الإسلام > القرآن > سور > سورة 112 الإخلاص > الآية ٢ من سورة الإخلاص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 136 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢ من سورة الإخلاص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
وقوله : ( الله الصمد ) قال عكرمة ، عن ابن عباس : يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو السيد الذي قد كمل في سؤدده ، والشريف الذي قد كمل في شرفه ، والعظيم الذي قد كمل في عظمته ، والحليم الذي قد كمل في حلمه ، والعليم الذي قد كمل في علمه ، والحكيم الذي قد كمل في حكمته ، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد ، وهو الله سبحانه ، هذه صفته لا تنبغي إلا له ، ليس له كفء ، وليس كمثله شيء ، سبحان الله الواحد القهار .
وقال الأعمش ، عن شقيق عن أبي وائل : ( الصمد ) السيد الذي قد انتهى سؤدده ورواه عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود مثله .
وقال مالك عن زيد بن أسلم : ( الصمد ) السيد .
وقال الحسن وقتادة : هو الباقي بعد خلقه .
وقال الحسن أيضا : ( الصمد ) الحي القيوم الذي لا زوال له .
وقال عكرمة : ( الصمد ) الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم .
وقال الربيع بن أنس : هو الذي لم يلد ولم يولد .
كأنه جعل ما بعده تفسيرا له ، وهو قوله : ( لم يلد ولم يولد ) وهو تفسير جيد .
وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير ، عن أبي بن كعب في ذلك ، وهو صريح فيه .
وقال ابن مسعود ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وعبد الله بن بريدة ، وعكرمة أيضا ، وسعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، وعطية العوفي ، والضحاك ، والسدي : ( الصمد ) الذي لا جوف له .
قال سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : ( الصمد ) المصمت الذي لا جوف له .
وقال الشعبي : هو الذي لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب .
وقال عبد الله بن بريدة أيضا : ( الصمد ) نور يتلألأ .
روى ذلك كله وحكاه : ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني ، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده ، وقال : حدثني العباس بن أبي طالب ، حدثنا محمد بن عمرو بن رومي ، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش ، حدثني صالح بن حيان ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال - لا أعلم إلا قد رفعه - قال : ( الصمد ) الذي لا جوف له .
وهذا غريب جدا ، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة .
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له ، بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير " الصمد " : وكل هذه صحيحة ، وهي صفات ربنا عز وجل ، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج ، وهو الذي قد انتهى سؤدده ، وهو الصمد الذي لا جوف له ، ولا يأكل ولا يشرب ، وهو الباقي بعد خلقه .
وقال البيهقي نحو ذلك [ أيضا ] .
وقوله: ( اللَّهُ الصَّمَدُ ) يقول تعالى ذكره: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له الصمد.
واختلف أهل التأويل في معنى الصمد, فقال بعضهم: هو الذي ليس بأجوف, ولا يأكل ولا يشرب.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود, قال: ثنا محمد بن ربيعة, عن سلمة بن سابور, عن عطية, عن ابن عباس, قال: ( الصمد ): الذي ليس بأجوف .
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, قال: ( الصمد ): المُصْمَت الذي لا جوف له .
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثلَه سواء.
حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: ( الصمد ): المصمت الذي ليس له جوف .
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن ووكيع, قالا ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: ( الصَّمَد ): الذي لا جوف له .
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع; وحدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران جميعا, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثلَه.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا الربيع بن مسلم, عن الحسن, قال: ( الصمد ): الذي لا جوف له .
قال: ثنا الربيع بن مسلم, عن إبراهيم بن ميسرة, قال: أرسلني مجاهد إلى سعيد بن جبير أساله عن ( الصمد ), فقال: الذي لا جوف له .
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا يحيى, قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي, قال: ( الصمد ) الذي لا يطعم الطعام .
حدثنا يعقوب, قال: ثنا هشيم, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي أنه قال: ( الصمد ): الذي لا يأكل الطعام, ولا يشرب الشراب .
حدثنا أبو كُرَيب وابن بشار, قالا ثنا وكيع, عن سلمة بن نبيط, عن الضحاك, قال: ( الصمد ): الذي لا جوف له .
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن أبي زائدة, عن إسماعيل, عن عامر, قال: ( الصمد ): الذي لا يأكل الطعام .
حدثنا ابن بشار وزيد بن أخزم, قالا ثنا ابن داود, عن المستقيم بن عبد الملك, عن سعيد بن المسيب قال: ( الصمد ): الذي لا حِشوة له .
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الصمدُ ): الذي لا جوف له .
حدثني العباس بن أبي طالب, قال: ثنا محمد بن عمر بن رومي, عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش, قال: ثني صالح بن حيان, عن عبد الله بن بريدة, عن أبيه, قال: لا أعلمه إلا قد رفعه, قال: ( الصَّمَد ) الذي لا جوف له .
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا بشر بن المفضل, عن الربيع بن مسلم, قال: سمعت الحسن يقول: ( الصَّمَد ): الذي لا جوف له .
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن عكرمة, قال: ( الصمد ): الذي لا جوف له .
وقال آخرون: هو الذي لا يخرج منه شيء.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن أبي رجاء قال: سمعت عكرمة, قال في قوله: ( الصمد ): الذي لم يخرج منه شيء, ولم يلد, ولم يولد .
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي رجاء محمد بن يوسف, عن عكرمة قال: ( الصمد ): الذي لا يخرج منه شيء .
وقال آخرون: هو الذي لم يَلِد ولم يُولَد.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية, قال: ( الصمد ): الذي لم يلد ولم يولد, لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث, ولا شيء يولد إلا سيموت, فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يورث ولا يموت .
حدثنا أحمد بن منيع ومحمود بن خداش قالا ثنا أبو سعيد الصنعاني, قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم أنسب لنا ربك فأنـزل الله: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت, وليس شيء يموت إلا سيورث, وإن الله جلّ ثناؤه لا يموت ولا يورث ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) : ولم يكن لَه شبيه ولا عِدل, وليس كمثله شيء .
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: الصمد: الذي لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفوا أحد .
وقال آخرون: قد انتهى سُؤدده.
* ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب, قال: ثني أبو معاوية, عن الأعمش, عن شقيق, قال: الصمد: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده.
حدثنا أبو كُرَيب وابن بشار وابن عبد الأعلى, قالوا: ثنا وكيع, عن الأعمش, عن أبي وائل, قال: ( الصَّمَد ): السيد الذي قد انتهى سؤدده; ولم يقل أبو كُرَيب وابن عبد الأعلى سؤدده.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن الأعمش, عن أبي وائل مثله.
حدثنا علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, في قوله: ( الصَّمَدُ ) يقول: السيد الذي قد كمُل في سُؤدَده, والشريف الذي قد كمل في شرفه, والعظيم الذي قد عظم في عظمته, والحليم الذي قد كمل في حلمه, والغني الذي قد كمل في غناه, والجبَّار الذي قد كمل في جبروته, والعالم الذي قد كمل في علمه, والحكيم الذي قد كمل في حكمته, وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد, وهو الله سبحانه هذه صفته, لا تنبغي إلا له .
وقال آخرون: بل هو الباقي الذي لا يفنَى.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) قال: كان الحسن وقتادة يقولان: الباقي بعد خلقه, قال: هذه سورة خالصة, ليس فيها ذكر شيء من أمر الدنيا والآخرة .
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: ( الصمد ): الدائم .
قال أبو جعفر: الصمد عند العرب: هو السيد الذي يُصمد إليه, الذي لا أحد فوقه, وكذلك تسمى أشرافها; ومنه قول الشاعر: ألا بَكَـرَ النَّـاعي بِخَـيْرَيْ بَنِـي أسَدْ بِعَمْرِو بْـنِ مَسْعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (3) وقال الزبرقان: وَلا رَهِينَةً إلا سَيِّدٌ صَمَدُ (4) فإذا كان ذلك كذلك, فالذي هو أولى بتأويل الكلمة, المعنى المعروف من كلام من نـزل القرآن بلسانه; ولو كان حديث ابن بُريدة, عن أبيه صحيحا, كان أولى الأقوال بالصحة, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما عنى الله جل ثناؤه, وبما أنـزل عليه.
الله الصمد أي الذي يصمد إليه في الحاجات .
كذا روى الضحاك عن ابن عباس ، [ ص: 219 ] قال : الذي يصمد إليه في الحاجات ؛ كما قال - عز وجل - : ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون .
قال أهل اللغة : الصمد : السيد الذي يصمد إليه في النوازل والحوائج .
قال :ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمدوقال قوم : الصمد : الدائم الباقي ، الذي لم يزل ولا يزال .
وقيل : تفسيره ما بعده لم يلد ولم يولد .
قال أبي بن كعب : الصمد : الذي لا يلد ولا يولد ؛ لأنه ليس شيء إلا سيموت ، وليس شيء يموت إلا يورث .
وقال علي وابن عباس أيضا وأبو وائل شقيق بن سلمة وسفيان : الصمد : هو السيد الذي قد انتهى سؤدده في أنواع الشرف والسؤدد ؛ ومنه قول الشاعر :علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمدوقال أبو هريرة : إنه المستغني عن كل أحد ، والمحتاج إليه كل أحد .
وقال السدي : إنه : المقصود في الرغائب ، والمستعان به في المصائب .
وقال الحسين بن الفضل : إنه : الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .
وقال مقاتل : إنه : الكامل الذي لا عيب فيه ؛ ومنه قول الزبرقان :سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمدوقال الحسن وعكرمة والضحاك وابن جبير : الصمد : المصمت الذي لا جوف له ؛ قال الشاعر :شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمداقلت : قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصمد ، في ( كتاب الأسنى ) وأن الصحيح منها .
ما شهد له الاشتقاق ؛ وهو القول الأول ، ذكره الخطابي .
وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه ، وجعل النار مقامه ومثواه ، وقرأ الله الواحد الصمد في الصلاة ، والناس يستمعون ، فأسقط : قل هو ، وزعم أنه ليس من القرآن .
وغير لفظ أحد ، وادعى أن هذا هو الصواب ، والذي عليه الناس هو الباطل والمحال ، فأبطل معنى الآية ؛ لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صف لنا ربك ، أمن ذهب هو أم من نحاس أم من صفر ؟
فقال الله - عز وجل - ردا عليهم : قل هو الله أحد ففي ( هو ) دلالة على موضع الرد ، ومكان الجواب ؛ فإذا سقط بطل معنى الآية ، وصح الافتراء على الله - عز وجل - ، والتكذيب لرسوله - صلى الله عليه وسلم - .
{ اللَّهُ الصَّمَدُ } أي: المقصود في جميع الحوائج.
فأهل العالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، يسألونه حوائجهم، ويرغبون إليه في مهماتهم، لأنه الكامل في أوصافه، العليم الذي قد كمل في علمه، الحليم الذي قد كمل في حلمه، الرحيم الذي [كمل في رحمته الذي] وسعت رحمته كل شيء، وهكذا سائر أوصافه،
( الله الصمد ) قال ابن عباس ، ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير : " الصمد " الذي لا جوف له .
قال الشعبي : الذي لا يأكل ولا يشرب .
وقيل : تفسيره ما بعده ، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال : " الصمد " الذي لم يلد ولم يولد ; لأن من يولد سيموت ، ومن يرث يورث منه .
قال أبو وائل شقيق بن سلمة : هو السيد الذي قد انتهى سؤدده ، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، قال : هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد .
وعن سعيد بن جبير أيضا : هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله .
وقيل : هو السيد المقصود في [ الحوائج .
وقال السدي ] هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب .
تقول العرب : صمدت فلانا أصمده صمدا - بسكون الميم - إذا قصدته [ والمقصود ] : صمد بفتح الميم .
وقال قتادة : " الصمد " الباقي بعد فناء خلقه .
وقال عكرمة : " الصمد " الذي ليس فوقه أحد ، وهو قول علي .
وقال الربيع : الذي لا تعتريه الآفات .
قال مقاتل بن حيان : الذي لا عيب فيه .
«الله الصمد» مبتدأ وخبر أي المقصود في الحوائج على الدوام.
الله وحده المقصود في قضاء الحوائج والرغائب.
وقوله - سبحانه - ( الله الصمد ) أى : الله - تعالى - هو الذى يَصْمدُ إليه الخلق فى حوائجهم ، ويقصدونه وحده بالسؤال والطلب .
.
مأخوذ من قولهم صمد فلان إلى فلان .
بمعنى توجه إليه بطلب العون والمساعدة .قال صاحب الكشاف : والصمد فعل بمعنى مفعول ، من صمد إليه إذا قصده ، وهو - سبحانه - المصمود إليه فى الحوائج ، والمعنى : هو الله الذى تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض ، وخالقكم ، وهو واحد متوحد بالإِلهية لا يشارك فيها ، وهو الذى يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه ، وهو الغنى عنهم .
.وجاء لفظ " الصمد " محلى بأل ، لإِفادة الحصر فى الواقع ونفس الأمر ، فإن قصد الخلق إليه - سبحانه - فى الحوائج ، أعم من الصد الإِرادى ، والقصد الطبيعى ، والقصد بحسب الاستعداد الأصلى ، الثابت لجميع المخلوقات إذ الكل متجه إليه - تعالى - طوعا وكرها .
فيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير: ﴿ الصمد ﴾ وجهين: الأول: أنه فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج، قال الشاعر: ألا بكر الناعي بخير بني أسد *** بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقال أيضاً: علوته بحسامي ثم قلت له *** خذها حذيف فأنت السيد الصمد والدليل على صحة هذا التفسير ما روى ابن عباس: أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ما الصمد؟
قال عليه السلام هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج وقال الليث: صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده والقول الثاني: أن الصمد هو الذي لا جوف له، ومنه يقال: لسداد القارورة الصماد، وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة، وقال قتادة: وعلى هذا التفسير: الدال فيه مبدلة من التاء وهو المصمت، وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة: الصمد هو الأملس من الحجر الذي لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء، واعلم أنه قد استدل قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في أنه تعالى جسم، وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحداً ينافي جسماً فمقدمة هذا الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى، ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام المتضاغطة وتعالى الله عن ذلك، فإذن يجب أن يحمل ذلك على مجازه، وذلك لأن الجسم الذي يكون كذلك يكون عديم الانفعال والتأثر عن الغير وذلك إشارة إلى كونه سبحانه واجباً لذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وجميع صفاته، فهذا ما يتعلق بالبحث اللغوي في هذه الآية.
وأما المفسرون فقد نقل عنهم وجوه، بعضها يليق بالوجه الأول وهو كونه تعالى سيداً مرجوعاً إليه في دفع الحاجات، وهو إشارة إلى الصفات الإضافية، وبعضها بالوجه الثاني وهو كونه تعالى واجب الوجود في ذاته وفي صفاته ممتنع التغير فيهما وهو إشارة إلى الصفات السلبية وتارة يفسرون الصمد بما يكون جامعاً للوجهين.
أما النوع الأول: فذكروا فيه وجوهاً: الأول: الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه سيداً مرجوعاً إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك الثاني: الصمد هو الحليم لأن كونه سيداً يقتضي الحلم والكرم الثالث: وهو قول ابن مسعود والضحاك الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده الرابع: قال الأصم: الصمد هو الخالق للأشياء، وذلك لأن كونه سيداً يقتضي ذلك الخامس: قال السدي: الصمد هو المقصود في الرغائب، المستغاث به عند المصائب السادس: قال الحسين بن الفضل البجلي: الصمد هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه السابع: أنه السيد المعظم الثامن: أنه الفرد الماجد لا يقضي في أمر دونه.
وأما النوع الثاني: وهو الإشارة إلى الصفات السلبية فذكروا فيه وجوهاً: الأول: الصمد هو الغني على ما قال: ﴿ وَهُوَ الغنى الحميد ﴾ الثاني: الصمد الذي ليس فوقه أحد لقوله: ﴿ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ ولا يخاف من فوقه، ولا يرجو من دونه ترفع الحوائج إليه الثالث: قال قتادة: لا يأكل ولا يشرب: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ الرابع: قال قتادة: الباقي بعد فناء خلقه: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾ الخامس: قال الحسن البصري: الذي لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه الزوال كان ولا مكان، ولا أين ولا أوان، ولا عرش ولا كرسي، ولا جني ولا إنسي وهو الآن كما كان السادس: قال يمان وأبو مالك: الذي لا ينام ولا يسهو الثامن: قال ابن كيسان: هو الذي لا يوصف بصفة أحد التاسع: قال مقاتل بن حبان: هو الذي لا عيب فيه العاشر: قال الربيع بن أنس: هو الذي لا تغتريه الآفات الحادي عشر: قال سعيد بن جبير: إنه الكامل في جميع صفاته، وفي جميع أفعاله الثاني عشر: قال جعفر الصادق: إنه الذي يغلب ولا يغلب الثالث عشر: قال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد الرابع عشر: قال أبو بكر الوراق: إنه الذي أيس الخلائق من الاطلاع على كيفيته الخامس عشر: هو الذي لا تدركه الأبصار السادس عشر: قال أبو العالية ومحمد القرظي: هو الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء إلا سيورث، ولا شيء يولد إلا وسيموت السابع عشر: قال ابن عباس: إنه الكبير الذي ليس فوقه أحد الثامن عشر: أنه المنزه عن قبول النقصانات والزيادات، وعن أن يكون مورداً للتغيرات والتبدلات، وعن إحاطة الأزمنة والأمكنة والآنات والجهات.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يحمل لفظ الصمد على الكل وهو محتمل، لأنه بحسب دلالته على الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب، وبحسب دلالته على كونه مبدأ للكل يدل على جميع النعوت الإلهية.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ الله الصمد ﴾ يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله، وإذا كان الصمد مفسراً بالمصمود إليه في الحوائج، أو بما لا يقبل التغير في ذاته لذم أن لا يكون في الوجود موجود هكذا سوى الله تعالى، فهذه الآية تدل على أنه لا إله سوى الواحد، فقوله: ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ إشارة إلى كونه واحداً، بمعنى أنه ليس في ذاته تركيب ولا تأليف بوجه من الوجوه، وقوله: ﴿ الله الصمد ﴾ إشارة إلى كونه واحداً، بمعنى نفي الشركاء والأنداد والأضداد.
وبقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: لم جاء ﴿ أحد ﴾ منكراً، وجاء ﴿ الصمد ﴾ معرفاً؟
الجواب: الغالب على أكثر أوهام الخلق أن كل موجود محسوس، وثبت أن كل محسوس فهو منقسم، فإذا مالا يكون منقسماً لا يكون خاطراً بيان أكثر الخلق، وأما الصمد فهو الذي يكون مصموداً إليه في الحوائج، وهذا كان معلوماً للعرب بل لأكثر الخلق على ما قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله ﴾ وإذا كانت الأحدية مجهولة مستنكرة عند أكثر الخلق، وكانت الصمدية معلومة الثبوت عند جمهور الخلق، لا جرم جاء لفظ أحد على سبيل التنكير ولفظ الصمد على سبيل التعريف.
السؤال الثاني: ما الفائدة في تكرير لفظة الله في قوله: ﴿ الله أَحَدٌ الله الصمد ﴾ ؟
الجواب: لو لم تكرر هذه اللفظة لوجب في لفظ أحد وصمد أن يردا، إما نكرتين أو معرفتين، وقد بينا أن ذلك غير جائز، فلا جرم كررت هذه اللفظة حتى يذكر لفظ أحد منكراً ولفظ الصمد معرفاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ ﴾ ضمير الشأن، و ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أن الله واحد لا ثاني له.
فإن قلت: ما محل هو؟
قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة.
فإن قلت: فالجملة الواقعة خبراً لابد فيها من راجع إلى المبتدأ، فأين الراجع؟
قلت: حكم هذه الجملة حكم المفرد في قولك: (زيد غلامك) في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله: ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك (زيد أبوه منطلق) فإن زيداً والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل بينهما.
وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت: يعني: الذي سألتموني وصفه هو الله، وأحد: بدل من قوله، (الله).
أو على: هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله وحد.
وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿ هو الله أحد ﴾ بغير ﴿ قُلْ ﴾ وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ الله أحد ﴾ بغير ﴿ قُلْ هُوَ ﴾ وقال من قرأ: الله أحد، كان بعدل القرآن.
وقرأ الأعمش: ﴿ قل هو الله الواحد ﴾ .
وقرئ: ﴿ أحد الله ﴾ بغير تنوين: أسقط لملاقاته لام التعريف.
ونحوه: وَلاَ ذَاكِر اللَّهِ إلاّ قَلِيلاً والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين.
و ﴿ الصمد ﴾ فعل بمعنى مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج.
والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ لأنه لا يجانس، حتى يكون له من جنسه صاحبه فيتوالدا.
وقد دلّ على هذا المعنى بقوله: ﴿ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة ﴾ [الأنعام: 101] .
﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ لأنّ كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أوّل لوجوده وليس بجسم ولم يكافئه أحد، أي: لم يماثله ولم يشاكله.
ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفياً للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم، فأوحى إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله: ﴿ هُوَ الله ﴾ إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها، وفي طيّ ذلك وصفه بأنه قادر عالم؛ لأنّ الخلق يستدعي القدرة والعلم، لكونه واقعاً على غاية إحكام واتساق وانتظام.
وفي ذلك وصفه بأنه حيّ سميع بصير.
وقوله: ﴿ أَحَدٌ ﴾ وصف بالوحدانية ونفي الشركاء.
وقوله: ﴿ الصمد ﴾ وصف بأنه ليس إلاّ محتاجاً إليه، وإذا لم يكن إلاّ محتاجاً إليه: فهو غني.
وفي كونه غنياً مع كونه عالماً: أنه عدل غير فاعل للقبائح، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه.
وقوله: ﴿ لَمْ يُولَدْ ﴾ وصف بالقدم والأوّلية.
وقوله: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ نفي للشبه والمجانسة.
وقوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ تقرير لذلك وبت للحكم به، فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نصّ سيبويه على ذلك في كتابه، فما باله مقدّماً في أفصح كلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه؛ وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه.
وقرئ: ﴿ كفؤاً ﴾ بضم الكاف والفاء.
وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء: فإن قلت: لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر منها وتقارب طرفيها؟
قلت: لأمر ما يسود من يسود، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، وكفى دليلاً من اعتراف بفضلها وصدق بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: إنّ علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه، ويتضع بضعته؛ ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه؛ ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته.
اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، الخائفين من وعيدك.
وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين، وروى: أبيّ وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» يعني ما خلقت إلاّ لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سمع رجلاً يقرأ: قل هو الله أحد فقال: «وجبت» .
قيل: يا رسول الله وما وجبت؟
قال: «وجبت له الجنة» .
سُورَةُ الإخْلاصِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها أرْبَعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ كَقَوْلِكَ: هو زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ ولا حاجَةَ إلى العائِدِ لِأنَّها هي هُوَ، أوْ لِما سُئِلَ عَنْهُ أيِ الَّذِي سَألْتُمُونِي عَنْهُ هو اللَّهُ، إذْ رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ صِفْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي تَدْعُونا إلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» واحِدٌ بَدَلٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ يَدُلُّ عَلى مَجامِعِ صِفاتِ الجَلالِ كَما دَلَّ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ إذِ الواحِدُ الحَقِيقِيُّ ما يَكُونُ مُنَزَّهَ الذّاتِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ، وما يَسْتَلْزِمُ أحَدَهُما كالجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ والمُشارَكَةِ في الحَقِيقَةِ وخَواصِّها كَوُجُوبِ الوُجُودِ والقُدْرَةِ الذّاتِيَّةِ والحِكْمَةِ التّامَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ وقُرِئَ «هُوَ اللَّهُ» بِلا قُلْ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ في ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ ولا يَجُوزُ في «تَبَّتْ»، ولَعَلَّ ذاكَ لِأنَّ سُورَةَ «الكافِرُونَ» مُشاقَّةُ الرَّسُولِ أوْ مُوادَعَتُهُ لَهم و «تَبَّتْ» مُعاتَبَةُ عَمِّهِ فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ مِنهُ، وأمّا هَذا فَتَوْحِيدٌ يَقُولُ بِهِ تارَةً ويُؤْمَرُ بِأنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ أُخْرى.
﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ مِن صُمِدَ إلَيْهِ إذا قُصِدَ، وهو المَوْصُوفُ بِهِ عَلى الإطْلاقِ فَإنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، وكُلُّ ما عَداهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في جَمِيعِ جِهاتِهِ، وتَعْرِيفُهُ لِعِلْمِهِمْ بِصَمَدِيَّتِهِ بِخِلافِ أحَدِيَّتِهِ وتَكْرِيرُ لَفْظَةِ اللَّهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ، وإخْلاءُ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى أوِ الدَّلِيلِ عَلَيْها.
<div class="verse-tafsir"
{الله الصمد} هو فعل بعنى مفعول من صمد اليه اذاقصده وهو السيد المصمود إليه في الحوائج والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم وهو واحد لا شريك له وهو الذي يصمد اليه كل مخلوق لا يستغنون عنه وهو الغني عنهم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
وقِيلَ: ﴿ الصَّمَدُ ﴾ نَعْتٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
و«الصَّمَدُ» قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ النّاسُ في حَوائِجِهِمْ وأُمُورِهِمْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ ويَصْمُدُ إلَيْهِ؛ أيْ: يَقْصِدُهُ كُلُّ شَيْءٍ وأنْشَدُوا: لَقَدْ بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ وقَوْلَهُ: عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها خُزِيتَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ، والشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عَظَمَتِهِ، والحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِلْمِهِ، والعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عِلْمِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ، وهو الَّذِي قَدْ كَمُلَ في أنْواعِ الشَّرَفِ والسُّؤْدُدِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: هو المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ، المُحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: هو الكامِلُ في جَمِيعِ صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وعَنِ الرَّبِيعِ هو الَّذِي لا تَعْتَرِيهِ الآفاتُ، وعَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: هو الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، وعَنْ قَتادَةَ: هو الباقِي بَعْدَ خَلْقِهِ ونَحْوُهُ قَوْلُ مَعْمَرٍ: هو الدّائِمُ، وقَوْلُ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ: هو الَّذِي لا يَبْلى ولا يَفْنى، وعَنْهُ أيْضًا: هو الَّذِي يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ ما يَشاءُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا رادَّ لِقَضائِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا قَدْ رَفَعَهُ قالَ: ««الصَّمَدُ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ»».
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ ومِنهُ قَوْلُهُ: شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا وعَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أحْشاءٌ وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ: هو الَّذِي لا يَطْعَمُ.
وفي رِوايَةٍ أُخْرى: الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وعَنْ طائِفَةٍ مِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أنَّهُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ كَأنَّهم جَعَلُوا ما بَعْدَهُ تَفْسِيرَ إلَهٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ تَفْسِيرًا بِالسَّيِّدِ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ الخَلْقُ في الحَوائِجِ والمَطالِبِ، وتَفْسِيرُهُ بِالَّذِي لا جَوْفَ لَهُ وما عَداهُما إمّا راجِعٌ إلَيْهِما أوْ هو مِمّا لا تُساعِدُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، وجُعِلَ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى سَيِّدًا أنَّهُ مَبْدَأُ الكُلِّ، وفي مَعْناهُ تَفْسِيرُهُ بِالغَنِيِّ المُطْلَقِ المُحْتاجِ إلَيْهِ ما سِواهُ.
وقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادًا فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ تَعالى بِمَجْمُوعِ السَّلْبِ والإيجابِ وهو ظاهِرٌ في جَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في كِلا مَعْنَيَيْهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ، والَّذِي اخْتارَهُ تَفْسِيرُهُ بِالسَّيِّدِ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ الخَلْقُ وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن صَمَدَ بِمَعْنى قَصَدَ فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ، وإطْلاقُ الصَّمَدِ بِمَعْنى السَّيِّدِ عَلَيْهِ تَعالى مِمّا لا خِلافَ فِيهِ وإنْ كانَ في إطْلاقِ السَّيِّدِ نَفْسِهِ خِلافٌ والصَّحِيحُ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في الحَدِيثِ: ««السَّيِّدُ اللَّهُ»».
وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَعالى مُضافًا فَلا يُقالُ سَيِّدُ المَلائِكَةِ والنّاسِ مَثَلًا، وقَصْدُ الخَلْقِ إيّاهُ تَعالى بِالحَوائِجِ أعَمُّ مِنَ القَصْدِ الإرادِيِّ والقَصْدِ الطَّبِيعِيِّ والقَصْدِ بِحَسْبِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ الثّابِتِ لِجَمِيعِ الماهِيّاتِ إذْ هي كُلُّها مُتَوَجِّهَةٌ إلى المَبْدَأِ تَعالى في طَلَبِ كِمالاتِها مِنهُ عَزَّ وجَلَّ وتَعْرِيفِهِ دُونَ أحَدٍ قِيلَ: لِعِلْمِهِمْ بِصَمَدِيَّتِهِ تَعالى دُونَ أحَدِيَّتِهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ؛ لِأنَّ عِلْمَ المُخاطَبِ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ لا يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنْ لا يُلْقى إلَيْهِ إلّا بَعْدَ تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ لِأنَّ إفادَةَ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا المَقامِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْرِيفَ لِإفادَةِ الحَصْرِ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ الرَّجُلُ.
ولا حاجَةَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِناءً عَلى أنَّ مَفْهُومَ أحَدٍ المُنَزَّهِ عَنْ أنْحاءِ التَّرْكِيبِ والتَّعَدُّدِ مُطْلَقًا إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ مَعَ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ أحَدِيَّتَهُ تَعالى ولا يَعْتَرِفُونَ بِها.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الخَبَرَ إذا كانَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِ لا يُخْبَرُ بِهِ إلّا بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ أوْ إفادَتِهِ لازِمَ فائِدَةِ الخَبَرِ أوْ إذا قُصِدَ الحَصْرُ؛ وهو يُنافِي ما تَقَرَّرَ في المَعانِي مِن أنَّ كَوْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْلُومَيْنِ لا يُنافِي كَوْنَ الكَلامِ مُفِيدًا لِلسّامِعِ فائِدَةً مَجْهُولَةً؛ لِأنَّ ما يَسْتَفِيدُهُ السّامِعُ مِنَ الكَلامِ هو انْتِسابُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ، وكَوْنُهُ هو هو فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ هُنا: إنَّهم يَعْرِفُونَهُ تَعالى بِوَجْهٍ ما ويَعْرِفُونَ مَعْنى المَقْصُودِ سَواءٌ كانَ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْ غَيْرَهُ عِنْدَهُمْ، ولَكِنْ لا يَعْرِفُونَ أنَّهُ هو سَواءٌ كانَ بِمَعْنى الفَرْدِ الكامِلِ أوِ الجِنْسِ فَعَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم.
وقِيلَ: إنَّ «أحَدٌ» في غَيْرِ النَّفْيِ والعَدَدُ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ تَعالى فَلَمْ يَحْتَجْ إلى تَعْرِيفِهِ بِخِلافِ الصَّمَدِ؛ فَإنَّهُ جاءَ في كَلامِهِمْ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ: كَما في البَيْتَيْنِ السّابِقَيْنِ فَلِذا عُرِفَ.
وتَكْرارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ دُونَ الإتْيانِ بِالضَّمِيرِ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالصَّمَدِيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ وذَلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الدَّوانِيُّ مَأْخُوذٌ مِن إفادَةِ تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ الحَصْرَ، فَإذا قُلْتَ: السُّلْطانُ العادِلُ، أشْعَرَ بِأنَّ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالعَدْلِ لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّلْطَنَةَ، وقِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ تَعْلِيقَ الصَّمَدِ بِاللَّهِ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ وإذا كانَتِ الصَّمَدِيَّةُ نَتِيجَةً لِلْأُلُوهِيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِها، وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ فِيما يَظْهَرُ لِلصَّمَدِيَّةِ لِأنَّهُ إنَّما يُعْبَدُ لِكَوْنِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ دُونَ العَكْسِ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَبْدَؤُها وما تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِالفِعْلِ، وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ بِمَسْنَدٍ إلَيْهِ واحِدٌ لِأحَدٍ، والصَّمَدُ هو الِاسْمُ الجَلِيلُ بِأنْ يُقالَ: اللَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ مُسْتَقِلٌّ في تَعْيِينِ الذّاتِ، وتُرِكَ العاطِفُ في الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ لِأنَّها كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ مَن كانَ غَنِيًّا لِذاتِهِ مُحْتاجًا إلَيْهِ جَمِيعُ ما سِواهُ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا أوْ ما سِواهُ لا يَكُونُ إلّا مُمْكِنًا مُحْتاجًا إلَيْهِ، أوْ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الأحَدِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ الصَّمَدِيَّةَ والغِنى المُطْلَقَ.
وبِالجُمْلَةِ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن وجْهٍ تُشْبِهُ الدَّلِيلَ ومِن وجْهٍ تُشْبِهُ النَّتِيجَةَ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُؤَكَّدَةٌ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وابْنُ سِيرِينَ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو السَّمّالِ وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ يُونُسَ ومَحْبُوبٍ والأصْمَعِيِّ واللُّؤْلُؤِيِّ وعُبَيْدٍ «أحَدُ اللَّهُ» بِحَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقائِهِ مَعَ لامِ التَّعْرِيفِ وهو مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وأكْثَرُ ما يُوجَدُ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ أبِي الأُسُودِ الدُّؤَلِيِّ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللَّهِ إلّا قَلِيلا وقَوْلِ الآخَرِ: عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِضَيْفِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ والجَيِّدُ هو التَّنْوِينُ وكَسْرُهُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
مختلف فيها وهي أربع آيات مكيّة قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وذلك أن قريشاً قالوا له صِفْ لنا ربَّك الذي تعبده وتدعونا إليه ما هو؟
فأنزل الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يعني: قل يا محمد للكفار إني ربي الذي أعبده هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يعني: فرد لا نظير له ولا شبيه له ولا شريك له ولا معين له ثم قال عز وجل: اللَّهُ الصَّمَدُ يعني: الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال السدي وعكرمة ومجاهد الصَّمَدُ الذي لا جوف له، وعن قتادة قال كان إبليس لعنه الله ينظر إلى آدم- - ودخل في فيه وخرج من دبره يعني حين كان صلصالاً فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف وروي عن ابن عباس أنه قال: الصمد الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ويتضرعون إليه عند مسألتهم وقال أبو وائل الصَّمَدُ السيد الذي انتهى سؤدده وكذلك قال سعيد بن جبير وقال الحسن البصري الصَّمَدُ الدائم، وقال قتادة الصَّمَدُ الباقي ويقال الكافي وقال محمد بن كعب القرظي الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أحد ويقال: الصَّمَدُ التام في سؤدده وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: الصَّمَدُ الذي لا يخاف من فوقه ولا يرجو من تحته ويُصْمَد إليه في الحوائج ثم قال عز وجل لَمْ يَلِدْ يعني: لم يكن له ولد يرث ملكه.
وَلَمْ يُولَدْ يعني: لم يكن له والد يرث عنه ملكه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ يعني: لم يكن له نظير ولا شريك فينازعه في عظمته وملكه وقال مقاتل: إن مشركي العرب قالوا إن الملائكة كذا وكذا وقالت اليهود والنصارى في عزير والمسيح ما قالت فكذبهم الله تعالى وأبرأ نفسه مما قالوا فقال: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، قرأ عاصم في رواية حفص كفواً بغير همزة وقرأ حمزة بسكوت الفاء مهموزاً والباقون بضم الفاء مهموزاً بهمزة وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بعد صلاة الفجر إحدى عشرة مرة لم يلحقه ذنب يومئذٍ ولو اجتهد الشيطان.
وروي عن أنس بن مالك عن النبيّ أنه قال: «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُم أَنْ يَقْرَأ القُرآنَ فِي لَيْلَةٍ؟» فقيل يا رسول الله من يطيق ذلك؟
قال: «أَنْ يَقْرَأ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ثَلاَثَ مَرَاتٍ» ، وروي عن ابن شهاب عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله قال: «من قرأ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» والله أعلم.
