي هو السيد المقصود إليه في الحوائج كما مرّ في الحديث الوارد في سبب النزول.

وقيل: هو الذي لا جوف له ومنه قولهم لسداد القارورة " صماد " وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة.

قال ابن قتيبة: يجوز على هذا التفسير أن تكون الدال بدل التاء في " مصمت ".

وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة: الصمد هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء.

ولا يخفى أن هذين المعنيين من صفات الأجسام حقيقة إلا أن مقدّمة الآية وهي ﴿ الله أحد ﴾ تمنع من حملهما على حقيقتهما لأن كل جسم مركب فوجب الحمل على المجاز وهو أنه لوجوب ذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وسائر صفاته، ومن هنا اختلفت عبارات المفسرين فعن بعضهم: الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه مبدأ مرجوعاً إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك.

وعن ابن مسعود والضحاك: هو السيد الذي انتهى سودده.

وقال الأصم: هو الخلق للأشياء لأن السيد الحقيقي هو هو.

وقال السدي: هو المقصود في الرغائب المستغاث عند المصائب.

وقال الحسن بن الفضل: هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

وقال قتادة: لا يأكل ولا يشرب وهو يطعم ولا يطعم.

وعن جعفر الصادق  أنه يغلب ولا يغلب.

وسائر عباراتهم كلها متقاربة تدور حول ما ذكرنا.

سؤال: لما جاء الخبر ههنا معرفاً وفي قوله ﴿ الله أحد ﴾ منكراً؟

الجواب لأنه كان معلوماً عندهم أنه غني على الإطلاق ومرجوع إليه في الحوائج ﴿ فإذا مس الإنسان ضرُّ دعا ربه  ﴾ أما التوحيد فلم يكن ثابتاً في أوهامهم بل ركز في أوهام العامة أن كل موجود فإنه محسوس وكل محسوس فهو منقسم فلا جرم جاء لفظ ﴿ أحد ﴾ منكراً ولفظ ﴿ الصمد ﴾ معرفاً.

آخر: لم مكرر ثانياً اسم الله ولم يقتصر على ضميره؟

الجواب لما قيل: هو المسك ما كررته يتضوّع *** ولأنه قد سبق ضمير الشأن ولأنه يلزم الاشتراك، ولما مر أن الإشارة بلفظة " هو " مرتبة الصديقين والخطاب بقوله ﴿ الله الصمد ﴾ لعموم الخلائق والسابقون منهم قليل فاعتبار الأغلب أولى.

آخر: كون الشخص مولوداً أقدم من كونه والداً فلم قدم قوله ﴿ لم يلد ﴾ على قوله ﴿ ولم يولد ﴾ أجيب بأن النزاع إنما وقع في كونه والداً حين قالت النصارى المسيح ابن الله، واليهود عزير ابن الله، ومشركو العرب الملائكة بنات الله، بل المتفلسفة الذين قالوا إنه يتولد عن واجب الوجود عقل، وعن العقل الأول عقل آخر ونفس إلى آخر العقول العشرة والنفوس وهو العقل الفعال المدبر بزعمهم لما دون فلك القمر، فكان نفي كونه والداً أهم.

ثم أشار إلى طريق الاستدلال بقوله ﴿ ولم يولد ﴾ كأنه قال: الدليل على امتناع الوالد اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره.

وأنا أقول: كون الشخص مولوداً اعتبار لمعلوليته، وكونه والداً اعتبار لعليته، ولا ريب أن اعتبار العلية مقدم على اعتبار المعلولية كما أن العلة بالذات متقدمة على المعلول، فالسؤال مدفوع.

قالوا: وإنما اقتصر على لفظ الماضي لأن النزاع كان واقعاً في المسيح وعزير ونحوهما فوقع قوله ﴿ لم يلد ﴾ جواباً عما ادعوه عليه.

وأما قوله ﴿ ولم يولد ﴾ فلم يكن مفتقراً إلى هذا التوجيه لأن كل موجود إذا لم يكن مولوداً في مبدإ تكوّنه فلن يكون مولوداً بعد ذلك.

وأقول: لعل المراد بقوله ﴿ لم يلد ﴾ نفي أن يكون هو ممن شأنه الولادة وهذا المعنى يشمل كل زمان، وبهذا التفسير لا يصح على العاقر أنه لا يلد ويصح أنه يلد.

واعلم أنه  بين كونه في ذاته وحقيقته منزهاً عن جميع أنحاء التراكيب بقوله ﴿ هو الله أحد ﴾ ثم بين كونه ممتنع التغير عما هو عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال بقوله ﴿ الله الصمد ﴾ ثم أراد أن يشير إلى نفي من يماثله وهو إما لا حق وأبطله بقوله ﴿ لم يلد ﴾ وإما سابق وأحاله بقوله ﴿ ولم يولد ﴾ وإما مقارن في الوجود وزيفه بقوله ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ ويجوز أن يكون الأوّلان إشارة إلى نفي من يماثله بطريق التولد أو التوالد، والثالث تعميماً بعد التخصيص.

ويحتمل أن يراد بالأخير نفي المصاحبة لأن المصاهرة تستدعي الكفاءة شرعاً وعقلاً فيكون رداً على من حكى الله عنهم في قوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً  ﴾ قاله مجاهد.

سؤال: قد نص سيبويه في كتابه على أن الخبر قد يقدم على الاسم في باب " كان " ولكن تعلق الخبر حينئذ لا يتقدم على الخبر كيلا يلزم العدول عن الأصل بمرتبتين فكيف قدم الصرف على الاسم والخبر جميعاً؟

أجاب النحويون عنه بأن هذا الظرف وقع بياناً للمحذوف كأنه قال: ولم يكن أحد فقيل: لمن؟

فأجيب بقوله " له " نظيره قوله ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين  ﴾ وقوله ﴿ فلما بلغ معه السعي  ﴾ .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ : ذكر أن أهل مكة سألوا رسول الله  عن نسب الله  .

وقيل: عن صفته.

وقيل عن الله  : ما هو؟.

فنزل هذه السورة معلمة بجميع من يُسأل عنه [و]جوابه؛ ولذلك أثبت ﴿ قُلْ ﴾ ؛ ليكون مخاطبة كل مسئول عن ذلك أن قل، لا على تخصيص الرسول  بهذا الأمر؛ إذ ليس في حق الائتمار بالأمر إعادة حرف الأمر في الائتمار؛ فتبين بذلك أنه ليس على تخصيص الرسول  بالتعليم، بل هو أحق من سبق له الغناء عن تعليم الإجابة لهذا عند حضرة هذا السؤال، كما سبقت منه الدعوة إلى الله -  - بحقيقة ما يقضتي ما جرى به السؤال، وكما أثبت كذلك؛ ليقرأه أبدا، وحق المخصوص بالأمر أن يأتمر، ولا يجعل ذلك متلو كذلك في الوقت الذي يحتمل المأمور الأمر به، والوقت الذي لا يحتمل؛ فثبت أن ذلك على ما بينا، ودل قوله: ﴿ قُلْ ﴾ : أنه على أمر سبق عنه السؤال؛ فيكون في ذلك إجابة لما سبق عنه السؤال، وكذلك جميع ما في القرآن ﴿ قُلْ ﴾ ففيه أحد أمرين: إما إجابة عن أمر سبق عنه السؤال؛ فينزل بحق تعريف كل مسئول عن مثله.

أو يكون الله -  - إذ علم أنه -  - أو من يتبعه يسأل عما يقتضي ذلك الجواب؛ فأنزل ما به يبقى في أهل التوحيد؛ منا منه وفضلا.

ثم لم يجب تحقيق الحرف الذي وقع عنه السؤال إلا لمن شهد وسمع، وقد يتوجه ذلك[الحرف الذي وقع عنه] إلى ما ذكروا من الأسباب وغيرها، وفيما نزل يصلح جواب ذلك كله ويليق به، وإن كنا لا نشهد على حقيقة ما كان أنه ذا، دون ذا ونجيب بذلك لو سئلنا عما ذكرنا، وعن كل حرف يصح في العقل والحكمة الجواب بمثل ما اقتضته هذه السورة.

[و] قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ﴾ : اختلف في تأويله: من الناس من قال: هو إضافة إلى الذي عنه كان - أو يكون - السؤال المقتضي ما جرى به البيان من الجواب، أي: الذي يسألون عنه: ﴿ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴾ إلى آخر السورة.

ومنهم من قال: هو اسم الله الأكبر، يروى ذلك عن بعض أولاد [على بن أبي طالب -  م -] أنه كان يقلو في دعائه: "يا هو، يا من لا هو إلا هو، يا من به كانت هوية كل هو"، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أنه هو لذاته هوية كل من سواه؛ لما هو يكون محتملا للتلاشي والوجود، إلا هو  لم يزل ولا يزال هو ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ على ما اقتضى بيان وحدانيته في هذه السورة؛ وعلى ذلك قيل: هو الأحد بذاته، المنشئ أحدية كل الآحاد، المتعالى عن كل معاني أحدية من سواه.

والثاني: أن يكون إضافة إلى اسمه الذي لا يحتمله اللسا، وهو الذي لم يطلع عليه الخلائق، وهو الذي يراد في الدعاء: "باسمك الذي من سألك به أعطيته، ومن دعائك به أجبته" فيكون السؤال به بما يكنى عنه من الوجه الذي ذكرت، لا أن يسعه اللسان أو يحتمل الطرق والتفوه به  .

والتأويل الأول هو أقرب إلى الأفهام، وأحق أن يكون على ذكر من يقتضي عنه السؤال، ثم التفسير على ما جرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ﴾ : اختلف في المعنى الذي جرى هذا في حق أهل هذا اللسان أنه مما اشتق من أمر عرفوه أو لا عن أمر عرفوه؟

إذ فقي كل لسان لما أريد به عند الذكر لسان العرب اسم يدعى به ويسمى، وإن اختلف وزن كل من ذلك على اختلاف الألسن؛ ليعلم أن الأحرف والتقطيع في التكلم إنما هو ليفهم المقصود، لا على توهم حقيقة الاسم بتلك الحروف والتقطيع، وذلك كما يعبر عن تكوينه الخلائق بـ"كن"، لا على تحقيق كاف أو نون في التكوين؛ فعلى ذلك جميع ما يمسى الله -  - لا على تحقيق الحروف التي تجري بها التسمية ممن لا يحتمل طوقه إلا بها؛ لكن عى ما يقرب إلى الأفهام المراد في التفوه به.

وقال قوم: ﴿ ٱللَّهُ ﴾ هو المعبود في لسان العرب لا على الاستحقاق، لكن على وضع ذلك كذلك؛ دليله تسميتهم كل من عبدوه وكل شيء عبدوه: إلها، وإن كان جميع ما سوى إله حق ممن عبد لا يحتمل شيئا من تلك المعاني التي زعم من ادعى الاشتقاق عنها من الاحتجاب، أو الالتجاء إليه، ونحو ذلك؛ فثبت أنه اسم موضوع للمعبود.

وعلى ذلك قوله -  -: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ ، أي: معبوده ما يهواه، لا أن للهوى شيئا من ذلك؛ [فيكون المعبود الحق هو الله -  - لما له في كل شيء أثر عبودة ذلك] الشيء ودلالة الربوبية له عليه  فهو المعبود بذاته، بمعنى المستحق بذاته العبادة من جميع خلقه والاستسلام له والخضوع بما ذكرت من الموضوع في كل آية ذلك، ولا قوة إلا بالله، وهذا تحقيق ما ذهبنا إليه أنه خالق بذاته؛ رحمان رحيم بذاته، موصوف به في الأزل، وإن كان الذي وصل إليه أثر رحمته وفيه ظهور دلالة تدبيره حدث بعد أن لم يكن على ما كانت العبادة والاستحقاق كان ممن حدث وفيمن كان بعد أن لم يكن، وهو إله لم يزل ولا يزال.

وعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ  ﴾ و ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، وإن كان من الأشياء ما سيكون، لا أنها كانت كائنة، وكذلك يوم الدين؛ فعلى ذلك أمر "خالق"، ونحو ذلك؛ ومن هذا الوجه أنكر قوم أن يكون الإله اسم معبود في الحقيقة، أو اسما مشتقا على لسان؛ إذ هو لم يزل إلها، ومن به العبادة أو عنه الاشتقاق حادث.

والأصل عندنا: ما ذكرنا: أنه بجميع ما وصف به وصف بذاته؛ إذ لا يحتمل التغير والاستحالة، ولا نيل مدح بغير ممدح، وإنما يمدح به لذاته: لأنه استحق من كلِّ ذلك لوقت كون ذلك، وعلى ذلك القول بـ"العالم" و"القادر": أنه كذلك، وإن كان الذي علمه ممن سواه وكل مقدور عليه حادث بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله.

وقال الضحاك: الله اسمه الأكبر؛ لأنه يبتدأ به في كل موضع.

ثم اختلف في معنى الاشتقاق: فمنهم من يقول: أصله: إله، من أله الرجل إلى آخر، أي: التجأ إليه واستجاره؛ فآلهه، بمعنى: أجاره وآمنه؛ فسمي: إلها على وزن الفعال؛ كما يسمى: إماما؛ لما يؤتم [به]، وفخم بإدخال الألف واللام، ثم لين وحذف الهمزة كما هو لغة قريش، ثم أدغم أحد اللامين في الآخر، فشدد؛ فصار الله.

وعلى ذلك تأويل الصمد: أن يصمد إليه من الحوائج، ويستغاث به ويلتجأ إليه.

وقيل: إن اشتقاقه من وله يله ولها؛ إذا فزع إليه، فسمي به؛ لأن المفزع إليه، وهو قريب من الأول.

ولكن حق ذلك في الاسم أن يكون ولاه، فأبدل الواو ألفا، كما يقال في وكاف: إكاف، وكذلك أهل الحجاز يجعلون الواو ألفا، قال الشاعر: فأقبلت ألهي ثكلى على عجل *** وقيل: سمي به؛ لأنه أله كل شيء، أي: ذلله وعبده؛ فتأله له، أي: عبده، قال: قائلهم: وأله إلهك واحدا متفردا *** ساد الملوك بعزه وتمجدا وقال آخرون: سمي به؛ لاستتاره، ومنه يقال: لهت؛ فلا ترى، وقال الشاعر: لاه ربي عن الخلائق طرا *** خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل: سمي به،؛ لتحير القلوب عن التفكر في عظمته؛ كقوله: ألاهني الشيء حتى ألهت، ومنه مفازة ملهة، يعني: العقل يحار عند النظر إلى عظمته، ومنه أله يأله؛ [فهو إله].

وقال الشاعر: وبهما تيه تأله العين وسطها *** مخففة الأعلام بيد ضرب ما تتملق قال -  -: والأصل عندنا: الإغضاء عن هذا؛ لما أن الحاجة إلى تعرف الاشتقاق والوضع؛ لتعرف محل الأمر، وموقع الحكم، ومن جميع ما اشتقوا به الاسم يحتمل تسمية الغير بكل ذلك، وتحقيق الإضافة إلى ذلك وتسميته: إلها، أو إضافة ما به عرف الحقيقة - لا يحتمل غيره  وتعالى ، ولا يجوز التسمية به؛ فثبت الغناء في معرفته عن جميع الوجوه التي أريد الاستخراج [منها]ُ؛ إذ هي طرق توصلهم إلى العلم بالمقصود الوقوف على المراد، وقد عرف دون الذي ذكروا، والله أعلم.

والأصل عندنا في ذلك: أن الله -  وتعالى - بلطفه يمنع الخلق عن تسمية أحد: إلها، إلا من جهة أحوال تعترض؛ فسموا به على معنى جعل الاسم الذي جرت التسمية به حقيقة له؛ فسموا؛ ظنا منهم أن بذلك التوسل التقرب، لا أن يروا لشيء من ذلك حقيقة ذلك، بل قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ؛ ليعلم أنهم عرفوا الله -  - بما دعوا لأنفسهم في ذلك معاني تردهم إلى الله  وتعالى ، فذكروا مجازا من أحد لسانين، والله أعلم.

أما لسان الرسل في ذكر الله ففي أمور تقربهم إلى الله  ، لقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، وصف مبايعة العبد ونصره أو نصر دينه نصراً لله ومبايعته، بما يقرب ذلك إليه؛ فعلى ذلك تسميتهم ما عبدوها، لا أنهم رأوها آلهة في الحقيقة.

أو عن ألسن الفلاسفة أن ليس لله اسم ذاتي؛ وإما سمي هو بذكر كل ذي شرف ومنزلة عنده؛ فعلى ذلك إذ محل من يعبدون عندهم ما ذكرنا من القول عنهم؛ فسموا به، لا أن حققوا كما ذكروا حقيقة ذلك الاسم إلى من عرفوه أنه إله، ردوا أمرهم في ذلك، وذلك من لطف الله -  - فيما سخرهم عليه؛ كتسمية الخالق والرحمن: أنهم لا يسمون أحدا بهما، وإن كثرت أفعاله، وعظمت رحمته في الخلق؛ ليعلم أنها أسماء الله -  - منع الخلق عن التسمي بها باللطف من حيث لا يعرف سببه.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ أي: الأمر هو الله أحد؛ كما تقول: إنه زيد قائم، أي: الأمر زيد قائم، جواب من يسألك: ما الأمر والشأن في أن قمت هاهنا؟

فتقول: الأمر زيد قائم، أي: قمت لأجله، إلى هذا يذهب الزجاج؛ كأنه يذهب إلى أنه لما قال: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، فقيل له: ما الأمر والشأن؟

فقال: الأمر الله أحد؛ أي: ليعرفوا أنه كذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَحَدٌ ﴾ يتوجه إلى واحد، ثم "واحد" اسم ينفي المثل في الإضافة، كما يقال: هو واحد الزمان، وواحد الخلق؛ على نفي التشبيه له عما أضيف إليه، ويكون واحدا من حيث العدد بما عن مثله يبتدأ الحساب، ولا يبتدأ من أحد؛ فيصير أحدا من ذا الوجه، وإن كان الله -  - بأي حرف ذكر، ففيه ذلك، وهو الواحد الذي يستحيل أن تكون وحدانيته من وجه يحتمل ثانيا، أو من وجه تعديل، هو الواحد الإله الحق المتعالي عن معنى الأعداد والأنداد، وهو على ما ذكر الحكيم في الآحاد أنها أربع: واحد هو كلٌّ لا يحتمل التضعيف؛ لأحالة كون وراء الكل.

وواحد هو الأقل، وهو الذي لا يحتمل التضعيف والتجزؤ؛ لأنه أقل الأشياء، [فإذا تنصف يكون] ذلك النصف أقل منه.

وواحد هو وسط، وهو الذي يحتمل التنصيف والتضعيف جميعا.

والرابع: هو الذي قام به الآحاد هو، ولا هو أخفى من هو، هو الذي انخرس عنه اللسان، وانقطع دونه البيان، وانحسرت عنه الأوهام، وحارت فيه الأفهام، فذلك الله رب العالمين.

والأصل في ذلك: أنه لا سبيل إلى العبارة عنه بغير هذا اللسان، ولا وجه للتقريب إلى الأفهام بهذا اللسان إلا بما جرى به الاعتياد، وظهرت به المعارف؛ فلما ذكرنا من الضرورة جعل التوحيد في الحقيقة بالأدلة والبراهين في ضمن التسمية في عبارة اللسان، وحقه مما أخبرت من ضرورات الأحوال في إرادة التقريب إلى الأفهام إلى عبارات اللسان المؤسس على الاعتياد في إظهار المعارف؛ فعلى ذلك القول بـ"واحد"، وبـ"أحد"، لا على أحدية غيره من جهة التوسط، أو من جهة القلة، أو من جهة الكثرة، مع ما كل من هو في معنى واحد، فهو واحد الآحاد المجتمعة، إلا الواحد الذي يقال جزء لا يتجزأ، وهو من غير في الجملة متجزئ عن توهم ذلك الجزء غير متجزئ في الوهم، أو هو الأقل منه، وهو جزء في الحقيقة، والله يتعالى عن الوصف بالكل والبعض، والقليل الكثير، والواحد مما له حق الأبعاض، أو الكل، أو رتبة القليل والكثير، جل ثناؤه؛ بل هو الذي [خلق] جميع ما وصفت، وجعل لكل من ذلك مقابلا بما ذكر؛ ليصير كل من ذلك زوجا؛ فتكمون الوحدانية الحق له، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴾ .

فذكر أنه أحد، وذكر أنه الصمد في تحقيق ما وصف من الأحدية، وهو - والله أعلم - أن أحوج جميع من سواه؛ حتى تحقق قصد جميع من سواه بالحاجات إليه بالكون في الخلقة وفي الصلاح بعد الكون، وفي الذي به الدوام بعد الوجود، والوجود بعد العدم ما احتمل الوجود دونه، ولا البقاء إلا به، أحاطت الحاجات بكلٍّ؛ ليكون له الغناء عن الكل في الوجود والبقاء؛ ليتحقق أنه الموجود بذاته والباقي بذاته، والمتعالي عن معنى وجود غيره  ، وهو على ما ذكرنا من عجز الألسن عن البيان عنه بالعبارة إلا على التقريب إلى الأفهام بالمجعول من آثار هويته في جميع الأنام.

ثم قيل في ﴿ ٱلصَّمَدُ ﴾ بوجوه يرجع جميع ذلك إلى ما بينا.

أحدها: السيد الذي قد انتهى سؤدده، ومعنى ذلك في المفهوم ومن السؤدد في صرف الحوائج إليه، ورجاء كل المحاوج به.

والثاني: في أن لا جوف له، وذلك في وصف الوحدانية والتعالي عن معنى أحدية غيره من اجتماع أجزاء ممكن فيها الفرج والثقب التي هي كلأجواف.

أو على ما فسر قوم بالذي هو في ظاهر العبارة مخرج الكتاب، وهو الذي ذكر على أثره، وهو قوله -  -: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ ؛ لأن كل ذي الكون ذو جوف عنه يتولد الأولاد، ويكون في ذلك إحالة قول من نسب إليه الولد؛ فيقول: كيف يكون له ولد، وقد تعلمون أنه ليس بذي جوف؟

كما قال: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ ﴾ } [الأنعام: 101] في قوم نزهوه عن الصاحبة، وهم لم يشهدوا الولادة إلا بها، كما لم يشهدوا الولادة إلا عن ذي جوف؛ فيكون في هذا نقض قول هذا الفريق فيه بالولادة بما نزهوه عن الجوف، كما في الأول بما برءوه عن الصاحبة.

وقيل: بما لذي الأجواف من الحاجات؛ فيرجع إلى التأويل الأول: أنه المصمود إليه بالحوائج.

وظن قوم: أنه إذا نفى عنه الجوف ثبت أنه مصمت، وذلك معنى اجتماع أجوزاء تتداخل فتتكاثر كذي الجوف هو اجتماع أجزاء تتفق، فإذا تحقق التنزيه عن أحد الوجهين تحقق التنزيه عن الوجه [الآخر]؛ ففي الوجهين نفي الوحدانية، وتحقيق ازدواج الأجساد مع ما قد ينفى عن أشياء أمور لا تحقق لها المقابلة؛ كما ينفى عن الأعراض: السمع والبصر والعلم، لا على إثبات مقابلتها بما علموا أن الأعراض لا تحتمل الإعراضات؛ فعلى ذلك العلم بوحدانية الله -  - والتنزيه عن احتمال الأزواج يحقق القول الذي ذكرت.

وقد قيل في الصمد: إنه الدائم، وذلك - أيضا - يرجع إلى ما ذكرت: أنه لا يحتمل التغير والاستحالة وإصابة أثر الحاجة، وهو المصمود إليه بالحوائج.

وقد قائل في التأويل الأول: لقد بكر الناعي بخيري بني أسد *** بعمرو بن سمعود وبالسيد الصمد ويقال: صمدت إلى فلان، أي: قصدت إليه، وهذا يوضح معنى الصمد: أنه يصمد إليه في الحوائج.

وقيل في ذلك: إن الصمد تأويله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ .

قال الشيخ أبو منصور -  -: الأصل: أنه -  - عظم القول بالولاد ما عظم بجعل الشركاء؛ وذلك أن معنى الولاد: أن يكون بجوهر من له ولد؛ فيكون بذلك شريكا، وذلك ينفي التوحيد؛ فعلى ذلك القول بالولاد؛ لذلك عظم القول به، وألزم على من عرفه بالأدلة القول ببراءته عن الولاد؛ كما ثبت الاشتراك من الوجه الذي بينا، وقد شهد العالم بكليته بحق الخلقة على أنه -  - منشئه عن الشركاء والأشباه يحتمل الأزدواج، ومنه يكون التوالد، والله  متعالٍ عن ذلك.

وبعد: فإن [كلام العالم] على الإشارة إلى آحاد متولد من غير، أو يتولد منه غير، وهما أمران راجعان إلى ما عليه حق هذا العالم، وعليه موضوعهم؛ قد ثبت تعاليه عن جميع معاني غيره؛ إذ كل غير له بجميع معانيه حدث بعد أن لم يكن أتى عليه تدبير غيره، وجرى عليه تقدير سلطان غيره، والله -  - لو كان يتوهم شيء من ذلك فيه تسقط له الألوهية، وتحقق له الحاجة إلى غيره، ويوجب جري سلطان غيره عليه، وذلك يوجب غيرا خارجا عن هذه المعاني؛ حتى تسلم الأدلة له على حد الموضوع، وتصفو له الشهادة على ما قامت وانقطعت بالخلقة، وبما فيه من الحكمة، ولا قوة إلا بالله.

وعلى ذلك ختم السورة: أن ليس له أحد كفُؤاً؛ لأنه من ذلك توجب المماثلة، وفي المماثلة اشتراك، وقد ثبت فساد العالم بتوهم الاشتراك في تدبيره، وقد لزم التعالي عن المعاني التي للأرواح بها يقوم التدبير، ويجري سلطان التقدير.

وجائز أن يكون مخرج السورة في تحقيق نعت من قد عرفوه بإحدى خصال ثلاث: إما بالتقلين لكل عن كل، إلى أن ينتهي ذلك إلى علام الغيوب، فسخرهم بذلك وأنشأهم على ذلك؛ حتى أيقن من جحد ذلكأنه بعد تلقين متوارث ظاهر لا يحتمل مثله الخطأ في حق توارث الأمور بما يبطل المعارف كلها بأسرها - أنشئوا وبها تعالموا، وذكل كأول علوم الخلق وكالشيء المطبوع الذي لا يستطاع جحده إلا بما لعل الطباع المخلوقة على جهة الرياضة وأنواع الحيل.

وإما بالتأمل فيها من كل جزء من أجزاء العالم من الأدلة عليه والشهادة له؛ فبين الآية للذين عرفوه بأحد الوجوه التي ذكرنا [أن] نعته كذا؛ ليقطع به توهم المثل له، أو العدل في أمر؛ وليعرفوا أن القول بغير خارج عن الوجوه التي ذكرنا، وأنه يرجع إلى ضرب من التلقين، ليس له حق الطباع ولا حق التلقين الذي له صفة الكافية والكلية في التلقين، ولا في حق شهادة الكل بالخلقة يدرك بالتأمل والتفكر؛ فيمتنع عن ذلك، ويرجع إلى حقيقة ما جرى به النعت دون غيره مما [ألفوا فيه] يرجع إلى تلقين من ذكر، وتلبيس بلا حجة؛ لذلك لا يضاعي شيئا مما ذكرت، مع ما في كل ذلك جميع ما في غير ذلك من شهادة الخلقة، والحاجة فيها إلى غيره من الإيجاد والإبقاء، وهو الأحد بما لا دليل لغيره؛ بل في ذلك إحالة الألوهية من كل الوجوه الثلاثة، وهو الصمد بمعنى المصمود إليه في الحوائج، المالك لقضائها، وهو الذي لم يلد ولم يولد، وهو المتعالي عن احتمال ولاد فيه ومنه؛ لما ذكرت من فساد الألوهية الثابتة له بما ذكر من الوجوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ ؛ لما في كل أحد سواه جميع الوجوه التي ممنها يعرف سلطان غيره عليه، وأنه ذليل لمن ذل له كل شيء على السواء، ولا قوة إلا بالله، ومنه الاستهداء، ولما ذكرت سميت هذه السورة: سورة الإخلاص؛ لأنها في إخلاص التوحيد لله، ونفي الأشباه والشركاء في الألوهية والربوبية، وأن كل شيء سواه مربوب ومملوك له، ولا قوة إلا بالله.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- هو الله المنفرد بالألوهية، لا إله غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.yrElK"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

"سورة الإخلاص" وهي سورة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ تشتمل على أهم الأركان التي قامت عليها رسالة النبي  وهي ثلاثة: الأول: توحيد الله وتنزيهه.

والثاني: تقرير الحدود العامة للأعمال ببيان الصالحات وما يقابلها وذلك هو الشريعة.

والثالث: أحوال النفس بعد الموت من البعث وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب.

وأول هذه الأركان هو التوحيد والتنزيه لإخراج العرب وغيرهم من الشرك والتشبيه، وهو ركن الأركان، وأول مأمور به من أصول الإيمان ..

فيصح أن يكون الأمر بتبليغ ما في هذه السورة صادرًا من الحق جل شأنه تحقيقًا لأمر رسالته  ، ولإرشاد الناس إلى ما يجب أن يعتقدوه في جانب الله.

ولا حاجة إلى أن يسأل بعض العرب النبي  : ما هو نسب الله؟

حتى تنزل السورة جوابًا لهذا السؤال.

وإنما حاجة القوم -بل العالم الإنساني- كانت ماسة إلى بعثة النبي  لدعوة المشركين في العرب وأهل الكتاب في سورة واحدة وتعريفهم بالله في أوجز عبارة وأجزلها.

ولما بينا لا يستغرب ما ورد في الخبر من أنها تعدل ثلث القرآن، لأن من عرف معناها حق المعرفة، وأدرك ما أشارت إليه صاحب البصيرة المستنيرة -لم يكن بقية ما جاء في التوحيد والتنزيه عنده إلا تفصيلًا لما علم، وشرحًا لما حصل.

(قل هو): أي الخبر الحق المؤيد بالبرهان الذي لا يرتاب فيه.

وهو ما يعبر عنه النحويون بالقصة أو الحديث (الله أحد).

الأحد: هو الواحد الذي لا كثرة في ذاته فهو ليس بمركب من جواهر مختلفة، فليس بمادي، ولا هو من أُصول متعددة غير مادية، كما يزعم بعض أرباب الأديان -من أنه أصلان فاعلان أو أنه أصول تعتبر واحدًا وهي متعددة- سواء عقل ذلك أم لم يعقل ..

فإن الله بريء منه، لأن العقلاء أجمعت على أن موجد العالم -وهو الله- واجب الوجود.

ووجوب الوجود يستلزم ببداهة العقل وحدة الذات، لأن التعدد في الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى الأجزاء، فلا يكون المجموع -المسمى بالله أو موجد العالم- واجب الوجود.

وكذلك الأفراد نفسها لا يكون كل واحد واجب الوجوب لأنه يختلف عن الآخر بمميزه، وذلك المميز غير ما يشتركان فيه من الوجود، فيكون كل منها مركبًا، والمركب غير واجب كما ذكرنا.

فلم يبق إلا أن يكون واجب الوجود واحدًا - فالله أحد.

ثم إن جميع ما يصل إليه عقلنا وحواسنا من هذا العالم يدخل في نظام واحد يرتبط بعضه ببعض تمام الارتباط، وهو يدل على أن موجده واحد، وتعدد الأصول فيه من مخترعات الأوهام، فيجب أن يخلص العقل منها.

ونكر الخبر أن المقصود أن يخبر عن الله بأنه واحد لا بأنه لا واحد سواه.

فإن الوحدة تكون لكل واحد، تقول: لا أحد في الدار بمعنى لا واحد من الناس فيها.

والذي كان يزعمه المخاطبون هو التعدد في ذاته، فأراد نفي ذلك بأنه أحد.

وهو تقرير لخلاف ما يعتقد به أهل الأصلين من المجوس، وما يعتقده القائلون بالثلاثة منهم ومن غيرهم.

﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ  ﴾ .

الصمد: هو السيد الذي يصمد إليه ويقصد في الحوائج ..

قال الشاعر: لقد بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وهذه القضية (الله الصمد) من الكلمات الجامعة التي تملأ النفس مما قصد بها دون جهد ولا تعب ..

لأن تعريف الصمد -مع العلم بأن لفظ الجلالة معرفة- صير الجملة معرفة الطرفين.

وهي تفيد الحصر، كما تقول: زيد العالم -إذا كان مخاطبك يعتقد أن غيره يشاركه في العلم- فتدفع ظنه بذلك، تريد أنه لا عالم سواه.

فهذه الآية تقول لك: إن حاجة ما في الوجود لا تتوجه إلى غيره، وإن محتاجًا لا يجوز له أن يتوجه في طلب حاجته إلى سواه.

فقد أفادتنا أن جميع المسببات تنتهي إليه، وجميع ما يسري فيها من الوجود فهو من إيجاده، وأن صاحب الاختيار، كالإنسان، إذا أراد أن يحصل مسببًا من سبب فعليه أن يبحث عن طريقة ارتباطه به -على حسب ما أمره الله بالبحث والنظر والتدبر في مخلوقاته- ليعلم كيف يسري الوجود الموهوب من واجب الوجود من الأسباب إلى المسببات، ثم يذهب بها يسندها إلى مبدئها، وهو الأمر الإلهي.

هذا فيما يظهر فيه السبب والمسبب، ويظهر فيه أثر الكسب وعمل الإرادة والقوى الممنوحة البشرية.

أما ما هو وراء ذلك مما لا دخل للإرادة فيه، فعلى صاحب الحاجة أن لا يتوجه في المعونة عليها -بعد الأخذ بالأسباب- إلا إلى الله وحده، فهو المستأثر بالعمل فيما وراء ما جعل لك فيه عملًا.

وقوله: الصمد يشعر بأنه الذي ينتهي إليه الطلب مباشرة بدون واسطة ولا شفيع، وهو في ذلك يدعو إلى ما يخالف عقيدة مشركي العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء.

وكثير من أهل الأديان الأخر يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند الله ينالون بها التوسط لغيرهم في نيل مبتغياتهم فيلجأون إليهم أحياء أو أمواتًا، ويقومون بين أيديهم أو عند قبورهم خاشعين خاضعين، كما يخشعون لله بل أشد خشية.

ثم هو الصمد في تحديد الحدود العامة للأعمال، ووضع أصول الشرائع.

فلا بد أن يرد إلى ما أنزل جميع ما يقع الاختلاف فيه، وليس من المباح أن يرجع إلى قول غيره متى نطق صريح كتابه بخلافه.

وعلى الناس كافة أن يرجعوا إلى الكتاب، فإذا لم يكونوا عارفين به رجعوا إلى العارف وطالبوه بالدليل منه.

وعليهم أن يهتموا بأن يعرفوا منه أصول ما يعتقدون وما يعلمون، فإن لم يفعلوا اختلفت الآراء، وحجبت المذاهب كتاب الله، فدرس معناه، وذهبت الحكمة من إنزاله عبثًا لتعلق الناس بقول غير المعصوم، وعما هم عن هدى المعصوم، فكانوا بمنزلة من لم تأتهم رسالة، وإنما يعملون بما يقول لهم زعماؤهم الذين لا يجدون دليلًا على امتيازهم بالزعامة، فيكونون مستمسكين بما لم ينزل به الله سلطانًا فيسقطون في مهاوي الشقاء الدنيوي والأخروي.

(لم يلد ولم يولد): ينزه الله عن أن يلد أحدًا، ويشير إلى أن فساد رأي القائلين بأن له أبنًا أو بنات -وهم مشركو العرب والهند والنصارى وغيرهم- ويبين لهم أن الإبنية تستلزم الولادة -والتعبير بالانبثاق ونحوه لا يغير المعنى- والولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج، وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو -جل شأنه- منزه عن ذلك.

وقوله: (لم يولد) يصرح ببطلان ما يزعمه بعض أرباب الأديان من أن ابنًا لله يكون إلهًا ويعبد عبادة الإله، ويقصد فيما يقصد فيه الإله ..

بل لا يستحي الغالون منهم، أن يعبروا عن والدته "بأم الله القادرة".

فإن المولود حادث، ولا يكون إلا بمزاج، وهو لا يسلم من عاقبة الفناء.

ودعوى أنه أزالي مع أبيه مما لا يمكن تعقله ولا تغير من حقيقة الأمر شيئًا.

فإذا أراد أحد من هؤلاء أن يدعي التنزيه، فما عليه إلا أن يقلع عن هذه الألفاظ والنسب ويقول كما نقول: ﴿ اللَّهُ أَحَدٌ  اللَّهُ الصَّمَدُ  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  ﴾ الكفوء: معناه المكافئ والمماثل في العمل والقدرة.

وهو نفي لما يعتقده بعض المبطلين من أن لله ندًا في أفعاله يعاكسه في أعماله، على نحو ما يعتقد بعض الوثنيين في الشيطان مثلًا ..

فقد نفى بهذه السورة جميع أنواع الإشراك، وقرر جميع أصول التوحيد والتنزيه.

وأصل تركيب الآية ولم يكن أحد كفؤًا له.

ولكن قدم المجرور لأن الحديث عن الله، وأشد الاهتمام إنما هو بتنزيهه، فقدم ضميره مع الجار في حيز الكون المنفي، ثم قدم المنفي نفسه -وهو الكفوء- لأن العناية موجهة إلى نفيه، وأخر من سلبت عنه المكافأة لأنه لم يؤت به في الكلام إلا لقصد تعميم النفي فقط ..

وإلا فقد كان يكفي أن يقال: وليس له كفوء.

ولكن العبارة على ما في الآية أبين وأجمل ..

والله أعلم.

وقد قال الله في تفصيل ما أجملته هذه السورة: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا  لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا  تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا  أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا  وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا  إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا  وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  ﴾ .

وقال: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ  سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ .

مزيد من التفاسير لسورة الإخلاص

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله