الآية ١٥ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٥ من سورة يوسف

فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِۦ وَأَجْمَعُوٓا۟ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَـٰبَتِ ٱلْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك ، ( وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ) هذا فيه تعظيم لما فعلوه أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب ، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراما له ، وبسطا وشرحا لصدره ، وإدخالا للسرور عليه ، فيقال : إن يعقوب عليه السلام ، لما بعثه معهم ضمه إليه ، وقبله ودعا له .

وقال السدي وغيره : إنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له ، إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه ، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه ، والفعل من ضرب ونحوه ، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه ، فجعل إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه ، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه ، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة ، فسقط في الماء فغمره ، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه ، يقال لها : " الراغوفة " فقام فوقها .

قال الله تعالى : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر : إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق ، تطييبا لقلبه ، وتثبيتا له : إنك لا تحزن مما أنت فيه ، فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا ، وسينصرك الله عليهم ، ويعليك ويرفع درجتك ، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع .

وقوله : ( وهم لا يشعرون ) - قال [ مجاهد و ] قتادة : ( وهم لا يشعرون ) بإيحاء الله إليه .

وقال ابن عباس : ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك ، وهم لا يعرفونك ، ولا يستشعرون بك ، كما قال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي ، عن أبيه ، سمعت ابن عباس يقول : لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون ، قال : جيء بالصواع ، فوضعه على يده ، ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام : أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له " يوسف " ، يدنيه دونكم ، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب - قال : ثم نقره فطن - فأتيتم أباكم فقلتم : إن الذئب أكله ، وجئتم على قميصه بدم كذب - قال : فقال بعضهم لبعض : إن هذا الجام ليخبره بخبركم .

قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : لا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم : ( لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) قال أبو جعفر : وفي الكلام متروكٌ حذف ذكره، اكتفاءً بما ظهر عما ترك ، وهو: أَرْسِلْهُ مَعَنَا ، ( فلما ذهبوا به وأجمعوا) ، يقول: وأجمع رأيهم، (1) وعزموا على (أن يجعلوه في" غيابة الجب " (2) ) .

كما:- 18831- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، قوله: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ، الآية ، قال، قال: لن أرسله معكم ، إني أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ، قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ، فأرسله معهم ، فأخرجوه وبه عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه ، فيستغيث بالآخر فيضربه ، فجعل لا يرى منهم رحيمًا ، (3) فضربوه حتى كادوا يقتلونه ، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه!

يا يعقوب!

لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء !

فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا (4) أليس قد أعطيتموني موثقًا أن لا تقتلوه؟

فانطلقوا به إلى الجبّ ليطرحوه ، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلّق بشَفير البئر.

فربطوا يديه، ونـزعوا قميصه ، فقال: يا إخوتاه!

ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجبّ !

فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحد عشر كوكبًا تؤنسك !

قال: إني لم أر شيئًا ، فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادةَ أن يموت.

وكان في البئر ماءٌ فسقط فيه ، ثم أوَى إلى صخرة فيها فقام عليها .

قال: فلما ألقوه في البئر، جعل يبكي ، فنادوه ، فظنّ أنها رحمة أدركتهم ، فلبَّاهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه ، فقام يهوذا فمنعهم ، وقال: قد أعطيتموني موثقًا أن لا تقتلوه!

وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

* * * وقوله: (فلما ذهبوا به وأجمعوا) فأدخلت " الواو " في الجواب ، كما قال امرؤ القيس: فَلَمَّـا أجَزْنَـا سَـاحَةَ الحَـيِّ وانْتَحَـى بِنـا بَطْـنُ خَـبْتٍ ذِي قِفـاف عَقَنْقَل (5) فأدخل الواو في جواب " لما " ، وإنما الكلام: فلما أجزنا ساحة الحي، انتحى بنا ، وكذلك: (فلما ذهبوا وأجمعوا) ، لأن قوله: " أجمعوا " هو الجواب.

* * * وقوله: (وأوحينا إليه لتنبِّئنهم بأمرهم) ، يقول: وأوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك ، ( بأمرهم هذا) يقول: بفعلهم هذا الذي فعلوه بك (وهم لا يشعرون) يقول: وهم لا .

يعلمون ولا يدرُون (6) .

* * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله عز وجل بقوله: (وهم لا يشعرون) .

فقال بعضهم: عنى بذلك: أن الله أوحى إلى يوسف أنّ يوسف سينبئ إخوته بفعلهم به ما فعلوه: من إلقائه في الجب ، وبيعهم إياه ، وسائر ما صنعوا به من صنيعهم ، وإخوته لا يشعرون بوحي الله إليه بذلك .

*ذكر من قال ذلك: 18832- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (وأوحينا إليه) إلى يوسف.

18833- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا) قال: أوحينا إلى يوسف: لتنبئن إخوتك.

18834- ...قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) قال: أوحى إلى يوسف وهو في الجبّ أنْ سينبئهم بما صنعوا ، وهم لا يشعرون بذلك الوحي 18835- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد: (وأوحينا إليه) ، قال: إلى يوسف.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وأوحينا إلى يوسف بما إخوته صانعون به ، وإخوته لا يشعرون بإعلام الله إيّاه بذلك .

*ذكر من قال ذلك: 18836- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) ، بما أطلع الله عليه يوسف من أمرهم، وهو في البئر.

18837- حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون)، قال: أوحى الله إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به ، وهم لا يشعرون بذلك الوحي.

18838- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد ، قال: أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن قتادة، بنحوه ، إلا أنه قال: أن سينبئهم .

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يوسف سينبئهم بصنيعهم به، وهم لا يشعرون أنه يوسف .

*ذكر من قال ذلك: 18839-حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله: (وهم لا يشعرون) يقول: وهم لا يشعرون أنه يوسف.

18840- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف فعرفهم وهم له منكرون ، قال: جيء بالصُّوَاع، فوضعه على يده، ثم نقره فطنَّ، فقال: إنه ليخبرني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم ، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب!

قال: ثم نقره فطنَّ ، فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدَمٍ كذب!

قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم!

قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نـزلت إلا فيهم: (لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون).

(7) * * * ---------------------- الهوامش: (1) انظر تفسير" الإجماع" فيما سلف ص : 147 ، 148 .

(2) انظر تفسير" غيابة الجب" فيما سلف ص : 565 ، 566 .

(3) انظر ما قلته في" جعل" وأشباهها ، وأنها أفعال استعانة ، لها مكان في التعبير لا يغني مكانها شيء غيرها .

انظر ج 11 تعليق : 1 .

(4) انظر ما سلف ص : 565 ، تعليق : 1 في اسم هذا القائل ، وأنه" روبيل" أو" شمعون" ، ولم يذكر هناك" يهوذا" .

(5) معلقته المشهورة ، وسيأتي في التفسير 17 : 73 ( بولاق ) ، وكان في المطبوعة :" ذي حقاف" ، وأثبت روايته هذه من المخطوطة .

(6) انظر تفسير" شعر" فيما سلف 12 : 576 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(7) الأثر : 18840 -" صدقة بن عبادة بن نشيط الأسدي" ، روى عن أبيه عن ابن عباس .

روى عنه أبو داود الطيالسي ، وموسى بن إسماعيل ، وغيرهما ، مترجم في الكبير 2 / 2 / 298 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 433 .

/8 وأبوه" عبادة بن نشيط الأسدي" ، روى عن ابن عباس ، روى عنه ابنه صدقة ، مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 96 .

ولم يذكروا فيه ولا في ابنه جرحًا .

ومع ذلك فالخبر عندي غير مستقيم .

وكفاه اختلالا أنه مخالف لصريح القرآن ، ولو وافقه لكان أولى به أن يكون قال لهم ذلك ، لما دخلوا عليه فقال لهم :" هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون" ، في آخر السورة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرونقوله تعالى : فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب " أن " في موضع نصب ; أي على أن يجعلوه في غيابة الجب .قيل في القصة : إن يعقوب - عليه السلام - لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ليحفظنه ، وسلمه إلى روبيل وقال : يا روبيل إنه صغير ، وتعلم يا بني شفقتي عليه ; فإن جاع فأطعمه ، وإن عطش فاسقه ، وإن أعيا فاحمله ثم عجل برده إلي .

قال : فأخذوا يحملونه على أكتافهم ، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر ، ويعقوب يشيعهم ميلا ثم رجع ; فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر ، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من الغيظ والعسف ; فاستغاث بروبيل وقال : ( أنت أكبر إخوتي ، والخليفة من بعد والدي علي ، وأقرب الإخوة إلي ، فارحمني وارحم ضعفي ) فلطمه لطمة شديدة وقال : لا قرابة بيني وبينك ، فادع الأحد عشر كوكبا فلتنجك منا ; فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه ، فتعلق بأخيه يهوذا وقال : يا أخي ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني ، وارحم قلب أبيك يعقوب ; فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده ; فرق قلب يهوذا فقال : والله لا يصلون إليك أبدا ما دمت حيا ، ثم قال : يا إخوتاه إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا ، فردوا هذا الصبي إلى أبيه ، ونعاهده ألا يحدث والده بشيء مما جرى أبدا ; فقال له إخوته : والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب ، والله لئن لم تدعه لنقتلنك معه ، قال : فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا هذا الجب الموحش القفر ، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقوه فيه ، فإن أصيب بشيء من ذلك فهو المراد ، وقد استرحتم من دمه ، وإن انفلت على أيدي سيارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد ; فأجمع رأيهم على ذلك ; فهو قول الله تعالى : فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وجواب لما محذوف ; أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على طرحه في الجب عظمت فتنتهم .

وقيل : جواب لما قولهم : قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق .

وقيل : التقدير فلما ذهبوا به من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها ، هذا على مذهب البصريين ; وأما على قول الكوفيين فالجواب : أوحينا والواو مقحمة ، والواو عندهم تزاد مع لما وحتى ; قال الله تعالى : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها [ ص: 126 ] أي فتحت وقوله : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور أي فار .

قال امرؤ القيس :فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى[ بها بطن خبث ذي حقاف عنقنق ]أي انتحى ; ومنه قوله تعالى : فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أي ناديناه .وأوحينا إليه دليل على نبوته في ذلك الوقت .

قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة : أعطاه الله النبوة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء .

وقال الكلبي : ألقي في الجب ، وهو ابن ثماني عشرة سنة ، فما كان صغيرا ; ومن قال كان صغيرا فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه .

وقيل : كان وحي إلهام كقوله : وأوحى ربك إلى النحل .

وقيل : كان مناما ، والأول أظهر - والله أعلم - وأن جبريل جاءه بالوحي .قوله تعالى : لتنبئنهم بأمرهم هذا فيه وجهان : أحدهما : أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا ; فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجب تقوية لقلبه ، وتبشيرا له بالسلامة .

الثاني : أنه أوحى إليه بالذي يصنعون به ; فعلى هذا يكون الوحي قبل إلقائه في الجب إنذارا لهوهم لا يشعرون أنك يوسف ; وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وإخوته بمكانه .

وقيل : بوحي الله تعالى بالنبوة ; قاله ابن عباس ومجاهد .

وقيل : " الهاء " ليعقوب ; أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف ، وأنه سيعرفهم بأمره ، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه ، والله أعلم .ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجب ما ذكره السدي وغيره أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر ، تعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ونزعوا قميصه ; فقال : يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في هذا الجب ، فإن مت كان كفني ، وإن عشت أواري به عورتي ; فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فلتؤنسك وتكسك ; فقال : إني لم أر شيئا ، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت ; فكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها .

وقيل : إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة ، وكان جبريل تحت ساق العرش ، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي ; قال جبريل : فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالما .

وكان ذلك الجب مأوى الهوام ; فقام على الصخرة وجعل يبكي ، فنادوه ، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم ، فأجابهم ; فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا ، وكان [ ص: 127 ] يهوذا يأتيه بالطعام ; فلما وقع عريانا نزل جبريل إليه ; وكان إبراهيم حين ألقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، فكان ذلك عند إبراهيم ، ثم ورثه إسحاق ، ثم ورثه يعقوب ، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه ، فكان لا يفارقه ; فلما ألقي في الجب عريانا أخرج جبريل ذلك القميص فألبسه إياه .

قال وهب : فلما قام على الصخرة قال : يا إخوتاه إن لكل ميت وصية ، فاسمعوا وصيتي ، قالوا : وما هي ؟

قال : إذا اجتمعتم كلكم فأنس بعضكم بعضا فاذكروا وحشتي ، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي ، وإذا شربتم فاذكروا عطشي ، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي ، وإذا رأيتم شابا فاذكروا شبابي ; فقال له جبريل : يا يوسف كف عن هذا واشتغل بالدعاء ، فإن الدعاء عند الله بمكان ; ثم علمه فقال : قل اللهم يا مؤنس كل غريب ، ويا صاحب كل وحيد ، ويا ملجأ كل خائف ، ويا كاشف كل كربة ، ويا عالم كل نجوى ، ويا منتهى كل شكوى ، ويا حاضر كل ملأ ، يا حي يا قيوم أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي ، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك ، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا ، إنك على كل شيء قدير ; فقالت الملائكة : إلهنا نسمع صوتا ودعاء ، الصوت صوت صبي ، والدعاء دعاء نبي .

وقال الضحاك : نزل جبريل - عليه السلام - على يوسف وهو في الجب فقال له : ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله لك خروجك من هذا الجب ؟

فقال : نعم ، فقال له : قل يا صانع كل مصنوع ، ويا جابر كل كسير ، ويا شاهد كل نجوى ، ويا حاضر كل ملأ ، ويا مفرج كل كربة ، ويا صاحب كل غريب ، ويا مؤنس كل وحيد ، ايتني بالفرج والرجاء ، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدا سواك ; فرددها يوسف في ليلته مرارا ; فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من الجب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعد ما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا عليه، فنفذوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى إليه وهو في تلك الحال الحرجة، { لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبار عن أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر، ففيه بشارة له، بأنه سينجو مما وقع فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما ذهبوا به وأجمعوا ) أي : عزموا ( أن يجعلوه ) يلقوه ( في غيابة الجب وأوحينا إليه ) هذه الواو زائدة ، تقديره : أوحينا إليه ، كقوله تعالى : ( فلما أسلما وتله للجبين وناديناه ) ( الصافات - 103 ) أي : ناديناه ( لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) يعني : أوحينا إلى يوسف عليه السلام لتصدقن رؤياك ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بوحي الله وإعلامه إياه ذلك ، قاله مجاهد .

وقيل : معناه : وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف وذلك حين دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون .

وذكر وهب وغيره : أنهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإكرام وجعلوا يحملونه ، فلما برزوا إلى البرية ألقوه وجعلوا يضربونه فإذا ضربه واحد منهم استغاث بالآخر فضربه الآخر ، فجعل لا يرى منهم رحيما ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح : يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء ، فلما كادوا أن يقتلوه قال لهم يهوذا : أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه ، فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه ، وكان ابن اثنتي عشرة سنة - وقيل : ثماني عشرة سنة - فجاءوا به إلى بئر على غير الطريق واسعة الأسفل ضيقة الرأس .

قال مقاتل : على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام .

وقال كعب : بين مدين ومصر .

وقال وهب : بأرض الأردن .

وقال قتادة : هي بئر بيت المقدس فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال : يا إخوتاه ، ردوا علي القميص أتوارى به في الجب ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والكواكب تواريك ، قال : إني لم أر شيئا ، فألقوه فيها .

وقيل : جعلوه في دلو وأرسلوه فيها حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها .

إنهم لما ألقوه فيها جعل يبكي فنادوه فظن أن رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه ، فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام ، وبقي فيها ثلاث ليال .

( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ) الأكثرون على أن الله تعالى أوحى إليه بهذا وبعث إليه جبريل عليه السلام يؤنسه ويبشره بالخروج ، ويخبره أنه ينبئهم بما فعلوه ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : ثم إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف عليه السلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما ذهبوا به وأجمعوا» عزموا «أن يجعلوه في غيابت الجب» وجواب لما محذوف أي فعلوا ذلك بأن نزعوا قميصه بعد ضربه وإهانته وإرادة قتله وأدلوه فلما وصل إلى نصف البئر ألقوه ليموت فسقط في الماء ثم أوى إلى صخرة فنادوه فأجابهم يظن رحمتهم فأرادوا رضخه بصخرة فمنعهم يهوذا «وأوحينا إليه» في الجب وحي حقيقة وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه «لتنبئنهم» بعد اليوم «بأمرهم» بصنيعهم «هذا وهم لا يشعرون» بك حال الإنباء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأرْسَلَهُ معهم.

فلما ذهبوا به وأجمعوا على إلقائه في جوف البئر، وأوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك مستقبلا بفعلهم هذا الذي فعلوه بك، وهم لا يُحِسُّون بذلك الأمر ولا يشعرون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال : ( فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابت الجب وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) .أى : فلما أقنعوا أباهم بإرسال يوسف معهم ، وذهبوا به فى الغد إلى حيث يريدون ، وأجمعوا أمرهم على أن يلقوا به فى قعر الجب ، فعلوا به ما فعلوا من الأذى ، ونفذوا ما يريدون تنفيذه بدون رحمة أو شفقة .فالفاء فى قوله فلما : للتفريع على كلام مقدر ، وجواب " لما " محذوف ، دل عليه السياق .

وفعل " أجمع " يتعدى إلى المفعول بنفسه ، ومعناه العزم والتصميم على الشئ ، تقول : أجمعت المسير أى : عزمت عزما قويا عليه .وقوله " أن يجعلوه " مفعول أجمعوا .قال الآلوسى : " والروايات فى كيفية إلقائه فى الجب ، وما قاله لإِخوته عند إلقائه وما قالوه له كثيرة ، وقد تضمنت ما يلين له الصخر ، لكن ليس فها ماله سند يعول عليه " .والضمير فى قوله ، وأوحينا إليه يعود على يوسف - عليه السلام - .أى : وأوحينا إليه عند إلقائه فى الجب عن طريق الإِلهام القلبى ، أو عن طريق جبريل - عليه السلام - أو عن طريق الرؤيا الصالحة .

( لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا ) أى : لتخبرنهم فى الوقت الذى يشاؤه الله - تعالى - فى مستقبل الأيام ، بما فعلوه معك فى صغرك من إلقائك فى الجب ، ومن إنجاء الله - لك ، فالمراد بأمرهم هذا : إيذاؤهم له وإلقاؤهم إياه فى قعر الجب ، ولم يصرح - سبحانه - به ، لشدة شناعته .وجملة ( وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) حالية ، أى : والحال أنهم لا يحسون ولا يشعرون فى ذلك الوقت الذى تخبرهم فيه بأمرهم هذا ، بأنك أنت يوسف .

لاعتقادهم أنك قد هلكت ولطول المدة التى حصل فيها الفراق بينك وبينهم ، ولتباين حالك وحالهم فى ذلك الوقت ، فأنت ستكون الأمين على خزائن الأرض ، وهم سيقدمون عليك فقراء يطلبون عونك ورفدك .وقد تحقق كل ذلك - كما سيأتى - عند تفسير قوله تعالى - : ( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر .

.

.

) وكان هذ الإِيحاء - على الراجح - قبل أن يبلغ سن الحلم ، وقبل أن يكون نبيا .وكان المقصود منه ، إدخال الطمأنينة على قلبه ، وتبشيره بما سيصير إليه أمره من عز وغنى وسلطان .قالوا : وكان هذا الجب الذى ألقى فيه يوسف على بعد ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب - عليه السلام - بفلسطين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لابد من الإضمار في هذه الآية في موضعين: الأول: أن تقدير الآية قالوا: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَا لخاسرون ﴾ فأذن له وأرسله معهم ثم يتصل به قوله: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ ﴾ والثاني: أنه لابد لقوله: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب ﴾ من جواب إذ جواب لما غير مذكور وتقديره فجعلوه فيها، وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط أن يكون المذكور دليلاً عليه وهاهنا كذلك.

قال السدي: إن يوسف عليه السلام لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة الشديدة، وجعل هذا الأخ يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه ولا يرى فيهم رحيماً فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يقول يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك، فقال يهودا أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب يدلونه فيه وهو متعلق بشفير البئر فنزعوا قميصه، وكان غرضهم أن يلطخوه بالدم ويعرضوه على يعقوب، فقال لهم ردوا علي قميصي لأتوارى به، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً لتؤنسك، ثم دلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة فقام بها وهو يبكي فنادوه فظن أنه رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فقام يهودا فمنعهم وكان يهودا يأتيه بالطعام، وروي أنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال يا شاهداً غير غائب.

ويا قريباً غير بعيد.

ويا غالباً غير مغلوب.

اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار جرد عن ثيابه فجاءه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة وألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف عليه السلام فجاء جبريل عليه السلام فأخرجه وألبسه إياه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد منه الوحي والنبوة والرسالة وهذا قول طائفة عظيمة من المحققين، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام هل كان في ذلك الوقت بالغاً أو كان صبياً قال بعضهم: إنه كان في ذلك الوقت بالغاً وكان سنه سبع عشرة سنة، وقال آخرون: إنه كان صغيراً إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحاً لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى عليه السلام.

والقول الثاني: إن المراد من هذا الوحي الإلهام كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى  ﴾ وقوله: ﴿ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل  ﴾ والأول: لأن الظاهر من الوحي ذلك.

فإن قيل: كيف يجعله نبياً في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة؟

قلنا: لا يمتنع أن يشرفه بالوحي والتنزيل ويأمره بتبليغ الرسالة بعد أوقات ويكون فائدة تقديم الوحي تأنيسه وتسكين نفسه وإزالة الغم والوحشة عن قلبه.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ قولان: الأول: المراد أن الله تعالى أوحى إلى يوسف إنك لتخبرن إخوتك بصنيعهم بعد هذا اليوم وهم لا يشعرون في ذلك الوقت إنك يوسف، والمقصود تقوية قلبه بأنه سيحصل له الخلاص عن هذه المحنة ويصير مستولياً عليهم ويصيرون تحت قهره وقدرته.

وروي أنهم حين دخلوا عليه لطلب الحنطة وعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فظن، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف فطرحتموه في البئر وقلتم لأبيكم أكله الذئب.

والثاني: أن المراد إنا أوحينا إلى يوسف عليه السلام في البئر بأنك تنبئ إخوتك بهذه الأعمال، وهم ما كانوا يشعرون بنزول الوحي عليه، والفائدة في إخفاء نزول ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله.

المسألة الثالثة: إذا حملنا قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ على التفسير الأول، كان هذا أمراً من الله تعالى نحو يوسف في أن يستر نفسه عن أبيه وأن لا يخبره بأحوال نفسه، فلهذا السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه طول تلك المدة، مع علمه بوجد أبيه به خوفاً من مخالفة أمر الله تعالى، وصبر على تجرع تلك المرارة، فكان الله سبحانه وتعالى قد قضى على يعقوب عليه السلام أن يوصل إليه تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليكثر رجوعه إلى الله تعالى، وينقطع تعلق فكره عن الدنيا فيصل إلى درجة عالية في العبودية لا يمكن الوصول إليها إلا بتحمل المحن الشديدة.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَن يَجْعَلُوهُ ﴾ مفعول ﴿ أَجْمَعُواْ ﴾ من قولك: أجمع الأمر وأزمعه ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ ﴾ [يونس: 71] .

وقرئ: ﴿ في غيابات ﴾ الجب: وقيل هو بئر بيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردنّ وقيل: بين مصر ومدين.

وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب.

وجواب (لما) محذوف.

ومعناه: فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرّية أظهروا له العدواة وأخذوا يهنونه ويضربونه، وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب، حتى كادوا يقتلونه.

فجعل يصيح: يا أبتاه، لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء، فقال يهوذا: أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟

فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ قميصي أتوارى به، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً تؤنسك، ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، فنادوه فظنّ أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وجرّد عن ثيابه أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف، فجاء جبريل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ ﴾ قيل أُوحي إليه في الصغر كما أُوحي إلى يحيى وعيسى: وقيل كان إذا ذاك مدركاً.

وعن الحسن: كان له سبع عشرة سنة ﴿ لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا ﴾ وإنما أُوحي إليه ليؤنس في الظلمة والوحشة، ويبشر بما يؤول إليه أمره.

ومعناه: لتتخلصن مما أنت فيه، ولتحدّثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أنك يوسف لعلوّ شأنك وكبرياء سلطانك، وبعد حالك عن أوهامهم، ولطول العهد المبدّل للهيئات والأشكال، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنّ فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، وكان يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب، وقلتم لأبيكم: أكله الذئب، وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يتعلق ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ بقوله ﴿ وَأَوْحَيْنَا ﴾ على أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة، وهم لا يشعرون ذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش لا أنيس له وقرئ: ﴿ لننبئنهم ﴾ بالنون على أنه وعيد لهم.

وقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ متعلق بأوحينا لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ وعَزَمُوا عَلى إلْقائِهِ فِيها، والبِئْرُ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ أوْ بِئْرٌ بِأرْضِ الأُرْدُنِ أوْ بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، أوْ عَلى ثَلاثَةِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ مِثْلَ فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم لَمّا بَرَزُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ أخَذُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ ويَسْتَغِيثُ فَقالَ يَهُوذا: أما عاهَدْتُمُونِي أنْ لا تَقْتُلُوهُ فَأتَوْا بِهِ إلى البِئْرِ، فَدَلُّوهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ لِيُلَطِّخُوهُ بِالدَّمِ ويَحْتالُوا بِهِ عَلى أبِيهِمْ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ فَقالُوا: ادْعُ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ يُلْبِسُوكَ ويُؤْنِسُوكَ، فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ وكانَ فِيها ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ آوى إلى صَخْرَةٍ كانَتْ فِيها فَقامَ عَلَيْها يَبْكِي فَجاءَهُ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ.

كَما قالَ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ وكانَ ابْنَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وقِيلَ كانَ مُراهِقًا أُوحِيَ إلَيْهِ في صِغَرِهِ كَما أُوحِيَ إلى يَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وَفِي القَصَصِ: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ جُرِّدَ عَنْ ثِيابِهِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَمِيصٍ مِن حَرِيرِ الجَنَّةِ فَألْبَسَهُ إيّاهُ، فَدَفَعَهُ إبْراهِيمُ إلى إسْحاقَ وإسْحاقُ إلى يَعْقُوبَ فَجَعَلَهُ في تَمِيمَةٍ عَلَّقَها بِيُوسُفَ فَأخْرَجَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وألْبَسَهُ إيّاهُ.

﴿ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا ﴾ لَتُحَدِّثَنَّهم بِما فَعَلُوا بِكَ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ يُوسُفُ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وبُعْدِهِ عَنْ أوْهامِهِمْ وطُولِ العَهْدِ المُغَيِّرِ لِلْحِلى والهَيْئاتِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قالَ لَهم بِمِصْرَ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ ﴿ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ .

بَشَّرَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ إيناسًا لَهُ وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ.

وقِيلَ ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مُتَّصِلٌ بِـ (أوْحَيْنا) أيْ آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وهم لا يَشْعُرُونَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب} أي عزموا على إلقائه في البئر وهي بئر على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام وجواب لما محذوف تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وضربوه وكادوا يقتلونه فمنعهم يهوذا فلما أرادوا إلقائه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم فيحتالوا به على أبيهم ودلوه في البئر وكان فيها ماء فسقط فيه ثم اوى إلى صخر فقام عليها وهو يبكي وكان يهوذا يأتيه بالطعام ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فأخرجه جبريل وألبسه إياه {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} قيل أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهما السلام وقيل كان إذ ذاك مدركاً {لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا} أي لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنك يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك وذلك أنه حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وأنكم ألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس أو يتعلق وهم لا يشعرون بأوحينا أي آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة وهم لا يشعرون ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا ﴾ أيْ عَزَمُوا عَزْمًا مُصَمِّمًا عَلى ﴿ أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ قِيلَ: هو بِئْرٌ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَنْعانَ الَّتِي هي مِن نَواحِي الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هو بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، وقِيلَ: بِنَفْسِ أرْضِ الأُرْدُنِّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ بِالتِقاطِ بَعْضِ السَّيّارَةِ ومَجِيئِهِمْ عِشاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّ بَيْنَ مَنزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْتِ المَقْدِسِ مَراحِلَ، وجَوابُ -لَمّا- مَحْذُوفٌ إيذانًا بِظُهُورِهِ وإشْعارًا بِأنَّ تَفْصِيلَهُ مِمّا لا يَحْوِيهِ فَلَكَ العِبارَةُ، ومُجْمَلُهُ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَظُمَتْ فِتْنَتُهم وهو أوْلى مِن تَقْدِيرٍ وضَعُوهُ فِيها، وقِيلَ: لا حَذْفَ والجَوابُ أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

قالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ السِّيَرِ والأخْبارِ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أما تَشْتاقُ أنْ تَخْرُجَ مَعَنا إلى مَواشِينا فَنَصِيدُ ونَسْتَبِقُ؟

فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى، قالُوا: فَسَلْ أباكَ أنْ يُرْسِلَكَ مَعَنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْعَلُ، فَدَخَلُوا بِجَماعَتِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ فَقالُوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَخْرُجَ مَعَنا إلى مَواشِينا، فَقالَ يَعْقُوبُ: ما تَقُولُ يا بُنَيَّ؟

قالَ: نَعَمْ يا أبَتِ إنِّي أرى مِن إخْوَتِي مِنَ اللِّينِ واللُّطْفِ فَأُحِبُّ أنْ تَأْذَنَ لِي، وكانَ يَعْقُوبُ يَكْرَهُ مُفارَقَتَهُ ويُحِبُّ مَرْضاتَهُ، فَأذِنَ لَهُ وأرْسَلَهُ مَعَهم فَلَمّا خَرَجُوا بِهِ جَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى رِقابِهِمْ ويَعْقُوبُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَلَمّا بَعِدُوا عَنْهُ وصارُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ ألْقَوْهُ إلى الأرْضِ وأظْهَرُوا لَهُ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَداوَةِ وبَسَطُوا لَهُ القَوْلَ وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ إلى واحِدٍ مِنهم واسْتَغاثَ بِهِ ضَرَبَهُ فَلَمّا فَطِنَ لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ جَعَلَ يُنادِي يا أبَتا لَوْ رَأيْتَ يُوسُفَ وما نَزَلَ بِهِ مِن إخْوَتِهِ لَأحْزَنَكَ ذَلِكَ وأبْكاكَ، يا أبَتاهُ ما أسْرَعَ ما نَسُوا عَهْدَكَ وضَيَّعُوا وصِيَّتَكَ، وجَعَلَ يَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا فَأخَذَهُ رُوبِيلُ فَجَلَدَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ جَثَمَ عَلى صَدْرِهِ وأرادَ قَتْلَهُ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: مَهْلًا يا أخِي لا تَقْتُلْنِي، فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ راحِيلَ أنْتَ صاحِبُ الأحْلامِ، قُلْ لِرُؤْياكَ تُخَلِّصُكَ مِن أيْدِينا ولَوى عُنُقَهُ فاسْتَغاثَ بِيَهُوذا وقالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فِيَّ وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُرِيدُ قَتْلِي، فَأدْرَكَتْهُ رَحْمَةُ الأُخُوَّةِ ورَقَّ لَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ ما عَلى هَذا عاهَدْتُمُونِي ألا أدُلُّكم عَلى ما هو أهْوَنُ لَكم وأرْفَقُ بِهِ؟

قالُوا: وما هُوَ؟

قالَ: تُلْقُونَهُ في هَذا الجُبِّ، فَإمّا أنْ يَمُوتَ أوْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلى بِئْرٍ هُناكَ واسِعِ الأسْفَلِ ضَيِّقِ الرَّأْسِ فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي لِأسْتَتِرَ بِهِ في الجُبِّ فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ ألْقَوْهُ فِيها، فَقالَ لَهُمْ: يا إخْوَتاهُ أتَدَعُونِي وحِيدًا؟

قالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تُؤْنِسُكَ.

وقِيلَ: جَعَلُوهُ في دَلْوٍ ثُمَّ أدْلَوْهُ فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ وكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ قامَ عَلى صَخْرَةٍ فِيها.

ورُوِيَ أنَّهم لَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ جَعَلَ يَبْكِي فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّها رَحْمَةٌ أدْرَكَتْهم فَأجابَهم فَأرادُوا رَضْخَهُ بِصَخْرَةٍ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَمِيصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وكانَ قَدْ جَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا خَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ، فَلَمّا صارَ في البِئْرِ أخْرَجَهُ مَلَكٌ وألْبَسَهُ إيّاهُ فَأضاءَ لَهُ الجُبَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا أُلْقِيَ فِيها عَذُبَ ماؤُها وكانَ يُغْنِيهِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْنِسُهُ، فَلَمّا أمْسى نَهَضَ لِيَذْهَبَ فَقالَ لَهُ: إنِّي أسْتَوْحِشُ إذا ذَهَبْتَ، فَقالَ: إذا رُمْتَ شَيْئًا فَقُلْ: يا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ، ويا غَوْثَ المُسْتَغِيثِينَ، ويا مُفَرِّجَ كَرْبِ المَكْرُوبِينَ قَدْ تَرى مَكانِي وتَعْلَمُ حالِي ولا يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أمْرِي، فَلَمّا قالَها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَفَّتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واسْتَأْنَسَ بِهِمْ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ اجْعَلْ لِي فَرَجًا مِمّا أنا فِيهِ، وقِيلَ: كانَ يَقُولُ: يا إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ارْحَمْ ضَعْفِي وقِلَّةَ حِيلَتِي وصِغَرَ سِنِّي، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لَمّا أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا غُلامُ مَن ألْقاكَ في هَذا الجُبِّ؟

قالَ: إخْوَتِي، قالَ: ولِمَ؟

قالَ: لِمَوَدَّةِ أبِي إيّايَ حَسَدُونِي، قالَ: تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن هَهُنا؟

قالَ: ذاكَ إلى إلَهِ يَعْقُوبَ، قالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِاسْمِكَ المَكْنُونِ المَخْزُونِ يا بَدِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ أنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي وأنْ تَجْعَلَ مِن أمْرِي فَرَجًا ومَخْرَجًا، وأنْ تَرْزُقَنِي مِن حَيْثُ أحْتَسِبُ ومِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، فَقالَها فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن أمْرِهِ فَرَجًا ومَخْرَجًا ورَزَقَهُ مُلْكَ مِصْرَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ألْظُوا بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ فَإنَّهُنَّ دُعاءُ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ"».

ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، والرِّواياتُ في كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ وما قالَ: وما قِيلَ لَهُ كَثِيرَةٌ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ ما يَلِينُ لَهُ الصَّخْرُ لَكِنْ لَيْسَ فِيها ما لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ وأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ أيْ أعْلَمْناهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ وإزالَةً لِوَحْشَتِهِ وتَسْلِيَةً لَهُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالإلْقاءِ في مُبَشِّراتِ المَنامِ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ والمُوحِي إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا ﴾ وهو بِشارَةٌ لَهُ بِالخَلاصِ أيْضًا أيْ لَتُخَلَّصَنَّ مِمّا أنْتَ فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ وضِيقِ المَجالِ ولَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِأنَّكَ يُوسُفُ لِتَبايُنِ حالَيْكَ: حالُكَ هَذا وحالُكَ يَوْمَئِذٍ بِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكِبْرِياءِ سُلْطانِكَ وبُعْدِ حالِكَ مِن أوْهامِهِمْ، وقِيلَ: لِبُعْدِ العَهْدِ المُبْدَلِ لِلْهَيْئاتِ المُغَيِّرِ لِلْأشْكالِ والأوَّلُ أُدْخِلَ في التَّسْلِيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ جِيءَ بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطِنٌ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ يُدْنِيهِ دُونَكم وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ فَأتَيْتُمْ أباكم فَقُلْتُمْ: إنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا الجامَ لَيُخْبِرُهُ بِخَبَرِكُمْ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلا نَرى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِالإيحاءِ عَلى مَعْنى أنّا آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وأزَلْنا عَنْ قَلْبِهِ الوَحْشَةَ الَّتِي أوْرَثُوهُ إيّاها وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ويَحْسَبُونَ أنَّهُ مُسْتَوْحِشٌ لا أنِيسَ لَهُ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وكانَ هَذا الإيحاءُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ سِتٍّ عِنْدَ الضَّحّاكِ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الحَسَنِ، وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ ابْنِ السّائِبِ -وهُوَ الَّذِي يَزْعُمُهُ اليَهُودُ- وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَن نَظَرَ في الآياتِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ إذْ ذاكَ، وعَلى جَمِيعِ الأقْوالِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا الأرْبَعِينَ عِنْدَ الإيحاءِ إلَيْهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نُبِّئُوا في سِنِّ الأرْبَعِينَ وقَدْ أُوحِيَ إلى بَعْضِهِمْ كَيَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.

وزَعَمَ بَعْضُهِمْ أنَّ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَيُنَبِّئَنَّهم بِياءِ الغَيْبَةِ وكَذا في مَصاحِفِ البَصْرَةِ.

وقَرَأ سَلامٌ بِالنُّونِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ -بِأوْحَيْنا- لا غَيْرَ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ ﴾ وأنْ يُرادَ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى إيصالُ فِعْلِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ بِناءٌ عَلى الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ إنْباءُ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَدَمِ شُعُورِهِمْ بِما أنْبَأهم بِهِ إلّا بِتَأْوِيلٍ كَتَقْدِيرِ لَنُعْلِمَنَّهم بِعَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ قَبْلُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِما فِيهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ يعني: فلما برزوا به إلى البَريَّة وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يقول: واتفقوا أن يلقوه في أسفل الجب، ثم أظهروا له العداوة، فجعل أحدهم يضربه فيستغيث بالآخر، فيضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا أن يقتلوه.

فقال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟

قوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي: فانطلقوا به إلى الجب، وهي بئر على رأس فرسخين من كنعان، ويقال: أربع فراسخ، فجعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفة البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه.

فقال: يا إخوتاه، ردوا عليّ قميصي أتوارى في الجب، فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك.

فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه، وأرادوا أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة في البئر، وقام عليها وجعل يبكي.

فجاءه جبريل يؤنسه ويطعمه.

قال الله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا أي: لتخبرهم بصنيعهم وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: تخبرهم بأمورهم، أو بصنيعهم هذا بمصر وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: لا يعرفونك بمصر.

ويقال: معناه وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أن الله تعالى أوحى إليه، وهم لا يعرفونه.

ويقال: لما أرادوا أن يلقوه في البئر، تعلق بإخوته، فقال له جبريل: لا تتعلق بهم، فإنك تنجو من البئر.

فألقوه حتى وقع في قعرها، فارتفع حجر حتى قام عليه، ثم إنهم أخذوا جدياً من الغنم فذبحوه، ثم لطخوا القميص بدمه.

ثمّ أقبلوا إلى أبيهم كما قال الله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ يعني: بعد العصر، فلما سمع يعقوب أصواتهم، فزع وقال: يا بني ما لكم قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ يعني: نتصيّد ويقال: ننتضل، أي يسابق بعضنا البعض في الرمي، وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فلما قالوا هذا القول: بكى يعقوب، وصاح بأعلى صوته: ثم قال: أين قميصه؟

فأخذ القميص وبكى، ثم قال إن هذا الذئب كان بابني رحيماً، كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟

وروى سماك، عن عامر، أنه قال: في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قُدَّ قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، علم أن الذئب لو أكله لخرق قميصه.

فقال لهم: كذبتم، فقالوا له: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا يعني: بمصدق لنا في مقالتنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ في مقالتنا وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ يعني: بدم السخلة ولم يكن دم يوسف.

ويقال: بدم كذب أي مكذوب به.

وقرأ بعضهم: بِدَمٍ كدب بالدال، يعني: بدم طري.

فأروه القميص بالدم ليعرف به، وهي قراءة شاذة، وقراءة العامة بالذال وقال يعقوب: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً يقول: زينت واشتهت لكم أنفسكم أمراً، فضيّعتموا يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يعني: على صبر جميل بلا جزع.

ويقال: معناه لا حيلة لي إلا الصبر.

ويقال: معناه فصبري صبر جميل.

وروي عن بعض الصحابة، أنه كان يقرأ فصبرا جَمِيلاً، يعني: اصبر صبراً جميلاً.

وروي عن رسول الله  أنه سئل عن قوله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ قال «صبر لا شكوى فيه، ومن بث فلم يصبر» .

ثم قال: وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ يقول: أستعين بالله، وأطلب العون من الله واستعين بالله، على ما تقولون، وتكذبون من أمر يوسف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذ كلُّ أحد ينبغي أنْ يسأل عن مثْلِ هذا القصص، إِذ هي مَقَرُّ العبر والاتعاظ وقولهم: وَأَخُوهُ: يريدون به «يَامينَ» ، وهو أصغر من يوسُفَ، ويقال له: «بِنْيَامِينُ» قيلَ: وهو شقيقه، أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا: أي: لصغرهما ومَوْتِ أُمهما، وهذا مِنْ حُبِّ الصغير هي فطرةُ البَشَر، وقولهم:

وَنَحْنُ عُصْبَةٌ: أي: جماعة تضرُّ وتنفعُ، وتحمِي وتخذل، أي: لنا كَانَتْ تنبغي المحبَّة والمراعاةُ، والعُصْبَة في اللغة: الجماعةُ، وقولهم: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، أي: لفي انتلافٍ وخطإٍ في محبَّة يوسُفَ وأخيه، وهذا هو معنى الضَّلال، وإِنما يصغر قَدْرُهُ، ويعظُم بحَسَبِ الشَّيء الذي فيه يَقَعُ الانتلاف، ومُبِينٍ: معناه: ظاهر للمتأمِّل، وقولهم: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً: أي: بأرضٍ بعيدةٍ ف «أَرْضاً» مفعولٌ ثانٍ بإِسقاط حرف الجرِّ، والضمير في «بعده» عائدٌ على يوسُفَ، أو قتلِه، أو طرحِهِ، وصالِحِينَ: قال مقاتل وغيره: إِنهم أرادوا صلاَحَ الحالِ عنْد أبيهم «١» ، والقَائِلُ منهم: «لا تقتلوه» هو: «رُوبِيلُ» أسنُّهم قاله قتادة «٢» وابنُ إِسحاق، وقيل: هو شَمْعُونٌ قاله مجاهد «٣» ، وهذا عطْفٌ منه على أخيه لا محالَةَ لما أراد اللَّه من إِنفاذ قضائه، و «الغيابة» : ما غاب عنك، والْجُبِّ البئر التي لم تُطْوَ لأنها جُبَّتْ من الأرض فقَطْ، قال المَهْدَوِيُّ: والجُبُّ في اللغة: البئر المقطوعة التي لم تطو، انتهى.

والسيارة: جمعُ سَيَّارٍ، وروي أن جماعةً من الأَعرابِ التقطت يوسف عليه السلام.

وقوله سبحانه: قالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ...

الآية المتقدِّمة تقتضي أن أباهم قد كان عَلِمَ منهم إِرادتهم السُّوءَ في جهة يوسف، وهذه

الآية تقتضِي أنهم علموا هُمْ منه بعلمه ذلك، وقرأ أبو عامر «١» وابنُ عمرو: «نَرْتَعْ ونَلْعَبْ» - بالنون فيهما وإِسكانِ العينِ والباءِ-، و «نَرْتَع» على هذا: من الرُّتُوعِ، وهي الإِقامة في الخِصْب والمَرعَى في أكْلٍ وشربٍ، وقرأ ابن كثير: «نَرْتَعِ ونَلْعَبْ» - بالنونِ فيهما وكَسْرِ العين وإسكان الباء-، وقد رُوِيَ عنه «ويَلْعَبْ» - بالياء- و «نَرْتَعَ» على هذا: من رِعَاية الإِبَل.

وقال مجاهد: من المُرَاعاة، أي: يرعَى بعضُنا بعضاً، ويحرسُه «٢» ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «يرتَع وَيَلْعَبْ» بإِسناد ذلك كلِّه إِلى يوسف، وقرأ نافع «يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ» ، ف «يَرْتَعِ» على هذا: من رعاية الإِبل، قال أبو علي: وقراءة ابنِ كثيرٍ «نَرْتَعَ» - بالنون- و «يَلْعَبْ» - بالياء-: منزعها حَسَنٌ لإِسناد النظر في المال، والرعايةِ إِليهم، واللعب إِلى يوسف لصباه، ولعبُهُمْ هذا داخلٌ في اللعبِ المباحِ والمندوبِ كاللعب بالخيلِ والرمْي وعلَّلوا طلبه والخروجَ به بما يمكنُ أنْ يَستَهوِيَ يوسُفَ لصبَاه مِنَ الرتوعِ واللعِبِ والنَّشَاطِ، وإِنما خافَ يعقُوبُ عليه السلام الذئبَ دون سواه، وخصَّصه لأنه كَانَ الحيوانَ العادي المنبثّ في القطر، ولصغر يوسف، وأَجْمَعُوا: معناه: عَزَموا.

وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ يحتمل أن يكون الوحْيُ إِلى يوسُفُ حينئذٍ برسولٍ، ويحتملُ أنْ يكون بإِلهامٍ أو بنومٍ، وكلُّ ذلك قد قيل، وقرأ الجمهور «٣» : «لَتُنَبِّئَنَّهُمُ» بالتاء من فوق.

وقوله: وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ: قال ابن جُرَيْج: معناه: لا يشعُرُونَ وقْتَ التنبئةِ أنَّكَ يوسف «٤» ، وقال قتادة: لا يشعرُونَ بوَحْينا إليك «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ ﴾ في الكَلامِ اخْتِصارٌ وإضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأرْسَلَهُ مَعَهم فَلَمّا ذَهَبُوا.

﴿ وَأجْمَعُوا ﴾ أيْ: عَزَمُوا عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ ذَهابِهِمْ قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا لِيُوسُفَ: أما تَشْتاقُ أنْ تَخْرُجَ مَعَنا فَتَلْعَبَ وتَتَصَيَّدَ ؟

قالَ: بَلى، قالُوا: فَسَلْ أباكَ أنْ يُرْسِلَكَ مَعَنا، قالَ: أفْعَلُ، فَدَخَلُوا بِجَماعَتِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ، فَقالُوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَخْرُجَ مَعَنا، فَقالَ: ما تَقُولُ يا بُنَيَّ ؟

قالَ: نَعَمْ يا أبَتِ قَدْ أرى مِن إخْوَتِي اللِّينَ واللُّطْفَ، فَأنا أُحِبُّ أنْ تَأْذَنَ لِي، فَأرْسَلَهُ مَعَهم، فَلَمّا أصَحَرُوا، أظْهَرُوا لَهُ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، وأغْلَظُوا لَهُ القَوْلَ، وجَعَلَ يَلْجَأُ إلى هَذا، فَيَضْرِبُهُ وإلى هَذا، فَيُؤْذِيهِ، فَلَمّا فَطِنَ لِما قَدْ عَزَمُوا عَلَيْهِ، جَعَلَ يُنادِي: يا أبَتاهُ، يا يَعْقُوبُ، لَوْ رَأيْتَ يُوسُفَ وما يَنْزِلُ بِهِ مِن إخْوَتِهِ لَأحْزَنَكَ ذَلِكَ وأبْكاكَ، يا أبَتاهُ ما أسْرَعَ ما نَسُوا عَهْدَكَ، وضَيَّعُوا وصِيَّتَكَ؛ وجَعَلَ يَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا.

قالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأخَذَهُ رُوبِيلُ فَجَلَدَ بِهِ الأرْضَ، ثُمَّ جَثَمَ عَلى صَدْرِهِ وأرادَ قَتْلَهُ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: مَهْلًا يا أخِي لا تَقْتُلْنِي، قالَ: يا ابْنَ راحِيلَ صاحِبَ الأحْلامِ، قُلْ لِرُؤْياكَ تُخَلِّصْكَ مِن أيْدِينا، ولَوى عُنُقَهُ لِيَكْسِرَها، فَنادى يُوسُفُ: يا يَهُوذا: اتَّقِ اللَّهَ فِيَّ، وخَلِّ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُرِيدُ قَتْلِي، فَأدْرَكَتْهُ لَهُ رَحْمَةٌ، فَقالَ: يَهُوذا: يا إخْوَتاهُ، ألا أدُلُّكم عَلى أمْرٍ هو خَيْرٌ لَكم وأرْفَقُ بِهِ ؟

قالُوا: وما ذاكَ ؟

قالَ: تُلْقُونَهُ في هَذا الجُبِّ فَيَلْتَقِطُهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، قالُوا: نَفْعَلُ؛ فانْطَلَقُوا بِهِ إلى الجُبِّ، فَخَلَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ لِمَ نَزَعْتُمْ قَمِيصِي ؟

رُدُّوهُ عَلَيَّ أسْتُرُ بِهِ عَوْرَتِي ويَكُونُ كَفَنًا لِي في مَماتِي؛ فَأخْرَجَ اللَّهُ لَهُ حَجَرًا في البِئْرِ مُرْتَفِعًا مِنَ الماءِ، فاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَدَماهُ.

وقالَ السُّدِّيُّ: جَعَلُوا يُدْلُونَهُ في البِئْرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ البِئْرِ؛ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ، رَدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ، فَقالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا فَدَلَّوْهُ في البِئْرِ، حَتّى إذا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ، فَكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أوى إلى صَخْرَةٍ فِيها فَقامَ عَلَيْها؛ فَلَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ جَعَلَ يَبْكِي، فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّها رَحْمَةٌ أدْرَكَتْهم فَأجابَهم، فَأرادُوا أنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ، فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ.

وقالَ كَعْبٌ: جَمَعُوا يَدَيْهِ إلى عُنُقِهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا، فَحَلَّ عَنْهُ وأخْرَجَ لَهُ حَجْرًا مِنَ الماءِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ؛ وكانَ يَعْقُوبُ قَدْ أدْرَجَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ إيّاهُ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ في قَصَبَةٍ، وجَعَلَها في عُنُقِ يُوسُفَ، فَألْبَسَهُ إيّاهُ المَلَكُ حِينَئِذٍ، وأضاءَ لَهُ الجُبُّ.

وقالَ الحَسَنُ: أُلْقِيَ في الجُبِّ فَعَذُبَ ماؤُهُ، فَكانَ يُغْنِيهِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ ودَخَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَأنِسَ بِهِ، فَلَمّا أمْسى، نَهَضَ جِبْرِيلُ لِيَذْهَبَ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: إنَّكَ إذا خَرَجْتَ عَنِّي اسْتَوْحَشْتُ، فَقالَ: إذا رَهِبْتَ شَيْئًا فَقُلْ: يا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ، ويا غَوْثَ المُسْتَغِيثِينَ، ويا مُفَرِّجَ كَرْبِ المَكْرُوبِينَ، قَدْ تَرى مَكانِي وتَعَلَمُ حالِي ولا يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أمْرِي.

فَلَمّا قالَها حَفَّتْهُ المَلائِكَةُ، فاسْتَأْنَسَ في الجُبِّ ومَكَثَ فِيهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانَ إخْوَتُهُ يَرْعَوْنَ حَوْلَ الجُبِّ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ: لَمّا أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ، قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ، ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ، اجْعَلْ لِي فَرَجًا مِمّا أنا فِيهِ؛ قالَ: فَما باتَ فِيهِ.

وَفِي مِقْدارِ سِنِّهِ حِينَ أُلْقِيَ في الجُبِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: سِتُّ سِنِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.

والرّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إلْهامٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ وحْيٌ حَقِيقَةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أُوحِيَ إلَيْهِ لَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِأمْرِهِمْ، أيْ: بِما صَنَعُوا بِكَ وأنْتَ عالٍ عَلَيْهِمْ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ يُوسُفُ وقْتَ إخْبارِكَ لَهم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لا يَشْعُرُونَ بِالوَحْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مِن صِلَةِ " لَتُنَبِئَنَّهم "؛ وعَلى الثّانِي مِن صِلَةِ ﴿ وَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ .

قالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: أيَحْسُدُ المُؤْمِنُ المُؤْمِنَ ؟

قالَ: لا أبا لَكَ، ما نَسّاكَ بَنِي يَعْقُوبَ ؟

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ وأنْتُمْ عنهُ غافِلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ وأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ الآيَةُ الأُولى تَقْتَضِي أنَّ أباهم قَدْ كانَ عَلِمَ مِنهم إرادَتَهُمُ الخَبِيثَةَ في جِهَةِ يُوسُفَ، وهَذِهِ أنَّهم عَلِمُوا هم مِنهُ بِعِلْمِهِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ "لا تَأْمَنّا" بِالإدْغامِ دُونَ إشْمامٍ، ورَواها الحُلْوانِيُّ عن قالُونَ.

وقَرَأ السَبْعَةُ بِالإشْمامِ لِلضَّمِّ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ:"لا تَأْمَنَنا"، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "لا تِيمَنّا" بِكَسْرِ تاءِ العَلامَةِ.

و"غَدًا" ظَرْفٌ، أصْلُهُ: "غَدْوٌ" فَلَزِمَ اليَوْمَ كُلَّهُ، وبَقِيَ الغُدُوُّ والغُدْوَةُ اسْمَيْنِ لِأوَّلِ النَهارِ، وقالَ النَضْرُ ابْنُ شُمَيْلٍ: ما بَيْنَ الفَجْرِ إلى الإسْفارِ يُقالُ فِيهِ غُدْوَةٌ وبُكْرَةٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو عامِرٍ: "نَرْتَعْ ونَلْعَبْ" بِالنُونِ فِيهِما وإسْكانِ العَيْنِ والباءِ، و "نَرْتَعْ" -عَلى هَذا- مِنَ الرُتُوعِ وهي الإقامَةُ في الخِصْبِ والمَرْعى في أكْلٍ وشُرْبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الغَضْبانِ بْنِ القَبَعْثَرِيِّ: "القَيْدُ والرَتْعَةُ وقِلَّةُ التَعْتَعَةِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ....................

وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَتاعا؟

ولَعِبُهم هَذا دَخَلَ في اللَعِبِ المُباحِ كاللَعِبِ بِالخَيْلِ والرَمْيِ ونَحْوِهِ، فَلا وصْمَ في ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ بِاللَعِبِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَقِّ وقَرِينُ اللهْوِ، وقِيلَ لِأبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ: كَيْفَ يَقُولُونَ: "نَلْعَبُ" وهم أنْبِياءُ؟

قالَ: لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "نَرْتَعِ ونَلْعَبْ" بِالنُونِ فِيهِما، وبِكَسْرِ العَيْنِ وجَزْمِ الباءِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ، "وَيَلْعَبْ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، و "نَرْتَعِ" -عَلى هَذا- مِن رِعايَةِ الإبِلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي مِنَ المُراعاةِ، أيْ: يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ بِإسْنادِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلى يُوسُفَ وقَرَأ نافِعٌ: "يَرْتَعِ ويَلْعَبْ" بِالياءِ فِيهِما وكَسْرِ العَيْنِ وجَزْمِ الباءِ، فَـ "يَرْتَعِ" -عَلى هَذا- مِن رَعْيِ الإبِلِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: يَتَدَرَّبُ في الرَعْيِ وحِفْظِ المالِ، ومِنَ الِارْتِعاءِ قَوْلُ الأعْشى: تَرْتَعِي السَفْحَ فالكَثِيبَ فَذاقا ∗∗∗ ∗∗∗ رٍ فَرَوْضَ القَطا فَذاتَ الرِئالِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقِراءَةُ ابْنُ كَثِيرٍ: -"نَرْتَعِ" بِالنُونِ، و "يَلْعَبْ" بِالياءِ مَنزَعُها حَسَنٌ لِإسْنادِ النَظَرِ في المالِ والرِعايَةِ إلَيْهِمْ، واللَعِبِ إلى يُوسُفَ لِصِباهُ.

وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيّابَةَ: "يَرْتَعِ ويَلْعَبُ" بِرَفْعِ الباءِ عَلى القَطْعِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: "نُرْتِعُ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ التاءِ، و "نَلْعَبْ" بِالنُونِ والجَزْمِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ الرِواياتِ عنهُ-: "نَرْتَعِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي ضَعِيفَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ كَما قالَ الشاعِرُ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي ∗∗∗ ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِ؟

وقَرَأ أبُو رَجاءَ: "يُرْتَعْ" بِضَمِّ الياءِ وجَزْمِ العَيْنِ، و "يَلْعَبْ" بِالياءِ والجَزْمِ.

وعَلَّلُوا طَلَبَهُ والخُرُوجَ بِهِ بِما يُمْكِنُ أنْ يَسْتَهْوِيَ يُوسُفَ لِصِباهُ مِنَ الرُتُوعِ واللَعِبِ والنَشاطِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَيَحْزُنُنِي" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزايِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ نافِعٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ والإدْغامِ، ورِوايَةُ ورَشٍّ عن نافِعٍ بَيانُ النُونَيْنِ مَعَ ضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، و"أنِ" الأُولى فاعِلَةٌ، والثانِيَةُ مَفْعُولَةٌ بِـ "أخافُ".

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ "الذِيبُ" دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ وهو الأصْلُ، ومِنهُ جَمْعُهم إيّاهُ عَلى: "ذُؤْبانٍ"، ومِنهُ: تَذاءَبَتِ الرِيحُ والذِئابُ إذا أتَتْ مِن هاهُنا وهاهُنا.

ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ: "الذِيبُ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقالَ نَصْرٌ: سَمِعَتْ أبا عَمْرٍو لا يَهْمِزُ، قالَ: وأهْلُ الحِجازِ يَهْمِزُونَ.

وإنَّما خافَ يَعْقُوبُ الذِئْبَ دُونَ سِواهُ وخَصَّصَهُ لِأنَّهُ كانَ الحَيَوانَ العادِيَّ المُنْبَثَّ في القُطْرِ، ورُوِيَ أنْ يَعْقُوبَ كانَ رَأى في مَنامِهِ ذِئْبًا يَشْتَدُّ عَلى يُوسُفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأنَّ يَعْقُوبَ لَوْ رَأى ذَلِكَ لَكانَ وحْيًا، فَإمّا أنْ يَخْرُجَ عَلى وجْهِهِ وذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وإمّا أنْ يَعْرِفَ يَعْقُوبُ بِمَعْرِفَتِهِ لِعِبارَةِ مِثالِ هَذا المَرْئِيِّ، فَكانَ يَتَشَكّاهُ بِعَيْنِهِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِئْبُ ﴾ بِمَعْنى: أخافُ أنْ يُصِيبَهُ مِثْلَ ما رَأيْتُ مِن أمْرِ الذِئْبِ، وهَذا بِعِيدٌ، وكَذَلِكَ يَقُولُ الرَبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ: والذِئْبُ أخْشاهُ ∗∗∗.................

إنَّما خَصَّصَهُ لِأنَّهُ كانَ حَيَوانُ قُطْرِهِ العادِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخَصِّصَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ لِصِغَرِ يُوسُفَ: أيْ: أخافُ عَلَيْهِ هَذا الحَقِيرَ فَما فَوْقَهُ، وكَذَلِكَ خَصَّصَهُ الرَبِيعُ لِحَقارَتِهِ وضَعْفِهِ في الحَيَوانِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ ﴾ الآيَةُ.

أسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى السُدِّيِّ قالَ: ذَهَبُوا بِيُوسُفَ وبِهِ عَلَيْهِمْ كَرامَةٌ، فَلَمّا بَرَزُوا في البَرِّيَّةِ أظْهَرُوا لَهُ العَداوَةَ، وجَعَلَ أخُوهُ يَضْرِبُهُ فَيَسْتَغِيثُ بِالآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، فَجَعَلَ لا يَرى مِنهم رَحِيمًا، فَضَرَبُوهُ حَتّى كادُوا يَقْتُلُونَهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ ويَقُولُ: يا أبَتاهُ، يا يَعْقُوبُ لَوْ تَعْلَمُ ما صَنَعَ بِابْنِكَ بَنُو الإماءِ، فَقالَ لَهم يَهُوذا: ألَمْ تُعْطُونِي مَوْثِقًا أنْ لا تَقْتُلُوهُ؟

فانْطَلَقُوا بِهِ إلى الجُبِّ، فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِالشَفِيرِ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ في الجُبِّ، فَقالُوا: ادْعُ الشَمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تُؤْنِسْكَ، فَدَلُّوهُ حَتّى إذا بَلَغَ نِصْفَ الجُبِّ ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ، فَكانَ في الجُبِّ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ قامَ عَلى صَخْرَةٍ يُبْكِي، فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّهم رَحِمُوهُ فَأجابَهُمْ: فَأرادُوا أنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ، فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ يَأْتِيهِ بِالطَعامِ.

وجَوابُ "لَمّا" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أجْمَعُوا، هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وهو نَصُّ لَهُما، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى .............

ومِثْلُ هَذا قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في مِثْلِ هَذا: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ شَيْءٌ زائِدٌ لِغَيْرِ مَعْنى.

"وَأجْمَعُوا" مَعْناهُ: عَزَمُوا واتَّفَقَ رَأْيُهم عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في المُسافِرِ: « "ما لَمْ يُجْمِعْ مُكْثا"»، عَلى أنَّ إجْماعَ الواحِدِ قَدْ يَنْفَرِدُ بِمَعْنى العَزْمِ والشُرُوعِ، ويُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في إجْماعِ إخْوَةِ يُوسُفَ وفي سائِرِ الجَماعاتِ، وقَدْ يَجِيءُ إجْماعُ الجَماعَةِ فِيما لا عَزْمَ فِيهِ ولا شُرُوعَ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في إجْماعِ الواحِدِ.

والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ إلى يُوسُفَ، وقِيلَ: عَلى يَعْقُوبَ، والأوَّلُ أصَحُّ وأكْثَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُّ حِينَئِذٍ إلى يُوسُفَ بِرَسُولٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِإلْهامٍ أو بِنَوْمٍ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قِيلَ، وقالَ الحَسَنُ: أعْطاهُ اللهُ النُبُوءَةَ وهو في الجُبِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَعِيدٌ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَتُنَبِّئَنَّهُمْ" بِالتاءِ، وفي بَعْضِ مَصاحِفَ البَصْرَةِ بِالياءِ، وقَرَأ سَلامٌ بِالنُونِ، وهَذا كُلُّهُ في العَلامَةِ الَّتِي تَلِي اللامَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: "وَقْتَ التَنْبِيهِ أنَّكَ يُوسُفُ "، وقالَ قَتادَةُ: "لا يَشْعُرُونَ بِوَحْيِنا إلَيْهِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ -عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ- مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي - خَبَرًا لِمُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع حكاية الذّهاب به والعزم على إلقائه في الجبّ على حكاية المحاورة بين يعقوب عليه السّلام وبنيه في محاولة الخروج بيوسف عليه السّلام إلى البادية يؤذن بجمل محذوفة فيها ذكر أنهم ألحوا على يعقوب عليه السّلام حتّى أقنعوه فأذن ليوسف عليه السّلام بالخروج معهم، وهو إيجاز.

والمعنى: فلمّا أجابهم يعقوب عليه السّلام إلى ما طلبوا ذهبوا به وبلغوا المكان الذي فيه الجب.

وفعل (أجمع) يتعدّى إلى المفعول بنفسه.

ومعناه: صمّم على الفعل، فقوله: ﴿ أن يجعلوه ﴾ هو مفعول ﴿ وأجمعوا ﴾ .

وجواب (لمّا) محذوف دلّ عليه ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ ، والتقدير: جعلوه في الجب.

ومثله كثير في القرآن.

وهو من الإيجاز الخاص بالقرآن فهو تقليل في اللّفظ لظهور المعنى.

وجملة ﴿ وأوحينا إليه ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ ، لأنّ هذا الموحى من مهمّ عبر القصة.

وقيل: الواو مزيدة وجملة ﴿ أوحينا ﴾ هو جواب (لمّا)، وقد قيل بمثل ذلك في قوله امرئ القيس: فلمّا أجزنا ساحة الحي وانتحى .

..

البيت.

وقيل به في قوله تعالى: ﴿ فلمّا أسلما وتلّه للجبين وناديناه أنْ يا إبراهيم ﴾ [سورة الصافات: 103، 104] الآية وفي جميع ذلك نظر.

والضمير في قوله: إليه} عائد إلى يوسف عليه السّلام في قول أكثر المفسّرين مقتصرين عليه.

وذكر ابن عطية أنّه قيل الضمير عائد إلى يعقوب عليه السّلام.

وجملة ﴿ لتنبئنهم بأمرهم هذا ﴾ بيان لِجلمة ﴿ أوحينا ﴾ .

وأكّدت باللاّم ونون التوكيد لتحقيق مضمونها سواء كان المراد منها الإخبار عن المستقبل أو الأمر في الحال.

فعلى الأوّل فهذا الوحي يحتمل أن يكون إلهاماً ألقاه الله في نفس يوسف عليه السّلام حين كيدهم له، ويحتمل أنّه وحي بواسطة المَلك فيكون إرهاصاً ليوسف عليه السّلام قبل النّبوءة رحمة من الله ليزيل عنه كربه، فأعلمه بما يدل على أن الله سيخلصه من هذه المصيبة وتكون له العاقبة على الذين كادوا له، وإيذان بأنّه سيؤانسه في وحشة الجب بالوحي والبشارة، وبأنه سينبئ في المستقبل إخوته بما فعلوه معه كما تؤذن به نون التوكيد إذا اقترنت بالجملة الخبرية، وذلك يستلزم نجاته وتمكّنه من إخوته لأن الإنباء بذلك لا يكون إلا في حال تمكّن منهم وأمن من شرهم.

ومعنى ﴿ بأمرهم ﴾ : بفعلهم العظيم في الإساءة.

وجملة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ في موضع الحال، أي لتخبرنهم بما فعلوا بك وهم لا يشعرون أنك أخوهم بل في حالة يحسبونه مطلعاً على المغيبات متكهناً بها، وذلك إخبار بما وقع بعد سنين مما حكي في هذه السورة بقوله تعالى: ﴿ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ﴾ [سورة يوسف: 89] الآيتين.

وعلى احتمال عود ضمير إليه } على يعقوب عليه السّلام فالوحي هو إلقاء الله إليه ذلك بواسطة المَلَك، والواو أظهر في العطف حينئذٍ فهو معطوف على جملة ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ إلى آخرها ﴿ وأوحينا إليه ﴾ قبل ذلك.

و ﴿ لتنبئنهم ﴾ أمر، أي أوحينا إليه نَبّئْهم بأمرهم هذا، أي أشعرهم بما كادوا ليوسف عليه السّلام، إشعاراً بالتعريض، وذلك في قوله: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ﴾ [سورة يوسف: 13].

وجملة وهم لا يشعرون} على هذا التقدير حال من ضمير جمع الغائبين، أي وهم لا يشعرون أننا أوحينا إليه بذلك.

وهذا الجب الذي ألقي فيه يوسف عليه السّلام وقع في التوراة أنه في أرض (دوثان)، ودوثان كانت مدينة حصينة وصارت خرابا.

والمراد: أنه كانت حوله صحراء هي مرعى ومربع.

ووصف الجب يقتضي أنه على طريق القوافل.

واتّفق واصفو الجب على أنه بين (بانياس) و(طبرية).

وأنه على اثني عشر ميلاً من طبرية ممّا يلي دمشق، وأنه قرب قرية يقال لها (سنجل أو سنجيل).

قال قدامة: هي طريق البريد بين بعلبك وطبرية.

ووصفها المتأخرون بالضبط المأخوذ من الأوصاف التاريخية القديمة أنه الطريق الكبرى بين الشام ومصر.

وكانت تجتاز الأردن تحت بحيرة طبرية وتمر على (دوثان) وكانت تسلكها قوافل العرب التي تحمل الأطياب إلى المشرق، وفي هذه الطريق جباب كثيرة في (دوثان).

وجب يوسف معروف بين طبرية وصفد، بنيت عليه قبة في زمن الدولة الأيوبية بحسب التوسّم وهي قائمة إلى الآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي وألْهَمْناهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ  ﴾ .

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وهو في الجُبِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أوْحى إلَيْهِ أنَّهُ سَيَلْقاهم ويُوَبِّخُهم عَلى ما صَنَعُوا، فَعَلى هَذا يَكُونُ الوَحْيُ بَعْدَ إلْقائِهِ في الجُبِّ تَبْشِيرًا لَهُ بِالسَّلامَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ أوْحى إلَيْهِ بِالَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الوَحْيُ قَبْلَ إلْقائِهِ في الجُبِّ إنْذارًا لَهُ.

﴿ وَهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهُ أخُوهم يُوسُفُ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: لا يَشْعُرُونَ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوحينا إليه...

﴾ الآية.

قال: أوحى إلى يوسف عليه السلام وهو في الجب، لتنبئن إخوتك بما صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأوحينا إليه ﴾ قال: أوحى الله إليه وحْياً وهو في الجب، أن ستنبئهم بما صنعوا وهم- أي إخوته- لا يشعرون بذلك الوحي، فهوّن ذلك الوحي عليه ما صنع به.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ قال: لا يشعرون أنه أوحي إليه.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ يقول: لا يشعرون أنه يوسف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون.

جيء بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطن فقال: إني ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدين دينكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب، فأتيتم أباكم فقلتم أن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب.

فقال بعضهم لبعض أن هذا الجام ليخبره خبركم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿ لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما ألقي يوسف في الجب أتاه جبريل عليه السلام فقال له: يا غلام، من ألقاك في هذا الجب؟

قال: إخوتي.

قال: ولم؟

قال: لمودة أبي إياي حسدوني.

قال: تريد الخروج من ههنا؟

قال: ذاك إلى إله يعقوب.

قال: قل اللهم إني أسألك باسمك المخزون والمكنون، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والاكرام أن تغفر لي ذنبي وترحمني، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وأن ترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب.

فقالها، فجعل الله له من أمره فرجاً ومخرجاً ورزقه ملك مصر من حيث لا يحتسب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألظوا بهؤلاء الكلمات، فإنهن دعاء المصطفين الأخيار» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي بكر بن عياش رضي الله عنه قال: كان يوسف عليه السلام في الجب ثلاثة أيام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا ﴾ ذكرنا معنى الإجماع عند قوله ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ ﴾ هذه الواو مقحمة زائدة عند الكوفيين، لأنه جواب لما، وجواب لما لا يقتضي واوًا، وعند البصريين لا يجوز إقحام الواو، وجواب لما عندهم محذوف، على تقدير لما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم، أو كبر ما قصدوا، ثم قال: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ ﴾ وحذف الجواب كثير، وهذه المسألة ذكرناها فيما تقدم، قال المفسرون (١) (٢) ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ بأنك يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وهذا (٣) (٤) (٥) (٦) وقال (٧) (٨) (٩) ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ بأنه أوحي (١٠) قال الحسن (١١) وقال قتادة (١٢) وقال الكلبي (١٣) قال أبو بكر بن الأنباري (١٤) (١٥) والقولان في قوله ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ حكاهما الزجاج (١٦) ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ هذا جائز أن يكون من صلة ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ، وجائز أن يكون من صلة ﴿ أَوْحَيْنَا ﴾ ، المعنى: وأوحينا إليه (١٧) (١) الثعلبي 7/ 65 ب، الطبري 12/ 160، البغوي 4/ 221، و"زاد المسير" 4/ 191.

(٢) في (ب): بزيادة (تعالي).

(٣) في (ب): (هذا).

من غير واو.

(٤) الطبري 12/ 162، الثعلبي 7/ 66 أ، ابن أبي حاتم 7/ 2110 أ، وانظر: "الدر" 4/ 15، و"زاد المسير" 4/ 191، والقرطبي 9/ 143.

(٥) انظر: الرازي 18/ 100.

(٦) الطبري 12/ 162.

(٧) في (أ)، (ج): زيادة (محمد).

(٨) الطبري 12/ 161، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 15، والقرطبي 9/ 143، والثعلبي 7/ 66 أ، و"زاد المسير" 4/ 191.

(٩) الطبري 12/ 161، عبد الرزاق 2/ 318، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 4/ 15، و"زاد المسير" 4/ 191.

(١٠) في (ب): (أوحى الله إليه) بزيادة لفظ الجلالة.

(١١) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 259، القرطبي 9/ 142.

(١٢) الطبري 12/ 161، وابن أبي حاتم 7/ 2109 أ، وعبد الرزاق 2/ 318.

(١٣) القرطبي 9/ 142.

(١٤) الرازي 18/ 100.

(١٥) في (ب): (الله).

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 95.

(١٧) في (ج): (إليهم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وأجمعوا ﴾ أي: عزموا، وجواب لما محذوف، وقيل: إنه أجمعوا، أو وأوحينا على زيادة الواو ﴿ وَأَوْحَيْنَآ ﴾ يحتمل أن يكون هذا الوحي بواسطة ملك، أو بإلهام، والضمير في إليه ليوسف، وقيل: ليعقوب والأول هو الصحيح، ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ في موضع الحال من لتنبئنهم أي: لا يشعرون حين تنبئهم فيكون خطاباً ليوسف عليه السلام، أو من أوحينا لا يشعرون حين أوحينا إليه فيكون خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.

وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.

الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.

الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.

﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.

الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.

بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.

بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.

وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.

وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.

﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.

﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.

الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.

الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.

أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.

وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.

احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.

قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.

وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.

قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.

وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.

وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.

ويروى أن أصحاب رسول الله  ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.

فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً  ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.

والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".

و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.

وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.

عن النبي  "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.

ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.

والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.

من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.

قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي  فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.

فسكت رسول الله  فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي  لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟

قال: نعم.

قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.

رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.

فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.

وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.

وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل  ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟

فقال: رأيتهم لي ساجدين.

والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.

وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك  ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.

عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.

وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.

وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.

ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.

وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.

وقيل ثمانون.

قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.

قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.

واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".

وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.

وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.

ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.

والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.

قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.

أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.

وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.

والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.

ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.

ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم  .

وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.

والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.

واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.

وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.

وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.

قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟

والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد  للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.

وفيه أنه  يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.

يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.

﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.

﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.

لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.

ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.

والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا  ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض  ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.

ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.

ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.

واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.

فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال  لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.

قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .

وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.

وقيل: بأرض الأردن.

وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.

ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.

قال السدي: إن يوسف  لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.

فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.

فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وروي أنه  لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.

وحكي أن إبراهيم  حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.

وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..

يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.

ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟

قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.

عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.

ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟

قالوا لا.

قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.

يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟

فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.

وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.

وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.

ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.

﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.

قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.

وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.

وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله  ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.

يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟

فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.

فأوحى الله  إليه يا يعقوب أتشكوني؟

قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.

ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله  فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله  أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.

واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟

وأجيب بأن الله  لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله  يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله  .

ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.

وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.

﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.

ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.

قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.

﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.

ومتى قال الوارد هذا الكلام؟

قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.

وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.

قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.

والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.

فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.

ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.

والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.

وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.

وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله  أعلم.

﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.

والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.

قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.

عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.

وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.

ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.

عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.

وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.

ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.

والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.

ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.

قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟

فقيل: زهدوا فيه والله  أعلم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.

﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.

﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.

﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.

﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.

فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.

﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.

﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال  : ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ﴾ : [غيابة الجب] قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ : وحي نبوة، أو وحي بشارة النجاة من ذلك الجب، أو بشارة الملك له والعز.

ثم قوله: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هو قول يوسف حيث قال لهم: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ...

﴾ الآية [يوسف: 89] ﴿ قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي  ﴾ هذا الذي نبأهم يوسف وهم لا يشعرون بذلك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى يعقوب ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ هو ما قال لهم: ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ...

﴾ الآية [يوسف: 87] أمرهم أن يطلبوه ويتحسسوا من أمره؛ كأنه علم أنه حي؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ أنه حي؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ  ﴾ ولهذا قال حين ألقى الثوب على وجهه فارتد بصيراً: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وذلك تأويل قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ إن كانت الآية في يعقوب، وإن كانت في يوسف فهو ما ذكرنا، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ ﴾ الآية.

في الآية دلائل: أحدها: أن من ارتكب صغيرة فإنه يخاف عليه التعذيب، ولا يصير كافراً، ومن ارتكب كبيرة لم يخرج من الإيمان؛ لأن إخوة يوسف همّوا بقتل يوسف، أو طرحه في الجب، والتغييب عن وجه أبيه، وإخلائه عنه، وذلك لا يخلو منهم: إما أن تكون صغيرة أو كبيرة: فإن كانت صغيرة فقد استغفروا عليها بقولهم: ﴿ قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ...

﴾ الآية [يوسف: 97]؛ دل أنهم إنما استغفروا لما خافوا العذاب عليها.

وإن كانت كبيرة فلم يخرجوا من الإيمان؛ حيث صاروا أنبياء من بعد وصاروا قوماً صالحين؛ حيث قالوا: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ  ﴾ .

دل ما ذكرنا على نقض قول المعتزلة في صاحب الصغيرة أن لا تعذيب عليه، وصاحب الكبيرة أنه خرج من الإيمان، ونقض قول الخوارج في قولهم: إنه إذا ارتكب كبيرة أو صغيرة صار به كافراً مشركاً.

وفيه نقض قول من يقول: إن من كذب متعمداً أو وعد فأخلف أو اؤتمن فخان يصير منافقاً؛ لأن إخوة يوسف أؤتمنوا فخانوا، ووعدوا فأخلفوا، وحدثوا فكذبوا، فلم يصيروا منافقين؛ لأنهم قالوا: أكله الذئب، [ولم يأكله]، وهو كذب، واؤتمنوا، فخانوا حين ألقوه في الجبّ، ووعدوا أنهم يحفظونه، ولم يحفظوه.

فإن قيل: روي عن رسول الله  أنه قال: "ثلاث من علامات النفاق: من إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن [خان، وإذا وعد أخلف]" فكيف يوفق بين الآية والخبر؟!

إذ هو لا يحتمل النسخ؛ لأنه خبر، والخبر لا يحتمل النسخ.

قيل: يشبه أن يكون هذا في قوم خاص من الكفرة اؤتمنوا بما أودع في التوراة من نعت محمد، فغيروه، ووعدوا أن يبينوه، فأخلفوا وكتموه، وحدثوا أنهم بينوه، فكذبوا، أو يصير منافقاً بما ذكر، إذا كان ذلك في أمر الدين، وأما في غيره: فإنه لا يصير به منافقاً، ولا يكون ذلك من أعلام المنافق، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ .

هذا القول منهم له في الظاهر عظيم؛ لأنهم قالوا: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ ، ولا يحتمل أن يكونوا عنده صدقة ثم يكذبهم، يكون نبي من الأنبياء يعلم صدق إنسان ثم لا يصدقه؛ هذا بعيد، لكن يحتمل قولهم: وما أنت بمؤمن لنا في هذا ولو كنا صادقين عندك من قبل في غير هذا.

أو يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا ولا تصدقنا؛ لأنه اتهمهم؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ فاعترضت له التهمة، وليس في الاتهام تكذيب؛ إنما فيه الوقف؛ لأن من ائتمن آخر في شيء ثم اتهمه فيه، لا يكون في اتهامه إياه تكذيبه؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ﴾ ، أي: تتهمنا لما سبقت من التهمة ولو كنا صادقين.

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، وإلا لم يجز أن يكون نبي من الأنبياء يكذب من يعلم أنه صادق في خبره وقوله.

فإن قيل في قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ : كيف خاف ذلك وقد قال له يعقوب: ﴿ وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ ءَالِ يَعْقُوبَ...

﴾ الآية [يوسف: 6]؛ أنبأه أنه يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم [عليه نعمته]، فكيف خاف عليه أكل الذئب والضياع، وذلك لا يحتمل أن يقول له إلا بعلم من الله والوحي إليه؟

قيل: يحتمل أن يكون ما ذكر على شرط الخوف أنه يخاف مما ذكر فيكون له ما قال من الاجتباء، وتعليم الأحاديث، وإتمام النعمة عليه.

أو خاف ذلك على ما خافوا جميعاً على ما هم عليه من الدين وإن عصموا عما خافوا جميعاً؛ حيث قال إبراهيم: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، ومعلوم أن إبراهيم لا يعبد الأصنام، وقال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ  ﴾ وأمثاله، وهو ما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تزيل الخوف، ولا تؤمن عن ارتكاب مضاداته؛ بل يزيد الخوف على ذلك الأخيار والأبرار؛ كان خوفهم وإشفاقهم على دينهم أكثر من غيرهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ ﴾ .

قال بعضهم: أي: نشتد إلى الصيد.

وقال أبو عوسجة: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ هذا من السباق؛ أي: يعدون حتى ينظروا أيّهم يسبق؛ أي: يتقدم من صاحبه ويغلبه في العدو.

وقال القتبي: ﴿ نَسْتَبِقُ ﴾ ، أي: ننتضل، يسابق بعضنا بعضا في الرمي؛ يقال: سابقته فسبقته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ .

الدم لا يكون كذباً، لكنه - والله أعلم - جاءوا على قميصه بدم قد كذبوا فيه أنه دم يوسف وأن الذئب أكله، ولم يكن.

وقال الفراء: ﴿ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ : بدم مكذوب، والعرب قد تستعمل المصدر في موضع المفعول.

ثم قال: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ .

أي: زينت لكم أنفسكم.

والتسويل: هو التزيين في اللغة؛ وتأويله - والله أعلم - أي: زينت لكم أنفسكم ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون به بيني وبين ابني.

لكنا لا نعلم ما ذلك الأمر الذي زينت أنفسهم لهم، ويشبه أن يكون ذلك قوله: ﴿ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: صبر لا جزع فيه، جميل نرضي بما ابتلينا به؛ لأن الصبر هو كف النفس عن الجزع.

والثاني: صبر جميل: كف النفس عن الجزع، وجميل: لا مكافأة فيه؛ لأنهم بما فعلوا بيوسف كانوا مستوجبين للمكافأة.

فقال: ﴿ فَصَبْرٌ ﴾ كف النفس عن الجزع بذلك، وجميل لا مكافأة فيه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ...

﴾ الآية؛ أي: وبالله أستعين على الصبر بما تصفون.

أو يقول: إني به أستعين على ما تقولون من الكذب حين تزعمون أن الذئب أكله ونحوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأرسله يعقوب معهم، فلما ذهبوا به بعيدًا، وعزموا على رميه في قعر البئر، أوحينا إلى يوسف في هذه الحال: لتخبرنهم بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بك حال إخبارك لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ebz2r"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل