الآية ١ من سورة الناس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 114 الناس > الآية ١ من سورة الناس

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الناس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الناس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل : الربوبية ، والملك ، والإلهية ؛ فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه ، فجميع الأشياء مخلوقة له ، مملوكة عبيد له ، فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات ، من شر الوسواس الخناس ، وهو الشيطان الموكل بالإنسان ، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ، ولا يألوه جهدا في الخبال .

والمعصوم من عصم الله ، وقد ثبت في الصحيح أنه : " ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينة " .

قالوا : وأنت يا رسول الله ؟

قال : " نعم ، إلا أن الله أعانني عليه ، فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير " وثبت في الصحيح ، عن أنس في قصة زيارة صفية النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، وخروجه معها ليلا ليردها إلى منزلها ، فلقيه رجلان من الأنصار ، فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعا ، فقال رسول الله : " على رسلكما ، إنها صفية بنت حيي " .

فقالا سبحان الله يا رسول الله .

فقال : " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا ، أو قال : شرا " .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا محمد بن بحر ، حدثنا عدي بن أبي عمارة ، حدثنا زياد النميري ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم ، فإن ذكر خنس ، وإن نسي التقم قلبه ، فذلك الوسواس الخناس " غريب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عاصم ، سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم حماره ، فقلت : تعس الشيطان .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تقل : تعس الشيطان ; فإنك إذا قلت : تعس الشيطان ، تعاظم ، وقال : بقوتي صرعته ، وإذا قلت : بسم الله ، تصاغر حتى يصير مثل الذباب " .

تفرد به أحمد إسناده جيد قوي ، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغلب ، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا الضحاك بن عثمان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحدكم إذا كان في المسجد ، جاءه الشيطان فأبس به كما يبس الرجل بدابته ، فإذا سكن له زنقه - أو : ألجمه " .

قال أبو هريرة : وأنتم ترون ذلك ، أما المزنوق فتراه مائلا - كذا - لا يذكر الله ، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله عز وجل .

تفرد به أحمد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد أستجير ( بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ ) وهو ملك جميع الخلق: إنسهم وجنهم، وغير ذلك، إعلاما منه بذلك من كان يعظم الناس تعظيم المؤمنين ربهم أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في مُلكه وسلطانه، تجري عليه قُدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحقّ بالتعبد له ممن يعظمه، ويُتعبد له، من غيره من الناس.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة الناسمثل ( الفلق ) لأنها إحدى المعوذتين .

وروى الترمذي عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لقد أنزل الله علي آيات لم ير مثلهن : قل أعوذ برب الناس إلى آخر السورة و قل أعوذ برب الفلق إلى آخر السورة " .

وقال : هذا حديث حسن صحيح .

ورواه مسلم .بسم الله الرحمن الرحيمقل أعوذ برب الناسقوله تعالى : قل أعوذ برب الناس أي مالكهم ومصلح أمورهم .

وإنما ذكر أنه رب الناس ، وإن كان ربا لجميع الخلق لأمرين : أحدهما : لأن الناس معظمون ؛ فأعلم بذكرهم أنه رب لهم وإن عظموا .

الثاني : لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم ، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي من فتنته وشره، أنه يوسوس في صدور الناس، فيحسن لهم الشر، ويريهم إياه في صورة حسنة، وينشط إرادتهم لفعله، ويقبح لهم الخير ويثبطهم عنه، ويريهم إياه في صورة غير صورته، وهو دائمًا بهذه الحال يوسوس ويخنس أي: يتأخر إذا ذكر العبد ربه واستعان على دفعه.فينبغي له أن [يستعين و] يستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس كلهم.وأن الخلق كلهم، داخلون تحت الربوبية والملك، فكل دابة هو آخذ بناصيتها.وبألوهيته التي خلقهم لأجلها، فلا تتم لهم إلا بدفع شر عدوهم، الذي يريد أن يقتطعهم عنها ويحول بينهم وبينها، ويريد أن يجعلهم من حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية ( قل أعوذ برب الناس)

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أعوذ برب الناس» خالقهم ومالكهم خُصُّوا بالذكر تشريفا لهم ومناسبة للاستفادة من شر الموسوس في صدورهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: أعوذ وأعتصم برب الناس، القادر وحده على ردِّ شر الوسواس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أى : قل - أيها الرسول الكريم - أعوذ وألتجئ وأعتصم " برب الناس " أى : بمربيهم ومصلح أمورهم ، وراعى شئونهم .

.

إذ الرب هو الذى يقوم بتدبير أمر غيره ، وإصلاح حاله .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس * مَلِكِ الناس * إله الناس ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ: ﴿ قُلْ أَعُوذُ ﴾ بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ونظيره: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير  ﴾ وأيضاً أجمع القراء على ترك الإمالة في الناس، وروي عن الكسائي الإمالة في الناس إذا كان في موضع الخفض.

المسألة الثانية: أنه تعالى رب جميع المحدثات، ولكنه هاهنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجوه: أحدها: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم.

وثانيها: أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس.

وثالثها: أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول: يا رب يا ملكي يا إلهي.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ مَلِكِ الناس * إله الناس ﴾ هما عطف بيان كقوله: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، فوصف أولاً بأنه رب الناس ثم الرب قد يكون ملكاً وقد لا يكون، كما يقال: رب الدار ورب المتاع قال تعالى: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله  ﴾ فلا جرم بينه بقوله: ﴿ مَلِكِ الناس ﴾ ثم الملك قد يكون إلهاً وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله: ﴿ إله الناس ﴾ لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضاً بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه، وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله، فلهذا ختم به، وأيضاً أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعاً لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا هو الرب، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنياً عن غيره، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته، فحينئذ يعرفه إلهاً.

المسألة الرابعة: السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه رباً للناس، ملكاً للناس، إلهاً للناس.

ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه رباً وملكاً وإلهاً لهم.

المسألة الخامسة: لا يجوز هاهنا مالك الناس ويجوز: ﴿ مالك يَوْمِ الدين ﴾ في سورة الفاتحة، والفرق أن قوله: ﴿ رَبّ الناس ﴾ أفاد كونه مالكاً لهم فلابد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكاً فهو ملك، فإن قيل: أليس قال في سورة الفاتحة: ﴿ رَبّ العالمين ﴾ ثم قال: ﴿ مالك يَوْمِ الدين ﴾ فليزم وقوع التكرار هناك؟

قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين، وهي الأشياء الموجودة في الحال، وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادر عليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير، وأما هاهنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد، فيلزم منه التكرير فظهر الفرق، وأيضاً فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس، وقد قرئ مالك لكن في الشواذ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ قل أعوذ ﴾ بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه: ﴿ فخذ أربعة ﴾ [البقرة: 260] .

فإن قلت: لم قيل ﴿ بِرَبّ الناس ﴾ مضافاً إليهم خاصة؟

قلت: لأنّ الاستعاذة وقعت من شرّ الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شرّ الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالى إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم.

فإن قلت: ﴿ مَلِكِ الناس إله الناس ﴾ ما هما من رب الناس؟

قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق.

بين بملك الناس، ثم زيد بياناً بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره: رب الناس، كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ [التوبة: 31] وقد يقال: ملك الناس.

وأمّا ﴿ إله الناس ﴾ فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.

فإن قلت: فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة؟

قلت: لأنّ عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار ﴿ الوسواس ﴾ اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة.

وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال.

والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه.

أو أريد ذو الوسواس.

والوسوسة: الصوت الخفي.

ومنه: وسواس الحلي.

و ﴿ الخناس ﴾ الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات، لما روي عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل وسوس إليه ﴿ الذى يُوَسْوِسُ ﴾ يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على ﴿ الخناس ﴾ ويبتدئ ﴿ الذى يُوَسْوِسُ ﴾ على أحد هذين الوجهين ﴿ مِنَ الجنة والناس ﴾ بيان للذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان: جنى وإنسي، كما قال ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ وعن أبي ذر رضي الله عنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شيطان الإنس؟

ويجوز أن يكون (من) متعلقاً بيوسوس، ومعناه: ابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدروهم من جهة الجنّ ومن جهة الناس، وقيل: من الجنّة والناس بيان للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلّوا (بنفر) و(رجال) في سورة الجن.

وما أحقه؛ لأن الجن سموا (جنا) لاجتنانهم، والناس (ناساً) لظهورهم، من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشراً؛ ولو كان يقع على الناس على القبيلين، وصحّ ذلك وثبت: لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن وبعده من التصنع.

وأجود منه أن يراد بالناس: الناسي، كقوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُ الداع ﴾ [القمر: 6] كما قرئ: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ [البقرة: 199] ثم يبين بالجنة والناس؛ لأنّ الثقلين هما النوعان الموصوفان بنسيان حق الله عزّ وجلّ.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزلت عليّ سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما» يعني: المعوذتين.

ويقال للمعوذتين: المقشقشتان.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ النّاسِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآيُها سِتُّ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ أعُوذُ ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِهِما إلى اللّامِ.

﴿ بِرَبِّ النّاسِ ﴾ لَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ المَضارِّ البَدَنِيَّةِ وهي تَعُمُّ الإنْسانَ وغَيْرَهُ والِاسْتِعاذَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأضْرارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ وتَخُصُّها، عَمَّمَ الإضافَةَ ثَمَّ وخَصَّصَها بِالنّاسِ ها هُنا فَكَأنَّهُ قِيلَ: أعُوذُ مِن شَرِّ المُوَسْوِسِ إلى النّاسِ بِرَبِّهِمُ الَّذِي يَمْلِكُ أُمُورَهم ويَسْتَحِقُّ عِبادَتَهم.

﴿ مَلِكِ النّاسِ ﴾ ﴿ إلَهِ النّاسِ ﴾ عَطْفا بَيانٍ لَهُ فَإنَّ الرَّبَّ قَدْ لا يَكُونُ مَلِكًا والمَلِكَ قَدْ لا يَكُونُ إلَهًا، وفي هَذا النَّظْمِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِالإعادَةِ قادِرٌ عَلَيْها غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْها وإشْعارٌ عَلى مَراتِبِ النّاظِرِ في المَعارِفِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أوَّلًا بِما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أنَّ لَهُ رَبًّا، ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ وذاتَ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ومَصارِفَ أمْرِهِ مِنهُ، فَهو المَلِكُ الحَقُّ ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَ، وتَدَرُّجِ وُجُوهِ الِاسْتِعاذَةِ كَما يَتَدَرَّجُ في الِاسْتِعاذَةِ المُعْتادَةِ، تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ إشْعارًا بِعِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها، وتَكْرِيرُ النّاسِ لِما في الإظْهارِ مِن مَزِيدِ البَيانِ، والإشْعارِ بِشَرَفِ الإنْسانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَلِكِ النَّاسِ (٢)

{مَلِكِ الناس} مالكهم ومدبر أمورهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ النّاسِ وتُسَمّى مَعَ ما قَبْلَها كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ بِكَسْرِ الواوِ، والفَتْحُ خَطَأٌ، وكَذا بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أمْرِ مَكِّيَّتِها ومَدَنِيَّتِها، وهي سِتُّ آياتٍ لا سَبْعٌ، وإنِ اخْتارَهُ بَعْضُهم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ قُلْ أعُوذُ ﴾ وقُرِئَ في السُّورَتَيْنِ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ كَما قُرِئَ:«فَخُذَ ارْبَعَةً» .

﴿ بِرَبِّ النّاسِ ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِهِمْ ومُرَبِّيهِمْ بِإفاضَةِ ما يُصْلِحُهم ودَفْعِ ما يَضُرُّهُمْ، وأمالَ «النّاسِ» هَنا أبُو عَمْرٍو والدُّورِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ وكَذا في كُلِّ مَوْضِعٍ وقَعَ فِيهِ مَجْرُورًا.

﴿ مَلِكِ النّاسِ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعالى إيّاهم لَيْسَتْ بِطَرِيقِ تَرْبِيَةِ سائِرِ المُلّاكِ لِما تَحْتَ أيْدِيهِمْ مِن مَمالِيكِهِمْ بَلْ بِطَرِيقِ المُلْكِ الكامِلِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ والسُّلْطانِ القاهِرِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَهِ النّاسِ ﴾ فَإنَّهُ لِبَيانِ أنَّ مُلْكَهُ تَعالى لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِمْ والقِيامِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِ سِياسَتِهِمْ والتَّوَلِّي لِتَرْتِيبِ مَبادِئِ حِفْظِهِمْ وحِمايَتِهِمْ كَما هو قُصارى أمْرِ المُلُوكِ بَلْ هو بِطْرِيقِ المَعْبُودِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِمْ إحْياءً وإماتَةً وإيجادًا وإعْدامًا.

وجُوِّزَتِ البَدَلِيَّةُ أيْضًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، ثُمَّ ما هُنا -وإنْ لَمْ يَكُنْ جامِدًا- فَهو في حُكْمِهِ، ولَعَلَّ الجَزالَةَ دَعَتْ إلى اخْتِيارِهِ وتَخْصِيصِ الإضافَةِ إلى النّاسِ مَعَ انْتِظامِ جَمِيعِ العالَمِ في سِلْكِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ عَلى ما في الإرْشادِ لِلْإرْشادِ إلى مِنهاجِ الِاسْتِعاذَةِ الحَقِيقِيَّةِ بِالإعاذَةِ فَإنَّ تَوَسُّلَ العائِذِ بِرَبِّهِ وانْتِسابَهُ إلَيْهِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ في ضِمْنِ جِنْسٍ هو فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ مِن دَواعِي مَزِيدِ الرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ، وأمْرُهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن دَلائِلِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ لا مَحالَةَ، ولِأنَّ المُسْتَعاذَ مِنهُ شَرُّ الشَّيْطانِ المَعْرُوفِ بِعَداوَتِهِمْ فَفي التَّنْصِيصِ عَلى انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ رَمْزٌ إلى إنْجائِهِمْ مِن مَلَكَةِ الشَّيْطانِ وتَسَلُّطِهِ عَلَيْهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ واقْتَصَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ في بَيانِ وجْهِ التَّخْصِيصِ عَلى كَوْنِ الِاسْتِعاذَةِ هُنا مِن شَرِّ ما يَخُصُّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وهي الوَسْوَسَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ مِن شَرِّ الوَسْواسِ ﴾ وبُحِثَ فِيهِ بَعْدَ الإغْماضِ عَمّا فِيهِ مِنَ القُصُورِ في تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ بِأنَّ شَرَّ المُوَسْوِسِ كَما يَلْحَقُ النُّفُوسَ يَلْحَقُ الأبْدانَ أيْضًا، وفِيهِ شَيْءٌ سَنُشِيرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، واخْتارَ هَذا الباحِثُ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَتِ الِاسْتِعاذَةُ فِيما سَبَقَ مِن شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أُضِيفَ الرَّبُّ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ أيْ بِناءً عَلى عُمُومِ الفَلَقِ، ولَمّا كانَتْ هُنا مِن شَرِّ الوَسْواسِ لَمْ يُضَفْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ النَّظَرُ إلى السُّورَةِ السّابِقَةِ يَقْتَضِي الإضافَةَ إلى الوَسْواسِ لَكِنَّهُ لَمْ يُضَفْ إلَيْهِ حَطًّا لِدَرَجَتِهِ عَنْ إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ بَلْ إلى المُسْتَعِيذِ، وكانَ في هَذا الحَطِّ رَمْزًا إلى الوَعْدِ بِالإعاذَةِ وهو الَّذِي يَجْعَلُ لِما ذُكِرَ حَظًّا في أداءِ حَقِّ المَقامِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى النّاسِ في آخِرِ سُورَةٍ مِن كِتابِهِ تَذْكِيرَ الأوَّلِ أمْرٌ عَرَفُوهُ في عالَمِ الذَّرِّ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالإقْرارِ بِهِ فِيما بَعْدُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى ﴾ الآيَةَ..

فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ لِئَلّا يَتَدَنَّسُ أمْرُ ذَلِكَ العَهْدِ، وفِيهِ أيْضًا رَمْزٌ إلى الوَعْدِ الكَرِيمِ بِالإعاذَةِ.

وذَكَرَ القاضِي أنَّ في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشْعارًا بِمَراتِبِ النّاظِرِ المُتَوَجِّهِ لِمَعْرِفَةِ خالِقِهِ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أوَّلًا بِما يَرى عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ أنَّ لَهُ رَبًّا ثُمَّ يَتَغَلْغَلُ في النَّظَرِ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ ومَصارِفُ أمْرِهِ مِنهُ؛ فَهو المَلِكُ الحَقُّ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لا غَيْرَ.

ويَنْدَرِجُ في وُجُوهِ الِاسْتِعاذَةِ المُعْتادَةِ تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ فَإنَّ عادَةَ مَن ألَمَّ بِهِ هَمٌّ أنْ يَرْفَعَ أمْرَهُ لِسَيِّدِهِ ومُرَبِّيهِ كَوالِدَيْهِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى رَفْعِهِ رَفَعَهُ لِمَلِكِهِ وسُلْطانِهِ، فَإنْ لَمْ يُزِلْ ظُلامَتَهُ شَكاهُ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ومَن إلَيْهِ المُشْتَكى والمَفْزَعُ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ الآفَةِ المُسْتَعاذِ مِنها.

ولِابْنِ سِينا هاهُنا كَلامٌ تَتَحَرَّجُ مِنهُ الأقْلامُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألَمَّ بِهِ وكانَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ أدْنى إلْمامٍ.

وتَكْرِيرُ المُضافِ إلَيْهِ لِمَزِيدِ الكَشْفِ والتَّقْرِيرِ والتَّشْرِيفِ بِالإضافَةِ، وقِيلَ: لا تَكْرارَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعامِّ بَعْضُ أفْرادِهِ فالنّاسُ الأوَّلُ بِمَعْنى الأجِنَّةِ والأطْفالِ المُحْتاجِينَ لِلتَّرْبِيَةِ، والثّانِي الكُهُولُ والشُّبّانُ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ لِمَن يَسُوسُهُمْ، والثّالِثُ الشُّيُوخُ المُتَعَبِّدُونَ المُتَوَجِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى وهو عَلى ما فِيهِ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ إعادَةِ الشَّيْءِ مَعْرِفَةً وإنْ كانَ أغْلَبِيًّا.

والوَسْواسُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ، والمَصْدَرُ بِالكَسْرِ وهو صَوْتُ الحُلِيِّ والهَمْسُ الخَفِيُّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الخَطِرَةِ الرَّدِيَّةِ وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا الشَّيْطانُ، سَمِّي بِفِعْلِهِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفَسَ الوَسْوَسَةَ أوِ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ذِي الوَسْواسِ.

وقالَ بَعْضُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ: إنَّ فَعْلَلَ ضَرْبانِ: صَحِيحٌ كَدَحْرَجَ، وثَنائِيٌّ مُكَرَّرٌ كَصَلْصَلَ، ولَهُما مَصْدَرانِ مُطَّرِدانِ: فَعْلَلَةٌ وفِعْلالٌ بِالكَسْرِ وهو أقْيَسُ، والفَتْحُ شاذٌّ لَكِنَّهُ كَثُرَ في المُكَرَّرِ كَتَمْتامٍ وفَأْفَأةٍ، ويَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَفَعّالٍ في الثُّلاثِيِّ كَما قالُوا وطْواطٌ لِلضَّعِيفِ وثَرْثارٌ لِلْمُكْثِرِ، والحَقُّ أنَّهُ صِفَةٌ فَلْيُحْمَلْ عَلَيْهِ ما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّجَوُّزِ أوْ حَذْفِ المُضافِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الزِّلْزالِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الِاسْتِعاذَةُ مِن شَرِّ الوَسْواسِ مِن حَيْثُ هو وسْواسٌ، ومَآلُهُ إلى الِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّ وسْوَسَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِعاذَةُ مِن جَمِيعِ شُرُورِهِ؛ ولِذا قِيلَ: مِن شَرِّ الوَسْواسِ ولَمْ يُقَلْ: مِن وسْوَسَةِ الوَسْواسِ.

قِيلَ: وعَلَيْهِ يَكُونُ القَوْلُ بِأنَّ شَرَّهُ يَلْحَقُ البَدَنَ كَما يَلْحَقُ النَّفْسَ أظْهَرُ مِنهُ عَلى الظّاهِرِ، وعُدَّ مِن شَرِّهِ أنَّهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ «يَعْقِدُ عَلى قافِيَةِ رَأْسِ العَبْدِ إذْ هو نامَ ثَلاثَ عُقَدٍ،» مُرادُهُ بِذَلِكَ مَنعُهُ مِنَ اليَقَظَةِ، وفي عَدِّ هَذا مِنَ الشَّرِّ البَدَنِيِّ خَفاءٌ، وبَعْضُهم عَدَّ مِنهُ التَّخَبُّطَ إذا لَحِقَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن مَسِّهِ كَما تَقَدَّمَ في مَوْضِعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الخَنّاسِ ﴾ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ أوْ نِسْبَةٌ؛ أيِ الَّذِي عادَتُهُ أنْ يَخْنِسَ ويَتَأخَّرَ إذا ذَكَرَ الإنْسانُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

أخْرَجَ الضِّياءُ في المُخْتارَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا عَلى قَلْبِهِ الوَسْواسُ، فَإذا عَقَلَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَإذا غَفَلَ وسْوَسَ، ولَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الكَلْبِ، ويُقالُ: إنَّ رَأْسَهُ كَرَأْسِ الحَيَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّ لِلْوَسْواسِ خَطْمًا كَخَطْمِ الطّائِرِ، فَإذا غَفَلَ ابْنُ آدَمَ وضَعَ ذَلِكَ المِنقارَ في أُذُنِ القَلْبِ يُوَسْوِسُ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى نَكَصَ وخَنِسَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الوَسْواسَ الخَنّاسَ»».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مختلف فيها وهي ست آيات مكية قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ يقول أستعيذ بالله وخالق الناس ويقال: أستعيذ بالله الذي هو رازق الخلق، ثم قال عز وجل: مَلِكِ النَّاسِ يعني: خالق الناس ومالكهم وله نفاذ الأمر والملك فيهم، ثم قال عز وجل: إِلهِ النَّاسِ يعني: خالق الناس ومعطيهم ومانعهم مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ يعني من شر الوسواس يعني من شر الشيطان، لأني لا أستطيع أن أحفظ نفسي من شره لأنه يجري في نفس الإنسان مجرى الدم ولا يراه بشر والله تعالى قادر على حفظي من شره ومن وسوسته.

ثم وصف الشيطان فقال: الْخَنَّاسِ قال مجاهد: هو منبسط على قلب الإنسان إذا ذكر الله خنس وانقبض فإذا عقل انبسط على قلبه ويقال له: خنوس كخنوس القنفذ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ يعني: يدخل في صدور الجن كما يدخل في صدور الإنس ويوسوس لهم ويقال: النَّاسِ في هذا الموضع يصلح للجن والإنس فإذا أراد به الجن فمعناه: يوسوس في صدور المؤمنين الذين هم جن يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ يعني: الذين هم من بني آدم ويقال: النَّاسِ معطوف على الوسواس ومعناه: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ وَمِن شر الناس كما قال في آية أخرى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وقال مقاتل روي عن النبيّ  أنه قال له جبريل-  - ألا أخبرك يا محمد  بأفضل ما يتعوذ به؟

قلت: «وَمَا هُوَ؟» قال المعوذتان.

وروى علقمة عن عقبة بن عامر عن النبيّ  أنه قال: «مَا تَعَوَّذَ المُعَوِّذُونَ بِمِثْلِ المَعُوذَتَيْنِ» .

وروي عن الحسن البصري في قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ قال إن من الناس شياطين فتعوذوا بالله من الشياطين يعني: شياطين الجن والإنس، وقال هما شيطانان فأما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فإنه علانية وروى أبو معاوية عن عثمان بن واقد قال أرسلني أبي إلى محمد بن المنكدر أسأله عن المعوذتين أهما من كتاب الله تعالى؟

قال: من لم يزعم أنهما من كتاب الله تعالى فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين ورسول رب العالمين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين وأهل طاعتك أجمعين.

ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل.

ووافق الفراغ من كتاب هذا التفسير المبارك لمولانا الإمام العالم العلامة أبي الليث نصر بن إبراهيم السمرقندي  آمين وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه ونفعنا بعلومه ومدده وأسراره في الدارين آمين في يوم الأحد المبارك مستهل محرم الحرام افتتاح سنة اثنين وتسعين وتسعمائة المباركة.

أحسن الله عاقبتها بمحمد وآله) .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النّاسِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، رَواهُ أبُو كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ النّاسَ هاهُنا بِأنَّهُ رَبُّهُمْ، وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّهم مُعَظَّمُونَ مُتَمَيِّزُونَ عَلى غَيْرِهِمْ.

والثّانِي: لِأنَّهُ لَمّا أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ أعْلَمَ أنَّهُ رَبُّهُمْ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِن شَرِّهِمْ.

ولَمّا كانَ في النّاسِ مُلُوكٌ قالَ تَعالى: ﴿ مَلِكِ النّاسِ ﴾ ولَمّا كانَ فِيهِمْ مِن يَعْبُدُ غَيْرَهُ قالَ تَعالى: ﴿ إلَهِ النّاسِ ﴾ .

وَ ﴿ الوَسْواسِ ﴾ الشَّيْطانُ، وهو ﴿ الخَنّاسِ ﴾ يُوَسْوِسُ في الصُّدُورِ، فَإذا ذُكِرَ اللَّهُ، خَنَسَ، أيْ: كَفَّ وأقْصَرَ.

قالَ الزَّجّاجُ: الوَسْواسُ هُنا: ذُو الوَسْواسِ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصُّدُورُ هاهُنا: القُلُوبُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ، وسَوَسَ، فَإذا ذَكَرَ اللَّهَ، خَنَسَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ﴾ الجِنَّةُ: الجِنُّ.

وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ جِنَّتُهم وناسُهُمْ، فَسَمّى الجِنَّ هاهُنا ناسًا، كَما سَمّاهم رِجالًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ  ﴾ ، وسَمّاهم نَفَرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ  ﴾ ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ الوَسْواسُ مُوَسْوِسًا لِلْجِنِّ، كَما يُوَسْوِسُ لِلْإنْسِ.

والثّانِي: أنَّ الوَسْواسَ: الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ، هو مِنَ الجِنَّةِ، وهم مِنَ الجِنِّ.

والمَعْنى: مِن شَرِّ الوَسْواسِ الَّذِي هو مِنَ الجِنِّ.

ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: " والنّاسِ " عَلى ﴿ الوَسْواسِ ﴾ .

والمَعْنى: مِن شَرِّ الوَسْواسِ، ومِن شَرِّ النّاسِ، كَأنَّهُ أُمِرَ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الناسِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ قَتادَةُ: هي مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الناسِ ﴾ ﴿ مَلِكِ الناسِ ﴾ ﴿ إلَهِ الناسِ ﴾ ﴿ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ ﴾ ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ ﴾ ﴿ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ ﴾ "الوَسْواسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَيْطانِ، وهو أيْضًا ما تُوَسْوِسُ بِهِ شَهَواتُ النَفْسِ وتَسَوِّلُهُ، وذَلِكَ هو الهَوى الَّذِي نُهِيَ المَرْءُ عَنِ اتِّباعِهِ، وأُمِرَ بِمَعْصِيَتِهِ، والغَضَبُ الَّذِي وصّى رَسُولُ اللهِ  بِطَرْحِهِ وتَرْكِهِ حِينَ «قالَ لَهُ رَجُلٌ: أوصِنِي، فَقالَ: "لا تَغْضَبْ"، قالَ زِدْنِي: قالَ: "لا تَغْضَبْ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "الخَنّاسِ" مَعْناهُ: الراجِحُ عَلى عَقِبِهِ، المُسْتَتِرُ أحْيانًا، وذَلِكَ في الشَيْطانِ مُتَمَكِّنٌ إذا ذَكَرَ العَبْدَ اللهَ تَعالى وتَعَوَّذَ، وتَذَكَّرَ فَأبْصَرَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ  ﴾ ، وإذا فَرَضْنا ذَلِكَ في الشَهَواتِ والغَضَبِ ونَحْوِهِما فَهو يَخْنِسُ بِتَذْكِيرِ النَفْسِ اللَوّامَةِ، وبِلَمَّةِ المَلَكِ، وبِأنَّ الحَياءَ يَرْدَعُ والإيمانَ يَرْدَعُ بِقُوَّةٍ، فَتَخْنِسُ تِلْكَ العَوارِضُ المُتَحَرِّكَةُ، وتَنْقَمِعُ عِنْدَ مَن أُعِينَ بِتَوْفِيقِ اللهِ، وقَدِ انْدَرَجَ هَذانَ المَعْنَيانِ مِنَ الوَسْواسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ ﴾ ، أيْ مِنَ الشَياطِينِ ونَفْسِ الإنْسانِ.

ويَظْهَرُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "والناسِ" يُرادُ بِهِ مَن يُوَسْوِسُ بِخُدَعِهِ مِنَ البَشَرِ، ويَدْعُو إلى الباطِلِ، فَهو في ذَلِكَ كالشَيْطانِ.

وكُلُّهم قَرَأ: "الناسِ" غَيْرَ مُمالَةٍ، ورَوى الدَوْرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ أمالَ النُونَ مِنَ "الناسِ" في حالِ الخَفْضِ، ولا يَمِيلُ في الرَفْعِ والنَصْبِ.

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: « "كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا أوى إلى فِراشِهِ جَمَعَ كَفَّيْهِ ونَفَثَ فِيهِما، وقَرَأ: "قُلْ هو اللهُ أحَدٌ، والمُعَوِّذَتَيْنِ"، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِما ما اسْتَطاعَ مِن جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِرَأْسِهِ ووَجْهِهِ وما أقْبَلَ مِن جَسَدِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا".» وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ مِنَ الناسِ شَياطِينَ، ومِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الناسِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوُّذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس، وسورة الناس تعوّذ من شرور مخلوقات خفيّة وهي الشياطين.

والقول في الأمر بالقول، وفي المقول، وفي أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود شموله أمته، كالقول في نظيره من سورة الفلق سواء.

وعُرِّف ﴿ رب ﴾ بإضافته إلى ﴿ الناس ﴾ دون غيرهم من المربوبين لأن الاستعاذة من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيَضِلُّون ويُضلون، فالشر المستعاذ منه مصبه إلى الناس، فناسب أن يُستحضر المستعاذُ إليه بعنوان أنه رب من يُلْقون الشر ومن يُلْقَى إليهم ليصرف هؤلاء ويدفع عن الآخرين كما يقال لمَولى العبد: يا مولَى فلان كُف عني عبدك.

وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيباً مدرَّجاً فإن الله خالقهم، ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شؤونهم، ثم زيد بياناً بوصف إلهيته لهم ليتبين أن ربوبيته لهم وحاكميته فيهم ليست كربوبية بعضهم بعضاً وحاكمية بعضهم في بعض.

وفي هذا الترتيب إشعار أيضاً بمراتب النظر في معرفة الله تعالى فإن الناظر يعلم بادئ ذي بدء بأن له رباً يسبب ما يشعُر به من وجود نفسه، ونعمة تركيبه، ثم يتغلغل في النظر فيَشعر بأن ربه هو المَلِكُ الحقُّ الغني عن الخلق، ثم يعلم أنه المستحق للعبادة فهو إله الناس كلهم.

و ﴿ ملك الناس ﴾ عطف بيان من ﴿ رب الناس ﴾ وكذلك ﴿ إله الناس ﴾ فتكرير لفظ ﴿ الناس ﴾ دون اكتفاء بضميره لأن عطف البيان يقتضي الإِظهار ليكون الاسم المبيِّن (بكسر الياء) مستقلاً بنفسه لأن عطف البيان بمنزلة علَم للاسم المبيَّن (بالفتح).

و ﴿ الناس ﴾ : اسم جمع للبشر جميعهم أو طائفة منهم ولا يطلق على غيرهم على التحقيق.

و ﴿ الوسواس ﴾ : المتكلم بالوسوسة، وهي الكلام الخفيّ، قال رُؤبة يصف صائداً في قُتْرتِه: وَسْوَسَ يَدْعُو مُخلصاً ربَّ الفَلَقْ *** فالوسواس اسم فاعل ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازاً على ما يخطر بنفس المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه قال عُروة بن أذينة: وإذا وجَدْت لها وسَاوِسَ سَلوَةٍ *** شفَع الفؤادُ إلى الضمير فسَلَّها والتعريف في ﴿ الوسواس ﴾ تعريف الجنس وإطلاق ﴿ الوسواس ﴾ على معنييه المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفُس الناس الخواطر الشريرة، قال تعالى: ﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ [طه: 120]، ويشمل الوسواسُ كل من يتكلم كلاماً خفياً من الناس وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراءٍ بالضلال والإِعراض عن الهدى، لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سِراً لئلا يطلع عليها من يريدون الإِيقاعَ به، وهم الذين يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الدوائر ويغرون الناس بأذِيَّتِهِ.

و ﴿ الخناس ﴾ : الشديد الخنْس والكثيرُه.

والمراد أنه صار عادة له.

والخنس والخنوس: الاختفاء.

والشيطان يلقب ب ﴿ الخناس ﴾ لأنه يتصل بعقل الإِنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنَّه خنس فيه، وأهل المكر والكيد والتختل خنّاسون لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم.

فالتعريف في ﴿ الخناس ﴾ على وزاننِ تعريف موصوفه، ولأن خواطر الشر يهم بها صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللّوامة، أو يزَعه وازع الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها، فكأنَّ الشيطان يبدو له ثم يختفي، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور.

ووُصِفَ ﴿ الوسواس الخناس ﴾ ب ﴿ الذي يوسوس في صدور الناس ﴾ لتقريب تصوير الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها، وذلك بأن بُيِّنَ أنَّ مكان إلقاء الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم فعبّر بها عن الإِحساس النفسي كما قال تعالى: ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ [الحج: 46] وقال تعالى: ﴿ إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ﴾ [غافر: 56].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الإثم ما حاك في الصدر وتردَّد في القلب " فغاية الوسواس من وسوسته بثّها في نفس المغرور والمشبوككِ في فخّه، فوسوسة الشياطين اتصالاتُ جاذبيه النفوس نحو دَاعية الشياطين.

وقد قرَّبها النبي صلى الله عليه وسلم في آثار كثيرة بأنواع من التقريب منها: «أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب الإِنسان» وشبهها مرة بالنفث، ومرة بالإِبْسَاس.

وفي الحديث: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما ".

وإطلاق فعل ﴿ يوسوس ﴾ على هذا العمل الشيطاني مجاز إذ ليس للشيطان كلام في باطن الإِنسان.

وأما إطلاقه على تسويل الإِنسان لغيره عملَ السوء فهو حقيقة.

وتعلّق المجرور من قوله: ﴿ في صدور الناس ﴾ بفعل ﴿ يوسوس ﴾ بالنسبة لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي لأن وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كلِّ من فعل ﴿ يوسوس ﴾ ومتعلِّقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من الجنة والناس ﴾ بيانية بينَتْ ﴿ الذي يوسوس في صدور الناس ﴾ بأنه جنس ينحلّ باعتبار إرادة حقيقته، ومجازه إلى صنفين: صنف من الجنّة وهو أصله، وصنف من الناس وما هو إلا تبع وولي للصنف الأول، وجمَع الله هذين الصنفين في قوله: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ﴾ [الأنعام: 112].

ووجه الحاجة إلى هذا البيان خفاءُ ما ينجرّ من وسوسة نوع الإِنسان، لأن الأمم اعتادوا أن يحذرهم المصلحون من وسوسة الشيطان، وربما لا يخطر بالبال أن من الوسواس ما هو شر من وسواس الشياطين، وهو وسوسة أهل نوعهم وهو أشد خطراً وهم بالتعوذ منهم أجدر، لأنهم منهم أقرب وهو عليهم أخطر، وأنهم في وسائل الضر أدخل وأقدر.

ولا يستقيم أن يكون ﴿ من ﴾ بياناً للناس إذ لا يطلق اسم ﴿ الناس ﴾ على ما يشمل الجن ومن زعم ذلك فقد أبْعَدَ.

وقُدم ﴿ الجنة ﴾ على ﴿ الناس ﴾ هنا لأنهم أصل الوسواس كما علمت بخلاف تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ [الأنعام: 112] لأن خُبثاء الناس أشد مُخالطة للأنبياء من الشياطين، لأن الله عصم أنبياءه من تسلط الشياطين على نفوسهم قال تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 42] فإن الله أراد إبلاغ وحيه لأنبيائه فزكّى نفوسهم من خبث وسوسة الشياطين، ولم يعصمهم من لحاق ضر الناس بهم والكيد لهم لضعف خطره، قال تعالى: ﴿ وإذْ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماركين ﴾ [الأنفال: 30] ولكنه ضمن لرسله النجاة من كل ما يقطع إبلاغ الرسالة إلى أن يتم مراد الله.

والجنة: اسم جمع جني بياء النسب إلى نوع الجن، فالجني الواحد من نوع الجن كما يقال: إنسيّ للواحد من الإِنس.

وتكرير كلمة ﴿ الناس ﴾ في هذه الآيات المرتين الأوليين باعتبار معنى واحد إظهارٌ في مقام الإِضمار لقصد تأكيد ربوبية الله تعالى ومِلكه وإلهيته للناس كلهم كقوله تعالى: ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ﴾ [آل عمران: 78].

وأما تكريره المرة الثالثة بقوله: ﴿ في صدور الناس ﴾ فهو إظهار لأجل بُعد المعاد.

وأما تكريره المرة الرابعة بقوله: ﴿ من الجنة والناس ﴾ فلأنه بيان لأحد صنفي الذي يوسوس في صدور الناس، وذلك غير ما صَدْق كلمة ﴿ الناس ﴾ في المرّات السابقة.

والله يكفينا شر الفريقين، وينفعنا بصالح الثقلين.

تم تفسير «سورة الناس» وبه تم تفسير القرآن العظيم.

يقول محمد الطاهر ابن عاشور: قد وفيتُ بما نويت، وحقق الله ما ارتجيتُ فجئتُ بما سمح به الجُهد من بيان معاني القرآن ودقائق نظامه وخصائص بلاغته، مما اقتَبس الذهنُ من أقوال الأيمة، واقتدح من زَنْد لإِنارة الفكر وإلهاب الهمّة، وقد جئتُ بما أرجو أن أكون وُفِّقْتُ فيه للإِبانة عن حقائقَ مغفوللٍ عنها، ودقائق ربما جَلَتْ وجوهاً ولم تَجْلُ كُنْهاً، فإن هذا مَنَال لا يبلغ العقلُ البشري إلى تمامه، ومن رام ذلك فقد رام والجوزاءُ دون مَرامِهْ.

وإن كلام رب الناس، حقيق بأن يُخدم سَعياً على الرأس، وما أدَّى هذا الحقَّ إلاّ قلَم المفسر يسعَى على القرطاس، وإن قلمي طالما استَنَّ بشوط فسيح، وكم زُجر عند الكَلاَللِ والإِعْيَاءِ زَجْر المَنيح، وإذ قد أتى على التمام فقد حَقَّ له أن يستريح.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النّاسِ ﴿ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ ﴾ وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ، وإنْ كانَ رَبًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ مُعَظَّمُونَ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ رَبٌّ لَهم وإنْ عُظِّمُوا.

الثّانِي: لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن شَرِّهِمْ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي يُعِيذُ مِنهم.

﴿ مَلِكِ النّاسِ ﴾ ﴿ إلَهِ النّاسِ ﴾ لِأنَّ في النّاسِ مُلُوكًا، فَذَكَرَ أنَّهُ مَلِكَهم، وفي النّاسِ مَن يَعْبُدُ غَيْرَهُ فَذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهم ومَعْبُودُهم.

﴿ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ ﴾ الخَنّاسُ هو الشَّيْطانُ، وفي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كَثِيرُ الِاخْتِفاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ ﴾ يَعْنِي النُّجُومَ لِاخْتِفائِها بَعْدَ الظُّهُورِ.

الثّانِي: لِأنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، والخَنَسِ الرُّجُوعُ، قالَ الرّاجِزُ وصاحِبٌ يَمْتَعِسُ امْتِعاسًا يَزْدادُ مِن خَنَسِهِ خَناسًا وَأمّا (اَلْوَسْواسُ) ها هُنا فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ، وقَدْ رَوى ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿ الوَسْواسِ الخَنّاسِ ﴾ قالَ: الشَّيْطانُ جاثِمٌ عَلى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإذا سَها وغَفَلَ وسْوَسَ، وإذا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى خَنَسَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ في تَأْوِيلِ الخَنّاسِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرّاجِعُ بِالوَسْوَسَةِ عَلى الهَوى.

الثّانِي: أنَّهُ الخارِجُ بِالوَسْوَسَةِ في اليَقِينِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ وسْواسُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، وهي الوَسْوَسَةُ الَّتِي يُحَدِّثُ بِها نَفْسَهُ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ)» .

﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ ﴾ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ هي الدُّعاءُ إلى طاعَتِهِ بِما يَصِلُ إلى القَلْبِ مِن قَوْلٍ مُتَخَيَّلٍ، أوْ يَقَعُ في النَّفْسِ مِن أمْرٍ مُتَوَهَّمٍ ومِنهُ المُوَسْوَسُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الوَسْوَسَةُ، لِما يَعْتَرِيهِ مِنَ المَسَرَّةِ، وأصْلُهُ الصَّوْتُ الخَفِيُّ، قالَ الأعْشى تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسْواسًا إذا انْصَرَفَتْ ∗∗∗ كَما اسْتَعانَ بِرِيحِ عِشْرِقٌ زَجَلُ.

﴿ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ﴾ أمّا وسْواسُ الجِنَّةِ فَهو وسْواسُ الشَّيْطانِ عَلى ما قَدَّمْناهُ، وأمّا وسْواسُ النّاسِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها وسْوَسَةُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّهُ إغْواءُ مَن يُغْوِيهِ مِنَ النّاسِ.

قالَ قَتادَةُ: إنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ.

وَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا فَيَقُولُ: أُعِيذُكُما بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ، ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ»، ونَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِمّا عَوَّذَ ونَسْتَمِدُّهُ جَمِيلَ ما عَوَّدَ.

وَفَّقَنا اللَّهُ وقارِئَهُ لِتَدَبُّرِ ما فِيهِ وتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، فِيهِ تَوْفِيقُنا وعَلَيْهِ تَوَكُّلُنا، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ وكَفى، وصَلَواتُهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ المُصْطَفى، وعَلى إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ الطّاهِرِينَ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: أنزل بالمدينة ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن الحكم بن عمير الثمالي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: أول ما يبدأ الوسواس من الوضوء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مغفل قال: البول في المغتسل يأخذ منه الوسواس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مرة رضي الله عنه قال: ما وسوسة بأولع ممن يراها تعمل فيه.

وأخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب ذم الوسوسة عن معاوية بن أبي طلحة قال: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم: «اعمر قلبي من وسواس ذكرك واطرد عني وسواس الشيطان» .

وأخرج ابن أبي داود في كتاب ذم الوسوسة عن معاوية في قوله: ﴿ الوسواس الخناس ﴾ قال: مثل الشيطان كمثل ابن عرس واضع فمه على فم القلب فيوسوس إليه فإذا ذكر الله خنس، وإن سكت عاد إليه فهو ﴿ الوسواس الخناس ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن شاهين في الترغيب في الذكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس عن النبي قال: «إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه فذلك ﴿ الوسواس الخناس ﴾ » .

وأخرج ابن شاهين عن أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للوسواس خطماً كخطم الطائر فإذا غفل ابن آدم وضع ذلك المنقار في أذن القلب يوسوس، فإن ابن آدم ذكر الله نكص وخنس فلذلك سمي ﴿ الوسواس الخناس ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الوسواس الخناس ﴾ قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: ما من مولود يولد إلا على قلبه الوسواس فإذا ذكر الله خنس، وإذا غفل وسوس، فلذلك قوله: ﴿ الوسواس الخناس ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: الخناس الذي يوسوس مرة ويخنس مرة من الجن والإِنس، وكان يقال شيطان الإِنس أشد على الناس من شيطان الجن، شيطان الجن يوسوس ولا تراه وهذا يعاينك معاينة.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير قال: إن الوسواس له باب في صدر ابن آدم يوسوس منه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن المنذر عن عروة بن رويم أن عيسى ابن مريم عليهما السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلى له فإذا رأسه مثل رأس الحية واضعاً رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم يذكره وضع رأسه على ثمرة قلبه فحدثه.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: الوسواس محله على فؤاد الإِنسان وفي عينه وفي ذكره ومحله من المرأة في عينها وفي فرجها إذا أقبلت، وفي دبرها إذا أدبرت هذه مجالسه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ من الجنة والناس ﴾ قال: هما وسواسان فوسواس من الجنة وهو الجن، ووسواس نفس الإِنسان فهو قوله: ﴿ والناس ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ من الجنة والناس ﴾ قال: إن من الناس شياطين فنعوذ بالله من شياطين الإِنس والجن.

ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد: قال ابن الضريس في فضائله: أخبرنا موسى بن اسمعيل، أنبأنا حماد قال: قرأنا في مصحف أبي بن كعب: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك قال حماد: هذه الآن سورة، وأحسبه قال: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك، ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق.

وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه قال: صليت خلف عمر بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية قال: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير كله، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق.

وفي مصحف ابن عباس قراءة أبيّ وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك.

وفي مصحف حجر: اللهم إنا نستعينك، وفي مصحف ابن عباس قراءة أبيّ وأبي موسى: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق.

وأخرج أبو الحسن القطان في المطوّلات عن أبان بن أبي عياش قال: سألت أنس بن مالك عن الكلام في القنوت فقال: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجدّ إن عذابك بالكفار ملحق.

قال أنس: والله إن أنزلتا إلا من السماء.

وأخرج محمد بن نصر والطحاوي عن ابن عباس إن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين: اللهم إياك نعبد، واللهم إنا نستعينك.

وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قنت عمر رضي الله عنه بالسورتين.

وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر قنت بهاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد.

وأخرج البيهقي عن خالد بن أبي عمران قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال يا محمد: إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ولم يبعثك عذاباً، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، إليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومحمد بن نصر والبيهقي في سننه عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، ولك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق.

وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن سويد الكاهلي أن علياً قنت في الفجر بهاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك.

اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق.

وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر عن ميمون بن مهران قال: في قراءة أبيّ بن كعب: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق.

وأخرج محمد بن نصر عن ابن إسحاق قال: قرأت في مصحف أبيّ بن كعب بالكتاب الأول العتيق: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قل هو الله أحد ﴾ إلى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ إلى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ إلى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك.

بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم لا تنزع ما تعطي ولا ينفع ذا الجد منك الجد، سبحانك وغفرانك وحنانيك إله الحق.

وأخرج محمد بن نصر عن يزيد بن حبيب قال: بعث عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن رزين الغافقي فقال له: والله إني لأراك جافياً، ما أراك تقرأ القرآن؟

قال: بلى، والله إني لأقرأ القرآن، وأقرأ منه ما لا تقرأ به.

فقال له عبد العزيز: وما الذي لا أقرأ به من القرآن؟

قال: القنوت.

حدثني علي بن أبي طالب أنه من القرآن.

وأخرج محمد بن نصر عن عطاء بن السائب قال: كان أبو عبد الرحمن يقرئنا: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد، إن عذابك بالكفار ملحق.

وزعم أبو عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقرئهم إياها، ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم إياها.

وأخرج محمد بن نصر عن الشعبي قال: قرأت، أو حدثني من قرأ في بعض مصاحف أبيّ بن كعب هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك.

والأخرى بينهما بسم الله الرحمن الرحيم قبلهما سورتان من المفصل وبعدهما سور من المفصل.

وأخرج محمد بن نصر عن سفيان قال: كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد.

وأخرج محمد بن نصر عن إبراهيم قال: يقرأ في الوتر السورتين اللهم إياك نعبد، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك.

وأخرج محمد بن نصر عن خصيف قال: سألت عطاء بن أبي رباح أي شيء أقول في القنوت قال: هاتين السورتين اللتين في قراءة أبيّ: اللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد.

وأخرج محمد بن نصر عن الحسن قال: نبدأ في القنوت بالسورتين، ثم ندعو على الكفار، ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات.

وأخرج البخاري في تاريخه عن الحارث بن معاقب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في صلاة من الصلوات: «بسم الله الرحمن الرحيم غفار غفر الله لها، واسلم سالمها الله، وشيء من جهينة وشيء من مزينة وعصية عصت الله ورسوله، ورعل وذكوان ما أنا قلته الله قاله» قال الحارث فاختصم ناس من أسلم وغفار فقال الأسلميون بدأ باسلم، وقال غفار بدأ بغفار قال الحارث: فسألت أبا هريرة فقال بدأ بغفار.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن خفاف بن ايماء بن رحضة الغفاري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فلما رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: «لعن الله لحياناً ورعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله أسلم سالمها الله، غفار غفر الله لها، ثم خر ساجداً.

فلما قضى الصلاة أقبل على الناس بوجهه فقال: أيها الناس إني لست قلت هذا، ولكن الله قاله» .

ذكر دعاء ختم القرآن: أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ختم القرآن دعا قائماً.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن وحمد الرب وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم واستغفر ربه فقد طلب الخير مكانه» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال: كان علي بن حسين يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ختم القرآن حمد الله بمحامده وهو قائم، ثم يقول: «الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، لا إله إلا الله، وكذب العادلون بالله، وضلوا ضلالاً بعيداً، لا إله إلا الله، وكذب المشركون بالله من العرب والمجوس واليهود والنصارى والصابئين ومن دعا لله ولداً أو صاحبة أو نداً أو شبيهاً أو مثلاً أو سمياً أو عدلاً، فأنت ربنا أعظم من أن تتخذ شريكاً فيما خلقت، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً الله الله الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب إلى قوله إلا كذباً.

الحمد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض الآيتين: الحمد لله فاطر السموات والأرض الآيتين، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، آلله خير أما يشركون بل الله خير وأبقى وأحكم وأكرم وأعظم مما يشركون، فالحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون، صدق الله وبلغت رسله، وأنا على ذلك من الشاهدين، اللهم صلّ على جميع الملائكة والمرسلين وارحم عبادك المؤمنين من أهل السموات والأرضين، واختم لنا بخير، وافتح لنا بخير، وبارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بالآيات والذكر الحكيم.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» .

وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن مسعود قال: من ختم القرآن فله دعوة مستجابة.

وأخرج ابن مردويه عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: جميع سور القرآن مائة وثلاث عشرة سورة المكية خمس وثمانون سورة، والمدنية ثمانية وعشرون سورة، وجميع آي القرآن ستة آلاف آية وست عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفاً.

وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابراً محتسباً فله بكل حرف زوجة من الحور العين» قال بعض العلماء هذا العدد باعتبار ما كان قرآناً ونسخ رسمه، وإلا فالموجود الآن لا يبلغ هذه العدة.

قال الحافظ ابن حجر رضي الله عنه في أول كتابه أسباب النزول وسماه العجاب في بيان الأسباب: الذين اعتنوا بجمع التفسير المسند من طبقة الأئمة الستة أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ويليه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بن إدريس الرازي، ومن طبقة شيوخهم عبد بن حميد بن نصر الكشي، فهذه التفاسير الأربعة قل أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين، وقد أضاف الطبري إلى النقل المستوعب أشياء لم يشاركوه فيها كاستيعاب القراءات والإِعراب والكلام في أكثر الآيات على المعاني والتصدي لترجيح بعض الأقوال على بعض، وكل من صنف بعده لم يجتمع له ما اجتمع فيه لأنه في هذه الأمور في مرتبة متقاربة وغيره يغلب عليه فن من الفنون فيمتاز فيه ويقصر فى غيره، والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما وفيهم ثقات وضعفاء.

فمن الثقات مجاهد وابن جبير، ويروى التفسير عنه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه، والطريق إلى ابن أبي نجيح قوية، ومنهم عكرمة ويروي التفسير عنه من طريق الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عنه، ومن طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير، هكذا بالشك، ولا يضر لكونه عن ثقة، ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق، ولم يلق ابن عباس لكنه إنما جمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وأبو حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة، ومن طريق ابن جريج رضي الله عنه عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس لكن فيما يتعلق بالبقرة وآل عمران وما عدا ذلك يكون عطاء رضي الله عنه هو الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما فيكون منقطعاً إلا أن صرح ابن جريج بأنه عطاء بن أبي رباح ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس رضي الله عنهما التفسير المنسوب لأبي النصر محمد بن السائب الكلبي فإنه يرويه عن أبي صالح، وهو مولى أم هانئ عن ابن عباس، والكلبي اتهموه بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب، ومع ضعف الكلبي قد روي عنه تفسير مثله أو أشد ضعفاً وهو محمد بن مروان السدي الصغير، ورواه عن محمد بن مروان مثله، أو أشد ضعفاً وهو صالح بن محمد الترمذي، وممن روى التفسير عن الكلبي من الثقات سفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان.

ومن الضعفاء من قبل الحفظ جبان بكسر المهملة وتثقيل الموحدة وهو ابن علي العنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي منقوطة، ومنهم جويبر بن سعيد وهو واه روى التفسير عن الضحاك بن مزاحم وهو صدوق عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يسمع منه شيئاً.

وممن روى التفسير عن الضحاك علي بن الحكم وهو ثقة، وعلي بن سليمان وهو صدوق، وأبو روق عطية بن الحرث وهو لا بأس به.

ومنهم عثمان بن عطاء الخراساني رضي الله عنه يروي التفسير عن أبيه عن ابن عباس.

ولم يسمع أبوه من ابن عباس.

ومنهم إسماعيل بن عبد الرحمن السدي بضم المهملة وتشديد الدال، وهو كوفي صدوق، ولكنه جمع التفسير من طرق منها عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن شراحيل عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم وخلط روايات الجميع فلم تتميز روايات الثقة من الضعيف.

ولم يلق السدي من الصحابة إلا أنس بن مالك وربما التبس بالسدي الصغير الذي تقدم ذكره.

ومنهم إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني وهو ضعيف يروي التفسير عن أبيه عن عكرمة، وإنما ضعفوه لأنه وصل كثيراً من الأحاديث بذكر ابن عباس، وقد روى عنه تفسيره عبد بن حميد.

ومنهم إسماعيل بن أبي زياد الشامي وهو ضعيف جمع تفسيراً كثيراً فيه الصحيح والسقيم، وهو في عصر أتباع التابعين.

ومنهم عطاء بن دينار رضي الله عنه وفيه لين يروي التفسير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما تفسير رواه عنه ابن لهيعة وهو ضعيف.

ومن تفاسير التابعين ما يروى عن قتادة رضي الله عنه وهو من طرق منها رواية عبد الرزاق عن معمر عنه ورواية آدم بن أبي إياس وغيره عن شيبان عنه، ورواية يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، ومن تفاسيرهم تفسير الربيع بن أنس عن أبي العالية واسمه رفيع بالتصغير الرياحي بالمثناة التحتية والحاء المهملة وبعضه لا يسمى الربيع فوقه أحداً وهو يروي من طرق منها رواية أبي عبيد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عنه، ومنها تفاسير مقاتل بن حيان من طريق محمد بن مزاحم بن بكير بن معروف عنه، ومقاتل هذا صدوق، وهو غير مقاتل بن سليمان الآتي ذكره، ومن تفاسير ضعفاء التابعين فمن بعدهم تفسير زيد بن أسلم من رواية ابنه عبد الرحمن عنه، وهي نسخة كبيرة يرويها ابن وهب وغيره عن عبد الرحمن عن أبيه وعن غير أبيه، وفيه أشياء كثيرة لا يسندها لأحد وعبد الرحمن من الضعفاء وأبوه من الثقات، ومنها تفسير مقاتل بن سليمان وقد نسبوه إلى الكذب.

وقال الشافعي رضي الله عنه: مقاتل قاتله الله تعالى.

وإنما قال الشافعي رضي الله عنه فيه ذلك لأنه اشتهر عنه القول بالتجسيم، وروى تفسير مقاتل هذا عنه أبو عصمة نوح بن أبي مريم الجامع وقد نسبوه إلى الكذب، ورواه أيضاً عن مقاتل الحكم بن هذيل وهو ضعيف، لكنه أصلح حالاً من أبي عصمة ومنها تفسير يحيى بن سلام المغربي وهو كبير في نحو ستة أسفار أكثر فيه النقل عن التابعين وغيرهم، وهو لين الحديث، وفيما يرويه مناكير كثيرة، وشيوخه مثل سعيد بن أبي عروبة ومالك والثوري، ويقرب منه تفسير سنيد بمهملة ونون مصغر واسمه الحسين بن داود، وهو من طبقة شيوخ الأئمة الستة، يروي عن ججاج بن محمد المصيصي كثيراً وعن أنظاره، وفيه لين، وتفسيره نحو تفسير يحيى بن سلام، وقد أكثر ابن جريج التخريج منه ومن التفاسير الواهية لوهاء رواتها التفسير الذي جمعه موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين يسنده إلى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وقد نسب ابن حبان موسى هذا إلى وضع الحديث ورواه عن موسى عبد الغني بن سعيد الثقفي وهو ضعيف، وقد يوجد كثير من أسباب النزول في كتب المغازي، فما كان منها من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه أو من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة، فهو أصلح مما فيها من كتاب محمد بن إسحق، وما كان من رواية ابن إسحاق أمثل مما فيها من رواية الواقدي انتهى.

قال مؤلفه رضي الله عنه وتقبل الله منه صنيعه: فرغت من تبييضه يوم عيد الفطر سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ (القراء على ترك الإمالة في "الناس" (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (١) انظر: "كتاب السبعة في القراءات" ص 703، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 811، و"الحجة" 6/ 467، و"المهذب في القراءات العشر" 2/ 345.

(٢) وأيضًا كان لا يميلها في موضع الرفع والنصب.

المراجع السابقة.

(٣) في (أ): (العار).

(٤) في (أ): (هذه).

(٥) ما بين القوسين نقله عن: "الحجة" 6/ 466 - 467 بيسير من التصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس ﴾ إن قيل لم أضاف الرب إلى الناس خاصة وهو رب كل شيء؟

فالجواب: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فخصهم بالذكر لأنهم المعوذين بهذا التعويذ والمقصودون هنا دون غيرهم ﴿ مَلِكِ الناس * إله الناس ﴾ هذا عطف بيان، فإن قيل: لم قدم وصفه تعالى برب ثم بملك ثم بإله؟

فالجواب أن هذا على الترتيب في الارتقاء إلى الأعلى وذلك أن الرب قد يطلق على كثير من الناس، فيقال فلان رب الدار، وشبه ذلك فبدأ به لاشتراك معناه، وأما الملك فلا يوصف به إلا أحد من الناس، وهم الملوك ولا شك أنهم على أعلى من سائر الناس، فلذلك جاء به بعد الرب، وأما الإله فهو أعلى من الملك ولذلك لا يدعي الملوك أنهم آلهة فإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير فلذلك ختم به.

فإن قيل: لم أظهر المضاف إليه وهو الناس في المرة الثانية والثالثة فهلا أضمره في المرتين لتقديم ذكره في قوله برب الناس أو هلا اكتفى بإظهاره في المرة الثانية؟

فالجواب أنه لما كان عطف بيان حسن فيه البيان وهو الإظهار دون الإضمار، وقصد أيضاً الاعتناء بالمكرر ذكره كقول الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ** يبغص الموت ذا الغنى والفقير ﴿ الوسواس ﴾ وهو مشتق من الوسوسة وهي الكلام الخفي، فيحتمل أن يكون الوسواس بمعنى الموسوس فكأنه اسم فاعل وهذا يظهر من قول ابن عطية: الوسواس من أسماء الشيطان، ويحتمل أن يكون مصدراً وصف به الموسوس على وجه المبالغة، كعدَّل وصوَّم أو على حذف مضاف تقديره ذي الوسواس، وقال الزمخشري: إنما المصدر وسواس بالكفر ﴿ الخناس ﴾ معناه الراجع علىعقبه المستمر أحياناً وذلك متمكن في الشيطان فإنه يوسوس فإذا ذكر العبدُ الله وتعوذ به منذ تباعد عنه، ثم رجع إليه عند الغفلة عن الذكر، وهو يخنس في تباعده ثم في رجوعه بعد ذلك.

﴿ الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس ﴾ وسوسة الشيطان في صدر الإنسان بأنواع كثيرة منها: إفساد الإيمان والتشكيك في العقائد فإن لم يقدر على ذلك أمره بالمعاصي، فإن لم يقدر على ذلك ثبَّطه عن الطاعات، فإن لم يقدر على ذلك أدخل عليه الرياء في الطاعات ليحبطها، فإن سلم من ذلك أدخل عليه العُجْب بنفسه، واستكثار عمله، ومن ذلك أنه يوقد في القلب نار الحسد، والحقد، والغضب، حتى يقود الإنسان إلى شر الأعمال وأقبح الأحوال.

وعلاج وسوسته بثلاثة أشياء.

واحدها: الإكثار من ذكر الله.

وثانيها: الإكثار من الاستعاذة بالله منه ومن أنفع شيء في ذلك قراءة هذه السورة.

وثالثها: مخالفته والعزم على عصيانه.

فإن قيل: لم قال في صدور الناس ولم يقل: في قلوب الناس؟

فالجواب: أن ذلك إشارة إلى عدم تمكن الوسوسة، وأنها غير حالة في القلب بل هي محوِّمة في صدور حول القلب ﴿ مِنَ الجنة والناس ﴾ هذا بيان لجنس الوسواس وأن يكون من الجن، ومن الناس، ثم إن الموسوس من الإنس يحتمل أن يريد من يوسوس بخدعه، وأقواله الخبيثة، فإنه الشيطان كما قال تعالى: ﴿ شياطين الإنس والجن ﴾ [الإنعام: 112] أو يريد به نفس الإنسان إذ تأمره بالسوء، فإنها أمّارة بالسوء والأول أظهر، وقيل: من الناس معطوف على الوسواس كأنه قال: أعوذ من شر الوسواس من الجنة ومن شر الناس، وليس الناس على هذا ممن يوسوس.

والأول أظهر وأشهر.

فإن قيل: لم ختم القرآن بالمعوذتين وما الحكمة في ذلك؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: قال شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما كان القرآن من أعظم النعم على عباده، والنعم مظنة الحسد فختم بما يطفئ الحسد من الاستعاذة بالله.

الثاني: يظهر لي أن المعوذتين ختم بهما «لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيهما: أنزلت عليّ آيات لم ير مثلهن قط» كما قال في فاتحة الكتاب: «لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها» فافتتح القرآن بسورة لم ينزل مثلها واختتم بسورتين لم يُرَ مثلهما ليجمع حسن الافتتاح والاختتام، ألا ترى أن الخطب والرسائل والقصائد وغير ذلك من أنواع الكلام إنما ينظر فيها إلى حُسن افتتاحها واختتامها.

الوجه الثالث: يظهر لي أيضاً أنه لما أمر القارئ أن يفتتح قراءته بالتعوذ من الشيطان الرجيم، ختم القرآن بالمعوذتين ليحصل الاستعاذة بالله عند أول القراءة وعند آخر ما يقرأ من القراءة، فتكون الاستعاذة قد اشتملت على طرفي الابتداء والانتهاء، وليكون القارئ محفوظاً بحفظ الله الذي اسعتعاذ به من أول أمره إلى آخره وبالله التوفيق لا رب غيره.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الناس ﴾ وما بعدها ممالة: قتيبة ونصير.

والباقون: بالتفخيم.

الوقوف: ﴿ الناس ﴾ ه لا ﴿ الناس ﴾ ه لا ﴿ الناس ﴾ ه لا ﴿ الخناس ﴾ ه لا بناء على أن الفصل بين الصفة وموصوفها لا يصلح إلا للضرورة.

ولو قيل إن محله النصب أو الرفع على الذم حسن الوقف ﴿ الناس ﴾ ه لا ﴿ والناس ﴾ ه.

التفسير: إنه  رب جميع المحدثات ولكنه خص الناس ههنا بالذكر للتشريف، ولأن الاستعاذة لأجلهم فكأنه قيل: أعوذ من شر الوسواس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهوالهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا دهمهم أمر بسيدهم ومخدومهم وولي أمرهم.

وقوله ﴿ ملك الناس ﴾ ﴿ إله الناس ﴾ عطف ثانٍ لأن الرب قد لا يكون ملكاً كما يقال " رب الدار " والملك قد لا يكون إلهاً.

وفي هذا الترتيب لطف آخر وذلك أنه قدم أوائل نعمه إلى أن تم ترتيبه وحصل فيه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملك تفتقر كل الأشياء إليه وهو غني عنهم، ثم علم بالدلائل العقلية والنقلية أن العبادة لازمة له وأن معبوده يستحق العبادة.

ويمكن أن يقال: أوّل ما يعرف العبد من ربه هو كونه مربوباً له منعماً عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، ثم لا يزال ينتقل من معرفة هذه الصفة إلى صفات جلاله ونعوت كبريائه فيعرف كونه ملكاً قيوماً، ثم إذا خاض في بحر العرفان وغرق في تياره وله عقله وتاه لبه فيعرف أنه فوق وصف الواصفين فيسميه إلهاً من وله إذا تحير.

وتكرير لفظ " الناس " في السورة للتشريف كأنه عرف ذاته في خاتمة كتابه الكريم بكونه رباً وملكاً وإلهاً لهم، أو لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الكشف والتوضيح ولو قيل: إن الثاني بدل الكل من الأوّل فالأحسن أيضاً وضع المظهر مقام المضمر كيلا يكون المقصود مفتقراً إلى ما ليس بمقصود في الظاهر مع رعاية فواصل الآي.

وقيل: لا تكرار في السورة لأن المراد بالأوّل الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه لشدّة احتياجهم إلى التربية، وبالثاني الشبان ولفظ " الملك " المنبىء عن السياسة يدل عليه لمزيد افتقارهم إلى الزجر لقوّة دواعي الشهوة والغضب فيهم مع أن العقل الصادق لم يقو بعد ولم يستحكم، وبالثالث الشيوخ ولفظة " آله " المنبىء عن استحقاق العبادة له يدل عليه لفتور الدواعي المذكورة وقتئذ، فتتوجه النفس إلى تحصيل ما يزلفه إلى الله بتدارك ما فات.

والمراد بالرابع الصالحون والأبرار فإن الشيطان مولع بإغوائهم.

وبالخامس المفسدون والأشرار لأنه بيان الموسوس فإن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس كما قال ﴿ شياطين الجن والإنس  ﴾ والخناس هو الذي من شأنه أن يخنس أي يتأخر وقد مر في قوله  ﴿ فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس  ﴾ عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، وإذا غفل وسوس إليه فكما أن شيطان الجن يوسوس تارة ويخنس أخرى فكذلك شيطان الإنس يرى نفسه كالناصح المشفق، فإن زجره السامع انخنس وترك الوسوسة، وإن تلقى كلامه بالقبول بالغ فيه حتى نال منه.

وقال قوم: الناس الرابع يراد به لاجنو الإنس جميعاً وهو اسم للقدر المشترك بين النوعين كما روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم: من أنتم؟

فقالوا: ناس من الجن.

وقد سماهم الله رجالاً في قوله ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن  ﴾ والناس الخامس هو المخصوص بالبشر، ومعنى الآية على هذا التقدير أن هذا الوسواس الخناس لا يقتصر على إضلال البشر ولكنه يوسوس للنوعين فيكون قوله ﴿ من الجنة والناس ﴾ بياناً للناس.

وفي هذا القول نوع ضعف لأنه يعد تسليم أن لفظ " الناس " يطلق على القدر المشترك يستلزم الاشتراك المخل بالفهم.

وذكر صاحب الكشاف أنه إن جعل قوله ﴿ من الجنة والناس ﴾ بياناً للناس فالأولى أن يقال: الناس محذوف اللام كقولك الداع والقاض.

قال الله  ﴿ أجيب دعوة الداع  ﴾ وحينئذ يكون تقسيمه إلى الجن والإنس صحيحاً لأنهما النوعان اللذان ينسيان حق الله  .

وقيل ﴿ من الجنة والناس ﴾ بدل من ﴿ الوسواس ﴾ كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم عمم فاستعاذ به من جميع الجنة والناس.

وقوله ﴿ من شر الوسواس ﴾ المضاف محذوف أي من شر ذي الوسواس وهو اسم بمعنى الزلزلة.

وأما المصدر فوسواس بالكسر ويحسن أن يقال سمي الشيطان به لأنه كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وعمله الذي هو عاكف عليه نظيره ﴿ إنه عمل غير صالح  ﴾ وإنما قال ﴿ في صدور الناس ﴾ ولم يقل" في قلوبهم " لأن الشيطان لا تسلط له على قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن واعلم أن المستعاذ به مذكور في السورة الأولى بصفة واحدة وهو أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات: الغاسق والنفاثات والحاسد: وأما في السورة الثانية فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث وهي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة.

وفيه إشارة إلى أن حفظ النفس والدين أهم من حفظ البدن بل الثاني مطلوب بالعرض والأوّل مقصود بالذات.

التأويل: أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور التكوين والإبداع من شر عالم الخلق الممزوجة خيراتها بالآفات، ولا سيما علام الكون والفساد الذي هو جماد ونبات وحيوان والجمادات أبعدها عن الأنوار لخلوها عن جميع القوى الروحانية وهو المراد بقوله ﴿ ومن شر غاسق ﴾ وفوقها النباتات الناميات في الأقطار الثلاثة الطول والعرض والعمق وهن العقد الثلاث فلذلك سميت قواها بالنفاثات فيها، وفوقها القوى الحيوانية من الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب المانعة للروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الأمر كالحاسد يمنع المرء عن كماله ويغيره عن حاله.

ثم أراد ذكر مراتب النفس الإنسانية التي هي أشرف درجات الحيوان فقال ﴿ برب الناس ﴾ إشارة إلى العقل الهيولاني المفتقر إلى مزيد تربية وترشيح حتى يخرج من معدنها ويظهر من حكمها.

وقوله ﴿ ملك الناس ﴾ إشارة إلى العقل بالملكة لأنه ملك العلوم البديهية وحصلت له ملكة الانتقال منها إلى العلوم الكسبية لأن النفس في هذه الحالة أحوج إلى الزجر عن العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والتأديب في الصغر كالنقش على الحجر.

وقوله ﴿ إله الناس ﴾ إشارة إلى سائر مراتبها من العقل بالفعل والعقل المستفاد، فإن الإنسان إذ ذاك كأنه صار عالماً معقولاً مضاهياً لما عليه الوجود، فعرف المعبود فتوجه إلى عرفانه والعبادة له.

وأيضاً اتصف بصفاته وتخلق بأخلاقه كما حكي عن أرسطو أنه قال: أفلاطون: إما إنسان تأله أو إله تأنس.

ثم إن العقل والوهم قد يتساعدان على تسليم بعض المقدمّات، ثم إذا آل الأمر إلى النتيجة ساعد العقل عليها دون الوهم فكان الوهم خنس أي رجع عن تسليم المقدّمة فلهذا أمر الله  بالاستعاذة من شره، وقد ورد مثله في الحديث.

وروى أبو هريرة أن النبي  قال " "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟

حتى يقول: من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" وهذا آخر درجات النفس الكاملة الإنسانية فلا جرم وقع ختم الكتاب الكريم والفرقان العظيم عليه.

ونحن أيضاً نختم التفسير بهذا التحقيق والله وليّ التوفيق والهادي في العلم والعمل إلى سواء الحق والطريق.

قال الضعيف مؤلف الكتاب، أحوج خلق الله إلى رحمته ورضاه، الحسن بن محمد بن الحسين المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاده وأخراه: هذا أيهاالمعروف باعتلاء عرائك المجد، المشغوف باقتناء سبائك الحمد، الكامل شوقه إلى فهم غرائب القرآن والقرآن كله غرائب، الباذل طوقه في درك رغائب الفرقان والفرقان بأسره رغائب، عقائل مسائل جهزتها فطنة من مشايد الشدائد خامدة، وفرائد فوائد نظمتها قريحة من صنوف الصروف جامده، وقد نطفت بها عين خرساء بادٍ شحوبها وتحركت بها لأجلي ولاء طالما عقر حوبها، على أنها مع سواد ما سقط من سنها بيضاء الخلال ومع مرارة مذاق ما بين لحييها حلوة المباني مليحة المقال.

والذي قد مج فوها عفوصة ما فيها عذبة على العذبات سلسة على الأسلات يبكي ويضحك، ويملك ويهلك، ويفقر ويثري، ويريش ويبري، ويمنع ويعطي، ولولا الله لذكرت أنه يميت ويحيى.

وفي رقتها دقة، ومع طلاوتها حلاوة، فإن شئت فيراعة فيها براعة، وأنبوب فيه من الحكم أسلوب وأيّ أسلوب، وكيف لا وقد اشتملت على مطاوي ما رسمه على فحاوى كتاب الله الكريم، واحتوت مباني ما رقمه على معاني الفرقان العظيم، الذي أخرس شقاشق الفصحاء حين أرادوا معارضته لعجزهم لا للخلل في أدمغتهم، وأوقر مسامع أولي العناد من العباد في البلاد بجهلهم لا لصمم في أصمختهم، صحيفة يلوح عنها أثر الحق، ولطيمة يفوح منها عبق الصدق، بضاعة يحملها أهل النهي في سفر الروح إلى مكانها، وتجارة أرباحها جنات النعيم، وأجارة أعواضها الفوز بلقاء رب العرش العظيم.

وقد تضمن كتابي هذا حاصل التفسير الكبير الجامع لأكثر التفاسير جل كتاب الكشاف الذي رزقه له القبول من أساتذة الأطراف والأكناف، واحتوى مع ذلك على النكت المستحسنة الغريبة، والتأويلات المحكمة العجيبة مما لم يوجد في سائر تفاسير الأصحاب، أو وجدت متفرقة الأسباب أو مجموعة طويلة الذيول والأذناب.

أما الأحاديث فإما من الكتب المشهورة كجامع الأصول والمصابيح وغيرهما، وإما من كتاب الكشاف والتفسير الكبير ونحوهما إلا الأحاديث الموردة في الكشاف في فضائل السورة فإنا قد أسقطناها لأن النقاد زيفها إلا ما شذ منها.

وأما الوقوف فللإمام السجاوندي مع اختصار لبعض تعليلاتها وإثبات للآيات لتوقفها على التوقيف.

وأما أسباب النزول فمن كتاب " جامع الأصول والتفسيرين" أو من " تفسير الواحدي ".

وأما اللغة فمن " صحاح الجوهري " ومن " التفسيرين " كما نقلا.

وأما المعاني والبيان وسائر المسائل الأدبية فمن التفسيرين والمفتاح وسائر الكتب العربية، وأما الأحكام الشرعية فمنهما ومن الكتب المعتبرة في الفقه ولا سيما " شرح الوجيز" للإمام الرافعي.

وأما التآويل فأكثرها للشيخ المحقق المتقى المتقن نجم الملة والدين المعروف بداية قدس نفسه وروّح رمسه.

وطرف منها مما دار في خلدي وسمحت به ذات يدي غير جازم بأنه المراد من الآية بل خائف من أن يكون ذلك جرأة مني وخوضاً فيما لا يعنيني.

وإنما شجعني على ذلك سائر الأمة الذين اشتهروا بالذوق والوجدان وجمعوا بين العرفان والإيمان والإتقان في معنى القرآن الذي هو باب واسع يطمع في تصنيفه كل طامع، فإن أصبت فبها وإن أخطأت فعلى الإمام ماسها والعذر مقبول عند أهل الكرم والنهي والله المستعان لنا ولهم في مظان الخلل والزلل، وعلى رحمته التكلان في محال الخطأ والخطل، فعلى المرء أن يبذل وسعه لإدراك الحق ثم الله معين لإراءة الصواب ومعين لإلهام الصدق.

وكذا الكلام في بيان الرباطات والمناسبات بين السور والآيات، وفي أنواع التكريرات وأصناف المشتبهات فإن للخواطر والظنون فيها مجالاً، وللناس الأكياس في استنباط الوجوه والنسب هنالك مقالاً، فعليك أيها المتأمل الفطن والمنصف المتدين أن لا تبادر في أمثال هذه المقامات إلى الاعتراض والإنكار، وتقرّ بأن للمؤلف في إعمال القريحة هنالك أجر الافتكار والابتكار، وتعمل فكرتك الصائبة وفطنتك الثاقبة في إبداء وجه جميل لما قرع سمعك، وتتعب خاطرك اليقظان وذهنك العجيب الشان في إبرار محمل لطيف لما ينافي الحال طبعك.

ثم إن استبان لك حسن ذلك الوجه فأنصف تفلح، وإن غلب على ظنك قبحه فأصلح أو أسجع فإن لكل جواد كبوة ولكل حسام نبوة، وضيق البصر وطغيان القلم موضوعان، والخطأ والنسيان عن هذه الأمة مرفوعان، وإني لم أمل في هذا الإملاء إلاّ إلى مذهب أهل السنة والجماعة فبينت أصولهم ووجوه استدلالاتهم بها وما ورد عليها من الاعتراضات والأجوبة عنها.

وأما في الفروع فذكرت استدلال كل طائفة بالآية على مذهبه من غير تعصب ومراء وجدال وهراء، فاختلاف هذه الأمة رحمة، ونظر كل مجتهد على لطيفة وحكمة، جعل الله سعيهم وسعينا مشكوراً، وعملهم وعملنا مبروراً.

ولقد وقفت لإتمام هذا الكتاب في مدة خلافة علي  وكنا نقدر إتمامه في مدة خلافه الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة، ولو لم يكن ما اتفق في أثناء التفسير من وجود الأسفار الشاسعة وعدم الأسفار النافعة، ومن غموم لا يعدّ عديدها وهموم لا ينادي وليدها، لكان يمكن إتمامه في مدّة خلافة أبي بكر كما وقع لجار الله العلامة، وكما أنه رأى ذلك ببركة جوار بيت الله الحرام فهذا الضعيف أيضاً يرجو أن يرزقني الله  ببركة إتمام هذا الكتاب زيارة هذا المقام ويشرفني بوضع الخد على عتبة مزار نبيه المصطفى محمد النبي الأمي العربي عليه وآله الصلاة والسلام فاسمع واستجب يا قدير ويا علام.

واعلموا إخواني رحمنا الله وإياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، أن لكل مجتهد نصيباً قل أو أكثر، ولكل نفس عاملة قسطاً نقص أو كمل، وأن الأعمال بالنيات وبها تجلب البركات وترفع الدرجات، وأن المرء بأصغريه وكل عمل ابن آدم سوى الخير كلّ عليه, والذي نفسي بيده وناصيتي بحكمه ومشيئته، عالم بسري ومحيط بنيتي أني لم أقصد في تأليف هذا التفسير مجرد جلب نفع عاجل لأن هذا الغرض عرض زائل ولا يفتخر عاقل بما ليس تحته طائل.

سحابة صيف ليس يرجي دوامها *** وهل يشرئب إلى الأمور الفانية أو يستلذ بها من وهو من أعضائه عظامها، وكاد يفتر من قواه أكثرها بل تمامها؟

وإنما كان المقصود جمع المتفرق، وضبط المنتشر، وتبيين بعض وجوه الإعجاز الحاصل في كلام رب العالمين، وحل الألفاظ في كتب بعض المفسرين بقدر وسعي وحد علمي، وعلى حسب ما وصل إليه استعدادي وفهمي، والقرآن أجل ما وقف عليه الذهن والخاطر، وأشرف ما صرف إليه الفكر والناظر، وأعمق ما يغاض على درّه ومرجانه، وأعرق ما يكد في تحصيل لحينه، ولو لم تكن العلوم الأدبية بأنواعها، والأصولية بفروعها، والحكمية بجملها وتفاصيلها وسيلة إلى فهم معاني كتاب الله العزيز واستنباط نكتها من معادنها واستخراج خباياها من مكامنها لكنت متأسفاً على ما أزجيت من العمر في بحث تلك القواليب، وأملت من الفكر في تأليف ما ألفت في كل أسلوب من أولئك الأساليب، ولكن لكل حالة آلة، ولك أرب سبب، وطالما أغليت المهور للعقائل وجنبت الوسائل للأصائل.

قال الشاعر: أمر على الديار ديار ليلى *** أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا وكان من معاصم المقاصد من إنشاء هذا التفسير أن يكون جليسي مدّة حياتي، وأنيسي في وقت مماتي حين لا أنيس للمرء إلا ما أسلف من بره، ولا ينفع الإنسان إلا ما قدّم من خيره.

ولعمري إنه للمبتل المنيب الأوّاه نعم العون على تلاوة كتاب الله العزيز ومحضرة مع القراءة ووجهها إن اشتبه عليه شيء منها، ومع الآي والوقوف إن ذهل عن أماكنها ومظانها، وكذا التفسير بتمامه إن أراد البحث عن الحقائق أوعزب عنه شيء من تلك الدقائق، وكذا التأويل إن كان مائلاً إلى بطون الفرقان وسالكاً سبيل الذوق والعرفان.

وإني أرجو من فضل الله العظيم وأتوسل إليه بوجهه الكريم، ثم بنبيه القرشيّ الأبطحيّ، ووليه المعظم العليّ وسائر أهل الغر الكرام وأصحابه الزهر العظام، وبكل من له عنده مكان ولديه قبول وشان، أن يمتعني بتلاوة كتابه في كل حين وأوان من تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان على الوجه الذي ذكرت، ولأجل هذا لقيت في تأليفه من عرق الجبين وكد اليمين ما لقيت.

وأن يعم النفع به لسائر إخواني في الدين ورفقائي في طلب اليقين، ثم أن يجعله عدّة في ليلة يرجع من قبري العشائر والأهلون، وذخيرة يوم لا ينفع مال ولا بنون والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين خصوصاً على رسوله المصطفى الأمين محمد وأله وصحبه أجمعين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ﴾ : ظاهره أمر لرسول الله  بشيء مشار إليه، وهو التعوذ، وحق الإجابة في مثله أن [يقول: أعوذ، لا أن يقول: ﴿ قُلْ أَعُوذُ ﴾ ] لكنه - والله أعلم - يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك أنزل بحق أن يصير ذلك أمرا لكل من بلغه، وتعليما بالذي عليه من الاعتصام بالله -  - والالتجاء إليه من شر الذي ذكره؛ ليعيذه، وتكون الإعاذة بوجهين: أحدهما: في تذكير ما عرفه من الحجج في دفع ما يخطر بباله من المكروه.

والثاني: باللطف الذي لا يبلغه علم الخلق، ولا تدركه عقولهم مما لديه نفع الأمن من الزيغ مما حقه الإفضال، والذي ذلك حقه، فالله -  - أن يكرم به العبد مبتدئا، وله أن يقدم فيه محنة السؤال والاعتصام به؛ على الإكرام أيضا، ويلزم على من عصم به عن الزلة، أو أهدي إلى حسنة: الشكر لله -  - فيما ابتدأه أو أكرمه به عند السؤال.

والوجه الثاني من وجهي الخطاب: أن يكون الخطاب لغيره، [وإن كان] راجعا إلى مشار إليه، فهو مما يشترك في معناه غيره؛ فأبقى وأثبت ما به يصير مخاطبا من بلغ ذلك، وهو قوله -  -: ﴿ قُلْ ﴾ حتى يدوم هذا إلى آخر الدهر، وعلى هذا جميع ما فيه حرف الكلفة والمحنة - أعني: صيغة الأمر - والله الموفق.

ثم في قوله -  - ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ...

﴾ إلى آخر السورة وجهان من الحكمة، فيهما نقض قول أهل الاعتزال: أحدهما: أن المحنة قد ثبتت بالامتناع عن طاعة الشيطان والمخالفة له: فإما أن كان الله -  - أعطاه جميع ما يقع به الامتناع حتى لا يبقى عنده مزيد، أو لا يعطيه جميع ذلك، بل بقي عنده شيء منه.

فإن كان قد أعطاه، فهو بطلب ذلك بالتعوذ والاعتصام بالله -  - كاتم لما أعطاه، طالب ما ليس عند الله -  - فيكون الأمر بالتعوذ محنة وأمرا بما به كتمان ذلك، وذلك حين استوفاه يكون إنكاره ستر نعم الله -  - وقد تبرأ عن الأمر بالفحشاء والمنكر، وبين أن ذلك عمل الشيطان.

ثم في المحنة بهذا بالاستهزاء بالله  ؛ لأنه يطلب منه ما يعلم أنه لا يملكه، ولا يجده عند نفسه، وذلك من علَم الهزء عند ذوي العقول، فمن ظن أن الله -  - يمتحن عباده ويأمرهم بشيء مما ذكرنا، فهو جاهل بالله -  - وبحكمته وإن لم يكن الله  [يمتحن عباده، ويأمرهم بشيء مما ذكرنا؛ فهو جاهل] [بما] أعطاه وعنده بعد ذلك.

ثم كان من مذهبهم أنه ليس لله -  - أن يمتحنهم بفعل إلا بعد إيتاء جميع ما عنده مما به قوامه ووجوده؛ ففي ذلك اعتراف بلزوم المحنة وتوجه التكليف قبل إيتاء جميع ما عنده مما به الوصول إلى ما أمر به، وذلك ترك مذهبهم مع ما كان عندهم أنه لو كان عند الله -  - أمر ومعنى، لا يقع فعل المختار؛ لأجل أنه لا يعطيه ذلك - لم يكن له أن يمتحنه، وهو بالامتحان جائر.

وإما أن سألوه بفعل قد أمر به، وإن لم يكن أعطاه ذلك، وهم ما وصفوا الله -  - بمثل ذلك أو بفعل يتلو وقت الأمر ذلك؛ فيكون إعطاء ذلك الوقت الأمر؛ فكأنه ظن أن ي] أمر ولا يعطي حتى يُسأل، وذلك حرف الجور.

ثم الأصل الذي اطمأن به قلوب الذين يعرفون الله -  - أنه متى هدى الهداية التي يسأل أو عصم العصمة التي يطلب، أو وفق لما يرجو من الفعل، أو أعانه عندهما يخاف أنه كان ذلك لا محالة، وتحقق بلا شبهة، ويأمن لديه من الزيغ والضلال، وعلى ذلك جبلوا مما لا نجد غير معتزلي إلا وقد اطمأن قلبه به، حتى يعلم أن هذا منه وقع المجبول عليه بالتقليد، ولا قوة إلا بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ ﴾ ، ولم يقل: "أعوذ برب الخلق"، وهذا أعلم من الأول، وإضافة كلية الأشياء إليه، أو إضافته إلى الكل بالربوبية من باب التعظيم لله -  - فما كان أعم فهو أقرب في التعظيم، فهذا - والله أعلم - يخرج على أوجه: أحدها: أراد التعريف، وبهذا يقع الكفاية في معرفة من يفزع إليه ممن يملك ذلك، ليعوذ منه، لكنه ذكر ﴿ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ  ﴾ في موضع، و ﴿ بِٱللَّهِ ﴾ في موضع، و ﴿ بِكَ ﴾ في موضع، كقوله -  -: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ \[المؤمنون: 97\]، وقال: ﴿ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ ؛ ليعلم به من سعة الأمر وتحقيق الفزع، والرجوع إلى الله -  - عند نزول ما ينزل بالمرء مما يخاف على نفسه، ويشغل قلبه - أن له ذكر ما يحضره من أسماء الله -  - أي اسم كان؛ إذ ما من اسم إلا وفيه دلالة على نعمه وسلطانه وقدرته وعظمته؛ ليكون في ذلك توجيه الملك إليه وإخلاص الحمد له بإضافة النعم؛ فيكون ذلك من بعض ما به التشفع إلى الله -  - من ذكر قدرته وإحسانه، وأرفع ذلك في ذكر الناس بالإضافة إليه.

والثاني: أن الذين عرف فيهم الأرباب والملوك والعبادات لمن دون الله -  - هم الإنس دون غيرهم؛ فأمر أهل الكرامة بمعرفة الله -  - والعصمة عن عبادة غيره، والاعتراف بالملك والربوبية [له] -: أن يفزعوا إليه عما ذكر، ذاكرين لذلك، واصفين بأنه الرب لهم، والملك عليهم، والمستحق للعبادة لا غير.

أو لما كان للوجوه التي ذكرنا ضل القوم من اتخاذهم أربابا دون الله  .

أو نزولهم على رأي ملوكهم في الحل والحرمة، وفي البسط والقبض.

أو عبادتهم غير الله -  - وفزعهم إليه؛ فأمر الله -  - أهل الكرامة بما ذكرت الفزع إلى الذي يذكر بهذه الأوصاف على الحقيقة على نحو فزع الضالين إلى أربابهم وملوكهم والذين عبدوهم دونه؛ إذ إليه مفزع الكفرة - أيضا - عند الإياس عمن اتخذوهم دون الله؛ لنصرتهم ومعونتهم، والله أعلم.

والثالث: أن المقصود من خلق هذا العالم هم الذين نزلت فيهم هذه السورة، وغيرهم كالمجعول المسخر لهم، قال الله -  -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ...

 ﴾ ، وقال الله -  -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً...

 ﴾ ، فإذا قيل: ﴿ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ ﴾ ، فكأنه قيل: "برب كل شيء"، لأن ما سواهم جعل لهم، وذكر الخلق والتوجيه إليه من الاستعاذة والاستعانة هو اعتراف بألا يملك غيره ذلك؛ فاستوى الأمران، والله أعلم.

وقيل: في ﴿ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ ﴾ : مصلح الناس، وذلك يرجع إلى أن به صلاحهم في الدين وفي النفس.

وقيل: ملك الناس؛ على الأخبار بأن الملك له فيهم جميعا، وفي الخلق مما لم يذكر فيه وجه الملك؛ فبين أن ذلك كله في التحقيق لله -  - وملكه، ولغيره يكون من جهته على ما أعطي لهم بقدر ما احتاجوا إليه.

وقيل: سيدهم، لكن لفظة "السيد" لا تذكر لمالك غير الناس، ويوصف بالرب والملك والمالك على الإضافة لا مطلقا، يقال: رب الدار، ومالك الجارية، وملك المصر، ونحو ذلك، فكأنه أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ﴾ : سمى الذي يوسوس بأنه وسواس وخناس، وقيل في تأويل من وجهين: أحدهما: أنه يوسوس لدى الغفلة، ويخنس عند ذكر الله  ، أي: يخرج ويذهب.

وقيل: يخنس: لا يرى، ولا يظهر، كقوله -  -: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ ؛ ولهذا قيل في الجواري الكنس: إنهن يطلعن من مطالعهن، ويخنسن بالنهار، أي: يختفين.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ * مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ﴾ صير الموسوس في صدور الناس من الجنة والناس.

وقيل - أيضا -: على التقديم والتأخير، معناه: قل أعوذ برب الناس من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس.

أما الوسوسة فهي أمر معروف، وذلك بما يلقى من الكلمات التي تشغل القلب وتحير في أمر الدين، بما لا يعرف الذي يلقى إليه المخرج من ذلك، وعلى ذلك أمر أهل الأهواء، وأصناف الكفرة؛ كقوله -  -: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ  ﴾ ، وأما شياطين الجن، فهو أمر ظاهر عند جميع أهل الأديان ومن آمن بالرسل عليهم السلام، لكن الدهرية ومنكري الرسل يقولون: ليس في الجن شياطين؛ وإنما هو أمر يُخَوَّف به مدعو الرسالة؛ ليلزموا الخلق الاستماع إليهم في تعرف الجهل ما عندهم في دعواهم من العلوم والمعارف، وهذا لسفههم قالوا، ولو أنهم تأملوا في ذلك، لعرفوا أنهم على غير بحث عما ألزمهم ضرورة العقل الطلب، ودعتهم إلى البحث عنه ما مستهم من الحاجة، وهي الخواطر التي تقع في القلوب، والخيالات التي تعرض في الصدور، منها [ما] إذا صورت وجدت قباحا، ومنها ما إذا صورت وجدت حسانا، ولا يجوز وقوع أمر أو أكون شيء بعد أن لم يكن من قبل نفسه؛ للإحالة في أن يصير لا شيء بنفسه شيئا قبيحا أو حسنا بلا مدبر، وقد علم جميع الإنسان بالذي ذكرت من الابتلاء به مما يعلم أنه لم يكن من نفسه معنى يحدث له ذلك؛ فثبت أن قد كانت الضرورة تلزم البحث عن ذلك.

ثم لا يعلم ن حيث طلب الأبدان الموجبة لها ولا في العقول - أيضا - دركها؛ فيجب بها أمران منعهم عن العلم بهما القنوع بالجهل وحب الراحة: أحدهما: القول بالصانع، ودخول العالم تحت تدبير حكيم عليم قدير.

والآخر: القول بالرسالة تأتيهم من عند علام الغيوب، وإذا كان ذلك بحيث لا يبلغه علم البشر فيعرف حقيقة ذلك؛ فَيُعْلم عند النظر والبحث أمران عظيمان: أحدهما: الرسل بما معهم من المعجزات، فيقولون بهم، وبالتوحيد بما رأوا من الآيات الصدق؛ إذ قد علما أن في الأخبار صدقا، لولا ذلك لكانوا لا يدعون شيئا؛ إذ هو خبر [له].

والثاني: يلزمهم بما يعاينوا من مرجح الأمر من غير الحكماء أنها تقع متفاوتة مضطربة، والعالم بما خرج متسقاً على الحكمة والمصلحة؛ فعلموا أنه كان بمدبر حكيم يعلم ما به المصالح؛ فيلزمهم به أمران أيضاً: التوحيد والرسالة، ولا قوة إلا بالله.

والأصل عندنا بتمكين الشيطان ما ذكرنا من الوسوسة أن الشيطان والملك خَلْقَان لله  عرفناهما بالرسل - عليهم السلام - وبما بيَّنَّا من ضرورة الحاجة إلى العلم ممن بإلقائه يصير عند التصوير قبيحاً أو حسناً، فيأتيان جميعاً بما مكنهما الله  من الأمرين جميعاً: أمر الملائكة الخير والحكمة فيسهل عليه سبيله بتيسير الله  وفضله، وأمر الشيطان الضلال والشر فييسر عليه، حتى صار الخير للأول كالطبع، والشر للثاني كذلك، فإذن كان كل واحد ممكناً من الأمرين، قال الله  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ...

﴾ إلى قوله  : ﴿ لِلْعُسْرَىٰ  ﴾ ، وقال الله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ...

﴾ إلى قوله  : ﴿ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ .

ثم الأصل في الإنس أنهم امتحنوا بحقوق بينهم وبين الله  وبحقوق فيما بينهم، وكلفوا تثبيت الملائكة إياهم [بقوله] عز وجل: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ وأمروا برد ما يوسوس إليهم الشيطان بقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً  ﴾ وغير ذلك.

وعلى ذلك خلقت الملائكة ممتحنين بالكتابة على البشر بقوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ  ﴾ فتكون الحكمة في تكليف التمكين ما وصف من محنة الله  إكياهم طاعتهم في أنفسهم وفيما مكنوا من غيرهم، على ما ذكرت من أمر الإنس، وحكمة ذلك للإنس إلزام التيقظ والنظر فيما يقع في قبله من الخواطر؛ ليعلم الذي له والذي عليه.

وكذلك في تكليف الملائكة كتابة قوله وفعله؛ ليكون متيقظاً ومتنبهاً في كل أفعاله وأحواله كتيقظه فيما كان الأولياء والأعداء من الكتابين الظاهرين عليه أنه يحذر كل الحذر عما يؤذي وليه، ويقبل على كل أمر فيه نفع بما أمَّل، ويحذر عدوه أشد الحذر؛ لئلا يؤذيه من حيث لا يعلم، فيتهمه كل تهمة.

ثم معلوم ألا يمل الكتبة إلا بعد إحكامه وإصلاحه غاية ما يحتمل الوسع، فعلى ذلك فيما خفي؛ إذ هم في العقول في درك ما منهم وما عليهم كالذين ذكر لهم ممن ظهروا لأبصارهم، والله الموفق.

وكذلك صلحت المحنة والأمر في صحبة الأولياء والأعداء بحق الولاية والعداوة فيما لا يرون صلاحها وفيما يرون؛ إذ من الوجه الذي فيه الولاية والعداوة مرئية لأبصار القلوب والعقول؛ فيمكن الحذر والمعاملة جمعياً، وعلى هذا التقدير لم يمكن الله أعداءه الذين لا يرون من معاداتهم بأفعال من أبدانهم وأموالهم بالسلب والتنجيس والإفساد، وقد مكن أعداءهم من الإنس ذلك؛ ليمكنهم الدفع عن ذلك والحذر عنه بما وقع الوقوف لبعض على حيل بعض والصرف عن ذلك، وما هذا إلا كدرك الحواس بأفعالها وأسبابها بالحس، وكذلك أمر الملائكة، لكن من لا يحتمل عقله معرفة الصانع والتوحيد مع شهادة العقل وكل شيء فجهله بالشيطان غير مستبعد ولا مستنكر، والله أعلم.

قال -  -: ثم اختلف في وجه تمكين الشيطان من الإنس فيما يوسوس إليه: قد روي في بعض الأخبار أنه يجري فيه مجرى الدم، فأكر ذلك قوم، وليس ذلك مما ينكر بعد العلم باحتمال جري الدم فيه وجري قوة الطعام والشراب وما به حياة الأبدان والحواس مما لطف مجراه في جميع العروق والأعصاب وكل شيء؛ بلطافة ذلك؛ [فعلى ذلك] الشيطان.

وعلى ما روي في أمر المالك مما يكتب ما لا يعلم موضع قعوده ولا يسمع صريف قلمه ولا ما يكتبه علينا من ذلك، فعلى ذلك أمر الذي ذكرت.

ثم قد ثبت القول بأمر الله  نبيه أن يتعوذ به عن همزه ونزغه وحضوره بقوله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ...

 ﴾ ، وقوله  : ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ...

﴾ \[المؤمنون: 97\] وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ...

﴾ الآية [البقرة: 275]، فثبت أن أمره على ما بيناه.

ثم القول في أي موضع لوقت ما له من الوحي والمس والنزغ أمر لا يحتاج إليه بحق؛ لأن الله  [و]عز وجل أخبرنا أنا لا نراه بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ ولكن الذي رجعت المحنة إلى أفعاله التي يقع لها آثار في الصدور، وقد مُكِنَّا بحمد الله  ومَنَّهِ لندرك منه، وإنما علينا التيقظ لما يقع في الصدور من أفعاله ووساوسه لندفع بما مكننا الله  [و]عز وجل من الأسباب، وعرفنا من الحجج نقص الباطل والتمسك بالحق، كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ وتوجهوا إلى الله  بالتعوذ في طلب اللطف الذي جعله الله  للدفاع، كقول يوسف - عليه الصلاة والسلام -: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ...

 ﴾ ، على العلم فيه بطوائف الأشياء من المجعول لدفع كيدهن، وكذلك قول الراسخين في العلم: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً...

 ﴾ .

لكن من الناس من يقول: هو يعلم النفس فيما تهوى فيزين لها ذلك، والعقل فيما يدعو من ذلك فيمنعه عن ذلك.

ومنهممن يقول: لا، لكن في ذلك آثار من الظلمة والنور والطيِّب والخبيث، فيعرف بالآثار وفيها موقع وسواسه حتى يصل إلى الفعل، وقد يكون عمل الهوى والعقل جميعاً في الجسد وخارجاً منهن وبخاصة آثار الأعمال.

ومنهم من يقول: ليس له بشيء من ذلك علم، لكن بكل ما يرجو العمل من التغرير أو في التمويه والتلبيس كالأعمى فيما يمس ويطلب المضار من المنافع ونحو ذلك، لكن ذلك كله طريق عمل الشيطان وطريق إمكانية وحِيَله، وذلك أمر لم نؤمر بمعرفته، وإنما علينا مجاهدته في منع ذلك بالتيقظ أو بدفعه بما نتذكر، هكذا ذكرت في الآيات، أو بالفزع إلى الله  وتعالى في دفعه ومنعه إن حضر بما عنده من اللطائف التي لديها يقع الأمن عن الزيغ والظفر بالرشد.

وتأول كثير منهم أن يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الناس، وذلك ممكن؛ لما قد يكون من كل جنس ضُلاَّلٌ وغُواة وأخبار وأبرار، فأما حق تأويل السورة على ما وصفنا في ذكر وسواس الجن والإنس.

ثم القول في المعوِّذتين أنهما من القرآن أو ليستا من القرآن، قال الفقيه - رحمه الله -: لنا من أمرهما أنهما انتهيا بما انتهت إلى أهل هذا العصر معرفة القرآن في الجمع بين اللوحين بتوارث الأمة، ولسنا نحن ممن يعرف بالمحنة والسير بما به أنهما معجزتان أو لا، وإنما حق ذلك الأخذ عن أهل ذلك والشهادة [له] بعد الثبات أنه من القرآن وأنه معجز، حقٌّ أمثالنا فيه لاتباع، وقد اتضح بما به جرى التعارف في جميع الشرائع التي بها يشهد أنها عن الله  وأنها حق، فعلى ذلك هذا.

لكن ذكر عن ابن مسعود -  - أنه لم يكتبها في مصفحه، وذلك عندنا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لم يكن سمع رسول الله  قال فيهما شيئاً أنهما من القرآن أم لا، ولم يكن أيضاً رأى على نفسه السؤال عن ذلك حقّاً واجباً؛ لأن القرآن وما جاء به الرسول  فيما يلزم علم الشهادة والعمل به واحداً؛ إذ المقصود من كل ذلك القيام بالمقصود من حق الكلفة لا التسمية، ولم يكن النجباء يمتحنون أنفسهم بالسير في الوجوه التي بها يعرفون المعجز من غير ذلك أنه قرآن أو غيره، وإنما ذلك من عمل المرتابين الشاكين في خبر الرسول  ليعروفا أنه مبعوث مرسل، فأما من تقرَّر عنده واطمأن به قلبه وزال عنه الحرج فيما آتاهم فقد كُفُوا ذلك، وكذلك يجوز ترك البحث عن ذلك لما ذكرت، لا أن عنده أنهما ليستا من القرآن، وفي خبر عقبة الجهني أن النبي  قال لأصحابه: "نزل اليوم آيات لم ير مثلهن قط قيل: ما هن يا رسول الله؟

فقال: المعوذتان" ، دل أنهما من القرآن.

وأيد أيضاً ما ذكرت في ترك الكتابة ما روي عن أبي بن كعب -  - أن رسول الله  قال لنا: "فقولوا"، فنحن نقول بقولٍ لم يشهد في تلك بأنهما منه ولا ليستا منه بما لم يكن رسول الله  أخبره بهما، فعلى ذلك أمر عبد الله بن مسعود،  .

ويؤيد ذلك أيضاً أمر استعاذة القرآن أنها مقدمة على القراءة، وحق هاتين السورتين لو كانتا منه بيقين أن تكونا في افتتاح المصحف كالاستعاذة للقرآن، فهذا أيضاً بعض الذي يمنع [العلم] بحقيقة ذلك عنه، وقد بينا جواز وجه الإشكال مع ما كان الإنزال لحاجة العباد، وعلى ذلك جرى العمل بهما من رسول الله  و غيره، فهو أمر لا يضر الجهل [بالوجه] الذي ذكرت.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: لو علمت أن أحداً أعلم بالقرآن مني وحملتني مطيتي لأتيته.

وقد روي عمن ذكر عن ابن مسعود -  - أن رسول الله  كان يعرض على جبريل -  - كل عام مرة إلا في العام الذي قبض عرض عليه مرتين، وقد شهدهما جميعاً عبد الله، فعلَّه لم يعرض ما شاء الله، وإذا كان كذلك لم يكن هو ممن يسأل في هذا الباب غيره ليثبت عنده السماع بأنهما أثبتتا في المصحف؛ فبقي قوله بحيث لا نعرف حقيقته، ووجه آخر أن يكون رأهما منه لكن لم يكتب؛ لوجهين: أحدهما: لما لم يكن موضع الكتاب والتدبير، على ما ذكرنا أن يكون في أول المصاحف، فكره أن يكتب بتدبيره، ويتخير له موضعاً للكتابة؛ فلم يكت ذلكز والثاني: أنه يكتب ليحفظ ولا ينسى، وقد أمن عليهما النسيان؛ لأنهما بحيث يجب تلاوتهما في أوائل النهار ومبادئ الليل، وعند النوازل ينفع التعوذ بهما من كل شر وكيد، على نحو الاستعاذة وأنواع الدعوات المدعوة، فلما أمن خفاءهما لم يكتب، وعلى ذلك ترك كتابة فاتحة الكتاب، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: أعتصم برب الناس، وأستجير به.

<div class="verse-tafsir" id="91.p34nW"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه السورة مكية -كالسورة التي قبلها في قول من ذكرنا- ولا علاقة لها بسحر ولا بما هو من ناحيته.

وإنما هي أمر إلهي بالاستعاذة بالله والالتجاء إليه والاستعانة به على دفع شر عظيم يشبه الشرور التي ذكرت في الآية المتقدمة، ولكنه شر قد يسهو عنه الناس فلا يبالون به لأنه يأتيهم من ناحية شهواتهم وتلتبس به قواهم من حيث لا يشعرون فيقعون به في سيئات الأعمال، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

ولما كان من الخفاء بحيث تضعف قوة الإنسان عن دفعه بسهولة احتاج إلى الاستعانة عليه بالله واللياذ بجواره منه، وذلك الشر هو شر الوسواس قال: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ  ﴾ أي ألجأ إليه وأستعين به.

ورب الناس الذي يربيهم بالنعم ويؤدبهم بالنقم.

(ملك الناس) الذي يحكمهم ويضبط أعمالهم، ويدبر قواهم، ويضع لهم الشرائع، ويحدد لهم الحدود العامة التي لا يباح لهم الخروج عنها، (إله الناس) المستولي على قلوبهم بعظمته فلا يحيطون بكنه سلطته، وإنما يخشعون لها: يحيط بنواحي قلوبهم ولا يدرون من أي جانب يأتيهم.

فهو معبودهم الحق، وملاذهم إذا ضاق بهم الأمر.

وإنما خص هذه الصفات، صفات الألوهية، بالإضافة إلى الناس -مع أن الله رب كل شيء وملك كل شيء وإله كل شيء- لأن الناس هم الذين وهموا في صفاته وضلوا فيها عن حقيقة معانيها، فجعلوا لهم أربابًا ينسبون إليهم بعض النعم أو كلها، ويلجأون إليهم في استدرارها، ولقبوهم بالشفعاء..

وهم الذين تخيلوا لهم ملوكًا روحانيين يظنون أنهم هم الذين يدبرون حركاتهم، وهم الذين يرسمون لهم حدود أعمالهم بما يؤثرون عنهم من أقوالهم فيعرضون عن كتاب الله إلى كتبهم، وربما ضيعوا الكتب الإلهية فمحي أثرها اكتفاء بما يبقى في أيديهم من مبتدعات أولئك الرؤساء.

ثم إنهم لذلك يجدون في أنفسهم خشية لرؤسائهم هؤلاء، ويخيلون لهم منها سلطة روحية فيخنعون لهم خنوعهم للسلطان الإلهي، ولذلك عدوا آلهة لهم، سواء لقبوهم بهذا اللقب أم لم يلقبوهم به.

فالناس هم الذين اخترعوا بأوهامهم هؤلاء الأرباب والملوك والآلهة، فلذلك خصهم بالذكر.

أما ما يقال عن الجن من أنهم فعلوا مثل الناس فذلك مما لا يظهر للناس، ولهذا لم يعتبرهم.

وإنما كرر ذكر الناس باللفظ الظاهر دون الضمير لتقرير الأمر فضل تقرير لشدة تعلق الجمهور الأعظم من الناس بخيالاتهم، وتمسكهم بأوهامهم، وظنهم أنهم -لكونهم ناسًا أي بشرًا، عقلاء متفكرين- قد وصلوا فيما تعلقوا به إلى ما هو الصحيح المنطبق على الواقع.

فأراد أن ينبه -بذكر اللفظ الدال عليهم بجانب كل صفة- إلى أن الله هو ربهم، وهم أناس متفكرون، وملكهم وهم كذلك، وإلههم وهم كذلك.

وباطل ما اخترعوا لأنفسهم بعقولهم من حيث هم بشر.

فإذا لم يكن للإنسان رب، ولا ملك ولا إله إلا الله فاستعذ به وحده (من شر الوسواس).

أصل الوسوسة الصوت الخفي.

وقد قيل لأصوات الحلي عند الحركة وسوسة.

والوسواس ههنا صفة كالثرثار، أو اسم مصدر استعمل استعمال الصفة.

والمراد منه الذي يلقي الحديث في النفس، حديث السوء.

(الخناس): ممن خنس إذا رجع.

وهذه الأحاديث النفسية إذا سلط عليها نظر العقل في العواقب خفيت واضمحلت وسكن الموسوس عن إلقائها.

وحديث النفس بالفواحش، وضروب الأذى بالناس -إذا ذكر دين الله وأحضرت النفس مثال شرعه- ذهب ذلك الحديث هباء وخشي الموسوس وكذلك إذا وسوس لك أحد من الناس، وبعثك على فعل سوء، وذكرت ذلك وذكرته به، رأيته يخنس ويمسك عن القول إلى أن يجد فرصة أخرى.

فالموسوس بالشر كثير الخنوس لأنه من ناحية الباطل لا مكنة له على مقاومة الحق إذا صدمه، ولكنه يذهب بالنفس إلى أسوأ المصائر إذا انجرت مع الوسوسة، وانساقت بها إلى تحقيق الخاطر بالفعل.

وإنما ذكر الله لنا هذا الوصف (الخناس) لينبهنا إلى مكان الموسوس من الضعف لنلتمس السبيل إلى دفعه مع الاستعانة بالله عليه، وليدلنا على أن ما أصاب الناس من قبله إنما كان من ضعف عزائمهم وعشا بصائرهم، ولو استعملوا قواهم فيما جعلها الله له ما نجع الوسواس في نفوسهم، ولا جرهم إلى سوء مصيرهم.

وقد وصف الله الوسواس الخناس بقوله: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ  مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ  ﴾ من الجنة والناس بيان للذي يوسوس أو بيان للوسواس الخناس.

فالموسوسون قسمان: قسم الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم، وإنما نجد في أنفسنا أثرًا ينسب إليهم.

ولكل واحد من الناس شيطان.

وهي قوة نازعة إلى الشر يحدث منها في نفسه خواطر السوء.

وإنما جعل الوسوسة في الصدور على ما عهد في كلام العرب من أن الخواطر في القلب، والقلب مما حواه الصدر عندهم.

وكثيرًا ما يقال: إن الشك يحوك في صدره، وما الشك إلا في نفسه وعقله.

وأفاعيل العقل في المخ وإن كان يظهر لها أثر في حركات الدم، وضربات القلب، وضيق الصدر أو انبساطه.

وكل ما أوردوه في خرطوم الشيطان، وخطمه ومنقاره وجثومه على الصدر أو القلب ونحو ذلك -فهو من التمثيل والتصوير.

وإلا فليجعلوا مثل ذلك للقسم الثاني من الوسواس أو الموسوسين -وهم الناس- فإن الله نسب الوسوسة إليهم على السواء، فقال : ﴿ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ  ﴾ فليكن للناس الذين يوسوسون في صدور الناس خرطوم وخطم ومنقار يدخل في الصدور ويوضع على أذن القلب.

فإذا ذكر الله خنس الخرطوم، كما ذكروه في الجنة، ولكنهم يكثرون الوصف ويخترعون ما يشاءون بأوهامهم فيما لا يراه الناس -وإن كانوا لا يعقلونه- ويجترئون على الغيب فيذكرون من شؤونه ما استأثر الله بعلمه، ثم لا يكفيهم ذلك حتى يخترعوا من الأحاديث ما يسند أوهامهم، وينسبون إلى السلف ما يظنون أنه يقوي مزاعمهم.

والله يشهد أن النبي  والسلف الصالح براء مما ينسب إليهم من ذلك كله.

وإنما هو من اختراع من لم يرض لنفسه أن يقترف جريمة واحده: جريمة الجرأة على الغيب بوهمه، حتى يضم إلى ذلك جريمة الكذب على رسول الله  وسلف الأمة ..

أولئك الذين إذا انجر القول بهم إلى ما يعرفه الناس ويمكنهم أن يكذبوهم فيه سكتوا سكوت البكم، ولجأوا إلى سلاحهم الذي يشرعونه في وجوه الجبناء، وقالوا: هكذا مذهب أهل السنة، كأنه السنة عندهم مذهب جسماني محض لا شائبة من الروحانية فيه، وافتروا على أهل السنة -وهم السلف- ما لا يعرفونه.

وماذا عليهم لو أخذوا السنة والكتاب، ونظروا إلى الدين جملة، وفسروا بعض نصوصه ببعض كما هو الواجب على المسلم الذي يؤمن بالكتاب كله، وليس من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟.

نعوذ بالله من الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.

والله أعلم.

كــشــاف مصادر الدراسة والتحقيق فهرس تحليلي للموضوعات والأفكار..

فهرس عام للأعلام..

والأماكن..

والفرق والمذاهب والجمعيات..

مزيد من التفاسير لسورة الناس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله