الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٥١ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ) إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز ، فقال مخاطبا لهن كلهن ، وهو يريد امرأة وزيره ، وهو العزيز : ( ما خطبكن ) أي : شأنكن وخبركن ( إذ راودتن يوسف عن نفسه ) يعني : يوم الضيافة ؟
( قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ) أي : قالت النسوة جوابا للملك : حاش لله أن يكون يوسف متهما ، والله ما علمنا عليه من سوء .
فعند ذلك ( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : تقول الآن : تبين الحق وظهر وبرز .
( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) أي : في قوله : ( هي راودتني عن نفسي )
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) قال أبو جعفر : وفي هذا الكلام متروك، قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عنه ، وهو: " فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته ، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز " فقال لهن: (ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه) ، كالذي:- 19406 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: فلما &; 16-138 &; جاء الرسول الملك من عند يوسف بما أرسله إليه، جمع النسوة وقال: ( ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه)؟
* * * ويعني بقوله: (ما خطبكن)، ما كان أمركن ، وما كان شأنكن ، ( إذ راودتن يوسف عن نفسه) (32) ، فأجبنه فقلن: ( حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق)، (33) تقول: الآن تبين الحق وانكشف فظهر ، (أنا راودته عن نفسه) ، وإن يوسف لمن الصادقين في قوله: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي .
* * * وبمثل ما قلنا في معنى: (الآن حصحص الحق)، قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19407 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس: (الآن حصحص الحق)، قال: تبيّن.
19408 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله: (الآن حصحص الحق)، تبيّن.
19409- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
19410- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
19411- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
19412 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (الآن حصحص الحق)، الآن تبين الحق.
19413- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
19414- حدثنا الحسن بن يحيى قال ،أخبرنا عبد الرزاق قال ،أخبرنا معمر ، عن قتادة: (الآن حصحص الحق)، قال: تبيّن.
19415- حدثنا الحسن بن محمد قال ،حدثنا عمرو بن محمد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي: (الآن حصحص الحق) قال: تبين.
19416- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، مثله .
19417- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ،أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، مثله .
19418- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: قالت راعيل امرأة إطفير العزيز: (الآن حصحص الحق) ، أي: الآن برز الحق وتبيَّن ، (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين)، فيما كان قال يوسف مما ادّعَت عليه.
19419- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي قال: قال الملك: ائتوني بهن!
فقال: (ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء) ، ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه ، ودخل معها البيت وحلّ سراويله، ثم شدَّه بعد ذلك، ، فلا تدري ما بدا له .
فقالت امرأة العزيز: (الآن حصحص الحق).
19420 - حدثني يونس قال ،أخبرنا ابن وهب قال ،قال ابن زيد ، في قوله: (الآن حصحص الحق)، تبين.
* * * وأصل حَصحص: " حصَّ"، ولكن قيل: " حصحص " ، كما قيل: فَكُبْكِبُوا ، [ سورة الشعراء : 94 ]، في" كبوا " ، وقيل: " كفكف " في" كف " ، و " ذرذر " في" ذرّ" .
(34) وأصل " الحص ": استئصال الشيء ، يقال منه: " حَصَّ شعره " ، إذا استأصله جزًّا .
وإنما أريد في هذا الموضع بقوله: ( حصحص الحق )، (35) ذهب الباطل والكذب فانقطع ، وتبين الحق فظهر .
* * * ---------------------- الهوامش: (32) انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص : 86 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(33) انظر تفسير" حاش الله" فيما سلف ص : 81 - 84 .
(34) في المخطوطة :" وردرد" ، في : رد ، وكأن الصواب ما في المطبوعة .
و" الذرذرة" ، تفريقك الشيء وتبديدك إياه .
و" ذر الشيء" ، بدده .
(35) في المطبوعة : أسقط قوله :" بقوله" .
قال ابن عباس : فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز - وكان قد مات العزيز فدعاهن ف قال ما خطبكن أي ما شأنكن إذ راودتن يوسف عن نفسه وذلك أن كل واحدة منهن كلمت يوسف في حق نفسها ، على ما تقدم ، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت امرأة العزيز ، فكان ذلك مراودة منهن .
قلن حاش لله أي معاذ الله ، ما علمنا عليه من سوء أي زنا .قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق لما رأت إقرارهن ببراءة يوسف ، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرت هي أيضا ; وكان ذلك [ ص: 182 ] لطفا من الله بيوسف .
و حصحص الحق أي تبين وظهر ; وأصله حصص ، فقيل : حصحص ; كما قال : كبكبوا في كببوا ، وكفكف في كفف ; قال الزجاج وغيره : وأصل الحص استئصال الشيء ; يقال : حص شعره إذا استأصله جزا ; قال أبو القيس بن الأسلت :قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاعوسنة حصاء أي جرداء لا خير فيها ، قال جرير :يأوي إليكم بلا من ولا جحد من ساقه السنة الحصاء والذيبكأنه أراد أن يقول : والضبع ، وهي السنة المجدبة ; فوضع الذئب موضعه لأجل القافية ; فمعنى حصحص الحق أي انقطع عن الباطل ، بظهوره وثباته ; قال :ألا مبلغ عني خداشا فإنه كذوب إذا ما حصحص الحق ظالموقيل : هو مشتق من الحصة ; فالمعنى : بانت حصة الحق من حصة الباطل .
وقال مجاهد وقتادة : وأصله مأخوذ من قولهم : حص شعره إذا استأصل قطعه ; ومنه الحصة من الأرض إذا قطعت منها .
والحصحص بالكسر التراب والحجارة ; ذكره الجوهري .أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين وهذا القول منها - وإن لم يكن سأل عنه - إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته ; لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه ; فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار ، حتى لا يخامر نفسا ظن ، ولا يخالطها شك .
وشددت النون في " خطبكن " و " راودتن " لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر .
فأحضرهن الملك، وقال: { مَا خَطْبُكُنَّ } أي: شأنكن { إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } فهل رأيتن منه ما يريب؟
فبرَّأنه و { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ } أي: لا قليل ولا كثير، فحينئذ زال السبب الذي تنبني عليه التهمة، ولم يبق إلا ما عند امرأة العزيز، فـ { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ } أي: تمحض وتبين، بعد ما كنا ندخل معه من السوء والتهمة، ما أوجب له السجن { أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } في أقواله وبراءته.
( قال ) لهن ( ما خطبكن ) ما شأنكن وأمركن ( إذ راودتن يوسف عن نفسه ) خاطبهن ، والمراد امرأة العزيز وقيل : إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها فلذلك خاطبهن .
( قلن حاش لله ) معاذ الله ( ما علمنا عليه من سوء ) خيانة .
( قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق ) ظهر وتبين .
وقيل : إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها [ فأقرت ] ، وقيل : خافت أن يشهدن عليها فأقرت .
( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) في قوله : هي راودتني عن نفسي ، فلما سمع ذلك يوسف قال :
«قال ما خطبكن» شأنكن «إذ راودتن يوسف عن نفسه» هل وجدتن منه ميلا إليكن «قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص» وضح «الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين» في قوله (هي راودتني عن نفسي) فأخبر يوسف بذلك فقال.
قال الملك للنسوة اللاتي جرحن أيديهن: ما شأنكن حين راودتنَّ يوسف عن نفسه يوم الضيافة؟
فهل رأيتن منه ما يريب؟
قلن: معاذ الله ما علمنا عليه أدنى شيء يَشينه، عند ذلك قالت امراة العزيز: الآن ظهر الحق بعد خفائه، فأنا التي حاولت فتنته بإغرائه فامتنع، وإنه لمن الصادقين في كل ما قاله.
هذا ، وقوله - سبحانه - ( قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ) حكاية لما فعله الملك بعد أن بلغه الرسول بما طلبه يوسف منه .وفى الكلام حذف يفهم من السياق ، والتقدير : وبعد أن رجع رسول الملك إليه وأخبره بما قاله يوسف ، استجاب الملك لما طلبه يوسف منه ، فأحضر النسوة وقال لهن : ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه .والخطب : مصدر خطب يخطب ، ويطلق - غالبا - على الأمر المهم الذى يجعل الناس يتحدثون فيه كثيراً ، وجمعه خطوب .والمعنى : بعد أن جمع الملك النسوة قال لهن : ما الأمر الهام الذى حملكن فى الماضى على أن تراودن يوسف عن نفسه؟
وهل وجدتن فيه ميلا إلى الاستجابة لكنَّ .
.
"قال صاحب الظلال ما ملخصه : " والخطب الأمر الجلل ..
.
فكأن الملك كان قد استقصى فعلم أمرهن قبل أن يواجههن ، وهو المعتاد فى مثل هذه الأحوال ، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه ، فهو يواجههن مقررا الاتهام ، ومشيرا إلى أمر لهن جلل .
.ون هذا نعلم شيئاً بما دار فى حفل الاستقبال فى بيت الوزير ، وما قالته النسوة ليوسف ، وما لمحن به وأشرن إليه ، من الإِغراء الذى بلغ حد المراودة .ومن هذا نتخيل صورة لهذه الأوساط ونسائها حتى فى ذلك العهد الموغل فى التاريخ ، فالجاهلية هى الجاهلية دائماً ، وِأنه حيثما كان الترف ، وكانت القصور والحاشية ، كان التحلل والتميع والفجور الناعم الذى يرتدى ثياب الأرستقراطية " .وأمام هذه المواجهة التى واجههن بها الملك ، لم يملكن الإِنكار ، بل قلن بلسان واحد : ( حَاشَ للَّهِ ) أى : معاذ الله .( مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء ) قط ، وإنما الذى علمناه منه هو الاستعصام عن كل سوء .وهنا ( قَالَتِ امرأت العزيز ) ويبدو أنها كانت حاضرة ، معهم عند الملك .( الآن حَصْحَصَ الحق ) أى : الآن ظهر الحق وانكشف انكشافا تاما بعد أن كان خافيا والفعل حصحص أصله حص ، كما قيل : كبكب فى كب ، وهو مأخوذ من الحص بمعنى الاستئصال والإِزالة ، تقول : فلان حص شعره إذا استأصله وأزاله فظهر ما كان خافيا من تحته .
.
.ثم أضافت إلى ذلك قولها ( أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ) أى : أنا التى طلبت منه ما طلبت ( وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ) فى قوله ( هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) وهكذا يشاء الله - تعالى - أن تثبت براءة يوسف على رءوس الأشهاد ، بتلك الطريقة التى يراها الملك ، وتنطق بها امرأة العزيز ، والنسوة اللائى قطعن أيديهن .قال صاحب الكشاف : " ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة ، واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يتعلق بشئ مما قذفته به لأنهن خصومة ، وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال " - إذ الفضل ما شهدت به الأعداء - .
اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف عليه السلام استحسنه الملك فقال: ائتوني به، وهذا يدل على فضيلة العلم، فإنه سبحانه جعل علمه سبباً لخلاصه من المحنة الدنيوية، فكيف لا يكون العلم سبباً للخلاص من المحن الأخروية، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال أجب الملك، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره وتزول التهمة بالكلية عنه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوا لي ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ﴿ ارجع إلى رَبّكَ ﴾ ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة وبادرتهم إلى الباب؛ ولما ابتغيت العذر إنه كان حليماً ذا أناة».
واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله هو اللائق بالحزم والعقل، وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو خرج في الحال فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها، فلما التمس من الملك أن يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه.
الثاني: أن الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه الظاهر أنه يبادر بالخروج، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل والصبر والثبات، وذلك يصير سبباً لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع التهم، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذباً وبهتاناً.
الثالث: أن التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك النسوة يدل أيضاً على شدة طهارته إذ لو كان ملوثاً بوجه ما، لكان خائفاً أن يذكر ما سبق.
الرابع: أنه حين قال للشرابي: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن بضع سنين وهاهنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزناً، واشتغل بإظهار براءته عن التهمة، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله، وكان هذا العمل جارياً مجرى التلافي لما صدر من التوسل إليه في قوله: ﴿ اذكرنى عِندَ رَبّكَ ﴾ ليظهر أيضاً هذا المعنى لذلك الشرابي، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معاً.
أما قوله: ﴿ وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير والكسائي ﴿ فسله ﴾ بغير همز والباقون ﴿ رَبّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ بالهمز، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه ﴿ النسوة ﴾ بضم النون والباقون بكسر النون، وهما لغتان.
المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف: أولها: أن معنى الآية: فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي عن تلك التهمة، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل.
وثانيها: أنه لم يذكر سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل، بل اقتصر على ذكر سائر النسوة.
وثالثها: أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح وفعل شنيع عند الملك، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله: ﴿ مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل.
ثم قال يوسف بعد ذلك: ﴿ إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ وفي المراد من قوله: ﴿ إِنَّ رَبّى ﴾ وجهان: الأول: أنه هو الله تعالى، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور.
والثاني: أن المراد الملك وجعله رباً لنفسه لكونه مربياً وله وفيه إشارة إلى كون ذلك الملك عالماً بكيدهن ومكرهن.
واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوهاً: أحدها: أن كل واحدة منهن ربما طمعت فيه، فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح.
وثانيها: لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها، ويوسف علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز، فأشار بقوله: ﴿ إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة.
وثالثها: أنه استخرج منهن وجوهاً من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه السلام أنه لما التمس ذلك، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن قوله: ﴿ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ وإن كانت صيغة الجمع، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى: ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ والثاني: أن المراد منه خطاب الجماعة.
ثم هاهنا وجهان: الأول: أن كل واحدة منهن راودت يوسف عن نفسها.
والثاني: أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه، وعند هذا السؤال ﴿ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن: ﴿ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .
واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة، وكانت تعلم أن هذه المناظرات والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق وقالت: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن بوسف صلوات الله عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهراً عن جميع العيوب، وهاهنا دقيقة، وهي أن يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال: ﴿ مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة ألبتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ذكرها رعاية لحقها وتعظيماً لجانبها وإخفاء للأمر عليها، فأرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن الذنب كله كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل، ورأيت في بعض الكتب أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر، فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى تتمكن الشهود من إقامة الشهادة، فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك، فإني مقر بصدقها في دعواها، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي عليك.
المسألة الثانية: قال أهل اللغة: ﴿ حَصْحَصَ الحق ﴾ معناه: وضح وانكشف وتمكن في القلوب والنفوس من قولهم: حصحص البعير في بروكه، إذا تمكن واستقر في الأرض.
قال الزجاج: اشتقاقه في اللغة من الحصة، أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن قوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ كلام من؟
وفيه أقوال: القول الأول: وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام.
قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾ وهذا كلام بلقيس.
ثم إنه تعالى قال: ﴿ وكذلك يَفْعَلُونَ ﴾ وأيضاً قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ كلام الداعي.
ثم قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ بقي على هذا القول سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الغائب، والمراد هاهنا: الإشارة إلى تلك الحادثة الحاضرة.
والجواب: أجبنا عنه في قوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ وقيل: ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول إنما كان، ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب.
السؤال الثاني: متى قال يوسف عليه السلام هذا القول؟
الجواب: روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيماً للملك عن الخطاب والأولى أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه لأن ذكر هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب.
السؤال الثالث: هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ .
والجواب: قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة، وقيل إنه إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى يُحِبُّ الخائنين ﴾ ولعل المراد منه أني لو كنت خائناً لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ كلام امرأة العزيز والمعنى: أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق.
ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول، وقالت: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين ﴾ يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئاً عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه.
قال صاحب هذا القول: والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضراً في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ ﴾ ففي تلك الحالة يقول يوسف: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية، ثم إن يوسف يقول ابتداء ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة.
المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة: الأول: أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهماً بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعياً منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك، وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلاً، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه.
والثاني: أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن: ﴿ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ وفي المرة الثانية حيث قلن: ﴿ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ والثالث: أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم ﴾ وفي المرة الثانية في هذه الآية.
واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه: أولها: قول المرأة: ﴿ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
وثانيها: قولها: ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ﴾ وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله: ﴿ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ﴾ .
وثالثها: قول يوسف عليه السلام: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال جبريل عليه السلام، ولا حين هممت، وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعياً منهم في تحريف ظاهر القرآن.
ورابعها: قوله: ﴿ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين ﴾ يعني أن صاحب الخيانة لابد وأن يفتضح، فلو كنت خائناً لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من هذه الورطة، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين، وهاهنا وجه آخر وهو أقوى من الكل، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة، وتلك المحنة صارت منتهية، فإقدامه على قوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ مع أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة، وعلى كذب عظيم من غير أن يتعلق به مصلحة بوجه ما، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة أصلاً لا يليق بأحد من العقلاء، فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء، وقدوة الأصفياء؟
فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على براءته مما يقوله الجهال والحشوية.
<div class="verse-tafsir"
إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك، وقدّم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلماً إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير حق به أن يسجن ويعذب ويستكف شرّه.
وفيه دليل على أنّ الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التهم» .
ومنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمارّين به في معتكفه وعنده بعض نسائه: (هي فلانة) اتقاء للتهمة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره- والله يغفر له- حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.
ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك.
ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث، لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر، إن كان لحليماً ذا أناة» وإنما قال: سل الملك عن حال النسوة ولم يقل سله أن يفتش عن شأنهن، لأنّ السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث عما سئل عنه، فأراد أن يورد عليه السؤال ليجدّ في التفتيش عن حقيقة القصة وفصّ الحديث حتى يتبين له براءته بياناً مكشوفاً يتميز فيه الحق من الباطل.
وقرئ: ﴿ النُسوة ﴾ بضم النون ومن كرمه وحسن أدبه: أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهنّ ﴿ إِنَّ رَبّى ﴾ إنّ الله تعالى: ﴿ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ أراد أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله، لبعد غوره.
أو استشهد بعلم الله على أنهنّ كدنه، وأنه بريء مما قرف به، أو أراد الوعيد لهنّ، أي: هو عليم بكيدهنّ فمجازيهنّ عليه ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ ما شأنكنّ ﴿ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ ﴾ هل وجدتنّ منه ميلا إليكنّ ﴿ قُلْنَ حاش لِلَّهِ ﴾ تعجباً من عفته وذهابه بنفسه عن شيء من الريبة ومن نزاهته عنها ﴿ قَالَتِ امرأت العزيز الأن حصحص الحق ﴾ أي ثبت واستقرّ وقرئ: ﴿ حُصْحِص ﴾ على البناء للمفعول، وهو من حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة.
قال: فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفَا ثَفَنَاتِه ** وَنَاءَ بِسَلْمَى نَوْءَةً ثُمَّ صَمَّمَا ولا مزيد على شهادتهنّ له بالبراءة والنزاهة واعترافهنّ على أنفسهنّ بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به، لأنهنّ خصومه.
وإذا اعترف الخصم بأنّ صاحبه على الحق وهو على الباطل، لم يبق لأحد مقال.
وقالت المجبرة والحشوية نحن قد بقي لنا مقال، ولا بدّ لنا من أن ندق في فروة من ثبتت نزاهته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ قالَ المَلِكُ لَهُنَّ ما شَأْنُكُنَّ والخَطْبُ أمْرٌ يَحِقُّ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ صاحِبُهُ.
﴿ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ تَنْزِيهٌ لَهُ وتَعَجَّبٌ مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ.
﴿ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ مِن ذَنْبٍ.
﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ قالَ: فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفا ثَفَناتِهِ.
.
.
وناءَ بِسَلْمى نَوْأةً ثُمَّ صَمَّما أوْ ظَهَرَ مِن حَصَّ شَعْرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشْرَةُ رَأْسِهِ.
وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ قالَهُ يُوسُفُ لَمّا عادَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وأخْبَرَهُ بِكَلامِهِنَّ أيْ ذَلِكَ التَّثَبُّتُ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ.
﴿ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ بِظَهْرِ الغَيْبِ وهو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ أيْ لَمْ أخُنْهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ وهو غائِبٌ عَنِّي أوْ ظَرْفٌ أيْ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الفِعْلَ عَلى الكَيْدِ مُبالَغَةً.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِراعِيلَ في خِيانَتِها زَوْجَها وتَوْكِيدٌ لِأمانَتِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
{قَالَ} لهن {مَا خَطْبُكُنَّ} ما شأنكن {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} هل وجدتن منه ميلاً إليكن {قُلْنَ
حَاشَ للَّهِ} تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله {مَا عَلِمْنَا عليه من سوء} من ذنب {قالت امرأة العزيز الآن حَصْحَصَ الحق} ظهر واستقر {أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين} في قوله هي روادتنى عن نفسى ولا مزيد على شهادتهن له للبرءاة والنزاهة واعترافهن على انفسهن بانه لم يتعلق بشيء مما قذف به ثم رجع الرسول إلى يوسف وأخبره بكلام النسوة وإقرار امرأة العزيز وشهادتها على نفسها
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ إثْرَ ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الخَبَرَ وأحْضَرَهُنَّ: ﴿ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ أيْ شَأْنُكُنَّ، وأصْلُهُ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لِعَظَمَتِهِ أنْ يُكْثِرَ فِيهِ التَّخاطُبَ ويَخْطُبَ لَهُ ﴿ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ ﴾ وخادَعْتُنَّهُ ﴿ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ورَغَّبْتُنَّهُ في طاعَةِ مَوْلاتِهِ هَلْ وجَدْتُنَّ فِيهِ مَيْلًا إلَيْكُنَّ؟
﴿ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْجِيبًا مِن نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِفَّتِهِ ﴿ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ بالَغْنَ في نَفْيِ جِنْسِ السُّوءِ عَنْهُ بِالتَّنْكِيرِ وزِيادَةِ (مِن) وفي الكَشْفِ في تَوْجِيهِ كَوْنِ السُّؤالِ المُقَدَّرِ في نَظْمِ الكَلامِ عَنْ وِجْدانِهِنَّ فِيهِ المَيْلَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَأْنِهِنَّ مَعَهُ عِنْدَ المُراوَدَةِ، وأوَّلُهُ المَيْلُ ثُمَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وحَمْلُهُ عَلى السُّؤالِ يَدَّعِي النَّزاهَةَ الكُلِّيَّةَ فَيَكُونُ سُؤالُ المَلِكِ مُنْزَلًا عَلَيْهِ إذْ لا يُمْكِنُ ما بَعْدَهُ إلّا إذا سَلِمَ المَيْلَ، وجَوابُهُنَّ عَلَيْهِ يَنْطَبِقُ لِتَعَجُّبِهِنَّ عَنْ نَزاهَتِهِ بِسَبَبِ التَّعَجُّبِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى خُلُقٍ عَفِيفٍ مِثْلِهِ لِيَكُونَ التَّعَجُّبُ مِنها عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ فَيَكُونُ أبْلَغَ وأبْلَغَ، ثُمَّ نَفْيُهُنَّ العِلْمَ مُطْلَقًا وطَرَفًا أيَّ طَرَفٍ دَهَمَ مِن سُوءٍ أيَّ سُوءٍ فَضْلًا عَنْ شُهُودِ المَيْلِ مَعَهُنَّ، اهـ، وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.
وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ -مِن أنَّ النِّسْوَةَ قَدْ أجَبْنَ بِجَوابٍ جَيِّدٍ يَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً وأعْطَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ قُلْنَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ وتَنْزِيهًا لِأنْفُسِهِنَّ: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُنَّ: ﴿ ما عَلِمْنا ﴾ إلَخْ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما هو شَرْحُ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتِهِنَّ- ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَمّا قَرَّرَهُ المَوْلى صاحِبُ الكَشْفِ ﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ ﴾ وكانَتْ حاضِرَةَ المَجْلِسِ، قِيلَ: أقْبَلَتِ النِّسْوَةُ عَلَيْها يُقَرِّرْنَها، وقِيلَ: خافَتْ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها بِما قالَتْ يَوْمَ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ فَأقَرَّتْ قائِلَةً: ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ بَعْدَ خَفاءٍ قالَهُ الخَلِيلُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ وهي القِطْعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ تَبَيَّنَتْ حِصَّةُ الحَقِّ مِن حِصَّةِ الباطِلِ، والمُرادُ تُمَيُّزُ هَذا عَنْ هَذا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ أيْضًا، وقِيلَ: هو مِن حَصَّ شَعَرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشَرَةُ رَأْسِهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعٍ ويَرْجِعُ هَذا إلى الظُّهُورِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ الهِلالِيُّ يَصِفُ بَعِيرًا: فَحَصْحَصَ في صُمٍّ الصَّفا ثَفِناتِهِ ∗∗∗ وناءَ بِسَلْمى نَوْءَةً ثُمَّ صَمَّما والمَعْنى الآنَ ثَبَتَ الحَقُّ واسْتَقَرَّ، وذَكَرَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ أنَّ حَصَّ وحَصْحَصَ -كَكَفَّ وكَفْكَفَ، وكَبَّ وكَبْكَبَ، وقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى مَعْنى أُقِرَّ الحَقُّ في مَقَرِّهِ ووُضِعَ في مَوْضِعِهِ، و(الآنَ) مِنَ الظُّرُوفِ المَبْنِيَّةِ في المَشْهُورِ وهو اسْمٌ لِلْوَقْتِ الحاضِرِ جَمِيعِهِ كَوَقْتِ فِعْلِ الإنْشاءِ حالَ النُّطْقِ بِهِ أوِ الحاضِرِ بَعْضُهُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ وقَدْ يَخْرُجُ عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ كَخَبَرِ ”فَهُوَ يَهْوى في النّارِ الآنَ حِينَ انْتَهى إلى مَقَرِّها“ فَإنَّ الآنَ فِيهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و”حِينَ“ خَبَرُهُ وهو مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى جُمْلَةٍ صَدْرُها ماضٍ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ في مَعْناهُ: الأوانُ، وقِيلَ: عَنْ ياءٍ لِأنَّهُ مِن آنَ يَئِينُ إذا قَرُبَ، وقِيلَ: أصْلُهُ أوانٍ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّ الواوَ قَبْلَ الألْفِ لا تُقْلَبُ كالجَوادِ والسَّوادِ، وقِيلَ: حُذِفَتِ الألِفُ وغُيِّرَتِ الواوُ إلَيْها كَما في راحَ ورَواحٍ اسْتَعْمَلُوهُ مَرَّةً عَلى فَعَلٍ وأُخْرى عَلى فِعالٍ كَزَمَنٍ وزَمانٍ، واخْتَلَفُوا في عِلَّةِ بِنائِهِ فَقالَ الزَّجّاجُ: بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإشارَةِ لِأنَّ مَعْناهُ هَذا الوَقْتُ، ورُدَّ بِأنَّ المُتَضَمِّنَ مَعْنى الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ وهو لا تَدْخُلُهُ ألْ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى لامِ التَّعْرِيفِ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ مَعْرِفَةً ولَيْسَ عَلَمًا وألْ فِيهِ زائِدَةٌ، وضُعِّفَ بِأنَّ تَضَمُّنَ اسْمٍ مَعْنى حَرْفٍ اخْتِصارًا يُنافِي زِيادَةَ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ هَذا مَعَ كَوْنِ المَزِيدِ غَيْرَ المُضَمَّنِ مَعْناهُ فَكَيْفَ إذا كانَ إيّاهُ، وقالَ المُبَرِّدُ وابْنُ السَّرّاجِ: لِأنَّهُ خالَفَ نَظائِرَهُ إذْ هو نَكِرَةٌ في الأصْلِ اسْتُعْمِلَ مِن أوَّلِ وضْعِهِ بِاللّامِ، وبابُها أنْ تَدْخُلَ عَلى النَّكِرَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِلُزُومِ بِناءِ الجَمّاءِ الغَفِيرِ ونَحْوِهِ مِمّا وقَعَ في أوَّلِ وضْعِهِ بِاللّامِ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَتْ مُخالَفَةُ الِاسْمِ لِسائِرِ الأسْماءِ مُوجِبَةً لِشَبَهِ الحَرْفِ واسْتِحْقاقِ البِناءِ لَوَجَبَ بِناءُ كُلِّ اسْمٍ خالَفَ الأسْماءَ بِوَزْنٍ أوْ غَيْرِهِ وهو باطِلٌ بِإجْماعٍ، واخْتارَ أنَّهُ بُنِيَ لِشَبَهِ الحَرْفِ في مُلازَمَةِ لَفْظٍ واحِدٍ لِأنَّهُ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُصَغَّرُ بِخِلافِ حِينَ، ووَقْتٍ وزَمانٍ ومُدَّةٍ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِما رَدَّ هو بِهِ عَلى مَن تَقَدَّمَ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما بُنِيَ لِأنَّهُ نُقِلَ مِن فِعْلٍ ماضٍ وهو آنَ بِمَعْنى حانَ فَبَقِيَ عَلى بِنائِهِ اسْتِصْحابًا عَلى حَدِّ أنْهاكم عَنْ قِيلٍ وقالَ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ ألْ كَما لا تَدْخُلُ عَلى ما ذُكِرَ، وجازَ فِيهِ الإعْرابُ كَما جازَ فِيهِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ مُعْرَبٌ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: كَأنَّهُما مِلَآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا.
بِكَسْرِ النُّونِ أيْ مِنَ الآنِ فَحُذِفَتِ النُّونُ والهَمْزَةُ وجُرَّ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُعْرَبٌ وضَعُفَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ الكَسْرَةُ كَسْرَةَ بِناءٍ ويَكُونُ في بِناءِ الآنِ لُغَتانِ: الفَتْحُ والكَسْرُ كَما في شَتّانَ إلّا أنَّ الفَتْحَ أكْثَرُ وأشْهَرُ، وفي شَرْحِ الألْفِيَّةِ لِابْنِ الصّائِغِ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ أصْلَهُ أوانٍ يَقُولُ: بِإعْرابِهِ كَما أنَّ وأْنًا مُعْرَبٌ.
واخْتارَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ القَوْلَ بِإعْرابِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِبِنائِهِ عِلَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فَهو عِنْدَهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وإنْ دَخَلَتْ مِن جُرَّ وخُرُوجُهُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ غَيْرُ ثابِتٍ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ السّابِقِ مَقالٌ، وأيّامّا كانَ فَهو هُنا مُتَعَلِّقٌ -بِحَصْحَصَ- أيْ حَصْحَصَ الحَقُّ في هَذا الوَقْتِ ﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ لا أنَّهُ راوَدَنِي عَنْ نَفْسِي، وإنَّما قالَتْ ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِرافِها تَأْكِيدًا لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذا قَوْلُها: ﴿ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ أيْ في قَوْلِهِ حِينَ افْتَرَيْتُ عَلَيْهِ ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ قِيلَ: إنَّ الَّذِي دَعاها لِذَلِكَ كُلِّهِ التَّوَخِّي لِمُقابَلَةِ الِاعْتِرافِ حَيْثُ لا يُجْدِي الإنْكارُ بِالعَفْوِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا تَناهَتْ في حُبِّهِ لَمْ تُبالِ بِانْتِهاكِ سَتْرِها وظُهُورِ سِرِّها، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّها لَمْ تُرِدْ بِقَوْلِها: (الآنَ) إلَخْ مُجَرَّدَ ظُهُورِ ما ظَهَرَ بِشَهادَةِ النِّسْوَةِ مِن مُطْلَقِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أحاطَ بِهِ عِلْمُهُنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَزاهَتِهِ في سائِرِ المَواطِنِ خُصُوصًا فِيما وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ بِمَحْضَرِ العَزِيزِ ولا بَحَثَ عَنْ حالِ نَفْسِها وما صَنَعَتْ في ذَلِكَ بَلْ أرادَتْ ظُهُورَ ما هو مُتَحَقِّقٌ في نَفْسِ الأمْرِ وثُبُوتَهُ مِن نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ النِّزاعِ وخِيانَتَها، ولِهَذا قالَتْ: ﴿ أنا راوَدْتُهُ ﴾ إلَخْ، وأرادَتْ -بِالآنَ- زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ لا زَمانَ شَهادَتِهِنَّ اهـ فافْهَمْ وتَأمَّلْ، هَلْ تَرى فَوْقَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ نَزاهَةً حَيْثُ لَمْ يَتَمالَكِ الخُصَماءُ مِنَ الشَّهادَةِ بِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بِهِ الخُصَماءُ.
ولَيْتَ مَن نَسَبَ إلَيْهِ السُّوءَ -وحاشاهُ- كانَ عِنْدَهُ عُشْرُ مِعْشارِ ما كانَ عِنْدَ أُولَئِكَ النِّسْوَةِ الشّاهِداتِ مِنَ الإنْصافِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قالَ مَا خَطْبُكُنَّ- وذلك أن الملك أرسل إلى النسوة وجمعهن، ثم سألهنّ (١) فأخبرن الملك ببراءة يوسف فقال: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني: معاذ الله مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ يعني: ما رأينا منه شيئاً من الفاحشة، ولم يكن له ذنب.
فلما رأت امرأة العزيز، أن النسوة شهدن عليها، اعترفت على نفسها وأقرت بذلك، فذلك قوله تعالى: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ يعني: ظهر الحق ووضح، ويقال: استبان.
قال الزجاج: اشتقاقه في اللغة من الحصة أي: بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل ومن جهته أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: طلبت إليه أن يمكنني من نفسه وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ إنه لم يراودني، وهو صادق فيما قال ذلك اليوم حيث قال: هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى.
قال يوسف عند ذلك: إنما فَعَلَت ذلِكَ لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ يعني: لم أخنه في امرأته إذا غاب عني، فذلك قوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ يعني: لا يرضى عمل الزانين.
وروى إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح قال: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال: هو يوسف لم يخن العزيز في امرأته.
وروى عكرمة عن ابن عباس : أنه لما قال يوسف ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ «قال له جبريل عند ذلك: ولا يوم هممت بما هممت به» .
قال يوسف : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي يعني: من الهم الذي هممت به إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يعني: بالمعصية.
ويقال: القلب آمر للجسد بالسوء والإثم.
يقال في اللغة: إذا أمرت النفس بشيء، فهي آمرة، وإذا أكثرت الأمر يقال: هي أمارة.
فقال: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يعني: مائلة إلى الشهوات إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي أي: إلا من عصمه الله تعالى من المعصية إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ للهم الذي هممت به رَحِيمٌ حين تاب وعصمني وغفر لي (١) عزاه السيوطي: 4/ 545 إلى عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
وجمهور المفسِّرين، أي: يُمْطَرُون، وجائزٌ أنْ يكون من أغاثهم اللَّهُ: إِذا فَرَّجَ عنهم ومنه الغَوْث، وهو الفَرَجُ، وَفِيهِ يَعْصِرُونَ: قال جمهور المفسِّرين: هي من عَصْر النباتاتِ، كالزيتون، والعَنَبِ، والقَصَبِ، والسِّمْسِمِ، والفِجْلِ، ومِصْرُ بَلَدُ عَصْرٍ لأشياء كثيرة.
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)
وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ...
الآية: لمَّا رأى المَلِكُ وحاضروه نُبْلَ التَّعْبِير وحُسْنَ الرأْيِ، وتضمَّن الغيب في أمْر العامِ الثامِنِ، مع ما وُصِفَ به من الصِّدْق عَظُمَ يوسُفُ في نَفْس الملك، وقال: ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ: يعني: الملك، فَسْئَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وقصْدُه عَلَيْه السلام بيانُ براءته، وتحقُّق منزلته من العِفَّة والخَيْرِ، فرسَمَ القصَّة بطَرَف منها، إِذا وقع النظَرُ عَلَيْه، بان الأمْرُ كله، وَنَكَبَ عن ذِكْرِ امرأة العزيز حُسْنَ عِشْرةٍ ورعايةٍ لذِمَامِ مُلْك العزيز له، وفي «صحيح البخاري» ، عن عبد الرحمن/ بن القاسِمِ صاحبِ مَالِكٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ لُبْثَ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِي» «١» : المعنى: لو كُنْتَ أنا، لَبَادَرْتُ بالخروج، ثم حاوَلْتُ بيان عُذْرِي بَعْدَ ذلك وذلك أَنَّ هذه القصص والنوازل، إِنما هي معرَّضة ليقتدي النَّاسُ بها إِلى يوم القيامة، فأراد صلّى الله عليه وسلّم حَمْلَ الناسِ على الأحزمِ من الأمورِ وذلك أن التارِكَ لمِثْلِ هذه الفُرْصَة ربَّما نَتَجَ له بسَبَبِ التأخير خلاَفُ مقصوده، وإِن كان يوسف قد أَمِنَ ذلك بِعِلْمِهِ من اللَّه، فغيْرهُ من الناس لا يأمَنُ ذلك، فالحالة التي ذهب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه إِلَيْها حالَةُ حَزْمٍ ومدحٍ ليقتدى به، وما فعله يوسَفُ عليه السلام حالةُ صَبْرٍ وتجلُّد، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» : وانظر إِلى عظيمِ حلْمِ يوسُف عليه السلام وَوُفُورِ أدبه، كيف قال: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فذكر النساءَ جملةً لتدخُلَ فيهنَّ امرأة العزيزِ مدْخَلَ العمومِ بالتلويحِ دون التصريح.
انتهى.
وهذه كانت أخلاق نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، لا يقابل أحداً بمكروهٍ، وإِنما يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا» ، من غير تعيينٍ، وبالجملة فكلُّ خَصْلة حميدةٍ مذكُورَةٍ في القُرآنَ اتّصف بها الأنبياء والأصفياء، فقد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَجَعَ السّاقِي إلى المَلِكِ وأخْبَرَهُ بِتَأْوِيلِ رُؤْياهُ، وقَعَ في نَفْسِهِ صِحَّةُ ما قالَ، فَقالَ: ائْتُونِي بِالَّذِي عَبَّرَ رُؤْيايَ، فَجاءَهُ الرَّسُولُ، فَقالَ: أجِبِ المَلِكَ، فَأبى أنْ يَخْرُجَ حَتّى تُبَيَّنَ بَراءَتُهُ مِمّا قُرِفَ بِهِ، فَقالَ: ﴿ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي المَلِكَ ﴿ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " النُّسْوَةِ " بِضَمِّ النُّونِ، والمَعْنى: فاسْألِ المَلِكَ أنْ يَتَعَرَّفَ ما شَأْنُ تِلْكَ النِّسْوَةِ وحالُهُنَّ لِيَعْلَمَ صِحَّةَ بَراءَتِي، وإنَّما أشْفَقَ أنْ يَراهُ المَلِكُ بِعَيْنِ مَشْكُوكٍ في أمْرِهِ أوْ مُتَّهَمٍ بِفاحِشَةٍ، وأحَبَّ أنْ يَراهُ بَعْدَ اسْتِقْرارِ بَراءَتِهِ عِنْدَهُ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ أنَّهُ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ أرادَ بِهِ سَيِّدَهُ العَزِيزَ، والمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ بَراءَتِي.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ نَبِيِّنا أنَّهُ اسْتَحْسَنَ حَزْمَ يُوسُفَ وصَبْرَهُ عَنِ التَّسَرُّعِ إلى الخُرُوجِ، فَقالَ : " «إنَّ الكَرِيمَ بْنَ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ [ابْنِ الكَرِيمِ] يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ لَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جاءَنِي الدّاعِي لَأجَبْتُ» " .
وَفِي ذِكْرِهِ لِلنِّسْوَةِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَلَطَها بِالنِّسْوَةِ، لِحُسْنِ عِشْرَةٍ فِيهِ وأدَبٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: لِأنَّها زَوْجَةُ مَلِكٍ، فَصانَها.
والثّالِثُ: لِأنَّ النِّسْوَةَ شاهِداتٌ عَلَيْها لَهُ.
والرّابِعُ: لِأنَّ في ذِكْرِهِ لَها نَوْعَ تُهْمَةٍ، ذَكَرَ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الماوَرْدِيُّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ بِرِسالَةِ يُوسُفَ، فَدَعا المَلِكُ النِّسْوَةَ وفِيهِنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ، فَقالَ: ﴿ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُنَّ وقِصَّتُكُنَّ ﴿ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّما راوَدَتْهُ واحِدَةٌ، فَلِمَ جَمَعَهُنَّ ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَمَعَهُنَّ في السُّؤالِ لِيَعْلَمَ عَيْنَ المُراوَدَةِ.
والثّانِي: أنَّ أزْلِيخا راوَدَتْهُ عَلى نَفْسِهِ، وراوَدَهُ باقِي النِّسْوَةِ عَلى القَبُولِ مِنها.
والثّالِثُ: أنَّهُ جَمَعَهُنَّ في الخِطابِ، والمَعْنى لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ، لِأنَّهُ قَدْ يُوقَعُ عَلى النَّوْعِ وصْفُ الجنْسِ إذا أُمِنَ مِنَ اللَّبْسِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيَّ لِلنِّساءِ: " «إنَّكُنَّ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ» "، فَجَمَعَهُنَّ في الخِطابِ والمَعْنى لِبَعْضِهِنَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَرَأ الحَسَنُ بِتَسْكِينِ الشِّينِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الإسْكانَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَجُوزُ، ولا هو مِن كَلامِ العَرَبِ.
فَأعْلَمَ النِّسْوَةُ المَلِكَ بَراءَةَ يُوسُفَ مِنَ السُّوءِ، فَقالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ أيْ: بَرَزَ وتَبَيَّنَ، واشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ مِنَ الحِصَّةِ، أيْ: بانَتْ حِصَّةُ الحَقِّ وجِهَتُهُ مِن حِصَّةِ جِهَةِ الباطِلِ.
وقالَ ابْنُ القاسِمِ: " حَصْحَصَ " بِمَعْنى وضُحَ وانْكَشَفَ، تَقُولُ العَرَبُ: حَصْحَصَ البَعِيرُ في بُرُوكِهِ: إذا تَمَكَّنَ، وأثَّرَ في الأرْضِ، وفَرَّقَ الحَصى.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في ابْتِداءِ أزْلِيخا بِالإقْرارِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمّا رَأتِ النِّسْوَةَ قَدْ بَرَّأْنَهُ، قالَتْ: لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقْبِلْنَ عَلىَّ بِالتَّقْرِيرِ، فَأقَرَّتْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها أظْهَرَتِ التَّوْبَةُ وحَقَّقَتْ صِدْقَ يُوسُفَ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عن نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عن نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ ﴾ المَعْنى: فَجَمَعَ المَلِكُ النِسْوَةَ وامْرَأةَ العَزِيزِ مَعَهُنَّ، وقالَ لَهُنَّ: ﴿ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ الآيَةُ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كانَتْ قِصَّتُكُنَّ؟
فَهو اسْتِدْعاءٌ مِنهُ أنْ يُعْلِمْنَهُ القِصَّةَ، فَجاوَبَ النِساءُ بِجَوابٍ جَيِّدٍ تَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً، وأعْطَيْنَ يُوسُفَ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَ لَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ قُلْنَ -جَوابًا عن ذَلِكَ-: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ ، وقَدْ يَحْتَمِلُ -عَلى بُعْدٍ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ في جِهَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُنَّ: ﴿ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما كانَ الإبْراءُ التامُّ وصْفَ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتَيْنِ، ولَوْ قُلْنَ: (ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا) لَكانَ أدْخَلَ في التَبْرِئَةِ، وقَدْ بَوَّبَ البُخارِيُّ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ عَلى أنَّها تَزْكِيَةٌ، وأدْخَلَ قَوْلَ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ في حَدِيثِ الإفْكِ: « (أهْلُكَ ولا نَعْلَمُ إلّا خَيْرًا)،» وأمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ فَلا يَقْنَعُ بِهَذا في تَزْكِيَةِ الشاهِدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِإثْباتِ العَدالَةِ.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: فَلَمّا سَمِعَتْ زَوْجَةُ العَزِيزِ مَقالَتَهُنَّ وحَيْدَتَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الخِزْيِ حَضَرَتْها نِيَّةٌ وتَحْقِيقٌ فَقالَتْ: ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ .
و"حَصْحَصَ" مَعْناهُ: تَبَيَّنَ بَعْدَ خَفائِهِ، كَذا قالَ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ، أيْ بانَتْ حِصَّتُهُ مِن حِصَّةِ الباطِلِ، ثُمَّ أقَرَّتْ عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ، والتَزَمَتِ الذَنْبَ، وأبْرَأتْ يُوسُفَ البَراءَةَ التامَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ قال ما خطبكن ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن الجمل التي سبقتها تثير سؤالاً في نفس السامع عما حصل من المَلِك لَمّا أُبلغ إليه اقتراح يوسف عليه السّلام مع شدة تشوقه إلى حضوره بين يديه، أي قال الملك للنسوة.
ووقوع هذا بعد جملة ﴿ ارجع إلى ربك ﴾ [سورة يوسف: 50] إلى آخرها مؤذن بكلام محذوف، تقديره: فرجع فأخبر الملك فأحضر الملكُ النسوة اللائي كانت جمعتْهن امرأةُ العزيز لمّا أعتدت لهنّ مُتّكَأ فقال لهن: ما خطبكن } إلى آخره.
واسندت المراودة إلى ضمير النسوة لوقوعها من بعضهن غير معين، أو لأن القالة التي شاعت في المدينة كانت مخلوطة ظَنا أن المراودة وقعت في مجلس المتّكأ.
والخطب: الشأن المهم من حالة أو حادثة.
قيل: سمي خطباً لأنه يقتضي أن يخاطِب المرء صاحبه بالتساؤل عنه.
وقيل: هو مأخوذ من الخُطبة، أي يُخطب فيه، وإنما تكون الخطبة في أمر عظيم، فأصله مصدر بمعنى المفعول، أي مخطوب فيه.
وجملة ﴿ قلن ﴾ مفصولة لأجل كونها حكاية جواب عن كلام الملك أي قالت النسوة عدا امرأة العزيز، بقرينة قوله بعد: ﴿ قالت امرأة العزيز ﴾ .
و ﴿ حاش لله ﴾ مبالغة في النفي والتنزيه.
والمقصود: التبرؤ مما نسب إليهن من المراودة.
وقد تقدم تفسيرها آنفاً واختلاف القراء فيها.
وجملة ﴿ ما علمنا عليه من سوء ﴾ مبينة لإجمال النفي الذي في ﴿ حاش لله ﴾ .
وهي جامعة لنفي مراودتهن إياه ومراودته إياهن لأن الحالتين من أحوال السوء.
ونفي علمهن ذلك كناية عن نفي دعوتهن إياه إلى السوء ونفي دعوته إياهن إليه لأن ذلك لو وقع لكان معلوماً عندهن، ثم إنهن لم يزدن في الشهادة على ما يتعلق بسؤال الملك فلم يتعرضن لإقرار امرأة العزيز في مجلسهن بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، خشيةً منها، أو مودّةً لها، فاقتصرن على جواب ما سُئلن عنه.
وهذا يدل على كلام محذوف وهو أن امرأة العزيز كانت من جملة النسوة اللاتي أحضرهن الملك.
ولم يشملها قول يوسف عليه السّلام: ﴿ ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ [سورة يوسف: 5] لأنها لم تقطّعْ يدها معهن، ولكن شملها كلام الملك إذ قال: إذ راودتن يوسف عن نفسه } فإن المراودة إنما وقعت من امرأة العزيز دون النسوة اللاتي أعدّت لهن متكئاً، ففي الكلام إيجاز حذف.
وجملة ﴿ قالت امرأة العزيز ﴾ مفصولة لأنها حكاية جواب عن سؤال الملك.
والآن: ظرف للزمان الحاضر، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ في سورة الأنفال (66).
و ﴿ حصحص ﴾ : ثبت واستقر.
و ﴿ الحق ﴾ : هو براءة يوسف عليه السّلام مما رمته به امرأة العزيز، وإنما ثبت حينئذٍ لأنه كان محل قيل وقال وشك، فزال ذلك باعترافها بما وقع.
والتعبير بالماضي مع أنه لم يثبت إلا من إقرارها الذي لم يسبق لأنه قريب الوقوع فهو لتقريب زمن الحال من المضي.
ويجوز أن يكون المراد ثبوت الحق بقول النسوة ﴿ ما علمنا عليه من سوء ﴾ فيكون الماضي على حقيقته.
وتقديم اسم الزمان للدلالة على الاختصاص، أي الآن لا قبله للدلالة على أن ما قبل ذلك الزمان كان زمنَ باطل وهو زمن تهمة يوسف عليه السّلام بالمراودة، فالقصر قصر تعيين إذ كان الملك لا يدري أي الوقتين وقتُ الصدق أهو وقت اعتراف النسوة بنزاهة يوسف عليه السّلام أم هو وقت رمي امرأة العزيز إياه بالمراودة.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة ﴿ أنا راودته ﴾ للقصر، لإبطال أن يكون النسوة راودنه.
فهذا إقرار منها على نفسها، وشهادة لغيرها بالبراءة، وزادت فأكدت صدقه ب (إن) واللام.
وصيغة ﴿ من الصادقين ﴾ كما تقدم في نظائرها، منها قوله تعالى: ﴿ قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ﴾ يَعْنِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي المَلِكَ.
﴿ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ وإنَّما تَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ طُولِ حَبْسِهِ لِيُظْهِرَ لِلْمَلِكِ عُذْرَهُ قَبْلَ حُضُورِهِ فَلا يَراهُ مُذْنِبًا ولا خائِنًا.
فَرَوى أبُو الزِّنادِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (يَرْحَمُ اللَّهُ يُوسُفَ إنَّهُ كانَ ذا أناةٍ لَوْ كُنْتُ أنا المَحْبُوسُ ثُمَّ أُرْسِلَ لَخَرَجْتُ سَرِيعًا)» .
وفي سُؤالِهِ عَنِ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ في سُؤالِهِ عَنْها ظِنَّةً رُبَّما صارَ بِها مُتَّهَمًا.
والثّانِي: صِيانَةً لَها لِأنَّها زَوْجُ المَلِكِ فَلَمْ يَتَبَذَّلْها بِالذِّكْرِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرادَهُنَّ دُونَها لِأنَّهُنَّ الشّاهِداتُ لَهُ عَلَيْها.
﴿ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ إنَّ اللَّهَ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ.
الثّانِي: أنَّ سَيِّدِي الَّذِي هو العَزِيزُ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ فَهَذا سُؤالُ المَلِكِ قَدْ تَضَمَّنَ تَنْزِيهَ يُوسُفَ لِما تَخَيَّلَهُ مِن صِدْقِهِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِ حَتّى لا تُسْرِعَ واحِدَةٌ مِنهُنَّ إلى التَّكَذُّبِ عَلَيْهِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ راوَدْتُنَّ ﴾ وإنْ كانَتِ المُراوَدَةُ مِن إحْداهُنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُراوَدَةَ كانَتْ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحْدَها فَجَمَعَهُنَّ في الخِطابِ وإنْ تَوَجَّهَ إلَيْها دُونَهُنَّ احْتِشامًا لَها.
الثّانِي: أنَّ المُراوَدَةَ كانَتْ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ.
﴿ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ فَشَهِدْنَ لَهُ بِالبَراءَةِ مِنَ السُّوءِ عَلى عِلْمِهِنَّ لِأنَّها شَهادَةٌ عَلى نَفْيٍ، ولَوْ كانَتْ شَهادَتُهُنَّ عَلى إثْباتٍ لَشَهِدْنَ قَطْعًا، وهَكَذا حُكْمُ اللَّهِ تَعالى في الشَّهاداتِ أنْ تَكُونَ عَلى العِلْمِ في النَّفْيِ، وعَلى القَطْعِ في الإثْباتِ.
﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ مَعْناهُ: الآنَ تَبَيَّنَ الحَقُّ ووَضَحَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
وَأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حَصَّ شَعَرَهُ إذا اسْتَأْصَلَ قَطْعَهُ فَظَهَرَتْ مَواضِعُهُ ومِنهُ الحِصَّةُ مِنَ الأرْضِ إذا قُطِعَتْ مِنها.
فَمَعْنى حَصْحَصَ الحَقُّ أيِ انْقَطَعَ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ.
وَفِيهِ زِيادَةُ تَضْعِيفٍ دَلَّ عَلَيْها الِاشْتِقاقُ مِثْلُ قَوْلِهِ: (كَبَوْا، وكَبْكَبُوا) قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقالَ الشّاعِرُ: ألا مُبَلِّغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ ﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ وهَذا القَوْلُ مِنها وإنْ لَمْ تُسْألْ عَنْهُ إظْهارٌ لِتَوْبَتِها وتَحْقِيقٌ لِصِدْقِ يُوسُفَ ونَزاهَتِهِ لِأنَّ إقْرارَ المُقِرِّ عَلى نَفْسِهِ أقْوى مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ في إظْهارِ صِدْقِهِ الشَّهادَةَ والإقْرارَ حَتّى لا يُخامِرَ نَفْسًا ظَنٌّ ولا يُخالِجَها شَكٌّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ، يَعْنِي الآنَ في غَيْبِهِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ وإضافَةِ السُّوءِ إلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ يُوسُفَ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بِظُهُورِ صِدْقِهِ، وذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ عَنْهُ في زَوْجَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ مَعْناهُ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِكَيْدِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ فقال: «لو كنت أنا لأسرعت الاجابة وما ابتغيت العذر» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرحم الله يوسف إن كان لذا أناة حليماً، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إليّ لخرجت سريعاً» .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه- والله يغفر له- حيث أرسل إليه ليستفتى في الرؤيا، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من صبره وكرمه- والله يغفر له- أتى ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولكنه أحب أن يكون له العذر» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله أخي يوسف، لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة، حين قال: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: انتن راودتن يوسف عن نفسه؟
﴿ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ﴾ قال يوسف: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ فغمزه جبريل عليه السلام فقال: ولا حين هممت بها؟
فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ قال: تبين.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي مثله.
وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن مردويه والديلمي، عن أنس رضي الله عنه.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال «لما قالها يوسف عليه السلام، قال له جبريل عليه السلام: يا يوسف، اذكر همك.
قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: لما قال يوسف عليه السلام ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟
فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن عكرمة قال: لما قال يوسف عليه السلام ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال الملك- وطعن في جنبه- يا يوسف، ولا حين هممت؟
قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن حكيم بن جابر في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: قال له جبريل: ولا حين حللت السراويل؟
فقال عند ذلك ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: هو قول يوسف لمليكه حين أراه الله عذره.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج قال: أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن، فقال: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم...
﴾ و ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال ابن جريج: وبين هذا وبين ذلك ما بينه، قال: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال يوسف- يقول- لم أخن سيدي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال هذا قول يوسف عليه السلام، لم يخن العزيز في امرأته.
قال: فقال له جبريل عليه السلام: ولا حين حللت السراويل؟
فقال يوسف عليه السلام ﴿ وما أبرئ نفسي...
﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: قال له جبريل عليه السلام: اذكر همك.
قال: ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ فقال له الملك أو جبريل: ولا حين هممت بها؟
فقال يوسف عليه السلام ﴿ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: فقال له الملك: ولا حين هممت؟
فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف عليه السلام قال له: اذكر ما هممت به.
قال: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال: خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زكى نفسه فقال: ﴿ وما أبرئ نفسي...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ قال: يعني همته التي هم بها.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد العزيز بن عمير رضي الله عنه قال: النفس أمارة بالسوء، فإذا جاء العزم من الله، كانت هي التي تدعو إلى الخير.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ ، قال المفسرون (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ وقال ابن الأنباري (٤) (٥) قوله تعالى: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ مضى الكلام فيه، ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ﴾ ، قال ابن عباس (٦) قال الزجاج (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال الفراء (١١) قال ابن الأنباري (١٢) قال حميد بن ثور (١٣) يصف بعيرًا.
وقال الزجاج (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ هو يعني في قوله: (هي راودتني عن نفسي).
(١) الثعلبي 7/ 87 ب، والطبري 12/ 236.
(٢) ابن عطية 7/ 534، و"زاد المسير" 4/ 237.
(٣) الطبري 12/ 236، الثعلبي 7/ 87 ب، البغوي 4/ 248.
(٤) "زاد المسير" 4/ 237.
(٥) في (ج): (أن يقول كلهن)، وسقطت: (أنهن).
(٦) "تنوير المقباس" ص 151، القرطبي 9/ 207، البغوي 4/ 248.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.
(٨) الطبري 12/ 236 وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 42.
(٩) الطبري 12/ 236.
(١٠) الطبري 12/ 237.
(١١) "معاني القرآن" 2/ 48، وفيه "لما دعا النسوة فبرأنه، قالت: لم يبق إلا أن يُقبل عليَّ بالتقرير فأقرت ...
".
(١٢) "زاد المسير" 4/ 238، وانظر: "تهذيب اللغة" (حصص) 1/ 835، و"اللسان" (حصص) 2/ 900.
(١٣) هو حميد بن ثور الهلالي من بني عامر، إسلامي مخضرم، انظر: "طبقات الشعراء" لابن قتيبة ص 247، "ديوانه" ص 9، و"الزاهر" 2/ 34، و"الدر المصون" == 6/ 513، و"الكشاف" 2/ 326، و"اللسان" (حصص) 2/ 899، و"تهذيب اللغة" 1/ 835، و"ديوان الأدب" 3/ 173، و"تاج العروس" 9/ 257، حصحص: أثبت ركبتيه للنهوض بالثقل، والثفنات: جمع ثفنة وهي من البعير ما يقع على الأرض إذا استناخ.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 115.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ هو ساقي الملك ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد حين ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق ﴾ يقدر قبله محذوف لابد منه وهو فأرسلوه فقال: يا يوسف، وسماه صديقاً لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بقرات ﴾ أي فيمن رأى سبع بقرات وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف فعجب كيف علتهن وكيف وسعت في بطونهنّ، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفت بها سبع يابسات حتى غطت خضرته ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ ﴾ هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر واليابسة ﴿ دَأَباً ﴾ بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ هذا بأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴾ أي لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة ﴿ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ يعني سبع سنين ذات شدّة وجوع ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أي تأكلون فيهنّ ما اخترتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازاً ﴿ مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ أي تخزنون وتخبئون ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ ﴾ هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن ﴿ يُغَاثُ الناس ﴾ يحتمل أن يكون من الغيث يمطرون، أو من الغوث: أي يفرج الله عنهم ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ أي يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر ﴿ وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ ﴾ قيل: هنا محذوف، وهو فرجع الرسول إلى الملك فقص عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ائتوني به ﴿ قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن، وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرئ نفسه مما نسب إليه، من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ظلماً، فذكر طرفاً من قصته لينظر الملك فيها فيتبين له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبراً وحلماً، إذا لم يُجِبْ إلى الخروج من السجن ساعةَ دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعياً لذمام زوجها وستراً لها، بل ذكر النسوة التي قطعن أيديهنّ ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، فسألهنّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن، لأنه لم يكن عنده علم بأنّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها ﴿ قُلْنَ حاش للَّهِ ﴾ تبرئة ليوسف أو تبرئة لأنفسهن من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهن: ما علمنا عليه من سوء ﴿ الآن حَصْحَصَ الحق ﴾ اي تبين وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.
الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.
أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.
والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.
﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.
الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.
الباقون على الغيبة.
﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.
﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.
﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.
﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.
رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.
وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.
والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.
وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.
وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.
فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟
فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.
فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.
وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.
وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.
أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.
بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى ﴿ وأنبئكم بما تأكلون ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.
فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.
ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.
ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.
وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.
والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.
وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.
ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.
ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.
ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.
وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.
قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.
وقيل: جحدا رؤياهما.
وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.
﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.
والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟
وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.
والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.
ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.
والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.
والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.
وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.
وعن النبي : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.
فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.
قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.
فقد روي أن النبي لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.
وقال حكاية عن عيسى : ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟
فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.
ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله .
فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.
ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.
ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.
واعلم أن الله خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.
ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.
وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.
ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.
وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.
والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.
وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.
وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.
وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.
والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.
فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.
وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.
ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.
واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.
ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.
﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.
وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.
وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.
ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.
والمعنى مروني باستعباره.
وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.
وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.
وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.
وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.
وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.
وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ﴾ .
﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.
قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.
و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.
وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.
وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.
والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.
وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.
ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.
فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.
عن قتادة: زاده الله علم سنة.
وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.
والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.
وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.
ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.
﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.
وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.
ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.
ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.
عن النبي : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.
ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .
﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟
قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.
وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.
﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.
وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.
أما قوله : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.
قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.
والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.
وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.
ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.
وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟
وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.
ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف من كل سوء.
قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.
فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.
فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.
ولما كان قول يوسف ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.
وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.
ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.
قال المحققون.
النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.
وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.
ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.
وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.
وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.
التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.
والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.
وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.
ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.
ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.
وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.
ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.
ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ يعني: يوسف [فلما جاءه الرسول، قال: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ : فيه دلالة أن قول يوسف] للرجل.
﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
إنما طلب بذلك براءة نفسه فيما اتهم به، ليس كما قال أهل التأويل؛ لأنه لو كان غير ذلك لكان لا يرد الرسول إليه ولكنه خرج والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ .
يحتمل هذا من وجهين: أحدهما: أَهُنَّ على كيدهن بعدُ، أم رجعن عن ذلك؟
والثاني: ليعلم الملك براءته مما قرف به واتهم.
[ليظهر عنده أنه كان بريئاً مما قرف به واتهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ .
إنهن كدن ثم قال لهن الملك: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ هذا يدل أن الملك قد علم أنهن راودن يوسف عن نفسه؛ لأنه قال: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ ﴾ ولم يقل لهن: أراودتن أم لا؟
ولكنه قطع القول فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .
بدأ بهن حتى أقررن أنه كان بريئاً ما قرف به واتهم، ثم أقرت امرأة الملك بعد ذلك لما أقر النسوة؛ فقالت: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .
قيل: الآن تبين الحق وتحقق.
﴿ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ في قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .
وقوله: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ ما شأنكن وأمركن، والخطب: الشأن، وراودتن: قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ .
قيل: معاذ الله، وقيل: هي كلمة تنزيه وتبرئة من القبيح.
وقوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .
قال أهل التأويل: الزنا، ولكن قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ هو السوء الذي قالت، ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ هو ذلك السوء قالت إنه أراده بها قلن ما علمنا منه ذلك.
وقوله: ﴿ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ ﴾ .
قد ذكرناه أنه تبين وتحقق.
وفي قوله: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ .
دلالة أن لم يكن منه ما قاله [أهل] التأويل من حلّ السراويل وغيره؛ لأنه لو كان منه ذلك لكُنّ قد علمن منه السوء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .
قوله: ذلك الرد الذي كان منه وترك الإجابة لرسول الملك؛ حيث قال: ﴿ ٱئْتُونِي بِهِ ﴾ ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب؛ في أهله إذا غاب عني؛ ردّاً لقولها: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ وتصديقاً لقوله؛ حيث قال: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: ذلك ليعلم الله أني لم أخنه؛ يعني الزوج بالغيب، لكن هذا بعيد، إنه قد علم يوسف أن الله قد علم أنه لم يخنه بالغيب.
وقول أهل التأويل لما قال يوسف: ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ قال له الملك: ولا حين هممت ما هممت؟
فقال: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ : هذا مما لا نعلمه.
وقد ذكرنا التأويل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ ما يحل ويسع أن يتكلم به، وفساد تأويل أهل التأويل من الوجوه التي ذكرنا.
ومعنى قوله: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ .
أي: عصم ربي.
والله أعلم.
إنه لما قال ذلك؛ ﴿ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ؛ لما عصمني الله عن ذلك، ولو لم يكن عصمني لكنت أخونه ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ أي: [ما] عصم ربي؛ لأن النفس جبلت وطبعت على الميل إلى الشهوات واللذات، والهوى فيها والرغبة والتوقي عن المكروهات والشدائد؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ أثبت للنفس الهوى وإيثار الحياة الدنيا وشهواتها، هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ هو محبة الاختيار والإيثار في الدين لا ما تختار النفس وتؤثر، النفس أبداً تختار وتؤثر ما هو ألذّ وأشهى، وتنفر عن الشدائد والمكروهات، على هذا طبعت وجبلت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ ﴾ أي: [لا يجعل] فعل الكيد والخيانة هدى ورشداً، إنما يجعل فعل الكيد والخيانة ضلالا وغواية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ [أي: أجعله لنفسي خالصاً لحوائجي وأن يكون قوله: ﴿ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ ]: أصدر لرأيه وأطيع أمره، في هذا يقع استخلاصه إياه؛ ولذلك قال: ﴿ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ...
﴾ الآية لا أن يجعله لحاجة نفسه خالصاً دون الناس لا يشرك غيره فيه؛ دليله ما ذكر في حرف حَفْصَة (إنك اليوم لدينا مطاع أمين).
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ .
ولم يذكر فيه أنه أتى به، ولكن قال: فلما كلمه؛ فهذا يدل أنه قد أتى به وإن لم يذكر أنه أتى به؛ حيث قال: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ قيل: المكين: الوجيه، وقيل: المكين: الأمين المرضي عندنا والأمين على ما استأمناك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ ﴾ .
سأل هذا لما علم أنه ليس في وسعهم القيام بإصلاح ذلك الطعام، وعلم أنه لو ولي غيره الخزائن لم يعرف إنزال الناس منازلهم؛ في تقديم من يجب تقديمه، والقيام بحاجة الأحق من غيره.
وعلم أنه إليه يرجع، ويقع حوائج أكثر الناس، وبه قوام أبدانهم؛ فسأله ليقوم بذلك كله، وعلى يديه يجري.
ولذلك قال: ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم: حفيظ لما وليت عليم بأمره.
وقيل: حفيظ أي: حاسب، عليم: أي بالألسن كلها.
وقيل: حفيظ لما في الأرض من غلة؛ عالم بها.
وعن ابن عباس : حفيظ لما تحت يدي، عليم بالناس.
وقيل: حفيظ بصير بتقديره عالم بساعات الجوع حين يقع، إني حفيظ لما استحفظت عليم بحوائج الناس، أو عليم بتقديم الأحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: كما برأنا يوسف مما قرف به، وأظهرنا براءته منه؛ مكناه في الأرض حتى احتاج أهل نواحي مصر وأهل الآفاق إليه.
أو أن يقال: كما حفظناه وأنجيناه؛ مما قصد به إخوته من الهلاك؛ نمكن له في الأرض.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ﴾ جوابه: كما مكنا ليوسف في الأرض بعدما أخرج من عليه الإيواء والضم، كذلك نمكنك في الأرض ونؤوي؛ بعدما أخرجك من عليه إيواؤك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ﴾ .
أي: ينزل منها حيث يشاء، أو يسكن منها حيث يشاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ سعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله: ﴿ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ﴾ .
ويحتمل ﴿ بِرَحْمَتِنَا ﴾ : أمر الدين من النبوة والعصمة، وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يختص أحداً برحمته ولا يصيب من رحمته إنساناً دون إنسان، وعلى قولهم لم يكن من الله إلى رسول من الرحمة إلا وكان إلى إبليس مثله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
أي: لا نضيع أجر من أحسن صحبة الله في الدنيا والآخرة؛ أي نجزيه جزاء إحسانه أو يقول: ولا نضيع أجر من أحسن صحبة نعم الله وقبلها بالشكر له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
أي ثواب الآخرة وأجرها خير لهم من ثواب الدنيا وأجرها.
وقوله: ﴿ آمَنُواْ ﴾ .
صدقوا.
﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك.
أو ﴿ آمَنُواْ ﴾ صدقوا؛ ﴿ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴾ المعاصي والفواحش.
<div class="verse-tafsir"
قال الملك مخاطبًا النسوة: ما شأنكن حين طلبتن يوسف بحيلة؛ ليعمل الفاحشة معكن؟
قالت زوجة العزيز مُقِرَّة بما صنعت: الآن يظهر الحق، أنا حاولت إغواءه ولم يحاول إغوائي، وإنه لمن الصادقين فيما ادعاه من براءته مما رميته به.
<div class="verse-tafsir" id="91.kmqkj"