الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٨ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ) أي : حلفوا فيما يظنون : والله ليوسف وأخوه ، يعنون بنيامين ، وكان شقيقه لأمه ( أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ) أي : جماعة ، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة; ( إن أبانا لفي ضلال مبين ) يعنون في تقديمهما علينا ، ومحبته إياهما أكثر منا .
واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف ، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك ، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك ، وفي هذا نظر .
ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل ، ولم يذكروا سوى قوله تعالى : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) [ البقرة : 136 ] وهذا فيه احتمال; لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم : الأسباط ، كما يقال للعرب : قبائل ، وللعجم : شعوب; يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل ، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون ، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف ، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: لقد كان في يوسف وإخوته آيات لمن سأل عن شأنهم حين قال إخوة يوسف (15) (ليوسف وأخوه) من أمه ، (أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة) ، يقولون: ونحن جماعة ذوُو عدد، أحد عشر رجلا .
* * * و " العصبة " من الناس، هم عشرة فصاعدًا ، قيل: إلى خمسة عشرَ ، ليس لها واحد من لفظها ، كالنَّفر والرهط.
* * * ، (إن أبانا لفي ضلال مبين) ، يعنون: إنّ أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة ، ويعني ب " المبين ": أنه خطأٌ يبينُ عن نفسه أنه خطأ لمن تأمله ونظر إليه (16) .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 18795- حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، عن أسباط ، عن السدي: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا) ، قال: يعنون بنيامين .
قال: وكانوا عشرة.
18796-....
قال: حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: (إن أبانا لفي ضلال مبين)، قال: في ضلال من أمرنا.
حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد ، في قوله: (ونحن عصبة) ، قال: " العصبة "، الجماعة .
* * * ---------------------- الهوامش: (15) في المطبوعة :" قالوا إخوة يوسف" ، وهو رديء ، وإنما أخطأ قراءة المخطوطة ، وكان الناسخ أراد أن يكتب" قالوا" ، ثم جعلها" قال" .
(16) انظر تفسير" المبين" فيما سلف من فهارس اللغة ( بين )
قوله تعالى : إذ قالوا ليوسف يوسف رفع بالابتداء ; واللام للتأكيد ، وهي التي يتلقى بها القسم ; أي والله ليوسف .
" وأخوه " عطف عليه .أحب إلى أبينا منا خبره ، ولا يثنى ولا يجمع لأنه بمعنى الفعل ; وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم فتآمروا في كيده .ونحن عصبة أي جماعة ، وكانوا عشرة .
والعصبة ما بين الواحد إلى العشرة ، وقيل : إلى الخمسة عشر .
وقيل : ما بين الأربعين إلى العشرة ; ولا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط .إن أبانا لفي ضلال مبين لم يريدوا ضلال الدين ، إذ لو أرادوه لكانوا كفارا ; بل أرادوا لفي ذهاب عن وجه التدبير ، في إيثار اثنين على عشرة مع استوائهم في الانتساب إليه .
وقيل : لفي خطأ بين بإيثاره يوسف وأخاه علينا .
{ إِذْ قَالُوا ْ} فيما بينهم: { لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ ْ} بنيامين، أي: شقيقه، وإلا فكلهم إخوة.
{ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌْ} أي: جماعة، فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة، { إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ْ} أي: لفي خطأ بيِّن، حيث فضلهما علينا من غير موجب نراه، ولا أمر نشاهده.
( إذ قالوا ليوسف ) اللام فيه جواب القسم تقديره : والله ليوسف ( وأخوه ) بنيامين ( أحب إلى أبينا منا ) كان يوسف وأخوه بنيامين من أم واحدة ، وكان يعقوب عليه السلام شديد الحب ليوسف عليه السلام ، وكان إخوته يرون من الميل إليه ما لا يرونه مع أنفسهم فقالوا هذه المقالة ( ونحن عصبة ) جماعة وكانوا عشرة .
قال الفراء : العصبة هي العشرة فما زاد .
وقيل : العصبة ما بين الواحد إلى العشرة .
وقيل : ما بين الثلاثة إلى العشرة .
وقال مجاهد : ما بين العشرة إلى خمسة عشر .
وقيل : ما بين العشرة إلى الأربعين .
وقيل : جماعة يتعصب بعضها لبعض لا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط .
( إن أبانا لفي ضلال مبين ) أي خطإ بين في إيثاره يوسف وأخاه علينا ، وليس المراد من الضلال عن الدين ، ولو أرادوه لكفروا به ، بل المراد منه : الخطأ في تدبير أمر الدنيا ، يقولون : نحن أنفع له في أمر الدنيا وإصلاح أمر معاشه ورعي مواشيه ، فنحن أولى بالمحبة منه ، فهو مخطئ في صرف محبته إليه .
اذكر «إذ قالوا» أي بعض إخوة يوسف لبعضهم «ليوسف» مبتدأ «وأخوه» شقيقه بنيامين «أحب» خبر «إلى أبينا منا ونحن عصبة» جماعة «إن أبانا لفي ضلال» خطأ «مبين» بين بإيثارهما علينا.
إذ قال إخوة يوسف من أبيه فيما بينهم: إن يوسف وأخاه الشقيق أحب إلى أبينا منا، يفضِّلهما علينا، ونحن جماعة ذوو عدد، إن أبانا لفي خطأ بيِّن حيث فضَّلهما علينا من غير موجب نراه.
وقوله - سبحانه - : ( إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ .
.
) .بيان لما قاله إخوة يوسف فيما بينهم ، قبل أن ينفذوا جريمتهم .و " إذ " ظرف متعلق بالفعل " كان " فى قوله - سبحانه - قبل ذلك : ( لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ .
.
) .واللام فى قوله ( ليوسف ) لتأكيد أن زيادة محبة أبيهم ليوسف وأخيه ، أمر ثابت ، لا يقبل التردد أو التشكك .والمراد بأخيه : أخوه من أبيه وأمه وهو " بنيامين " وكان أصغر من يوسف - عليه السلام - أما بقيتهم فكانوا إخوة له من أبيه فقط .ولم يذكروه باسمه ، للاشعار بأن محبة يعقوب له ، من أسبابها كونه شقيقا ليوسف ، ولذا كان حسدهم ليوسف أشد .وجملة " نحن عصبة " حالية .
والعصبة كلمة تطلق على ما بين العشرة إلى الأربعين من الرجال ، وهى مأخوذة من العصب بمعنى الشد ، لأن كلا من أفرادها يشد الآخر ويقويه ويعضده ، أو لأن الأمور تعصب بهم .
أى تشتد وتقوى .أى : قال إخوة يوسف وهم يتشاورون فى المكر به : ليوسف وأخوه " بنيامين " أحب إلى قلب أبينا منا ، مع أننا نحن جماعة من الرجال الأقوياء الذين عندهم القدرة على خدمته ومنفعته والدفاع عنه دون يوسف وأخيه .وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - : ( إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) تذييل قصدوا به درء الخطأ عن أنفسهم فيما سيفعلونه بيوسف وإلقائه على أبيه الذى فرق بينهم - فى زعمهم - فى المعاملة .والمراد بالضلال هنا : عدم وضع الأمور المتعلقة بالأبناء فى موضعها الصحيح ، وليس المراد به الضلال فى العقيدة والدين .أى : إن أبانا لفى خطأ ظاهر ، حيث فضل فى المحبة صبيين صغيرين على مجموعة من الرجال الأشداء النافعين له القادرين على خدمته .قال القرطبى : لم يريدوا بقولهم ( إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) الضلال فى الدين إذلو أرادواه لكانوا كفارا ، بل أرادوا : إن أبانا لفى ذهاب عن وجه التدبير فى إيثاره اثنين على عشرة ، مع استوائهم فى الانتساب إليه .وهذا الحكم منهم على أبيهم ليس فى محله ، لأن يعقوب - عليه السلام - كان عنده من أسباب التفضيل ليوسف عليهم ما ليس عندهم .قال الآلوسى ما ملخصه : يروى أن يعقوب - عليه السلام - كان يوسف أحب إليه لما يرى فيه من المناقب الحميدة ، فلام رأى الرؤيا تضاعفت له المحبة .وقال بعضهم : إن زيادة حبه ليوسف وأخيه ، صغرهما ، وموت أمهما ، وقد قيل لإِحدى الأمهات : أى بنيك أحب إليك؟
قالت : الصغير حتى يكبر ، والغائب حتى يقدم ، والمريض حتى يشفى .ولا لوم على الوالد فى تفضيله بعض ولده على بعض فى المحبة لمثل ذلك وقد صرح غير واحد أن المحبة ليست مما يدخل تحت وسع البشر .
.
في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر صاحب الكشاف أسماء إخوة يوسف: يهودا، روبيل، شمعون لاوي، ربالون، يشجر، دينة، دان، نفتالي، جاد، آشر.
ثم قال: السبعة الأولون من ليا بنت خالة يعقوب والأربعة الآخرون من سريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت ليا تزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ لّلسَّائِلِينَ إِذْ ﴾ قرأ ابن كثير آية بغير ألف حمله على شأن يوسف والباقون ﴿ ءايات ﴾ على الجمع لأن أمور يوسف كانت كثيرة وكل واحد منها آية بنفسه.
المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ لّلسَّائِلِينَ إِذْ ﴾ وجوهاً: الأول: قال ابن عباس دخل حبر من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع منه قراءة يوسف فعاد إلى اليهود فأعلمهم أنه سمعها منه كما هي في التوراة، فانطلق نفر منهم فسمعوا كما سمع، فقالوا له من علمك هذه القصة؟
فقال: الله علمني، فنزل: ﴿ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايات لّلسَّائِلِينَ ﴾ وهذا الوجه عندي بعيد، لأن المفهوم من الآية أن في واقعة يوسف آيات للسائلين وعلى هذا الوجه الذي نقلناه ما كانت الآيات في قصة يوسف، بل كانت الآيات في أخبار محمد صلى الله عليه وسلم عنها من غير سبق تعلم ولا مطالعة وبين الكلامين فرق ظاهر.
والثاني: أن أهل مكة أكثرهم كانوا أقارب الرسول عليه الصلاة والسلام وكانوا ينكرون نبوته ويظهرون العداوة الشديدة معه بسبب الحسد فذكر الله تعالى هذه القصة وبين أن إخوة يوسف بالغوا في إيذائه لأجل الحسد وبالآخرة فإن الله تعالى نصره وقواه وجعلهم تحت يده ورايته، ومثل هذه الواقعة إذا سمعها العاقل كانت زجراً له عن الإقدام على الحسد والثالث: أن يعقوب لما عبر رؤيا يوسف وقع ذلك التعبير ودخل في الوجود بعد ثمانين سنة فكذلك أن الله تعالى لما وعد محمداً عليه الصلاة والسلام بالنصر والظفر على الأعداء، فإذا تأخر ذلك الموعود مدة من الزمان لم يدل ذلك على كون محمد عليه الصلاة والسلام كاذباً فيه فذكر هذه القصة نافع من هذا الوجه.
الرابع: أن إخوة يوسف بالغوا في إبطال أمره، ولكن الله تعالى لما وعده بالنصر والظفر كان الأمر كما قدره الله تعالى لا كما سعى فيه الأعداء، فكذلك واقعة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله لما ضمن له إعلاء الدرجة لم يضره سعي الكفار في إبطال أمره.
وأما قوله: ﴿ لّلسَّائِلِينَ ﴾ فاعلم أن هذه القصة فيها آيات كثيرة لمن سأل عنها، وهو كقوله تعالى: ﴿ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ لِيُوسُفَ ﴾ اللام لام الابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة.
أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر لا شبهة فيه وأخوه هو بنيامين، وإنما قالوا أخوه، وهم جميعاً إخوة لأن أمهما كانت واحدة والعصبة والعصابة العشرة فصاعداً، وقيل إلى الأربعين سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور، ونقل عن علي عليه السلام أنه قرأ ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ بالنصب قيل: معناه ونحن نجتمع عصبة.
المسألة الثانية: المراد منه بيان السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف، وذلك أن يعقوب كان يفضل يوسف وأخاه على سائر الأولاد في الحب وأنهم تأذوا منه لوجوه: الأول: أنهم كانوا أكبر سناً منهما.
وثانيها: أنهم كانوا أكثر قوة وأكثر قياماً بمصالح الأب منهما.
وثالثها: أنهم قالوا إنا نحن القائمون بدفع المفاسد والآفات، والمشتغلون بتحصيل المنافع والخيرات.
إذا ثبت ما ذكرناه من كونهم متقدمين على يوسف وأخيه في هذه الفضائل، ثم إنه عليه السلام كان يفضل يوسف وأخاه عليهم لا جرم قالوا: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ يعني هذا حيف ظاهر وضلال بين.
وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: إن من الأمور المعلومة أن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد، ويورث الآفات، فلما كان يعقوب عليه السلام عالماً بذلك فلم أقدم على هذا التفضيل وأيضاً الأسن والأعلم والأنفع أفضل، فلم قلب هذه القضية؟
والجواب: أنه عليه السلام ما فضلهما على سائر الأولاد إلا في المحبة، والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذوراً فيه ولا يلحقه بسبب ذلك لوم.
السؤال الثاني: أن أولاد يعقوب عليه السلام إن كانوا قد آمنوا بكونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى فكيف اعترضوا عليه، وكيف زيفوا طريقته وطعنوا في فعله، وإن كانوا مكذبين لنبوته فهذا يوجب كفرهم.
والجواب: أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم مقرين بكونه رسولاً حقاً من عند الله تعالى، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يفعلوا أفعالاً مخصوصة بمجرد الاجتهاد، ثم إن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم في ذلك الاجتهاد، وذلك لأنهم كانوا يقولون هما صبيان ما بلغا العقل الكامل ونحن متقدمون عليهما في السن والعقل والكفاية والمنفعة وكثرة الخدمة والقيام بالمهمات وإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل.
وأما يعقوب عليه السلام فلعله كان يقول: زيادة المحبة ليست في الوسع والطاقة، فليس لله علي فيه تكليف.
وأما تخصيصهما بمزيد البر فيحتمل أنه كان لوجوه: أحدها: أن أمهما ماتت وهما صغار.
وثانيها: لأنه كان يرى فيه من آثار الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد.
وثالثها: لعله عليه السلام وإن كان صغيراً إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدم أشرف وأعلى بما كان يصدر عن سائر الأولاد، والحاصل أن هذه المسألة كانت اجتهادية، وكانت مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن أحد الخصمين في دين الآخر أو في عرضه.
السؤال الثالث: أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال المبين، وذلك مبالغة في الذم والطعن، ومن بالغ في الطعن في الرسول كفر، لا سيما إذا كان الطاعن ولداً فإن حق الأبوة يوجب مزيد التعظيم.
والجواب: المراد منه الضلال عن رعاية المصالح في الدنيا لا البعد عن طريق الرشد والصواب.
السؤال الرابع: أن قولهم: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ﴾ محض الحسد، والحسد من أمهات الكبائر، لا سيما وقد أقدموا على الكذب بسبب ذلك الحسد، وعلى تضييع ذلك الأخ الصالح وإلقائه في ذل العبودية وتبعيده عن الأب المشفق، وألقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم، وأقدموا على الكذب فما بقيت خصلة مذمومة ولا طريقة في الشر والفساد إلا وقد أتوا بها، وكل ذلك يقدح في العصمة والنبوة.
والجواب: الأمر كما ذكرتم، إلا أن المعتبر عندنا عصمة الأنبياء عليهم السلام في وقت حصول النبوة.
وأما قبلها فذلك غير واجب والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِيُوسُفَ ﴾ اللام للابتداء.
وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة.
أرادوا أنّ زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه ﴿ وَأَخُوهُ ﴾ هو بنيامين.
وإنما قالوا أخوه وهم جيمعاً إخوته، لأنّ أمّهما كانت واحدة.
وقيل ﴿ أَحَبُّ ﴾ في الاثنين، لأن أفعل من لا يفرّق فيه بين الواحد وما فوقه، ولا بين المذكر والمؤنث إذا كان معه (من) ولا بد من الفرق مع لام التعريف، وإذا أضيف جاز الأمران.
والواو في ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ واو الحال.
يعني: أنه يفضلهما في المحبة علينا، وهما اثنان صغيران لا كفاية فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة عشرة رجال كفأة نقوم بمرافقه، فنحن أحقّ بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ أي في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك.
والعصبة والعصابة: العشرة فصاعداً.
وقيل: إلى الأربعين، سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب بهم الأمور ويستكفون النوائب.
وروى النزال بن سبرة عن عليّ رضي الله عنه: ﴿ ونحن عصبة ﴾ ، بالنصب.
وقيل: معناه ونحن نجتمع عصبة.
وعن ابن الأنباري هذا كما تقول العرب؛ إنما العامري عمته، أي يتعهد عمته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ ﴾ بِنْيامِينُ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأُخُوَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.
﴿ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ﴾ وحْدَهُ لِأنَّ أفْعَلَ مَن لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ وما فَوْقَهُ، والمُذَكَّرُ وما يُقابِلُهُ بِخِلافِ أخَوَيْهِ فَإنَّ الفَرْقَ واجِبٌ في المُحَلّى جائِزٌ في المُضافِ.
﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ والحالُ أنّا جَماعَةٌ أقْوِياءُ أحَقُّ بِالمَحَبَّةِ مِن صَغِيرَيْنِ لا كِفايَةَ فِيهِما، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ العَشَرَةُ فَصاعِدًا سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ الأُمُورَ تُعْصَبُ بِهِمْ.
﴿ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ لِتَفْضِيلِهِ المَفْضُولَ أوْ لِتَرْكِ التَّعْدِيلِ في المَحَبَّةِ.
رُوِيَ أنَّهُ كانَ أحَبَّ إلَيْهِ لِما يَرى فِيهِ مِنَ المَخايِلِ وكانَ إخْوَتُهُ يَحْسُدُونَهُ، فَلَمّا رَأى الرُّؤْيا ضاعَفَ لَهُ المَحِبَّةَ بِحَيْثُ لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ، فَتَبالَغَ حَسَدُهم حَتّى حَمَلَهم عَلى التَّعَرُّضِ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىَّ أَبِينَا مِنَّا} اللام لام الابتداء وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه وإنما قالوا وأخوه وهم إخوته أيضاً لأن أمهما كانت واحدة وإنما قيل أحب في الاثنين لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه
ولا بين المذكر والمؤنث ولا بد من الفرق مع لام التعريف وإذا أضيف ساع الأمران والواو في {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} للحال أي أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما صغيران لا كفاية فيهما ونحن عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقه فنحن أحق بزيادة المحبة منهما لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما {إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ} غلط في تدبير أمر الدنيا ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا والعصبة العشرة فصاعدا
﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ ﴾ بِنْيامِينُ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأُخُوَّةِ مِن جانِبَيِ الأُمِّ والأبِ وهي أقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ مِن أحَدِهِما، ولَمْ يَذْكُرُوهُ بِاسْمِهِ إشْعارًا بِأنَّ مَحَبَّةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ لِأجْلِ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذا لَمْ يَتَعَرَّضُوهُ بِشَيْءٍ مِمّا أُوقِعَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واللّامُ لِلِابْتِداءِ، ويُوسُفُ مُبْتَدَأٌ (وأخُوهُ) عُطِفَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ﴾ خَبَرٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وهو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذا عُدِّيَ بِإلى حَسْبَما ذَكَرُوا مِن أنَّ أفْعَلَ مِنَ الحُبِّ والبُغْضِ يُعَدّى إلى الفاعِلِ مَعْنًى بِإلى وإلى المَفْعُولِ بِاللّامِ وفِي، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن بَكْرٍ إذا كُنْتَ تُكْثِرُ مَحَبَّتَهُ؛ ولِي وفِيَّ إذا كانَ يُحِبُّكَ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ، ولَمْ يُثَنَّ مَعَ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِهِ اثْنانِ لِأنَّ أفْعَلَ مِن كَذا لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ وما فَوْقَهُ ولا بَيْنَ المُذَكَّرِ وما يُقابِلُهُ بِخِلافِ أخَوَيْهِ، فَإنَّ الفَرْقَ واجِبٌ في المَحَلِّيِّ جائِزٌ في المُضافِ إذا أُرِيدَ تَفْضِيلُهُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ، وإذا أُرِيدَ تَفْضِيلُهُ مُطْلَقًا فالفَرْقُ لازِمٌ، وجِيءَ بِلامِ الِابْتِداءِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِهِ أيْ كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ ﴿ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ قادِرُونَ عَلى خِدْمَتِهِ والجَدِّ في مَنفَعَتِهِ دُونِهِما، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ: العَشْرَةُ فَما زادَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ الأُمُورَ تُعْصَبُ بِهِمْ أيْ تُشَدُّ فَتَقْوى.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ العُصْبَةَ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها ما بَيْنَ العَشَرَةِ والأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشْرَةَ.
وعَنْ مُقاتِلٍ هي عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ هي الجَماعَةُ مُطْلَقًا ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها كالنَّفَرِ والرَّهْطِ، وقِيلَ: الثَّلاثَةُ نَفَرٌ وإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ: عُصْبَةٌ، ورَوى النِّزالُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ (عُصْبَةً) فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، وعُصْبَةٌ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أيْ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، وقُدِّرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ في الحالِ دَلالَةٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاجْتِماعِ.
وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ الكَلامَ عَلى طَرِيقَةِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي، والتَّقْدِيرُ ونَحْنُ نَحْنُ عُصْبَةً، وحُذِفَ الخَبَرُ لِمُساواتِهِ المُبْتَدَأ وعَدَمِ زِيادَتِهِ عَلَيْهِ لَفْظًا فَفي حَذْفِهِ خَلاصٌ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ مَعَ دَلالَةِ السِّياقِ عَلى المَحْذُوفِ، ولا غَرْوَ في وُقُوعِ الحالِ بَعْدَ نَحْنُ لِأنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ المَذْكُورِ كَلامٌ تامٌّ فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ ما فِيهِ وقُدِّرَ في ﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ مِثْلُ ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ الفَخامَةَ إنَّما تَجِيءُ مِنَ التَّكْرارِ فَلا يَجُوزُ الحَذْفُ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَحْذُوفِ غَيْرُ بَيِّنَةٍ.
وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ ذَلِكَ كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عَمَّتُهُ أيْ يَتَعَهَّدُ ذَلِكَ، والدّالُّ عَلى المَحْذُوفِ فِيهِ عَمَّتُهُ فَإنَّ الفِعْلَةَ لِلْحالَةِ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها الشَّخْصُ فَيَلْزَمُ لا مَحالَةَ تَعَهُّدُهُ لَها، والأوْلى أنْ يُعْتَبَرَ نَظِيرُ قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسْمَطًا، فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ المُبَرَّدُ: حُكْمُكَ لَكَ مُسْمَطًا، أيْ مُثْبَتٌ نافِذٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ، وقَدْ شاعَ هَذا فِيما بَيْنَهم لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّ فِيهِ شُذُوذًا مِن وجْهَيْنِ، والآيَةُ عَلى قِراءَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أكْثَرُ شُذُوذًا مِنهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَرِّبِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ ﴿ إنَّ أبانا ﴾ أيْ في تَرْجِيحِهِما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ مَعَ فَضْلِنا عَلَيْهِما وكَوْنِهِما بِمَعْزِلٍ عَنْ كِفايَةِ الأُمُورِ ﴿ لَفِي ضَلالٍ ﴾ أيْ خَطَأٍ في الرَّأْيِ وذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ التَّعْدِيلِ اللّائِقِ مِن تَنْزِيلِ كُلٍّ مِنّا مَنزِلَتَهُ ﴿ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرُ الحالِ، وجُعِلَ الضَّلالُ ظَرْفًا لِتَمَكُّنِهِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِالمُبِينِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُناسِبٍ بِزَعْمِهِمْ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أحَبَّ إلَيْهِ لِما يَرى فِيهِ مِن أنَّ المَخايِلَ وكانَتْ إخْوَتُهُ يَحْسُدُونَهُ فَلَمّا رَأى الرُّؤْيا تَضاعَفَتْ لَهُ المَحَبَّةُ فَكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ويَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، ولَعَلَّهُ أحْسَّ قَلْبُهُ بِالفِراقِ فَتَضاعَفَ لِذَلِكَ حَسَدُهم حَتّى حَمَلَهم عَلى ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ سَبَبَ زِيادَةِ حُبِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُوسُفَ وأخِيهِ صِغَرُهُما ومَوْتُ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ أمْرٌ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ فَقَدْ قِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ إلَيْكِ؟
قالَتِ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدُمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُشْفى، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجَزِيرِيُّ مِن قَصِيدَةٍ بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ.
وصَغِيرُهم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرْ ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كَفَأ لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرْ إنَّ البَنانَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحُلِيُّ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصَرْ وإذا الفَتى فَقَدَ الشَّبابَ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرْ وفِيهِ أنَّ مَنشَأ زِيادَةِ الحُبِّ لَوْ كانَتْ ما ذُكِرَ لَكانَ بِنْيامِينُ أوْفَرَ حَظًّا في ذَلِكَ لِأنَّهُ أصْغَرُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ أُمَّهُما ماتَتْ في نِفاسِهِ، والآيَةُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَحَبَّتَهُ لِأجْلِ شَقِيقِهِ يُوسُفَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أحَبَّهُ أكْثَرَ مِنهم لِما رَأى فِيهِ مِن مَخايِلِ الخَيْرِ ما لَمْ يَرَ فِيهِمْ وزادَ ذَلِكَ الحُبُّ بَعْدَ الرُّؤْيا لِتَأْكِيدِها تِلْكَ الأماراتِ عِنْدَهُ ولا لَوْمَ عَلى الوالِدِ في تَفْضِيلِهِ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ في المَحَبَّةِ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتْ مِمّا تَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِ البَشَرِ، والمَرْءُ مَعْذُورٌ فِيما لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ، نَعَمْ ظَنَّ أبْناؤُهُ أنَّ ما كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ عَنِ اجْتِهادٍ، وأنَّهُ قَدْ أخْطَأ في ذَلِكَ والمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ وإنْ كانَ نَبِيًّا، وبِهَذا يَنْحَلُّ ما قِيلَ: إنَّهم إنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِكَوْنِ أبِيهِمْ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اعْتَرَضُوا وكَيْفَ زَيَّفُوا طَرِيقَتَهُ وطَعَنُوا فِيما هو عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ فَهو يُوجِبُ كُفْرَهم والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى وهو مِمّا لَمَّ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ ووَجْهُ الِانْحِلالِ ظاهِرٌ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ قرأ ابن كثير: «آية» بلفظ الوحدان، وهكذا قرأ مجاهد.
يعني: فيه علامة لنبوة محمد وقرأ الباقون: بلفظ الجماعة آياتٌ وهذا موافق لمصحف الإمام عثمان.
حكى أبو عبيدة: أنه رأى في مصحف الإمام هكذا، ومعنى الآية: أن في خبر يوسف وإخوته عبرة وموعظة لمن سأل عن أمرهم.
قال ابن عباس: «وذلك أن حبراً من أحبار اليهود، دخل على النبيّ ذات يوم، وكان قارئاً للتوراة، فوافق رسول الله يقرأ سورة يوسف كما أنزلت في التوراة، فقال له الحبر: يا محمد، من علمكها؟
فقال رسول الله : «الله علمنيها» .
فرجع الحبر إلى اليهود، فقال لهم: أتعلمون، والله إن محمداً يقرأ في القرآن سورة يوسف كما أنزلت في التوراة؟
فانطلق بنفرٍ منهم حتى جاءوا ودخلوا عليه، فجعلوا يستمعون إلى قراءته ويتعجبون، فقالوا: يا محمد، من علمكها؟
قال: «الله علمنيها» ، فنزلت: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ.
قال الشيخ: وكان بدء أمرهم أن يعقوب كان مع خاله، وكان لخاله ابنتان إحداهما يقال لها: «لايا» ، ويقال: «لاوى» ، وهي أكبرهما، والأخرى «راحيل» وهي أصغرهما، فخطب يعقوب إلى خاله بأن يزوجه إحداهما، فقال له: هل لك مال؟
قال: لا ولكن أعمل لك.
قال: صداقها أن ترعى لي سبع سنين.
وفي بعض الروايات قال: أن تخدمني سبع سنين.
وقال يعقوب: أخدمك سبع سنين على أن تزوجني راحيل، وهي شرطي، قال: ذلك بيني وبينك.
فرعى له يعقوب سبع سنين، فلما قضى الأجل زفت إليه الكبرى، وهي لايا.
فقال له يعقوب: إنك خدعتني، وإنما أردت راحيل، فقال له خاله: إنا لا ننكح الصغيرة قبل الكبيرة، ولكن هلمّ فاعمل سبع سنين أخرى، فأزوّجك أختها، وكان الناس في ذلك الزمان يجمعون بين الأختين، إلى أن بعث الله موسى .
فرعى له سبع سنين أخرى، فزوجه راحيل.
وكان خاله حين جهزها دفع إلى كل واحدة منهما أمة تخدمها، فوهبتا الأمتين ليعقوب.
فولدت لايا أربعة بنين، وولدت له راحيل ابنين، وولدت كل واحدة من الأمتين ثلاثة بنين، فجملة بنيه: اثنا عشر سوى البنات.
قال الفقيه أبو الليث: سمعت أهل التوراة يقولون: إن أسماء أولاد يعقوب مثبتة في التوراة: روبيل، وشمعون، ويهوذا، ولاوي، فهؤلاء من امرأته لايا.
ويوسف، وبنيامين، من امرأته الأخرى راحيل.
والستة الباقون من الأمتين: يستر، وبالعربية يساخر، وزوبولون وبالعربيّة زبالون، ودون وبالعربية دان، ونفتال وبالعربية: يفتاييل، وحوذ وبالعربية حاذ، وروى بعضهم: هاذ بالهاء، وأشير، وبالعربية: أشر.
فأراد يعقوب أن يخرج إلى بيت المقدس ولم يكن له نفقة، وكان ليوسف خال له أصنام من ذهب، فقالت لايا ليوسف: اذهب واسرق من أصنامه، فلعلنا نستنفق به.
فذهب يوسف وأخذ واحدا، وكان يوسف أعطف على أبيه، وكان أحب أولاده إليه.
فحسده إخوته مما رأوا من حب أبيه له.
ورأى يوسف في المنام، أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له فقالوا عند ذلك لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ بنيامين، أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعني: جماعة عشرة، فهو يؤثرهما علينا في المنزلة والحب، إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ يقول: في خطأ بَيِّنٍ في حب يوسف وأخيه، حيث قدم الصغيرين في المحبة علينا، ونحن جماعة ونفعنا أكثر من نفعهما.
وقال مقاتل: كان فضل حُسْنِ يوسف على الناس في زمانه، كفضل القَمَرِ ليلة البدر على سائر الكواكب.
وقال القتبي: العصبة: ما بين العشرة إلى الأربعين.
ثم قال بعضهم لبعض: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً بعيداً من أبيكم يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ يقول: يقبل إليكم أبوكم بوجهه، ويصف لكم وجهه.
ويقال: يصلح حالكم عند أبيكم وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ يعني: إذا غاب عنكم صلحت أحوالكم عند أبيكم، بعد ذهاب يوسف.
ويقال: وتكونوا من بعد هلاكه قوماً تائبين إلى الله تعالى.
وقال بعض الحكماء: هكذا يكون المؤمن، يهيئ أمر التوبة قبل المعصية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله» : للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.
وقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.
وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.
وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ...
الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو» ، وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالُوا ﴾ يَعْنِي إخْوَةَ يُوسُفَ.
﴿ لَيُوسُفُ وأخُوهُ ﴾ يَعْنُونَ ابْنَ يامِينَ.
وإنَّما قِيلَ لَهُ: ابْنُ يامِينَ لِأنَّ أُمَّهُ ماتَتْ نُفَساءَ.
ويامِينُ بِمَعْنى الوَجَعِ، وكانَ أخاهُ لِأُمِّهِ وأبِيهِ.
والباقُونَ إخْوَتَهُ لِأبِيهِ دُونَ أُمِّهِ.
فَأمّا العُصْبَةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هي في اللُّغَةِ الجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ يُتابِعُ بَعْضُهم بَعْضًا في الفِعْلِ، ويَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في العُصْبَةِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ما كانَ أكْثَرَ مِن عَشْرَةٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها ما بَيْنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّها مِن عَشْرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: الجَماعَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: عَشْرَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: العُصْبَةُ عَشْرَةٌ فَما زادَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَفي خَطَإٍ مِن رَأْيِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: في شَقاءٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ؛ والمُرادُ بِهِ عَناءُ الدُّنْيا.
والثّالِثُ: لَفي ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي يَقْتَضِي تَعْدِيلَ المَحَبَّةِ بَيْنَنا، لِأنَّ نَفْعَنا لَهُ أعَمُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْ نَسَبُوهُ إلى الضَّلالِ في الدِّينِ كانُوا كُفّارًا، إنَّما أرادُوا: إنَّهُ قَدَّمَ ابْنَيْنِ صَغِيرَيْنِ عَلَيْنا في المَحَبَّةِ ونَحْنُ جَماعَةٌ نَفْعُنا أكْثَرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "آياتٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "آيَةٌ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وشِبْلٍ، وأهْلِ مَكَّةَ.
فالأُولى عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِهِ آيَةٌ آيَةٌ فَجَمَعَها، والثانِيَةُ عَلى أنَّهُ بِجُمْلَتِهِ آيَةٌ، وإنْ تَفْصَّلَ بِالمَعْنى.
ووَزْنُ آيَةٍ فَعَلَةٍ أو فَعْلَةٍ أو فاعِلَةٍ عَلى الخِلافِ فِيهِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ في غَيْرِ مُصْحَفِ عُثْمانَ "عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: هو في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقَوْلُهُ: "لِلسّائِلِينَ" يَقْتَضِي حَضًّا ما عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ، لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ: "آيَةٌ لِلنّاسِ"، فَوَصَفَهم بِالسُؤالِ إذْ كُلُّ واحِدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عن مَثَلِ هَذِهِ القَصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يَصِفَ الناسَ بِالسُؤالِ مِن حَيْثُ كانَ سَبَبُ نُزُولِ السُورَةِ سُؤالَ سائِلٍ كَما رُوِيَ.
وقَوْلُهُمْ: "وَأخُوهُ" يُرِيدُونَ بِهِ "بِنْيامِينَ"، وهو أصْغَرُ مِن يُوسُفَ، ويُقالُ لَهُ: "يامِينَ"، وقِيلَ: كانَ شَقِيقَ يُوسُفَ وكانَتْ أُمُّهُما ماتَتْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما شَقِيقانِ تَخْصِيصُ الأُخُوَّةِ لَهُما بِـ "أخُوهُ" وهي دَلالَةٌ غَيْرُ قاطِعَةٍ، وكانَ حُبُّ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وبِنْيامِينَ لِصِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وهَذا مِن "حُبُّ الصَغِيرِ هي فِطْرَةُ البَشَرِ"، وقَدْ قِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ إلَيْكِ؟
قالَتِ: الصَغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدُمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ: نَحْنُ جَماعَةٌ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وتَحْمِي وتُخَذِّلُ، أيْ: لَنا كانَتْ تَنْبَغِي المَحَبَّةُ والمُراعاةُ.
والعُصْبَةُ في اللُغَةِ: الجَماعَةُ، قِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: العَشَرَةُ ونَحْوُهُمْ، وفي الزَهْراوِيِّ: الثَلاثَةُ: نَفَرٌ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلِّ مِن عَشَرَةٍ: عُصْبَةٌ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: لَفي اخْتِلافٍ وخَطَأٍ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وهَذا هو مَعْنى الضَلالِ، وإنَّما يَصْغُرُ قَدْرُهُ أو يَعْظُمُ بِحَسْبِ الشَيْءِ الَّذِي فِيهِ يَقَعُ الِائْتِلافُ.
و"مُبِينٍ" مَعْناهُ: يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ " مُبِين اقْتُلُوا " بِكَسْرِ التَنْوِينِ في الوَصْلِ لِالتِقاءِ ساكِنِ التَنْوِينِ والقافِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: "مُبِينِنُ اقْتُلُوا" بِكَسْرِ النُونِ وضَمِّ التَنْوِينِ إتْباعًا لِضَمَّةِ التاءِ ومُراعاةً لَها.
وقَوْلُهُ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ الآيَةُ.
كانَتْ هَذِهِ مَقالَةُ بَعْضِهِمْ: ﴿ أوِ اطْرَحُوهُ ﴾ مَعْناهُ: أبْعِدُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ: ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقْتِرًا ∗∗∗ يُغَرَّرْ ويَطْرَحْ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحِ والنَوى الطَرُوحُ: البَعِيدَةُ، و"أرْضًا" مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ "طَرَحَ" لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إلّا كَذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ الظَرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، وهَذِهِ هُنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٍ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أو قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنْ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَبَيَّنَ أنَّها أرْضٌ بَعِيدَةٌ غَيْرُ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيْ: إذا فَقَدَ يُوسُفَ رَجَعَتْ مَحَبَّتُهُ إلَيْكُمْ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ العَرَبِيِّ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قُتِلَ إخْوَتُهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ: "الثُكْلُ أرْأمَها"، أيْ عَطْفُها عَلَيْهِ، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى " يُوسُفَ " أو "قَتْلِهِ" أو "طَرْحِهِ"، و"صالِحِينَ"، قالَ السُدِّيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّهم أرادُوا صَلاحَ الحالِ عِنْدَ أبِيهِمْ، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَصْدُهم في تِلْكَ الحالِ، ولَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، وقالَ الجُمْهُورُ: "صالِحِينَ" مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وهَذا هو الأظْهَرُ مِنَ اللَفْظِ، وحالُهم أيْضًا تُعْطِيهِ، لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بَثُّوا عَلى عَظِيمَةٍ وعَلَّلُوا أنْفُسَهم بِالتَوْبَةِ، والقائِلُ مِنهُمْ، قِيلَ: هو رُوبِيلُ -أسَنُّهُمْ-، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.
وقِيلَ: يَهُوذا أحْلَمُهُمْ-، وقِيلَ: شَمْعُونُ أُشْجَعُهُمْ- قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا عَطْفٌ مِنهُ عَلى أخِيهِ لا مَحالَةَ لِما أرادَ اللهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ، و "الغَيابَةُ": ما غابَ عنكَ مِنَ الأماكِنِ أو غَيَّبَ عنكَ شَيْئًا آخَرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "غَيابَةِ الجُبِّ"، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "غَياباتِ الجُبِّ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "غَيّاباتِ الجُبِّ" بِشَدِّ الياءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "هُوَ اسْمٌ جاءَ عَلى (فَعّالَةِ)، كانَ أبُو عَلِيٍّ يُلْحِقُهُ بِما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الفَيّادِ ونَحْوِهُ، ووَجَدْتُ أنا مِن ذَلِكَ: التَيّارُ لِلْمَوْجِ، والفَخّارُ لِلْخَزَفِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي شَبَهِ "غَيّابَةٍ" بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ نَظَرٌ لِأنَّ "غَيّابَةً" جارِيَةٌ عَلى فِعْلٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي غَيْبَةِ الجُبِّ" عَلى وزْنِ (فَعْلَةِ)، وكَذَلِكَ خُطَّتْ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وهو المُنَخَّلُ: فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ و"الجُبُّ": البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ لِأنَّها جُبَّتْ مِنَ الأرْضِ فَقَطْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ:"يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى لَفْظِ "بَعْضُ"، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ: "تَلْتَقِطْهُ" بِالتاءِ، وهَذا مِن حَيْثُ أُضِيفَ "البَعْضُ" إلى "السَيّارَةِ" فاسْتَفادَ مِنها تَأْنِيثَ العَلاقَةِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: أرى مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ سَيِّدٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَذَلَّتْ لَهُ أهْلُ القُرى والكَنائِسُ وقَوْلُ كَعْبٍ: ...................................
ذَلَّتْ لِوَقْعَتِها جَمِيعُ نِزارِ حِينَ أرادَ بـِ "نِزارِ" القَبِيلَةَ، وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرٌ.
ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأعْرابِ التَقَطَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.
و"السَيّارَةُ" جَمْعُ سَيّارٍ، وهو بِناءٌ لِلْمُبالَغَةِ.
وقِيلَ في هَذا الجُبِّ: إنَّهُ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: غَيْرُهُ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ حَيْثُ طَرَحُوهُ ماءٌ، ولَكِنْ أخْرَجَهُ اللهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ الناسُ لِلِاسْتِقاءِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ عَلَيْهِ يُوسُفُ، ورُوِيَ أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ حِينَئِذٍ، وهَمُّوا بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ ﴾ ظرف متعلق ب (كَان) من قوله: ﴿ لقد كَان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ﴾ [سورة يوسف: 7]، فإنّ ذلك الزمان موقع من مواقع الآيات فإن في قولهم ذلك حينئذٍ عبرة من عبر الأخلاق التي تنشأ من حسد الإخوة والأقرباء، وعبرة من المجازفة في تغليطهم أباهم، واستخفافهم برأيه غروراً منهم، وغفلة عن مراتب موجبات ميل الأب إلى بعض أبنائه.
وتلك الآيات قائمة في الحكاية عن ذلك الزمن.
وهذا القول المحكي عنهم قول تآمر وتحاور.
وافتتاحُ المقول بلام الابتداء المفيدة للتّوكيد لقصد تحقيق الخبر.
والمراد: توكيد لازم الخبر إذ لم يكن فيهم من يشك في أنّ يوسف عليه السّلام وأخاه أحبّ إلى أبيهم من بقيّتهم ولكنّهم لم يكونوا سواء في الحسد لهما والغيرة من تفضيل أبيهم إيّاهما على بقيتهم، فأراد بعضهم إقناع بعض بذلك ليتمالؤوا على الكيد ليوسف عليه السّلام وأخيه، كما سيأتي عند قوله: ونحن عصبة } ، وقوله: ﴿ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ﴾ [سورة يوسف: 10]؛ فقائل الكلام بعض إخوته، أي جماعة منهم بقرينة قوله بعد ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ [سورة يوسف: 9] وقولهم: ﴿ قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ﴾ [سورة يوسف: 10].
وأخو يوسف عليه السّلام أريد به (بنيامين) وإنّما خصّوه بالأخوة لأنّه كان شقيقه، أمهما (راحيل) بنت (لابان)، وكان بقية إخوته إخوة للأب، أمُّ بعضهم (ليئة) بنت (لابان)، وأمّ بعضهم (بلهة) جارية (ليئة) وهبتْها (ليئة) لزوجها يعقوب عليه السّلام.
وأحب} اسم تفضيل، وأفعل التفضيل يتعدّى إلى المفضّل ب (من)، ويتعدّى إلى المفضّل عنده ب (إلى).
ودعواهم أنّ يوسف عليه السّلام وأخاه أحبّ إلى يعقوب عليه السّلام منهم يجوز أن تكون دعوى باطلة أثار اعتقادها في نفوسهم شدّةُ الغيرة من أفضليّة يوسف عليه السّلام وأخيه عليهم في الكمالات وربّما سمعوا ثناء أبيهم على يوسف عليه السّلام وأخيه في أعمال تصدر منهما أو شاهدوه يأخذ بإشارتهما أو رأوا منه شفقة عليهما لصغرهما ووفاة أمّهما فتوهّموا من ذلك أنّه أشدّ حبّاً إيّاهما منهم توهماً باطلاً.
ويجوز أن تكون دعواهم مطابقة للواقع وتكون زيادة محبّته إيّاهما أمراً لا يملك صرفه عن نفسه لأنّه وجدان ولكنّه لم يكن يؤثرهما عليهم في المعاملات والأمور الظاهريّة ويكون أبناؤه قد علموا فرط محبّة أبيهم إيّاهما من التوسّم والقرائن لا من تفضيلهما في المعاملة فلا يكون يعقوب عليه السّلام مؤاخذاً بشيء يفضي إلى التباغض بين الإخوة.
وجملة ﴿ ونحن عصبة ﴾ في موضع الحال من ﴿ أحبُّ ﴾ ، أي ونحن أكثر عدداً.
والمقصود من الحال التعجّب من تفضيلهما في الحبّ في حال أنّ رجاء انتفاعه من إخوتهما أشدّ من رجائه منهما، بناء على ما هو الشائع عند عامّة أهل البدو من الاعتزاز بالكثرة، فظنوا مدارك يعقوب عليه السّلام مساوية لمدارك الدّهماء، والعقولُ قلما تدرك مراقي ما فوقها، ولم يعلموا أنّ ما ينظر إليه أهل الكمال من أسباب التفضيل غير ما ينظره مَن دونهم.
وتكون جملة ﴿ إنّ أبَانَا لفي ضلال مبين ﴾ تعليلاً للتعجّب وتفريعاً عليه، وضمير ﴿ ونحن عصبة ﴾ لجميع الإخوة عَدَا يوسف عليه السّلام وأخاه.
ويجوز أن تكون جملة ﴿ ونحن عصبة ﴾ عطفاً على جملة ﴿ ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا ﴾ .
والمقصود لازم الخبر وهو تجرئة بعضهم بعضاً عن إتيان العمل الذي سيغريهم به في قولهم: ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ [سورة يوسف: 9]، أي إنّا لا يعجزنا الكيد ليوسف عليه السّلام وأخيه فإنّا عصبة والعصبة يهون عليهم العمل العظيم الذي لا يستطيعه العدد القليل كقوله: ﴿ قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذن لخاسرون ﴾ [سورة يوسف: 14]، وتكون جملة إنّ أبانا } تعليلاً للإغراء وتفريعاً عليه.
و«العصبة: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل أسماء الجماعات، ويقال: العصابة.
قال جمهور اللّغويين: تطلق العصبة على الجماعة من عشرة إلى أربعين».
وعن ابن عبّاس أنّها من ثلاثة إلى عشرة، وذهب إليه بعض أهل اللغة وذكروا أنّ في مصحف حفصة قوله تعالى: «إنّ الذين جاءوا بالإفك عصبة أربعةٌ منكم».
وكان أبناء يعقوب عليه السّلام اثني عشر، وهم الأسباط.
وقد تقدّم الكلام عليهم عند قوله تعالى: ﴿ أم يقولون إنّ إبراهيم ﴾ الآية في سورة البقرة (140).
والضلال إخطاء مسلك الصّواب.
وإنّما: أراد وأخطأ التّدبير للعيش لا الخطأ في الدين والاعتقاد.
والتخطئة في أحوال الدّنيا لا تنافي الاعتراف للمخطئ بالنبوءة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ في هَذِهِ الآياتِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها عِبَرٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ.
الثّانِي: زَواجِرُ لِلْمُتَّقِينَ.
وَفِيها مِن يُوسُفَ وإخْوَتِهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: صِدْقُ رُؤْياهُ وصِحَّةُ تَأْوِيلِهِ.
الثّالِثُ: ضَبْطُ نَفْسِهِ وقَهْرُ شَهْوَتِهِ حَتّى سَلِمَ مِنَ المَعْصِيَةِ وقامَ بِحَقِّ الأمانَةِ.
الرّابِعُ: الفَرَجُ بَعْدَ شِدَّةِ الإياسِ.
قالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما سَمِعَ سُورَةَ يُوسُفَ مَحْزُونٌ إلّا اسْتَرْوَحَ إلَيْها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ﴾ وأخُوهُ بِنْيامِينَ وهُما أخَوانِ لِأبٍ وأُمٍّ، وكانَ يَعْقُوبُ قَدْ كَلِفَ بِهِما لِمَوْتِ أُمِّهِما وزادَ في المُراعاةِ لَهُما، فَذَلِكَ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُما، وكانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِيُوسُفَ، فَكانَ الحَسَدُ لَهُ أكْثَرَ، ثُمَّ رَأى الرُّؤْيا فَصارَ الحَسَدُ لَهُ أشَدَّ.
﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ وفي العُصْبَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّها مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: الجَماعَةُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَفي خَطَأٍ مِن رَأْيِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لَفي جَوْرٍ مِن فِعْلِهِ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّالِثُ: لَفي مَحَبَّةٍ ظاهِرَةٍ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَإنَّما جَعَلُوهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ فَضَّلَ الصَّغِيرَ عَلى الكَبِيرِ.
الثّانِي: القَلِيلَ عَلى الكَثِيرِ.
الثّالِثُ: مَن لا يُراعِي ما لَهُ عَلى مَن يُراعِيهِ.
واخْتُلِفَ فِيهِمْ: هَلْ كانُوا حِينَئِذٍ بالِغِينَ؟
فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهم كانُوا بالِغِينَ مُؤْمِنِينَ ولَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ بَعْدُ لِأنَّهم قالُوا ﴿ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ وهَذِهِ حالَةٌ لا تَكُونُ إلّا مِن بالِغٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ كانُوا غَيْرَ بالِغِينَ لِأنَّهم قالُوا ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ وإنَّما اسْتَغْفَرُوهُ بَعْدَ البُلُوغِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اطْرَحُوهُ أرْضًا لِتَأْكُلَهُ السِّباعُ.
الثّانِي: لِيَبْعُدَ عَنْ أبِيهِ.
﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الدُّنْيا لا صَلاحَ الدِّينِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الدِّينِ بِالتَّوْبَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم أرادُوا صَلاحَ الأحْوالِ بِتَسْوِيَةِ أبِيهِمْ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أثَرَةٍ ولا تَفْضِيلٍ.
وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَوْبَةَ القاتِلِ مَقْبُولَةٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُنْكِرْ هَذا القَوْلَ مِنهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ اخْتُلِفَ في قائِلِ هَذا مِنهم عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رُوبِيلُ وهو أكْبَرُ إخْوَةِ يُوسُفَ وابْنُ خالَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي قَعْرَ الجُبِّ وأسْفَلُهُ.
الثّانِي: ظُلْمَةُ الجُبِّ الَّتِي تُغَيَّبُ عَنِ الأبْصارِ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
فَكانَ رَأْسُ الجُبِّ ضَيِّقًا وأسْفَلُهُ واسِعًا.
وَفي تَسْمِيَتِهِ ﴿ غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ يَغِيبُ فِيهِ خَبَرُهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ يَغِيبُ فِيهِ أثَرُهُ، قالَ ابْنُ أحْمَرَ: ألا فالبِثا شَهْرَيْنِ أوْ نِصْفَ ثالِثٍ إلى ذاكَ ما قَدْ غَيَّبَتْنِي غَيابِيا وَفِي ﴿ الجُبِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ بِئْرٍ في بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِئْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، وإنَّما يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنَ الآبارِ.
قالَ الأعْشى: لَئِنْ كُنْتُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ وَفِيما يُسَمّى مِنَ الآبارِ جُبًّا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما عَظُمَ مِنَ الآبارِ سَواءٌ كانَ فِيهِ ماءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ.
الثّانِي: أنَّهُ ما لا طَيَّ لَهُ مِنَ الآبارِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: سُمِّيَتْ جُبًّا لِأنَّها قُطِعَتْ مِنَ الأرْضِ قَطْعًا ولَمْ يَحْدُثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ.
﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ مَعْنى يَلْتَقِطُهُ يَأْخُذُهُ، ومِنهُ اللُّقَطَةُ لِأنَّها الضّالَّةُ المَأْخُوذَةُ.
وَفي ﴿ السَّيّارَةِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسافِرُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم يَسِيرُونَ.
الثّانِي: أنَّهم مارَّةُ الطَّرِيقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه قال: كان يعقوب عليه السلام نازلاً بالشام، وكان ليس له هم إلا يوسف وأخوه بنيامين، فحسده إخوته مما رأوا من حب أبيه له.
ورأى يوسف عليه السلام في النوم رؤيا إن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له، فحدث أباه بها فقال له يعقوب عليه السلام: ﴿ يا بني، لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً ﴾ فبلغ إخوة يوسف الرؤيا فحسدوه، فقالوا ﴿ ليوسف وأخوه ﴾ بنيامين ﴿ أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ﴾ - كانوا عشرة- ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ قالوا: في ضلال من أمرنا.
﴿ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين ﴾ يقول: تتوبون مما صنعتم به.
﴿ قال قائل منهم...
﴾ وهو يهوذا ﴿ لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ﴾ فلما أجمعوا أمرهم على ذلك أتوا أباهم فقالوا له ﴿ يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف ﴾ قال: لن أرسله معكم إني ﴿ أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنَّا إذاً لخاسرون ﴾ فأرسله معهم فأخرجوه وبه عليه كرامة.
فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة فجعل يضربه أحدهم فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء.
فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟...
فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه، فجعلوا يدلونه في البئر، فيتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجب.
فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك.
قال: فإني لم أر شيئاً.
فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، فكان في البئر ماء، فسقط فيه فلم يضره، ثم أوى إلى صخرة في البئر فقام عليها، فجعل يبكي فناداه إخوته، فظن إنها رقة أدركتهم فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فقام يهوذا فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فكان يهوذا يأتيه بالطعام، ثم إنهم رجعوا إلى أبيهم فأخذوا جدياً من الغنم فذبحوه ونضحوا دمه على القميص، ثم أقبلوا إلى أبيهم عشاء يبكون، فلما سمع أصواتهم فزع وقال: يا بني، ما لكم؟
هل أصابكم في غنمكم شيء؟!...
قالوا لا.
قال: فما فعل يوسف: ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ﴾ يعني بمصدق لنا ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ فبكى الشيخ وصاح بأعلى صوته ثم قال: أين القميص؟
ثم جاؤوا بقميصه وعليه دم كذب، فأخذ القميص وطرحه على وجهه، ثم بكى حتى خضب وجهه من دم القميص، ثم قال: إن هذا الذئب يا بني لرحيم، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟!.
..
وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه فتعلق يوسف عليه السلام بالحبل، فخرج، فلما رآه صاحب الدلو، دعا رجلاً من أصحابه يقال له بشراي فقال: يا بشراي، هذا غلام.
فسمع به إخوة يوسف عليه السلام فجاؤوا فقالوا: هذا عبد لنا آبق، ورطنوا له بلسانهم فقالوا: لئن أنكرت إنك عبد لنا لنقتلنك، أترانا نرجع بك إلى يعقوب عليه السلام، وقد أخبرناه إن الذئب قد أكلك؟...
قال: يا إخوتاه، ارجعوا بي إلى أبي يعقوب.
فأنا أضمن لكم رضاه ولا أذكر لكم هذا أبداً.
فأبوا، فقال الغلام: أنا عبد لهم.
فلما اشتراه الرجلان فرقا من الرفقة أن يقولا اشتريناه، فيسألونهما الشركة فيه، فقالا: نقول إن سألونا ما هذا؟
نقول هذه بضاعة استبضعناها على البئر.
فذلك قوله: ﴿ وأسروه بضاعة ﴾ ﴿ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ﴾ - وكانت عشرين درهماً- وكانوا في يوسف من الزاهدين، فانطلقوا به إلى مصر فاشتراه العزيز- ملك مصر- فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته ﴿ أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ﴾ فأحبته امرأته فقالت له: يا يوسف، ما أحسن شعرك؟..
قال: هو أوّل ما يتناثر من جسدي.
قالت: يا يوسف، ما أحسن عينيك؟
قال: هما أوَّل ما يسيلان إلى الأرض من جسدي.
قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهك؟
قال: هو للتراب يأكله ﴿ قالت هيت لك ﴾ قال هلم لك؟- وهي بالقبطية- قال معاذ الله، إنه ربي، قال: سيدي أحسن مثواي فلا أخونه في أهله.
فلم تزل به حتى أطمعها، فهمّت به وهمّ بها، فدخلا البيت ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ فذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب عليه السلام قائماً في البيت قد عض على أصبعه يقول: يا يوسف، لا تواقعها، فإنما مثلك مثل الطير في جوّ السماء لا يطاق، ومثلك إذا وقعت عليها مثله إذا مات فوقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك مثل الثور الصعب الذي لم يعمل عليه، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات فدخل الماء في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه.
فربط سراويله وذهب ليخرج، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف، واشتد نحو الباب، والفيا سيدها جالساً عند الباب هو وابن عم المرأة، فلما رأته المرأة ﴿ قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؟
إلا أن يسجن، أو عذاب أليم ﴾ إنه راودني عن نفسي فدفعته عني فشققت قميصه.
فقال يوسف: لا بل هي راودتني عن نفسي، فأبيت وفررت منها فأدركتني فأخذت بقميصي فشقّته علي، فاقل ابن عمها: في القميص تبيان الأمر، انظروا إن كان القميص قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين، فلما أتي بالقميص وجده قد قدّ من دُبر، فقال: {إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم.
يوسف، أعرض عن هذا.
واستغفري لذنبك} يقول: لا تعودي لذنبك.
﴿ وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، قد شغفها حباً ﴾ والشغاف جلدة على القلب يقال لها لسان القلب.
يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب- فلما سمعت بمكرهن- يقول بقولهن- أرسلت إليهن واعتدت لهن متكأً يتكئن عليه، وآتت كل واحدة منهن سكيناً وأترجاً تأكله وقالت ليوسف: أخرج عليهن.
فلما خرج ورأى النسوة يوسف، أعظمنه وجعلن يحززن أيديهن وهن يحسبن إنهن يقطعن الأترج، ويقلن: ﴿ حاشا لله!
ما هذا بشراً، إن هذا إلا ملك كريم ﴾ .
قالت: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ بعدما كان حل سراويله ثم لا أدري ما بدا له.
قال يوسف: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ من الزنا.
ثم إن المرأة قالت لزوجها: إن العبد العبراني قد فضحني في الناس، إنه يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فاعتذر كما يعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني، فذلك قوله: ﴿ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات...
﴾ وهو شق القميص وقطع الأيدي ﴿ ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن فتيان...
﴾ غضب الملك على خَبّازه، أنه يريد أن يسمه، فحبسه وحبس الساقي وظن أنه مالأه على السم، فلما دخل يوسف عليه السلام السجن قال: إني أعبّر الأحلام قال أحد الفتيين: هلم فَلْنُجَرِّب هذا العبد العبراني، فتراءيا من غير أن يكونا رأيا شيئاً، ولكنهما خرصا فعبر لهما يوسف خرصهما فقال الساقي: رأيتني أعصر خمراً.
وقال الخباز: رأيتني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه.
قال يوسف عليه السلام: لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة، ثم قال: ﴿ يا صاحبي السجن، أما أحدكما فيسقي ربه خمراً ﴾ فيعاد على مكانه، ﴿ وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ﴾ .
ففزعا وقالا: والله ما رأينا شيئاً.
قال يوسف عليه السلام: ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ إن هذا كائن لا بد منه، وقال يوسف عليه السلام للساقي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .
ثم أن الله أرى الملك رؤيا في منامه هالته، فرأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبع يابسات، فجمع السحرة والكهنة والعافة- وهم القافة- والحاذة،- وهم الذين يزجرون الطير- فقصها عليهم فقالوا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.
﴿ وقال الذي نجا منهما- وادّكر بعد أمة- أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ﴾ .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف عليه السلام فقال: ﴿ أفتنا في سبع بقرات...
﴾ إلى قوله: ﴿ لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ﴾ تأويلها ﴿ قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله ﴾ قال هو أبقى له ﴿ إلا قليلاً مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ قال: مما ترفعون ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ﴾ قال: العنب فلما أتى الملك الرسول وأخبره قال: ﴿ ائتوني به، فلما جاءه الرسول ﴾ فأمره أن يخرج إلى الملك، أبى يوسف وقال: ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ .
قال السدي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجة، يقول هذا الذي راود امرأته.
قال الملك ائتوني بهن، ﴿ قال: ما خطبكن إذ راودتُنَّ يوسف عن نفسه؟
قلن حاشا لله، ما علمنا عليه من سوء ﴾ ، ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه ودخل معها البيت وحل سراويله ثم شده بعد ذلك، ولا تدري ما بدا له.
فقالت امرأة العزيز ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ قال تبين.
﴿ أنا راودته عن نفسه ﴾ ، قال يوسف- وقد جيء به- ذلك ليعلم العزيز ﴿ أني لم أخنه بالغيب ﴾ في أهله، ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ .
فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا حين حللت السراويل؟
قال يوسف عليه السلام: ﴿ وما أبرئ نفسي ﴾ .
فلما وجد الملك له عذراً قال: ﴿ ائتوني به استخلصه لنفسي ﴾ فأستعمله على مصر، فكان صاحب أمرها هو الذي يلي البيع والأمر، فأصاب الأرض الجوع وأصاب بلاد يعقوب التي كان فيها، فبعث بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف، فلما دخلوا على يوسف ﴿ عرفهم وهم له منكرون ﴾ ، فلما نظر إليهم أخذهم وأدخلهم الدار- دار الملك- وقال لهم: أخبروني، ما أمركم؟
فإني أنكر شأنكم.
قالوا: نحن من أرض الشام.
قال: فما جاء بكم؟
قالوا نمتار طعاماً.
قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟
قالوا نحن عشرة.
قال أنتم عشرة آلاف، كل رجل منكم أمير ألف، فأخبروني خبركم.
قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق، وإنا كنا إثني عشر فكان يحب أخاً لنا وأنه ذهب معنا إلى البرية فهلك منا وكان أحبنا إلى أبينا.
قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟...
قالوا إلى أخ له أصغر منه.
قال: كيف تحدثوني أن أباكم صدّيق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير، ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون.
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون} قال: فإني أخشى أن لا تأتوني به، فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا.
فارتهن شمعون عنده، فقال لفتيته وهو يكيل لهم: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم، لعلهم يرجعون إليَّ.
فلما رجعٍ القوم إلى أبيهم كلموه فقالوا: يا أبانا، إن ملك مصر أكرمنا كرامة لو كان رجلاً منا من بني يعقوب ما أكرمنا كرامته، وإنه ارتهن شمعون وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك حتى أنظر إليه، فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي أبداً.
فقال لهم يعقوب عليه السلام: إذا أتيتم ملك مصر فاقرؤوه مني السلام وقولوا: إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ولما فتحوا رحالهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، أتوا أباهم ﴿ قالوا: يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ﴾ فقال أبوه حين رأى ذلك: ﴿ لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ﴾ .
فحلفوا له، ﴿ فلما آتوه موثقهم ﴾ قال يعقوب: ﴿ الله على ما نقول وكيل ﴾ .
ورهب عليهم أن يصيبهم العين إن دخلوا مصر فيقال هؤلاء لرجل واحد، قال: ﴿ يا بني، لا تدخلوا من باب واحد ﴾ - يقول من طريق واحد- فلما دخلوا على يوسف عرف أخاه فأنزلهم منزلاً وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل أتاهم بمثل، قال: لينم كل أخوين منكم على مثال حتى بقي الغلام وحده، فقال يوسف عليه السلام: هذا ينام معي على فراشي، فبات مع يوسف، فجعل يشم ريحه ويضمه إليه حتى أصبح وجعل يقول روبيل: ما رأينا رجلاً مثل هذا!
إن نحن نجونا منه، ﴿ فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ﴾ ، والأخ لا يشعر، فلما ارتحلوا ﴿ أذن مؤذّن ﴾ قبل أن يرتحل العير: ﴿ أيتها العير، إنكم لسارقون ﴾ ، فانقطعت ظهورهم ﴿ وأقبلوا عليهم ﴾ يقولون: ﴿ ماذا تفقدون ﴾ إلى قوله: ﴿ فما جزاؤه ﴾ ﴿ قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ﴾ يقول تأخذونه فهو لكم، ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ﴾ فلما بقي رحل أخيه الغلام قال: ما كان هذا الغلام ليأخذها.
قالوا والله لا يترك حتى تنظروا في رحله ونذهب وقد طابت نفوسكم، فأدخل يده في رحله فاستخرجها من رحل أخيه.
يقول الله: ﴿ كذلك كدنا ليوسف ﴾ يقول صنعنا ليوسف ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ يقول في حكم الملك ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ ولكن صنعنا لشأنهم قالوا فهذا جزاؤه.
قال فلما استخرجها من رحل الغلام انقطعت ظهورهم وهلكوا وقالوا: ما يزال لنا منكم بلاء يا بني راحيل، حتى أخذت هذا الصواع.
قال بنيامين: بنو راحيل، لا يزل لنا منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية وما وضع هذا الصواع في رحلي إلا الذي وضع الدراهم في رحالكم، قالوا لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها، فوقعوا فيه وشتموه، فما أدخلوهم على يوسف دعا بالصواع، ثم نقر فيه، ثم أدناه من أذنه ثم قال: إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم إثني عشر أخاً، وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه.
﴿ ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف؟
فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ﴾ .
فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب عليه السلام فأخبروه الخبر فبكى وقال: يا بني ما تذهبون من مرو إلا نقصتم واحداً.
ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، ثم ذهبتم الثالثة فنقصتم بنيامين وروبيل ﴿ فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم وتولى عنهم وقال: يا أسفا على يوسف.
وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ﴾ من الغيظ.
﴿ قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ﴾ الميتين.
﴿ قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ .
قال: أتى يوسف جبريل عليه السلام وهو في السجن فسلم عليه وجاءه في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح نقي الثياب فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه الكريم على ربه، الطيب ريحه، حدثني كيف يعقوب؟
قال حزن عليك حزناً شديداً.
قال فما بلغ من حزنه، قال حزن سبعين مثكلة.
قال فما بلغ من أجره قال أجر سبعين شهيداً.
قال يوسف عليه السلام: فإلى من أوى بعدي؟
قال إلى أخيك بنيامين.
قال فتراني ألقاه؟
قال نعم.
فبكى يوسف عليه السلام لما لقي أبوه بعده ثم قال: ما أبالي بما لقيت أن الله أرانيه.
قال: فلما أخبروه بدعاء الملك أحست نفس يعقوب وقال: ما يكون في الأرض صديق إلا ابني فطمع قال: لعله يوسف.
قال: ﴿ يا بني، اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ بمصر ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ .
قال: مِنْ فَرَجِ الله أن يرد يوسف، فلما رجعوا إليه ﴿ قالوا: يا أيها العزيز، مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل ﴾ بها كما كنت تعطينا بالدراهم الجيدة، ﴿ وتصدق علينا ﴾ تفضل ما بين الجياد والرديئة.
قال لهم يوسف- ورحمهم عند ذلك-: ﴿ ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟
قالوا: أئنك لأنت يوسف.
قال: أنا يوسف وهذا أخي ﴾ .
فاعتذروا إليه، ﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين.
قال: لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لا أذكر لكم ذنبكم ﴿ يغفر الله لكم ﴾ ، ثم قال ما فعل أبي بعدي؟
قالوا عمي من الحزن.
﴿ فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً، وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ .
قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص إلى يعقوب عليه السلام وهو متلطخ بالدماء وقلت: أن يوسف قد أكله الذئب، وأنا أذهب بالقميص وأخبره أن يوسف عليه السلام حي فأفرحه كما أحزنته.
فهو كان البشير، فلما ﴿ فصلت العير ﴾ من مصر منطلقة إلى الشام وجد يعقوب عليه السلام ريح يوسف عليه السلام فقال لبني بنيه: ﴿ إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ﴾ .
قال له بنو بنيه ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ من شأن يوسف، ﴿ فلما أن جاء البشير ﴾ وهو يهوذا، ألقى القميص على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ .
قال لبنيه ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟!...
﴾ ثم حملوا أهلهم وعيالهم فلما بلغوا مصر كلم يوسف عليه السلام الملك الذي فوقه، فخرج هو والملك يتلقونهم فلما لقيهم قال: ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ﴾ .
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه أباه وخالته ورفعهما ﴿ على العرش ﴾ .
قال: السرير، فلما حضر يعقوب الموت أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم.
فمات فنفخ فيه المر، ثم حمله إلى الشام وقال يوسف عليه السلام ﴿ رب قد آتيتني من الملك ﴾ إلى قوله: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ﴾ .
قال ابن عباس رضي الله عنهما هذا أول نبي سأل الله الموت وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم مفرقاً في السورة.
وأخرج ابن جرير ثنا وكيع ثنا عمرو بن محمد العبقري عن أسباط عن السدي وقال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ثنا الحسين بن علي ثنا عامر بن الفرات عن أسباط عن السدي به.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ قالوا ليوسف وأخوه ﴾ يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه.
وفي قوله: ﴿ ونحن عصبة ﴾ قال العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ونحن عصبة ﴾ قال: العصبة الجماعة.
وفي قوله: ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين ﴾ قال: لفي خطأ من رأيه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ إِذْ قَالُوا ﴾ يعني: إخوة يوسف ﴿ لَيُوسُفُ ﴾ هذه لام التأكيد، وهي التي يتلقى بها القسم هاهنا، ﴿ وَأَخُوهُ ﴾ قال ابن عباس (١) ﴿ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ قال الفراء (٢) وقال أهل اللغة (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ قال أبو بكر بن الأنباري (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾ يعني في شقاء، قال أبو بكر: فكان مقاتل ذهب إلى أن الضلال عني به شقاء الدنيا؛ لأنه لما آثر ولدين صغيرين على عشرة ذوي أسنان عالية، عاد من ذلك عليه إيغار صدور الجماعة وحملهم على العقوق.
وقال أهل المعاني (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١) انظر: الطبري 12/ 154، و"زاد المسير" 4/ 183.
(٢) "معاني القرآن" 29/ 36.
(٣) قال به أبو عبيد.
انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2454 (عصب)، وابن قتيبة انظر: "مشكل القرآن وغريبه" ص 216.
(٤) انظر: القرطبي 9/ 130.
(٥) "زاد المسير" 4/ 183.
(٦) هذه عبارة الثعلبي في 7/ 64 ب.
(٧) في (أ)، (ب): (ضروره).
(٨) "تنوير المقباس" ص 147.
(٩) الطبري 12/ 155، والبغوي 4/ 217 - 218، و"زاد المسير" 4/ 183.
(١٠) نقل عنه "زاد المسير" 4/ 183، انظر "تفسر مقاتل" 151 أ.
(١١) "زاد المسير" 4/ 183، الثعلبي 7/ 64 ب.
(١٢) في (ب): (تدبر).
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 93.
(١٤) في (ج): (بالضلالة).
<div class="verse-tafsir"
﴿ آيات لِّلسَّائِلِينَ ﴾ أي لمن سأل عنها، رُوي أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف أو أمروا قريشاً أن يسألوه عنها، فهم السائلون على هذا، واللفظ أعم من ذلك ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ ﴾ هو بنيامين، وهو أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أي: جماعة نقدر على النفع والضر بخلاف الصغيرين، والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: خطأ وخروج عن الصواب بإفراط حبة ليوسف وأخيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.
وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.
الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.
الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.
وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.
﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.
الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.
بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.
بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.
وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.
وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.
﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.
﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.
الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.
الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.
أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.
وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.
احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.
قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.
وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.
قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.
وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.
وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.
ويروى أن أصحاب رسول الله ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.
فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.
والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".
و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.
وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.
عن النبي "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.
ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.
والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.
من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.
قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.
فسكت رسول الله فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟
قال: نعم.
قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.
رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.
فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.
وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.
وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟
فقال: رأيتهم لي ساجدين.
والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.
وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.
عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.
وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.
وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.
ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.
وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.
وقيل ثمانون.
قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.
قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.
واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".
وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.
وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.
ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.
والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.
قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.
أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.
وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.
والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.
ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.
ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم .
وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.
والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.
واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.
وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.
وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.
قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟
والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.
وفيه أنه يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.
يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.
﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.
﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.
لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.
ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.
والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.
ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.
ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.
واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.
فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.
قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .
وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.
قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.
كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.
وقيل: بأرض الأردن.
وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.
ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.
قال السدي: إن يوسف لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.
فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.
فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
وروي أنه لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.
وحكي أن إبراهيم حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.
وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..
يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.
ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟
قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.
عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.
ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟
قالوا لا.
قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.
يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟
فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.
وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.
ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.
﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.
قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.
وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.
وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.
يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟
فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.
فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني؟
قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.
ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.
واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟
وأجيب بأن الله لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله .
ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.
وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.
﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.
ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.
قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.
﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.
ومتى قال الوارد هذا الكلام؟
قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.
وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.
قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.
والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.
فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.
ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.
والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.
وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.
وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله أعلم.
﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.
والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.
قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.
عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.
وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.
ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.
عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.
وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.
ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.
والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.
ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.
قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟
فقيل: زهدوا فيه والله أعلم.
التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.
﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.
﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.
﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.
فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.
﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.
﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال : ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ الآية.
آية للسائل إذا كان السائل مسترشداَ، وكذلك القرآن كله، هو حجة وآية للمسترشد، وأما المتعنت فهو آية عليه.
ثم يحتمل قوله: ﴿ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ : السائلين الذين سألوا؛ على ما ذكر في بعض القصة أن اليهود سألوا النبي عن أمر يوسف ونبئه، فأخبرهم بالحق في ذلك على ما كان، فهو آية لهم إن ثبت ذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ : السائلين الذين يسألون من بعد إلى آخر الدهر عن نبأ يوسف، كل من سأل عن خبره ونبئه فهو آية لهم.
ثم وجه جعله آية يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه جعل قصة يوسف ونبأه [سورة، وتلك السورة هي آيات الكتاب؛ على ما ذكر: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ ﴾ ؛ جعل قصة يوسف ونبأه] آيات من الكتاب.
ويحتمل - أيضاً - أنه جعل آية؛ أي: حجة لنبوة رسوله ورسالته؛ لأن قصته ونبأه كان في كتبهم بغير لسانه من غير ترجمة أحد منهم ولا تعليم، ثم أخبرهم على ما كان في كتبهم من غير زيادة ولا نقصان دل أنه أنما علمه بالله - - لا أنه أخذه من كتبهم، وهو ما ذكر في القصة "أن اليهود سمعوا النبي يقرأ سورة يوسف، فقالوا: يا محمد، من علمكها؟
قال: الله علمنيها فعجبوا من قراءته إياها على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرفها بالله " .
ثم يحتمل أن يكون آية لمن سأل عن حجة رسالته، أو هو آية لمن سأل عنها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .
في الآية دلالة أن لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالعطف عليه والميل إليه، إذا كان فيه معنى ليس ذلك في غيره؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالهبة له أو الصدقة عليه إذا لم يقصد بها الجور على غيرهم من الأولاد.
ثم يحتمل تخصيص يعقوب يوسف وأخاه بالحب لهما وجوهاً: أحدهما: لما رأى فيهما من الضعف في أنفسهما، والعجز في أبدانهما، فازدادت شفقته لهما وعطفه عليهما لذلك، وهذا مما يكون فيما بين الخلق.
أو كان ذلك منه لهما لصغرهما، وهذا - أيضاً - معروف في الناس أن الصغار من الأولاد يكونون عندهم أحب، وقلوبهم إليهم أميل، وعليهم أعطف، ولهم أرحم من الكبار منهم.
أو خصهما بذلك لفضل خصوصية كانت لهما إما من جهة الدين، أو العلم، أو غيره، أمره الله بذلك لذلك من دون غيرهما.
أو لما بشر يعقوب بنبوة يوسف، فكان يفضله على سائر أولاده، ويؤثره عليهم لذلك.
وإنما قالوا: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ﴾ بآثار تظهر عندهم، وإلا حقيقة المحبة لا تعرف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .
قيل: العصبة: الجماعة.
وقال بعضهم: العصبة من عشرة إلى أربعين، والعصبة: الجماعة، أي: نحن جماعة ولنا منعة؛ ولهذا قال أصحابنا: إن التسعة من الإمام تكون منعة يستوجبون ما تستوجب السرية إذا دخلت دار الحرب، فغنمت غنائم يخمس منها.
وقوله: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
لم يعنوا ضلال الدين؛ إنما قالوا ذلك - والله أعلم - إنا جماعة تقدر على دفع من يروم الضرر به، ويقصد قصد الشر بنفسه وماله، ونحن أولو قوة، بنا يقوم معاشه وأسبابه، فكيف يؤثر هؤلاء علينا؟!
وكذلك قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ ، لم يرد به ضلال الدين، ولكن وجهاً آخر، وقالوا ذلك؛ لما كانت له منافع من أنفسهم لم تكن تلك المنافع من يوسف وأخيه، وأبداً إنما يؤثر المرء حب من له منافع من قبله، لا حبّ من لا منفعة له منه، فهو فيه في ضلال مبين؛ حيث يؤثر حب من لا منفعة له منه على حب من كانت له منه منافع وأمثاله، والله أعلم.
وقولهم: ﴿ ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ .
لا يحتمل أن يكونوا عزموا على قتله، ولكن على المشاورة فيما بينهم: نفعل ذا أو ذا؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...
﴾ الآية [الأنفال: 30]، ليس على العزيمة على واحد، ولكن على المشورة فيما بينهم، يدل على ذلك قوله: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ أنهم أرادوا أن يخلو وجه أبيهم لهم، لا قتله، إنما أرادوا غيبته عنه.
وقال بعضهم: ﴿ يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ﴾ .
أي: يقبل عليكم أبوكم بوجهه.
وقال بعضهم: أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ صَالِحِينَ ﴾ ، أي: تائبين.
وقال بعضهم: تكونوا صالحين عند أبيكم من بعده.
وقال بعضهم: يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف.
وجائز أن تكونوا قوماً صالحين في الآخرة، وقالوا: إنهم تابوا قبل أن يزلوا ويعصوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ﴾ .
قال أبو عوسجة: يعني: في قعر البئر، والغيابة: ما يغيبه ويواريه، والجب: البئر، والجباب جمع.
وقال أبو عبيدة: الغيابة: كل شيء غيب عنك شيئاً فهو غيابة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ ﴾ .
أي: يرفعه بعض السيارة؛ ولذلك يقال للطائر: يلتقط الحبّ، ويلقط: أي: يرفع.
﴿ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ : إن كنتم لا بد فاعلين أن تغيبوه عنه.
وأما قول أهل التأويل إن قوله: ﴿ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ ﴾ قاله فلان أو فلان، فذلك مما لا نعرفه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم.
وقال أبو عوسجة: السيارة أصلها من السير، هو مثل المسافر، وهي القافلة؛ يعني: العير.
وقيل: الجب: الركية التي لم تطو بالحجارة، فإذا طويت فليس بجب.
<div class="verse-tafsir"
حين قال إخوته فيما بينهم: ليوسف وأخوه الشقيق أحب إلى أبينا منا ونحن جماعة ذوو عدد فكيف فضَّلهما علينا؟
إنا لنراه في خطأ بيِّن حين فضَّلهما علينا من غير سبب يظهر لنا.
<div class="verse-tafsir" id="91.Dx96A"