سُورَةُ الإخْلاصِ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجابِرٌ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.» ورَوى مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ: إنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ.» وَفِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ انْسِبْ لَنا رَبَّكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
والثّانِي: «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ : إلامَ تَدْعُونا يا مُحَمَّدُ؟
قالَ: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قالَ: صِفْهُ لِي، أمِن ذَهَبٍ هُوَ، أوْ مِن فِضَّةٍ، أوْ مِن حَدِيدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ قالُوا هَذا، قَوْمٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ قالُوا: مِن أيِّ جِنْسٍ هُوَ، ومِمَّنْ ورِثَ الدُّنْيا، ولِمَن يُوَرِّثُها؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والضَّحّاكُ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أحَدُ اللَّهُ " وقَرَأ أبُو عَمْرٍو " أحَدٌ اللَّهُ " بِضَمِّ الدّالِ، ووَصْلِها بِاسْمِ اللَّهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والمَعْنى: الَّذِي سَألْتُمْ تَبْيِينَ نِسْبَتِهِ هو اللَّهُ.
و " أحَدٌ " مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى: هو أحَدٌ، فالمَعْنى: هو اللَّهُ، وهو أحَدٌ.
وقُرِئَتْ " أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ " بِتَنْوِينِ أحَدٍ.
وقُرِئَتْ " أحَدُ اللَّهُ " بِتَرْكِ التَّنْوِينِ، وقُرِئَتْ بِإسْكانِ الدّالِ " أحَدْ اللَّهُ " وأجْوَدُها الرَّفْعُ بِإثْباتِ التَّنْوِينِ، وكَسْرِ التَّنْوِينِ لِسُكُونِهِ وسُكُونِ اللّامِ في " اللَّهِ " ومَن حَذَفَ التَّنْوِينَ، فَلِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا، ومَن أسْكَنَ أرادَ الوَقْفَ ثُمَّ ابْتَدَأ " اللَّهُ الصَّمَدُ " وهو أرْدَؤُها.
فَأمّا " الأحَدُ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ: هو الواحِدُ.
وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: [الواحِدُ]: هو المُنْفَرِدُ بِالذّاتِ، فَلا يُضاهِيهِ أحَدٌ.
والأحَدُ: هو المُنْفَرِدُ بِالمَعْنى، فَلا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ.
وأصْلُ " الأحَدِ " عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: الوَحَدُ، ثُمَّ أبْدَلُوا مِنَ الواوِ الهَمْزَةَ.
وَفِي ﴿ الصَّمَدُ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الحَوائِجِ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ.
والعَرَبُ تُسَمِّي أشْرافَها: الصَّمَدُ.
قالَ الأسَدِيُّ: لَقَدْ بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ وَقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ، فَقَدْ صَمَدَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ قَصَدَ قَصْدَهُ.
وتَأْوِيلُ صُمُودِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ: أنَّ في كُلِّ شَيْءٍ أثَرَ صُنْعِهِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الصَّمَدَ: السَّيِّدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ يَصْمُدُ إلَيْهِ النّاسُ في أُمُورِهِمْ وحَوائِجِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَكَأنَّ الدّالَ مِن هَذا التَّفْسِيرِ مُبْدَلَةٌ مِن تاءٍ: والمُصْمَتُ مِن هَذا.
والثّالِثُ: أنَّهُ الدّائِمُ.
والرّابِعُ: الباقِي بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ، حَكاهُما الخَطّابِيُّ وقالَ: أصَحُّ الوُجُوهِ الأوَّلُ، لِأنَّ الِاشْتِقاقَ يَشْهَدُ لَهُ، فَإنَّ أصْلَ الصَّمَدِ: القَصْدُ.
يُقالُ: اصْمُدْ صَمْدَ فُلانٍ، أيِ: اقْصِدْ قَصْدَهُ.
فالصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ في الأُمُورِ، ويُقْصَدُ في الحَوائِجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَمْ يَلِدْ فَيُوَرَّثُ، ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ فَيُشارَكُ.
وَذَلِكَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ الرَّحْمَنِ.
وقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، فَبَرَّأ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِالتَّثْقِيلِ والهَمْزِ.
ورَواهُ حَفْصٌ بِالتَّثْقِيلِ وقَلْبِ الهَمْزِ واوًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِسُكُونِ الفاءِ.
والكُفْءُ: المِثْلُ المُكافِئُ.
وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ وأخَّرَ لِتَتَّفِقَ رُؤُوسُ الآياتِ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإخْلاصِ] هَذِهِ السُورَة مَكِّيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ -بِخِلافٍ عنهُ- وعَطاءٌ وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والقُرْطُبِيُّ وأبُو العالِيَةِ: هي مَدَنِيَّةٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هو اللهُ أحَدٌ ﴾ ﴿ اللهُ الصَمَدُ ﴾ ﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ قَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: "قُلْ هو اللهُ أحَدٌ الواحِدُ الصَمَدُ"، ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ سَألُوا رَسُولَ اللهِ عن نَسَبِ رَبِّهِ -تَعالى عَمّا يَقُولُ الجاهِلُونَ- فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُورَةُ،» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، صِفْ لَنا رَبَّكَ وانْسِبْهُ، فَإنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ في التَوْراةِ ونَسَبَها، فارْتَعَدَ رَسُولُ اللهِ حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما السَلامُ بِهَذِهِ السُورَةِ،» وقالَ أبُو العالِيَةِ وقالَ قَتادَةُ: الأحْزابُ لِرَسُولِ اللهِ : انْسِبْ لَنا رَبَّكَ، فَأتاهُ الوَحْيُ بِهَذِهِ السُورَةِ.
و"أحَدٌ" مَعْناهُ: واحِدٌ فَرْدٌ مِن جَمِيعِ جِهاتِ الوَحْدانِيَّةِ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، و"هُوَ" ابْتِداءٌ و"اللهُ" ابْتِداءٌ ثانٍ وأحَدٌ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وقِيلَ: "هُوَ" ابْتِداءٌ، و"اللهُ" خَبَرُهُ، و"أحَدٌ" بَدَلٌ مِنهُ، وحَذَفَ أبُو عَمْرٍو التَنْوِينَ مَن "أحَدٌ" لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ فَقَرَأ " اللهُ أحَدُ اللهُ"، وأثْبَتَهُ الباقُونَ مَكْسُورًا لِلِالتِقاءِ، وأمّا وقْفُهم كُلُّهم فَبِسُكُونِ الدالِ، وقَدْ رُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الوَصْلُ بِسُكُونِ الدالِ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا تَنْوِينُها.
و"الصَمَدُ" في كَلامِ العَرَبِ: السَيِّدُ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ في الأُمُورِ ويَسْتَقِلُّ بِها، وأنْشَدُوا: ألّا بَكَّرَ الناعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَيِّدِ الصَمَدْ وبِهَذا تَتَفَسَّرُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى جَلَتْ قُدْرَتُهُ هو مَوْجُودُ المَوْجُوداتِ، وإلَيْهِ تَصْمُدُ، وبِهِ قِوامُها، ولا غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الصَمَدُ: الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، كَأنَّهُ بِمَعْنى المُصْمَتِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ.
وفي هَذا التَفْسِيرِ كُلّه نَظَر؛ لِأنَّ الجِسْمَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ اللهِ تَعالى وعن صِفاتِهِ، فَما الَّذِي يُعْطِينا هَذِهِ العِباراتِ؟
و"اللهُ الصَمَدُ" ابْتِداءٌ وخَبَرٌ وقِيلَ: "الصَمَدُ" نَعْتٌ والخَبَرُ فِيما بَعْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ رَدٌّ عَلى إشارَةِ الكُفّارِ في النَسَبِ الَّذِي سَألُوهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تَفَكَّرُوا في كُلِّ شَيْءٍ ولا تَتَفَكَّرُوا في ذاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأفْهامَ تَقِفُ دُونَ ذَلِكَ حَسِيرَةً، والمُؤْمِنُونَ يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى بِواجِبِ وجُودِهِ، وافْتِقارِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ، واسْتِغْنائِهِ عن كُلِّ شَيْءٍ ويَنْفِي العَقْلُ عنهُ كُلَّ ما لا يَلِيقُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وأنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وكُلُّ ما ذَكَرْتُهُ فَهو في ضِمْنِ هَذِهِ السُورَةِ الوَجِيزَةِ البَلِيغَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ ولا نِدٌّ ولا شَبِيهٌ، والكُفُؤُ والكِفاءُ: النَظِيرُ، وقَرَأ: "كُفُوًا" -بِضَمِّ الكافِ وهَمْزٍ مُسَهِّلٍ- نافِعٌ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ.
وقَرَأ بِالهَمْزِ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو:"كُفْؤًا" بِالهَمْزِ وإسْكانِ الفاءِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ: "كَفًا" بِفَتْحِ الفاءِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كِفاءٌ" بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ الفاءِ، والمَدِّ، و"كُفُوًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها "أحَدٌ"، والظَرْفُ مُلْغى، وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى يَسْتَحْسِنُ أنْ يَكُونَ الظَرْفُ -إذا تَقَدَّمَ- خَبَرًا، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ مُلْغًى في أماكِنَ يَقْتَضِيها المَعْنى كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَما قالَ الشاعِر: -أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ -: ما دامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيّا.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "كُفُوًا" حالٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ وصْفًا لِنَكِرَةٍ، كَما قالَ: لِعِزَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ ∗∗∗...........
قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا يَقِلُّ في الكَلامِ، وبابُهُ الشِعْرُ، وقالَ : «إنَّ ﴿ قُلْ هو اللهُ أحَدٌ ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِما فِيها مِنَ التَوْحِيدِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الإخْلاصِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
جملة ثانية محكية بالقول المحكية به جملة: ﴿ اللَّه أحد ﴾ ، فهي خبر ثان عن الضمير.
والخبر المتعدد يجوز عطفه وفصله، وإنما فصلت عن التي قبلها لأن هذه الجملة مسوقة لتلقين السامعين فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها غيرَ ملحقة بالتي قبلها بالعطف، على طريقة إلقاء المسائل على المتعلم نحو أن يقول: الحوزُ شرط صحة الحُبس، الحوز لا يتم إلا بالمعانية، ونحو قولك: عنترة من فحول الشعراء، عنترة من أبطال الفرسان.
ولهذا الاعتبار وقع إظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿ اللَّه الصمد ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يقال: هو الصمد.
و ﴿ الصَمد ﴾ : السيد الذي لا يستغنى عنه في المهمات، وهو سيد القوم المطاع فيهم.
قال في «الكشاف»: وهو فَعَل بمعنى مفعول من: صَمَد إليه، إذا قصده، فالصمد المصمود في الحوائج.
قلت: ونظيره السَّند الذي تُسند إليه الأمور المهمة.
والفَلَق اسم الصباح لأنه يتفلق عنه الليل.
و ﴿ الصمد ﴾ : من صفات الله، والله هو الصمد الحق الكامل الصمدية على وجه العموم.
فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي.
ومعناه: المفتقر إليه كلُّ ما عداه، فالمعدوم مفتقر وجودُه إليه والموجود مفتقر في شؤونه إليه.
وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد، وكلها مندرجة تحت هذا المعنى الجامع، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولاً.
ويشمل هذا الاسمُ صفاتتِ الله المعنويةَ الإِضافية وهي كونه تعالى حيّاً، عالماً، مريداً، قادراً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، لأنه لو انتفى عنه أحد هذه الصفات لم يكن مصموداً إليه.
وصيغة ﴿ اللَّه الصمد ﴾ صيغة قصر بسبب تعريف المسند فتفيد قصر صفة الصمدية على الله تعالى، وهو قصر قلب لإِبطال ما تعوّده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نَسُوا الله.
قال أبو سفيان ليلة فتح مكة وهو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله: «لقد علمتُ أن لو كان معه إله آخر لقد أغنى عني شيئاً ".
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الإخْلاصِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ هَذا اللَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ، فَمَن خَلَقَ اللَّهُ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جَوابًا لَهم»، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: «أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ انْسُبْنِي إلى هَذا»، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: ما رَواهُ أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ «أنَّ المُشْرِكِينَ أرْسَلُوا عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ» إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالُوا: قُلْ لَهُ شَقَّقْتَ عَصانا وسَبَّبْتَ آلِهَتَنا وخالَفْتَ دِينَ آبائِكَ، فَإنْ كُنْتَ فَقِيرًا أغْنَيْناكَ وإنْ كُنْتَ مَجْنُونًا داوَيْناكَ، وإنْ هَوَيْتَ امْرَأةً زَوَّجْناكَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (لَسْتُ بِفَقِيرٍ ولا مَجْنُونٍ ولا هَوَيْتُ امْرَأةً، أنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أدْعُوكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ إلى عِبادَتِهِ، فَأرْسَلُوهُ ثانِيَةً وقالُوا لَهُ: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا جِنْسَ مَعْبُودِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَأرْسَلُوهُ ثالِثَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ لَنا ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا لا تَقُومُ بِحَوائِجِنا، فَكَيْفَ يَقُومُ إلَهٌ واحِدٌ بِحَوائِجِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الصّافّاتِ إلى قَوْلِهِ ﴿ إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ ﴾ يَعْنِي في جَمِيعِ حَوائِجِكم، فَأرْسَلُوهُ رابِعَةً وقالُوا: قُلْ لَهُ بَيِّنْ لَنا أفْعالَ رَبِّكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةَ)، وقَوْلُهُ ﴿ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ جَوابِ السّائِلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِرَسُولِهِ ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ والأحَدُ: هو المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِهِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا شَبَهَ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (أحَدٌ) عَلى وجْهِ النَّكِرَةِ، ولَمْ يَقُلِ الأحَدَ؟
قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَذَفَ لامَ التَّعْرِيفِ عَلى نِيَّةِ إضْمارِها فَصارَتْ مَحْذُوفَةً في الظّاهِرِ، مُثْبَتَةً في الباطِنِ، ومَعْناهُ قُلْ هو اللَّهُ الأحَدُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِنَكِرَةٍ، وإنَّما هو بَيانٌ وتَرْجَمَةٌ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
فَأمّا الأحَدُ والواحِدُ فَفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الأحَدَ لا يَدْخُلُ العَدَدَ، والواحِدَ يَدْخُلُ في العَدَدِ، لِأنَّكَ تَجْعَلُ لِلْواحِدِ ثانِيًا، ولا تَجْعَلُ لِلْأحَدِ ثانِيًا.
الثّانِي: أنَّ الأحَدَ يَسْتَوْعِبُ جِنْسَهُ، والواحِدَ لا يَسْتَوْعِبُ، لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ أحَدٌ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُقاوِمَهُ اثْنانِ ولا أكْثَرَ، فَصارَ الأحَدُ أبْلَغَ مِنَ الواحِدِ.
وَفي تَسْمِيَتِها بِسُورَةِ الإخْلاصِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّ في قِراءَتِها خَلاصًا مِن عَذابِ اللَّهِ.
الثّانِي: لِأنَّ فِيها إخْلاصًا لِلَّهِ مَن كُلِّ عَيْبٍ ومَن كُلِّ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ.
الثّالِثُ: لِأنَّها خالِصَةٌ لِلَّهِ لَيْسَ فِيها أمْرٌ ولا نَهْيٌ.
﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ فِيهِ عَشَرَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّمَدَ المُصْمَتَ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُبَيْرٍ، قالَ الشّاعِرُ شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ عَوابِسَ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا الثّانِي: هو الَّذِي لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الباقِي الَّذِي لا يَفْنى، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ الدّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ.
الرّابِعُ: هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبَ.
الخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَصْمُدُ النّاسُ إلَيْهِ في حَوائِجِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ ألا بَكِّرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ.
السّادِسُ: أنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهى سُؤْدُدُهُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ وسُفْيانُ وقالَ الشّاعِرُ عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفَ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ.
السّابِعُ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لا عَيْبَ فِيهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ سارُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمَدُوا ∗∗∗ ألّا رَهِينَةَ إلّا السَّيِّدُ الصَّمَدُ.
الثّامِنُ: أنَّهُ المَقْصُودُ إلَيْهِ في الرَّغائِبِ، والمُسْتَغاثُ بِهِ في المَصائِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
التّاسِعُ: أنَّهُ المُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أحَدٍ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
العاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ.
﴿ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ والِدًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ ولَدًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ في العِزِّ مُشارِكًا، ولَمْ يُولَدْ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا هالِكًا، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ فُضَيْلٍ.
وَإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ هاتَيْنِ صِفَتا نَقْصٍ فانْتَفَتا عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ لا مَثَلَ لَهُ، فَلَوْ ولَدَ أوْ وُلِدِ لَصارَ ذا مَثَلٍ، واَللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ مَثَلٌ.
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُنْ لَهُ مَثَلٌ ولا عَدِيلٌ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَطاءٌ.
الثّانِي: يَعْنِي لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، فَنَفى عَنْهُ الوَلَدَ والوالِدَةَ والصّاحِبَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا يُكافِئُهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ قَتادَةُ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَكُنْ لَهُ أحَدٌ كُفُوًا، فَقَدَّمَ خَبَرَ كانَ عَلى اسْمِها لِتَنْساقَ أواخِرُ الآيِ عَلى نَظْمٍ واحِدٍ.
أخرج أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن خزيمة وابن أبي حاتم في السنة والبغوي في معجمه وابن المنذر في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد أنسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ﴾ لأنه ليس يولد شيء إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ ليس له شيبة ولا عدل وليس كمثله شيء.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه أن المشركين قالوا يا رسول الله: أخبرنا عن ربك، صف لنا ربك ما هو؟
ومن أي شيء هو؟
فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ .
وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه قال قالوا: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ .
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي بسند حسن عن جابر رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالت قريش، يا رسول الله: أنسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو بكر السمرقندي في فضائل ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عن أنس رضي الله عنه قال: جاءت يهود خيبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب وآدم من حمإ مسنون وإبليس من لهب النار، والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه جبريل بهذه السورة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ليس له عروق تتشعب ﴿ الله الصمد ﴾ ليس بالأجوف لا يأكل ولا يشرب ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ ليس له والد ولا ولد ينسب إليه ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ ليس من خلقه شيء يعدل مكانه يمسك السموات إن زالتا، هذه السورة ليس فيها ذكر جنة ولا نار، ولا دنيا ولا آخرة ولا حلال ولا حرام انتسب الله إليها فهي له خالصة، من قرأها ثلاث مرات عدل بقراءة الوحي كله، ومن قرأها ثلاثين مرة لم يفضله أحد من أهل الدنيا يومئذ إلا من زاد على ما قال، ومن قرأها مائتي مرة أسكن من الفودوس سكناً يرضاه، ومن قرأها حين يدخل منزله ثلاث مرات نفت عن الفقر ونفعت الجار، وكان رجل يقرأها في كل صلاة فكأنهم هزئوا به وعابوا ذلك عليه فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وما حملك على ذلك؟
قال يا رسول الله: إني أحبها.
قال: حبها أدخلك الجنة.
قال: وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويرددها حتى أصبح.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبدالله بن سلام أن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم عهداً، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فوافاه بمنى، والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أنت عبدالله بن سلام؟
قال: نعم، قال: أدن، فدنا منه، فقال: أنشدك بالله أما تجدني في التوراة رسول الله؟
فقال له: أنعت لنا ربك، فجاء جبريل فقال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إلى آخر السورة.
فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أنك رسول الله، ثم انصرف إلى المدينة وكتم إسلامه.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فقالوا يا محمد: صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ﴾ فيخرج منه الولد ﴿ ولم يولد ﴾ فيخرج من شيء.
وأخرج الطبراني في السنة عن الضحاك قال: قالت اليهود يا محمد صف لنا ربك، فأنزل الله: ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ فقالوا: أما الأحد فقد عرفناه، فما الصمد؟
قال: الذي لا جوف له.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: أتى رهط من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه، فجاءه جبريل فسكنه وقال: اخفض عليك جناحك، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ فلما تلاها عليهم قالوا: صف لنا ربك كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول وساورهم غضباً فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته وأتاه جواب ما سألوه عنه ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ [ الزمر: 67] .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنسب لنا ربك، وفي لفظ: صف لنا ربك، فلم يدر ما يرد عليهم فنزلت ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حتى ختم السورة.
وأخرج أبو عبيد وأحمد في فضائله والنسائي في اليوم والليلة وابن منيع ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنهما قرأ ثلث القرآن» .
وأخرج ابن الضريس والبزار وسمويه في فوائده والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله احد ﴾ مائتي مرة غفر له ذنوب مائتي سنة» .
وأخرج أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب هذه السورة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة» .
وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن الأنباري في المصاحف عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرات في ليلة، فإنها تعدل ثلث القرآن» .
وأخرج أبو يعلى ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ خمسين مرة غفر له ذنوب خمسين سنة» .
وأخرج الترمذي وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن عدي والبيهقي في الشعب، واللفظ له، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ كل يوم مائتي مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كتب الله له ألفاً وخمسمائة حسنة، ومحا عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين» .
وأخرج الترمذي وابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن ينام على فراشه من الليل نام على يمينه فقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة» .
وأخرج ابن سعد وابن الضريس وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم بالشام، فهبط عليه جبريل فقال: يا محمد إن معاوية بن معاوية المزني هلك، أفتحب أن تصلي عليه؟
قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض فتضعضع له كل شيء ولزق بالأرض ورفع له سريره فصلى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من أي شيء أتى معاوية هذا الفضل؟
صلى عليه صفان من الملائكة في كل صف ستمائة ألف ملك.
قال: بقراءة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كان يقرؤها قائماً وقاعداً وجالساً وذاهباً ونائماً» .
وأخرج ابن سعد وابن الضريس والبيهقي في الدلائل والشعب من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس ذات يوم بضياء وشعاع ونور لم نرها قبل ذلك فيما مضى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب من ضيائها ونورها، إذ أتاه جبريل فسأل جبريل: ما للشمس طلعت لها نور وضياء وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى؟
قال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه.
قال: بم ذاك يا جبريل؟
قال: كان يكثر ﴿ قل هو الله أحد ﴾ قائماً وقاعداً وماشياً وآناء الليل والنهار استكثر منها فإنها نسبة ربكم، ومن قرأها خمسين مرة رفع الله له خمسين ألف درجة، وحط عنه خمسين ألف سيئة، وكتب له خمسين ألف حسنة، ومن زاد زاد الله له.
قال جبريل: فهل لك أن أقبض الأرض فتصلي عليه!
قال: نعم.
فصلى عليه» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة غفر له خطيئة خمسين سنة إذا اجتنب أربع خصال الدماء والأموال والفروج والأشربة» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ على طهارة مائة مرة كطهارة الصلاة يبدأ بفاتحة الكتاب كتب الله له بكل حرف عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وبنى له مائة قصر في الجنة وكأنما قرأ القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة، وهي براءة من الشرك، ومحضرة للملائكة، ومنفرة للشياطين، ولها دويّ حول العرش تذكر بصاحبها حتى ينظر الله إليه، وإذا نظر إليه لم يعذبه أبداً» .
وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من جاء بهن مع الإِيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء، من عفا عن قاتله، وأدى ديناً خفياً، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟
قال: أو إحداهن» .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجهول عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ في كل يوم خمسين مرة نودي يوم القيامة من قبره: قم مادح الله، فأدخل الجنة» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إذا فرغ» .
وأخرج الطبراني عن جرير البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حين يدخل منزله نفت الفقر من أهل ذلك المنزل والجيران» .
وأخرج البزار والطبراني في الصغير عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] فكأنما قرأ ربع القرآن» .
وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن عبدالله بن الشخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وامن من فتنه القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة» .
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن» .
وأخرج ابن الضريس والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في سفر، فقرأ في الركعة الأولى ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وفي الثانية ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فلما سلم قال: قرأت بكم ثلث القرآن وربعه» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وهو بتبوك فقال: يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال، فتواضعت ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت حتى نظر إلى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة فلما فرغ قال: يا جبريل: ما بلغ معاوية بن معاوية المزني هذه المنزلة؟
قال: بقراءته ﴿ قل هو الله أحد ﴾ قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً.
وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن المسيب قال: «كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له معاوية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهو مريض ثقيل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ثم لقيه جبريل فقال: إن معاوية بن معاوية توفي، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيسرك أن أريك قبره؟
قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض، فلم يبق جبل إلا انخفض حتى أبدى الله قبره فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عن يمينه وصفوف الملائكة سبعين ألفاً حتى إذا فرغ من صلاته قال: يا جبريل بم نزل معاوية بن معاوية من الله بهذه المنزلة؟
قال: ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كان يقرأها قائماً وقاعداً وماشياً ونائماً، ولقد كنت أخاف على أمتك حتى نزلت هذه السورة فيها» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت» .
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريق مجاشع بن عمرو أحد الكذابين عن يزيد الرقاشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جاءني جبريل في أحسن صورة ضاحكاً مستبشراً فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرؤك السلام، ويقول: إن لكل شيء نسباً ونسبتي ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فمن أتاني من أمتك قارئاً ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة من دهره ألزمه داري واقامة عرشي وشفعته في سبعين ممن وجبت عقوبته، ولولا أني آليت على نفسي، كل نفس ذائقة الموت، لما قبضت روحه» .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد سفراً فأخذ بعضادتي منزله فقرأ إحدى عشرة مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ كان الله له حارساً حتى يرجع» .
وأخرج ابن النجار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن ينطق مع أحد يقرأ في الأولى بالحمد و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الركعة الثانية بالحمد و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها» .
وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بعد صلاة الجمعة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ [ الفلق] و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [ الناس] سبع مرات أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى» .
وأخرج الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي في فضائل ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عن اسحق بن عبدالله بن أبي فروة قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة فقال أبو بكر إذن نستكثر يا رسول الله، فقال: الله أكثر وأطيبرددها مرتين» .
وأخرج أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرات فكأنما قرأ جميع ما أنزل الله» .
وأخرج أيضاً عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مرة بورك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهل بيته، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى أهل بيته وجيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة مرة بنى الله له في الجنة اثني عشر قصراً.
ومن قرأها عشرين مرة كان مع النبيين هكذا وضم الوسطى والتي تليها الابهام، ومن قرأها عشرين مرة كان مع النبيين هكذا وضم الوسطى والتي تليها الابهام، ومن قرأها مائة مرة غفر الله له ذنوب خمس وعشرين سنة إلا الدين والدم، ومن قرأها مائتي مرة غفرت له ذنوب خمسين سنة، ومن قرأها أربعمائة مرة كان له أجر أربعمائة شهيد كل عقر جواده وأهريق دمه، ومن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له» .
وأخرج أيضاً عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن ارتجالاً» .
وأخرج أيضاً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة كانت أحب إلى الله من ألف ملجمة مسرجة في سبيل الله» .
وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال: ثلاثة ينزلون من الجنة حيث شاؤوا: الشهيد ورجل قرأ في كل يوم ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة.
وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال: من واظب على قراءة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وآية الكرسي عشر مرات من ليل أو نهار استوجب رضوان الله الأكبر، وكان مع أنبيائه، وعصم من الشيطان.
وأخرج أيضاً من طريق دينار عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله وهو من خاصة الله» .
وأخرج أيضاً من طريق نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاثين مرة كتب الله له براءة من النار وأماناً من العذاب، والأمان يوم الفزع الأكبر» .
وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أتى منزله فقرأ ﴿ الحمد لله ﴾ [ سورة الفاتحة] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ نفى الله عنه الفقر، وكثر خير بيته حتى يفيض على جيرانه» .
وأخرج الطبراني أيضاً من طريق أبي بكر البردعي: حدثنا أبو زرعة وأبو حاتم قالا: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، رازي ثقة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إذا نقر في الناقور اشتد غضب الرحمن فتنزل الملائكة فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حتى يسكن غضبه.
وأخرج إبراهيم بن محمد الخيارجي في فوائده عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله» .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ في ليلة أو يوم ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرات كان مقدار القرآن» .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إحدى عشرة مرة بنى الله له قصراً في الجنة فقال عمر: والله يا رسول الله إذن نستكثر من القصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالله أمن وأفضل» أو قال: «أمن وأوسع» .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم: ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فانا أحب أن أقرأها.
فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه فقال: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» .
وأخرج ابن الضريس عن الربيع بن خيثم قال: سورة من كتاب الله يراها الناس قصيرة وأراها عظيمة طويلة يحب الله محبها ليس لها خلط، فأيكم قرأها فلا يجمعن إليها شيئاً استقلالاً بها فإنها تجزئه.
وأخرج ابن الضريس عن أنس قال: «قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي أخاً قد حبب إليه قراءة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال: بشر أخاك بالجنة» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجة وابن الضريس عن بريدة قال: «دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ويدي في يده، فإذا رجل يصلي يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» .
وأخرج ابن الضريس عن الحسن قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة كان له من الأجر عبادة خمسمائة سنة.
وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب في تاريخه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات أوجب الله له رضوانه ومغفرته» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي غالب مولى خالد بن عبدالله قال: قال عمر ذات ليلة قبيل الصبح يا أبا غالب ألا تقوم فتصلي، ولو تقرأ بثلث القرآن، فقلت: قد دنا الصبح فكيف أقرأ بثلث القرآن فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن سورة الإِخلاص ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن» .
وأخرج العقيلي عن رجاء الغنوي قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاث مرار فكأنما قرأ القرآن أجمع» .
وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة الغداة ثم لم يتكلم حتى قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرات لم يدركه ذلك اليوم ذنب وأجير من الشيطان» .
وأخرج الديلمي بسند واه عن البراء بن عازب مرفوعاً: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائة بعد صلاة الغداة قبل أن يكلم أحداً رفع له ذلك اليوم عمل خمسين صديقاً» .
وأخرج ابن عساكر عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوجه فاطمة دعا بماء فمجه ثم أدخله معه فرشه في جيبه وبين كتفيه وعوذه ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والمعوّذتين.
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: من صلى ركعتين فقرأ فيهما ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلاثين مرة بنى الله له ألف قصر من ذهب في الجنة، ومن قرأها في غير صلاة بنى الله له مائة قصر في الجنة، ومن قرأها في صلاة كان أفضل من ذلك، ومن قرأها إذا دخل إلى أهله أصاب أهله وجيرانه منها خير.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو «أن أبا أيوب كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة؟
قالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟
قال: فإن ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع أبا أيوب فقال: صدق أبو أيوب» .
وأخرج ابن الضريس والبزار ومحمد بن نصر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة ثلث القرآن؟
قالوا: ومن يطيق ذلك؟
قال: بلى ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل بثلث القرآن» .
وأخرج أحمد والطبراني وابن السني بسند ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصر في الجنة فقال له عمر: إذاً نستكثر يا رسول الله.
قال: الله أكثر وأطيب» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك فلما كان ببعض المنازل صلى بنا صلاة الفجر فقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وفي الثانية ب ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ فلما سلم قال: ما قرأ رجل في صلاة بسورتين أبلغ منهما ولا أفضل» .
وأخرج محمد بن نصر والطبراني بسند جيد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل بثلث القرآن» .
وأخرج أبو عبيد وأحمد والبخاري في التاريخ والترمذي وحسنه والنسائي وابن الضريس والبيهقي في الشعب عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟
فلما رأى أنه قد شق عليهم قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ في ليلة فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن» .
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال: أوجب لهذا الجنة» .
وأخرج أبو عبيد وأحمد ومسلم وابن الضريس والنسائي عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟
قالوا: نحن أضعف من ذاك.
وأعجز، قال: فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فقال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن» .
وأخرج مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن الضريس والبيهقي في سننه «عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلاً يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» .
وأخرج أحمد والبخاري وابن الضريس عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة، فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك؟
فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن» .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: «بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله ب ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: والذي نفسي بيده إنها لتعدل نصف القرآن أو ثلثه» .
وأخرج البيهقي في سننه من طريق أبي سعيد الخدري قال: «أخبرني قتادة بن النعمان أن رجلاً قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ السورة كلها، يرددها لا يزيد عليها، فلما أصبحنا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها لتعدل ثلث القرآن» .
وأخرج أحمد وأبو عبيد والنسائي وابن ماجة وابن الضريس عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن» .
وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في الشعب بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ بعد صلاة الصبح اثني عشرة مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى» .
وأخرج أحمد وابن الضريس والنسائي والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: «أن رسول الله سئل عن ﴿ قل هو الله أحد ﴾ قال: ثلث القرآن أو تعدله» .
وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن المنكدر قال: «سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ويرتل فقال له: سل تعط» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن علي قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ عشر مرار بعد الفجر وفي لفظ، في دبر الغداة لم يلحق به ذلك اليوم ذنب، وإن جهد الشيطان.
وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن ابن عباس قال: من صلى ركعتين بعد العشاء فقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وخمس عشرة مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ بنى الله له قصرين في الجنة يتراآهما أهل الجنة.
وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى ركعتين بعد عشاء الآخرة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وعشرين مرة ﴿ قل هو الله أحد ﴾ بنى الله له قصرين في الجنة يتراآهما أهل الجنة» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن ابن عباس قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ مائتي مرة في أربع ركعات في كل ركعة خمسين مرة غفر الله له ذنوب مائة سنة خمسين مستقبلة وخمسين متأخرة.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ [ سورة الفلق] و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [ سورة الناس] ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده.
يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والطبراني عن عبد الله بن حبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والمعوّذتين حين تصبح وحين تمسي ثلاثاً يكفيك من كل شيء» .
وأخرج أحمد عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان العظيم؟
قلت بلى جعلني الله فداءك، قال: فأقرأني ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعود برب الناس ﴾ ثم قال: يا عقبة لا تنساهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن» .
وأخرج النسائي وابن مردويه والبزار بسند صحيح «عن عبد الله بن أنيس الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره ثم قال له: قل، فلم أدر ما أقول، ثم قال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثم قال لي: قل ﴿ أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ﴾ حتى فرغت منها، ثم قال لي: ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ حتى فرغت منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا فتعوّذ فما تعوّذ المتعوّذون بمثلهن قط» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة يصلي فوضع يده على الأرض لدغته عقرب فتناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعله فقتلها، فلما انصرف قال: لعن الله العقرب ما تدع مصلياً ولا غيره أو نبياً أو غيره ثم دعا بملح وماء فجعله في إناء، ثم جعل يصبه على إصبعه حيث لدغته ويمسحها ويعوذها بالمعوذتين، وفي لفظ فجعل يمسح عليها ويقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق علي عن ابن عباس قال: الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس كفو، وليس كمثله شيء.
وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ في العظمة وابن جرير عن كعب قال: إن الله تعالى ذكره أسس السموات السبع والأرضين السبع على هذه السورة ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ﴾ وإن الله لم يكافئه أحد من خلقه.
قوله: ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ اختلف قول المفسرين في معنى "الصمد"، وتفسيره، فقال ابن عباس (١) (٢) ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ قالوا: وما الصمد؟!
فقال رسول الله: "السيد الذي يصمد إليه (في) (٣) (٤) (٥) وقال السدي: هو المصمود إليه في الرغائب (٦) (روى) (٧) (٨) ويقال للمقصود: المرغوب إليه (المعروف بالإغاثة) (٩) (١٠) (وقال) (١١) (١٢) إن يَلْتَقِ الحيُّ الجميعُ تُلاقِني ...
إلى ذِروة البيتِ الرفيع المصمَّدِ (١٣) وروى الأعمش عن أبي وائل أنه قال: الصمد السيد الذي قد انتهى سؤدده (١٤) قال الأزهري: أما الله فلا نهاية لسؤدده، لأنه سؤدد غير محدود (١٥) وهذا معنى قول ابن عباس (في رواية الوالبي) (١٦) (١٧) واختاره أبو إسحاق، وأحسن في (العبارة عن) (١٨) (١٩) (٢٠) ومعنى هذا أن السؤدد انتهى إلى الله، فلا سيد فوقه، كما أن العلم انتهى إليه، ففوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إليه، فلا عالم فوقه، (وهذا معنى ما روي عن عكرمة أنه قال) (٢١) (٢٢) وذكر (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال الحسن: الصمد الدائم (٢٦) وقال مجاهد: الصمد الذي لا جوف له (٢٧) وهو قول (عطية (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب (٣٤) (وقال عكرمة الذي لا يخرج منه شيء (٣٥) هذا قول هؤلاء) (٣٦) (٣٧) وأما في تفسير الصمد فقد يكون في العربية الصمد الشيء المصمت الذي لا جوف له، المسدود الجوف، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد وقد صمدتها أصمدها وشيء مصمد صلب، وليس فيه خور (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ومن أجاز أن يكون معنى "الصمد" في صفات الله هو: ضد الأجوف فقد جهل، (وقال ما لا يجوز (٤٣) (٤٤) (٤٥) (قال ابن قتيبة: وهو على) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) والقول في الصمد: أنه السيد الذي يصمد إليه الحوائج) (٥٠) (قال أبو عبيدة (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (والعرب تقول لسيدها ولعظيمها: صمد، كما قال (٥٥) عَلَوْتُه بحسامي ثم قلت له خُذْها ...
حُذَيفَ فَأَنتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ (٥٦) (٥٧) ألا بكَّرَ النَّاعي بِخَيْري بني أسَدْ ...
بعمرو بن مَسْعُود وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ (٥٨) (٥٩) وروي عن أبي بن كعب في تفسيره: الصمد أنه ما بعده وهو قوله: (الذي) (٦٠) (٦١) (وقال عطاء عن) (٦٢) (٦٣) وقال مقاتل: إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير بن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله، وابرأ نفسه مما قالوا فقال "لم يلد ولم يولد" (٦٤) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾ قال أبو إسحاق: معناه لم يكن أحد مِثلًا له (٦٥) (وقال أبو عبيدة: يقال كفواً وكَفِيء (٦٦) (٦٧) قال حسان: ورُوحُ القُدْسِ ليسَ له كِفَاءُ (٦٨) (٦٩) لا تَقْذِفَنِّي بركْنٍ لا كِفاءَ لَهُ (٧٠) وقال آخر: أما كانَ عَيَّادٌ كفيئًا لدارمٍ ...
بلى ولأبيات بها الحُجُراتُ (٧١) والأصل في كُفُوءٌ: الضم (٧٢) وقال أبو علي: قوله: "ولم يكن له كفوا أحد" له متعلق بكان، وكفؤًا منتصب بأنه خبر تقدم، كما أن قوله: "وكان حقًا علينا نصر المؤمنين" كذلك) (٧٣) (١) ورد معنى قوله في: "بحر العلوم" 3/ 525، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245 من طريق الضحاك "تفسير القرآن العظيم" 4/ 609، وطريق نافع ابن الأزرق عن ابن عباس قال عنها الهيثمي: رواه الطبراني، وفي إسناده جويبر، وهو متروك: "مجمع الزوائد" 7/ 145 سورة قل هو الله أحد، كما ورد من غير ذكر طريق عطاء في: "زاد المسير" 8/ 330، و"التفسير الكبير" 31/ 181.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣) ساقط من (أ).
(٤) في (أ): (اللمى).
(٥) ورد قوله في "تهذيب اللغة" 12/ 150 (صمد).
(٦) "الكشف والبيان" 13/ 190 أ، و"النكت والعيون" 6/ 372، و"معالم التنزيل" 4/ 545، و"التفسير الكبير" 32/ 181، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، و"مجموع الفتاوى" 17/ 216، و"تفسير سورة الإخلاص لابن تيمية" ص 40.
(٧) ساقط من (أ).
(٨) في (أ): (الله).
(٩) ما بين القوسين ساقط من (1).
(١٠) لم أعثر على مصدر هذا القول.
(١١) ساقط من (أ).
(١٢) "تهذيب اللغة" 12/ 151، وانظر: "لسان العرب" 3/ 258 (صمد).
(١٣) ورد البيت في: "ديوانه" 30، ط.
المؤسسة العربية، و"معجم مقاييس اللغة" 3/ 310 (صمد)، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب برواية (وإن)، و"مجموع الفتاوى" 17/ 217، و"دقائق التفسير" 6/ 357، و"تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص 59، و"الأمالي" لأبي علي القالي: 2/ 288.
معنى البيت: الصمد: القصد، يقول: وإن اجتمع الحي للافتخار.
تلاقني أنتمي وأعتزي.
إلى ذروة البيت الشريف: إلى أعلى الشرف.
يريد أنه أوفاهم حظًا من الحب أعلاهم سهمًا من النسب.
(١٤) ذكره البخاري في: "الجامع الصحيح" من قول أبي وائل تعليقًا 3/ 334: التفسير: باب 2 وقال الحافظ ابن حجر في الفتح وصله الفريابي من طريق الأعمش عنه وجاء أيضًا من طريق عاصم عن أبي وائل يذكر ابن مسعود فيه.
"فتح الباري" 8/ 740.
وقال د.
عبد العلي: أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 299 ح 666، وقال الألباني: إسناده حسن وأخرجه أيضًا من قول أبي وائل من رواية ابن نمير عن وكيع، وابن إدريس عن الأعمش عنه ورجال إسناده في الصحيحين: 1/ 3 ح 627 == وأخرجه الطبري، والبيهقي في "الأسماء والصفات" من وجه آخر عن الأعمش عنه (1/ 109) ورجالهما أيضًا ثقات.
"تفسير سورة الأخلاص" تح د.
عبد العلي ص 39 و52.
كما ورد أيضًا في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 407، و"جامع البيان" 30/ 346، و"بحر العلوم" 3/ 525، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، و"لباب التأويل" 4/ 427 وعزاه إلى البخاري في أفراده، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"الأسماء والصفات" 1/ 109، و"مجموع الفتاوى" 17/ 216 و219 و225، و"دقائق التفسير" 6/ 359.
(١٥) "تهذيب اللغة" 12/ 150: (صمد).
(١٦) ساقط من (أ).
(١٧) "جامع البيان" 30/ 346 مطولاً، و"الكشف والبيان" 13/ 185 ب من طريق ابن أبي طلحة، و"معالم التنزيل" 4/ 544 من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، و"زاد المسير" 8/ 330 عن ابن أبي طلحة عنه، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، و"لباب التأويل" 4/ 427، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 609 برواية ابن أبي طلحة عنه، وكذلك "الدر المنثور" 8/ 263 وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، و"الأسماء والصفات" 1/ 108، و"دقائق التفسير" 6/ 359، و"مجموع الفتاوى" 17/ 220، و"تفسير سورة الإخلاص" ص39 و46 وقال محققه: إن إسناده من طريق أبي صالح به لا بأس به: هامش 51 ص 46.
(١٨) ساقط من (أ).
(١٩) ساقط من (أ).
(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 377 بنصه.
(٢١) ما بين القوسين ورد بدلًا منه في (أ) عبارة: قال عكرمة.
(٢٢) "الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 545، و"تفسير سورة الإخلاص" 39.
(٢٣) أي الزجاج.
(٢٤) في (أ): (مصمد).
(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 378 بتصرف.
(٢٦) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 407، و"بحر العلوم" 3/ 525، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"زاد المسير" 8/ 331 من غير عزو، و"مجموع الفتاوى" 17/ 219، وورد بمعناه في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 570، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 445، قال عنه الألباني في "كتاب السنة" 1/ 302: ح 681 إسناده ضعيف مقطوع.
(٢٧) "تفسير الإمام المجاهد" 760، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 407، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 542، و"جامع البيان" 30/ 344 وعزاه أيضًا إلى الحسن وعامر، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 331، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610 وعزاه أيضًا إلى ابن مسعود وابن عباسٌ وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن بريدة، وعكرمة، وعطاء والسدي، و"فتح القدير" == 5/ 516، و"مجموع الفتاوى" 17/ 215، 224، و"دقائق التفسير" 6/ 359، و"تفسير سورة الإخلاص" ص 50 - 51 وقال محققه: سنده صحيح، وعند الألباني في تخريج السنة: إسناده صحيح مقطوع: 1/ 300: ح 673.
(٢٨) "تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"فتح القدير" 5/ 516.
(٢٩) "جامع البيان" 30/ 345، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"زاد المسير" 8/ 331، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"مجموع الفتاوى" 17/ 215.
(٣٠) "الكشف والبيان" 13/ 179 ب، و"تهذيب اللغة" 12/ 150 (صمد)، و"مجموع الفتاوى" 15/ 215، قال الألباني في "ظلال الجنة" 1/ 300: ح 688، 689: إسناده ضعيف مقطوع.
(٣١) "جامع البيان" 3/ 345، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" 8/ 331، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"مجموع الفتاوى" 17/ 224، قال الألباني في "ظلال الجنة" 2/ 301: ح 685 - 686: إسناده مقطوع فيه ضعف.
(٣٢) ما بين القوسين ذكرت في (أ) عبارة: (وجماعة)؛ بدلاً من (تعدادهم).
(٣٣) في (أ): (المتصمت).
(٣٤) "جامع البيان" 30/ 345، و"الكشف والبيان" 13/ 189 أ، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"المحرر الوجيز" 5/ 536، و"البحر المحيط" 8/ 528، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 610، و"فتح القدير" 5/ 516، و"مجموع الفتاوى" 17/ 15، 221، 224 دقائق التفسير: 6/ 359، وقال الألباني في ظلال الجنة: 1/ 302: ح 682: إسناده صحيح مقطوع.
(٣٥) "جامع البيان" 30/ 345، و"الكشف والبيان" 13/ 190 أ، و"مجموع الفتاوى" ==17/ 215، و"دقائق التفسير" 6/ 359، "تفسير سورة الإخلاص" ص 47 قال محققه: إسناده صحيح -حاشية 6 - ، وعلق ابن تيمية عليه فقال: كلام صحيح؛ بمعنى أنه لا يفارقه شيء منه "مجموع الفتاوى" 17/ 240 وقال الألباني عن رواية عكرمة: إسناده ضعيف مقطوع: "ظلال الجنة في تخريج السنة" 1/ 299 ح 667.
(٣٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣٧) قد أثبت الله سبحانه لنفسه صفة الرجل، فنثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه اتباعاً لمذهب السلف من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف إثباتًا يليق بذاته، فعن أنس قال: قال رسول الله - -: "يلقى في النار وتقول: هل من مزيد حتى يضع قدمه أو رجله عليها فتقول قط قط" أخرجه البخاري في: "الجامع الصحيح" 3/ 296 ح 4848: كتاب التفسير: باب 50 رقم 1.
(٣٨) الخور: هو الصوت "الصحاح" 2/ 651 (خور).
(٣٩) انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 150 - 151 (صمد)، و"الصحاح" 2/ 499، و"لسان العرب" 3/ 258، و"تاج العروس" 2/ 401.
(٤٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤١) المتضاغط الضغط والضغطة: عصر شيء إلى شيء ضغطه يضغطه ضغطًا: زحمه إلى حائط ونحوه، والتضاغط التزاحم.
"لسان العرب" 7/ 342 (ضغط).
(٤٢) هذا الكلام من الإمام الواحدي يدل على أشعريته، ويتضح ذلك عند قوله: "ولا == رجل"؛ لثبوت هذه الصفة لله تعالى.
وعند قوله: "فلا معنى لتخصيص الجوف دون غيره في صفة الله تعالى"؛ لأن قوله: "وغيره" قد يدخل فيه ما هو صفة ثابتة لله تعالى.
ثم نفيه لصفة الصمد بالمعنى الثاني، وهو الذي لا جوف له، وضمنه أنواعًا من النفي مثل قوله: لا جوف، لا عضو، لا رأس ..
إلخ.
وهذه طريقة المتكلمين في النفي حيث يتقون عن الله تعالى من الصفات ما لا يتضمن كماله ضده، بخلاف منهج الكتاب والسنة، فإنه قائم على النفي المتضمن كمال ضده لله تعالى كنفي السِنَة والنوم الدال على كمال الحياة والقيومية.
وكذا وصفه بالصمد على المعنى الثاني لأنه الذي لا جوف له فإنه راجع لصفة الكمال التي دل عليها المعنى الأول، وقد وضح شيخ الإسلام ذلك فقال: والاسم "الصمد" فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة، وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: أحدها: أن الصمد هو الذي لا جوف له.
والثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج.
والأول قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني: قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين.
ثم قال: قلت: الاشتقاق يشهد جميعًا قول من قال: إن "الصمد" الذي لا جوف له، وقول من قال إنه السيد، وهو على الأول أدل، فالأول أصل للثاني، ولفظ "الصمد" يقال على ما لا جوف له في اللغة ..
وأصل هذه المادة الجمع والقوة -ثم قال- لم يقل الله صمد؛ بل قال: "الله الصمد"، فبين أنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه، فإنه المستوجب لغايته على الكمال، والمخلوق وإن كان صمدًا من بعض الوجوه، فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه، فإنه يقبل التفرقة والتجزئة، وهو أيضًا محتاج إلى غيره، فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء، ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك وتعالى، وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض، والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك؛ بل حقيقة = (٤٣) قد رد قول الإمام الواحدي وأبطل في الحاشية السابقة.
(٤٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٤٥) ورد في "بحر العلوم" 3/ 525، و"مجموع الفتاوى" 17/ 226، و"دقائق التفسير" 6/ 52 تفسير سورة الإخلاص، قال د.
عبد العلي: جاء في حديث طويل أخرجه ابن جرير: 1/ 203 والبيهقي في "الأسماء والصفات" 457 عن ابن مسعود وابن عباس، وسنده ضعيف.
(٤٦) ما بين القوسين غير مقروء في (ع).
(٤٧) "تفسير غريب القرآن" 542 بيسير من التصرف، وقد بين ابن تيمية مراد ابن قتيبة قال: لا إبدال في هذا، ولكن هذا من جهة الاشتقاق الأكبر ..
ثم قال - فالأشتقاق الأصغر اتفاق القولين في الحروف وترتيبها؛ والأوسط اتفاقهما في الحروف لا في الترتيب == والأكبر: اتفاقهما في أعيان بعض الحروف وفي الجنس لا في الباقي كاتفاقهما في كونهما من حروف الحلق إذا قيل حرز، وعزر، وازر، فإن الجميع فيه معنى القوة والشدة، وقد اشتركت مع الراء والزاي والحاء في أن الثلاثة حروف حلقية، وعلى هذا فإذا قيل الصمد: بمعنى المصمت وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار، فهو صحيح، فإن الدال أخت التاء، فإن العمت السكوت وهو إمساك واطباق للفم عن الكلام.
"مجموع الفتاوى" 17/ 232.
(٤٨) ساقط من (أ).
(٤٩) قد بينا صحة القول في معنى الصمد، على خلاف ما زعم الإمام الواحدي فليراجع في موضعه من هذه السورة.
(٥٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥١) "مجاز القرآن" 2/ 316، ولم يستشهد ببيت عمرو بن الأسلع وإنما ببيت الزبرقان، وفيه: ولا رهينة إلا سيد صمد.
(٥٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، وغير مقروء، وأثبت ما رأيت به انتظام الكلام.
والله أعلم.
(٥٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥٥) البيت لعمرو بن الأسلع العبسي -حاشية- "الصحاح".
(٥٦) ورد البيت منسوبًا في "الزاهر" لابن الآنباري 1/ 180، و"بصائر ذوي التمييز" للفيروزابادي 3/ 440 وغير منسوب في: "الكشف والبيان" 13/ 189 ب برواية == (بحسام)، و"الصحاح" 2/ 499 (صمد)، و"لسان العرب" 3/ 258، و"تاج العروس" 2/ 401، و"الأمالي" لأبي علي القالي 2/ 288، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245: برواية: (بحسام، و"روح المعاني" 30/ 273: برواية (حزيت)، و"تفسير سورة الإخلاص" ص 41.
(٥٧) الأسدي هو سبرة بن عمرو الفقعسي، وهو شاعر جاهلي.
"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي 1/ 80.
(٥٨) ورد البيت غير منسوب في: "شعر بني أسد في الجاهلية" د.
أحمد الجاسم ص 37، و"جامع البيان" 30/ 347، و"مجاز القرآن" 2/ 316 برواية بخير، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 378، و"الكشف والبيان" 13/ 189 ب، و"النكت والعيون" 6/ 371، و"المحرر الوجيز" 5/ 536 برواية (بخير)، و"زاد المسير" 8/ 331، و"التفسير الكبير" 32/ 181، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، برواية (بخير)، و"روح المعاني" 30/ 273، و"الأغاني" 22، 92، ط.
دار الكتب، و"فتح القدير" 5/ 517، و"تهذيب اللغة" 12/ 15 (صمد)، و"لسان العرب" 3/ 258، و"فتح الباري" 8/ 740، و"الأمالي" لأبي علي القالي 2/ 288، و"سمط اللآلي" ص 932، و"تفسير سورة الإخلاص" ص 41.
(٥٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٦٠) ساقط من (أ).
(٦١) "الكشف والبيان" 13/ 189/ 2، و"معالم التنزيل" 4/ 544، و"زاد المسير" == 8/ 331 حاشية من النسخة الأزهرية، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 245، وانظر تخريجه عند قوله: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ .
(٦٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٦٣) "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 246 من غير ذكر طريق عطاء.
(٦٤) "بحر العلوم" 3/ 525، و"معالم التنزيل" 4/ 545، و"زاد المسير" 8/ 331، و"لباب التأويل" 4/ 427.
(٦٥) "تهذيب اللغة" 10/ 385: (كفأ)، ولم أجد قوله في معانيه وإنما كما ذكرت وجدته في التهذيب، ولعل الواحدي نقله عن الأزهري، والعبارة الواردة في المعاني قال ...
ويقال فلان كفءٌ فلان مثل كفيّ فلان.
5/ 378.
(٦٦) كفيئًا هكذا وردت في المجاز.
(٦٧) "مجاز القرآن" 2/ 316.
(٦٨) في (أ): (كفاه).
(٦٩) وشطره الأول: "وجبريل آمين الله فينا" وقد ورد البيت في: ديوانه: 8، ط.
دار == صادر، ومعنى: ليس له كفاء أي ليس له نظير - "شرح ديوانه" ص 59: دار الكتاب العربي.
(٧٠) الشطر الثاني منه: ولو تأثفك الأعداءُ بالرِّخدِ ورد البيت في: "ديوانه" 36، ط.
دار بيروت، و"جامع البيان" 30/ 348، وهذا البيت للنابغة لم يورده أبو علي في "الحجة" 6/ 463 - 465.
ومعنى البيت: الكفاء: النظير والمثل.
تأثفك الأعداء: صاروا حولك كالأثافي.
الرفد: العصب من الناس، يريد: لا ترمني بما لا أطيق، ولا يقوم له أحد، ولا يكافئك فيه أعداؤك، ولو أحاطوا بك متعاونين.
"ديوانه" ص 36.
(٧١) البيت لرجل من الحبطات، وهم بنو الحارث بن عمرو بن تميم وكان قد خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن زيد مناة ابن تميم فقال الفرزدق: بنو دارم أكفاؤهم آل مِسْمِع وتُنْلَح في أكفائها الحبطات فأجابه رجل من الحبطات فقال: أما كان ..
البيت المذكور.
انظر: "الكامل" 1/ 64، 2/ 68، و"جامع البيان" 26/ 221.
(٧٢) قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي، وأبو عمرو في رواية اليزيدي وعبد الوارث (كُفُؤاْ) بضم الفاء مهموزة وروى عباس بن الفضل، والقطعي عن محبوب (كُفْؤًا) مهموزًا خفيفًا وقرأ حمزة (كُفْؤًا) مهموزة خفيفة.
واختلف عن نافع، ففي رواية (كُفُؤا) مثقلًا مهموزًا، وبرواية أخرى (كُفْؤًا) خفيفًا مهموزًا، ورواية (كُفُوًا) مثقلًا غير مهموز.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (كُفؤا) مثقلًا مهموزًا، وروي حفص عن عاصم (كُفُوًا) مثقلًا غير مهموز.
== قال أبو منصور: هذه لغات وأجودها: كُفُؤا، ثم كُفْؤًا، وأما كُفُؤًا بترك الهمزة وضم الفاء فيس بكثير.
انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 702، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 808، و"حجة القراءات" ص 777.
(٧٣) ما بين القوسين نقله عن "الحجة" 6/ 463 - 465.
<div class="verse-tafsir"
واختلف في معنى قوله صلى الله عليه سلم: « ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ تعدل ثلث القرآن» فقيل: إن ذلك في الثواب، أي لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، وقيل: إن ذلك فيما تضمنته من المعاني والعلوم؛ وذلك أن علوم القرِآن ثلاثة: توحيد وأحكام وقصص، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد فهي ثلث القرآن بهذا الاعتبار، وهذا أظهر وعليه حمل ابن عطية الحديث.
ويؤيده أن بعض روايات الحديث: «إن الله جزأ القرآن ثلاثةأجزاء، فجعل قل هو الله أحد جزءاً من أجزاء القرآن» وأخرج النسائي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرؤها فقال: أما هذا فقد غفر له» وفي رواية أنه قال: «وجبت له الجنة» ، وأخرج مسلم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في الصلاة ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟
فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه» وفي رواية خرّجها الترمذي «أنه صلى الله عليه وسلم قال للرجل: حبك إياها أدخلك الجنة» وحرّج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ مائة مرة كل يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين.
﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ الضمير هنا عند البصريين ضمير الأمر والشأن والذي يراد به التعظيم والتفخيم، وإعرابه مبتدأ وخبره الجملة التي بعده وهي المفسرة له، والله مبتدأ وأحد خبره.
وقيل: الله هو الخبر وأحد بدل منه وقيل: الله بدل وأحد هو الخبر.
وأحد له معنيان أحدهما أن يكون من أسماء النفي التي لا تقع إلا في غير الواجب كقولك: ما جاءني أحد وليس هذا موضع هذا المعنى وإنما موضعه قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ والآخر أن يكون بمعنى واحد وأصله واحد بواو ثم أبدل من الواو همزة وهذا هو المراد هنا.
واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى.
الأول: أنه واحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد.
والثاني: أنه واحد لا نظير ولا شريك له كما تقول: فلان واحد عصره أي لا نظير له.
والثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض، والأظهر أن المراد في السورة نفي الشريك لقصد الرد على المشركين ومنه قوله تعالى: ﴿ وإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ [البقرة: 163] قال الزمخشري: أحد وصفُ بالوحدانية ونفي الشركاء.
قلت: وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته وذلك في القرآن كثيراً جداً أوضحها أربعة براهين: الأول قوله: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ [النحل: 17] لأنه أذا ثبت أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات لم يمكن أن يكون واحد منها شريكاً له، والثاني قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ [الأنبياء: 22] والثالث قوله: ﴿ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 42] والرابع قوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ [المؤمنون: 91] وقد فسرنا هذه الآيات في مواضعها وتكلمنا على حقيقة التوحيد في قوله: ﴿ وإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ [البقرة: 163].
﴿ الله الصمد ﴾ في معنى الصمد ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصمد الذي يُصمَد إليه في الأمور أي يلجأ إليه.
والآخر: أنه لا يأكل ولا يشرب فهو كقوله: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ [الأنعام: 14] والثالث: أنه الذي لا جوف له، والأول هو المراد هنا على الأظهر، ورجحه ابن عطية بأن الله موجد الموجودات وبه قوامها، فهي مفتقرة إليه إي تصمد إليه إذ لا تقوم بأنفسها.
ورجّحه شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير لورود معناه في القرآن حيثما ورد نفي الولد عن الله تعالى كقوله في مريم «وقالوا اتخذ الله ولداً» ثم أعقبه بقوله: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً ﴾ [مريم: 93] وقوله: ﴿ بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ﴾ [الأنعام: 101] وقوله: ﴿ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 116] وكذلك هنا ذكره مع قوله لم يلد فيكون برهاناً على نفي الولد، قال الزمخشري: صمد فَعَل بمعنى مفعول لأنه مصمود إليه في الحوائج.
﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ .
هذا ردّ على كل من جعل لله ولداً فمنهم النصارى في قولهم: ﴿ عيسى ابن الله ﴾ واليهود في قولهم: ﴿ عزيز ابن الله ﴾ والعرب في قولهم: الملائكة بنات الله وقد أقام الله البراهين في القرآن على نفي الولد، وأوضحها أربعة أقوال: الأول: أن الولد لابد أن يكون من جنس والده.
والله تعالى ليس له جنس فلا يمكن أن يكون له ولد وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ [المائدة: 75] فوصفهما بصفة الحدوث لينفي عنهما صفة القدم فتبطل مقالة الكفار.
والثاني: أن الوالد إنما يتخذ ولداً للحاجة إليه، والله لا يفتقر إلى شيء فلا يتخذ ولداً وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الغني ﴾ [يونس: 68] الثالث: أن جميع الخلق عباد الله والعبودية تنافي النبوة وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً ﴾ [مريم: 93] الرابع أنه لا يكون له ولد إلا لمن له زوجة، والله تعالى لم يتخذ زوجة فلا يكون له ولد وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة ﴾ [الأنعام: 101].
﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ هذا رد عل الذين قالوا: أنسب لنا ربك، وذلك أن كل مولود محدث، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده، القديم الذي كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولوداً تعالى عن ذلك.
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ الكفؤ هو النظير والمماثل قال الزمخشري: يجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، فيكون نفياً للصاحبة.
وهذا بعيد والأول هو الصحيح ومعناه أن الله ليس له نظير ولا شبيه ولا مثيل، ويجوز في كفوءاً ضم الفاء وإسكانها مع ضم الكاف.
وقد قرئ بالوجهين ويجوز أيضاً كسر الكاف وإسكان الفاء، ويجوز كسر الكاف وفتح الفاء والمدّ ويجوز فيه الهمزة والتسهيل وانتصب كفواً على أنه خبر كان، وأحد اسمها، قال ابن عطية: ويجوز أن يكون كفواً حالها لكونه كان صفة للنكرة فقدم عليها، فإن قيل: لم قدَّم المجرور وهو له على أسم كان وخبرها، وشأن الظرف إذا وقع غير خبر أن يؤخر؟
فالجواب: من وجهين: أحدهما: أنه قدم للاعتناء به والتعظيم، لأنه ضمير الله تعالى وشأن العرب تقديم ما هو أهم وأولى.
والآخر: أن هذا المجرور به يتم معنى الخبر وتكمل فائدته، فنه ليس المقصود نفي الكفؤ مطلقاً إنما المقصود نفي الكفؤ عن الله تعالى، فلذلك اعتنى بهذا المجرور الذي يحرز هذا المعنى، فقدم.
فإن قيل: إن قوله: ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ يقتضي نفي الولد والكفؤ فلم نص على ذلك بعده؟
فالجواب: أن هذا من التجريد، وهو تخصيص الشيء بالذكر بعد دخوله في عموم ما تقدم، كقوله تعالى: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ [البقرة: 98] ويفعل ذلك لوجهين يصح كل واحد منهما هنا؛ أحدهما: الإعتناء، ولا شك أن نفي الولد والكفؤ عن الله ينبغي الاعتناء به للرد على من قال خلاف ذلك من الكفار.
والآخر: الإيضاح والبيان، فإن دخول الشيء في ضمن العموم ليس كالنص عليه فنص على هذا بياناً، وإيضاحاً للمعنى ومبالغة في الرد على الكفار، وتأكيداً لإقامة الحجة عليهم.
القراءات: كانوا أبو عمرو يستحب الوقف على قوله ﴿ قل هو الله أحد ﴾ وإذا وصل كان له وجهان من القراءة: أحدهما التنوين وكسره، والثاني حذف التنوين كقراءة عزير بن الله لاجتماع الساكنين، وكل صواب ﴿ وكفؤاً ﴾ بالسكون والهمزة: حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل ورويس عن يعقوب.
وكان حمزة يقف ساكنة الفاء ملينة الهمزة ويجعلها شبه الواو إتباعاً للمصحف.
وقرأ حفص غير الخراز مثقلاً غير مهموز.
الباقون: مثقلاً مهموزاً.
الوقوف: ﴿ أحد ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعدها جملة أخرى أو خبران آخران ﴿ الصمد ﴾ ه ج لمثل ذلك ﴿ ولم يولد ﴾ لا ﴿ أحد ﴾ ه.
التفسير: قد وردت الأخبار الكثيرة بفضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن فاستنبط العلماء لذلك وجهاً مناسباً وهو أن القرآن مع عزارة فوائده اشتمل على ثلاثة معانٍ فقط: معرفة ذات الله وتقدّس، ومعرفة صفاته وأسمائه، ومعرفة أفعاله وسننه مع عباده.
ولما تضمنت سورة الإخلاص أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس، وازنها رسول الله بثلث القرآن.
"وعن أنس أن رجلاً كان يقرأ في جميع صلاته قل هو الله أحد فسأله الرسول عن ذلك فقال: يا رسول الله إني أحبها فقال: حبك إياها يدخلك الجنة" .
أما سبب نزولها فعن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي انسب لنا ربك فأنزل الله هذه السورة.
وعن عطاء عن ابن عباس قال: قدم وفد نجران فقالوا: صف لنا ربك أزبرجد أم ياقوت أم ذهب أم فضة.
فقال: إن ربي ليس من شيء لأنه خلق الأشياء فنزلت ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقالوا: هو واحد وأنت واحد فقال ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ قالوا: زدنا من الصفة.
قال ﴿ الله الصمد ﴾ فقالوا: وما الصمد؟
قال: الذي يصمد الخلق إليه في الحوائج فقالوا: زدنا فقال ﴿ لم يَلد ﴾ كما ولدت مريم ﴿ ولم يولد ﴾ كما ولد عيسى ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ يريد نظيراً من خلقه.
ولشرف هذه السورة سميت بأسماء كثيرة أشهرها الإخلاص لأنها تخلص العبد من الشرك أو من النار.
وقد يقال لها سورة التفريد أو التجريد أو التوحيد أو النجاة أو الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله أو المعرفة لما روى جابر أن رجلاً صلى فقرأ السورة فقال النبي : هذا عبد عرف ربه.
أو الجمال لقوله " إن الله جميل يحب الجمال" ومن كمالات الجميل كونه عديم النظير.
أو الأساس لقوله " "أسست السموات السبع والأرضون اسبع على ﴿ قل هو الله أحد ﴾ " " وهذا قول معقول لأن القول بالتثليث يوجب خراب السموات والأرض كما قال ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا أن ادعو للرحمن ولداً ﴾ فوجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة العالم.
وقد تسمى سورة النسبة لما مر أنها نزلت عند قول المشركين " انسب لنا ربك " فكأنه قيل: نسبه الله هذا.
والمانعة لرواية ابن عباس أنه قال لنبيه حين عرج به: أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز العرش، وهي المانعة تمنع فتان القبر ونفحات النيران، والمحضرة لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت، والمنفرة أي للشيطان، والراءة أي من الشرك، وسورة النور لقوله " إن لكل شيء نوراً ونور القرآن قل هو الله أحد" قلت: وذلك لأن الله نور الله نور السموات والأرض، وكما أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة كذلك نور القرآن في أقصر السور سوى " الكوثر ".
ثم إن العلماء أجمعوا على أن الوحدانية مما يمكن معرفتها بطريق السمع والعقل جميعاً وليست كمعرفة ذات الصانع حيث لا يمكن معرفته إلا بطريق العقل فقال أهل العرفان في بيانه: إن العقل يريد عالماً كاملاً أميناً تودع عنده الحسنات، والشهوة تريد غنياً تطلب منه المستلذات بل العقل كالإنسان الذي له همة عليه لا تنقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي يطلب غنياً يتكدى منه بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له على النعم السابقة، والهوى يطلبها ليستفيد منه النعم اللاحقة.
فلما عرفاه كما أرادا تعلقاً بذيل عنايته فقال العقل: لا أشكر أحداً سواك.
وقالت الشهوة: لا أسأل أحداً إلا إياك.
فجاءت الشبهة وقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلاً؟
ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا باباً آخر؟
فبقي العقل متحيزاً وتبغصت عليه راحة المعرفة حين أراد أن يسافر في عالم الاستدلال لتحصيل ربح التوحيد ويغوص في بحر الفكر ليعود بجوهرة النحر، فأدركته عناية المولى فقال: كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري؟
فبعث إلأيه رسولاً صادقاً وقال: لا تقله من عند نفسك فيوقعك الوهم في الشك ولكن اقبله من الصادق الأمين ﴿ قل هو الله أحد ﴾ والضمير للشأن أي الشأن والحديث الله أحد.
هذا قول جمهور النجاة وقريب منه قول الزجاج: إن المراد هذا الذي سألتم عنه الله أحد.
وقيل: هو كناية عن الله فيكون كقولك " زيد أخوك قائم " قال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد.
وقال غيره: الفرق بين الواحد والأحد من ثلاثة أوجه أحدها: أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه.
وثانيها أنك إذا قلت " فلان لا يقاومه واحد " جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان.
وثالثها أن الواحد يستعمل في الإثبات كقولك " رأيت رجلاً واحداً " والأحد يستعمل في النفي نحو " ما رأيت أحداً " فيفيد العموم.
قلت: ولعلّ وجه تخصيص الله بالأحد هو هذا المعنى وذلك أنه أبسط الأشياء وكأنك قلت: إنه لا جزء له أصلاً بوجه من الوجوه ومن هنا قال بعضهم: إن الأحد يدل على جميع المعاني السلبية ككونه ليس بجوهر ولا عرض ولا متحيز وغير ذلك كما أن اسم الله يدل على مجامع الصفات الإضافية لأن الله اسم للمعبود بالحق واستحقاق العبادة لا يتجه إلا إذا كان مبدأ لجميع ما سواه عالماً قادراً إلى غير ذلك.
وأما لفظة ﴿ هو ﴾ فإنها تدل على نفس الذات فتبين أن قوله ﴿ قل هو الله أحد ﴾ يدل على الذات والصفات جميعاً.
وههنا لطيفة وهي أن قوله ﴿ هو ﴾ إشارة إلى مرتبة السابقين الذين لا يرون معه شيئاً آخر فيكفي الكناية بالنسبة إليهم، وأما اسم ﴿ الله ﴾ فإشارة إلى مرتبة أصحاب اليمين وهم الذين عرفوه بالبرهان مستدلين على الوجوب بالإمكان فهم ينظرون إلى الحق وإلى الخلق جميعاً فيحتاجون في التمييز إلى اسمه العلم.
وأما " الأحد " فرمز إلى أدون المراتب الإنسانية وهم أصحاب الشمال الذي يثبتون مع الله إلهاً آخر فوجب التنبيه على إبطال معتقدهم بأن الله أحد لا شريك له أو لا جزء بوجه من الوجوه، وبعبارة أخرى هو للأخص والله للخواص وأحد للعموم.
وأما " الصمد " فقيل: إنّه فعل بمعنى " مفعول " من صمده إذا قصده أي هو السيد المقصود إليه في الحوائج كما مرّ في الحديث الوارد في سبب النزول.
وقيل: هو الذي لا جوف له ومنه قولهم لسداد القارورة " صماد " وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة.
قال ابن قتيبة: يجوز على هذا التفسير أن تكون الدال بدل التاء في " مصمت ".
وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة: الصمد هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء.
ولا يخفى أن هذين المعنيين من صفات الأجسام حقيقة إلا أن مقدّمة الآية وهي ﴿ الله أحد ﴾ تمنع من حملهما على حقيقتهما لأن كل جسم مركب فوجب الحمل على المجاز وهو أنه لوجوب ذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وسائر صفاته، ومن هنا اختلفت عبارات المفسرين فعن بعضهم: الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه مبدأ مرجوعاً إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك.
وعن ابن مسعود والضحاك: هو السيد الذي انتهى سودده.
وقال الأصم: هو الخلق للأشياء لأن السيد الحقيقي هو هو.
وقال السدي: هو المقصود في الرغائب المستغاث عند المصائب.
وقال الحسن بن الفضل: هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وقال قتادة: لا يأكل ولا يشرب وهو يطعم ولا يطعم.
وعن جعفر الصادق أنه يغلب ولا يغلب.
وسائر عباراتهم كلها متقاربة تدور حول ما ذكرنا.
سؤال: لما جاء الخبر ههنا معرفاً وفي قوله ﴿ الله أحد ﴾ منكراً؟
الجواب لأنه كان معلوماً عندهم أنه غني على الإطلاق ومرجوع إليه في الحوائج ﴿ فإذا مس الإنسان ضرُّ دعا ربه ﴾ أما التوحيد فلم يكن ثابتاً في أوهامهم بل ركز في أوهام العامة أن كل موجود فإنه محسوس وكل محسوس فهو منقسم فلا جرم جاء لفظ ﴿ أحد ﴾ منكراً ولفظ ﴿ الصمد ﴾ معرفاً.
آخر: لم مكرر ثانياً اسم الله ولم يقتصر على ضميره؟
الجواب لما قيل: هو المسك ما كررته يتضوّع *** ولأنه قد سبق ضمير الشأن ولأنه يلزم الاشتراك، ولما مر أن الإشارة بلفظة " هو " مرتبة الصديقين والخطاب بقوله ﴿ الله الصمد ﴾ لعموم الخلائق والسابقون منهم قليل فاعتبار الأغلب أولى.
آخر: كون الشخص مولوداً أقدم من كونه والداً فلم قدم قوله ﴿ لم يلد ﴾ على قوله ﴿ ولم يولد ﴾ أجيب بأن النزاع إنما وقع في كونه والداً حين قالت النصارى المسيح ابن الله، واليهود عزير ابن الله، ومشركو العرب الملائكة بنات الله، بل المتفلسفة الذين قالوا إنه يتولد عن واجب الوجود عقل، وعن العقل الأول عقل آخر ونفس إلى آخر العقول العشرة والنفوس وهو العقل الفعال المدبر بزعمهم لما دون فلك القمر، فكان نفي كونه والداً أهم.
ثم أشار إلى طريق الاستدلال بقوله ﴿ ولم يولد ﴾ كأنه قال: الدليل على امتناع الوالد اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره.
وأنا أقول: كون الشخص مولوداً اعتبار لمعلوليته، وكونه والداً اعتبار لعليته، ولا ريب أن اعتبار العلية مقدم على اعتبار المعلولية كما أن العلة بالذات متقدمة على المعلول، فالسؤال مدفوع.
قالوا: وإنما اقتصر على لفظ الماضي لأن النزاع كان واقعاً في المسيح وعزير ونحوهما فوقع قوله ﴿ لم يلد ﴾ جواباً عما ادعوه عليه.
وأما قوله ﴿ ولم يولد ﴾ فلم يكن مفتقراً إلى هذا التوجيه لأن كل موجود إذا لم يكن مولوداً في مبدإ تكوّنه فلن يكون مولوداً بعد ذلك.
وأقول: لعل المراد بقوله ﴿ لم يلد ﴾ نفي أن يكون هو ممن شأنه الولادة وهذا المعنى يشمل كل زمان، وبهذا التفسير لا يصح على العاقر أنه لا يلد ويصح أنه يلد.
واعلم أنه بين كونه في ذاته وحقيقته منزهاً عن جميع أنحاء التراكيب بقوله ﴿ هو الله أحد ﴾ ثم بين كونه ممتنع التغير عما هو عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال بقوله ﴿ الله الصمد ﴾ ثم أراد أن يشير إلى نفي من يماثله وهو إما لا حق وأبطله بقوله ﴿ لم يلد ﴾ وإما سابق وأحاله بقوله ﴿ ولم يولد ﴾ وإما مقارن في الوجود وزيفه بقوله ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ ويجوز أن يكون الأوّلان إشارة إلى نفي من يماثله بطريق التولد أو التوالد، والثالث تعميماً بعد التخصيص.
ويحتمل أن يراد بالأخير نفي المصاحبة لأن المصاهرة تستدعي الكفاءة شرعاً وعقلاً فيكون رداً على من حكى الله عنهم في قوله ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ قاله مجاهد.
سؤال: قد نص سيبويه في كتابه على أن الخبر قد يقدم على الاسم في باب " كان " ولكن تعلق الخبر حينئذ لا يتقدم على الخبر كيلا يلزم العدول عن الأصل بمرتبتين فكيف قدم الصرف على الاسم والخبر جميعاً؟
أجاب النحويون عنه بأن هذا الظرف وقع بياناً للمحذوف كأنه قال: ولم يكن أحد فقيل: لمن؟
فأجيب بقوله " له " نظيره قوله ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ وقوله ﴿ فلما بلغ معه السعي ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ : ذكر أن أهل مكة سألوا رسول الله عن نسب الله .
وقيل: عن صفته.
وقيل عن الله : ما هو؟.
فنزل هذه السورة معلمة بجميع من يُسأل عنه [و]جوابه؛ ولذلك أثبت ﴿ قُلْ ﴾ ؛ ليكون مخاطبة كل مسئول عن ذلك أن قل، لا على تخصيص الرسول بهذا الأمر؛ إذ ليس في حق الائتمار بالأمر إعادة حرف الأمر في الائتمار؛ فتبين بذلك أنه ليس على تخصيص الرسول بالتعليم، بل هو أحق من سبق له الغناء عن تعليم الإجابة لهذا عند حضرة هذا السؤال، كما سبقت منه الدعوة إلى الله - - بحقيقة ما يقضتي ما جرى به السؤال، وكما أثبت كذلك؛ ليقرأه أبدا، وحق المخصوص بالأمر أن يأتمر، ولا يجعل ذلك متلو كذلك في الوقت الذي يحتمل المأمور الأمر به، والوقت الذي لا يحتمل؛ فثبت أن ذلك على ما بينا، ودل قوله: ﴿ قُلْ ﴾ : أنه على أمر سبق عنه السؤال؛ فيكون في ذلك إجابة لما سبق عنه السؤال، وكذلك جميع ما في القرآن ﴿ قُلْ ﴾ ففيه أحد أمرين: إما إجابة عن أمر سبق عنه السؤال؛ فينزل بحق تعريف كل مسئول عن مثله.
أو يكون الله - - إذ علم أنه - - أو من يتبعه يسأل عما يقتضي ذلك الجواب؛ فأنزل ما به يبقى في أهل التوحيد؛ منا منه وفضلا.
ثم لم يجب تحقيق الحرف الذي وقع عنه السؤال إلا لمن شهد وسمع، وقد يتوجه ذلك[الحرف الذي وقع عنه] إلى ما ذكروا من الأسباب وغيرها، وفيما نزل يصلح جواب ذلك كله ويليق به، وإن كنا لا نشهد على حقيقة ما كان أنه ذا، دون ذا ونجيب بذلك لو سئلنا عما ذكرنا، وعن كل حرف يصح في العقل والحكمة الجواب بمثل ما اقتضته هذه السورة.
[و] قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ﴾ : اختلف في تأويله: من الناس من قال: هو إضافة إلى الذي عنه كان - أو يكون - السؤال المقتضي ما جرى به البيان من الجواب، أي: الذي يسألون عنه: ﴿ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴾ إلى آخر السورة.
ومنهم من قال: هو اسم الله الأكبر، يروى ذلك عن بعض أولاد [على بن أبي طالب - م -] أنه كان يقلو في دعائه: "يا هو، يا من لا هو إلا هو، يا من به كانت هوية كل هو"، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أنه هو لذاته هوية كل من سواه؛ لما هو يكون محتملا للتلاشي والوجود، إلا هو لم يزل ولا يزال هو ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ على ما اقتضى بيان وحدانيته في هذه السورة؛ وعلى ذلك قيل: هو الأحد بذاته، المنشئ أحدية كل الآحاد، المتعالى عن كل معاني أحدية من سواه.
والثاني: أن يكون إضافة إلى اسمه الذي لا يحتمله اللسا، وهو الذي لم يطلع عليه الخلائق، وهو الذي يراد في الدعاء: "باسمك الذي من سألك به أعطيته، ومن دعائك به أجبته" فيكون السؤال به بما يكنى عنه من الوجه الذي ذكرت، لا أن يسعه اللسان أو يحتمل الطرق والتفوه به .
والتأويل الأول هو أقرب إلى الأفهام، وأحق أن يكون على ذكر من يقتضي عنه السؤال، ثم التفسير على ما جرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ﴾ : اختلف في المعنى الذي جرى هذا في حق أهل هذا اللسان أنه مما اشتق من أمر عرفوه أو لا عن أمر عرفوه؟
إذ فقي كل لسان لما أريد به عند الذكر لسان العرب اسم يدعى به ويسمى، وإن اختلف وزن كل من ذلك على اختلاف الألسن؛ ليعلم أن الأحرف والتقطيع في التكلم إنما هو ليفهم المقصود، لا على توهم حقيقة الاسم بتلك الحروف والتقطيع، وذلك كما يعبر عن تكوينه الخلائق بـ"كن"، لا على تحقيق كاف أو نون في التكوين؛ فعلى ذلك جميع ما يمسى الله - - لا على تحقيق الحروف التي تجري بها التسمية ممن لا يحتمل طوقه إلا بها؛ لكن عى ما يقرب إلى الأفهام المراد في التفوه به.
وقال قوم: ﴿ ٱللَّهُ ﴾ هو المعبود في لسان العرب لا على الاستحقاق، لكن على وضع ذلك كذلك؛ دليله تسميتهم كل من عبدوه وكل شيء عبدوه: إلها، وإن كان جميع ما سوى إله حق ممن عبد لا يحتمل شيئا من تلك المعاني التي زعم من ادعى الاشتقاق عنها من الاحتجاب، أو الالتجاء إليه، ونحو ذلك؛ فثبت أنه اسم موضوع للمعبود.
وعلى ذلك قوله - -: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ ، أي: معبوده ما يهواه، لا أن للهوى شيئا من ذلك؛ [فيكون المعبود الحق هو الله - - لما له في كل شيء أثر عبودة ذلك] الشيء ودلالة الربوبية له عليه فهو المعبود بذاته، بمعنى المستحق بذاته العبادة من جميع خلقه والاستسلام له والخضوع بما ذكرت من الموضوع في كل آية ذلك، ولا قوة إلا بالله، وهذا تحقيق ما ذهبنا إليه أنه خالق بذاته؛ رحمان رحيم بذاته، موصوف به في الأزل، وإن كان الذي وصل إليه أثر رحمته وفيه ظهور دلالة تدبيره حدث بعد أن لم يكن على ما كانت العبادة والاستحقاق كان ممن حدث وفيمن كان بعد أن لم يكن، وهو إله لم يزل ولا يزال.
وعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ و ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وإن كان من الأشياء ما سيكون، لا أنها كانت كائنة، وكذلك يوم الدين؛ فعلى ذلك أمر "خالق"، ونحو ذلك؛ ومن هذا الوجه أنكر قوم أن يكون الإله اسم معبود في الحقيقة، أو اسما مشتقا على لسان؛ إذ هو لم يزل إلها، ومن به العبادة أو عنه الاشتقاق حادث.
والأصل عندنا: ما ذكرنا: أنه بجميع ما وصف به وصف بذاته؛ إذ لا يحتمل التغير والاستحالة، ولا نيل مدح بغير ممدح، وإنما يمدح به لذاته: لأنه استحق من كلِّ ذلك لوقت كون ذلك، وعلى ذلك القول بـ"العالم" و"القادر": أنه كذلك، وإن كان الذي علمه ممن سواه وكل مقدور عليه حادث بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا بالله.
وقال الضحاك: الله اسمه الأكبر؛ لأنه يبتدأ به في كل موضع.
ثم اختلف في معنى الاشتقاق: فمنهم من يقول: أصله: إله، من أله الرجل إلى آخر، أي: التجأ إليه واستجاره؛ فآلهه، بمعنى: أجاره وآمنه؛ فسمي: إلها على وزن الفعال؛ كما يسمى: إماما؛ لما يؤتم [به]، وفخم بإدخال الألف واللام، ثم لين وحذف الهمزة كما هو لغة قريش، ثم أدغم أحد اللامين في الآخر، فشدد؛ فصار الله.
وعلى ذلك تأويل الصمد: أن يصمد إليه من الحوائج، ويستغاث به ويلتجأ إليه.
وقيل: إن اشتقاقه من وله يله ولها؛ إذا فزع إليه، فسمي به؛ لأن المفزع إليه، وهو قريب من الأول.
ولكن حق ذلك في الاسم أن يكون ولاه، فأبدل الواو ألفا، كما يقال في وكاف: إكاف، وكذلك أهل الحجاز يجعلون الواو ألفا، قال الشاعر: فأقبلت ألهي ثكلى على عجل *** وقيل: سمي به؛ لأنه أله كل شيء، أي: ذلله وعبده؛ فتأله له، أي: عبده، قال: قائلهم: وأله إلهك واحدا متفردا *** ساد الملوك بعزه وتمجدا وقال آخرون: سمي به؛ لاستتاره، ومنه يقال: لهت؛ فلا ترى، وقال الشاعر: لاه ربي عن الخلائق طرا *** خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل: سمي به،؛ لتحير القلوب عن التفكر في عظمته؛ كقوله: ألاهني الشيء حتى ألهت، ومنه مفازة ملهة، يعني: العقل يحار عند النظر إلى عظمته، ومنه أله يأله؛ [فهو إله].
وقال الشاعر: وبهما تيه تأله العين وسطها *** مخففة الأعلام بيد ضرب ما تتملق قال - -: والأصل عندنا: الإغضاء عن هذا؛ لما أن الحاجة إلى تعرف الاشتقاق والوضع؛ لتعرف محل الأمر، وموقع الحكم، ومن جميع ما اشتقوا به الاسم يحتمل تسمية الغير بكل ذلك، وتحقيق الإضافة إلى ذلك وتسميته: إلها، أو إضافة ما به عرف الحقيقة - لا يحتمل غيره وتعالى ، ولا يجوز التسمية به؛ فثبت الغناء في معرفته عن جميع الوجوه التي أريد الاستخراج [منها]ُ؛ إذ هي طرق توصلهم إلى العلم بالمقصود الوقوف على المراد، وقد عرف دون الذي ذكروا، والله أعلم.
والأصل عندنا في ذلك: أن الله - وتعالى - بلطفه يمنع الخلق عن تسمية أحد: إلها، إلا من جهة أحوال تعترض؛ فسموا به على معنى جعل الاسم الذي جرت التسمية به حقيقة له؛ فسموا؛ ظنا منهم أن بذلك التوسل التقرب، لا أن يروا لشيء من ذلك حقيقة ذلك، بل قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، وقالوا: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ ؛ ليعلم أنهم عرفوا الله - - بما دعوا لأنفسهم في ذلك معاني تردهم إلى الله وتعالى ، فذكروا مجازا من أحد لسانين، والله أعلم.
أما لسان الرسل في ذكر الله ففي أمور تقربهم إلى الله ، لقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، وقال: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ﴾ ، وصف مبايعة العبد ونصره أو نصر دينه نصراً لله ومبايعته، بما يقرب ذلك إليه؛ فعلى ذلك تسميتهم ما عبدوها، لا أنهم رأوها آلهة في الحقيقة.
أو عن ألسن الفلاسفة أن ليس لله اسم ذاتي؛ وإما سمي هو بذكر كل ذي شرف ومنزلة عنده؛ فعلى ذلك إذ محل من يعبدون عندهم ما ذكرنا من القول عنهم؛ فسموا به، لا أن حققوا كما ذكروا حقيقة ذلك الاسم إلى من عرفوه أنه إله، ردوا أمرهم في ذلك، وذلك من لطف الله - - فيما سخرهم عليه؛ كتسمية الخالق والرحمن: أنهم لا يسمون أحدا بهما، وإن كثرت أفعاله، وعظمت رحمته في الخلق؛ ليعلم أنها أسماء الله - - منع الخلق عن التسمي بها باللطف من حيث لا يعرف سببه.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ أي: الأمر هو الله أحد؛ كما تقول: إنه زيد قائم، أي: الأمر زيد قائم، جواب من يسألك: ما الأمر والشأن في أن قمت هاهنا؟
فتقول: الأمر زيد قائم، أي: قمت لأجله، إلى هذا يذهب الزجاج؛ كأنه يذهب إلى أنه لما قال: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ، فقيل له: ما الأمر والشأن؟
فقال: الأمر الله أحد؛ أي: ليعرفوا أنه كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَحَدٌ ﴾ يتوجه إلى واحد، ثم "واحد" اسم ينفي المثل في الإضافة، كما يقال: هو واحد الزمان، وواحد الخلق؛ على نفي التشبيه له عما أضيف إليه، ويكون واحدا من حيث العدد بما عن مثله يبتدأ الحساب، ولا يبتدأ من أحد؛ فيصير أحدا من ذا الوجه، وإن كان الله - - بأي حرف ذكر، ففيه ذلك، وهو الواحد الذي يستحيل أن تكون وحدانيته من وجه يحتمل ثانيا، أو من وجه تعديل، هو الواحد الإله الحق المتعالي عن معنى الأعداد والأنداد، وهو على ما ذكر الحكيم في الآحاد أنها أربع: واحد هو كلٌّ لا يحتمل التضعيف؛ لأحالة كون وراء الكل.
وواحد هو الأقل، وهو الذي لا يحتمل التضعيف والتجزؤ؛ لأنه أقل الأشياء، [فإذا تنصف يكون] ذلك النصف أقل منه.
وواحد هو وسط، وهو الذي يحتمل التنصيف والتضعيف جميعا.
والرابع: هو الذي قام به الآحاد هو، ولا هو أخفى من هو، هو الذي انخرس عنه اللسان، وانقطع دونه البيان، وانحسرت عنه الأوهام، وحارت فيه الأفهام، فذلك الله رب العالمين.
والأصل في ذلك: أنه لا سبيل إلى العبارة عنه بغير هذا اللسان، ولا وجه للتقريب إلى الأفهام بهذا اللسان إلا بما جرى به الاعتياد، وظهرت به المعارف؛ فلما ذكرنا من الضرورة جعل التوحيد في الحقيقة بالأدلة والبراهين في ضمن التسمية في عبارة اللسان، وحقه مما أخبرت من ضرورات الأحوال في إرادة التقريب إلى الأفهام إلى عبارات اللسان المؤسس على الاعتياد في إظهار المعارف؛ فعلى ذلك القول بـ"واحد"، وبـ"أحد"، لا على أحدية غيره من جهة التوسط، أو من جهة القلة، أو من جهة الكثرة، مع ما كل من هو في معنى واحد، فهو واحد الآحاد المجتمعة، إلا الواحد الذي يقال جزء لا يتجزأ، وهو من غير في الجملة متجزئ عن توهم ذلك الجزء غير متجزئ في الوهم، أو هو الأقل منه، وهو جزء في الحقيقة، والله يتعالى عن الوصف بالكل والبعض، والقليل الكثير، والواحد مما له حق الأبعاض، أو الكل، أو رتبة القليل والكثير، جل ثناؤه؛ بل هو الذي [خلق] جميع ما وصفت، وجعل لكل من ذلك مقابلا بما ذكر؛ ليصير كل من ذلك زوجا؛ فتكمون الوحدانية الحق له، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ﴾ .
فذكر أنه أحد، وذكر أنه الصمد في تحقيق ما وصف من الأحدية، وهو - والله أعلم - أن أحوج جميع من سواه؛ حتى تحقق قصد جميع من سواه بالحاجات إليه بالكون في الخلقة وفي الصلاح بعد الكون، وفي الذي به الدوام بعد الوجود، والوجود بعد العدم ما احتمل الوجود دونه، ولا البقاء إلا به، أحاطت الحاجات بكلٍّ؛ ليكون له الغناء عن الكل في الوجود والبقاء؛ ليتحقق أنه الموجود بذاته والباقي بذاته، والمتعالي عن معنى وجود غيره ، وهو على ما ذكرنا من عجز الألسن عن البيان عنه بالعبارة إلا على التقريب إلى الأفهام بالمجعول من آثار هويته في جميع الأنام.
ثم قيل في ﴿ ٱلصَّمَدُ ﴾ بوجوه يرجع جميع ذلك إلى ما بينا.
أحدها: السيد الذي قد انتهى سؤدده، ومعنى ذلك في المفهوم ومن السؤدد في صرف الحوائج إليه، ورجاء كل المحاوج به.
والثاني: في أن لا جوف له، وذلك في وصف الوحدانية والتعالي عن معنى أحدية غيره من اجتماع أجزاء ممكن فيها الفرج والثقب التي هي كلأجواف.
أو على ما فسر قوم بالذي هو في ظاهر العبارة مخرج الكتاب، وهو الذي ذكر على أثره، وهو قوله - -: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ ؛ لأن كل ذي الكون ذو جوف عنه يتولد الأولاد، ويكون في ذلك إحالة قول من نسب إليه الولد؛ فيقول: كيف يكون له ولد، وقد تعلمون أنه ليس بذي جوف؟
كما قال: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ ﴾ } [الأنعام: 101] في قوم نزهوه عن الصاحبة، وهم لم يشهدوا الولادة إلا بها، كما لم يشهدوا الولادة إلا عن ذي جوف؛ فيكون في هذا نقض قول هذا الفريق فيه بالولادة بما نزهوه عن الجوف، كما في الأول بما برءوه عن الصاحبة.
وقيل: بما لذي الأجواف من الحاجات؛ فيرجع إلى التأويل الأول: أنه المصمود إليه بالحوائج.
وظن قوم: أنه إذا نفى عنه الجوف ثبت أنه مصمت، وذلك معنى اجتماع أجوزاء تتداخل فتتكاثر كذي الجوف هو اجتماع أجزاء تتفق، فإذا تحقق التنزيه عن أحد الوجهين تحقق التنزيه عن الوجه [الآخر]؛ ففي الوجهين نفي الوحدانية، وتحقيق ازدواج الأجساد مع ما قد ينفى عن أشياء أمور لا تحقق لها المقابلة؛ كما ينفى عن الأعراض: السمع والبصر والعلم، لا على إثبات مقابلتها بما علموا أن الأعراض لا تحتمل الإعراضات؛ فعلى ذلك العلم بوحدانية الله - - والتنزيه عن احتمال الأزواج يحقق القول الذي ذكرت.
وقد قيل في الصمد: إنه الدائم، وذلك - أيضا - يرجع إلى ما ذكرت: أنه لا يحتمل التغير والاستحالة وإصابة أثر الحاجة، وهو المصمود إليه بالحوائج.
وقد قائل في التأويل الأول: لقد بكر الناعي بخيري بني أسد *** بعمرو بن سمعود وبالسيد الصمد ويقال: صمدت إلى فلان، أي: قصدت إليه، وهذا يوضح معنى الصمد: أنه يصمد إليه في الحوائج.
وقيل في ذلك: إن الصمد تأويله: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ .
قال الشيخ أبو منصور - -: الأصل: أنه - - عظم القول بالولاد ما عظم بجعل الشركاء؛ وذلك أن معنى الولاد: أن يكون بجوهر من له ولد؛ فيكون بذلك شريكا، وذلك ينفي التوحيد؛ فعلى ذلك القول بالولاد؛ لذلك عظم القول به، وألزم على من عرفه بالأدلة القول ببراءته عن الولاد؛ كما ثبت الاشتراك من الوجه الذي بينا، وقد شهد العالم بكليته بحق الخلقة على أنه - - منشئه عن الشركاء والأشباه يحتمل الأزدواج، ومنه يكون التوالد، والله متعالٍ عن ذلك.
وبعد: فإن [كلام العالم] على الإشارة إلى آحاد متولد من غير، أو يتولد منه غير، وهما أمران راجعان إلى ما عليه حق هذا العالم، وعليه موضوعهم؛ قد ثبت تعاليه عن جميع معاني غيره؛ إذ كل غير له بجميع معانيه حدث بعد أن لم يكن أتى عليه تدبير غيره، وجرى عليه تقدير سلطان غيره، والله - - لو كان يتوهم شيء من ذلك فيه تسقط له الألوهية، وتحقق له الحاجة إلى غيره، ويوجب جري سلطان غيره عليه، وذلك يوجب غيرا خارجا عن هذه المعاني؛ حتى تسلم الأدلة له على حد الموضوع، وتصفو له الشهادة على ما قامت وانقطعت بالخلقة، وبما فيه من الحكمة، ولا قوة إلا بالله.
وعلى ذلك ختم السورة: أن ليس له أحد كفُؤاً؛ لأنه من ذلك توجب المماثلة، وفي المماثلة اشتراك، وقد ثبت فساد العالم بتوهم الاشتراك في تدبيره، وقد لزم التعالي عن المعاني التي للأرواح بها يقوم التدبير، ويجري سلطان التقدير.
وجائز أن يكون مخرج السورة في تحقيق نعت من قد عرفوه بإحدى خصال ثلاث: إما بالتقلين لكل عن كل، إلى أن ينتهي ذلك إلى علام الغيوب، فسخرهم بذلك وأنشأهم على ذلك؛ حتى أيقن من جحد ذلكأنه بعد تلقين متوارث ظاهر لا يحتمل مثله الخطأ في حق توارث الأمور بما يبطل المعارف كلها بأسرها - أنشئوا وبها تعالموا، وذكل كأول علوم الخلق وكالشيء المطبوع الذي لا يستطاع جحده إلا بما لعل الطباع المخلوقة على جهة الرياضة وأنواع الحيل.
وإما بالتأمل فيها من كل جزء من أجزاء العالم من الأدلة عليه والشهادة له؛ فبين الآية للذين عرفوه بأحد الوجوه التي ذكرنا [أن] نعته كذا؛ ليقطع به توهم المثل له، أو العدل في أمر؛ وليعرفوا أن القول بغير خارج عن الوجوه التي ذكرنا، وأنه يرجع إلى ضرب من التلقين، ليس له حق الطباع ولا حق التلقين الذي له صفة الكافية والكلية في التلقين، ولا في حق شهادة الكل بالخلقة يدرك بالتأمل والتفكر؛ فيمتنع عن ذلك، ويرجع إلى حقيقة ما جرى به النعت دون غيره مما [ألفوا فيه] يرجع إلى تلقين من ذكر، وتلبيس بلا حجة؛ لذلك لا يضاعي شيئا مما ذكرت، مع ما في كل ذلك جميع ما في غير ذلك من شهادة الخلقة، والحاجة فيها إلى غيره من الإيجاد والإبقاء، وهو الأحد بما لا دليل لغيره؛ بل في ذلك إحالة الألوهية من كل الوجوه الثلاثة، وهو الصمد بمعنى المصمود إليه في الحوائج، المالك لقضائها، وهو الذي لم يلد ولم يولد، وهو المتعالي عن احتمال ولاد فيه ومنه؛ لما ذكرت من فساد الألوهية الثابتة له بما ذكر من الوجوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ ؛ لما في كل أحد سواه جميع الوجوه التي ممنها يعرف سلطان غيره عليه، وأنه ذليل لمن ذل له كل شيء على السواء، ولا قوة إلا بالله، ومنه الاستهداء، ولما ذكرت سميت هذه السورة: سورة الإخلاص؛ لأنها في إخلاص التوحيد لله، ونفي الأشباه والشركاء في الألوهية والربوبية، وأن كل شيء سواه مربوب ومملوك له، ولا قوة إلا بالله.
هو السيّد الذي انتهى إليه السُّؤدَد في صفات الكمال والجمال، الَّذي تصمد إليه الخلائق.
<div class="verse-tafsir" id="91.PgdnJ"
"سورة الإخلاص" وهي سورة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ تشتمل على أهم الأركان التي قامت عليها رسالة النبي وهي ثلاثة: الأول: توحيد الله وتنزيهه.
والثاني: تقرير الحدود العامة للأعمال ببيان الصالحات وما يقابلها وذلك هو الشريعة.
والثالث: أحوال النفس بعد الموت من البعث وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب.
وأول هذه الأركان هو التوحيد والتنزيه لإخراج العرب وغيرهم من الشرك والتشبيه، وهو ركن الأركان، وأول مأمور به من أصول الإيمان ..
فيصح أن يكون الأمر بتبليغ ما في هذه السورة صادرًا من الحق جل شأنه تحقيقًا لأمر رسالته ، ولإرشاد الناس إلى ما يجب أن يعتقدوه في جانب الله.
ولا حاجة إلى أن يسأل بعض العرب النبي : ما هو نسب الله؟
حتى تنزل السورة جوابًا لهذا السؤال.
وإنما حاجة القوم -بل العالم الإنساني- كانت ماسة إلى بعثة النبي لدعوة المشركين في العرب وأهل الكتاب في سورة واحدة وتعريفهم بالله في أوجز عبارة وأجزلها.
ولما بينا لا يستغرب ما ورد في الخبر من أنها تعدل ثلث القرآن، لأن من عرف معناها حق المعرفة، وأدرك ما أشارت إليه صاحب البصيرة المستنيرة -لم يكن بقية ما جاء في التوحيد والتنزيه عنده إلا تفصيلًا لما علم، وشرحًا لما حصل.
(قل هو): أي الخبر الحق المؤيد بالبرهان الذي لا يرتاب فيه.
وهو ما يعبر عنه النحويون بالقصة أو الحديث (الله أحد).
الأحد: هو الواحد الذي لا كثرة في ذاته فهو ليس بمركب من جواهر مختلفة، فليس بمادي، ولا هو من أُصول متعددة غير مادية، كما يزعم بعض أرباب الأديان -من أنه أصلان فاعلان أو أنه أصول تعتبر واحدًا وهي متعددة- سواء عقل ذلك أم لم يعقل ..
فإن الله بريء منه، لأن العقلاء أجمعت على أن موجد العالم -وهو الله- واجب الوجود.
ووجوب الوجود يستلزم ببداهة العقل وحدة الذات، لأن التعدد في الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى الأجزاء، فلا يكون المجموع -المسمى بالله أو موجد العالم- واجب الوجود.
وكذلك الأفراد نفسها لا يكون كل واحد واجب الوجوب لأنه يختلف عن الآخر بمميزه، وذلك المميز غير ما يشتركان فيه من الوجود، فيكون كل منها مركبًا، والمركب غير واجب كما ذكرنا.
فلم يبق إلا أن يكون واجب الوجود واحدًا - فالله أحد.
ثم إن جميع ما يصل إليه عقلنا وحواسنا من هذا العالم يدخل في نظام واحد يرتبط بعضه ببعض تمام الارتباط، وهو يدل على أن موجده واحد، وتعدد الأصول فيه من مخترعات الأوهام، فيجب أن يخلص العقل منها.
ونكر الخبر أن المقصود أن يخبر عن الله بأنه واحد لا بأنه لا واحد سواه.
فإن الوحدة تكون لكل واحد، تقول: لا أحد في الدار بمعنى لا واحد من الناس فيها.
والذي كان يزعمه المخاطبون هو التعدد في ذاته، فأراد نفي ذلك بأنه أحد.
وهو تقرير لخلاف ما يعتقد به أهل الأصلين من المجوس، وما يعتقده القائلون بالثلاثة منهم ومن غيرهم.
﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ .
الصمد: هو السيد الذي يصمد إليه ويقصد في الحوائج ..
قال الشاعر: لقد بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وهذه القضية (الله الصمد) من الكلمات الجامعة التي تملأ النفس مما قصد بها دون جهد ولا تعب ..
لأن تعريف الصمد -مع العلم بأن لفظ الجلالة معرفة- صير الجملة معرفة الطرفين.
وهي تفيد الحصر، كما تقول: زيد العالم -إذا كان مخاطبك يعتقد أن غيره يشاركه في العلم- فتدفع ظنه بذلك، تريد أنه لا عالم سواه.
فهذه الآية تقول لك: إن حاجة ما في الوجود لا تتوجه إلى غيره، وإن محتاجًا لا يجوز له أن يتوجه في طلب حاجته إلى سواه.
فقد أفادتنا أن جميع المسببات تنتهي إليه، وجميع ما يسري فيها من الوجود فهو من إيجاده، وأن صاحب الاختيار، كالإنسان، إذا أراد أن يحصل مسببًا من سبب فعليه أن يبحث عن طريقة ارتباطه به -على حسب ما أمره الله بالبحث والنظر والتدبر في مخلوقاته- ليعلم كيف يسري الوجود الموهوب من واجب الوجود من الأسباب إلى المسببات، ثم يذهب بها يسندها إلى مبدئها، وهو الأمر الإلهي.
هذا فيما يظهر فيه السبب والمسبب، ويظهر فيه أثر الكسب وعمل الإرادة والقوى الممنوحة البشرية.
أما ما هو وراء ذلك مما لا دخل للإرادة فيه، فعلى صاحب الحاجة أن لا يتوجه في المعونة عليها -بعد الأخذ بالأسباب- إلا إلى الله وحده، فهو المستأثر بالعمل فيما وراء ما جعل لك فيه عملًا.
وقوله: الصمد يشعر بأنه الذي ينتهي إليه الطلب مباشرة بدون واسطة ولا شفيع، وهو في ذلك يدعو إلى ما يخالف عقيدة مشركي العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء.
وكثير من أهل الأديان الأخر يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند الله ينالون بها التوسط لغيرهم في نيل مبتغياتهم فيلجأون إليهم أحياء أو أمواتًا، ويقومون بين أيديهم أو عند قبورهم خاشعين خاضعين، كما يخشعون لله بل أشد خشية.
ثم هو الصمد في تحديد الحدود العامة للأعمال، ووضع أصول الشرائع.
فلا بد أن يرد إلى ما أنزل جميع ما يقع الاختلاف فيه، وليس من المباح أن يرجع إلى قول غيره متى نطق صريح كتابه بخلافه.
وعلى الناس كافة أن يرجعوا إلى الكتاب، فإذا لم يكونوا عارفين به رجعوا إلى العارف وطالبوه بالدليل منه.
وعليهم أن يهتموا بأن يعرفوا منه أصول ما يعتقدون وما يعلمون، فإن لم يفعلوا اختلفت الآراء، وحجبت المذاهب كتاب الله، فدرس معناه، وذهبت الحكمة من إنزاله عبثًا لتعلق الناس بقول غير المعصوم، وعما هم عن هدى المعصوم، فكانوا بمنزلة من لم تأتهم رسالة، وإنما يعملون بما يقول لهم زعماؤهم الذين لا يجدون دليلًا على امتيازهم بالزعامة، فيكونون مستمسكين بما لم ينزل به الله سلطانًا فيسقطون في مهاوي الشقاء الدنيوي والأخروي.
(لم يلد ولم يولد): ينزه الله عن أن يلد أحدًا، ويشير إلى أن فساد رأي القائلين بأن له أبنًا أو بنات -وهم مشركو العرب والهند والنصارى وغيرهم- ويبين لهم أن الإبنية تستلزم الولادة -والتعبير بالانبثاق ونحوه لا يغير المعنى- والولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج، وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو -جل شأنه- منزه عن ذلك.
وقوله: (لم يولد) يصرح ببطلان ما يزعمه بعض أرباب الأديان من أن ابنًا لله يكون إلهًا ويعبد عبادة الإله، ويقصد فيما يقصد فيه الإله ..
بل لا يستحي الغالون منهم، أن يعبروا عن والدته "بأم الله القادرة".
فإن المولود حادث، ولا يكون إلا بمزاج، وهو لا يسلم من عاقبة الفناء.
ودعوى أنه أزالي مع أبيه مما لا يمكن تعقله ولا تغير من حقيقة الأمر شيئًا.
فإذا أراد أحد من هؤلاء أن يدعي التنزيه، فما عليه إلا أن يقلع عن هذه الألفاظ والنسب ويقول كما نقول: ﴿ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ الكفوء: معناه المكافئ والمماثل في العمل والقدرة.
وهو نفي لما يعتقده بعض المبطلين من أن لله ندًا في أفعاله يعاكسه في أعماله، على نحو ما يعتقد بعض الوثنيين في الشيطان مثلًا ..
فقد نفى بهذه السورة جميع أنواع الإشراك، وقرر جميع أصول التوحيد والتنزيه.
وأصل تركيب الآية ولم يكن أحد كفؤًا له.
ولكن قدم المجرور لأن الحديث عن الله، وأشد الاهتمام إنما هو بتنزيهه، فقدم ضميره مع الجار في حيز الكون المنفي، ثم قدم المنفي نفسه -وهو الكفوء- لأن العناية موجهة إلى نفيه، وأخر من سلبت عنه المكافأة لأنه لم يؤت به في الكلام إلا لقصد تعميم النفي فقط ..
وإلا فقد كان يكفي أن يقال: وليس له كفوء.
ولكن العبارة على ما في الآية أبين وأجمل ..
والله أعلم.
وقد قال الله في تفصيل ما أجملته هذه السورة: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ .
وقال: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ .