الآية ١٤ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٤ من سورة الرعد

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 108 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبى طالب ، رضي الله عنه : ( له دعوة الحق ) قال : التوحيد .

رواه ابن جرير .

وقال ابن عباس ، وقتادة ، ومالك عن محمد بن المنكدر : ( له دعوة الحق ) [ قال ] لا إله إلا الله .

( والذين يدعون من دونه ) أي : ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله .

( كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ) قال علي بن أبي طالب : كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده ، وهو لا يناله أبدا بيده ، فكيف يبلغ فاه ؟

.

وقال مجاهد : ( كباسط كفيه ) يدعو الماء بلسانه ، ويشير إليه [ بيده ] فلا يأتيه أبدا .

وقيل : المراد كقابض يده على الماء ، فإنه لا يحكم منه على شيء ، كما قال الشاعر : فإني وإياكم وشوقا إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله وقال الآخر : فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد ومعنى الكلام : أن هذا الذي يبسط يده إلى الماء ، إما قابضا وإما متناولا له من بعد ، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه ، الذي جعله محلا للشرب ، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها غيره ، لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة; ولهذا قال : ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لله من خلقه الدعوة الحق, و " الدعوة " هي" الحق " كما أضيفت الدار إلى الآخرة في قوله: وَلَدَارُ الآخِرَةِ [سورة يوسف: 109]، وقد بينا ذلك فيما مضى.

(1) وإنما عنى بالدعوة الحق، توحيد الله وشهادةَ أن لا إله إلا الله .

* * * وبنحو الذي قلنا تأوله أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20280- حدثنا أحمد بن إسحاق قال حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس: (دعوة الحق) ، قال: لا إله إلا الله .

20281- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (له دعوة الحق) قال: شهادة أن لا إله إلا الله .

20282- ...

قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا سيف, عن أبي روق, عن أبي أيوب, عن علي رضي الله عنه: (له دعوة الحق) قال: التوحيد .

(2) 20283- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (له دعوة الحق) قال: لا إله إلا الله .

20284- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس, في قوله: (له دعوة الحق) قال: لا إله إلا الله .

20285- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (له دعوة الحق) : لا إله إلا الله ليست تنبغي لأحد غيره, لا ينبغي أن يقال: فلان إله بني فلان .

* * * وقوله: (والذين يدعون من دونه) يقول تعالى ذكره: والآلهة التي يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهة .

* * * وقوله (من دونه) يقول: من دون الله.

* * * وإنما عنى بقوله: (من دونه) الآلهة أنها مقصِّرة عنه, وأنَّها لا تكون إلهًا, ولا يجوز أن يكون إلهًا إلا الله الواحد القهار، (3) ومنه قول الشاعر: (4) أتُوعِـــدُنِي وَرَاء بَنِــي رِيَــاحٍ? كَــذَبْتَ لَتَقْصُــرَنّ يَــدَاكَ دُونِـي (5) يعني: لتقصرنَّ يداك عني .

* * * وقوله: (لا يستجيبون لهم بشيء ) يقول: لا تجيب هذه الآلهة التي يدعوها هؤلاء المشركون آلهةً بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضرٍّ (إلا كباسط كفيه إلى الماء) ، يقول: لا ينفع داعي الآلهة دعاؤه إياها إلا كما ينفع باسط كفيه إلى الماء بسطُه إياهما إليه من غير أن يرفعه إليه في إناء, ولكن ليرتفع إليه بدعائه إياه وإشارته إليه وقبضه عليه .

* * * والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض على الماء، (6) قال بعضهم: (7) فــإنِّي وإيَّــاكُمْ وَشَــوْقًا إلَيْكُــمُ كَقَــابِضِ مَــاءٍ لَـمْ تَسِـقْهُ أَنَامِلُـه (8) يعني بذلك: أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء, لأن القابض على الماء لا شيء في يده .

وقال آخر: (9) فَـأَصْبَحْتُ مِمَّـا كـانَ بَيْنِـي وبَيْنهَـا مِـنَ الـوُدِّ مِثْـلَ القَـابِضِ المَاءَ بِاليَد (10) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20286- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سيف, عن أبي روق, عن أبي أيوب, عن علي رضي الله عنه, في قوله: (إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) قال: كالرجل العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه .

(11) 20287- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (كباسط كفيه إلى الماء) يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده, ولا يأتيه أبدًا .

20288- ...

قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: أخبرني الأعرج, عن مجاهد: (ليبلغ فاه) يدعوه ليأتيه وما هو بآتيه, كذلك لا يستجيب من هو دونه .

20289- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (كباسط كفيه إلى الماء) يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده, فلا يأتيه أبدًا .

20290- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد 20291- ...

قال: وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20292- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج.

عن ابن جريج, عن مجاهد مثل حديث الحسن عن حجاج قال ابن جريج: وقال الأعرج عن مجاهد: (ليبلغ فاه) قال: يدعوه لأن يأتيه وما هو بآتيه, فكذلك لا يستجيب مَنْ دونه .

20293- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) وليس ببالغه حتى يتمزَّع عنقه ويهلك عطشًا قال الله تعالى: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) هذا مثل ضربه الله ; أي هذا الذي يدعو من دون الله هذا الوثنَ وهذا الحجر لا يستجيب له بشيء أبدًا ولا يسُوق إليه خيرًا ولا يدفع عنه سوءًا حتى يأتيه الموت, كمثل هذا الذي بسط ذارعيه إلى الماء ليبلغ فاه ولا يبلغ فاه ولا يصل إليه ذلك حتى يموت عطشًا .

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليتناول خياله فيه, وما هو ببالغ ذلك .

*ذكر من قال ذلك: 20294- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه) ، فقال: هذا مثل المشرك مع الله غيرَهُ, فمثله كمثل الرَّجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد, فهو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه .

* * * وقال آخرون في ذلك ما: 20295- حدثني به محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء) إلى: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) يقول: مثل الأوثان والذين يعبدون من دون الله، (12) كمثل رجل قد بلغه العطش حتى كَرَبه الموت وكفاه في الماء قد وضعهما لا يبلغان فاه, يقول الله: لا تستجيب الآلهة ولا تنفع الذين يعبدونها حتى يبلغ كفّا هذا فاه, وما هما ببالغتين فاه أبدًا .

20296- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) قال: لا ينفعونهم بشيء إلا كما ينفع هذا بكفيه, يعني بَسْطَهما إلى ما لا ينالُ أبدًا .

* * * وقال آخرون: في ذلك ما: 20297- حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه) وليس الماء ببالغ فاه ما قام باسطًا كفيه لا يقبضهما(وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) .

قال: هذا مثلٌ ضربه الله لمن اتخذ من دون الله إلهًا أنه غير نافعه, ولا يدفع عنه سوءًا حتى يموت على ذلك .

* * * وقوله: (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) يقول: وما دعاء من كفر بالله ما يدعو من الأوثان والآلهة(إلا في ضلال)، يقول: إلا في غير استقامة ولا هدًى, لأنه يشرك بالله .

---------------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف ص : 294 ، 295 .

(2) الأثر : 20282 - مضى هذا الإسناد الهالك مرارًا آخرها رقم : 20273 .

(3) انظر تفسير" دون" في فهارس اللغة ( دون ) .

(4) هو جرير .

(5) ديوانه 577 ، والنقائض : 31 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 326 والأضداد لابن الأنباري : 58 ، وسيأتي التفسير قريبًا 13 : 130 ( بولاق ) وغيرها كثير ، يهجو فضالة من بني عرين .

(6) قالوا في المثل : كالقابض على الماء" ، انظر أمثال الميداني 2 : 80 ، وجمهرة الأمثال : 164 .

(7) هو ضابئ بن الحارث البرجمي .

(8) من قصيدته التي قالها في السجن ، وكان أعد حديدة يريد أن يغتال بها عثمان بن عفان رضي الله عنه وشعره في خزانة الأدب 4 : 80 ، وفي طبقات فحول الشعراء : 145 ، وتاريخ الطبري 5 : 137 / 7 : 213 ، والبيت في الخزانة ، وفي اللسان ( وسق ) ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 327 ، وغريب القرآن لابن قتيبة : 226 .

وقوله :" لم تسقه" ، من" وسقت الشيء أسقه وسقًا" ، إذا حملته .

(9) هو الأحوص بن محمد الأنصاري .

(10) الزهرة : 183 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 327 ، وقبله : فوَانـدَمِي إذْ لـم أَعُـجْ , إذ تقـولُ لِي تقــدَّمْ فَشَـيِّعنا إلـى ضَحْـوةِ الغَـدِ ووراية الزهرة : سِـوَى ذِكْرهـا , كالقـابضَ الماءَ باليدِ * وهي رواية جيدة جدًا ، خير مما روى أبو عبيدة والطبري .

(11) الأثر : 20286 - هذا أيضًا هو الإسناد الهالك الذي مضى برقم : 20282 .

(12) في المطبوعة والمخطوطة :" مثل الأثان الذين يعبدون" ، وهو لا يستقيم إلا كما كتبته .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلالقوله تعالى : له دعوة الحق أي لله دعوة الصدق .

قال ابن عباس وقتادة وغيرهما : لا إله إلا الله .

وقال الحسن : إن الله هو الحق ، فدعاؤه دعوة الحق .

وقيل : إن الإخلاص في الدعاء هو دعوة الحق ; قال بعض المتأخرين .

وقيل : دعوة الحق دعاؤه عند الخوف ; فإنه لا يدعى فيه إلا إياه .

كما قال : ضل من تدعون إلا إياه ; قال الماوردي : وهو أشبه بسياق الآية ; لأنه قال : والذين يدعون من دونهوالذين يدعون من دونه يعني الأصنام والأوثان .لا يستجيبون لهم بشيء أي لا يستجيبون لهم دعاء ، ولا يسمعون لهم نداء .إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ضرب الله - عز وجل - الماء مثلا ليأسهم من الإجابة لدعائهم ; لأن العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض الماء باليد ; قال :فأصبحت فيما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليدوفي معنى هذا المثل ثلاثة أوجه أن الذي يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذي يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا ، لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ; قاله مجاهد .أنه كالظمآن الذي يرى خياله في الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، لكذب ظنه ، وفساد توهمه ; قاله ابن عباس .

الثالث : أنه كباسط كفه إلى الماء ليقبض عليه فلا يجمد في كفه شيء منه .

وزعم الفراء أن المراد بالماء هاهنا البئر ; لأنها معدن للماء ، وأن المثل كمن مد يده إلى البئر بغير رشاء ; وشاهده قول الشاعر :[ ص: 263 ]فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويتقال علي - رضي الله عنه - : هو كالعطشان على شفة البئر ، فلا يبلغ قعر البئر ، ولا الماء يرتفع إليه ، ومعنى إلا كباسط إلا كاستجابة باسط كفيه إلى الماء فالمصدر مضاف إلى الباسط ، ثم حذف المضاف ; وفاعل المصدر المضاف مراد في المعنى وهو الماء ; والمعنى : إلا كإجابة باسط كفيه إلى الماء ; واللام في قوله : ليبلغ فاه متعلقة بالبسط ، وقوله : وما هو ببالغه كناية عن الماء ; أي وما الماء ببالغ فاه .

ويجوز أن يكون هو كناية عن الفم ; أي ما الفم ببالغ الماء .وما دعاء الكافرين إلا في ضلال أي ليست عبادة الكافرين الأصنام إلا في ضلال ، لأنها شرك ، وقيل : إلا في ضلال أي يضل عنهم ذلك الدعاء ، فلا يجدون منه سبيلا ; كما قال : أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وقال ابن عباس : أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا يسمع دعاءهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لله وحده { دَعْوَةُ الْحَقِّ } وهي: عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى، أي: هو الذي ينبغي أن يصرف له الدعاء، والخوف، والرجاء، والحب، والرغبة، والرهبة، والإنابة؛ لأن ألوهيته هي الحق، وألوهية غيره باطلة { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } من الأوثان والأنداد التي جعلوها شركاء لله.

{ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ } أي: لمن يدعوها ويعبدها بشيء قليل ولا كثير لا من أمور الدنيا ولا من أمور الآخرة { إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ } الذي لا تناله كفاه لبعده، { لِيَبْلُغَ } ببسط كفيه إلى الماء { فَاهُ } فإنه عطشان ومن شدة عطشه يتناول بيده، ويبسطها إلى الماء الممتنع وصولها إليه، فلا يصل إليه.

كذلك الكفار الذين يدعون معه آلهة لا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعونهم في أشد الأوقات إليهم حاجة لأنهم فقراء كما أن من دعوهم فقراء، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير.

{ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } لبطلان ما يدعون من دون الله، فبطلت عباداتهم ودعاؤهم؛ لأن الوسيلة تبطل ببطلان غايتها، ولما كان الله تعالى هو الملك الحق المبين، كانت عبادته حقًّا متصلة النفع لصاحبها في الدنيا والآخرة.

وتشبيه دعاء الكافرين لغير الله بالذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه من أحسن الأمثلة؛ فإن ذلك تشبيه بأمر محال، فكما أن هذا محال، فالمشبه به محال، والتعليق على المحال من أبلغ ما يكون في نفي الشيء كما قال تعالى: { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( له دعوة الحق ) أي : لله دعوة الصدق .

قال علي رضي الله عنه : دعوة الحق التوحيد .

وقال ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا الله .

وقيل : الدعاء بالإخلاص ، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عز وجل .

( والذين يدعون من دونه ) أي : يعبدون الأصنام من دون الله تعالى .

( لا يستجيبون لهم بشيء ) أي : لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر ( إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ) أي : إلا كباسط كفيه ليقبض على الماء [ والقابض على الماء ] لا يكون في يده شيء ، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء ، كذلك الذي يدعو الأصنام ، وهي لا تضر ولا تنفع ، لا يكون بيده شيء .

وقيل : معناه كالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد ، فهو يشير بكفه إلى الماء ، ويدعوه بلسانه ، فلا يأتيه أبدا ، هذا معنى قول مجاهد .

ومثله عن علي ، وعطاء : كالعطشان الجالس على شفير البئر ، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر إلى الماء ، ولا يرتفع إليه الماء ، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه له ، ولا هو يبلغ فاه ، كذلك الذين يدعون الأصنام لا ينفعهم دعاؤها ، وهي لا تقدر على شيء .

وعن ابن عباس : كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما الماء ، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه .

وهو مثل ضربه لخيبة الكفار .

( وما دعاء الكافرين ) أصنامهم ( إلا في ضلال ) يضل عنهم إذا احتاجوا إليه ، كما قال : ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) ( الأنعام - 24 وغيرها ) .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«له» تعالى «دعوة الحق» أي كلمته وهي لا إله إلا الله «والذين يدعون» بالياء والتاء يعبدون «من دونه» أي غيره وهم الأصنام «لا يستجيبون لهم بشيء» مما يطلبونه «إلا» استجابة «كباسط» أي كاستجابة باسط «كفيه إلى الماء» على شفير البئر يدعوه «ليبلغ فاه» بارتفاعه من البئر إليه «وما هو ببالغه» أي فاه أبدا فكذلك ما هم بمستجيبين لهم «وما دعاء الكافرين» عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء «إلا في ضلال» ضياع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لله سبحانه وتعالى وحده دعوة التوحيد (لا إله إلا الله)، فلا يُعبد ولا يُدعى إلا هو، والآلهة التي يعبدونها من دون الله لا تجيب دعاء مَن دعاها، وحالهم معها كحال عطشان يمد يده إلى الماء من بعيد؛ ليصل إلى فمه فلا يصل إليه، وما سؤال الكافرين لها إلا غاية في البعد عن الصواب لإشراكهم بالله غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بين - سبحانه - أن دعوته هى الدعوة الحق ، وما عداها فهو باطل ضائع فقال : ( لَهُ دَعْوَةُ الحق ) أى : له وحده - سبحانه - الدعوة الحق المطابقة للواقع ، لأنه هو الذى يجيب المضطر إذا دعاه ، وهو الحقيق بالعبادة والالتجاء .فإضافة الدعوة إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته ، وفى هذه الإِضافة إيذان بملابستها للحق ، واختصاصها به ، وأنها بمعزل عن الباطل .ومعنى كونها له : أنه - سبحانه - شرعها وأمر بها .قال الشوكانى : قوله : ( لَهُ دَعْوَةُ الحق ) إضافة الدعوة إلى الحق للملابسة .

أى : الدعوة الملابسة للحق ، المختصة به التى لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه .وقيل : الحق هو الله - تعالى - والمعنى : أنه لله - تعالى - دعوة المدعو الحق وهو الذى يسمع فيجيب .وقيل : المراد بدعوة الحق ها هنا كلمة التوحيد والإِخلاص والمعنى : لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له العبادة .وقيل : دعوة الحق ، دعاؤه - سبحانه - عند الخوف ، فإنه لا يدعوى فيه سواه ، كما قال - تعالى - ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ) وقيل : الدعوة الحق ، أى العبادة الحق فإن عبادة الله هى الحق والصدق .ثم بين - سبحانه - حال - من يعبد غيره فقال : ( والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ) .والمراد بالموصول ( والذين ) الأصنام التى يعبدها المشركون من دون الله .والضمير فى يدعون ، للمشركين ، ورابط الصلة ضمير نصب محذوف أى : يدعونهم .والمعنى : لله - تعالى - العبادة الحق ، والتضرع الحق النافع ، أما الأصنام التى يعبدها هؤلاء المشركون من غير الله .

فإنها لا تجيبهم إلى شئ يطلبونه منها ، إلا كإجابة الماء لشخص بسط كفيه إليه من بعيد ، طالبا منه أن يبلغ فمه وما الماء ببالغ فم هذا الشخص الأحمق ، لأن الماء لا يحس ولا يسمع نداء من يناديه .والمقصود من الجملة الكريمة نفى استجابة الأصنام لما يطلبه المشركون منها نفيا قاطعا ، حيث شبه - سبحانه - حال هذه الآلهة الباطلة عندما يطلب المشركون منها ما هم فى حاجة إليه ، بحال إنسان عطشان ولكنه غبى أحمق لأنه يمد يده إلى الماء طالبا منه أن يصل إلى فمه دون أن يتحرك هو إليه .

فلا يصل إليه شئ من الماء لأن الماء لا يسمع نداء من يناديه .ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بليغ لخيبة وجهالة من يتوجه بالعبادة والدعاء لغير الله - تعالى - .وأجرى - سبحانه - على الأصنام ضمير العقلاء فى قوله ( لاَ يَسْتَجِيبُونَ ) مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين ، لأنهم يعاملون الأصنام معاملة العقلاء .ونكر شيئا فى قوله ( لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ) للتحقير .

والمراد أنهم لا يستجيبون لهم أية استجابة حتى ولو كانت شيئا تافها .والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء .

.

.

) من أعم الأحوال .أى : لا يستجيب الأصنام لمن طلب منها شيئا ، إلا استجابة كاستجابة الماء لملهوف بسط كفيه إليه يطلب منه أن يدخل فمه ، والماء لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيب طلبه ولو مكث على ذلك طوال حياته .والضمير " هو " فى قوله ( وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ) للماء ، والهاء فى " ببالغه " للفم : أى : وما الماء ببالغ فم هذا الباسط لكفيه .وقيل الضمير " هو " للباسط ، والهاء للماء ، أى : وما الباسط لكفيه ببالغ الماء فمه .قال القرطبى : " وفى معنى هذا المثل ثلاثة أوجه :أحدها : أن الذى يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذى يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ، قاله مجاهد .الثانى : أنه كالظمآن الذى يرى خياله فى الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، لكذب ظنه وفساد توهمه .

قاله ابن عباس .الثالث : أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه ، فلا يجد فى كفه شيئا منه .وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه ، بالقبض على الماء كما قال الشاعر :ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ...

على الماء ، خانته فروج الأصابعوقوله - سبحانه - ( وَمَا دُعَآءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ) أى : وما عبادة الكافرين للأصنام ، والتجاؤهم إليها فى طلب الحاجات ، إلا فى ضياع وخسران لأن هذه الآلهة الباطلة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، فضلا عن أن تملك ذلك لغيرها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحق ﴾ أي لله دعوة الحق، وفيه بحثان: البحث الأول: في أقوال المفسرين وهي أمور: أحدها: ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ﴿ دَعْوَةُ الحق ﴾ قول لا إله إلا الله.

وثانيها: قول الحسن: إن الله هو الحق، فدعاؤه هو الحق، كأنه يومئ إلى أن الانقطاع إليه في الدعاء هو الحق.

وثالثها: أن عبادته هي الحق والصدق.

واعلم أن الحق هو الموجود، والموجود قسمان: قسم يقبل العدم وهو حق يمكن أن يصير باطلاً وقسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلاً وذلك هو الحق الحقيقي، وإذا كان واجب الوجود لذاته موجوداً لا يقبل العدم كان أحق الموجودات بأن يكون حقاً هو هو وكان أحق الاعتقادات وأحق الأذكار بأن يكون حقاً هو اعتقاد ثبوته وذكر وجوده، فثبت بهذا أن وجوده هو الحق في الموجودات واعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات.

وذكره بالثناء والإلهية والكمال هو الحق في الأذكار فلهذا قال: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحق ﴾ .

البحث الثاني: قال صاحب الكشاف ﴿ دَعْوَةُ الحق ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف إليه الكلمة في قوله: ﴿ كَلِمَةَ الحق ﴾ والمقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة بكونها حقة وكونها خالية عن أمارات كونه باطلاً، وهذا من باب إضافة الشيء إلى صفته.

والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله سبحانه على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب، وعن الحسن: الحق هو الله وكل دعاء إليه فهو دعوة الحق.

ثم قال تعالى: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ يعني الآلهة الذين يدعونهم الكفار من دون الله: ﴿ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَئ ﴾ مما يطلبونه إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، فكذلك ما يدعونه جماد، لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم، ولا يقدر على نفعهم وقيل شبهوا في قلة فائد دعائهم لآلهتهم، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشراً أصابعه ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من شربه، وقرئ ﴿ تَدْعُونَ ﴾ بالتاء ﴿ كباسط كَفَّيْهِ ﴾ بالتنوين، ثم قال: ﴿ وَمَا دُعَاء الكافرين إلى فِي ضلال ﴾ أي إلا في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ دَعْوَةُ الحق ﴾ فيه وجهان أحدهما: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل، كما تضاف الكلمة إليه في قولك: كلمة الحق، للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل.

والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطي الداعي سؤاله إن كان مصلحة له، فكانت دعوة ملابسة للحق، لكونه حقيقاً بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من الجدوى والنفع، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه.

والثاني: أن تضاف إلى الحق الذي هو الله عز وعلا، على معنى: دعوة المدعوّ الحق الذي يسمع فيجيب.

وعن الحسن: الحق هو الله، وكلّ دعاء إليه دعوة الحق.

فإن قلت: ما وجه اتصال هذين الوصفين بما قبله؟

قلت أما على قصة أربد فظاهر؛ لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكرٌ به من حيث لم يشعر.

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى صاحبه بقوله: (اللهمّ اخسفهما بما شئت)، فأجيب فيهما، فكانت الدعوة دعوة حق.

وأما على الأوّل فوعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله بحلول محاله بهم، وإجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعا عليهم فيهم ﴿ والذين يَدْعُونَ ﴾ والآلهة الذين يدعوهم الكفار ﴿ مِنْ ﴾ دون الله ﴿ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْء ﴾ من طلباتهم ﴿ إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ ﴾ إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه، أي كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم.

وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه، فبسطهما ناشراً أصابعه، فلم تلق كفاه منه شيئاً ولم يبلغ طلبته من شربه.

وقرئ: ﴿ تدعون ﴾ بالتاء.

كباسط كفيه، بالتنوين ﴿ إِلاَّ فِي ضلال ﴾ إلا في ضياع لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ الدُّعاءُ الحَقُّ فَإنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ويُدْعى إلى عِبادَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ لَهُ الدَّعْوَةُ المُجابَةُ فَإنَّ مَن دَعاهُ أجابَهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما بَعْدَهُ و ﴿ الحَقِّ ﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ ما يُناقِضُ الباطِلَ وإضافَةُ الـ ﴿ دَعْوَةُ ﴾ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِ دَعْوَةِ المَدْعُوِّ الحَقِّ.

وقِيلَ الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى وكُلُّ دُعاءٍ إلَيْهِ دَعْوَةُ الحَقِّ، والمُرادُ بِالجُمْلَتَيْنِ إنْ كانَتِ الآيَةُ في أرْبَدَ وعامِرٍ أنَّ إهْلاكَهُما مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ مِحالٌ مِنَ اللَّهِ إجابَةً لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ  أوْ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلى الحَقِّ، وإنْ كانَتْ عامَّةً فالمُرادُ وعِيدُ الكَفَرَةِ عَلى مُجادَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ  بِحُلُولِ مِحالِهِ بِهِمْ وتَهْدِيدُهم بِإجابَةِ دُعاءِ الرَّسُولِ  عَلَيْهِمْ، أوْ بَيانُ ضَلالِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ.

﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ أيْ والأصْنامُ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ المُشْرِكُونَ، فَحُذِفَ الرّاجِعُ أوْ والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الأصْنامَ فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ عَلَيْهِ.

لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ مِنَ الطَّلَباتِ.

﴿ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ ﴾ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ مَن بَسَطَ كَفَّيْهِ.

﴿ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ ﴾ يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَهُ.

﴿ وَما هو بِبالِغِهِ ﴾ لِأنَّهُ جَمادٌ لا يَشْعُرُ بِدُعائِهِ ولا يَقْدِرُ عَلى إجابَتِهِ والإتْيانُ بِغَيْرِ ما جُبِلَ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ آلِهَتُهم.

وقِيلَ شُبِّهُوا في قِلَّةِ جَدْوى دُعائِهِمْ لَها بِمَن أرادَ أنْ يَغْتَرِفَ الماءَ لِيَشْرَبَهُ فَبَسَطَ كَفَّيْهِ لِيَشْرَبَهُ.

وقُرِئَ « تَدْعُونَ» بِالتّاءِ وباسِطٌ بِالتَّنْوِينِ.

﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ في ضَياعٍ وخَسارٍ وباطِلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَهُ دَعْوَةُ الحق} أضيفت إلى الحق الذي هو ضد الباطل للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق وأنها بمعزل من الباطل والمعنى أن الله سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ويعطي الداعي سؤله فكانت دعوة ملابسة للحق لكونه حقيقاً بأنه يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا ينفع ولا يجدى دعاءه واتصال شديد المحال له ودعوة الحق بما قبله على قصة أربد ظاهر لأن إصابته بالصاعقة محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى صاحبه بقوله اللهم اخسفهما بما شئت فأجيب فيهما فكانت الدعوة دعوة حق وعلى الأول وعيد للكفرة على مجادلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلول محاله بهم وإجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم إن دعا عليهم {والذين يَدْعُونَ} والآلهة الذين يدعوهم الكفار {مِن دُونِهِ} من دون الله {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} من طلباتهم {إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ إِلَى الماء لِيَبْلُغَ فَاهُ} استثناء من المصدر أي من الاستجابة التي دل عليها لا يستجيبون لأن الفعل بحروفه يدل على المصدر وبصيغته على الزمان وبالضرورة على المكان والحال فجاز استثناء كل منها من الفعل فصار التقدير لا يستجيبون استجابة إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه إلى الماء أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه الماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه ولا يقدر أن

يجيب دعاءه ويبلغ فاه وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم واللام في ليبلغ متعلق بباسط كفيه {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وما الماء ببالغ فاه {وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضلال} في ضياع لا منفعة فيه لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الأصنام لم تستطع إجابتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَهُ ﴾ أيِ لِلَّهِ تَعالى ﴿ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ أيِ الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ الثّابِتُ الواقِعُ في مَحَلِّهِ المُجابُ عِنْدَ وُقُوعِهِ والإضافَةُ لِلْإيذانِ بِمُلابَسَةِ الدَّعْوَةِ لِلْحَقِّ واخْتِصاصِها بِهِ وكَوْنُها بِمَعْزِلٍ مِن شائِبَةِ البُطْلانِ والضَّلالِ والضَّياعِ كَما يُقالُ: كَلِمَةُ الحَقِّ والمُرادُ أنَّ إجابَةَ ذَلِكَ لَهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ ويُؤَيِّدُ ما بَعْدُ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: المُرادُ بِدَعْوَةِ الحَقِّ الدُّعاءُ عِنْدَ الخَوْفِ فَإنَّهُ لا يُدْعى فِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ ﴾ وزَعَمَ الماوَرْدِيُّ أنَّ هَذا أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ وقِيلَ: الدَّعْوَةُ: بِمَعْنى الدُّعاءِ أيْ طَلَبُ الإقْبالِ والمُرادُ بِهِ العِبادَةُ لِلِاشْتِمالِ والإضافَةُ عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ والكَلامُ فِيها شَهِيرٌ وحاصِلُ المَعْنى أنَّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُعْبُدَ هو اللَّهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ عَلى ما قِيلَ أنَّ الدَّعْوَةَ بِمَعْنى الدُّعاءِ ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ أيْ لِلْعِبادَةِ والمَعْنى أنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُدْعى إلى عِبادَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ولا يَخْفى ما بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ مِنَ التَّلازُمِ فَإنَّهُ إذا كانَتِ الدَّعْوَةُ إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ حَقًّا كانَتْ عِبادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقًّا وبِالعَكْسِ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى وهو كَما في البَحْرِ ثانِي الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ والمَعْنى عَلَيْهِ كَما قالَ: لَهُ دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقَّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ والأوَّلُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا وجُعِلَ الحَقُّ فِيهِ مُقابِلَ الباطِلِ.

وبَيَّنَ صاحِبُ الكَشْفِ حاصِلَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُدْعى ويُعْبَدَ رَدًّا لِمَن يُجادِلُ في اللَّهِ تَعالى ويُشْرِكُ بِهِ سُبْحانَهُ الأنْدادَ ولا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ في الإضافَةِ إشْعارٌ بِهَذا الِاخْتِصاصِ فَإنَّ جَعْلَ الحَقِّ في مُقابِلِ الباطِلِ فَهو ظاهِرٌ وإنْ جُعِلَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ تَعالى كانَ الأصْلُ لِلَّهِ دَعْوَتَهُ تَأْكِيدًا لِلِاخْتِصاصِ مِنَ اللّامِ والإضافَةِ ثُمَّ زِيدَ ذَلِكَ بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ مُعادًا بِوَصْفٍ يُنْبِئُ عَنِ اخْتِصاصِها بِهِ أشَدَّ الِاخْتِصاصِ فَقِيلَ: لَهُ دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقَّ والحَقُّ مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الثّابِتُ بِالحَقِيقَةِ وما سِواهُ باطِلٌ مِن حَيْثُ هو وحَقٌّ بِتَحْقِيقِهِ تَعالى إيّاهُ فَيَتَقَيَّدُ بِحَسَبِ كُلٍّ مَقامًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُقابِلَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ وإذا كانَ المَدْعُوُّ مِن دُونِهِ بُطْلانَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ فَهو الحَقُّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ انْتَهى وبِهَذا سَقَطَ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ في الِاعْتِراضِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن أنَّ مَآلَهُ إلى اللَّهِ دَعْوَةُ اللَّهِ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: لِزَيْدٍ دَعْوَةُ زَيْدٍ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ واسْتَغْنى عَمّا قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ فِي تَأْوِيلِهِ: مِن أنَّ المَعْنى ولِلَّهِ تَعالى الدَّعْوَةُ الَّتِي تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ وتُضافَ إلى حَضْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِكَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًا بَصِيرًا كَرِيمًا لا يَخِيبُ سائِلُهُ فَيُجِيبُ الدُّعاءَ فَإنَّ ذَلِكَ كَما تَرى قَلِيلُ الجَدْوى ويُعْلَمُ مِمّا في الكَشْفِ وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما تَقَدَّمَ وقالَ بَعْضُهم: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ والجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ إنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ قِصَّةَ أرْبَدَ وعامِرٍ أنَّ إهْلاكَهُما مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ مَحالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإجابَةٌ لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ  فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ احْبِسْهُما عَنِّي بِما شِئْتَ» أوْ دَلالَةٌ عَلى رَسُولِهِ  عَلى الحَقِّ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ النُّزُولِ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ عَلى مُجادَلَتِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُلُولِ مِحالِهِ بِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِإجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ دَعا عَلَيْهِمْ أوْ بَيانُ ضَلالَتِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ التَّعَلُّقِ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ إذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ قِصَّةُ اليَهُودِيِّ أوِ الجَبّارِ فَتَأمَّلْ.

﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ أيِ الأصْنامَ الَّذِينَ يَدْعُونَهم أيِ المُشْرِكُونَ وحَذْفُ عائِدِ المَوْصُولِ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المُشْرِكِينَ وضَمِيرُ الجَمْعِ المَرْفُوعِ عائِدٌ إلَيْهِ ومَفْعُولُ ﴿ يَدْعُونَ ﴾ مَحْذُوفٌ أيِ الأصْنامُ وحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْناهُ مُتَجاوِزِينَ لَهُ وتَجاوُزُهُ إنَّما هو بِعِبادَتِها ويُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ قِراءَةُ البَزْدَوِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( تَدْعُونَ ) بِتاءِ الخِطابِ وضَمِيرُ ﴿ لا يَسْتَجِيبُونَ ﴾ عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى ( الَّذِينَ ) وعَلى الثّانِي عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ ﴿ يَدْعُونَ ﴾ وعَلى كُلٍّ فالمُرادُ لا يَسْتَجِيبُ الأصْنامُ لَهم أيْ لِلْمُشْرِكِينَ بِشَيْءٍ مِن طَلَباتِهِمْ ﴿ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ ﴾ أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ شَيْئًا مِنَ الِاسْتِجابَةِ وطَرَفًا مِنها إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ الماءِ لِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلَيْهِ مِن بَعِيدٍ يَطْلُبُهُ ويَدَعُوهُ ﴿ لِيَبْلُغَ ﴾ أيِ الماءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُؤْخَذَ بِشَيْءٍ مِن إناءٍ ونَحْوِهِ ﴿ فاهُ وما هُوَ ﴾ أيِ الماءُ ﴿ بِبالِغِهِ ﴾ أيْ بِبالِغِ فِيهِ أبَدًا لِكَوْنِهِ جَمادًا لا يَشْعُرُ بِعَطَشِهِ وبَسْطِ يَدَيْهِ إلَيْهِ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ( هو ) ضَمِيرَ الفَمِ والهاءَ في ( بالِغِهِ ) ضَمِيرَ الماءِ أيْ وما فُوهُ بِبالِغِ الماءِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما لا يَبْلُغُ الآخَرَ عَلى هَذِهِ الحالِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الأوَّلِ ضَمِيرَ ( باسِطِ ) والثّانِي ضَمِيرَ ﴿ الماءِ ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عائِدًا عَلى ( باسِطِ ) والثّانِي عائِدًا عَلى الفَمِ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ لَزِمَ إبْرازُ الفاعِلِ فَكانَ يَجِبُ عَلى ذَلِكَ أنْ يُقالَ: وما هو بِبالِغِهِ الماءُ والجُمْهُورُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا والغَرَضُ كَما قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ فَفي الِاسْتِجابَةِ عَلى البَتِّ بِتَصْوِيرِ أنَّهُمُ أحْوَجُ ما لا يَكُونُ إلَيْها لِتَحْصِيلِ مَباغِيهِمْ أخِيبُ ما لا يَكُونُ أحَدٌ في سَعْيِهِ لِما هو مُضْطَرٌّ إلَيْهِ والحاصِلُ أنَّهُ شَبَّهَ آلِهَتَهم حِينَ اسْتِكْفائِهِمْ إيّاهم ما أهَمَّهم بِلِسانِ الِاضْطِرارِ في عَدَمِ الشُّعُورِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِطاعَةِ لِلِاسْتِجابَةِ وبَقائِهِمْ لِذَلِكَ في الخَسارِ بِحالِ ماءٍ بِمَرْأى مِن عَطْشانَ باسِطٍ كَفَّيْهِ إلَيْهِ يُنادِيهِ عِبارَةً وإشارَةً فَهو لِذَلِكَ في زِيادَةِ الكِبادِ والبَوارِ والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا مِنَ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ في الأصْلِ أبْرَزُ في مَعْرِضِ التَّهَكُّمِ حَيْثُ أثْبَتَ أنَّهُما اسْتِجابَتانِ زِيادَةً في التَّخْسِيرِ والتَّحْسِيرِ فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ عامِّ المَصْدَرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِجابَةَ هُناكَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الفِعْلُ الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ويُضافُ إلى الباسِطِ بِناءً عَلى اسْتِلْزامِ المَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ لِلْمَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وُجُودًا وعَدَمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ فَلا يُسْتَجابُ لَهُمُ اسْتِجابَةً كائِنَةً كاسْتِجابَةِ مَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلى الماءِ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: .

وعَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ أيْ لَمْ يَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفٌ وأبُو البَقاءِ يَجْعَلُ الِاسْتِجابَةَ مَصْدَرَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وإضافَتَهُ إلى ( باسِطِ ) مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ والفاعِلُ ضَمِيرُ ﴿ الماءِ ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في المَوْصُولِ وقَدْ يُرادُ مِن بَسْطِ الكَفَّيْنِ إلى الماءِ بَسْطُهُما أيْ نَشْرُ أصابِعِهِما ومَدُّها لِشُرْبِهِ لا لِلدُّعاءِ والإشارَةُ إلَيْهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ وعَلى هَذا قِيلَ: شُبِّهَ الدّاعُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِمَن أرادَ أنْ يَغْرِفَ الماءَ بِيَدَيْهِ فَبَسَطَهُما ناشِرًا أصابِعَهُ في أنَّهُما لا يَحْصُلانِ عَلى طائِلٍ وجَعَلَ بَعْضُهم وجْهَ الشَّبَهِ قِلَّةَ الجَدْوى ولَعَلَّهُ أرادَ عَدَمَها لَكِنَّهُ بالَغَ بِذِكْرِ القِلَّةِ وإرادَةِ العَدَمِ دَلالَةً عَلى هَضْمِ الحَقِّ وإيثارِ الصِّدْقِ ولِإشْمامِ طَرَفٍ مِنَ التَّهَكُّمِ والتَّشْبِيهِ عَلى هَذا مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ المُقَيَّدِ كَقَوْلِكَ لِمَن لا يَحْصُلُ مِن سَعْيِهِ عَلى شَيْءٍ: هو كالرّاقِمِ عَلى الماءِ فَإنَّ المُشَبَّهَ هو السّاعِي مُقَيَّدًا بِكَوْنِ سَعْيِهِ كَذَلِكَ والمُشَبَّهُ بِهِ هو الرّاقِمُ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ عَلى الماءِ كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ ولَيْسَ مِنَ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ في شَيْءٍ عَلى ما تُوُهِّمَ نَعَمْ وجْهُ الشَّبَهِ عَقْلِيٌّ اعْتِبارِيٌّ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ عَنْ أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ أيْ لا يَسْتَجِيبُ الآلِهَةُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الدّاعِينَ إلّا مُشَبِّهِينَ أعْنِي الدّاعِينَ بِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ ولَمْ يَقْبِضْهُما وأخْرَجَهُما كَذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ عَلى شَيْءٍ لِأنَّ الماءَ يَحْصُلُ بِالقَبْضِ لا بِالبَسْطِ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِعَطْشانَ عَلى شَفِيرِ بِئْرٍ بِلا رِشاءٍ ولا يَبْلُغُ قَعْرَ البِئْرِ ولا الماءُ يَرْتَفِعُ إلَيْهِ وهو راجِعٌ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولَيْسَ مُغايِرًا لَهُ كَما قِيلَ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالقابِضِ عَلى الماءِ في أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ قالَ: والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ في السّاعِي فِيما لا يُدْرِكُهُ بِذَلِكَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: .

فَأصْبَحْتُ فِيما كانَ بَيْنِي وبَيْنَها ∗∗∗ مِنَ الوِدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ وقَوْلِهِ: .

وإنِّي وإيّاكم وشَوْقًا إلَيْكم ∗∗∗ كَقابِضِ ماءٍ لَمْ تَسَعْهُ أنامِلُهُ وهُوَ راجِعٌ إلى الوَجْهِ الثّانِي خَلا أنَّهُ لا يَظْهَرُ مِن ( باسِطِ ) مَعْنى قابِضٍ فَإنَّ بَسْطَ الكَفِّ ظاهِرٌ في نَشْرِ الأصابِيعِ مَمْدُودَةً كَما في قَوْلِهِ: .

تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوْ أنَّهُ ∗∗∗ أرادَ انْقِباضًا لَمْ تُطِعْهُ أنامِلُهُ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ بِباسِطٍ شَخْصٌ باسِطٌ أيُّ شَخْصٍ كانَ وما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ مِن أنَّهُ قابِيلُ حَيْثُ أنَّهُ لَمّا قَتَلَ أخاهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى عَذابَهُ أنْ أخَذَ بِناصِيَتِهِ في البَحْرِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ إلّا إصْبَعٌفَهُوَ يُرِيدُهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وقُرِئَ ﴿ كَباسِطِ كَفَّيْهِ ﴾ بِالتَّنْوِينِ أيْ كَشَخْصٍ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ ﴿ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ .

أيْ في ضَياعٍ وخَسارٍ وباطِلٍ والمُرادُ بِهَذا الدُّعاءِ إنْ كانَ دُعاءَ آلِهَتِهِمْ فَظاهِرٌ أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ فُهِمَ مِنَ السّابِقِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُكَرَّرًا لِلتَّأْكِيدِ وإنْ كانَ دُعاءَهُمُ اللَّهَ تَعالى فَقَدَ اسْتَشْكَلُوا ذَلِكَ بِأنَّ دُعاءَ الكافِرِ قَدْ يُسْتَجابُ وهو المُصَرَّحُ بِهِ في الفَتاوى واسْتِجابَةُ دُعاءِ إبْلِيسَ وهو رَأْسُ الكُفّارِ نَصٌّ في ذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ دُعاؤُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ أصْواتَ الكُفّارِ مَحْجُوبَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُسْمَعُ دُعاؤُهم وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ دُعاؤُهم مُطْلَقًا ولا يُقَيَّدُ بِما أُجِيبُوا بِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ يعني: بأمره.

قال: حدثنا عمرو بن محمد.

قال: حدثنا أبو بكر الواسطي.

قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف.

قال: حدثنا وكيع، عن عمرو بن أبي زائدة أنه قال: سمعت عكرمة يقول: «الرعد ملك يزجر السحاب بصوته كالحادي بالإبل» .

وروى وكيع، عن المسعودي، عن سلمة بن كهيل، أنه سئل عن الرعد فقال: «هو ملك يزجر السحاب» .

وسئل عن البرق فقال: «هو مخاريق بأيدي الملائكة» .

وسئل وهب بن منبه عن الرعد فقال: «ثلاث ما أظن أحداً يعلمهن إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ: الرعد، والبرق، والغيث، وما أدري من أين هن، وما هن» .

فقيل له: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء قال: نعم.

ولا ندري أنزل من السماء أو من السحاب، فتلقحت فيه، أو يخلق في السحاب فيمطر، وسمى السحاب سماء.

وروي عن النبي  أنه سئل عن الرعد فقال: «هُوَ مَلِكٌ فِي السَّمَاءِ، وَاسْمُهُ الرَّعْدُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ هوُ زَجْرُ السَّحَابِ، وَيُؤَلِّفُ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ فَيَسُوقُهُ» (١) ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ يقول: يسبح الملائكة كلهم خائفين لله تعالى وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وهي نار من السماء لا دخان لها فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من خلقه وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال ابن عباس يعني: الله تعالى، شَدِيدُ الْمِحالِ.

ويقال: أصله في اللغة الحيلة، وقال قتادة: يعني: الحيلة والقوة لله.

ويقال: هو شديد القدرة والعذاب.

ويقال: الْمِحالِ في اللغة هو الشدة.

وقال بعضهم: هو كناية عن الذي يجادل، ويكون معناه فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ يعني: يصيبهم في حال جدالهم.

وقال مجاهد: جاء يهودي إلى النبيّ  فقال: يا محمد أخبرني من أي شيء ربك، أمن لؤلؤ هو؟

فأرسل الله عليه صاعقة فقتلته، فنزل وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ يعني: شديد العداوة.

وقال قتادة: دخل عامر بن الطفيل على رسول الله  وقال: أسلم على أن لك المدر ولي الوبر.

يعني: لك ولاية القرى، وليَ ولاية البوادي، فقال النبيّ  : «أَنْتَ مِنْ المُسْلِمِينَ لَكَ مَا لِلْمُسْلِمينَ، وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ» ؟

قال عامر: لك الوبر ولي المدر.

فأجابه بمثل ذلك.

قال عامر: ولي الأمر من بعدك.

فأجابه بمثل ذلك.

فغضب عامر وقال: لأملأنها عليك رجالاً ألفا رجل أشعر، وألفا أمرد، فخرج ولقي أربد بن قيس فقال له: ادخل على محمد وإلهه بالكلام حتى أدخل فأقتله!

فدخلا عليه، فجعل عامر يسأله ويقول: أخبرنا يا محمد عن إلهك، أمن ذهب هو أم من فضة؟

فلما طال حديثه قاما وخرجا، فقال عامر: مالك لم تقتله؟

قال: كلما أردت أن أقتله وجدتك بيني وبينه.

فجاء جبريل، فأخبر النبيّ  بذلك، فدعا عليه، فأصابته صاعقة فقتلته (٢) قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ يعني: كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، يدعو الخلق إليها.

ويقال معناه: له على العباد دعوة الحق أن يدعوه فيجيبهم وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: الأصنام والأوثان لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ يقول: لا ينفعهم بشيء إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ يعني: كمادٍ يديه إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ والعرب تقول لمن طلب شيئاً لا يجده: هو كقابض الماء.

يعني: كمن هو مشرف يدعو الماء بلسانه، ومشرف يدعو الماء بلسانه فلا يجيبه أبداً، أو يشير باليد وَما هُوَ بِبالِغِهِ يقول: فلا يناله أبداً.

وقال مجاهد: كالذي يشير بيده إلى الماء، فيدعوه بلسانه، فلا يجيبه أبداً.

هذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك الذي عبد مع الله إلها آخر، أنه لا يجيبه الصنم ولا ينفعه، كمثل العطشان الذي ينظر إلى الماء من بعيد ولا يقدر عليه وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ يقول: ما عبادة أهل مكة إِلَّا فِي ضَلالٍ يضل عنهم، إذا احتاجوا إليه في الآخرة.

(١) عزاه السيوطي: 4/ 620 إلى أحمد والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم.

(٢) عزاه السيوطي: 4/ 626 إلى ابن جرير وأبي الشيخ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فإِذا جاء المَقْدُور الواقعُ، أسلم المَرْءُ إِليه، وال مُعَقِّباتٌ على هذا التأويل: الحَفَظَةُ على العِبَادِ أَعمالهم، والحَفَظَةُ لهم أيضاً قاله الحسن «١» ، وروى فيه عن عثمانَ بْنِ عَفَّان حديثاً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أقوى التأويلات في الآية، وعبارةُ البخاريِّ: مُعَقِّباتٌ:

ملائكةٌ حَفَظَةٌ يَعْقُبُ الأَوَّلُ منها الآخِرَ.

انتهى.

وقالَتْ فرقةٌ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّه المتقدِّم ذكره، أي: للَّه معقِّبات يحفظون عَبْده، والضمير في قوله: يَدَيْهِ وما بعده من الضمائر عائدٌ على العَبْد، ثم ذكر سبحانه أنه لا يغيِّر هذه الحالة مِنَ الحفْظِ للعبدِ حتَّى يغير العبد ما بنَفْسِهِ، وال مُعَقِّباتٌ: الجماعاتُ التي يَعْقَب بعضُها بعضاً، وهي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ ...

» «٢» الحديث، وفي قراءة أُبيِّ بْنِ كَعْب: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ/ وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ» ، وقرأ ابن «٣» عباس: «وَرُقَبَاءُ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ» ، وقوله: يَحْفَظُونَهُ: أي: يحرسونه ويذبُّون عنه، ويحفظونَ أيضاً أعماله، ثم أخبر تعالى أَنه إِذا أَراد بقومٍ سوءاً، فلا مردَّ له، ولا حِفْظَ منه.

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ...

الآية: قد تقدَّم في أول البَقَرة تفسيرُهُ، والظاهر أنَّ الخوف إِنما هو من صَوَاعِقِ البَرْق، والطَّمَع في الماء الذي يكونُ معه، وهو قول الحسن «٤» ، والسَّحابَ: جمع سحابة ولذلك جمع الصفة، والثِّقالَ:

معناه: بحملِ الماءِ، قاله قتادة ومجاهد «٥» ، والعربُ تصفها بذلك، وروى أبو هريرة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ، قَالَ: «سُبْحَانَ مَنْ يسبّح الرّعد بحمده» «٦» ، وقال ابن أبي

زكرياء: مَنْ قَالَ إِذا سَمِعَ الرعْدَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وبِحَمْدِهِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ.

ت: وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: كان رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّواعِقَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ، لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك» «١» ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ والحَاكِمُ في «المستدرك» ، ولفظهم واحد انتهى من «السلاح» ، قال الداوديّ: وعن ابن عَبَّاس، قال: مَنْ سمع الرعْدَ، فقال: «سُبْحَانَ الذي يُسَبِّح الرعْد بحَمْده، والملائِكَةُ مِنْ خيفته، وهو على كلِّ شيء قدير» ، فإِن أصابته صاعقةٌ، فعليَّ ديته، انتهى.

وقوله سبحانه: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ ...

الآية: قال ابن جُرَيْج: كان سبَبُ نزولها قصَّةَ أَرْبَدَ، وعَامِرِ بن الطّفيل، سألا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يجعلَ الأمْرَ بَعْده لعامِرِ بْنِ الطُّفَيْل، ويدخلا في دِينِهِ، فأبَى عليه السلام ثم تآمرا في قتل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: أَنا أَشْغَلُه لَكَ بالحديثِ، واضربه أَنْتَ بالسَّيْف، فجعل عامرٌ يحدِّثه، وأَرْبَدُ لاَ يَصْنَعُ شيئاً، فلما انصرفا، قَالَ له عَامِرٌ: وَاللَّهِ، يَا أَرْبَدُ، لاَ خِفْتُكَ أبداً، وَلَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قبل هذا، فقال له أَرْبَدُ: واللَّهِ، لَقَدْ أردتُّ إِخراج السَّيْفِ، فَمَا قَدَرْتُ على ذلك، ولَقَدْ كُنْتُ أَراك بَيْنِي وبينه، أفأضربك، فمضيا للحشد على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأصابت أربد صاعقة، فقتلته، والْمِحالِ:

القوَّة والإِهلاك.

ت: وفي «صحيح البخاري» : الْمِحالِ: العقوبة.

وقوله عز وجل: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ.

قال ابنُ عبّاس: ودَعْوَةُ الْحَقِّ: «لا إله إِلا اللَّه» «٢» ، يريد: وما كان من الشريعة في معناها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، وهي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ، فالمَعْنى: لَهُ مِن خَلْقِهِ الدَّعْوَةُ الحَقُّ، فَأُضِيفَتِ الدَّعْوَةُ إلى الحَقِّ، لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ، فَمَن دَعاهُ دَعا الحَقَّ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ يَدْعُونَها آلِهَةً.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: والَّذِينَ يَدْعُونَ غَيْرَهُ مِن دُونِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ ﴾ أيْ: لا يُجِيبُونَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَطْشانُ يَمُدُّ يَدَهُ إلى البِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الماءُ إلَيْهِ وما هو بِبالِغِهِ، قالَهُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَطاءٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّجُلُ العَطْشانُ قَدْ وضَعَ كَفَّيْهِ في الماءِ وهو لا يَرْفَعُهُما، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العَطْشانُ يَرى خَيالَهُ في الماءِ مِن بَعِيدٍ، فَهو يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَهُ فَلا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّجُلُ يَدْعُو الماءَ بِلِسانِهِ ويُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ فَلا يَأْتِيهِ أبَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّهُ الباسِطُ كَفَّيْهِ لِيَقْبِضَ عَلى الماءِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ إلى فِيهِ، لا يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ، والعَرَبُ تَقُولُ: مَن طَلَبَ ما لا يَجِدُ فَهو القابِضُ عَلى الماءِ، وأنْشَدُوا: وإنِّي وإيّاكم وشَوْقًا إلَيْكُمُ كَقابِضِ ماءٍ لَمْ تَسِقْهُ أنامِلُهْ أيْ: لَمْ تَحْمِلْهُ، والوَسْقُ: الحِمْلُ، وقالَ آخَرُ: فَأصْبَحْتُ مِمّا كانَ بَيْنِي وبَيْنَها ∗∗∗ مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ وَما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وما دُعاءُ الكافِرِينَ رَبَّهم إلّا في ضَلالٍ، لِأنَّ أصْواتَهم مَحْجُوبَةٌ عَنِ اللَّهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وما عِبادَةُ الكافِرِينَ الأصْنامَ إلّا في خُسْرانٍ وباطِلٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مَن دُونِهِ أولِياءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُلُماتُ والنُورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ ﴾ الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " ﴿ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ لا إلَهَ إلّا اللهُ".

وما كانَ مِنَ الشَرِيعَةِ في مَعْناهُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هِيَ التَوْحِيدُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْناها: لَهُ دَعْوَةُ العِبادِ بِالحَقِّ ودُعاءُ غَيْرِهِ مِنَ الأوثانِ باطِلٌ.

وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" يُرادُ بِهِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، والضَمِيرُ في "يَدْعُونَ" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ونَحْوِهِمْ مِنَ العَرَبِ، ورَوى اليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ " تَدْعُونَ مِن دُونِهِ " بِالتاءِ مِن فَوْقُ، و"يَسْتَجِيبُونَ" بِمَعْنى يُجِيبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ ومَعْنى الكَلامِ: والَّذِينَ يَدْعُونَهُمُ الكَفّارُ في حَوائِجِهِمْ ومَنافِعِهِمْ لا يُجِيبُونَ بِشَيْءٍ.

ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى مِثالًا لِإجاباتِهِمْ بِالَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نَحْوَ الماءِ ويُشِيرُ إلَيْهِ بِالإقْبالِ إلى فِيهِ، فَهو لا يَبْلُغُ فَمَهُ أبَدًا، فَكَذَلِكَ إجابَةُ هَؤُلاءِ والِانْتِفاعُ بِهِمْ لا يَقَعُ.

وقَوْلُهُ: "هُوَ" يُرِيدُ بِهِ الماءَ وهو البالِغُ، والضَمِيرُ في "بالِغِهِ" لِلْفَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هُوَ" يُرِيدُ بِهِ الفَمَ وهو البالِغُ أيْضًا، والضَمِيرُ في "بالِغِهِ" لِلْماءِ، لِأنَّ الفَمَ لا يَبْلُغُ الماءَ أبَدًا عَلى تِلْكَ الحالِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن دُعاءِ الكافِرِينَ أنَّهُ في ضَلالٍ لا يُفِيدُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يُغْنِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ الآيَةَ.

يَحْتَمِلُ ظاهِرُ هَذِهِ الألْفاظِ أنَّهُ جَرى في طَرِيقِ التَنْبِيهِ عَلى قُدْرَةِ اللهِ، وتَسْخِيرِ الأشْياءِ لَهُ فَقَطْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ طَعْنٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ وحاضِرِي مُحَمَّدٍ  ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ أنْتُمْ لا تُوقِنُونَ ولا تَسْجُدُونَ فَإنَّ جَمِيعَ مَن فِي السَمَواتِ والأرْضِ لَهم سُجُودٌ لِلَّهِ تَعالى، وإلى هَذا الِاحْتِمالِ نَحا الطَبَرِيُّ، و"مَن" تَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ عُمُومًا، وسُجُودُهم طَوْعٌ بِلا خِلافٍ، وأمّا أهْلُ الأرْضِ فالمُؤْمِنُونَ مِنهم داخِلُونَ في مَن وسُجُودُهم طَوْعٌ، وأمّا سُجُودُ الكَفَرَةِ فَهو الكُرْهُ، وذَلِكَ عَلى نَحْوَيْنِ مِن هَذا المَعْنى، فَإنْ جَعَلْنا السُجُودَ هَذِهِ الهَيْئَةَ المَعْهُودَةَ فالمُرادُ مِنَ الكَفَرَةِ مَن يَضُمُّهُ السَيْفُ إلى الإسْلامِ -كَما قالَ قَتادَةُ - فَيَسْجُدُ كَرْهًا، إمّا نِفاقًا، وإمّا أنْ يَكُونَ الكُرْهُ أوَّلَ حالِهِ فَتَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الصِفَةُ وإنْ صَحَّ إيمانُهُ بَعْدُ، وإنْ جَعَلْنا السُجُودَ الخُضُوعَ والتَذَلُّلَ عَلى حَسَبِ ما هو في اللُغَةِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: ..............................

∗∗∗ تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ فَيَدْخُلُ الكَفّارُ أجْمَعُونَ في "مَن"، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ إلّا ويَلْحَقُهُ مِنَ التَذَلُّلِ والِاسْتِكانَةِ بِقُدْرَةِ اللهِ أنْواعٌ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى بِحَسَبَ رَزاياهُ واعْتِباراتِهِ، وقالَ النَحّاسُ، والزَجّاجُ: إنَّ الكُرْهَ يَكُونُ في سُجُودِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكَسَلِ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ اللَفْظُ يَقْتَضِي هَذا فَهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى المَقْصُودِ بِالآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ إخْبارٌ عن أنَّ "الظِلالَ" لَها سُجُودٌ لِلَّهِ تَعالى بِالبِكْرِ والعَشِيّاتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ  ﴾ ، قالَ: وذَلِكَ هو فَيْؤُهُ بِالعَشِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "ظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ طَوْعًا وهو كارِهٌ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "يَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ حِينَ يَفِيءُ عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ"، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّ "الظِلالَ" هُنا يُرادُ بِها الأشْخاصُ، وضَعَّفَهُ أبُو إسْحاقَ.

و"الآصالِ" جَمْعُ أصِيلٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو مَصْدَرُ آصَلْنا، أيْ: دَخَلْنا في الأصِيلِ، كَأصْبَحْنا وأمْسَيْنا.

ورُوِيَ أنَّ الكافِرَ إذا سَجَدَ لِصَنَمِهِ فَإنَّ ظِلَّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى حِينَئِذٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.

جاءَ السُؤالُ والجَوابُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن ناحِيَةٍ واحِدَةٍ، إذْ كانَ السُؤالُ والتَقْرِيرُ عن أمْرٍ واضِحٍ لا مُدافَعَةَ لِأحَدٍ فِيهِ مُلْتَزِمٍ لِلْحُجَّةِ، فَكانَ السَبْقُ إلى الجَوابِ أفْصَحَ في الِاحْتِجاجِ وأسْرَعَ في قَطْعِهِمْ مِنِ انْتِظارِ الجَوابِ مِنهُمْ، إذْ لا جَوابَ إلّا هَذا الَّذِي وقَعَ البِدارُ إلَيْهِ.

وقالَ مَكِّيٌّ: جَهِلُوا الجَوابَ وطَلَبُوهُ مِن جِهَةِ السائِلِ فَأعْلَمَهم بِهِ السائِلُ، فَلَمّا تَقَيَّدَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللهَ تَعالى هو رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وقَعَ التَوْبِيخُ عَلى اتِّخاذِهِمْ مِن دُونِهِ أولِياءَ مُتَّصِفِينَ بِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ أنْفُسَهم ولا يَضُرُّونَها، وهَذِهِ غايَةُ العَجْزِ، وفي ضِمْنِ هَذا الكَلامِ: "وَتَرَكْتُمُوهُ وهو الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ"، ولَفْظَةُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ تَقْتَضِي ذَلِكَ.

ثُمَّ مَثَّلَ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ -بَعْدَ هَذا- بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "تَسْتَوِي الظُلُماتُ" بِالتاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَسْتَوِي" بِالياءِ، فالتَأْنِيثُ أحْسَنُ لِأنَّهُ مُؤَنَّثٌ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ عامِلِهِ بِشَيْءٍ، والتَذْكِيرُ شائِعٌ لِأنَّهُ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والفِعْلُ مُقَدَّمٌ، وشَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكافِرَ بِالأعْمى والكَفْرَ بِالظُلُماتِ، وشَبَّهَتِ المُؤْمِنَ بِالبَصِيرِ والإيمانَ بِالنُورِ.

ثُمَّ وقَّفَهم بَعْدُ، هَلْ رَأوا خَلْقًا لِغَيْرِ اللهِ فَحَمَلَهم ذَلِكَ واشْتِباهَهم بِما خَلَقَ اللهُ عَلى أنْ جَعَلُوا إلَهًا غَيْرَ اللهِ.

ثُمَّ أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالإفْصاحِ بِصِفاتِ اللهِ تَعالى في أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا عُمُومٌ في اللَفْظِ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في كُلِّ ما هو خَلْقُ اللهِ تَعالى، ويَخْرُجُ عن ذَلِكَ صِفاتُ ذاتِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، والقُرْآنُ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَةِ مِن حَيْثُ لا مَوْجُودَ إلّا بِهِ، وهو في وُجُودِهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ المَوْجُوداتِ، لا إلَهَ إلّا هو العَلِيُّ العَظِيمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي بمنزلة النتيجة ونهوض المدلل عليه بالآيات السالفة التي هي براهين الانفراد بالخلق الأول، ثم الخلق الثاني، وبالقدرة التامة التي لا تدانيها قدرة قدير، وبالعلم العام، فلا جرم أن يكون صاحب تلك الصفات هو المعبود بالحق وأن عبادة غيره ضلال.

والدعوة: طلب الإقبال، وكثر إطلاقها على طلب الإقبال للنجدة أو للبذل.

وذلك متعين فيها إذا أطلقت في جانب الله لاستحالة الإقبال الحقيقي فالمراد طلب الإغاثة أو النعمة.

وإضافة الدعوة إلى الحق إمّا من إضافة الموصوف إلى الصفة إن كان الحق بمعنى مصادفة الواقع، أي الدعوة التي تصادف الواقع، أي استحقاقه إياها؛ وإما من إضافة الشيء إلى منشئه كقولهم: برود اليمن، أي الدعوة الصادرة عن حق وهو ضد الباطل، فإن دعاء الله يصدر عن اعتقاد الوحدانية وهو الحق، وعبادة الأصنام تصدر عن اعتقاد الشرك وهو الباطل.

واللام للملك المجازي وهو الاستحقاق.

وتقديم الجار والمجرور على المبتدإ لإفادة التخصيص، أي دعوة الحق ملكه لا ملك غيره، وهو قصر إضافي.

وقد صُرح بمفهوم جملة القصر بجملة ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ [سورة الرعد: 14]، فكانت بياناً لها.

وكان مقتضى الظاهر أن تفصل ولا تعطف وإنما عطفت لما فيها من التفصيل والتمثيل، فكانت زائدة على مقدار البيان.

والمقصود بيان عدم استحقاق الأصنام أن يدعوها الداعون.

واسم الموصول صادق على الأصنام.

وضمير يدعون للمشركين } .

ورابط الصلة ضمير نصب محذوف.

والتقدير: والذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم.

وأجري على الأصنام ضمير العقلاء في قوله: ﴿ لا يستجيبون ﴾ مجازاة للاستعمال الشائع في كلام العرب لأنهم يعاملون الأصنام معاملة عاقلين.

والاستجابة: إجابة نداء المنادي ودعوة الداعي، فالسين والتاء لقوة الفعل.

والباء في بشيء لتعدية ﴿ يستجيبون ﴾ لأن فعل الإجابة يتعدى إلى الشيء المجاب به بالباء، وإذا أريد من الاستجابة تحقيق المأمول اقتصر على الفعل.

كقوله: ﴿ فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ﴾ [سورة يوسف: 34].

فلما أريد هنا نفي إجداء دعائهم الأصنام جعل نفي الإجابة متعدياً بالباء إلى انتفاء أقل ما يجيب به المسؤول وهو الوعد بالعطاء أو الاعتذار عنه، فهم عاجزون عن ذلك وهم أعجز عما فوقه.

وتنكير شيء للتحقير.

والمراد أقل ما يجاب به من الكلام.

والاستثناء في إلا كباسط كفيه} من عموم أحوال الداعين والمستجيبين والدعوة والاستجابة، لأنه تشبيه هيئة فهو يسري إلى جميع أجزائها فلك أن تقدر الكلام إلا كداع باسط أو إلاّ كحال باسط.

والمعنى: لا يستجيبونهم في حاللٍ من أحوال الدعاء والاستجابة إلا في حاللٍ لداععٍ ومستجيببٍ كحال باسطٍ كفيه إلى الماء.

وهذا الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده فيؤول إلى نفي الاستجابة في سائر الأحوال بطريق التمليح والكناية.

والمراد ب (باسط كفيه) من يغترف ماء بكفين مبسوطتين غير مقبوضتين إذ الماء لايستقر فيهما.

وهذا كما يقال: هو كالقابض على الماء، في تمثيل إضاعة المطلوب.

وأنشد أبو عبيدة: فأصبحت فيما كان بيني وبينها *** من الودّ مثل القابض الماءَ باليد و ﴿ إلى ﴾ للانتهاء لدلالة ﴿ باسط ﴾ على أنه مَدّ إلى الماء كفيه مبسوطتين.

واللام في ﴿ ليبلغ ﴾ للعلة.

وضمير ﴿ يبلغ ﴾ عائد إلى الماء.

وكذلك ضمير ﴿ هو ﴾ والضمير المضاف إليه في (بالغه) للفم.

والكلام تمثيلية.

شبّه حال المشركين في دعائهم الأصنام وجلب نفعهم وعدم استجابة الأصنام لهم بشيء بحال الظمآن يبسط كفيه يبتغي أن يرتفع الماء في كفيه المبسوطتين إلى فمه ليرويه وما هو ببالغ إلى فمه بذلك الطلب فيذهب سعيه وتعبه باطلاً مع ما فيه من كناية وتمليح كما ذكرناه.

وجملة ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ عطف على جملة ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ لاستيعاب حال المدعو وحال الداعي.

فبينت الجملة السابقة حال عجز المدعو عن الإجابة وأعقبت بالتمثيل المشتمل على كناية وتمليح.

واشتمل ذلك أيضاً بالكناية على خيبة الداعي.

وبينت هذه الجملة الثانية حال خيبة الداعي بالتصريح عقب تبْيينه بالكناية.

فباختلاف الغرض والأسلوب حَسنُ العطف، وبالمآل حصل توكيد الجملة الأولى وتقريرُها وكانت الثانية كالفذلكة لتفصيل الجملة الأولى.

والضلال: التلف والضياع.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية للدلالة على التمكن في الوصف، أي إلا ضائع ضَياعاً شديداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ دَعْوَةَ الحَقِّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى هو الحَقُّ، فَدُعاؤُهُ دَعْوَةُ الحَقِّ.

الثّالِثُ: أنَّ الإخْلاصَ في الدُّعاءِ هي دَعْوَةُ الحَقِّ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: أنَّ دَعْوَةَ الحَقِّ دُعاؤُهُ عِنْدَ الخَوْفِ لِأنَّهُ لا يُدْعى فِيهِ إلّا إيّاهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ  ﴾ هو أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ والأوْثانَ.

﴿ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ ﴾ أيْ لا يُجِيبُونَ لَهم دُعاءً ولا يَسْمَعُونَ لَهم نِداءً.

﴿ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ ﴾ ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الماءَ مَثَلًا لِإياسِهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ لِأنَّ العَرَبَ تَضْرِبُ لِمَن سَعى فِيما لا يُدْرِكُهُ مَثَلًا بِالقابِضِ الماءَ بِاليَدِ، كَما قالَ أبُو الهُذَيْلِ: فَأصْبَحْتُ مِمّا كانَ بَيْنِي وبَيْنَها مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ وَفِي مَعْنى هَذا المَثَلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الَّذِي يَدْعُو إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ كالظَّمْآنِ الَّذِي يَدْعُو الماءَ لِيَبْلُغُ إلى فِيهِ مِن بَعِيدٍ يُرِيدُ تَناوُلَهُ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ، ويُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ فَلا يَأْتِيهِ أبَدًا؛ لِأنَّ الماءَ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ وما الماءُ بِبالِغٍ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ كالظَّمْآنِ الَّذِي يَرى خَيالَهُ في الماءِ وقَدْ بَسَطَ كَفَّهُ فِيهِ لِيَبْلُغَ فاهُ، وما هو بِبالِغِهِ لِكَذِبِ ظَنِّهِ وفَسادِ تَوَهُّمِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كَباسِطِ كَفِّهِ إلى الماءِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ فَلا يَحْصُلُ في كَفَّيْهِ شَيْءٌ مِنهُ.

وَزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ المُرادَ بِالماءِ ها هُنا البِئْرُ لِأنَّها مَعْدِنٌ لِلْماءِ، وأنَّ المَثَلَ كَمَن مَدَّ يَدَهُ إلى البِئْرِ بِغَيْرِ رِشاءٍ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ فَإنَّ الماءَ ماءُ أبِي وجَدِّي ∗∗∗ وبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وذُو طَوَيْتُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ له دعوة الحق ﴾ قال: التوحيد، لا إله إلا الله.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في الأسماء والصفات من طرق عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ له دعوة الحق ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.

وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ﴾ قال: كالرجل العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه، وما هو ببالغه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كباسط كفيه إلى الماء ﴾ قال: يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه بيده، فلا يأتيه أبداً، كذلك لا يستجيب من هو دونه.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ﴾ وليس ببالغه حتى يتمزع عنقه ويهلك عطشاً.

قال الله تعالى ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ﴾ فهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى، إن هذا الذي يدعون من دون الله، هذا الوثن وهذا الحجر لا يستجيب له بشيء في الدنيا، ولا يسوق إليه خيراً، ولا يدفع عنه سوءاً حتى يأتيه الموت، كمثل هذا الذي بسط ذراعيه إلى الماء ليبلغ فاه، ولا يبلغ فاه ولا يصل ذلك إليه حتى يموت عطشاً.

وأخرج أبو عبيد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ الآية قال: الرجل يقعد على شفة البئر فيبسط كفيه إلى قعر البئر ليتناول بهما، فيده لا تبلغ الماء، والماء لا ينزو إلى يده، فكذلك لا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن بكير بن معروف رضي الله عنه قال: لما قتل قابيل أخاه، جعله الله بناصيته في البحر، ليس بينه وبين الماء إلا أصبع، وهو يجد برد الماء من تحت قدميه ولا يناله.

وذلك قول الله: ﴿ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ﴾ فإذا كان الصيف، ضرب عليه سبع حيطان من سموم؛ وإذا كان الشتاء، ضرب عليه سبع حيطان من ثلج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ﴾ قال: هذا مثل المشرك الذي عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي ينظر إلى خياله في الماء من بعيد، هو يريد أن يتناوله ولا يقدر عليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ الآية، أكثر المفسرين على أن المراد بدعوة الحق هاهنا كلمة التوحيد والإخلاص، روى عكرمة عن ابن عباس (١) ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ قال: لا إله إلا الله، وهذا اختيار الفراء [[في (ب) زيادة هاهنا: [فمن دعاه دعا الحق].]]، والزجاج (٢) وهو قول قتادة (٣) (٤) (٥) ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ معناه: هو الذي دعا إلى توحيده والاعتراف بأنه لا شريك له، وتفسير دعوة الحق [[هنا تكرار في (ب) لما سبق فقال: [معناه هو الذي دعا إلى توحيد والاعتراف بأنه لا شريك وتفسير دعوة الحق].]] على هذا القول: له دعاء الحق ة لأنه دعاء إلى [عبادته وتوحيده] (٦) قال أبو إسحاق: وجائز أن يكون (دعوة الحق)، أنه من دعا الله موحدًا استجيب له دعاه.

قال أبو بكر: الدعوة على هذا التفسير يريد بها الدعوات فاكتفي من الجمع بالواحد، كقوله: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ  ﴾ ، ومعنى الدعوات: دعوات الداعين إياه، يلتمسون الإجابة وهم محقون في ذلك لأنهم سألوا من لا يخيب سائله ويقدر على الإجابة، وإنالة المطلوب، وهذا هو الوجه؛ وهو الأليق بما بعده من سياق الآية؛ لأنه ذكر أن الأصنام لايستجيبون للداعين، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ يعني الأصنام، يدعونها المشركون من دون الله، في قول جميع المفسرين (٧) ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس لهم (٨) ﴿ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاه ﴾ فُسِّر هذا على ثلاثة أوجه، قال مجاهد (٩) (١٠) ﴿ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾ وما الماء ببالغ فاه، بدعوته إياه، والتقدير: إلا كاستجابة باسط كفيه، ويكون المصدر مضافًا إلى المفعول ثم حذف المضاف، الوجه الثاني من التفسير هو مذهب الكلبي (١١) (١٢) (١٣) ﴿ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ ﴾ وهذا الوجه كالأوّل، إلا أن في الوجه الأوّل شبهوا بمن يدعو الماء البعيد إلى نفسه والماء لا يستجيب، وفي الوجه الثاني شبهوا بمن يمد يده إلى الماء البعيد ليناله من غير آلة.

الوجه الثالث: هو مذهب أبي عبيد (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) فإنِّي وإيَّاكم وشَوْقًا إليْكُم ...

كقابِضِ ماءٍ تَسْتقِيه أنَامِلُه قال أبو عبيدة: تسقه: تجبه.

وقال ابن الأنباري: يجمعه ويسقه يحمله، وأنشد أيضًا (١٨) فأصْبَحْتُ مِمّا كان بَيْني وبَيْنَها ...

من الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ المَاءِ باليَدِ قال ابن قتيبة: وهذا من الاختصار؛ لأن التقدير: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، أو قابضًا عليه ليبلغ فاه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (١٩) (٢٠) ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ ،والذم لاحق بذلك الدعاء، وهو دعاهم إياها، ولم يذكر دعاهم الله تعالى، وجويبر ضعيف، والصحيح ما ذكرنا في رواية عطاء، ولعل ما رواه جويبر، رواه في نظير هذه الآية في سورة المؤمن، ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ  ﴾ ، وذلك صحيح المعنى في تلك السورة (٢١) (١) عبد الرزاق 2/ 334، والطبري 13/ 127، والفريابي، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" كما في "الدر" 4/ 100، والثعلبي 7/ 129 ب، والقرطبي 9/ 300، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 485.

(٢) "معاني القرآن" 2/ 61.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 143.

(٤) الطبري 13/ 128، والقرطبي 9/ 300، وعبد الرزاق 2/ 334.

(٥) "زاد المسير" 4/ 317، والقرطبي 9/ 300.

(٦) في (أ)، (ج): (عادته وتوحده).

(٧) الطبري 13/ 128، والثعلبي 7/ 129 ب، و"زاد المسير" 4/ 317، وابن كثير 2/ 556، والقرطبي 9/ 300.

(٨) (لهم) ساقط من (أ)، (ج).

(٩) الطبري 13/ 129، والثعلبي 7/ 129 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر" 4/ 101.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 144.

(١١) "تنوير المقباس" ص 156.

(١٢) "زاد المسير" 4/ 317، ورواه الطبري 13/ 129 عن علي -  -، وأخرجه أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء كما في "الدر" 4/ 101، والثعلبي 7/ 129 ب.

(١٣) "معاني القرآن" 2/ 61.

(١٤) "مجاز القرآن" 1/ 327.

(١٥) "مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 231.

(١٦) في (أ)، (ج): (يبتغي).

(١٧) في "مجاز القرآن" 1/ 327، تقدمت ترجمته، وفيه (تسقيه) من غير تاء، وانظر: "مقاييس اللغة" 6/ 109، و"الخزانة" 4/ 80، و"مشكل القرآن وغريبه" ص 231، والطبري 13/ 129، والقرطبي 9/ 301، و"طبقات فحول الشعراء" ص 145، و"تاريخ الطبري" 5/ 137، 7/ 213، و"اللسان" (وسق) 8/ 4836.

== والبيت من قصيدة له في السجن، وكان أعد حديدة يريد أن يغتال بها عثمان بن عفان -  -، وقوله (لم تسقه) من و (سقت الشيء أسقه وسقًا) إذا حملته.

(١٨) البيت للأحوص بن محمد الأنصاري في "مجاز القرآن" 1/ 327، والطبري 13/ 129، والقرطبي 9/ 300 (فأصبحت).

(١٩) "تنوير المقباس" ص 156.

(٢٠) الثعلبي 7/ 130 أ، و"زاد المسير" 4/ 318، والقرطبي 9/ 301.

(٢١) ما رجحه الواحدي هو الصحيح والمناسب لسياق الآية، وهو الذي ذهب إليه الطبري 13/ 131، والثعلبي 7/ 130 أ، ومقاتل كما في "زاد المسير" 4/ 318، وابن كثير 2/ 557، والقرطبي 9/ 301.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحق ﴾ قيل: هي لا إله إلا الله، والمعنى أن دعوة العباد بالحق لله ودعوتهم بالباطل لغيره ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ﴾ يعني بالذين: ما عبدوا من دون الله من الأصنام وغيرهم، والضمير في يدعون للكفار، والمعنى أن المعبودين لا يستجيبون لمن عبدهم ﴿ إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ ببالغه ﴾ شبَّه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفيه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ولا يبلغ فمه على هذا أبداً؛ لأن الماء جماد لا يعقل المراد، فكذلك الأصنام، والضمير في قوله: وما هو الماء، وفي ببالغة للفم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.

﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.

الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.

﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.

وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.

وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.

ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.

وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.

وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.

فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.

وعن الحسن.

خلق الله ليس بملك.

وعن النبي  : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .

وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.

وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.

وعن علي  : سبحان من سبحت له.

وكان رسول الله  يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .

وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ .

قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.

والمطر بكاؤهم.

أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه  جعل له أعواناً.

قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.

وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.

قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.

ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.

ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله  فقال رجل من أصحابه.

يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.

فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.

فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.

فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.

قال تجعل لي الأمر بعدك.

قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.

قال: لا.

قال: فماذا تجعل لي؟

قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.

قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟

وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.

فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي  ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله  فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.

فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟

ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.

قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .

ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.

وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.

أبو عبيدة: شديد العقوبة.

الحسن: شديد النقمة.

وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه  يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.

وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي  في الكافرين حين دعا عليهما.

وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.

وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.

﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.

﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.

والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.

وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.

ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.

ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.

وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض  ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.

كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.

وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.

وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.

ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".

واعلم أنه  ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة  ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.

وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض  ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.

وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله  أعلم بمراده.

ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟

فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.

والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.

وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.

ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.

قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله  وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.

ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.

وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.

قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.

وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.

ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.

والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.

ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.

وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.

ثم قال  إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.

أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين  ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.

﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.

ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.

يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.

وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه  أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.

ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.

ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.

وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.

وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.

وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.

وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.

وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.

وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.

﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.

ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.

ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم  ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.

وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.

وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال  : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.

وقيل: هو مؤازة النبي  ومعاونته ونصرته في الجهاد.

وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.

وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.

وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .

﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.

وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.

﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .

﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.

قال  لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.

وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.

يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟

قال: من بلخ.

فقال: وهل تعرف شقيقاً؟

فقال: نعم.

فقال: كيف طريقة أصحابه؟

فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.

وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله  أن تكون مرجع أهلها.

والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.

ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.

قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.

وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.

قال الواحدي: والأول أصح لأن الله  جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.

ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.

والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.

وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله  بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.

قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.

وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.

وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.

وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.

ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.

والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.

وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.

وروي عن النبي  أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.

وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.

وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.

قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.

والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.

وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.

وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.

وقيل: المراد أنه  أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.

والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه  واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.

و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".

والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.

عن ابن عباس: فرح وقرة عين.

الضحاك: غبطة لهم.

قتادة: حسنى لهم.

الأصم: خير وكرامة.

الزجاج: عيش طيب.

والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.

وقيل: طوبى شجرة في الجنة.

حكى الأصم أن أصلها في دار النبي  وفي دار كل مؤمن منها غصن.

روي عن رسول الله  أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.

التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.

ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.

معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.

آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.

﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.

﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.

وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل  ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي  ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.

فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي  وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال  : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .

أي: مخوفاً ومطمعاً أو ما تخافون وتطمعون.

وقال أهل التأويل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.

وقيل: خوفاً لأهل البنيان؛ وطمعاً لأهل الأنزال.

وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه.

ويحتمل وجهاً آخر في قوله: ﴿ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ أي: يريكم خوفاً موعوداً وطمعاً موعوداً؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها ناراً؛ ألا ترى أنه إذا اشتد خيف على من أصابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ .

[قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء.

قال أبو عوسجة: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ ] يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمّى الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ الله الخلق أي: خلقهم، نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا.

والله أعلم.

﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ .

اختلف في الرعد والبرق: قال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ صوته تسبيحه.

وعلى ذلك روي عن ابن عباس -  - قال: "أقبلت يهود إلى النبي  ؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟

قال: ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟

قال: زجرة السحاب إذا زجره؛ حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" .

فإن ثبت هذا؛ فهو هو.

وعن علي -  - "أنه سئل عن [البرق والرعد]؟

فقال: الرعد: الملك، والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد" .

وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذت سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق.

وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذاً صوتت؛ فذلك صوتها.

وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر يحك الحجر.

وقال بعضهم من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه فذلك الصوت منه.

وأي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل شيء؛ على ما أخبر الله - عز وجل - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة [منشئه من] كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته.

ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه الخلق.

وعن أبي سعيد الخدري -  - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق صوته الذي يزجي به السحاب.

قيل: أمثال هذا كثير، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك.

وقوله: ﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، وما ذكروا من سلطانه وعظمته، ﴿ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ أي: تسبيح الملائكة من خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة الله وسلطانه، فذلك الثناء عليه والملائكة يسبحونه فيما بينهم وبين ربهم، فلم [يذكر فيهم] التسبيح؛ بحمده، وذكر في الرعد والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين: أحدهما: خوفاً من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

 ﴾ الآية.

والثاني: [خوف] رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن الله  وصفهم بالطاعة له والاستسلام، كقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19] ونحو ذلك.

ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ ﴾ قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ وقيل: هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار "أن رجلاً أتى النبي  فسأله عن شيء من أمر الرب فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ " .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ أي: في توحيد الله؛ لأن أهل الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد الله وألوهيته وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ قال بعضهم: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: شديد الأخذ.

وقال القتبي: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون به.

وقال أبو عوسجة: المحال عندي من المكر.

وقال أبو عوسجة: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر الله، ويقال عقبته أي: حفظته، وأما قوله ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ  ﴾ أي: لا رادّ لحكمه قال ويقال في غير هذا أعقب فلان فلاناً، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء.

وقال القتبي: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله.

وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ  ﴾ أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق [له] ليس لمن دونه.

والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة من دعا بالحق.

فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: له إجابة دعوة من دعا بالحق والله أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من عبد دونه ودعي دونه لا يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ﴾ أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر ﴿ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾ وهو ضرب مثل من يدعو من دون الله كباسط كفيه إلى الماء هو - والله أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو الأصنام لا يملكون إجابته، والله أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل أن من عبد دون الله أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على بعد من الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون الله إلى ما يأمل ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ أي: دعاؤهم وعبادتهم لا يعقب لهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَسْجُدُ ﴾ على حقيقة السجود يسجد له المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع.

ويحتمل ما ذكر من السجود وجوهاً: أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة.

والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل الله في خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته.

والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر يكون سجوده لله اختيارا وطوعا حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .

أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل.

ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي الروح وغير ذي الروح.

﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ أي: ظلالهم تخضع له أيضاً بالغدو والآصال.

ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد.

فإن قيل: ما معنى الغدوّ والآصال؟

قيل: يحتمل: أبداً دائماً: ليس على مراد الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لله وحده دعوة التوحيد لا يشاركه فيها أحد، والأصنام التي يدعوها المشركون من دونه لا تستجيب دعاء من يدعوها في أي مسألة، وما دعاؤهم لها إلا مثل عطشان يبسط يده إلى الماء ليصل إلى فيه فيشرب منه، وما لأصنامهم الا في ضياع وبُعدٍ عن الصواب؛ لأنها لا تملك لهم جلب نفع، دفع ضر.

<div class="verse-tafsir" id="91.emXPy"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل