الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٣ من سورة الرعد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 180 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ويسبح الرعد بحمده ) كما قال تعالى : ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) [ الإسراء : 44 ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، أخبرني أبي قال : كنت جالسا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد ، فمر شيخ من بني غفار ، فأرسل إليه حميد ، فلما أقبل قال : يا ابن أخي ، وسع له فيما بيني وبينك ، فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه ، فقال له حميد : ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟
فقال الشيخ : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله ينشئ السحاب ، فينطق أحسن النطق ، ويضحك أحسن الضحك " .
والمراد - والله أعلم - أن نطقها الرعد ، وضحكها البرق .
وقال موسى بن عبيدة ، عن سعد بن إبراهيم قال : يبعث الله الغيث ، فلا أحسن منه مضحكا ، ولا آنس منه منطقا ، فضحكه البرق ، ومنطقه الرعد .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي ، عن محمد بن مسلم قال : بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه : وجه إنسان ، ووجه ثور ، ووجه نسر ، ووجه أسد ، فإذا مصع بذنبه فذاك البرق .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا الحجاج ، حدثني أبو مطر ، عن سالم ، عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع الرعد والصواعق قال : " اللهم ، لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك " .
ورواه الترمذي ، والبخاري في كتاب الأدب ، والنسائي في اليوم والليلة ، والحاكم في مستدركه ، من حديث الحجاج بن أرطاة ، عن أبي مطر ، ولم يسم به .
وقال [ الإمام ] أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبيه عن رجل ، عن أبي هريرة ، رفع الحديث قال : إنه كان إذا سمع الرعد قال : " سبحان من يسبح الرعد بحمده " .
وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال : سبحان من سبحت له .
وكذا روي عن ابن عباس ، والأسود بن يزيد ، وطاوس : أنهم كانوا يقولون كذلك .
وقال الأوزاعي : كان ابن أبي زكريا يقول : من قال حين يسمع الرعد : سبحان الله وبحمده ، لم تصبه صاعقة .
وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ، ويقول : إن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض .
رواه مالك في الموطأ ، والبخاري في كتاب الأدب .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الطيالسي ، حدثنا صدقة بن موسى ، حدثنا محمد بن واسع ، عن شتير بن نهار ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قال ربكم عز وجل : لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل ، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ، ولما أسمعتهم صوت الرعد " .
وقال الطبراني : حدثنا زكريا بن يحيى الساجي ، حدثنا أبو كامل الجحدري ، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر ، حدثنا عبد الكريم ، حدثنا عطاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله ، فإنه لا يصيب ذاكرا " .
وقوله : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) أي : يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء ، ولهذا تكثر في آخر الزمان ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن مصعب ، حدثنا عمارة عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة ، حتى يأتي الرجل القوم فيقول : من صعق تلكم الغداة ؟
فيقولون صعق فلان وفلان وفلان " .
وقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا إسحاق ، حدثنا علي بن أبي سارة الشيباني ، حدثنا ثابت ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا مرة إلى رجل من فراعنة العرب فقال : " اذهب فادعه لي " .
قال : فذهب إليه فقال : يدعوك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : من رسول الله ؟
وما الله ؟
أمن ذهب هو ؟
أم من فضة هو ؟
أم من نحاس هو ؟
قال : فرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال : يا رسول الله ، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك ، قال لي كذا وكذا .
فقال : " ارجع إليه الثانية " .
أراه ، فذهب فقال له مثلها .
فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك .
قال : " ارجع إليه فادعه " .
فرجع إليه الثالثة .
قال : فأعاد عليه ذلك الكلام .
فبينا هو يكلمه ، إذ بعث الله ، عز وجل ، سحابة حيال رأسه ، فرعدت ، فوقعت منها صاعقة ، فذهب بقحف رأسه فأنزل الله : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ) ورواه ابن جرير ، من حديث علي بن أبي سارة ، به ورواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن عبدة بن عبد الله ، عن يزيد بن هارون ، عن ديلم بن غزوان ، عن ثابت ، عن أنس ، فذكر نحوه .
وقال : حدثنا الحسن بن محمد ، حدثنا عفان ، حدثنا أبان بن يزيد ، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن عبد الرحمن بن صحار العبدي : أنه بلغه أن نبي الله بعثه إلى جبار يدعوه ، فقال : أرأيتم ربكم ، أذهب هو ؟
أو فضة هو ؟
ألؤلؤ هو ؟
قال : فبينا هو يجادلهم ، إذ بعث الله سحابة فرعدت فأرسل عليه صاعقة فذهبت بقحف رأسه ، ونزلت هذه الآية .
وقال أبو بكر بن عياش ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد قال : جاء يهودي فقال : يا محمد ، أخبرني عن ربك ، [ من أي شيء هو ] من نحاس هو ؟
من لؤلؤ ؟
أو ياقوت ؟
قال : فجاءت صاعقة فأخذته ، وأنزل الله : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا أنكر القرآن ، وكذب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل الله صاعقة فأهلكته وأنزل : ( ويرسل الصواعق ) الآية .
وذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة لما قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر فأبى عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له عامر بن الطفيل ، لعنه الله : أما والله لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا .
فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة .
يعني : الأنصار ، ثم إنهما هما بالفتك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل أحدهما يخاطبه ، والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه ، فحماه الله منهما وعصمه ، فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب ، يجمعان الناس لحربه ، عليه السلام فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته .
وأما عامر بن الطفيل فأرسل الله عليه الطاعون ، فخرجت فيه غدة عظيمة ، فجعل يقول : يا آل عامر ، غدة كغدة البكر ، وموت في بيت سلولية ؟
حتى ماتا لعنهما الله ، وأنزل الله في مثل ذلك : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة ، أخو أربد يرثيه : أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد فجعني الرعد والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجد وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا مسعدة بن سعد العطار ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حدثني عبد العزيز بن عمران ، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم ، عن أبيهما ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، أن أربد بن قيس بن جزء بن جليد بن جعفر بن كلاب ، وعامر بن الطفيل بن مالك ، قدما المدينة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، فانتهيا إليه وهو جالس ، فجلسا بين يديه ، فقال عامر بن الطفيل : يا محمد ، ما تجعل لي إن أسلمت ؟
فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لك ما للمسلمين ، وعليك ما عليهم " .
قال عامر بن الطفيل : أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك ؟
قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ليس ذلك لك ولا لقومك ، ولكن لك أعنة الخيل " .
قال : أنا الآن في أعنة خيل نجد ، اجعل لي الوبر ولك المدر .
قال رسول الله : " لا " .
فلما قفلا من عنده قال عامر : أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " يمنعك الله " .
فلما خرج أربد وعامر ، قال عامر : يا أربد ، أنا أشغل عنك محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحديث ، فاضربه بالسيف ، فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ، ويكرهوا الحرب ، فنعطيهم الدية .
قال أربد : أفعل .
فأقبلا راجعين إليه ، فقال عامر : يا محمد ، قم معي أكلمك .
فقام معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلسا إلى الجدار ، ووقف معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلمه ، وسل أربد السيف ، فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف ، فلم يستطع سل السيف ، فأبطأ أربد على عامر بالضرب ، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى أربد ، وما يصنع ، فانصرف عنهما .
فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كانا بالحرة ، حرة واقم نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا اشخصا يا عدوي الله ، لعنكما الله .
فقال عامر : من هذا يا سعد ؟
قال : هذا أسيد بن حضير الكتائب فخرجا حتى إذا كانا بالرقم ، أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته ، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم ، أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول ، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول : غدة كغدة الجمل في بيت سلولية ترغب أن يموت في بيتها!
ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعا ، فأنزل الله فيهما : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ) إلى قوله : ( وما لهم من دونه من وال ) [ الرعد : 8 - 11 ] - قال : المعقبات من أمر الله يحفظون محمدا - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر أربد وما قتله به ، فقال : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) الآية .
وقوله : ( وهم يجادلون في الله ) أي : يشكون في عظمته ، وأنه لا إله إلا هو ، ( وهو شديد المحال ) قال ابن جرير : شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره .
وهذه الآية شبيهة بقوله : ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ) [ النمل : 50 ، 51 ] .
وعن علي ، رضي الله عنه : ( وهو شديد المحال ) أي : شديد الأخذ .
وقال مجاهد : شديد القوة .
وقوله: (ويسبح الرعد بحمده) .
* * * قال أبو جعفر: وقد بينا معنى الرعد فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
(73) * * * وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد قال كما: 20259- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد الشديد قال: " اللهم لا تقتلنا بغضبك, ولا تهلكنا بعذابك, وعافنا قبل ذلك " .
(74) 20260- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن أبيه, عن رجل, عن أبي هريرة رفع الحديث: أنه كان إذا سمع الرعد قال: " سبحان من يسبح الرعد بحمده " .
20261- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا مسعدة بن اليسع الباهلي, عن جعفر بن محمد, عن أبيه, عن علي رضي الله عنه, كان إذا سمع صوت الرعد قال: " سبحان من سَبَّحتَ له " .
(75) 20262- ...
قال: حدثنا إسماعيل بن علية, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة, عن ابن عباس, أنه كان إذا سمع الرعد قال: " سبحان الذي سَبَّحتَ له .
(76) 20263- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا يعلى بن الحارث قال: سمعت أبا صخرة يحدث عن الأسود بن يزيد, أنه كان إذا سمع الرعد قال: " سبحان من سبَّحتَ له أو " سبحان الذي يسبح الرعد بحمده, والملائكة من خيفته " .
(77) 20264- ...قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا ابن علية, عن ابن طاوس, عن أبيه وعبد الكريم, عن طاوس أنه كان إذا سمع الرعد قال: " سبحان من سبحتَ له .
20265- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج, عن ميسرة, عن الأوزاعي قال: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: " سبحان الله وبحمده, لم تصبه صاعقةٌ.
(78) * * * ومعنى قوله: (ويسبح الرعد بحمده) ، ويعظم اللهَ الرعدُ ويمجِّده, فيثنى عليه بصفاته, وينـزهه مما أضاف إليه أهل الشرك به ومما وصفوه به من اتخاذ الصاحبة والولد, تعالى ربنا وتقدّس .
(79) * * * وقوله: (من خيفته) يقول: وتسبح الملائكة من خيفة الله ورَهْبته.
(80) * * * وأما قوله: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) .
* * * فقد بينا معنى الصاعقة، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته، بما فيه الكفاية من الشواهد, وذكرنا ما فيها من الرواية .
(81) * * * وقد اختلف فيمن أنـزلت هذه الآية.
فقال بعضهم: نـزلت في كافر من الكفّار ذكر الله تعالى وتقدَّس بغير ما ينبغي ذكره به, فأرسل عليه صاعقة أهلكته .
*ذكر من قال ذلك: 20266- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عفان قال: حدثنا أبان بن يزيد قال: حدثنا أبو عمران الجوني, عن عبد الرحمن بن صُحار العبدي: أنه بلغه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى جَبَّار يدعوه, فقال: " أرأيتم ربكم, أذهبٌ هو أم فضةٌ هو أم لؤلؤٌ هو؟" قال: فبينما هو يجادلهم, إذ بعث الله سحابة فرعدت, فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقِحْف رأسه فأنـزل الله هذه الآية: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) .
(82) 20267- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن سليمان, عن أبي بكر بن عياش, عن ليث, عن مجاهد قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: أخبرني عن ربّك من أيّ شيء هو, من لؤلؤ أو من ياقوت؟
فجاءت صاعقة فأخذته, فأنـزل الله: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) .
20268- حدثني المثنى قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا أبو بكر بن عياش, عن ليث, عن مجاهد, مثله .
20269- ...
قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا سيف, عن أبي روق, عن أبي أيوب, عن علي قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد حدثني من هذا الذي تدعو إليه؟
أياقوت هو, أذهب هو, أم ما هو؟
قال: فنـزلت على السائل الصاعقة فأحرقته, فأنـزل الله: (ويرسل الصواعق)الآية .
(83) 20270- حدثنا محمد بن مرزوق قال: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثني علي بن أبي سارة الشيباني قال: حدثنا ثابت البناني, عن أنس بن مالك قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم مرةً رجلا إلى رجل من فراعنة العرب, أن ادْعُه لي, فقال: يا رسول الله, إنه أعتى من ذلك!
قال: اذهب إليه فادعه.
قال: فأتاه فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك!
فقال: مَنْ رسول الله؟
وما الله؟
أمن ذهب هو, أم من فضة, أم من نحاس؟
قال: فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره, فقال: ارجع إليه فادعه " قال: فأتاه فأعاد عليه وردَّ عليه مثل الجواب الأوّل.
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره, فقال: ارجع إليه فادعه !
قال: فرجع إليه .
فبينما هما يتراجعان الكلام بينهما, إذ بعث الله سحابة بحيالِ رأسه فرَعَدت, فوقعت منها صاعقة فذهبت بقِحْفِ رأسه, فأنـزل الله: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) .
(84) * * * وقال آخرون: نـزلت في رجل من الكفار أنكر القرآن وكذب النبيّ صلى الله عليه وسلم .
*ذكر من قال ذلك: 20271- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا أنكر القرآن وكذّب النبيَّ صلى الله عليه وسلم, فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته, فأنـزل الله عز وجل فيه: (وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) .
* * * وقال آخرون: نـزلت في أربد أخي لبيد بن ربيعة, وكان همّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعامر بن الطفيل .
*ذكر من قال ذلك: 20272- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: نـزلت يعني قوله: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) في أربد أخي لبيد بن ربيعة, لأنه قدم أربدُ وعامرُ بن الطفيل بن مالك بن جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم, فقال عامر: يا محمد أأسلم وأكون الخليفة من بعدك؟
قال: لا!
قال: فأكون على أهل الوَبَر وأنتَ على أهل المدَرِ؟
قال: لا!
قال: فما ذاك؟
قال: " أعطيك أعنة الخيل تقاتل عليها, فإنك رجل فارس.
قال: أوليست أعِنّة الخيل بيدي؟
أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا من بني عامر !
قال لأربد: إمّا أن تكفينيه وأضربه بالسيف, وإما أن أكفيكه وتضربه بالسيف.
قال أربد: اكفنيه وأضربه.
(85) فقال ابن الطفيل: يا محمد إن لي إليك حاجة.
قال: ادْنُ!
فلم يزل يدنو ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ادن " حتى وضع يديه على ركبتيه وحَنَى عليه, واستلّ أربد السيف, فاستلَّ منه قليلا فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بَريقه تعوّذ بآية كان يتعوّذ بها, فيبِسَت يدُ أربد على السيف, فبعث الله عليه صاعقة فأحرقته, فذلك قول أخيه: أَخْشَــى عَـلَى أَرْبَـدَ الحُـتُوف وَلا أَرْهَــبُ نَــوْءَ السِّــمَاك وَالأسَـدِ فَجَّــعنِي الْـبَرْقُ والصّـوَاعِقُ بـال فَــارِس يَــوْمَ الكَرِيهَــةِ النَّجُــدِ (86) * * * وقد ذكرت قبل خبر عبد الرحمن بن زيد بنحو هذه القصة .
(87) * * * وقوله: (وهم يجادلون في الله) ، يقول: وهؤلاء الذين أصابهم الله بالصواعق أصابهم في حال خُصومتهم في الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم .
(88) * * * وقوله: (وهو شديد المحال) يقول تعالى ذكره: والله شديدةٌ مماحلته في عقوبة من طغى عليه وعَتَا وتمادى في كفره .
* * * و " المحال ": مصدر من قول القائل: ماحلت فلانًا فأنا أماحله مماحلةً ومِحَالا و " فعلت " منه: " مَحَلت أمحَلُ محْلا إذا عرّض رجلٌ رجلا لما يهلكه ; ومنه قوله: " وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ" ، (89) ومنه قول أعشى بني ثعلبة: فَـرْعُ نَبْـعِ يَهْـتَزُّ فِـي غُصُـنِ المَجْ دِ غَزِيــرُ النّــدَى شَـديدُ المِحَـالِ (90) هكذا كان ينشده معمر بن المثنى فيما حُدِّثت عن علي بن المغيرة عنه .
وأما الرواة بعدُ فإنهم ينشدونه: فَـرْعُ فَـرْعٍ يَهْـتَزُّ فِـي غُصُنِ المَجْ دِ كِثــيرُ النَّــدَى عَظِيـمُ المِحَـال (91) وفسّر ذلك معمر بن المثنى, وزعم أنه عنى به العقوبة والمكر والنَّكال ; ومنه قول الآخر: (92) وَلَبْسٍ بَيْــــنَ أَقْـــوَاٍم فَكُـــلٌ أَعَــدَّ لَــهُ الشَّــغَازِبَ وَالمِحَـالا (93) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 20273- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا سيف, عن أبي روق, عن أبي أيوب, عن علي رضي الله عنه: (وهو شديد المحال) قال: شديد الأخذ .
(94) 20274- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد: (وهو شديد المحال) قال: شديد القوة .
20275- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (وهو شديد المحال) أي القوة والحيلة .
20276- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (شديد المحال) يعني: الهلاك قال: إذا محل فهو شديد وقال قتادة: شديد الحيلة.
20277- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا رجل, عن عكرمة: (وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) ، قال: جدال أربد (95) (وهو شديد المحال) قال: ما أصاب أربد من الصاعقة .
20278- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وهو شديد المحال) قال: قال ابن عباس: شديد الحَوْل .
20279- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وهو شديد المحال) قال: شديد القوة،" المحال ": القوة .
* * * قال أبو جعفر: والقول الذي ذكرناه عن قتادة في تأويل " المحال " أنه الحيلة, والقول الذي ذكره ابن جريج عن ابن عباس يدلان على أنهما كانا يقرآن &; 16-397 &; : "( وهُوَ شَدِيدُ المَحَالِ ) بفتح الميم, لأن الحيلة لا يأتي مصدرها " مِحَالا " بكسر الميم, ولكن قد يأتي على تقدير " المفعلة " منها, فيكون محالة, ومن ذلك قولهم: " المرء يعجزُ لا مَحالة، (96) و " المحالة " في هذا الموضع،" المفعلة " من الحيلة، فأما بكسر الميم, فلا تكون إلا مصدرًا, من " ماحلت فلانًا أماحله محالا "، و " المماحلة " بعيدة المعنى من " الحيلة ".
* * * قال أبو جعفر: ولا أعلم أحدًا قرأه بفتح الميم.
(97) فإذا كان ذلك كذلك, فالذي هو أولى بتأويل ذلك ما قلنا من القول .
----------------------------------- الهوامش : (73) انظر تفسير" الرعد" فيما سلف 1 : 338 - 342 .
(74) الأثر : 20259 - رواه أحمد بهذا اللفظ في المسند رقم : 5763 من حديث ابن عمر ، ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم : 721 ، وخرجه أخي السيد أحمد رحمه الله في المسند .
(75) الأثر : 20261 -" مسعدة بن اليسع بن قيس اليشكري الباهلي" قال ابن أبي حاتم :" هو ذاهب الحديث ، منكر الحديث ، لا يشتغل به ، يكذب على جعفر بن محمد عندي ، والله أعلم" .
وقال أحمد :" مسعدة بن اليسع ، ليس بشيء ، خرقنا حديثه ، وتركنا حديثه منذ دهر" .
مترجم في الكبير 4 / 2 / 26 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 370 ، وميزان الاعتدال 3 : 163 ، ولسان الميزان 6 : 23 .
(76) الأثر : 20262 - رواه البخاري في الأدب المفرد رقم : 722 ، مطولا ، و" الحكم بن أبان العدني" تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخيره ، كذلك قال ابن خزيمة في صحيحه ، وهو ثقة إن شاء الله ، قال ابن حبان : ربما أخطأ ، مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 2 / 334 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 113 .
(77) الأثر : 20263 -" يعلى بن الحارث بن حرب المحاربي" ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2/ 418 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 304 .
" أبو صخرة" ، هو" جامع بن شداد المحاربي" ثقة مضى برقم : 17982 ، وظني أنه لم يسمع" الأسود بن يزيد النخعي" ، بل سمع ذلك من أخيه" عبد الرحمن بن يزيد النخعي" ، و" عبد الرحمن" سمع من أخيه .
(78) الأثر : 20265 -" ابن أبي زكريا" ، هو :" عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي الشامي" ،" أبو يحيى" ، كان من فقهاء أهل دمشق ، من أقران مكحول ، تابعي ثقة قليل الحديث ، صاحب غزو .
مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7/2/163 ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 62 .
(79) انظر تفسير" التسبيح" فيما سلف 1 : 472 - 474 ، وفهارس اللغة ( سبح ) .
(80) انظر تفسير" الخفية" فيما سلف 13 : 353 / 15 : 389 .
(81) انظر تفسير" الصاعقة" فيما سلف 2 : 82 ، 83 / 9 : 359 / 13 : 97 .
(82) الأثر : 20266 - عفان هو " عفان بن مسلم الصفار" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 20091 .
و" أبان بن يزيد العطار" ، ثقة إن شاء الله ، مضى مرارًا .
و" أبو عمران الجوني" هو "عبد الملك بن حبيب الأزدي" ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى برقم : 80 ، 13042 ، 17413 .
و" عبد الرحمن بن صحار بن صخر العبدي" ، لأبيه صحبة ، تابعي ثقة ، روى عن أبيه ، مترجم في ابن أبي حاتم 2 / 2 / 244 .
وهذا خبر مرسل صحيح الإسناد .
(83) الأثر : 20269 -" إسحاق" ، هو" إسحاق بن سليمان العبدي الرازي" ، نزل الري ، ثقة روى له الجماعة ، سلف مرارًا ، آخرها : 16940 .
وأما" عبد الله بن هاشم" ، فقد سلف في مثل هذا الإسناد برقم : 7329 ، 7938 ، 12128 ، وقلت في آخرها ،" لم أعرف من يكون" ، ولكني أستظهر الآن أنه :" عبد الله بن هاشم الكوفي" ، نزيل الري .
مترجم في ابن أبي حاتم 2 / 2 / 196 .
وأما" سيف" ، فهو" سيف بن عمر الضبي" ، الأخباري ، صاحب الفتوح ، وهو ضعيف ساقط الحديث ، ليس بشيء .
مضى مرارًا ، آخرها 12203 ، ومضى في مثل هذا الإسناد نفسه برقم 7329 ، 7938 ، 12128 .
وسيأتي مثله برقم : 20273 ، 20282 ، 20286 .
وهذا إسناد منكر .
(84) الأثر : 20270 -" محمد بن مرزوق" ، هو" محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي" ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 28 ، 8224 ، 17249 .
و" عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي" ، ثقة صدوق ، مضى برقم : 7911 .
و" علي بن أبي سارة الشيباني" ، ويقال له :" علي بن محمد بن سارة" ، شيخ ضعيف الحديث .
قال البخاري : في حديثه نظر .
وقال أبو داود : ترك الناس حديثه .
وقال ابن حبان : غلب على روايته المناكير فاستحق الترك .
وقال العقيلي :" علي بن أبي سارة عن ثابت البناني ، لا يتابع عليه ، ثم روى له عن ثابت عن أنس في قوله تعالى : {ويرسل الصواعق} ، ثم قال : ولا يتابعه عليه إلا من هو مثله أو قريب منه" .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 189 ، وميزان الاعتدال 2 : 226 ، وذكر الحديث بإسناده هذا وبتمام لفظه ، وعده من الأحاديث التي أنكرت عليه .
فهذا إسناد ضعيف جدًا .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 42 :" رواه أبو يعلى البزار ، ورجال البزار رجال الصحيح ، غير ديلم بن غزوان ، وهو ثقة" .
(85) في المخطوطة والمطبوعة :" أكفيكه" ، والصواب ما أثبت .
(86) مضى الشعر وتفسيره وتخريجه فيما سلف ص : 381 ، تعليق : 3 .
(87) هو الأثر رقم : 20250 .
(88) انظر تفسير" المجادلة" فيما سلف 15 : 402 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(89) هذا حديث جابر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " القرآن شافع مشفع ، وما حل مصدق ، من جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار" رواه ابن حبان في صحيحه 1 : 287 رقم : 124 ، وخرجه أخي السيد أحمد هناك .
وهو في مجمع الزوائد 1 : 17 / 7 / : 164 ، ورواه أيضًا عن ابن مسعود ، ولكنه ضعف إسناده .
وانظر أمالي القالي 2 : 269 ، بغير هذا اللفظ .
هذا الخبر مشهور عن ابن مسعود ، وإن كان صحيحه عند جابر .
(90) ديوانه : 10 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 325 ، واللسان ( محل ) ، وغيرها .
و" النبع" ، شجر ينبت في قلة الجبل ، وهو أصفر العود رزينة ، ثقيله في اليد ، وإذا تقادم أحمر ، وتتخذ منه القسي ، فهي أجودها وأجمعها للأرز واللين معًا ، و" الأرز" الشدة .
(91) قوله" فرع فرع" من قولهم :" هو فرع قومه" ، للشريف منهم الذي فرعهم أي علاهم بالشرف .
يقول : هو سيد لسادات .
وهذه عندي أجود روايات البيت .
(92) هو ذو الرمة .
(93) ديوانه : 445 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 326 ، وأمالي القالي 2 : 268 ، واللسان ( شغزب ) ، ( محل ) ، وغيرها .
وهو من قصيدته في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ، وهذا البيت من صميم مدحه ، يقول بعده : وكُـــلُّهُمُ ألـــدُّ أخُــو كِظــاَظٍ أَعَــدَّ لِكُــلِّ حــالِ القـومِ حَـالا أبــرَّ عـلى الخُـصُوم فليسَ خَـصْمٌ ولا خَصْمَـــانِ يغْلبُـــهُ جِــدالا قَضْيــتَ بِمــرَّةٍ فــأَصَبْتَ منـهُ فُصُـوصَ الحـقِّ فـانفصلَ انفصـاَلا و" اللبس" اختلاط الأمر ، وهو مشكله ، و" الشغازب" ، جمع" شغزبة" ، وهي الكيد والغرة والحيلة ، وأصله اعتقال المصارع رجل آخر برجله ليلقيه ويصرعه .
و" أبر" علا ، وغلب .
و" قضى بمرة" ، أي بقوة وإحكام ، و" فصوص الحق" ، لبه ومعقده .
وهذا كلام بارع في الخصومة والقضاء .
(94) الأثر : 20273 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم : 20269 .
(95) في المطبوعة :" قال : المحال جدال أربد" ، وهو كلام فاسد ، والمخطوطة هي الصواب .
(96) هذا مثل ذكره الميداني 2 : 221 ، وأبو هلال في الجمهرة : 193 ، وسمط الآلي : 888 ، وخرجه ، ومنه قول الشاعر : حـــاولْتُ حـــين صَـــرَمْتَنِي والمـــرْءُ يَعجِـــزُ لا المحَالــهْ والدَّهْــــرُ يلعـــبُ بـــالفتى والدّهْــــرُ أرْوَغُ مـــن ثُعالــهْ والمــــرءُ يَكْسِـــبُ مالـــهُ بالشُّــــحِّ يورِثــــه كَلالـــهْ والعبــــدُ يُقْـــرعُ بالعَصَـــا والحــــرُّ تكفيـــهِ المَقالـــهْ (97) بل قرأها الأعرج والضحاك كذلك ، انظر تفسير أبي حيان 5 : 376 ، وشواذ القراءات لابن خالويه : 66 .
ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق قد مضى في " البقرة " القول في الرعد والبرق والصواعق فلا معنى للإعادة ; والمراد بالآية بيان كمال قدرته ; وأن تأخير العقوبة ليس عن عجز ; أي يريكم البرق في السماء خوفا للمسافر ; فإنه يخاف أذاه لما يناله من المطر والهول والصواعق ; قال الله تعالى : أذى من مطر وطمعا للحاضر أن يكون عقبه مطر وخصب ; قال معناه قتادة ومجاهد وغيرهما .
وقال الحسن : خوفا من صواعق البرق ، وطمعا في غيثه المزيل للقحط .
وينشئ السحاب الثقال قال مجاهد : أي بالماء .
ويسبح الرعد بحمده من قال إن الرعد صوت السحاب فيجوز أن يسبح الرعد بدليل خلق الحياة فيه ; ودليل صحة هذا القول قوله : والملائكة من خيفته فلو كان الرعد ملكا لدخل في جملة الملائكة .
ومن قال إنه ملك قال : معنى .
من خيفته من خيفة الله ; قاله الطبري وغيره .
قال ابن عباس : إن الملائكة خائفون من الله ليس كخوف ابن آدم ; لا يعرف واحدهم من على يمينه ومن على يساره ، لا يشغلهم عن عبادة الله طعام ولا شراب ; وعنه قال : الرعد ملك يسوق السحاب ، وإن بخار الماء لفي نقرة إبهامه ، وإنه موكل بالسحاب يصرفه حيث يؤمر ، وإنه يسبح الله ; فإذا سبح الرعد لم يبق ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح ، فعندها ينزل القطر ، وعنه أيضا كان إذا سمع صوت الرعد قال : سبحان الذي سبحت له .
وروى مالك عن عامر بن عبد الله عن أبيه أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال : سبحانه الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ، ثم يقول : إن هذا وعيد لأهل الأرض شديد .
وقيل : إنه ملك جالس على كرسي بين السماء والأرض ، وعن يمينه سبعون ألف ملك وعن يساره مثل ذلك ; [ ص: 259 ] فإذا أقبل على يمينه وسبح سبح الجميع من خوف الله ، وإذا أقبل على يساره وسبح سبح الجميع من خوف الله .ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ذكر الماوردي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب ومجاهد : نزلت في يهودي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أخبرني من أي شيء ربك ; أمن لؤلؤ أم من ياقوت ؟
فجاءت صاعقة فأحرقته .
وقيل : نزلت في بعض كفار العرب ; قال الحسن : ( كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - نفرا يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام فقال لهم : أخبروني عن رب محمد ما هو ، ومم هو ، أمن فضة أم من حديد أم نحاس ؟
فاستعظم القوم مقالته ; فقال : أجيب محمدا إلى رب لا يعرفه !
فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه مرارا وهو يقول مثل هذا ; فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم ، فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة ، فأحرقت الكافر وهم جلوس ; فرجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستقبلهم بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : احترق صاحبكم ، فقالوا : من أين علمتم ؟
قالوا : أوحى الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) .
ذكره الثعلبي عن الحسن ; والقشيري بمعناه عن أنس ، وسيأتي .
وقيل : نزلت الآية في أربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة ، وفي عامر بن الطفيل ; قال ابن عباس : ( أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة العامريان يريدان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد جالس في نفر من أصحابه ، فدخلا المسجد ، فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور ، وكان من أجمل الناس ; فقال رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا يا رسول الله عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك ; فقال : دعه فإن يرد الله به خيرا يهده فأقبل حتى قام عليه فقال ; يا محمد ما لي إن أسلمت ؟
فقال : لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين .
قال : أتجعل لي الأمر من بعدك ؟
قال : ليس ذاك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء .
قال : أفتجعلني على الوبر وأنت على المدر ؟
قال : لا .
قال : فما تجعل لي ؟
قال : ( أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها في سبيل الله ) .
قال : أوليس لي أعنة الخيل اليوم ؟
قم معي أكلمك ، فقام معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان عامر أومأ إلى أربد : إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه واضربه بالسيف ، فجعل يخاصم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويراجعه ; فاخترط أربد من سيفه شبرا ثم حبسه الله ، فلم يقدر على سله ، ويبست يده على سيفه ; وأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته ; وولى عامر هاربا وقال : يا محمد !
دعوت ربك على أربد حتى قتلته ; والله لأملأنها عليك خيلا جردا ، وفتيانا مردا ; فقال - عليه السلام - : يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة يعني الأوس والخزرج ; فنزل عامر بيت امرأة سلولية ; وأصبح وهو يقول : والله لئن أصحر لي محمد وصاحبه - يريد ملك الموت - لأنفذتهما برمحي ; فأرسل الله ملكا فلطمه [ ص: 260 ] بجناحه فأذراه في التراب ; وخرجت على ركبته غدة عظيمة في الوقت ; فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول : غدة كغدة البعير ، وموت في بيت سلولية ; ثم ركب على فرسه فمات على ظهره ) .
ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد فقال :يا عين هلا بكيت أربد إذ قم نا وقام الخصوم في كبد أخشى على أربد الحتوف ولاأرهب نوء السماك والأسد فجعني الرعد والصواعق بالفارس يوم الكريهة النجدوفيه قال :إن الرزية لا رزية مثلها فقدان كل أخ كضوء الكوكبيا أربد الخير الكريم جدوده أفردتني أمشي بقرن أعضبوأسلم لبيد بعد ذلك - رضي الله عنه - .
مسألة : روى أبان عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تأخذ الصاعقة ذاكرا لله - عز وجل - .
وقال أبو هريرة - رضي الله عنه - : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع صوت الرعد يقول : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعلي ديته .
وذكر الخطيب من حديث سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده قال : كنا مع عمر في سفر فأصابنا رعد وبرد ، فقال لنا كعب : من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك الرعد ; ففعلنا فعوفينا ; ثم لقيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإذا بردة قد أصابت أنفه فأثرت به ، فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا ؟
قال بردة أصابت أنفي فأثرت ، فقلت : إن كعبا حين سمع الرعد قال لنا : من قال حين يسمع الرعد سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفي مما يكون في ذلك الرعد ; فقلنا فعوفينا ; فقال عمر : أفلا قلتم لنا حتى نقولها ؟
وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " .[ ص: 261 ] قوله تعالى : وهم يجادلون في الله يعني جدال اليهودي حين سأل عن الله تعالى : من أي شيء هو ؟
قاله مجاهد .
وقال ابن جريج : جدال أربد فيما هم به من قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ويجوز أن يكون وهم يجادلون في الله حالا ، ويجوز أن يكون منقطعا .
وروى أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى الله - عز وجل - فقال لرسول الله : أخبرني عن إلهك هذا ؟
أهو من فضة أم من ذهب أم من نحاس ؟
فاستعظم ذلك ; فرجع إليه فأعلمه ; فقال : ارجع إليه فادعه فرجع إليه وقد أصابته صاعقة ، وعاد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد نزل : وهم يجادلون في اللهوهو شديد المحال قال ابن الأعرابي : المحال المكر ، والمكر من الله - عز وجل - التدبير بالحق .
النحاس : المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر .
وروى ابن اليزيدي عن أبي زيد وهو شديد المحال أي النقمة .
وقال الأزهري : المحال أي القوة والشدة .
والمحل : الشدة ; الميم أصلية ، وماحلت فلانا محالا أي قاويته حتى يتبين أينا أشد .
وقال أبو عبيد : المحال العقوبة والمكروه .
وقال ابن عرفة : المحال الجدال ; يقال : ماحل عن أمره أي جادل .
وقال القتيبي : أي شديد الكيد ; وأصله من الحيلة ، جعل ميمه كميم المكان ; وأصله من الكون ، ثم يقال : تمكنت .
وقال الأزهري : غلط ابن قتيبة أن الميم فيه زائدة ; بل هي أصلية ، وإذا رأيت الحرف على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ; مثل : مهاد وملاك ومراس ، وغير ذلك من الحروف .
ومفعل إذا كانت من بنات الثلاثة فإنه يجيء بإظهار الواو مثل : مزود ومحول ومحور ، وغيرها من الحروف ; وقال : وقرأ الأعرج " وهو شديد المحال " بفتح الميم ; وجاء تفسيره على هذه القراءة عن ابن عباس أنه الحول ، ذكر هذا كله أبو عبيد الهروي ، إلا ما ذكرناه أولا عن ابن الأعرابي ; وأقاويل الصحابة والتابعين بمعناها ; وهي ثمانية : أولها : شديد العداوة ، قاله ابن عباس .
وثانيها : شديد الحول ، قاله ابن عباس أيضا .
وثالثها : شديد الأخذ ، قاله علي بن أبي طالب .
ورابعها : شديد الحقد ، قاله ابن عباس .
وخامسها : شديد القوة ، قاله مجاهد .
وسادسها : شديد الغضب ، قاله وهب بن منبه .
وسابعها : شديد الهلاك بالمحل ، وهو القحط ; قاله الحسن أيضا .
وثامنها : شديد الحيلة ; قاله قتادة .
وقال أبو عبيدة ومعمر : المحال والمماحلة المماكرة والمغالبة ; وأنشد للأعشى :فرع نبع يهتز في غصن المج د كثير الندى شديد المحال[ ص: 262 ] وقال آخر :ولبس بين أقوام فكل أعد له الشغازب والمحالاوقال عبد المطلب :لاهم إن المرء يم نع رحله فامنع حلالكلا يغلبن صليبهم ومحا لهم عدوا محالك
{ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ } وهو الصوت الذي يسمع من السحاب المزعج للعباد، فهو خاضع لربه مسبح بحمده، { و } تسبح { الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } أي: خشعا لربهم خائفين من سطوته، { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ } وهي هذه النار التي تخرج من السحاب، { فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ } من عباده بحسب ما شاءه وأراده وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ أي: شديد الحول والقوة فلا يريد شيئا إلا فعله، ولا يتعاصى عليه شيء ولا يفوته هارب.
فإذا كان هو وحده الذي يسوق للعباد الأمطار والسحب التي فيها مادة أرزاقهم، وهو الذي يدبر الأمور، وتخضع له المخلوقات العظام التي يخاف منها، وتزعج العباد وهو شديد القوة - فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له.
( ويسبح الرعد بحمده ) أكثر المفسرين على أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب ، والصوت المسموع منه تسبيحه .
قال ابن عباس : من سمع صوت الرعد فقال : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده ، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير ، فإن أصابته صاعقة فعلي ديته .
وعن عبد الله بن الزبير : أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث : وقال : " سبحان من يسبح الرعد بحمده ، والملائكة من خيفته ، ويقول : إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد .
وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى : " لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل ، ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار ، ولم أسمعهم صوت الرعد " وقال جويبر ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر ، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه ، وأنه يسبح الله تعالى ، فإذا سبح لا يبقى ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القطر .
( والملائكة من خيفته ) أي : تسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وخشيته .
وقيل : أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد ، جعل الله تعالى له أعوانا ، فهم خائفون خاضعون طائعون .
قوله تعالى : ( ويرسل الصواعق ) جمع صاعقة ، وهي : العذاب المهلك ، ينزل من البرق فيحرق من يصيبه ( فيصيب بها من يشاء ) كما أصاب أربد بن ربيعة .
وقال محمد بن علي الباقر : الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر .
( وهم يجادلون ) يخاصمون ( في الله ) نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم : مم ربك أمن در أم من ياقوت أم من ذهب ؟
فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته .
وسئل الحسن عن قوله عز وجل : ( ويرسل الصواعق ) الآية ، قال : كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفرا يدعونه إلى الله ورسوله .
فقال لهم : أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه مم هو ؟
من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس ؟
فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه ؟
فقال : ارجعوا إليه ، فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى ، وقال : أجيب محمدا إلى رب لا أراه ولا أعرفه .
فانصرفوا وقالوا : يا رسول الله ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث .
فقال : ارجعوا إليه ، فرجعوا ، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه ، وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة ، فكانت فوق رءوسهم ، فرعدت وبرقت ، ورمت بصاعقة ، فاحترق الكافر ، وهم جلوس ، فجاءوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستقبلهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا لهم : احترق صاحبكم .
فقالوا : من أين علمتم فقالوا : أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله ) .
( وهو شديد المحال ) قال علي رضي الله عنه : شديد الأخذ .
وقال ابن عباس : شديد الحول .
وقال الحسن : شديد الحقد .
وقال مجاهد : شديد القوة .
وقال أبو عبيدة : شديد العقوبة .
وقيل : شديد المكر .
والمحال والمماحلة : المماكرة والمغالبة .
«ويسبح الرعد» هو ملك موكل بالسحاب يسوقه متلبسا «بحمده» أي يقول سبحان الله وبحمده «و» يسبح «الملائكة من خيفته» أي الله «ويرسل الصواعق» وهي نار تخرج من السحاب «فيصيب بها من يشاء» فتحرقه نزل في رجل بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يدعوه فقال من رسول الله وما الله أمن ذهب هو أم من فضة أم نحاس فنزلت به صاعقة فذهبت بقحف رأسه «وهم» أي الكفار «يجادلون» يخاصمون النبي صلى الله عليه وسلم «في الله وهو شديد المحال» القوة أو الأخذ.
ويسبِّح الرعد بحمد الله تسبيحًا يدل على خضوعه لربه، وتنزِّه الملائكة ربها مِن خوفها من الله، ويرسل الله الصواعق المهلكة فيهلك بها مَن يشاء من خلقه، والكفار يجادلون في وحدانية الله وقدرته على البعث، وهو شديد الحول والقوة والبطش بمن عصاه.
( وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ )والرعد : اسم للصوت الهائل الذى يسمع إثر تفجير شحنة كهربية فى طبقات الجو .وعطف - سبحانه - الرعد على البرق والسحاب ، لأنه مقارن لهما فى كثير من الأحوال .
والتسبيح : مشتق من السبح وهو المرور السريع فى الماء أو فى الهواء وسمى الذاكر الله - تعالى - مسبحا ، لأنه مسرع فى تنزيهه سبحانه عن كل نقص .وتسبيح الرعد - وهو هذا الصوت الهائل - بحمد الله ، يجب أن نؤمن به ، ونفوض كيفيته إلى الله - تعالى - لأنه من الغيب الذى لا يعلمه إلا هو - سبحانه - وقد بين لنا - سبحانه - فى كتابه أن كل شئ يسبح بحمده فقال : ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) وقد فصل القول فى معنى هذه الجملة الكريمة الإِمام الآلوسى فقال - رحمه الله - ما ملخصه :وقوله : ( وَيُسَبِّحُ الرعد ) قيل هو اسم للصوت المعلوم ، والكلام على حذف مضاف أى : ويسبح سامعو الرعد بحمده - سبحانه - رجاء للمطر .ثم قال : والذى اختاره أكثر المحدثين كون الإِسناد حقيقيا بناء على أن الرعد اسم للملك الذى يسوق السحاب ، فقد أخرج أحمد والترمذى وصححه والنسائى وآخرون عن ابن عباس أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أخبرنا ما هذا الرعد؟
فقال : " ملك من ملائكة الله - تعالى - موكّل بالسحاب ، بيديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله - تعالى - قالوا .فما هذا الصوت الذى نسمع؟
قال صوته - قالوا : صدقت " .ثم قال : واستشكل بأنه لو كان علما للملك لما ساغ تنكيره ، وقد نكر فى سورة البقرة فى قوله - تعالى - ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) وأجيب بأن له إطلاقين : ثانيهما إطلاقه على نفس الصوت ، والتنكير على هذا الإطلاق .
.
.والذى نراه أن تسبيح الرعد بحمد الله يجب الإِيمان به ، سواء أكان الرعد اسما لذلك الصوت المخصوص؛ أم اسما لملك من الملائكة ، أما كيفية هذا التسبيح فمردها إلى الله .قال الإِمام الشوكانى : ( وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ) أى يسبح الرعد نفسه بحمد الله .
أى متلبسا بحمده ، وليس هذا بمستبعد ، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك .وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد فى ذلك ، ويكون ذكره على الإِفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له .
وعناية بهوقال الإِمام ابن كثير : قال الإِمام أحمد : حدثنا عفان .
.
عن سالم عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع الرعد والصواعق قال : " اللهم لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك " .وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق .
.
عن أبى هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع صوت الرعد قال : " سبحان من يسبح الرعد بحمده " .وقوله - سبحانه - ( والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ) نوع رابع من الأدلة الدالة على وحدانية الله وقدرته .
أى ويسبح الرعد بحمد الله ، ويسبح الملائكة - أيضا - بحمد الله ، خوفا منه - تعالى - وإجلالا لمقامه وذاته .و ( من ) فى قوله - تعالى ( مِنْ خِيفَتِهِ ) للتعليل ، أى : يسبحون لأجل الخوف منه .
وقوله ( وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ ) نوع خامس من الظواهر الكونية الدالة على كما قدرته - سبحانه - .والصواعق جمع صاعقة ، وهى - كما يقول ابن جرير - كل أمر هائل رآه الرائى أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل .
.
.والمراد بها هنا : النار النازلة من السماء .أى ويرسل - سبحانه - الصواعق المهلكة فيصيب بها من يشاء إصابته من خلقه .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت فى رجل من طواغيت العرب ، بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - نفرا يدعونه إلى الإِسلام ، فقال لهم : أخبرونى عن رب محمد ما هو ، أمن فضه أم من حديد؟فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذا ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة فأهلكت الكافر وهم جلوس .رجعوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فاستقبلهم بعض الصحابة فقالوا لهم : احترق صاحبكم؟
فقالوا : من أين علمتم؟
قالوا : أوحى الله إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ( وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ )وضمير الجماعة فى قوله ( وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال ) يعود إلى أولئك الكافرين الذين سبق أن ساق القرآن بعض أقوالهم الباطلة ، والتى منها قولهم : ( أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول .والمراد بمجادلتهم فى الله : تكذيبهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - فيما أمرهم به من وجوب إخلاص عبادتهم لله - تعالى - وإيمانهم بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب .والمحال : الكيد والمكر ، والتدبير والقوة ، والعقاب .
.
يقال : محل فلان بفلان - بتثليث الحاء - محلا ومحالا ، إذا كاده وعرضه للهلاك .قال القرطبى : قال ابن الأعرابى : المحال المكر وهو من الله - تعالى - التدبير بالحق أو إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر .وقال الأزهرى : المحال : أى القوة والشدة .وقال أبو عبيد : المحال : العقوبة والمكروه .أى : أن هؤلاء الكافرين يجادلونك - أيها الرسول فى ذات الله وفى صفاته ، وفى وحدانيته ، وفى شأن البعث ، وينكرون ما جئتهم به من بينات والحال أن الله - تعالى - ( وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ .
فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) ثم
اعلم أنه تعالى لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر هذه الآيات وهي مشتملة على أمور ثلاثة، وذلك لأنها دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته، وأنها تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه، وتشبه العذاب والقهر من بعض الوجوه.
واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أموراً أربعة.
الأول: البرق وهو قوله تعالى: ﴿ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف في انتصاب قوله: ﴿ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ وجوه: الأول: لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع أو على معنى إخافة وإطماعاً.
الثاني: يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير: ذا خوف وذا طمع أو على معنى إيخافاً وإطماعاً.
الثالث: أن يكونا حالاً من المخاطبين أي خائفين وطامعين.
المسألة الثانية: في كون البرق خوفاً وطمعاً وجوه: الأول: أن عند لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث قال المتنبي: فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى *** يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق الثاني: أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر والزبيب ويطمع فيه من له فيه نفع.
الثالث: أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم، وشر بالنسبة إلى آخرين، فكذلك المطر خير في حق من يحتاج إليه في أوانه، وشر في حق من يضره ذلك، إما بحسب المكان أو بحسب الزمان.
المسألة الثالثة: اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية ونارية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب، والنار جسم حار يابس وظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلابد من صانع مختار يظهر الضد من الضد.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثم إن ذلك الريح يمزقه تمزيقاً عنيفاً فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة، والحركة العنيفة موجبة للسخونة وهي البرق؟
والجواب: أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول وبيانه من وجوه: الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال: أينما يحصل البرق فلابد وأن يحصل الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه كثيراً ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد.
الثاني: أن السخونة الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد، وعند حصول هذا العارض القوي كيف تحدث النارية؟
بل نقول: النيران العظيمة تنطفئ بصب الماء عليها، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية؟
الثالث: من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة، فهب أنه حصلت النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون الأحمر؟
فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم السحاب مع كونه ماء خالصاً لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم.
النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَيُنْشِئ السحاب الثقال ﴾ قال صاحب الكشاف: السحاب اسم جنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام وهي الثقال بالماء.
واعلم أن هذا أيضاً من دلائل القدرة والحكمة، وذلك لأن هذه الأجزاء المائية إما أن يقال إنها حدثت في جو الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر وهو المطلوب، وإن كان الثاني، وهو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت فرجعت إلى الأرض فنقول هذا باطل، وذلك لأن الأمطار مختلفة فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون صغيرة وتارة تكون متقاربة، وأخرى تكون متباعدة وتارة تدوم مدة نزول المطر زماناً طويلاً وتارة قليلاً فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة، وطبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة لابد وأن يكون بتخصيص الفاعل المختار وأيضاً فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثراً عظيماً ولذلك كانت صلاة الاستسقاء مشروعة، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل لا الطبيعة والخاصية.
النوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد وهو قوله: ﴿ وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ وفيه أقوال: القول الأول: إن الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك بالتسبيح والتهليل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟
فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله» قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟
قال: «زجره السحاب» وعن الحسن أنه خلق من خلق الله ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله تعالى وذلك الصوت أيضاً يسمى بالرعد ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ينشئ السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق».
واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطاً لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلاً له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى أن السمندل يتولد في النار، والضفادع تتولد في الماء البارد، والدودة العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة، وأيضاً فإذا لم يبعد تسبيح الجبال في زمن داود عليه السلام، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يستبعد تسبيح السحاب وعلى هذا القول فهذا الشيء المسمى بالرعد ملك أو ليس بملك فيه قولان: أحدهما: أنه ليس بملك لأنه عطف عليه الملائكة، فقال: ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ والمعطوف عليه مغاير للمعطوف.
والثاني: وهو أنه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ وفي قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ ومِن نُوحٌ ﴾ .
القول الثاني: أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص، ومع ذلك فإن الرعد يسبح الله سبحانه، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى، فلما كان حدوث هذا الصوت دليلاً على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان، كان ذلك في الحقيقة تسبيحاً، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ .
القول الثالث: أن المراد من كون الرعد مسبحاً أن من يسمع الرعد فإنه يسبح الله تعالى، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه.
القول الرابع: من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم.
فإن قيل: وما حقيقة الرعد؟
قلنا: استقصينا القول في سورة البقرة في قوله: ﴿ فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ .
أما قوله: ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ فاعلم أن من المفسرين من يقول: عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، فإنه سبحانه جعل له أعواناً، ومعنى قوله: ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم، فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره، وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد اسم ملك من الملائكة يسبح الله، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو عين ما ذكره المحققون عن الحكماء، فكيف يليق بالعاقل الإنكار؟
النوع الرابع: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء ﴾ واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة.
قال المفسرون: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه، ويريدان الفتك به، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته، ورمى عامراً بغدة كغدة البعير، ومات في بيت سلولية.
واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جداً وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب، وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر، والحكماء بالغوا في وصف قوتها، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة وطبيعتها ضد طبيعة السحاب، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإنها أقوى نيران هذا العالم، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لابد وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل المختار.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال: ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات.
ثم قال: ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل يجادلون في الله وهو يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون المراد الرد على الكافر الذي قال: أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد.
وثانيها: أن يكون المراد الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر.
وثالثها: أن يكون المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات.
ورابعها: أن يكون المراد الرد عليهم في استنزال عذاب الاستئصال.
وفي هذه الواو قولان: الأول: أنه للحال، والمعنى: فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله، وذلك أن أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة.
والثاني: أنها واو الاستئناف كأنه تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك: ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المحال ﴾ وفي لفظ المحال أقوال: قال ابن قتيبة: الميم زائدة وهو من الحول، ونحوه ميم مكان، وقال الأزهري: هذا غلط، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية، نحو مهاد ومداس ومداد، واختلفوا مم أخذ على وجوه: الأول: قيل من قولهم محل فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك، وتمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، فكان المعنى: أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه يهلكهم بطريق لا يتوقعونه.
الثاني: أن المحال عبارة عن الشدة، ومنه تسمى السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلاناً محالاً.
أي قاومته أينا أشد، قال أبو مسلم: ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة والمقابلة، فكأن المعنى: أنه تعالى شديد المغالبة، وللمفسرين هاهنا عبارات فقال مجاهد وقتادة: شديد القوة، وقال أبو عبيدة: شديد العقوبة، وقال الحسن: شديد النقمة، وقال ابن عباس: شديد الحول.
الثالث: قال ابن عرفة: يقال ماحل عن أمره أي جادل، فقوله: ﴿ شَدِيدُ المحال ﴾ أي شديد الجدال.
الرابع: روي عن بعضهم: ﴿ شَدِيدُ المحال ﴾ أي شديد الحقد.
قالوا: هذا لا يصح، لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى، إلا أنا قد ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق الله تعالى فإنها تحصل على نهايات الأعراض لا على مبادئ الأعراض، فالمراد بالحقد هاهنا هو أنه تعالى يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ لا يصح أن يكونا مفعولاً لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف، أي: إرادة خوف وطمع.
أو على معنى إخافة وإطماعاً، ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه في نفسه خوف وطمع.
أو على: ذا خوف وذا طمع.
أو من المخاطبين، أي: خائفين وطامعين.
ومعنى الخوف والطمع: أنّ وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث.
قال أبو الطيب: فَتَى كالسَّحَابِ الْجُونِ تُخْشَى وَتُرْتَجَى ** يُرْجَى الْحَيَاء مِنْهَا وَيُخْشَى الصَّوَاعِقُ وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر، كالمسافر، ومن له في جرينه التمر والزبيب، ومن له بيت يكف، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر، ويطمع فيه من له فيه نفع، ويحيا به ﴿ السحاب ﴾ اسم الجنس، والواحدة سحابة.
و ﴿ الثقال ﴾ جمع ثقيلة؛ لأنك تقول سحابة ثقيلة، وسحاب ثقال، كما تقول: امرأة كريمة ونساء كرام، وهي الثقال بالماء ﴿ وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ﴾ ويسبح سامع الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين له.
أي يضجون بسبحان الله والحمد لله.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «سبحان من يسبح الرعد بحمده» وعن علي رضي الله عنه: سبحان من سبحت له.
وإذا اشتدّ الرعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» وعن ابن عباس أنّ اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟
فقال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب» وعن الحسن: خلق من خلق الله ليس بملك.
ومن بدع المتصوّفة.
الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم ﴿ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده، وما دلّ على قدرته الباهرة ووحدانيته ثم قال ﴿ وَهُمْ ﴾ يعني الذين كفروا وكذّبوا رسول الله وأنكروا آياته ﴿ يجادلون فِي الله ﴾ حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعاد، الخلائق بقولهم ﴿ مِنْ يحيى العظام وَهِىَ رَمِيمٌ ﴾ [يس: 78] ويردّون الوحدانية باتخاذ الشركاء والأنداد، ويجعلونه بعض الأجسام المتوالدة بقولهم ﴿ الملائكة * بَنَات الله ﴾ فهذا جدالهم بالباطل، كقولهم ﴿ وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق ﴾ [غافر: 5] وقيل: الواو للحال.
أي: فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم.
وذلك أنّ أربد أخا لبيد ابن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم- حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين لقتله فرمى الله عامراً بغدّة كغدّة البعير وموت في بيت سلولية، وأرسل على أربد صاعقة فقتلته- أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد؟
﴿ المحال ﴾ المماحلة، وهي شدّة المماكرة والمكايدة.
ومنه: تمحل لكذا، إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان.
ومنه الحديث: «ولا تجعله علينا ما حلا مصدّقاً» وقال الأعشى: فَرْعُ نَبْعٍ يَهَشُّ في غُصُنِ الْمَجْ ** دِ غَزِيرُ النّدَى شَدِيدُ الْمِحَالِ والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون.
وقرأ الأعرج بفتح الميم، على أنه مفعل، من حال يحول محالا إذا احتال.
ومنه: أحول من ذئب، أي أشدّ حيلة.
ويجوز أن يكون المعنى: شديد الفقار، ويكون مثلا في القوة والقدرة كما جاء: فساعد الله أشدّ، وموساه أحدّ؛ لأن الحيوان إذا اشتدّ محاله، كان منعوتاً بشدّة القوّة والاضطلاع بما يعجز عنه غيره.
ألا ترى إلى قولهم: فقرته الفواقر؟
وذلك أن الفقار عمود الظهر وقوامه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا ﴾ مِن أذاهُ.
﴿ وَطَمَعًا ﴾ في الغَيْثِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ إرادَةُ خَوْفٍ وطَمَعٍ أوِ التَّأْوِيلُ بِالإخافَةِ والإطْماعِ، أوِ الحالُ مِنَ ﴿ البَرْقَ ﴾ أوِ المُخاطِبِينَ عَلى إضْمارِ ذُو، أوْ إطْلاقُ المَصْدَرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقِيلَ يَخافُ المَطَرَ مَن يَضُرُّهُ ويَطْمَعُ فِيهِ مَن يَنْفَعُهُ.
﴿ وَيُنْشِئُ السَّحابَ ﴾ الغَيْمَ المُنْسَحِبَ في الهَواءِ.
﴿ الثِّقالَ ﴾ وهو جَمْعُ ثَقِيلَةٍ وإنَّما وُصِفَ بِهِ السَّحابُ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ في مَعْنى الجَمْعِ.
﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ ﴾ ويَسَبِّحُ سامِعُوهُ.
﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ مُلْتَبِسِينَ بِهِ فَيَضِجُّونَ بِسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، أوْ يَدُلُّ الرَّعْدُ بِنَفْسِهِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ مُلْتَبِسًا بِالدَّلالَةِ عَلى فَضْلِهِ ونُزُولِ رَحْمَتِهِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنِ الرَّعْدِ فَقالَ: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ مَعَهُ مَخارِيقُ مِن نارٍ يَسُوقُ بِها السَّحابَ» .
﴿ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ﴾ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى وإجْلالِهِ وقِيلَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿ الرَّعْدُ ﴾ .
﴿ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ فَيُهْلِكُهُ.
﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ حَيْثُ يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللَّهِ فِيما يَصِفُهُ بِهِ مِن كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ وإعادَةِ النّاسِ ومُجازاتِهِمْ، والجِدالُ التَّشَدُّدُ في الخُصُومَةِ مِنَ الجَدْلِ وهو الفَتْلُ، والواوُ إمّا لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ أوْ لِلْحالِ فَإنَّهُ رُوِيَ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أخا لَبِيَدٍ وفَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ قاصِدَيْنِ لِقَتْلِهِ، فَأخَذَهُ عامِرٌ بِالمُجادَلَةِ ودارَ أرْبَدُ مِن خَلْفِهِ لِيَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، فَتَنَبَّهَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِما بِما شِئْتَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ، ورَمى عامِرًا بِغُدَّةٍ فَماتَ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، وكانَ يَقُولُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ، فَنَزَلَتْ.» ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ المُماحَلَةُ المُكايَدَةُ لِأعْدائِهِ، مِن مَحَلَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا كايَدَهُ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ، ومِنهُ تَمَحَّلَ إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ، وَلَعَلَّ أصْلَهُ المَحْلُ بِمَعْنى القَحْطِ.
وقِيلَ فَعالٌ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ.
وقِيلَ مُفْعِلٌ مِنَ الحَوْلِ أوِ الحِيلَةِ أُعِلَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مُفْعِلٌ مِن حالَ يَحُولُ إذا احْتالَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفَقارِ فَيَكُونُ مَثَلًا في القُوَّةِ والقُدْرَةِ كَقَوْلِهِمْ: فَساعِدُ اللَّهِ أشُدُّ ومُوساهُ أحَدُّ.
<div class="verse-tafsir"
{ويسبح الرعد بحمده} قيل يسبح سامعوا الرعد من العباد الراجين للمطر أي يصيحون بسبحان الله والحمد لله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الرعد ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب والصوت الذي يسمع زجره السحاب حتى ينتهي إلى حيث أمر {والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ} ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله {وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء} الصاعقة نار تسقط من السماء لما ذكر علمه النافذ في كل شيء واستواء الظاهر والخفي عنده وما دل على قدرته الباهرة ووحدانيته قال {وَهُمْ يجادلون فِي الله} يعنى الذين كذبوا رسول الله صلى اله عليه وسلم يجادلون في الله حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث وإعادة الخلائق بقولهم من يحيى العظام وهي رميم ويردون الواحدنية باتخاذ الشركاء ويجعلونه بعض الأجسام بقولها الملائكة بنات الله أو الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم وذلك ان أريد أخا لبيد بن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين قتله فرمى الله عامراً بغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية
الرعد (١٣ _ ١٦)
وأرسل على أربد صاعقة فقتله أخبرني عن ربنا أمن نحاس هو
أم من حديد {وَهُوَ شَدِيدُ المحال} أي المماحلة وهي شدة المماكرة والمكايدة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف لاستعمال الحيلة واجتهد فيه ومحل فلان اذا كادوه سعى به إلى السلطان والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه يأتيهم بالهلكة من حيث لا يحتسبون
﴿ ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ ﴾ قِيلَ: هو اسْمٌ لِلصَّوْتِ المَعْلُومِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ سامِعُو الرَّعْدِ أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ لِلْحامِلِ والسَّبَبِ والباءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يُسَبِّحُ السّامِعُونَ لِذَلِكَ الصَّوْتِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى فَيَضِجُّونَ بِسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ.
وقِيلَ: لا حَذْفَ ولا تَجُوزُ في الإسْنادِ وإنَّما التَّجَوُّزُ في التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ حَيْثُ شَبَّهَ دَلالَةَ الرَّعْدِ بِنَفْسِهِ عَلى تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ الشَّرِيكِ والعَجْزِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ اللَّفْظِيِّ ودَلالَتِهِ عَلى فَضْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَحِمَتْهُ بِحَمْدِ الحامِدِ لِما فِيهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِفاتِ الكَمالِ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ اسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ وقِيلَ: الرَّعْدُ اسْمُ مَلَكٍ فَإسْنادُ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ إلَيْهِ حَقِيقَةٌ.
قالَ في الكَشْفِ: والأشْبَهُ في الآيَةِ الحَمْلُ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِيَتَلاءَمَ الكَلامُ فَإنَّ الرَّعْدَ في المُتَعارَفِ يَقَعُ عَلى الصَّوْتِ المَخْصُوصِ وهو الَّذِي يُقْرَنُ بِالذِّكْرِ مَعَ البَرْقِ والسَّحابِ والكَلامُ في إراءَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ وإيجادِها وتَسْبِيحِ مَلَكِ الرَّعْدِ لا يُلائِمُ ذَلِكَ أمّا حَمْلُ الصَّوْتِ المَخْصُوصِ لِلسّامِعِينَ عَلى التَّسْبِيحِ والحَمْدِ فَتَشْدِيدُ المُلاءَمَةِ جِدًّا وإذا حُمِلَ عَلى الإسْنادِ حَقِيقَةً فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا دَلالَةً عَلى اعْتِرافِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ وسائِرِ المَلائِكَةِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وجُحُودِ الإنْسانِ ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ عَلى ما ادَّعى أنَّهُ الأشْبَهُ يَبْقى كالِاعْتِراضِ في البَيْنِ والَّذِي اخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَدِّثِينَ كَوْنُ الإسْنادِ حَقِيقِيًّا بِناءً عَلى أنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِلْمَلَكِ الَّذِي يَسُوقُ السَّحابَ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وآخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَقالُوا: أخْبِرْنا ما هَذا الرَّعْدُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَلَكٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ بِيَدَيْهِ مِخْراقٌ مِن نارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحابَ يَسُوقُهُ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى قالُوا: فَما هَذا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: صَوْتُهُ فَقالُوا: صَدَّقْتَ» والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ عَلَمًا لِلْمَلَكِ لَما ساغَ تَنْكِيرُهُ وقَدْ نُكِّرَ في البَقَرَةِ وأُجِيبَ بِأنَّ لَهُ إطْلاقَيْنِ ثانِيهِما إطْلاقُهُ عَلى نَفْسِ الصَّوْتِ والتَّنْكِيرُ عَلى هَذا الإطْلاقِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: إنَّ الرَّعْدَ رِيحٌ تَخْفُقُ بَيْنَ السَّحابِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ فَإنَّ ذَلِكَ مِن نَزَعاتِ الطَّبِيعِيِّينَ وغَيْرِهِمْ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ الحُكَماءِ يَذْكُرُونَ أنَّ هَذِهِ الآثارَ العُلْوِيَّةَ إنَّما تَتِمُّ بِقُوًى رُوحانِيَّةٍ فَلَكِيَّةٍ ولِلسَّحابِ رُوحٌ مُعِينٌ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ وكَذا القَوْلُ في الرِّياحِ وسائِرِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ وهو عَيْنُ ما قُلْنا مِن أنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِمَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى فَهَذا الَّذِي قالَهُ المُفَسِّرُونَ بِهَذِهِ العِبارَةِ هو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ الحُكَماءِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ الإنْكارُ.
اهَـ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا بِأنَّ غَرَضَهُ جَرَيانُ ما يَتَخَيَّلَهُ الفَلاسِفَةُ عَلى مَناهِجِ الشَّرِيعَةِ ولَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أبَدًا ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في عَدَمِ صِحَّةِ التَّطْبِيقِ بَيْنَ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وما نَسَجَتْهُ عَناكِبُ أفْكارِ الفَلاسِفَةِ نَعَمْ إنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ في أقَلِّ قَلِيلٍ مِن ذاكَ وهَذا، والمَشْهُورُ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ الرِّيحَ تَحْتَقِنُ في داخِلِ السَّحابِ ويَسْتَوْلِي البَرَدُ عَلى ظاهِرِهِ فَيَتَجَمَّدُ السَّطْحُ الظّاهِرُ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرِّيحَ يُمَزِّقُهُ تَمْزِيقًا عَنِيفًا فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ حَرَكَةٌ عَنِيفَةٌ وهي مُوجِبَةٌ لِلسُّخْرِيَةِ ولَيْسَ البَرْقُ والرَّعْدُ إلّا ما حَصَلَ مِنَ الحَرَكَةِ وتَسْخِينِها وأمّا السَّحابُ فَهو أبْخِرَةٌ مُتَصاعِدَةٌ قَدْ بَلَغَتْ في صُعُودِها إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ لَكِنْ لَمّا لَمْ يَقْوَ البَرَدُ تَكاثَفَتْ بِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ البَرَدِ واجْتَمَعَتْ وتَقاطَرَتْ ويُقالُ لِلْمُتَقاطِرِ مَطَرٌ ورُدَّ الأوَّلُ بِأنَّهُ خِلافُ المَعْقُولِ مِن وُجُوهٍ أحَدُها أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلَّما حَصَلَ البَرْقُ حَصَلَ الرَّعْدُ وهو الصَّوْتُ الحادِثُ مِن تَمْزِيقِ السَّحابِ ومَعْلُومٌ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ البَرْقُ القَوِيُّ مِن غَيْرِ حُدُوثِ الرَّعْدِ.
ثانِيهِما أنَّ السُّخُونَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ قُوَّةِ الحَرَكَةِ مُقابَلَةٌ بِالطَّبِيعَةِ المائِيَّةِ المُوجِبَةِ لِلْبَرَدِ وعِنْدَ حُصُولِ هَذا المُعارِضِ القَوِيِّ كَيْفَ تَحْدُثُ النّارِيَّةُ بَلْ يُقالُ: النِّيرانُ العَظِيمَةُ تَنْطَفِئُ بِصَبِّ الماءِ عَلَيْها والسَّحابُ كُلُّهُ ماءٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ فِيهِ شُعْلَةٌ ضَعِيفَةٌ نارِيَّةٌ ثالِثُهُما أنَّ مِن مَذْهَبِكم أنَّ النّارَ الصِّرْفَةَ لا لَوْنَ لَها البَتَّةَ فَهَبْ أنَّهُ حَصَلَتِ النّارِيَّةُ بِسَبَبِ قُوَّةِ المُحاكَّةِ الحاصِلَةِ في أجْزاءِ السَّحابِ لَكِنْ مِن أيْنَ حَدَثَ ذَلِكَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ ورُدَّ الثّانِي بِأنَّ الأمْطارَ مُخْتَلِفَةٌ فَتارَةً تَكُونُ قَطَراتُها كَبِيرَةً وتارَةً تَكُونُ صَغِيرَةً وتارَةً تَكُونُ مُتَقارِبَةً وأُخْرى تَكُونُ مُتَباعِدَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ وذَلِكَ مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الأرْضِ واحِدَةٌ وطَبِيعَةَ الشَّمْسِ المُسَخِّنَةِ لِلْبُخاراتِ واحِدَةٌ يَأْبى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما قَرَّرُوا وأيْضًا التَّجْرِبَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ لِلتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ في انْعِقادِ السَّحابِ ونُزُولِ الغَيْثِ أثَرًا عَظِيمًا وهو يَأْبى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ فَلَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ إلّا بِإحْداثِ مُحْدِثٍ حَكِيمٍ قادِرٍ يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في تَكَوُّنِ ما ذُكِرَ أسْبابٌ عادِيَّةٌ كَما في الكَثِيرِ مِن أفْعالِهِ تَعالى وذَلِكَ لا يُنافِي نِسْبَتُهُ إلى المُحْدِثِ الحَكِيمِ القادِرِ جَلَّ شَأْنُهُ ومَن أنْصَفَ لَمْ يُسْعِفْهُ إنْكارُ الأسْبابِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ بَعْضَها كالمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ وبِهَذا أنا أقُولُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.
وكانَ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «إذا هَبَّتِ الرِّيحُ أوْ سُمِعَ صَوْتُ الرَّعْدِ تَغَيَّرُ لَوْنُهُ حَتّى يُعْرَفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ الشَّرِيفِ ثُمَّ يَقُولُ لِلرَّعْدِ: سُبْحانَ مَن سَبَحْتَ لَهُ ولِلرِّيحِ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها عَذابًا».
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ والصَّواعِقِ قالَ: اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ ولا تُهْلِكْنا بِعَذابِكَ وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ».
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ «أنَّ قَوْمًا سَمِعُوا الرَّعْدَ فَكَبَّرُوا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : إذا سَمِعْتُمُ الرَّعْدَ فَسَبِّحُوا ولا تُكَبِّرُوا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ قالَ سُبْحانَ مَن يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» ﴿ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ﴾ أيْ ويُسَبِّحُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن هَيْبَتِهِ تَعالى وإجْلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الرَّعْدِ والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ أعْوانُهُ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى تَحْتَ يَدِهِ خائِفِينَ خاضِعِينَ لَهُ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ ﴿ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ ﴾ جَمْعُ صاعِقَةٍ وهي كالصّاعِقَةِ في الأصْلِ الهَدَّةُ الكَبِيرَةُ إلّا أنَّ الصَّقْعَ يُقالُ في الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ والصَّعْقَ في الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ والمُرادُ بِها هُنا النّارُ النّازِلَةُ مِنَ السَّحابِ مَعَ صَوْتٍ شَدِيدٍ ﴿ فَيُصِيبُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِها مَن يَشاءُ ﴾ إصابَتُهُ بِها فَيُهْلِكُهُ قِيلَ: وهَذِهِ النّارُ قِيلَ تَحْصُلُ مِنَ احْتِكاكِ أجْزاءِ السَّحابِ واسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّعْدُ مَلَكٌ اسْمُهُ الرَّعْدُ وصَوْتُهُ هَذا تَسْبِيحُهُ فَإذا اشْتَدَّ زَجْرُهُ احْتَكَّ السَّحابُ واصْطَدَمَ مِن خَوْفِهِ فَتُخْرِجُهُ الصَّواعِقُ مِن بَيْنِهِ وقالَ الفَلاسِفَةُ: إنَّ الدُّخانَ المُحْتَبِسَ في جَوْفِ السَّحابِ إذا نَزَلَ ومَزَّقَ السَّحابَ قَدْ يَشْتَعِلُ بِقُوَّةِ التَّسْخِينِ الحاصِلِ مِنَ الحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ والمُصاكَّةِ العَنِيفَةِ وإذا اشْتَعَلَ فَلَطِيفُهُ يَنْطَفِئُ سَرِيعًا وهو البَرْقُ وكَثِيفُهُ لا يَنْطَفِئُ حَتّى يَصِلَ إلى الأرْضِ وهو الصّاعِقَةُ وإذا وصَلَ إلَيْها فَرُبَّما صارَ لَطِيفًا يَنْفُذُ في المُتَخَلْخِلِ ولا يَحْرُقُهُ بَلْ يَبْقى مِنهُ أثَرُ سَوادٍ ويُذِيبُ ما يُصادِمُهُ مِنَ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُنْدَمِجَةِ فَيُذِيبُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ في الصُّرَّةِ مَثَلًا ولا يَحْرُقُها إلّا ما أُحْرِقَ مِنَ المُذَوِّبِ وقَدْ أخْبَرَ أهْلُ التَّواتُرِ بِأنَّ صاعِقَةً وقَعَتْ مُنْذُ زَمانٍ بِشِيرازَ عَلى قُبَّةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفٍ قُدِّسَ سِرُّهُ فَأذابَتْ قِنْدِيلًا فِيها ولَمْ تَحْرِقْ شَيْئًا مِنها ورُبَّما كانَ كَثِيفًا غَلِيظًا جِدًّا فَيَحْرُقُ كُلَّ شَيْءٍ أصابَهُ وكَثِيرًا ما يَقَعُ عَلى الجَبَلِ فَيَدُكُّهُ دَكًّا وقَدْ يَقَعُ عَلى البَحْرِ فَيَغُوصُ فِيهِ ويَحْرُقُ ما فِيهِ مِنَ الحَيَواناتِ ورُبَّما كانَ جِرْمُ الصّاعِقَةِ دَقِيقًا جِدًّا مِثْلَ السَّيْفِ فَإذا وصَلَ إلى شَيْءٍ قَطَعَهُ بِنِصْفَيْنِ ولا يَكُونُ مِقْدارُ الِانْفِراجِ إلّا قَلِيلًا ويُحْكى أنَّ صَبِيًّا كانَ نائِمًا بِصَحْراءَ فَأصابَتِ الصّاعِقَةُ ساقَيْهِ فَسَقَطَتْ رِجْلاهُ ولَمْ يَخْرُجْ دَمٌ لِحُصُولِ الكَيِّ مِن حَرارَتِها وهَذا الَّذِي قالُوهُ في سَبَبِ تَكْوِينِها لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في ذَلِكَ ومادَّتُها عَلى ما نَقَلَ بَعْضُهم عَنِ ابْنِ سِينا أجْسامٌ نارِيَّةٌ فارَقَتْها السُّخُونَةُ وصارَتْ لِاسْتِيلاءِ البُرُودَةِ عَلى جَوْهَرِها مُتَكافِئَةً وقالَ الإمامُ في شَرْحِ الإشاراتِ: الصَّواعِقُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ تُشْبِهُ الحَدِيدَ تارَةً والنُّحاسَ تارَةً والحَجَرَ تارَةً وهو ظاهِرٌ في أنَّ مادَّتَها لَيْسَتْ كَذَلِكَ إلّا لَما اخْتَلَفَتْ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ مادَّتَها الأبْخِرَةُ والأدْخِنَةُ الشَّبِيهَةُ بِمَوادِّ هَذِهِ الأجْسامِ وقِيلَ: إنَّها نارٌ تَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ إذا اشْتَدَّ زَجْرُهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: إنَّ بُحُورًا مِن نارٍ دُونَ العَرْشِ يَكُونُ مِنها الصَّواعِقُ وإذا صَحَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ لا يَعْدِلُ عَنْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ مَن سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ فَقالَ سُبْحانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مَن خِيفَتِهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَإنْ أصابَتْهُ صاعِقَةٌ فَعَلَيَّ دِيَتُهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: الصّاعِقَةُ تُصِيبُ المُؤْمِنَ والكافِرَ ولا تُصِيبُ ذاكِرًا وفي خَبَرٍ مَرْفُوعٍ ما يُؤَيِّدُهُ وقَدْ أهْلَكَتْ أرْبَدَ كَما عَلِمْتَ وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ أخُوهُ لِأُمِّهِ لَبِيدٌ العامِرِيُّ بِقَوْلِهِ يَرْثِيهِ: .
أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والَأسَدِ فَجَعَنِي البَرْقُ والصَّواعِقُ ∗∗∗ بِالفارِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَّجَدِ وفِي تِلْكَ القِصَّةِ عَلى ما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ نَزَلَتِ الآيَةُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ يَهُودِيًّا ناظَرَ رَسُولَ اللَّهِ فَبَيْنا هو كَذَلِكَ نَزَلَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْ قِحْفَ رَأْسِهِ فَنَزَلَتْ وقِيلَ: «إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ إلى جَبّارٍ مِنَ العَرَبِ لِيُسْلِمَ فَقالَ: أخْبِرُونِي عَنْ إلَهِ مُحَمَّدٍ أمِن لُؤْلُؤٍ هو أمْ مِن ذَهَبٍ أمْ مِن نُحاسٍ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ صاعِقَةٌ فَأهْلَكَتْهُ فَنَزَلَتْ».
و( مَن ) مَفْعُولُ ﴿ يُصِيبُ ﴾ والكَلامُ عَلى ما في البَحْرِ مِن بابِ الإعْمالِ وقَدْ أُعْمِلَ فِيهِ الثّانِي إذْ كُلٌّ مِن ( يُرْسِلُ ) و ﴿ يُصِيبُ ﴾ يَطْلُبُ ( مَن ) ولَوِ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها عَلى مَن يَشاءُ لَكِنْ جاءَ عَلى الكَثِيرِ في لِسانِ العَرَبِ المُخْتارِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو إعْمالُ الثّانِي ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ عِلْمَهُ النّافِذَ في كُلِّ شَيْءٍ واسْتِواءَ الظّاهِرِ والخَفِيِّ عِنْدَهُ تَعالى وما دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ ووَحْدانِيَّتِهِ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وهُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْكَرُوا آياتِهِ ﴿ يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ حَيْثُ يُكَذِّبُونَ ما يَصِفُهُ الصّادِقُ بِهِ مِن كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ وإعادَةِ النّاسِ ومَجازاتِهِمْ فالمُرادُ بِالمُجادَلَةِ فِيهِ تَعالى المُجادَلَةُ في شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ وهي مِنَ الجَدَلِ بِفَتْحَتَيْنِ أشَدُّ الخُصُومَةِ وأصْلُهُ مِنَ الجَدْلِ بِالسُّكُونِ وهو فَتْلُ الحَبْلِ ونَحْوِهِ لِأنَّهُ يَقْوى بِهِ ويَشُدُّ طاقاتِهِ.
وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ ذَلِكَ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ كَأنَّ المُتَجادِلَيْنِ يَفْتُلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ عَنْ رَأْيِهِ وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ وإلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذُكِرَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ في الكَشْفِ: وفي كَلامِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في الكَلامِ التِفاتًا لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ .
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ فِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ وإنَّ شِئْتَ فَتَأمَّلْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ ثُمَّ التَفِتْ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وحُسْنِ مَوْقِعِها أمّا الأوَّلُ فَما فِيهِ مِن تَخْصِيصِ الوَعِيدِ المُدْمَجِ في ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ ولِهَذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ إلى ﴿ مِن والٍ ﴾ وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى عَلى ذِي بَصِيرَةٍ والحَثُّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ زِيادَةُ التَّقْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ وفي مَجِيءِ ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ .
﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ هَكَذا مِن دُونِ حَرْفِ النَّسَقَ لِأنَّ الأوَّلَ مُقَرِّرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ مَعَ زِيادَةِ الإدْماجِ المَذْكُورِ تَحْقِيقًا لِلْعِلْمِ والثّانِي مُقَرِّرٌ لِما ضُمِّنَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ مَعَ رِعايَةِ نَمَطِ التَّعْدِيدِ عَلى أُسْلُوبِ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ ما يُبْهِرُ الألْبابَ ويُظْهِرُ لِلْمَتَأمِّلِ في وجْهِ الإعْجازِ التَّنْزِيلِيِّ العَجَبَ العُجابَ وأمّا الثّانِي فَما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَعَ وُضُوحِ الآياتِ وتِلاوَتِها عَلَيْهِمْ والتَّنْبِيهِ البالِغِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا لَمْ يُبالُوا بِها بالَةً فَكَأنَّهُ يَشُكُوا جِنايَتَهم إلى مَن يَسْتَحِقُّ الخِطابَ أوْ كَمَن يُدَمْدِمُ في نَفْسِهِ أنِّي أصْنَعُ بِهِمْ وأفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ جَزاءَ ما ارْتَكَبُوهُ لِيَرى ما يُرِيدُ أنْ يُوقِعَ بِهِمْ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ( هم ) إلى آخِرِهِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ المَعْطُوفُ عَلى ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ والعُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ وطَرْحُ رِعايَةِ التَّناسُبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ما ازْدادُوا بَعْدَ الآياتِ إلّا عِنادًا ( وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ) وجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ عَلى مَعْنى هو الَّذِي يُرِيكم هَذِهِ الآياتِ الكَوامِلَ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ وأنْتُمْ تُجادِلُونَ فِيهِ سُبْحانَهُ وهَذا أقْرَبُ مَأْخَذًا والأوَّلُ أمَلًا بِالفائِدَةِ.
اهَـ.
ومَخايِلُ التَّحْقِيقِ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ وزَعَمَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ الأنْسَبَ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ أنْ يَكُونَ هَذا تَسْلِيَةً لِحَبِيبِهِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا نَعى عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ عِنادَهم في اقْتِراحِهِمُ الآياتِ كَآياتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وإنْكارِهِمْ كَوْنَ الَّذِي جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ سَلّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِما ذُكِرَ كَأنَّهُ قالَ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإنَّكَ لَسْتَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ فَإنَّهُ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ البَيِّناتِ ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ يُجادِلُونَ في اللَّهِ تَعالى بِاتِّخاذِ الشُّرَكاءِ وإثْباتِ الأوْلادِ ومَعَ شُمُولِ عِلْمِهِ تَعالى وكَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ والنَّشْرَ ومَعَ قَهْرِ سُلْطانِهِ وشَدِيدِ سَطْوَتِهِ يُقْدِمُونَ عَلى المُكايَدَةِ والعِنادِ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَلْيُتَأمَّلْ ولا يُسْتَحْسَنُ العَطْفُ عَلى ( يُرْسِلُ الصَّواعِقَ ) لِعَدَمِ الِاتِّساقِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن مَفْعُولِ ( يُصِيبُ ) أيْ يُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ في حالِ جِدالِهِ أوْ مِن مَفْعُولِ ﴿ يَشاءُ ﴾ عَلى ما قِيلَ وهو كَما تَرى ولا يُعَيِّنُ سَبَبُ النُّزُولِ الحالِيَّةَ كَما لا يَخْفى ﴿ وهُوَ ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ .
(13) .
أيِ المُماحَلَةِ وهي المُكايَدَةُ مِن مَحَلَ بِفُلانٍ بِالتَّخْفِيفِ إذا كادَهُ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ ومِنهُ تَمَحَّلَ لِكَذا إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ واجْتَهَدَ فِيهِ فَهو مَصْدَرٌ كالقِتالِ وقِيلَ: هو اسْمُ لا مَصْدَرٌ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: .
فَرْعُ نَبْلٍ يَهْتَزُّ في غُصْنِ المَجْـ ∗∗∗ دِ عَظِيمُ النَّدى شَدِيدُ المِحالِ وقَوْلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: .
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم عَدُوًّا مِحالَكَ.
وكَأنَّ أصْلَهُ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القَحْطِ وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ مُرْوِيٌّ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: هو مِفْعَلٌ لا فِعالٌ مِنَ الحَوْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هو كَذَلِكَ مِنَ الحِيلَةِ المَعْرُوفَةِ ومِيمُهُ زائِدَةٌ كَمِيمِ مَكانٍ وغَلَّطَهُ الأزْهَرِيُّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مِفْعَلًا لَكانَ كَمِرْوَدٍ ومِحْوَرٍ واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ أُعِلَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأيَّدَ دَعْوى الزِّيادَةِ بِقِراءَةِ الضَّحّاكِ والأعْرَجِ ( المَحالِ ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مَفْعَلٌ مِن حالَ يَحُولُ إذا احْتالَ لِأنَّ الأصْلَ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ ويُقالُ لِلْحِيلَةِ أيْضًا المَحالَةُ ومِنهُ المَثَلُ المَرْءُ يَعْجِزُ لا المَحالَةُ وقالَ أبُو زَيْدٍ: هو بِمَعْنى النِّقْمَةِ وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القَحْطِ أيْضًا وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو الجِدالُ يُقالُ: ماحَلَ عَنْ أمْرِهِ أيْ جادَلَ وقِيلَ: هو بِمَعْنى الحِقْدِ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وحَمَلُوهُ عَلى التَّجَوُّزِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( المَحالُ ) بِالفَتْحِ بِمَعْنى الفَقارِ وهو عَمُودُ الظَّهْرِ وقِوامُهُ قالَ في الأساسِ: يُقالُ فَرَسٌ قَوِيُّ المَحالِ أيِ الفَقارِ الواحِدَةُ مَحالَةٌ والمِيمُ أصْلِيَّةٌ ويَكُونُ ذَلِكَ مَثَلًا في القُوَّةِ والقُدْرَةِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «فَساعِدُ اللَّهِ تَعالى أسَدُّ ومُوساهُ أحَدُّ» لِأنَّ الشَّخْصَ إذا اشْتَدَّ مَحالُهُ كانَ مَنعُوتًا بِشِدَّةِ القُوَّةِ والِاضْطِلاعِ بِما يَعْجَزُ عَنْهُ غَيْرُهُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: فَقَرَتْهُ الفَواقِرُ وهو مَثَلٌ لِتَوْهِينِ القُوى وبِهَذا الحَمْلِ لا يَلْزَمُ إثْباتُ الجِسْمِيَّةِ لَهُ تَعالى والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يعني: بأمره.
قال: حدثنا عمرو بن محمد.
قال: حدثنا أبو بكر الواسطي.
قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف.
قال: حدثنا وكيع، عن عمرو بن أبي زائدة أنه قال: سمعت عكرمة يقول: «الرعد ملك يزجر السحاب بصوته كالحادي بالإبل» .
وروى وكيع، عن المسعودي، عن سلمة بن كهيل، أنه سئل عن الرعد فقال: «هو ملك يزجر السحاب» .
وسئل عن البرق فقال: «هو مخاريق بأيدي الملائكة» .
وسئل وهب بن منبه عن الرعد فقال: «ثلاث ما أظن أحداً يعلمهن إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ: الرعد، والبرق، والغيث، وما أدري من أين هن، وما هن» .
فقيل له: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء قال: نعم.
ولا ندري أنزل من السماء أو من السحاب، فتلقحت فيه، أو يخلق في السحاب فيمطر، وسمى السحاب سماء.
وروي عن النبي أنه سئل عن الرعد فقال: «هُوَ مَلِكٌ فِي السَّمَاءِ، وَاسْمُهُ الرَّعْدُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ هوُ زَجْرُ السَّحَابِ، وَيُؤَلِّفُ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ فَيَسُوقُهُ» (١) ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ يقول: يسبح الملائكة كلهم خائفين لله تعالى وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وهي نار من السماء لا دخان لها فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من خلقه وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال ابن عباس يعني: الله تعالى، شَدِيدُ الْمِحالِ.
ويقال: أصله في اللغة الحيلة، وقال قتادة: يعني: الحيلة والقوة لله.
ويقال: هو شديد القدرة والعذاب.
ويقال: الْمِحالِ في اللغة هو الشدة.
وقال بعضهم: هو كناية عن الذي يجادل، ويكون معناه فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني: يصيبهم في حال جدالهم.
وقال مجاهد: جاء يهودي إلى النبيّ فقال: يا محمد أخبرني من أي شيء ربك، أمن لؤلؤ هو؟
فأرسل الله عليه صاعقة فقتلته، فنزل وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ يعني: شديد العداوة.
وقال قتادة: دخل عامر بن الطفيل على رسول الله وقال: أسلم على أن لك المدر ولي الوبر.
يعني: لك ولاية القرى، وليَ ولاية البوادي، فقال النبيّ : «أَنْتَ مِنْ المُسْلِمِينَ لَكَ مَا لِلْمُسْلِمينَ، وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ» ؟
قال عامر: لك الوبر ولي المدر.
فأجابه بمثل ذلك.
قال عامر: ولي الأمر من بعدك.
فأجابه بمثل ذلك.
فغضب عامر وقال: لأملأنها عليك رجالاً ألفا رجل أشعر، وألفا أمرد، فخرج ولقي أربد بن قيس فقال له: ادخل على محمد وإلهه بالكلام حتى أدخل فأقتله!
فدخلا عليه، فجعل عامر يسأله ويقول: أخبرنا يا محمد عن إلهك، أمن ذهب هو أم من فضة؟
فلما طال حديثه قاما وخرجا، فقال عامر: مالك لم تقتله؟
قال: كلما أردت أن أقتله وجدتك بيني وبينه.
فجاء جبريل، فأخبر النبيّ بذلك، فدعا عليه، فأصابته صاعقة فقتلته (٢) قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ يعني: كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، يدعو الخلق إليها.
ويقال معناه: له على العباد دعوة الحق أن يدعوه فيجيبهم وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: الأصنام والأوثان لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ يقول: لا ينفعهم بشيء إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ يعني: كمادٍ يديه إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ والعرب تقول لمن طلب شيئاً لا يجده: هو كقابض الماء.
يعني: كمن هو مشرف يدعو الماء بلسانه، ومشرف يدعو الماء بلسانه فلا يجيبه أبداً، أو يشير باليد وَما هُوَ بِبالِغِهِ يقول: فلا يناله أبداً.
وقال مجاهد: كالذي يشير بيده إلى الماء، فيدعوه بلسانه، فلا يجيبه أبداً.
هذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك الذي عبد مع الله إلها آخر، أنه لا يجيبه الصنم ولا ينفعه، كمثل العطشان الذي ينظر إلى الماء من بعيد ولا يقدر عليه وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ يقول: ما عبادة أهل مكة إِلَّا فِي ضَلالٍ يضل عنهم، إذا احتاجوا إليه في الآخرة.
(١) عزاه السيوطي: 4/ 620 إلى أحمد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 626 إلى ابن جرير وأبي الشيخ.
<div class="verse-tafsir"
فإِذا جاء المَقْدُور الواقعُ، أسلم المَرْءُ إِليه، وال مُعَقِّباتٌ على هذا التأويل: الحَفَظَةُ على العِبَادِ أَعمالهم، والحَفَظَةُ لهم أيضاً قاله الحسن «١» ، وروى فيه عن عثمانَ بْنِ عَفَّان حديثاً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أقوى التأويلات في الآية، وعبارةُ البخاريِّ: مُعَقِّباتٌ:
ملائكةٌ حَفَظَةٌ يَعْقُبُ الأَوَّلُ منها الآخِرَ.
انتهى.
وقالَتْ فرقةٌ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّه المتقدِّم ذكره، أي: للَّه معقِّبات يحفظون عَبْده، والضمير في قوله: يَدَيْهِ وما بعده من الضمائر عائدٌ على العَبْد، ثم ذكر سبحانه أنه لا يغيِّر هذه الحالة مِنَ الحفْظِ للعبدِ حتَّى يغير العبد ما بنَفْسِهِ، وال مُعَقِّباتٌ: الجماعاتُ التي يَعْقَب بعضُها بعضاً، وهي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ ...
» «٢» الحديث، وفي قراءة أُبيِّ بْنِ كَعْب: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ/ وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ» ، وقرأ ابن «٣» عباس: «وَرُقَبَاءُ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ» ، وقوله: يَحْفَظُونَهُ: أي: يحرسونه ويذبُّون عنه، ويحفظونَ أيضاً أعماله، ثم أخبر تعالى أَنه إِذا أَراد بقومٍ سوءاً، فلا مردَّ له، ولا حِفْظَ منه.
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ...
الآية: قد تقدَّم في أول البَقَرة تفسيرُهُ، والظاهر أنَّ الخوف إِنما هو من صَوَاعِقِ البَرْق، والطَّمَع في الماء الذي يكونُ معه، وهو قول الحسن «٤» ، والسَّحابَ: جمع سحابة ولذلك جمع الصفة، والثِّقالَ:
معناه: بحملِ الماءِ، قاله قتادة ومجاهد «٥» ، والعربُ تصفها بذلك، وروى أبو هريرة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ، قَالَ: «سُبْحَانَ مَنْ يسبّح الرّعد بحمده» «٦» ، وقال ابن أبي
زكرياء: مَنْ قَالَ إِذا سَمِعَ الرعْدَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وبِحَمْدِهِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ.
ت: وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: كان رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّواعِقَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ، لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك» «١» ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ والحَاكِمُ في «المستدرك» ، ولفظهم واحد انتهى من «السلاح» ، قال الداوديّ: وعن ابن عَبَّاس، قال: مَنْ سمع الرعْدَ، فقال: «سُبْحَانَ الذي يُسَبِّح الرعْد بحَمْده، والملائِكَةُ مِنْ خيفته، وهو على كلِّ شيء قدير» ، فإِن أصابته صاعقةٌ، فعليَّ ديته، انتهى.
وقوله سبحانه: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ ...
الآية: قال ابن جُرَيْج: كان سبَبُ نزولها قصَّةَ أَرْبَدَ، وعَامِرِ بن الطّفيل، سألا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يجعلَ الأمْرَ بَعْده لعامِرِ بْنِ الطُّفَيْل، ويدخلا في دِينِهِ، فأبَى عليه السلام ثم تآمرا في قتل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: أَنا أَشْغَلُه لَكَ بالحديثِ، واضربه أَنْتَ بالسَّيْف، فجعل عامرٌ يحدِّثه، وأَرْبَدُ لاَ يَصْنَعُ شيئاً، فلما انصرفا، قَالَ له عَامِرٌ: وَاللَّهِ، يَا أَرْبَدُ، لاَ خِفْتُكَ أبداً، وَلَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قبل هذا، فقال له أَرْبَدُ: واللَّهِ، لَقَدْ أردتُّ إِخراج السَّيْفِ، فَمَا قَدَرْتُ على ذلك، ولَقَدْ كُنْتُ أَراك بَيْنِي وبينه، أفأضربك، فمضيا للحشد على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأصابت أربد صاعقة، فقتلته، والْمِحالِ:
القوَّة والإِهلاك.
ت: وفي «صحيح البخاري» : الْمِحالِ: العقوبة.
وقوله عز وجل: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
قال ابنُ عبّاس: ودَعْوَةُ الْحَقِّ: «لا إله إِلا اللَّه» «٢» ، يريد: وما كان من الشريعة في معناها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ المَلَكِ الَّذِي يَزْجُرُ السَّحابَ، وصَوْتُهُ: تَسْبِيحُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ الصَّوْتُ المَسْمُوعُ.
وإنَّما خُصَّ الرَّعْدُ بِالتَّسْبِيحِ، لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ الأصْواتِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإخْبارُهُ عَنِ الصَّوْتِ بِالتَّسْبِيحِ مَجازٌ، كَما يَقُولُ القائِلُ: قَدْ غَمَّنِي كَلامُكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو الأظْهَرُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَخافُونَ اللَّهَ، ولَيْسَ كَخَوْفِ ابْنِ آدَمَ، لا يَعْرِفُ أحَدُهم مَن عَلى يَمِينِهِ ومَن عَلى يَسارِهِ، ولا يَشْغَلُهُ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ شَيْءٌ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرَّعْدِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في «أرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ، وعامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، أتَيا إلى رَسُولِ اللَّهِ يُرِيدانِ الفَتْكَ بِهِ، فَقالَ: " اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِما بِما شِئْتَ "، فَأمّا أرْبَدُ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صاعِقَةً في يَوْمٍ صائِفٍ صاحٍ فَأحْرَقَتْهُ، وأمّا عامِرٌ فَأصابَتْهُ غُدَّةٌ فَهَلَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ، مِنهُمُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وأرْبَدُ هو أخُو لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمِّهِ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: حَدِّثْنِي يا مُحَمَّدُ عَنْ إلَهِكَ: أياقُوتٌ هو ؟
أذَهَبٌ هو ؟
فَنَزَلَتْ عَلى السّائِلِ صاعِقَةٌ فَأحْرَقَتْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ يَهُودِيًّا.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ إلى بَعْضِ فَراعِنَةِ العَرَبِ يَدْعُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لِلرَّسُولِ: وما اللَّهُ، أمِن ذَهَبٍ هو، أمْ مِن فِضَّةٍ، أمْ مِن نُحاسٍ ؟
فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: " ارْجِعْ إلَيْهِ فادْعُهُ " فَرَجَعَ، فَأعادَ عَلَيْهِ الكَلامَ، إلى أنْ رَجَعَ إلَيْهِ ثالِثَةً، فَبَيْنَما هُما يَتَراجَعانِ الكَلامَ، إذْ بَعَثَ اللَّهُ سَحابَةً حِيالَ رَأْسِهِ، فَرَعَدَتْ ووَقَعَتْ مِنها صاعِقَةٌ فَذَهَبَتْ بِقِحْفٍ رَأسِهِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
والثّالِثُ: أنَّها في رَجُلٍ أنْكَرَ القُرْآنَ وكَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صاعِقَةً فَأهْلَكَتْهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُكَذِّبُونَ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يُخاصِمُونَ في اللَّهِ، حَيْثُ قالَ قائِلُهم: أهُوَ مِن ذَهَبٍ، أمْ مِن فِضَّةٍ ؟
عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَدِيدُ الأخْذِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: شَدِيدُ المَكْرِ، شَدِيدُ العَداوَةِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: شَدِيدُ العُقُوبَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: شَدِيدُ الِانْتِقامِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَدِيدُ العُقُوبَةِ والمَكْرِ والنَّكالِ، وأنْشَدَ لِلْأعْشى: فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصْنٍ المَجْـ ـدِ، غَزِيرُ النَّدى، شَدِيدُ المِحالِ إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ ∗∗∗ ـطِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: شَدِيدُ المَكْرِ واليَدِ، وأصْلُ المِحالِ: الحِيلَةُ والرّابِعُ: شَدِيدُ القُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ماحَلْتُهُ مِحالًا: إذا قاوَيْتَهُ حَتّى تُبَيِّنَ لَهُ أيُّكُما الأشُدُّ، والمَحَلُ في اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ.
والخامِسُ: شَدِيدُ الحِقْدِ، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِيما سَمِعْناهُ عَنْهُ مُسْنَدًا مِن طُرُقٍ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، والنَّقّاشُ، ولا يَجُوزُ هَذا في صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
قالَ النَّقّاشُ: هَذا قَوْلٌ مُنْكَرٌ عِنْدَ أهْلِ الخَبَرِ والنَّظَرِ في اللُّغَةِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صِفَةً مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والَّذِي أخْتارُهُ في هَذا ما قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: شَدِيدُ الأخْذِ، يَعْنِي: أنَّهُ إذا أخَذَ الكافِرَ والظّالِمَ لَمْ يُفْلِتْهُ مِن عُقُوباتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللهِ إنَّ اللهِ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وإذا أرادَ اللهِ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنْشِئُ السَحابَ الثِقالَ ﴾ ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مِن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "لَهُ" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، و"المُعَقِّباتُ" - عَلى هَذا- المَلائِكَةُ الحَفَظَةُ عَلى العِبادِ أعْمالَهُمْ، والحَفَظَةُ لَهم أيْضًا، قالَهُ الحَسَنُ، ورَوى فِيهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ حَدِيثًا، وَهُوَ قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَخَعِيِّ، والضَمِيرُ -عَلى هَذا- في قَوْلِهِ: "يَدَيْهِ" وما بَعْدَهُ مِنَ الضَمائِرِ عائِدٌ عَلى العَبْدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ ، و ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً للْمُعَقِّباتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يَحْفَظُونَهُ مِن كُلِّ ما جَرى القَدَرُ بِانْدِفاعِهِ، فَإذا جاءَ المَقْدُورُ الواقِعُ أسْلَمَ المَرْءَ إلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن جَهَرَ بِهِ ومَن ﴾ وكَذا باقِي الضَمائِرِ الَّتِي في الآيَةِ، قالُوا: و"المُعَقِّباتُ" -عَلى هَذا- حَرَسُ الرَجُلِ وجَلاوِزَتُهُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَهُ، قالُوا: والآيَةُ -عَلى هَذا- في الرُؤَساءِ الكافِرِينَ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ وجَماعَةٍ، قالَ عِكْرِمَةُ، هي المَواكِبُ خَلْفَهُ وأمامَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي قَبْلَ هَذا أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلْعَبْدِ المُؤْمِنِ عَلى مَعْنى: جَعَلَ اللهُ لَهُ، وهَذا التَأْوِيلُ عِنْدِي أقْوى، لِأنَّ غَرَضَ الآيَةِ إنَّما هو التَنْبِيهُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ، فَذَكَرَ اسْتِواءَ مَن هو مُسْتَخْفٍ ومَن هو سارِبٌ وأنَّ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنَ اللهِ تَحَفَظُهُ في كُلِّ حالٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ هَذِهِ الحالَةَ مِنَ الحِفْظِ لِلْعَبْدِ حَتّى يُغَيِّرَ ما بِنَفْسِهِ، وعَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ لَيْسَتِ الضَمائِرُ لِمُعَيَّنٍ مِنَ البَشَرِ.
وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: الآيَةُ في النَبِيِّ ، ونَزَلَتْ في حِفْظِ اللهِ لَهُ مِن أرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ، وعامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ في القِصَّةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذا في ذِكْرِ الصَواعِقِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ ألْفاظُها تَنْطَبِقُ عَلى مَعْنى القِصَّةِ فَيُضَعِّفُ القَوْلَ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فَيَعُودَ الضَمِيرُ في "لَهُ" عَلَيْهِ.
و"المُعَقِّباتُ": الجَماعاتُ الَّتِي يُعْقُبُ بَعْضُها بَعْضًا، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ هي المَلائِكَةُ، ويَنْظُرُ هَذا إلى قَوْلِ النَبِيِّ : « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ المَغْرِبِ والصُبْحِ"،» وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي هي الحَرَسُ والوَزَعَةُ الَّذِينَ لِلْمُلُوكِ.
والمُعَقِّباتُ جَمْعُ مُعَقِّبَةٍ، وهي الجَماعَةُ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ الأُخْرى، والتَعْقِيبُ بِالجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ حالٌ تَعْقُبُها حالٌ أُخْرى مِن نَوْعِها، وقَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ النَوْعِ، ومِنهُ مُعاقَبَةُ الرُكُوبِ، ومُعْقِبُ عُقْبَةِ القِدْرِ، والمُعاقَبَةُ في الأزْواجِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: وكَرُّنا الخَيْلَ في آثارِهِمْ رُجُعًا ∗∗∗ كُسَّ السَنابِكِ مِن بِدْءٍ وتَعْقِيبٍ وقَرَأ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ عَلى المِنبَرِ: "لَهُ المَعاقِيبُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرُ مُعْقِبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بِسُكُونِ العَيْنِ وكَسْرِ القافِ كَمُطْعِمٍ ومَطاعِيمُ ومُقْدِمٍ ومَقادِيمُ، وهي قِراءَةُ أبِي البَرَهْسَمِ، فَكَأنَّ مُعْقِبًا جُمِعَ عَلى مَعاقِبَةٍ ثُمَّ جُعِلَتِ الياءُ في مَعاقِيبَ عِوَضًا مِنَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ في مَعاقِبَةٍ.
والمُعَقِّبَةُ لَيْسَتْ جَمْعَ مُعَقِّبٍ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ وشَبَّهَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ ورِجالٍ ورِجالاتٍ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ لِأنَّ تِلْكَ كَجَمَلٍ وجِمالٍ وجِمالاتٍ، ومُعَقِّبَةٌ ومُعَقِّباتٌ إنَّما هي كَضارِبَةٌ وضارِباتٌ.
وَفِي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ورَقِيبٌ مِن خَلْفِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَرَقِيبًا مِن خَلْفِهِ"، وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "مُعَقِّباتٌ مِن خَلْفِهِ ورَقِيبٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللهِ".
وقَوْلُهُ: "يَحْفَظُونَهُ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى يَحْرُسُونَهُ ويَذُبُّونَ عنهُ: فالضَمِيرُ مَعْمُولُ الحِفْظِ، والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَعْنى حِفْظِ الأقْوالِ وتَحْصِيلِها، فَفي اللَفْظَةِ حِينَئِذٍ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: يَحْفَظُونَ أعْمالَهُمْ، ويَكُونُ هَذا حِينَئِذٍ مِن بابِ ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جَرِيجٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ -مَن جَعَلَ "يَحْفَظُونَهُ" بِمَعْنى يَحْرُسُونَهُ كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ يُرادُ بِهِ المُعَقِّباتُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللهِ يَحْفَظُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَـ "مِن أمْرِ اللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَرْفُوعٍ وهي "المُعَقِّباتُ"، ويُحْتَمَلُ هَذا التَأْوِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ مَعَ التَأْوِيلِ الأوَّلِ في "يَحْفَظُونَهُ"، ومَن تَأوَّلَ الضَمِيرَ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى العَبْدِ وجَعَلَ "المُعَقِّباتِ" الحَرَسَ وجَعَلَ الآيَةَ في رُؤَساءِ الكافِرِينَ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ بِمَعْنى: يَحْفَظُونَهُ بِزَعْمِهِ مِن قَدَرِ اللهِ ويَدْفَعُونَهُ في ظَنِّهِ عنهُ، وذَلِكَ لِجَهالَتِهِ بِاللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا التَأْوِيلِ جَعَلَها المُتَأوِّلُ في الكافِرِينَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَـ ﴿ مِن أمْرِ اللهِ ﴾ -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِكَ: "حَفِظْتُ زَيْدًا مِنَ الأسَدِ"، فَـ "مِنَ الأسَدِ" مَعْمُولٌ لِـ "حَفِظْتُ".
وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى بِـ ﴿ أمْرِ اللهِ ﴾ أيْ يَحْفَظُونَهُ مِمّا أمَرَ اللهُ، وهَذا تَحَكُّمٌ في التَأْوِيلِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: الحِفْظُ مِن أمْرِ اللهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذا.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ-: "يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللهِ".
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ بِأنْ يُعَذِّبَهم ويَمْتَحِنَهم مُعاقِبًا حَتّى يَقَعَ مِنهم تَكَسُّبٌ لِلْمَعاصِي وتَغْيِيرُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن طاعَةِ اللهِ، وهَذا مَوْضِعُ تَأمُّلٍ، لِأنَّهُ يُداخِلُ هَذا الخَبَرَ ما قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ مِن أخْذِ العامَّةِ بِذُنُوبِ الخاصَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -وَقَدْ قِيلَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصالِحُونَ؟
- قالَ: (نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ).» إلى أشْياءَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ﴾ مَعْناهُ: حَتّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ إمّا مِنهم وإمّا مِنَ الناظِرِ لَهم أو مِمَّنْ هو مِنهم بِسَبَبٍ، كَما غَيَّرَ اللهُ تَعالى بِالمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الرُماةِ ما بِأنْفُسِهِمْ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أمْثالِ الشَرِيعَةِ، فَلَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ يَنْزِلُ بِأحَدٍ عُقُوبَةٌ إلّا بِأنْ يَتَقَدَّمَ مِنهُ ذَنْبٌ، بَلْ قَدْ تَنْزِلُ المَصائِبُ بِذُنُوبِ الغَيْرِ، وثَمَّ أيْضًا مَصائِبُ يُرِيدُ اللهُ بِها أجْرَ المُصابِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ تَغْيِيرًا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى بِأنَّهُ إذا أرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ، ولا حِفْظَ مِنهُ، وهَذا أُجْرِيَ في مَقامِ التَنْبِيهِ عَلى عادَةِ اللهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، والشَرُّ والخَيْرُ بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ إذا أرادَهُما اللهُ بِعَبْدٍ لَمْ يُرَدَّ، لَكِنَّهُ خَصَّ السُوءَ بِالذِكْرِ لِيَكُونَ في الآيَةِ تَخْوِيفٌ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "والٍ" - فَأمالَهُ بَعْضُهم ولَمْ يُمِلْهُ بَعْضُهُمْ، والوالِي: الَّذِي يَلِي أمْرَ الإنْسانِ كالوَلِيِّ، وهُما مِنَ الوِلايَةِ كَعَلِيمٍ وعالِمٍ مِنَ العِلْمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى القُدْرَةِ، "والبَرْقَ" رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ مِخْراقٌ بِيَدِ مَلَكٍ يَزْجُرُ بِهِ السَحابَ، وهَذا أصَحُّ ما رُوِيَ فِيهِ، وَرُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: البَرْقُ: اصْطِكاكُ الأجْرامِ، وهَذا عِنْدِي مَرْدُودٌ، وقالَ أبُو الجَلْدِ في هَذِهِ الآيَةِ: البَرْقُ الماءُ، وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ لَمّا كانَ داعِيَةَ الماءِ، وكانَ خَوْفُ المُسافِرِينَ مِنَ الماءِ وطَمَعُ المُقِيمِ فِيهِ عَبَّرَ في هَذا القَوْلِ عنهُ بِالماءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ، مَن قالَ ذَلِكَ في الماءِ فَهو عَلى ما تَقَدَّمَ، والظاهِرُ أنَّ الخَوْفَ إنَّما هو مِن صَواعِقِ البَرْقِ، والطَمَعَ في المَطَرِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
و"السَحابُ" جَمْعُ سَحابَةٍ، وكَذَلِكَ جَمْعُ الصِفَةِ.
و"الثِقالَ" مَعْناهُ: يَحْمِلُ الماءَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، والعَرَبُ تَصِفُها بِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: فَما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ القَطا ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّ المَصابِيحَ حُورانُها بِأحْسَنَ مِنها ولا مُزْنَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ دَلُوحٌ تَكَشَّفُ أدْجانُها والدَلُوحُ: المُثْقَلَةُ.
وَ"الرَعْدُ" مَلَكٌ يَزْجُرُ السَحابَ بِصَوْتِهِ، وصَوْتُهُ- هَذا المَسْمُوعَ تَسْبِيحٌ، والرَعْدُ اسْمُ المَلَكِ، وقِيلَ: (الرَعْدُ) اسْمُ صَوْتِ المَلَكِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ كانَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ قالَ: « "اللهُمَّ لا تُهْلِكْنا بِغَضَبِكَ، ولا تَقْتُلْنا بِعَذابِكَ، وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ".» ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ أنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا الرَعْدَ قالُوا: "سُبْحانَ مَن سَبَّحْتَ لَهُ"، ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَبِيَّ كانَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ قالَ: "سُبْحانَ مَن سَبَّحَ الرَعْدُ بِحَمْدِهِ"،» وقالَ ابْنُ أبِي زَكَرِياءَ: « "مَن قالَ إذا سَمِعَ الرَعْدَ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ لَمْ تُصِبْهُ صاعِقَةٌ"،» وقِيلَ في الرَعْدِ أيْضًا: إنَّهُ رِيحٌ يَخْتَنِقُ بَيْنَ السَحابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّها نَزَعاتُ الطَبِيعِيِّينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المَلاحِدَةِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَلَكَ إذا غَضِبَ وزَجَرَ السَحابَ اضْطَرَبَتْ مِن خَوْفِهِ فَيَكُونُ البَرْقُ، وتَحْتَكُّ فَتَكُونُ الصَواعِقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَواعِقَ ﴾ الآيَةَ.
قِيلَ: إنَّهُ أدْخَلَها في التَنْبِيهِ عَلى القُدْرَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ساقَ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ جَرِيجٍ: كانَ سَبَبُ نُزُولِها قِصَّةَ أرْبَدَ أخِي لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةٍ، لِأُمِّهِ وعامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ، وكانَ مِن أمْرِهِما فِيما رُوِيَ «أنَّهُما قَدِما عَلى رَسُولِ اللهِ فَدَعَواهُ أنْ يَجْعَلَ الأمْرَ بَعْدَهُ إلى عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ويَدْخُلا في دِينِهِ فَأبى، فَقالَ عامِرٌ: فَتَكُونُ أنْتَ عَلى أهْلِ المَدَرِ وأنا عَلى أهْلِ الوَبَرِ -فَأبى، فَقالَ لَهُ عامِرٌ: فَماذا تُعْطِينِي؟
فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "أُعْطِيكَ أعِنَّةَ الخَيْلِ فَإنَّكَ رَجُلٌ فارِسٌ، فَقالَ لَهُ عامِرٌ: واللهِ لَأمْلَأنَّها عَلَيْكَ خَيْلًا ورِجالًا حَتّى آخُذَكَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "يَأْبى اللهُ ذَلِكَ وأبْناءُ قَيْلَةَ، فَخَرَجا مِن عِنْدِهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: لَوْ قَتَلْناهُ ما انْتَطَحَ فِيهِ عنزانِ، فَتَآمَرا في الرُجُوعِ لِذَلِكَ، فَقالَ عامِرٌ لِأرْبَدَ: أنا أشْغَلُهُ لَكَ بِالحَدِيثِ واضْرِبْهُ أنْتَ بِالسَيْفِ، فَجَعَلَ عامِرٌ يُحَدِّثُهُ وأرْبَدُ لا يَصْنَعُ شَيْئًا، فَلَمّا انْصَرَفا قالَ لَهُ عامِرٌ: واللهِ يا أرْبَدُ لا خِفْتُكَ أبَدًا، ولَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ أرْبَدُ: واللهِ لَقَدْ أرَدْتُ إخْراجَ السَيْفِ فَما قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ، ولَقَدْ كُنْتُ أراكَ بَيْنِي وبَيْنَهُ أفَأضْرِبُكَ ؟
فَمَضَيا لِلْحَشْدِ عَلى النَبِيِّ ، فَأصابَتْ أرْبَدَ صاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ،» فَفي ذَلِكَ يَقُولُ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخُوهُ: أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أرْهَبُ نَوْءَ السِماكِ والأُسُدِ فَجَّعَنِي الرَعْدُ والصَواعِقُ بِالـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـفارِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَجُدِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ صُحارٍ العَبْدِيِّ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ جَبّارًا مِن جَبابِرَةِ العَرَبِ بَعَثَ إلَيْهِ النَبِيُّ لِيُسْلِمَ، فَقالَ: أخْبِرُونِي عن إلَهِ مُحَمَّدٍ، أمِن لُؤْلُؤٍ هو أو مِن ذَهَبٍ؟
فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ صاعِقَةٌ ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ جاءَ إلى النَبِيِّ يُناظِرُهُ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ نَزَلَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْ قِحْفَ رَأْسِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ ﴾ ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى جِدالِ اليَهُودِيِّ المَذْكُورِ، وتَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، أو إلى جِدالِ الجَبّارِ المَذْكُورِ، ويَجُوزُ -إنْ كانَتِ الآيَةُ عَلى غَيْرِ سَبَبٍ- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللهِ ﴾ إشارَةً إلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ جُلِبَتْ لَهم هَذِهِ التَنْبِيهاتُ.
و"المِحالِ": القُوَّةُ والإهْلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ المَجْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـدِ عَظِيمُ النَدى شَدِيدُ المِحالِ ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ∗∗∗ ومِحالُهم عَدْوًا مِحالَكَ وقَرَأ الأعْرَجُ، والضَحّاكُ: "المَحالِ" بِفَتْحِ المِيمِ بِمَعْنى المَحالَةِ، وهي الحِيلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في "ذِكْرِ" المَثَلِ: "المَرْءُ يُعَزُّ لا مَحالَةَ"، وهَذا كالِاسْتِدْراجِ والمَكْرِ ونَحْوِهِ، وهَذِهِ اسْتِعاراتٌ في ذِكْرِ اللهِ تَعالى، والمِيمُ إذا كُسِرَتْ أصْلِيَّةٌ، وإذا فُتِحَتْ زائِدَةٌ، ويُقالُ: مَحَلَ الرَجُلُ بِالرَجُلِ: إذا مَكَرَ بِهِ وأخَذَهُ بِسِعايَةٍ شَدِيدَةٍ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي على أسلوب تعداد الحجج الواحدة تلوى الأخرى، فلأجل أسلوب التعداد إذ كان كالتكرير لم يعطف على جملة ﴿ سواء منكم من أسر القول ﴾ [الرعد: 10].
وقد أعرب هذا عن مظهر من مظاهر قدرة الله وعجيب صنعه.
وفيه من المناسبة للإنذار بقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ [سورة الرعد: 11] الخ أنه مثال لتصرف الله بالإنعام والانتقام في تصرف واحد مع تذكيرهم بالنعمة التي هم فيها.
وكل ذلك مناسب لمقاصد الآيات الماضية في قوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ [سورة الرعد: 8] وقوله: وكل شيء عنده بمقدار [سورة الرعد: 8]، فكانت هذه الجملة جديرة بالاستقلال وأن يجاء بها مستأنفة لتكون مستقلة في عداد الجمل المستقلة الواردة في غرض السورة.
وجاء هنا بطريق الخطاب على أسلوب قوله: ﴿ سواء منكم من أسر القول ﴾ [سورة الرعد: 10] لأن الخوف والطمع يصدران من المؤمنين ويهدد بهما الكفرة.
وافتتحت الجملة بضمير الجلالة دون اسم الجلالة المفتتح به في الجمل السابقة، فجاءت على أسلوب مختلف.
وأحسب أن ذلك مراعاة لكون هاته الجملة مفرعة عن أغراض الجمل السابقة فإن جُمل فواتح الأغراض افتتحت بالاسم العلم كقوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عَمد ﴾ [سورة الرعد: 2] وقوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ [سورة الرعد: 8] وقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ [سورة الرعد: 11]، وجمل التفاريع افتتحت بالضمائر كقوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ [سورة الرعد: 4] وقوله: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ [سورة الرعد: 3] وقوله: جعل فيها زوجين.
وخوفاً وطمعاً} مصدران بمعنى التخويف والإطماع، فهما في محل المفعول لأجله لظهور المراد.
وجعل البرق آية نذارة وبشارة معاً لأنهم كانوا يَسِمون البرق فيتوسمون الغيث وكانوا يخشون صواعقه.
وإنشاء السحاب: تكوينه من عدم بإثارة الأبْخرة التي تتجمع سحاباً.
والسحاب: اسم جمع لسحابة.
والثقال: جمع ثقيلة.
والثقل كون الجسم أكثر كمية أجزاء من أمثاله، فالثقل أمر نسبي يختلف باختلاف أنواع الأجسام، فرب شيء يعد ثقيلاً في نوعه وهو خفيف بالنسبة لنوع آخر.
والسحاب يكون ثقيلاً بمقدار ما في خلاله من البخار.
وعلامة ثقله قربه من الأرض وبطء تنقله بالرياح.
والخفيف منه يُسمى جهاماً.
وعطف الرعد على ذكر البرق والسحاب لأنه مقارنهما في كثير من الأحوال.
ولما كان الرعد صوتاً عظيماً جعل ذكره عبرة للسامعين لدلالة الرعد بلوازم عقلية على أن الله منزه عما يقوله المشركون من ادعاء الشركاء، وكان شأن تلك الدلالة أن تبعث الناظر فيها على تنزيه الله عن الشريك جعل صوت الرعد دليلاً على تنزيه الله تعالى، فإسناد التسبيح إلى الرعد مجاز عقلي.
ولك أن تجعله استعارة مكنية بأن شبه الرعد بآدمي يُسبح الله تعالى، وأثبت شيء من علائق المشبّه به وهو التسبيح، أي قول سبحان الله.
والباء في ﴿ بحمده ﴾ للملابسة، أي ينزه الله تنزيهاً ملابساً لحمده من حيث إنه دال على اقتراب نزول الغيث وهو نعمة تستوجبُ الحمد.
فالقول في ملابسة الرعد للحمد مساوٍ للقول في إسناد التسبيح إلى الرعد.
فالملابسة مجازية عقلية أو استعارة مكنية.
و ﴿ الملائكة ﴾ عطف على الرعد، أي وتسبح الملائكة من خيفته، أي من خوف الله.
و ﴿ من ﴾ للتعليل، أي ينزهون الله لأجل الخوف منه، أي الخوف مما لا يرضى به وهو التقصير في تنزيهه.
وهذا اعتراض بين تعداد المواعظ لمناسبة التعريض بالمشركين، أي أن التنزيه الذي دلت عليه آيات الجو يقوم به الملائكة، فالله غني عن تنزيهكم إياه، كقوله: ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ﴾ [سورة الزمر: 7]، وقوله: ﴿ وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد ﴾ [سورة إبراهيم: 8].
واقتصر في العبرة بالصواعق على الإنذار بها لأنها لا نعمة فيها لأن النعمة حاصلة بالسحاب وأما الرعد فآلة من آلات التخويف والإنذار.
كما قال في آية سورة البقرة ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ﴾ [سورة البقرة: 19].
وكان العرب يخافون الصواعق.
ولقبوا خويلد بن نفيل الصَعِق لأنه أصابته صاعقة أحرقته.
ومن هذا القبيل قول النبي: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده، أي بكسوفهما فاقتصر في آيتهما على الإنذار إذ لا يترقب الناس من كسوفهما نفعاً.
وجملة وهم يجادلون في الله } في موضع الحال لأنه من متممات التعجب الذي في قوله: ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم ﴾ [الرعد: 5] الخ.
فضمائر الغيبة كلها عائدة إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم في صدر السورة بقوله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ [الرعد: 1] وقوله: ﴿ أولئك الذين كفروا بربهم ﴾ [الرعد: 5] وقوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ [الرعد: 7].
وقد أعيد الأسلوب هنا إلى ضمائر الغيبة لانقضاء الكلام على ما يصلح لموعظة المؤمنين والكافرين فتمحض تخويف الكافرين.
والمجادلة: المخاصمة والمراجعة بالقول.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ في سورة النساء (107).
وقد فهم أن مفعول يجادلون } هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون.
فالتقدير: يجادلونك أو يجادلونكم، كقوله: ﴿ يجادلونك في الحق بعد ما تبين ﴾ في سورة الأنفال (6).
والمجادلة إنما تكون في الشؤون والأحوال، فتعليق اسم الجلالة المجرور بفعل يجادلون} يتعين أن يكون على تقدير مضاف تدل عليه القرينة، أي في توحيد الله أو في قدرته على البعث.
ومن جدلهم ما حكاه قوله: ﴿ أو لم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ﴾ في سورة يس (77، 78).
والمِحال: بكسر الميم يحتمل هنا معنيين، لأنه إن كانت الميم فيه أصلية فهو فِعال بمعنى الكيد وفعله مَحَل، ومنه قولهم تمحل إذا تحيل.
جعل جدالهم في الله جدال كيد لأنهم يبرزونه في صورة الاستفهام في نحو قولهم: من يُحيي العظام وهي رميم } فقوبل ب ﴿ شديد المحال ﴾ على طريقة المشاكلة، أي وهو شديد المحال لا يغلبونه، ونظيره ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ [سورة آل عمران: 54].
وقال نفطويه: هو من ماحل عن أمره، أي جَادل.
والمعنى: وهو شديد المجادلة، أي قوي الحجة.
وإن كانت الميم زائدة فهو مفعل من الحول بمعنى القوة، وعلى هذا فإبدال الواو ألفاً على غير قياس لأنه لا موجب للقلب لأن ما قبل الواو ساكن سكوناً حياً.
فلعلهم قلبوها ألفاً للتفرقة بينه وبين مِحول بمعنى صبي ذي حول، أي سنة.
وذكر الواحدي والطبري أخباراً عن أنس وابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في قضية عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة حين وردا المدينة يشترطان لدخولهما في الإسلام شروطاً لم يقبلها منهما النبي.
فهمّ أرْبَد بقتل النبي فصرفه الله، فخرج هو وعامر بن الطفيل قاصدين قومهما وتواعدا النبي بأن يجلبا عليه خيل بني عامر.
فأهلك الله أربَد بصاعقة أصابته وأهلك عامراً بِغُدة نبتت في جسمه فمات منها وهو في بيت امرأة من بني سلول في طريقه إلى أرض قومه، فنزلت في أربد ويرسل الصواعق } وفي عامر ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ .
وذكر الطبري عن صحار العبدي: أنها نزلت في جبار آخر.
وعن مجاهد: أنها نزلت في يهودي جادل في الله فأصابته صاعقة.
ولما كان عامر بن الطفيل إنما جاء المدينة بعد الهجرة وكان جدال اليهود لا يكون إلا بعد الهجرة أقدم أصحاب هذه الأخبار على القول بأن السورة مدنية أوْ أن هذه الآيات منها مدنية، وهي أخبار ترجع إلى قول بعض الناس بالرأي في أسباب النزول.
ولم يثبت في ذلك خبر صحيح صريح فلا اعتداد بما قالوه فيها ولا يخرج السورة عن عداد السور المكية.
وفي هذه القصة أرسل عامر بن الطفيل قوله: «أغُدّة كغدة البعير وموت في بيت سلولية» مثلاً.
ورثى لبيد بن ربيعة أخاه أربدَ بأبيات منها: أخشى على أربد الحتوف ولا *** أرهب نَوْء السِماك والأسد فجّعَني الرعد والصواعق بالف *** ارس يوم الكريهة النّجِدِ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ مِن أذِيَّتِهِ، وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ في بَرَكَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: خَوْفًا مِن صَواعِقِ البَرْقِ، وطَمَعًا في غَيْثِهِ المُزِيلِ لِلْقَحْطِ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَقَدْ «كانَ النَّبِيُّ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قالَ: (اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ ولا تُهْلِكْنا بِعَذابِكَ وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ)» .
الثّالِثُ: خَوْفًا مِن عِقابِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.
﴿ وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: ثِقالٌ بِالماءِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ وفي الرَّعْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّوْتُ المَسْمُوعُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (الرَّعْدُ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ فَإذا سَمِعْتُمُوهُ فَأمْسِكُوا عَنِ الذُّنُوبِ)» .
الثّانِي: أنَّ الرَّعْدَ مَلِكٌ، والصَّوْتَ المَسْمُوعَ تَسْبِيحُهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
﴿ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ مِن خِيفَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
الثّانِي: مِن خِيفَةِ الرَّعْدِ، ولَعَلَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ أنْكَرَ القُرْآنَ وكَذَّبَ النَّبِيَّ فَأخَذَتْهُ صاعِقَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: في أرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ وقَدْ كانَ هَمَّ بِقَتْلِ النَّبِيِّ مَعَ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَتَيَبَّسَتْ يَدُهُ عَلى سَيْفِهِ، وعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُما، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ صاعِقَةً أحْرَقَتْهُ.
قالابْنُ جَرِيرٍ: وفي ذَلِكَ يَقُولُ أخُوهُ لَبِيدٌ: أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والأسَدِ ∗∗∗ فَجَّعَنِي البَرْقُ والصَّواعِقُ بِالفا ∗∗∗ رِسِ يَوْمَ الكَرِيمَةِ النَّجُدِ الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في يَهُودِيٍّ جاءَ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ مِن أيِّ شَيْءٍ، مِن لُؤْلُؤٍ أوْ ياقُوتٍ؟
فَجاءَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْهُ، قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
رَوى أبانٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (لا تَأْخُذُ الصّاعِقَةُ ذاكِرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ)» .
﴿ وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي جِدالَ اليَهُودِيِّ حِينَ سَألَ عَنِ اللَّهِ: مِن أيِّ شَيْءٍ هُوَ؟
قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: جِدالُ أرْبَدَ فِيما هَمَّ بِهِ مِن قَتْلِ النَّبِيِّ ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ فِيهِ تِسْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي شَدِيدُ العَداوَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: شَدِيدُ الحِقْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: شَدِيدُ القُوَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: شَدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
الخامِسُ: شَدِيدُ الحِيلَةِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.
السّادِسُ: شَدِيدُ الحَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
السّابِعُ: شَدِيدُ الإهْلاكِ بِالمَحْلِ وهو القَحْطُ، قالَهُ الحَسَنُ أيْضًا.
الثّامِنُ: شَدِيدُ الأخْذِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
التّاسِعُ: شَدِيدُ الِانْتِقامِ والعُقُوبَةِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ لِأعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: فَرْعٌ نَبَعَ يَهْتَزُّ في غُصْنِ المَجْ ∗∗∗ دِ كَرِيمُ النَّدى عَظِيمُ المِحالِ <div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد والترمذي وصححه، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، والضياء في المختارة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقالوا: «يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنباتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك.
فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قال: ﴿ والله على ما نقول وكيل ﴾ [ القصص: 28] قال: هاتوا.
قالوا: أخبرنا عن علامة النبي.
قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه.
قالوا: أخبرنا، كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟
قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، اذكرت.
وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أنثت.
قالوا: أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، فقال: كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا وكذا- يعني الإِبل- فحرم لحومها.
قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا، ما هذا الرعد؟
قال: ملك من ملائكة الله موكل السحاب، بيديه مخراق من نار، يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله، قالوا: فماذا الصوت الذي نسمع؟
قال: صوته.
قالوا: صدقت إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا أنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟
قال: جبريل.
قالوا: جبريل!...
ذلك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدوّنا، لو قلت ميكائيل، الذي ينزل بالرحمة والنبات والمطر لكان.
فأنزل الله: ﴿ قل من كان عدوّاً لجبريل...
﴾ [ البقرة: 97] إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه، والخرائطي في مكارم الأخلاق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: الرعد، ملك.
والبرق، ضربه السحاب بمخراق من حديد.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والخرائطي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الرعد، ملك يسوق السحاب بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإِبل بحدائه.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي الدنيا في المطر، وابن جرير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان الذي سبحت له، وقال: إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الرعد ملك من الملائكة، اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته، والبرق سوط من نور يزجر به الملك السحاب.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الرعد ملك اسمه الرعد، وصوته هذا تسبيحه، فإذا اشتد زجره، احتك السحاب واصطدم من خوفه فتخرج الصواعق من بينه.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الرعد ملك يزجر السحاب بالتسبيح والتكبير.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما خلق الله شيئاً أشد سَوْقاً من السحاب، ملك يسوقه.
والرعد، صوت الملك يزجر به، والمخاريق يسوقه بها.
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو، أنه سئل عن الرعد فقال: ملك وكله الله بسياق السحاب، فإذا أراد الله أن يسوقه إلى بلد، أمره فساقه، فإذا تفرق عليه زجره بصوته حتى يجتمع، كما يرد أحدكم ركانه، ثم تلا هذه الآية ﴿ ويسبح الرعد بحمده ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه قال: الرعد، ملك ينشئ السحاب، ودوّيه صوته.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسبح الرعد بحمده ﴾ قال: هو ملك يسمى الرعد، وذلك الصوت تسبيحه.
وأخرج ابن جرير والخرائطي وأبو الشيخ، عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ ويسبح الرعد بحمده ﴾ قال: ملك من الملائكة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن عكرمة رضي الله عنه قال: إن الرعد ملك من الملائكة، وكل بالسحاب يسوقها كما يسوق الراعي الإِبل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابو الشيخ في العظمة، عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: إن الرعد ملك يزجر السحاب كما يحث الراعي الإِبل، فإذا شذت سحابة ضمها، فإذا اشتد غضبه طار من فيه النار، فهي الصواعق.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد، أن رجلاً سأله عن الرعد فقال: ملك يسبح بحمده.
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: الرعد الملك، والبرق الماء.
وأخرج الخرائطي عن عكرمة رضي الله عنه قال: الرعد، ملك يزجر السحاب بصوته.
وأخرج الخرائطي عن مجاهد رضي الله عنه مثله.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن عمرو بن أبي عمرو، عن الثقة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذا سحاب ينشئ الله عز وجل فينزل الله منه الماء، فما من منطق أحسن من منطقه، ولا من ضحك أحسن من ضحكه» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منطقه الرعد وضحكه البرق» .
وأخرج أحمد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربكم يقول: لو أن عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب، والترمذي والنسائي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وابن مردويه والخرائطي في مكارم الأخلاق، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفع الحديث، أنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده.
وأخرج ابن مردويه وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح أو سمع صوت الرعد تغير لونه، حتى عرف ذلك في وجهه، ثم يقول للرعد: «سبحان من سبحت له» ويقول للريح: «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً» .
وأخرج الشافعي عن المطلب بن حنطب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا برقت السماء أو رعدت، عرف ذلك في وجهه، فإذا أمطرت سري عنه.
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله، فإنه لا يصيب ذاكراً» .
وأخرج أبو داود في مراسيله، عن عبيد الله بن أبي جعفر رضي الله عنه أن قوماً سمعوا الرعد فكبروا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم الرعد فسبحوا ولا تكبروا» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من سبحت له.
وأخرج مالك وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، والبخاري في الأدب، وابن المنذر والخرائطي، وأبو الشيخ في العظمة، عن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، ثم يقول: إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الرعد وعيد من الله، فإذا سمعتموه فأمسكوا عن الحديث» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما قال: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعليّ ديته.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ، عن عبد الله بن أبي زكريا رضي الله عنه قال: بلغني أن من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة.
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق، عن أحمد بن داود رضي الله عنه قال: بينما سليمان بن داود عليه السلام يمشي مع أبويه وهو غلام، إذ سمع صوت الرعد، فخر فلصق بفخذ أبيه، فقال: يا بني، هذا صوت مقدمات رحمته، فكيف لو سمعت صوت مقدمات غضبه؟
وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن كعب رضي الله عنه قال: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثاً، عوفي مما يكون في ذلك الرعد.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع الرعد فقال: «أتدرون ما يقول؟
فقلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنه يقول: موعدك لمدينة كذا» .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل في فلاة من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا هو رجل قائم في حديقة يحوّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟
فقال: فلان- للإسم الذي سمع في السحابة- فقال له: لم سألتني عن اسمي؟!
قال: سمعت في السحاب الذي هذا ماؤه، اسق حديقة فلان لإِسمك بما تصنع فيها.
قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيه ثلثه» .
وأخرج النسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعث رجلاً من أصحابه إلى رأس من رؤساء المشركين يدعوه إلى الله، فقال المشرك: هذا الإِله الذي تدعوني إليه، أمن ذهب هو أم من فضة، أم من نحاس؟
فتعاظم مقالته، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع إليه، فرجع إليه، فأعاد عليه القول الأول، فرجع فأعاده الثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام بينهما، إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت وأرقت، ووقع منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير والخرائطي في مكارم الأخلاق، «عن عبد الرحمن بن صحار العبدي، أنه بلغه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى جبار يدعوه فقال: أرأيتم ربكم، أذهب هو، أم فضة هو، أم لؤلؤ هو، قال: فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقحف رأسه.
فأنزل الله هذه الآية ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ﴾ » .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن ربك، من ذهب هو، أم من لؤلؤ، أم ياقوت؟
فجاءه صاعقة فأخذته، فأنزل الله: ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد حدثني عن إلهك هذا الذي تدعو إليه أياقوت هو؟
أذهب هو؟
أم ما هو؟...
فنزلت على السائل صاعقة فأحرقته.
فأنزل الله تعالى ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء...
﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي كعب المكي رضي الله عنه قال: «قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرونا عن ربكم، من ذهب هو، أم من فضة، أم من نحاس؟
فقعقعت السماء قعقعة، فإذا قحف رأسه ساقطٌ بين يديه، فأنزل الله تعالى ﴿ ويرسل الصواعق...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير والخرائطي، عن قتادة رضي الله عنه ذكر لنا «أن رجلاً أنكر القرآن، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته، فأنزل الله تعالى فيه ﴿ وهم يجادلون في الله...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قال: نزلت في عامر بن الطفيل وفي أربد بن قيس، أقبل عامر فقال: إن لي حاجة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اقترب، فاقترب حتى جثا على النبي صلى الله عليه وسلم، وسل أربد بعض سيفه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بريقه، تعوّذ بآية من القرآن كان يتعوّذ بها، فأيبس الله يد أربد على السيف، وأرسل عليه صاعقة فاحترق» فذلك قول أخيه: أخشى على أربد الحتوف ولا ** أرهب نوء السماك والأسد فجعني البرق بالفا ** رس يوم الكريهة النجد وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي وأبو الشيخ في العظمة، عن أبي عمران الجوني قال: إن بحوراً من النار دون العرش يكون فيها الصواعق.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: الصواعق نار.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان رضي الله عنه قال: الصواعق من نار السموم، وهذا صوت الحجب التي بحرها ما بيننا وبينه من الحجاب، يسوق السحاب.
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: لم أسمع أحداً ذهب البرق ببصره، لقول الله تعالى: ﴿ يكاد البرق يخطف أبصارهم ﴾ [ سورة البقرة: 120] والصواعق تحرق لقول الله تعالى ﴿ ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: رأيت صاعقة أصابت نخلتين بعرفة، فأحرقتهما.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي جعفر رضي الله عنه قال: الصاعقة تصيب المؤمن والكافر، ولا تصيب ذاكر الله.
وأخرج أبو الشيخ عن نصر بن عاصم الثقفي رضي الله عنه قال: من قال: سبحان الله شديد المحال، لم تصبه عقوبة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد القوة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد المكر، شديد القوّة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد الحول.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد الأخذ.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد الانتقام.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد الحقد.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد القوّة والحيلة.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي، رضي الله عنه- ﴿ وهو شديد المحال ﴾ قال: شديد الحول والقوّة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ الآية، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن اليهود سألت رسول الله فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟
فقال: "الرعد ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، معه مخاريق يسوق بها السحاب حيث يشاء الله"، قالوا: فما الصوت الذي يسمع؟
قال: "زجره [بالسحاب إذا زجره] (١) (٢) وروى الضحاك عن ابن عباس (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقال عطية: الرعد ملك وهذا تسبيحه، فعلى ما ذكرنا من هذه الأقوال، الرعد اسم للملك الموكل بالسحاب، وصوته تسبيح لله تعالى.
ويسمى الرعد أيضًا، يدل على هذا ما روي أن ابن عباس كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له (٨) (٩) (١٠) (١١) وذهب قوم إلى أن الرعد هو صوت السحاب، وأنه يسبح الله بعقل يجعله الله له، روى حميد بن عبد الرحمن عن شيخ أدرك النبي قال: سمعت رسول الله يقول: "إن الله ينشئ السحاب، فينطق أحسن المنطق، ويضحك أحسن الضحك" (١٢) (١٣) وأنشد أحمد بن يحيى [رحمه الله] [[ليس في (ب): [رحمه الله].
والبيت نسبه أحمد بن يحيى ليزيد بن الطثرية.
انظر: "شعره" 66، و"الزاهر" 1/ 448.]]: فيا ربوة الرّبْعَين حُيَّيت رَبْوة ...
على النَّأْي مِنَّا واسْتَهَلَّ بك الرعْدُ يريد صوّت بك الرعد، تصويتًا (١٤) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه ﴾ فلو كان الرعد ملكًا لدخل في جملة الملائكة، ولم يفصل منهم، ومن قال بالقول الأوّل قال: إن الله تعالى أتى بالكل بعد البعض، كما قال: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ ، فعمَّ بعد أن خَصَّ.
ومن المفسرين (١٥) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته.
قال ابن عباس (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾ ، ذكرنا معنى الصواعق في البقرة [: 19].
قال المفسرون (١٧) يخاصمانه، ويريدان الفتك به، فقال النبي : "اللهم اكفينهما بما شئت"، فأرسل الله صاعقة على أربد في يوم صائف صاح، فأحرقته، وولى عامر هاربًا (١٨) ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾ كما أصاب أربد.
قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ ﴾ قال أبو إسحاق (١٩) فقال: أخبرني عن ربنا أمن نحاس أم حديد؟) (٢٠) (٢١) فهم جماعة، وإن صرفت الجدال إلى أربد وعامر جاز؛ لأن العرب قد توقع الجمع على الواحد وعلى التثنية، ومضت لذلك نظائر.
قال أبو إسحاق (٢٢) ﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ قال أبو عبيدة (٢٤) (٢٥) فرعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصْنِ المَجْد ...
غَزِيرِ النَّدَى عَظِيمِ المِحَال وأَما الكلام في اشتقاق هذا الحرف، فذهب قوم إلى أنه من الحول بمعنى الحيلة، (ومن هذا يقال المحالة بمعنى الحيلة.
قال ابن قتيبة (٢٦) ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ أي شديد الكيد والمكر، قال: وأصل المحال: الحيلة) (٢٧) (٢٨) وروى ابن جريج عن ابن عباس (٢٩) (٣٠) وروى عباد بن منصور عن الحسن (٣١) ﴿ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ قال: شديد الحقد، قال أبو بكر: وهذا على ما بينا من أن غضب الله لما استسر (٣٢) (٣٣) قال الأزهري (٣٤) (٣٥) (٣٦) قال الفراء (٣٧) (٣٨) (٣٩) قال الأزهري: ويقول الله شديد المحال، منه أي: شديد القوة، أما ما روى عن ابن عباس، المحال: الحول.
قال أبو عبيد: ولم يعتد بفتح الميم ولا كسرها، قال: وهذا التفسير يوجب فتح الميم؛ لأن المحالة والمحال هما الحول، وأنشد (٤٠) ما للرجَالِ مع القَضاءِ مَحَالَة ...
ذَهَبَ القَضَاءُ بحِيلَةِ الأقْوَامِ وأما قولهم (٤١) قال الأزهري (٤٢) وقال مجاهد (٤٣) (٤٤) إنَّ مَنْ يَركبُ الفَوَاحِشَ سِرًّا ...
حين يَخْلُو بسِرّه غَيْرُ خَالِ كيفَ يخْلُو وعِنْدَه كاتِبَاه ...
شَاهِدَاه ورَبُّهُ ذو المِحَالِ وقال عبد المطلب بن هاشم (٤٥) لا هم إنَّ المَرْء يمنعُ رَحْلَه فامْنَع حِلالَك ...
لا يَغْلِبَنّ صَلِيبهُمُ ومِحَالُهم عَدَدًا مِحَالَك قال ابن الأنباري (٤٦) (٤٧) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢) أخرجه الترمذي (3117) في كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الرعد وقال: حديث حسن غريب، والنسائي (9705)، (9706)، في الكبرى عشرة النساء، باب: صفة ماء الرجل وصفة ماء المرأة، وصححه الألباني كما في "صحيح الترمذي" 3/ 65، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (1872).
(٣) أخرجه ابن جرير وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 96.
(٤) أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 96.
(٥) الثعلبي 7/ 128 أ.
(٦) الطبري 13/ 124.
(٧) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في "سننه" كما في "الدر" 4/ 97، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 482.
(٨) أخرجه الطبري 13/ 124، وأخرج أيضًا عن علي، وطاوس نحوه، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 483.
(٩) في (أ)، (ج): (وعظيم بالياء).
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.
(١١) "زاد المسير" 4/ 314.
(١٢) أخرجه أحمد 5/ 435، وابن أبي الدنيا في كتاب "المطر"، وأبو الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 475، عن أبي ذر الغفاري كما في "الدر" 4/ 95، وصححه الألباني.
انظر: "صحيح الجامع الصغير" (1920)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1665).
(١٣) "مجاز القرآن" 1/ 325.
(١٤) في نسخة (ج): (تصويت) (أ).
(١٥) الثعلبي 7/ 128 ب.
(١٦) "زاد المسير" 4/ 314، القرطبي 9/ 295.
(١٧) الطبري 13/ 126، والثعلبي 7/ 125 ب، و"زاد المسير" 4/ 314، والقرطبي 9/ 296، وابن كثير 2/ 555.
(١٨) أخرجه الطبراني في "الكبير" 10/ 379 (1060)، وأبو نعيم في "الدلائل" 1/ 66 من طريق عطاء بن يسار، عن ابن عباس، وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 41، وقال فيه عبد العزيز بن عمران.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.
(٢٠) ما بين القوسين ساقط من (ب).
(٢١) بالنسبة لرواية عامر وأربد فقد أخرجها الطبري 13/ 126 عن ابن جريج قال: نزلت -يعني قوله: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾ - في أربد، أخي لبيد بن ربيعة؛ لأنه قدم أربد وعامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على النبي ، فقال عامر: يا محمد، أأسلم وأكون الخليفة من بعدك؟
قال: "لا".
قال: فأكون على أهل الوبر وأنت على أهل المدر؟
قال: "لا".
قال: فما ذاك؟
قال: "أعطيك أعنة الخيل تقاتل عليها، فإنك رجل فارس"، قال لأربد: إما أن تكفينيه وأضربه بالسيف، وإما أن أكفيكه وتضربه بالسيف، قال أربد: أكفنيه وأضربه، فقال ابن الطفيل: يا محمد إني لي إليك حاجة، قال: "ادن"، فلم يزل يدنو، ويقول النبي : "ادنُ" حتى وضع يديه على ركبتيه وحنى عليه، واستل أربد السيف، فاستل منه قليلًا، فلما رأى النبي بريقه تعوّذ بآية كان يتعوذ بها، فيبست يدُ أربد عى السيف، فبعث الله عليه صاعقة فأحرقته.
وأخرجه الطبري 13/ 119 - 120، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 92 - 93، عن ابن زيد بنحوه، وذكر الهيثمي 7/ 41، عن ابن عباس نحوه، وقال: رواه الطبراني في "الأوسط والكبير" وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف.
وأما الرواية الأخرى والتي فيها ما ذكره الواحدي هنا فقد وردت بألفاظ مختلفة ومنها: ما أخرجه النسائي والبزار وأبو يعلى والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه والبيهقي في "الدلائل"، عن أنس بن مالك - - أن رسول الله : بعث رجلاً من أصحابه إلى رأس من رؤوس المشركين يدعوه إلى الله، فقال المشرك: هذا الإله الذي تدعوني إليه، أمن ذهب هو أم من فضة، أم من نحاس؟
فتعاظم مقالته، فرجع إلى النبي أخبره، == فقال: "ارجع إليه"، فرجع إليه فأعاد عليه القول الأول، فرجع فأعاده الثالثة، فبينما هما يتراجعان الكلام بينهما، إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت وأبرقت، ووقع منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى ت ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ﴾ .
الطبري 13/ 126، و"الدر المنثور" 4/ 99، و"مجمع الزوائد" 7/ 42، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، ورواه الطبراني في "الأوسط"، ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة، وفي رجال ابن أبي يعلى والطبراني علي بن أبي سارة وهو ضعيف.
وقد علَّق عليه أحمد شاكر بتوثيق رجاله إلا علي بن أبي سارة الشيباني، ويقال له: علي بن محمد بن سارة، شيخ ضعيف الحديث، قال البخاري: ففي حديثه نظر، وقال أبو داود: ترك الناس حديثه، وقال ابن حبان: غلب على روايته المناكير فاستحق الترك، وقال العقيلي: علي ابن أبي سارة عن ثابت البناني، لا يتابع عليه، ثم روى له عن ثابت، عن أنس قوله تعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ ﴾ ثم قال: ولا يتابعه عليه إلا من هو مثله أو قريب منه.
قال أحمد شاكر: فهذا إسناد ضعيف جدًّا.
اهـ."حاشية الطبري" 16/ 392، 393، وقد وردت أحاديث أخرى قريبة من هذا في الطبري 13/ 125 - 126، و"الدر المنثور" 4/ 99.
فالذي يظهر لي أن الواحدي جمع بين الحديثين والله أعلم.
وقد تابعه على ذلك نقلاً، عنه: الرازي 19/ 26، 27.
وانظر: "زاد المسير" 4/ 314، 315، والبغوي 4/ 304، و"الكشاف" 2/ 353.
(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.
(٢٣) "زاد المسير" 4/ 315.
(٢٤) "مجاز القرآن" 1/ 325.
(٢٥) قلت: في "مجاز القرآن" 1/ 325 (شديد المحال) بدل (عظيم) قال الطبري 13/ 127: هكذا كان ينشده معمر بن المثنى فيما حدثت به عن علي بن المغيرة عنه، وأما الرواة بعد فإنهم ينشدون: فرع فرع يهتزفي غصن المجد ...
كثير الندى عظيم المحال والبيت في "ديوانه" ص 7، 9، و"السمط" ص 907، والقرطبي 9/ 299، و"اللسان" (محل) 7/ 4148، و"الزاهر" 1/ 102، و"العين" 3/ 241، و"البحر" 5/ 358، و"المحرر" 8/ 148، و"الدر المصون" 7/ 32، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 485.
(٢٦) "مشكل القرآن وغريبه" ص 231.
(٢٧) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٢٨) الطبري 13/ 127، وعبد الرزاق 3/ 333، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 100.
(٢٩) الطبري 13/ 127.
(٣٠) انظر: منهجه في آيات العقيدة، وقوله: (وإن كانت مخالفها) كذا في جميع النسخ ولعلها: مخالفتها.
(٣١) "زاد المسير" 4/ 316، وأخرجه أبو الشيخ عن عكرمة كما في "الدر" 4/ 100.
(٣٢) في (ج): (اسْتَتَرَ).
(٣٣) في (ب)، (ج): (وينادي).
(٣٤) "تهذيب اللغة" (محل) 4/ 3353.
(٣٥) (أ)، (ج): (القيس).
(٣٦) في (أ)، (ج): (أن).
(٣٧) "تهذيب اللغة" (محل) 4/ 3353.
(٣٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.
(٣٩) "تهذيب اللغة" (محل) 3/ 3353.
(٤٠) نسبه في "الزاهر" 1/ 101 لبعض بني أسد.
(٤١) "تهذيب اللغة" (محل) 4/ 3353.
(٤٢) المرجع السابق.
(٤٣) الطبري 13/ 127.
(٤٤) "ديوانه" ص 64، و"الزاهر" 1/ 102.
(٤٥) انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 51، و"تاريخ الطبري" 2/ 135، و"الزاهر" 1/ 101، و"المحرر" 8/ 148، و"البحر" 5/ 358، و"الدر المصون" 7/ 32، و"اللسان" (محل) 7/ 4148 (٤٦) "الزاهر" 1/ 9، 10.
(٤٧) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 100، و"زاد المسير" 4/ 316.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ الخوف يكون من البرق من الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه ﴿ السحاب الثقال ﴾ وصفها بالثقل، لأنها تحمل الماء ﴿ وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ﴾ الرعد اسم ملك وصوته المسموع تسبيح، وقد جاء في الأثر: أن صوته زجر للسحاب، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك ﴿ وَيُرْسِلُ الصواعق ﴾ قيل: إنه إشارة إلى الصاعقة التي نزلت على أربد بن ربيعة الكافر، وقتلته حين هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأخوه عامر بن الطفيل واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ يعني الكفار، والواو للاستئناف أو للحال ﴿ شَدِيدُ المحال ﴾ أي شديد القوة، والمحال مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه مفعل، وقيل: معناه شديد المكر من قولك: محل بالرجل إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية ووزنه فعال وتأويل المكر على هذا القول كتأويله في المواضع التي وردت في القرآن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.
﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.
الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.
﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.
وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.
وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.
ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.
وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.
فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.
وعن الحسن.
خلق الله ليس بملك.
وعن النبي : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .
وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.
وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.
وعن علي : سبحان من سبحت له.
وكان رسول الله يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .
وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.
والمطر بكاؤهم.
أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه جعل له أعواناً.
قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.
قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.
ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.
ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله فقال رجل من أصحابه.
يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.
فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.
فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.
فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.
قال تجعل لي الأمر بعدك.
قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.
قال: لا.
قال: فماذا تجعل لي؟
قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.
قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟
وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.
فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.
فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟
ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.
قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .
ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.
وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.
أبو عبيدة: شديد العقوبة.
الحسن: شديد النقمة.
وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.
وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي في الكافرين حين دعا عليهما.
وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.
وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.
﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.
﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.
والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.
وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.
ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.
ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.
وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.
كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.
وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.
وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.
ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".
واعلم أنه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.
وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.
وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟
فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.
والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.
وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.
ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.
قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله منزه عن ذلك.
وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.
ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.
وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.
قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.
وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.
ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.
والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.
ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.
ثم قال إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.
أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.
﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.
ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.
يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.
وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.
ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.
ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.
وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.
وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.
وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.
﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.
ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.
ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.
وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.
وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.
وقيل: هو مؤازة النبي ومعاونته ونصرته في الجهاد.
وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .
﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.
وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.
﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .
﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.
قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.
وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.
يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟
قال: من بلخ.
فقال: وهل تعرف شقيقاً؟
فقال: نعم.
فقال: كيف طريقة أصحابه؟
فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.
وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله أن تكون مرجع أهلها.
والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.
قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.
وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.
قال الواحدي: والأول أصح لأن الله جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.
ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.
والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.
قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.
وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.
وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.
وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.
ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.
والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.
وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.
وروي عن النبي أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.
وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.
وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.
قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.
والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.
وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.
وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.
وقيل: المراد أنه أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.
والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.
و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".
والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.
عن ابن عباس: فرح وقرة عين.
الضحاك: غبطة لهم.
قتادة: حسنى لهم.
الأصم: خير وكرامة.
الزجاج: عيش طيب.
والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
وقيل: طوبى شجرة في الجنة.
حكى الأصم أن أصلها في دار النبي وفي دار كل مؤمن منها غصن.
روي عن رسول الله أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.
التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.
ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.
معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.
آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.
﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.
﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.
وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.
فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .
أي: مخوفاً ومطمعاً أو ما تخافون وتطمعون.
وقال أهل التأويل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.
وقيل: خوفاً لأهل البنيان؛ وطمعاً لأهل الأنزال.
وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه.
ويحتمل وجهاً آخر في قوله: ﴿ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ أي: يريكم خوفاً موعوداً وطمعاً موعوداً؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها ناراً؛ ألا ترى أنه إذا اشتد خيف على من أصابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ .
[قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء.
قال أبو عوسجة: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ ] يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمّى الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ الله الخلق أي: خلقهم، نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا.
والله أعلم.
﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ .
اختلف في الرعد والبرق: قال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ صوته تسبيحه.
وعلى ذلك روي عن ابن عباس - - قال: "أقبلت يهود إلى النبي ؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟
قال: ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟
قال: زجرة السحاب إذا زجره؛ حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" .
فإن ثبت هذا؛ فهو هو.
وعن علي - - "أنه سئل عن [البرق والرعد]؟
فقال: الرعد: الملك، والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد" .
وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذت سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق.
وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذاً صوتت؛ فذلك صوتها.
وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر يحك الحجر.
وقال بعضهم من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه فذلك الصوت منه.
وأي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل شيء؛ على ما أخبر الله - عز وجل - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة [منشئه من] كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته.
ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه الخلق.
وعن أبي سعيد الخدري - - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق صوته الذي يزجي به السحاب.
قيل: أمثال هذا كثير، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك.
وقوله: ﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، وما ذكروا من سلطانه وعظمته، ﴿ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ أي: تسبيح الملائكة من خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة الله وسلطانه، فذلك الثناء عليه والملائكة يسبحونه فيما بينهم وبين ربهم، فلم [يذكر فيهم] التسبيح؛ بحمده، وذكر في الرعد والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين: أحدهما: خوفاً من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية.
والثاني: [خوف] رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن الله وصفهم بالطاعة له والاستسلام، كقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 19] ونحو ذلك.
ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ ﴾ قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وقيل: هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار "أن رجلاً أتى النبي فسأله عن شيء من أمر الرب فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ " .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ أي: في توحيد الله؛ لأن أهل الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد الله وألوهيته وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ قال بعضهم: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: شديد الأخذ.
وقال القتبي: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون به.
وقال أبو عوسجة: المحال عندي من المكر.
وقال أبو عوسجة: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر الله، ويقال عقبته أي: حفظته، وأما قوله ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ أي: لا رادّ لحكمه قال ويقال في غير هذا أعقب فلان فلاناً، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء.
وقال القتبي: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله.
وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ وذلك جائز في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق [له] ليس لمن دونه.
والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة من دعا بالحق.
فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: له إجابة دعوة من دعا بالحق والله أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من عبد دونه ودعي دونه لا يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ﴾ أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر ﴿ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾ وهو ضرب مثل من يدعو من دون الله كباسط كفيه إلى الماء هو - والله أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو الأصنام لا يملكون إجابته، والله أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل أن من عبد دون الله أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على بعد من الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون الله إلى ما يأمل ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ أي: دعاؤهم وعبادتهم لا يعقب لهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَسْجُدُ ﴾ على حقيقة السجود يسجد له المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع.
ويحتمل ما ذكر من السجود وجوهاً: أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة.
والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل الله في خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته.
والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر يكون سجوده لله اختيارا وطوعا حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .
أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل.
ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي الروح وغير ذي الروح.
﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ أي: ظلالهم تخضع له أيضاً بالغدو والآصال.
ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد.
فإن قيل: ما معنى الغدوّ والآصال؟
قيل: يحتمل: أبداً دائماً: ليس على مراد الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها.
<div class="verse-tafsir"
ويسبح الرعدُ ربَّه تسبيحًا مقرونًا بحمده سبحانه، وتسبح الملائكةُ ربِّها خوفًا منه وإجلالًا وتعظيمًا له، ويرسل الصواعق المحرقة على من يشاء من مخلوقاته فيهلكه، والكفار يخاصمون في وحدانية الله، والله شديد الحول والقوة، لمن عصاه.
من فوائد الآيات عظيم مغفرة الله وحلمه عن خطايا بني آدم، فهم يستكبرون وَيتَحَدَّوْنَ رسله وأنبياءه، ومع هذا يرزقهم ويعافيهم ويحلم عنهم.
سعة علم الله تعالى بما في ظلمة الرحم، فهو يعلم أمر النطفة الواقعة في الرحم، وصَيْرُورتها إلى تخليق ذكر أو أنثى، وصحته واعتلاله، ورزقه وأجله، وشقي أو سعيد، فعلمه بها عام شامل.
عظيم عناية الله ببني آدم، وإثبات وجود الملائكة التي تحرسه وتصونه وغيرهم مثل الحَفَظَة.
أن الله تعالى يغير حال العبد إلى الأفضل متى ما رأى منه اتباعًا لأسباب الهداية، فهداية التوفيق منوطة باتباع هداية البيان.
<div class="verse-tafsir" id="91.lJoXy"