الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٥ من سورة الرعد
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء ، ودان له كل شيء .
ولهذا يسجد له كل شيء طوعا من المؤمنين ، وكرها من المشركين ، ( وظلالهم بالغدو ) أي : البكر والآصال ، وهو جمع أصيل وهو آخر النهار ، كما قال تعالى : ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ) [ النحل : 48 ] .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن امتنع هؤلاء الذين يدعون من دون الله الأوثان والأصنام لله شركاء من إفراد الطاعة والإخلاص بالعبادة له فلله يسجد من في السموات من الملائكة الكرام ومن في الأرض من المؤمنين به طوعًا, فأما الكافرون به فإنهم يسجدون له كَرْهًا حين يُكْرَهون على السُّجود .
كما:- 20298- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا) ، فأما المؤمن فيسجد طائعًا, وأما الكافر فيسجد كارهًا .
20299- حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان قال: كان ربيع بن خُثيم إذا تلا هذه الآية: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا) قال: بلى يا رَبَّاه .
20300- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا) قال: من دخل طائعًا، هذا طوعًا(وكرهًا) من لم يدخل إلا بالسَّيف .
* * * وقوله: (وظلالهم بالغدوّ والآصال) يقول: ويسجد أيضًا ظلالُ كل من سجد طوعًا وكرهًا بالغُدُوات والعَشَايا.
(13) وذلك أن ظلَّ كلٍّ شخص فإنه يفيء بالعشيّ، كما قال جل ثناؤه أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ، [سورة النحل:48] * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 20301- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (وظلالهم بالغدوّ والآصال) ، يعني: حين يفيء ظلُّ أحدهم عن يمينه أو شماله .
20302- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن الزبير, عن سفيان قال في تفسير مجاهد: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا وظلالهم بالغدوّ والآصال) قال: ظل المؤمن يسجد طوعًا وهو طائع, وظلُّ الكافر يسجد طوعًا وهو كاره .
(14) 20304- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: (وظلالهم بالغدوّ والآصال) قال: ذُكر أن ظلال الأشياء كلها تسجد له, وقرأ: سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [سورة النحل:48].
قال: تلك الظلال تسجد لله .
* * * و " الآصال ": جمع أصُلٍ, و " الأصُل ": جمع " أصيلٍ"، و " الأصيل ": هو العشيُّ, وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس، (15) قال أبو ذؤيب: لَعَمْـرِي لأَنْـتَ البَيْـتُ أُكْـرِمَ أَهْلَـهُ وَأَقْعُــدُ فِــي أَفْيَائِــهِ بِالأصَـائِلِ (16) * * * القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله :مَنْ رَبُّ السموات والأرض ومدبِّرها, فإنهم سيقولون الله .
وأمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يقول: " الله ", فقال له: قل، يا محمد: ربُّها، الذي خلقها وأنشأها, هو الذي لا تصلح العبادة إلا له, وهو الله .
ثم قال: فإذا أجابوك بذلك فقل لهم: أفاتخذتم من دون رب السموات والأرض أولياء لا تملك لأنفسها نفعًا تجلبه إلى نفسها, ولا ضرًّا تدفعه عنها, وهي إذ لم تملك ذلك لأنفسها, فمِنْ مِلْكه لغيرها أبعدُ فعبدتموها, وتركتم عبادة من بيده النفع والضر والحياة والموت وتدبير الأشياء كلها .
ثم ضرب لهم جل ثناؤه مثلا فقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ .
-------------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير" الغدو" فيما سلف 13 : 354 .
(14) قوله :" يسجد طوعًا وهو كاره" ، يعني أن الظل ، وهو من خلق الله المتعبد له ، يسجد طوعًا ، وصاحب الظل كاره للسجود ، وهو الكافر ، أعاذنا الله وإياك .
(15) انظر تفسير" الآصال" فيما سلف 13 : 354 ، 355 .
(16) ديوانه : 141 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 239 ، 328 ، والإنصاف : 304 ، 305 ، والخزانة 2 : 489 ، 564 ، واللسان ( أصل ) .
وللنحاة فيه لجاجة كثيرة .
قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال قوله تعالى : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها قال الحسن وقتادة وغيرهما : المؤمن يسجد طوعا ، والكافر يسجد كرها بالسيف .
وعن قتادة أيضا : يسجد الكافر كارها حين لا ينفعه الإيمان .
وقال الزجاج : سجود الكافر كرها ما فيه من الخضوع وأثر الصنعة .
وقال ابن زيد : " طوعا " من دخل في الإسلام رغبة ، و " كرها " من دخل فيه رهبة بالسيف .
وقيل : " طوعا " من طالت مدة إسلامه فألف السجود ، و " كرها " من يكره نفسه لله تعالى ; فالآية في المؤمنين ، وعلى هذا يكون معنى " والأرض " وبعض من في الأرض .
قال القشيري : وفي الآية مسلكان : أحدهما : أنها عامة والمراد بها التخصيص ; فالمؤمن يسجد طوعا ، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا كالمنافقين ; فالآية محمولة على هؤلاء ، ذكره الفراء .
وقيل على هذا القول : الآية في المؤمنين ; منهم من يسجد طوعا لا يثقل عليه السجود ، ومنهم من يثقل عليه ; لأن التزام التكليف مشقة ، ولكنهم يتحملون المشقة إخلاصا وإيمانا ، إلى أن يألفوا الحق ويمرنوا عليه .
والمسلك الثاني : وهو الصحيح - إجراء الآية على التعميم ; وعلى هذا طريقان : أحدهما : أن المؤمن يسجد طوعا ، وأما الكافر فمأمور [ ص: 264 ] بالسجود مؤاخذ به .
والثاني : وهو الحق - أن المؤمن يسجد ببدنه طوعا ، وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق ، يسجد دلالة وحاجة إلى الصانع ; وهذا كقوله : وإن من شيء إلا يسبح بحمده وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة .وظلالهم بالغدو والآصال أي ظلال الخلق ساجدة لله تعالى بالغدو والآصال ; لأنها تبين في هذين الوقتين ، وتميل من ناحية إلى ناحية ; وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء ; وهو كقوله تعالى : أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون قاله ابن عباس وغيره .
وقال مجاهد : ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع ; وظل الكافر يسجد كرها وهو كاره .
وقال ابن الأنباري : يجعل للظلال عقول تسجد بها وتخشع بها ، كما جعل للجبال أفهام حتى خاطبت وخوطبت .
قال القشيري : في هذا نظر ; لأن الجبل عين ، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة ، وأما الظلال فآثار وأعراض ، ولا يتصور تقدير الحياة لها ، والسجود بمعنى الميل ; فسجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب ; يقال : سجدت النخلة أي مالت .
و الآصال جمع أصل ، والأصل جمع أصيل ; وهو ما بين العصر إلى الغروب ، ثم أصائل جمع الجمع ; قال أبو ذؤيب الهذلي :لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائلو " ظلالهم " يجوز أن يكون معطوفا على " من " ويجوز أن يكون ارتفع بالابتداء والخبر محذوف ; التقدير : وظلالهم سجد بالغدو والآصال و " بالغدو " يجوز أن يكون مصدرا ، ويجوز أن يكون جمع غداة ; يقوي كونه جمعا مقابلة الجمع الذي هو الآصال به .
أي: جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض كلها خاضعة لربها، تسجد له { طَوْعًا وَكَرْهًا } فالطوع لمن يأتي بالسجود والخضوع اختيارا كالمؤمنين، والكره لمن يستكبر عن عبادة ربه، وحاله وفطرته تكذبه في ذلك، { وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } أي: ويسجد له ظلال المخلوقات أول النهار وآخره وسجود كل شيء بحسب حاله كما قال تعالى: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } فإذا كانت المخلوقات كلها تسجد لربها طوعا وكرها كان هو الإله حقا المعبود المحمود حقا وإلاهية غيره باطلة، ولهذا ذكر بطلانها
قوله عز وجل : ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا ) يعني : الملائكة والمؤمنين ( وكرها ) يعني : المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف .
( وظلالهم ) يعني : ظلال الساجدين طوعا وكرها تسجد لله عز وجل طوعا .
قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره .
( بالغدو والآصال ) يعني إذا سجد بالغدو أو العشي يسجد معه ظله .
و " الآصال " : جمع " الأصل " ، و " الأصل " جمع " الأصيل " ، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس .
وقيل : ظلالهم أي : أشخاصهم ، بالغدو والآصال : بالبكر والعشايا .
وقيل : سجود الظل تذليله لما أريد له .
«ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا» كالمؤمنين «وكرها» كالمنافقين ومن أكره بالسيف «و» يسجد «ظلالهم بالغدو» البكور «والآصال» العشايا.
ولله وحده يسجد خاضعًا منقادًا كُلُّ مَن في السموات والأرض، فيسجد ويخضع له المؤمنون طوعًا واختيارًا، ويخضع له الكافرون رغمًا عنهم؛ لأنهم يستكبرون عن عبادته، وحالهم وفطرتهم تكذِّبهم في ذلك، وتنقاد لعظمته ظلال المخلوقات، فتتحرك بإرادته أول النهار وآخره.
ثم بين - سبحانه - أن هذا الكون كله خاضع له - عز وجل - فقال : ( وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال ) .والمراد بالسجود له - سبحانه - : الانقياد والخضوع لعظمته .وظلالهم : جمع ظل وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور .والغدو : جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس .والآصال : جمع أصيل وهو ما بين العصروغروب الشمس .والمعنى : ولله - تعالى - وحده يخضع وينقاد جميع من فى السموات والأرض من الملائكة والإِنس والجن وغيرهم .وقوله ( طَوْعاً وَكَرْهاً ) منصوبان على الحال من " من " ، أى : أن جميعهم يسجدون لله ، وينقادون لعظمته ، حال كونهم طائعين وراضين بهذا السجود والانقياد ، وحال كونهم كارهين وغير راضين به ، لأنهم لا يستطيعون الخروج على حكمه لا فى الإِيجاد ولا فى الإِعدام ولا فى الصحة ولا فى الأرض ، ولا فى الغنىن ولا فى الفقر .
.
فهم خاضعون لأمره شاءوا أم أبوا .وسيتوى فى هذا الخضوع المؤمن والكافر ، إلا أن المؤمن خاضع عن طواعية بذاته وبظاهره وبباطنه لله - تعالى - .أما الكافر فهو خاضع لله - تعالى - بذاته ، ومتمرد وجاحد وفاسق عن أمر ربه بظاهره ، والضمير فى قوله - سبحانه - ( وَظِلالُهُم ) يعود على ( مَن فِي السماوات والأرض ) .أى : والله - تعالى - يخضع من فى السموات والأرض طوعا وكرها ويخضع له - أيضا - بالغدو والآصال ظلال من له ظل منهم ، لأن هذه الظلال لا زمة لأصحابها والكل تحت قهره ومشيئته فى الامتداد والتقلص والحركة والسكون .قال - تعالى - ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) وقال تعالى : ( أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ثم وجه - سبحانه - عن طريق نبيه - صلى الله عليه وسلم - أسئلة تهكمية إلى هؤلاء المشركين المجادلين فى ذات الله - تعالى - وفى صفاته ، وساق لهم أمثلة للحق والباطل ، وبين لهم حسن عاقبة المستجيبين لدعوة الحق ، وسوء عاقبة المعرضين عنها فقال - تعالى - :( قُلْ مَن رَّبُّ السماوات .
.
.
) .
اعلم أن في المراد بهذا السجود قولين: القول الأول: أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض، وعلى هذا الوجه ففيه وجهان: أحدهما: أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص وهم المؤمنون، فبعض المؤمنين يسجدون لله طوعاً بسهولة ونشاط، ومن المسلمين من يسجد لله كرهاً لصعوبة ذلك عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك الطاعة شاء أم أبى.
والثاني: أن اللفظ عام والمراد منه أيضاً العام وعلى هذا ففي الآية إشكال، لأنه ليس كل من في السموات والأرض يسجد لله بل الملائكة يسجدون لله، والمؤمنون من الجن والإنس يسجدون لله تعالى، وأما الكافرون فلا يسجدون.
الجواب عنه من وجهين: الأول: أن المراد من قوله: ﴿ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السموات والأرض ﴾ أي ويجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله فعبر عن الوجوب بالوقوع والحصول.
والثاني: وهو أن المراد من السجود التعظيم والاعتراف بالعبودية، وكل من في السموات ومن في الأرض يعترفون بعبودية الله تعالى على ما قال: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾ .
وأما القول الثاني في تفسير الآية فهو: - أن السجود عبارة عن الانقياد والخضوع وعدم الامتناع وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى، لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل وتحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على السوية وكل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس، إلا بتأثير موجود ومؤثر فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده وعدم كل ما سواه بإعدامه، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الإيجاد والإعدام، وذلك هو السجود وهو التواضع والخضوع والانقياد، ونظير هذه الآية: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض كُلٌّ لَّهُ قانتون ﴾ وقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض ﴾ .
وأما قوله تعالى: ﴿ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ فالمراد: أن بعض الحوادث مما يميل الطبع إلى حصوله كالحياة والغنى، وبعضها مما ينفر الطبع عنه كالموت والفقر والعمى والحزن والزمانة وجميع أصناف المكروهات، والكل حاصل بقضائه وقدره وتكوينه وإيجاده، ولا قدرة لأحد على الامتناع والمدافعة.
ثم قال تعالى: ﴿ وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ وفيه قولان: القول الأول: قال المفسرون، كل شخص سواء كان مؤمناً أو كافراً فإن ظله يسجد لله.
قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله كرهاً وهو كاره، وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله، وعند هذا قال ابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله تعالى للظلال عقولاً وأفهاماً تسجد بها وتخشع كما جعل الله للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيح الله تعالى وحتى ظهر أثر التجلي فيها كما قال: ﴿ فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا ﴾ .
والقول الثاني: وهو أن المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس، فهي منقادة مستسلمة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر، لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ أي ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله، شاؤا أو أبوا.
لا يقدرون أن يمتنعوا عليه، وتنقاد له ﴿ ظلالهم ﴾ أيضاً حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال.
وقرئ: ﴿ بالغدو والإيصال ﴾ ، من آصلوا: إذا دخلوا في الأصيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ السُّجُودُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، طَوْعًا حالَتَيِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ والكَفَرَةُ كَرْهًا حالَ الشَّدَّةِ والضَّرُورَةِ.
﴿ وَظِلالُهُمْ ﴾ بِالعَرْضِ وأنْ يُرادَ بِهِ انْقِيادُهم لِإحْداثِ ما أرادَهُ مِنهم شاءُوا أوْ كَرِهُوا، وانْقِيادُ ظِلالِهِمْ لِتَصْرِيفِهِ إيّاها بِالمَدِّ والتَّقْلِيصِ وانْتِصابُ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ بِالحالِ أوِ العِلَّةِ وقَوْلُهُ: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ظَرْفٌ لِـ ﴿ يَسْجُدُ ﴾ والمُرادُ بِهِما الدَّوامُ أوْ حالٌ مِنَ الظِّلالِ، وتَخْصِيصُ الوَقْتَيْنِ لِأنَّ الظِّلالَ إنَّما تَعْظُمُ وتَكْثُرُ فِيهِما، والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَقِنًى جَمْعُ قَناةٍ، و (الآصالِ) جَمْعُ أصِيلٍ وهو ما بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ.
وقِيلَ الغُدُوُّ مَصْدَرٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قَدْ قُرِئَ و « الإيصالِ» وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض} سجود تعبد وانقياد {طَوْعاً} حال يعني الملائكة والمؤمنين {وَكَرْهًا} يعني المنافقين والكافرين في حال الشدة والضيق {وظلالهم} معطوف على من جمع ظل {بالغدو} جمع غداة كقن وقناة {والآصال} جمع أصل جمع أصيل قيل ظل كل شيء يسجد لله بالغدو والآصال وظل الكافر يسجد كرهاً وهو كاره وظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع
﴿ ولِلَّهِ ﴾ وحْدَهُ ﴿ يَسْجُدُ ﴾ يَخْضَعُ ويَنْقادُ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فالقَصْرُ يَنْتَظِمُ القَلْبُ والإفْرادُ ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِمَن وتَخْصِيصُ انْقِيادِ العُقَلاءِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّهُمُ العُمْدَةُ وانْقِيادُهم دَلِيلُ انْقِيادِ غَيْرِهِمْ عَلى أنَّ فِيما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانًا لِذَلِكَ وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ أُولَئِكَ وغَيْرَهم والتَّعْبِيرُ بِمَن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ فَإنْ قُلْنا بِوُقُوعِ المَصْدَرِ حالًا مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهو ظاهِرٌ وإلّا فَهو بِتَأْوِيلِ طائِعِينَ وكارِهِينَ أيْ أنَّهم خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ تَعالى مُنْقادُونَ لِإحْداثِ ما أرادَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ مِن أحْكامِ التَّكْوِينِ والإعْدامِ شاؤُوا أوْ أبَوْا مِن غَيْرِ مُداخَلَةِ حُكْمِ غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا بَلْ غَيْرُ حُكْمِهِ تَعالى في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى العِلَّةِ فالكُرْهُ بِمَعْنى الإكْراهِ وهو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِيَتَّحِدَ الفاعِلُ بِناءً عَلى اشْتِراطِ ذَلِكَ في نَصْبِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ وهو عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ عَلى ظاهِرِهِ وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ اعْتِبارَ العِلِّيَّةِ في الكُرْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّهُ الَّذِي يُقابِلُ الطَّوْعَ وهو الإباءُ ولا يُعْقَلُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلسُّجُودِ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ العِلَّةَ ما يُحْمَلُ عَلى الفِعْلِ أوْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا ما لا يَكُونُ غَرَضًا لَهُ وقَدْ مَرَّ عَنْ قُرْبٍ فَتَذْكَّرْهُ وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ أيْ سُجُودَ طَوْعٍ وكُرْهٍ ﴿ وظِلالُهُمْ ﴾ أيْ وتَنْقادُ لَهُ تَعالى ظِلالُ مَن لَهُ ذَلِكَ مِنهم وهُمُ الإنْسُ فَقَطْ أوْ ما يَعُمُّهم وكُلُّ كَثِيفٍ.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ يَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ لِمَن في الأرْضِ لِأنَّ مَن في السَّماءِ لا ظِلَّ لَهُ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّغْلِيبِ أوِ التَّجَوُّزِ ومَعْنى انْقِيادِ الظِّلالِ لَهُ تَعالى أنَّها تابِعَةٌ لِتَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ والفَيْءِ والزَّوالِ وأصْلُ الظِّلَّ كَما قالَ الفَرّاءُ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الخَيالِ الَّذِي يَظْهَرُ لِلْجِرْمِ وهو إمّا مَعْكُوسٌ أوْ مُسْتَوٍ ويُبْنى عَلى كُلٍّ مِنهُما أحْكامٌ ذَكَرُوها في مَحَلِّها ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ .
(15) .
ظَرْفٌ لِلسُّجُودِ المُقَدَّرِ والباءُ بِمَعْنى في وهو كَثِيرٌ والمُرادُ بِهِما الدَّوامُ لِأنَّهُ يُذْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلتَّأْيِيدِ قِيلَ: فَلا يُقالُ لِمَ خُصَّ بِالذِّكْرِ وكَذا يُقالُ: إذا كانا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظِّلالِ وبَعْضُهم يُعَلِّلُ ذَلِكَ بِأنَّ امْتِدادَها وتَقَلُّصَها في ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ أظْهَرُ.
والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَقُنِيٍّ وقَناةٍ والآصالُ جَمْعُ أصِيلٍ وهو ما بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ وقِيلَ: هو جَمْعُ أُصُلٍ جَمْعُ أصِيلٍ وأصْلُهُ أأْصالٌ بِهَمْزَتَيْنِ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا وقِيلَ: الغُدُوُّ مَصْدَرٌ وأيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ مِجْلَزٍ ( الإيصالِ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ آصَلْنا بِالمَدِّ أيْ دَخَلْنا في الأصِيلِ كَما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ هَذا وقِيلَ: إنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ السُّجُودِ فَإنَّ الكَفَرَةَ حالَةُ الِاضْطِرارِ وهو المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَرْهًا ﴾ يَخُصُّونَ السُّجُودَ بِهِ سُبْحانَهُ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الظِّلالِ أفْهامًا وعُقُولًا بِها تَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما خَلَقَ جَلَّ جَلالُهُ ذَلِكَ لِلْجِبالِ حَتّى اشْتَغَلَتْ بِالتَّسْبِيحِ وظَهَرَتْ فِيها آثارُ التَّجَلِّي كَما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِسُجُودِها ما يُشاهَدُ فِيها مِن هَيْئَةِ السُّجُودِ تَبَعًا لِأصْحابِها وهَذا عَلى ما قِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ في السُّجُودِ المَذْكُورِ في الآيَةِ بِأنْ يُرادَ بِهِ الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ فَيَشْمَلُ سُجُودَ الظِّلالِ بِهَذا المَعْنى أوْ تَقْدِيرَ فِعْلٍ مُؤَدٍّ ذَلِكَ رافِعٌ لِلظِّلالِ أوْ خَبَرٌ لَهُ كَذَلِكَ أوِ التِزامُ أنَّ إرادَةَ ما ذُكِرَ لا يَضُرُّ في الحَقِيقَةِ لِكَوْنِهِ بِالتَّبَعِيَّةِ والعَرْضِ أوْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ جائِزٌ ولا يَخْفى ما في بَعْضِ الشُّقُوقِ مِنَ النَّظَرِ وعَنْ قَتادَةَ أنَّ السُّجُودَ عِبارَةٌ عَنِ الهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ وقَدْ عُبِّرَ بِالطَّوْعِ عَنْ سُجُودِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ وبِالكَرْهِ عَنْ سُجُودِ مَن ضَمَّهُ السَّيْفُ إلى الإسْلامِ فَيَسْجُدُ كَرْهًا إمّا نِفاقًا أوْ يَكُونُ الكَرْهُ أوَّلَ حالِهِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الصِّفَةُ وإنْ صَحَّ إيمانُهُ بَعْدُ وقِيلَ: السّاجِدُ طَوْعًا مَن لا يَثْقُلُ عَلَيْهِ السُّجُودُ والسّاجِدُ كَرْها مَن يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ الأوَّلُ مَن طالَتْ مُدَّةُ إسْلامِهِ فَألِفَ السُّجُودَ والثّانِي مَن بَدَأ بِالإسْلامِ إلى أنْ يَأْلَفَ وأيًّا ما كانَ فَمِن عامٍّ أُرِيدَ بِهِ مَخْصُوصٌ إذْ يَخْرُجُ مِن ذَلِكَ مَن لا يَسْجُدُ وقِيلَ: هو عامٌّ لِسائِرِ أنْواعِ العُقَلاءِ والمُرادُ بِيَسْجُدُ يَجِبُ أنْ يَسْجُدَ لَكِنْ عُبِّرَ عَنِ الوُجُوبِ بِالوُقُوعِ مُبالَغَةً.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا فَفي البَحْرِ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَساقَ الآيَةِ إنَّما هو أنَّ العالَمَ كُلَّهُ مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعالى خاضِعٌ لِما أرادَ سُبْحانَهُ مِنهُ مَقْصُورٌ عَلى مَشِيئَتِهِ لا يَكُونُ مِنهُ إلّا ما قَدَّرَ جَلَّ وعَلا فالَّذِينَ تَعْبُدُونَهم كائِنًا ما كانُوا داخِلُونَ تَحْتَ القَهْرِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَفْعًا ولا ضَرًّا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى تَشْرِيكُ الظِّلالِ في السُّجُودِ وهي لَيْسَتْ أشْخاصًا يُتَصَوَّرُ مِنها السُّجُودُ بِالهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ ولَكِنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى يُصَرِّفُها سُبْحانَهُ حَسْبَما أرادَ إذْ هي مِنَ العالَمِ والعالَمُ جَواهِرُهُ وأعْراضُهُ داخِلَةٌ تَحْتَ قَهْرِ إرادَتِهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ وكَوْنُ المُرادِ بِالظِّلالِ الأشْخاصَ كَما قالَ بَعْضُهم ضَعِيفٌ وأضْعَفُ مِنهُ ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقِياسُها عَلى الجِبالِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الجَبَلَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَقْلٌ بِشَرْطِ تَقْدِيرِ الحَياةِ وأمّا الظِّلُّ فَعَرَضٌ لا يُتَصَوَّرُ قِيامُ الحَياةِ بِهِ وإنَّما مَعْنى سُجُودِها مَيْلُها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ واخْتِلافُ أحْوالِها كَما أرادَ سُبْحانَهُ وتَعالى وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ ما قِيلَ أوَّلًا وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ اخْتِصاصَ سُجُودِ الكافِرِ حالَةَ الِاضْطِرارِ والشِّدَّةِ لِلَّهِ تَعالى لا يُجْدِي فَإنَّ سُجُودَهُ لِلصَّنَمِ حالَةَ الِاخْتِيارِ والرَّخاءِ مُخِلٌّ بِالقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ فالوَجْهُ حَمْلُ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ ولِأنَّ تَحْقِيقَ انْقِيادِ الكُلِّ في الإبْداعِ والإعْدامِ لَهُ تَعالى أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ عَلى اتِّخاذِ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن تَحْقِيقِ سُجُودِهِمْ لَهُ تَعالى.
اهَـ.
وفي تِلْكَ الأقْوالِ بُعْدُ ما لا يَخْفى عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق طَوْعاً وَكَرْهاً قال قتادة: أما المؤمن فيسجد لله طائعاً، وأما الكافر فيسجد كرهاً، ويقال: أهل الإخلاص يسجدون لله طائعين، وأهل النفاق يسجدون له كرهاً- ويقال: من ولد في الإسلام يسجد طَوْعاً ومن سبي في دار الحرب يسجد كَرْهاً (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَالَّذِينَ: يراد به ما عُبِدَ من دون اللَّه، والضَّمير في يَدْعُونَ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، ومعنى الكَلاَمِ: والذين يدعونهم الكفَّارُ في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بِشَيْءٍ إِلاَّ، ثُمَّ مَثَّلَ سبحانه مثالاً لإِجابتهم بالذي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نحو الماء، ويشير إِليه بالإِقبال إِلى فيه، فلا/ يبلغ فَمَهُ أَبداً، فكذلك إِجابة هؤلاء والانتفاعُ بهم لا يَقَعُ.
وقوله: هُوَ: يريد به الماءَ، وهو البالغُ، والضمير في بِبالِغِهِ للفم، ويصحُّ أنْ يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضا، والضمير في بِبالِغِهِ للماء لأن الفم لا يَبْلُغ الماء أبداً على تلك الحال، ثم أخبر سبحانه عن دعاءِ الكافرين أنه في انتلاف وضلالٍ لا يفيد.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: تنبيهٌ على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخيرِ الأشياءِ له، والطَّعْنِ على الكفَّار التارِكِينَ للسّجود، ومَنْ:
تَقَعُ على الملائكةِ عموماً، و «سُجُودُهُمْ» : طوع، وأما أهْلُ الأرض، فالمؤمنون داخلُونَ في مَنْ، وسجودُهم أيضاً طَوْع، وأما سجودُ الكَفَرة، فهو الكَرْه، وذلك على معنيين، فإِن جعلنا السجُودَ هذه الهيئة المعهودَةَ، فالمراد من الكَفَرَة مَنْ أسلم، خَوْفَ سيفِ الإِسلام كما قاله قتادة «١» ، وإِن جعلنا السُّجود الخضُوعَ والتذلُّل، حَسَب ما هو في اللغة، فيدخلُ الكفَّار أجمعون في مَنْ لأنه ليس من كافرٍ إِلا ويلحقه من التذلُّل والاستكانة لقدرة اللَّه تعالى أنواعٌ أكثر من أنْ تحصَى بحسب رَزَايَاهُ، واعتباراته.
وقوله سبحانه: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: إِخبار عن أنّ الظّلال لها سجود لله
تعالى كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...
الآية [النحل: ٤٨] ، وقال مجاهد: ظلُّ الكافر يسجُدُ طوعاً، وهو كاره «١» ورُوِيَ أن الكافر إِذا سَجَد لصنمه، فإِن ظلَّه يسجُدُ للَّهِ حينئذٍ، وباقي الآية بيِّن، ثم مَثَّل الكفَّار والمؤمنين بقوله:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وشبه الكافر بالأعمى، والكُفْرَ بالظلماتِ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ، والإِيمان بالنور.
وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: لفظ عامٌّ يراد به الخصوصُ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع.
وقوله سبحانه: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآءً: يريد به المَطَرَ، فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها:
«الأودية» : ما بين الجبالِ مِنَ الانخفاض والخَنَادِقِ، وقوله: بِقَدَرِها: يحتمل أنْ يريد بما قُدِّرَ لها من الماءِ، ويحتمل أنْ يريد بقَدْر ما تحمله على قَدْر صغرها وكِبَرها.
ت: وقوله: فَاحْتَمَلَ بمعنى: حمل، كاقتدر وقدر قاله [ص] .
والزَّبَدُ ما يحمله السيْلُ من غُثَاء ونحوه، و «الرابِي» : المنتفخ الذي قَدْ ربا، ومنه الرَّبْوَة.
وقوله سبحانه: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ: المعنَى:
ومن الأشياء التي توقِدُونَ عليها ابتغاءَ الحُلِيِّ، وهي الذَهَبُ والفضَّة، أو ابتغاء الاستمتاع بها في المرافِقِ، وهي الحديدُ والرَّصَاصُ والنُّحَاسُ ونحوها من الأشياء التي تُوقِدُونَ عليها، فأخبر تعالَى أنَّ من هذه أَيضاً إِذا أحمي علَيْها يكونُ لها زَبَدَ مماثِلٌ للزَّبَد الذي يحملُه السَّيْل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثَلاً للحقِّ والباطِلِ، أي: إِن الماء الذي/ تشربه الأرْضُ من السيل، فيقَعُ النفْعُ به هو كالحَقِّ، والزَّبَد الذي يخمد وينفش ويَذْهَب هو كالبَاطِلِ، وكذلك ما يخلص من الذَّهَبَ والفضَّة والحديد ونحوه هو كالحَقِّ، وما يذهَبُ في الدُّخَان هو كالبَاطِلِ.
وقوله: جُفاءً: مصدر من قولهم: «أَجْفَأَتِ القدْرُ» إِذا غلَتْ حتى خَرَجَ زَبَدُها وذهب.
وقال ص: جُفاءً: حال، أي: مضمحلاًّ متلاشيا، أبو البقاء: وهمزته منقلبة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ، ومَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ .
وَفِي مَعْنى سُجُودِ السّاجِدِينَ كَرْهًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ سُجُودُ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ سُجُودُ ظِلِّ الكافِرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ سُجُودَ الكارِهِ تَذَلُّلُهُ وانْقِيادُهُ لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنهُ مِن عافِيَةٍ ومَرَضٍ وغِنًى وفَقْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلالُهُمْ ﴾ أيْ: وتَسْجُدُ ظِلالُ السّاجِدِينَ طَوْعًا وكَرْهًا، وسُجُودُها: تَمايُلُها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وانْقِيادُها لِلتَّسْخِيرِ بِالطُّولِ والقِصَرِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الظِّلُّ ما كانَ بِالغَدَواتِ قَبْلَ انْبِساطِ الشَّمْسِ، والفَيْءُ ما كانَ بَعْدَ انْصِرافِ الشَّمْسِ، وإنَّما سُمِّيَ فَيْئًا، لِأنَّهُ فاءَ، أيْ: رَجَعَ إلى الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ تَنْبَسِطَ الشَّمْسُ، وما كانَ سِوى ذَلِكَ فَهو ظِلٌّ، نَحْوُ ظِلِّ الإنْسانِ، وظِلِّ الجِدارِ، وظِلِّ الثَّوْبِ، وظِلِّ الشَّجَرَةِ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وَقالَ لَبِيَدٌ: بَيْنَما الظِّلُّ ظَلِيلٌ مُونِقٌ ∗∗∗ طَلَعَتْ شَمْسٌ عَلَيْهِ فاضْمَحَلَّ وَقالَ آخَرُ: أيا أثَلاتِ القاعِ مِن بَطْنٍ تُوضِحٍ ∗∗∗ حَنِينِي إلى أظِلالِكُنَّ طَوِيلُ وَقِيلَ: إنَّ الكافِرَ يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وظِلُّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الغُدُوِّ والآصالِ في (الأعْرافِ:٧) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وما هو بِبالِغِهِ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ قُلْ اللهُ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مَن دُونِهِ أولِياءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُلُماتُ والنُورُ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ ﴾ الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " ﴿ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ لا إلَهَ إلّا اللهُ".
وما كانَ مِنَ الشَرِيعَةِ في مَعْناهُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هِيَ التَوْحِيدُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْناها: لَهُ دَعْوَةُ العِبادِ بِالحَقِّ ودُعاءُ غَيْرِهِ مِنَ الأوثانِ باطِلٌ.
وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" يُرادُ بِهِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، والضَمِيرُ في "يَدْعُونَ" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ونَحْوِهِمْ مِنَ العَرَبِ، ورَوى اليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ " تَدْعُونَ مِن دُونِهِ " بِالتاءِ مِن فَوْقُ، و"يَسْتَجِيبُونَ" بِمَعْنى يُجِيبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ ومَعْنى الكَلامِ: والَّذِينَ يَدْعُونَهُمُ الكَفّارُ في حَوائِجِهِمْ ومَنافِعِهِمْ لا يُجِيبُونَ بِشَيْءٍ.
ثُمَّ مَثَّلَ تَعالى مِثالًا لِإجاباتِهِمْ بِالَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نَحْوَ الماءِ ويُشِيرُ إلَيْهِ بِالإقْبالِ إلى فِيهِ، فَهو لا يَبْلُغُ فَمَهُ أبَدًا، فَكَذَلِكَ إجابَةُ هَؤُلاءِ والِانْتِفاعُ بِهِمْ لا يَقَعُ.
وقَوْلُهُ: "هُوَ" يُرِيدُ بِهِ الماءَ وهو البالِغُ، والضَمِيرُ في "بالِغِهِ" لِلْفَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هُوَ" يُرِيدُ بِهِ الفَمَ وهو البالِغُ أيْضًا، والضَمِيرُ في "بالِغِهِ" لِلْماءِ، لِأنَّ الفَمَ لا يَبْلُغُ الماءَ أبَدًا عَلى تِلْكَ الحالِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن دُعاءِ الكافِرِينَ أنَّهُ في ضَلالٍ لا يُفِيدُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يُغْنِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ الآيَةَ.
يَحْتَمِلُ ظاهِرُ هَذِهِ الألْفاظِ أنَّهُ جَرى في طَرِيقِ التَنْبِيهِ عَلى قُدْرَةِ اللهِ، وتَسْخِيرِ الأشْياءِ لَهُ فَقَطْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ طَعْنٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ وحاضِرِي مُحَمَّدٍ ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ أنْتُمْ لا تُوقِنُونَ ولا تَسْجُدُونَ فَإنَّ جَمِيعَ مَن فِي السَمَواتِ والأرْضِ لَهم سُجُودٌ لِلَّهِ تَعالى، وإلى هَذا الِاحْتِمالِ نَحا الطَبَرِيُّ، و"مَن" تَقَعُ عَلى المَلائِكَةِ عُمُومًا، وسُجُودُهم طَوْعٌ بِلا خِلافٍ، وأمّا أهْلُ الأرْضِ فالمُؤْمِنُونَ مِنهم داخِلُونَ في مَن وسُجُودُهم طَوْعٌ، وأمّا سُجُودُ الكَفَرَةِ فَهو الكُرْهُ، وذَلِكَ عَلى نَحْوَيْنِ مِن هَذا المَعْنى، فَإنْ جَعَلْنا السُجُودَ هَذِهِ الهَيْئَةَ المَعْهُودَةَ فالمُرادُ مِنَ الكَفَرَةِ مَن يَضُمُّهُ السَيْفُ إلى الإسْلامِ -كَما قالَ قَتادَةُ - فَيَسْجُدُ كَرْهًا، إمّا نِفاقًا، وإمّا أنْ يَكُونَ الكُرْهُ أوَّلَ حالِهِ فَتَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الصِفَةُ وإنْ صَحَّ إيمانُهُ بَعْدُ، وإنْ جَعَلْنا السُجُودَ الخُضُوعَ والتَذَلُّلَ عَلى حَسَبِ ما هو في اللُغَةِ كَقَوْلِ الشاعِرِ: ..............................
∗∗∗ تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ فَيَدْخُلُ الكَفّارُ أجْمَعُونَ في "مَن"، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن كافِرٍ إلّا ويَلْحَقُهُ مِنَ التَذَلُّلِ والِاسْتِكانَةِ بِقُدْرَةِ اللهِ أنْواعٌ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى بِحَسَبَ رَزاياهُ واعْتِباراتِهِ، وقالَ النَحّاسُ، والزَجّاجُ: إنَّ الكُرْهَ يَكُونُ في سُجُودِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكَسَلِ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنْ كانَ اللَفْظُ يَقْتَضِي هَذا فَهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ المَعْنى المَقْصُودِ بِالآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ إخْبارٌ عن أنَّ "الظِلالَ" لَها سُجُودٌ لِلَّهِ تَعالى بِالبِكْرِ والعَشِيّاتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ ، قالَ: وذَلِكَ هو فَيْؤُهُ بِالعَشِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "ظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ طَوْعًا وهو كارِهٌ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "يَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ حِينَ يَفِيءُ عن يَمِينِهِ وشِمالِهِ"، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّ "الظِلالَ" هُنا يُرادُ بِها الأشْخاصُ، وضَعَّفَهُ أبُو إسْحاقَ.
و"الآصالِ" جَمْعُ أصِيلٍ، وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالُ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو مَصْدَرُ آصَلْنا، أيْ: دَخَلْنا في الأصِيلِ، كَأصْبَحْنا وأمْسَيْنا.
ورُوِيَ أنَّ الكافِرَ إذا سَجَدَ لِصَنَمِهِ فَإنَّ ظِلَّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى حِينَئِذٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.
جاءَ السُؤالُ والجَوابُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن ناحِيَةٍ واحِدَةٍ، إذْ كانَ السُؤالُ والتَقْرِيرُ عن أمْرٍ واضِحٍ لا مُدافَعَةَ لِأحَدٍ فِيهِ مُلْتَزِمٍ لِلْحُجَّةِ، فَكانَ السَبْقُ إلى الجَوابِ أفْصَحَ في الِاحْتِجاجِ وأسْرَعَ في قَطْعِهِمْ مِنِ انْتِظارِ الجَوابِ مِنهُمْ، إذْ لا جَوابَ إلّا هَذا الَّذِي وقَعَ البِدارُ إلَيْهِ.
وقالَ مَكِّيٌّ: جَهِلُوا الجَوابَ وطَلَبُوهُ مِن جِهَةِ السائِلِ فَأعْلَمَهم بِهِ السائِلُ، فَلَمّا تَقَيَّدَ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللهَ تَعالى هو رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وقَعَ التَوْبِيخُ عَلى اتِّخاذِهِمْ مِن دُونِهِ أولِياءَ مُتَّصِفِينَ بِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ أنْفُسَهم ولا يَضُرُّونَها، وهَذِهِ غايَةُ العَجْزِ، وفي ضِمْنِ هَذا الكَلامِ: "وَتَرَكْتُمُوهُ وهو الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ"، ولَفْظَةُ: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
ثُمَّ مَثَّلَ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ -بَعْدَ هَذا- بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "تَسْتَوِي الظُلُماتُ" بِالتاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَسْتَوِي" بِالياءِ، فالتَأْنِيثُ أحْسَنُ لِأنَّهُ مُؤَنَّثٌ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ عامِلِهِ بِشَيْءٍ، والتَذْكِيرُ شائِعٌ لِأنَّهُ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والفِعْلُ مُقَدَّمٌ، وشَبَّهَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكافِرَ بِالأعْمى والكَفْرَ بِالظُلُماتِ، وشَبَّهَتِ المُؤْمِنَ بِالبَصِيرِ والإيمانَ بِالنُورِ.
ثُمَّ وقَّفَهم بَعْدُ، هَلْ رَأوا خَلْقًا لِغَيْرِ اللهِ فَحَمَلَهم ذَلِكَ واشْتِباهَهم بِما خَلَقَ اللهُ عَلى أنْ جَعَلُوا إلَهًا غَيْرَ اللهِ.
ثُمَّ أمَرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالإفْصاحِ بِصِفاتِ اللهِ تَعالى في أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا عُمُومٌ في اللَفْظِ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في كُلِّ ما هو خَلْقُ اللهِ تَعالى، ويَخْرُجُ عن ذَلِكَ صِفاتُ ذاتِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، والقُرْآنُ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَةِ مِن حَيْثُ لا مَوْجُودَ إلّا بِهِ، وهو في وُجُودِهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ المَوْجُوداتِ، لا إلَهَ إلّا هو العَلِيُّ العَظِيمُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ له دعوة الحق ﴾ [سورة الرعد: 14] أي له دعوة الحق وله يسجد من في السماوات والأرض وذلك شعار الإلهية، فأما الدعوة فقد اختص بالحقة منها دون الباطلة، وأما السجود وهو الهويّ إلى الأرض بقصد الخضوع فقد اختص الله به على الإطلاق، لأن الموجودات العليا والمؤمنين بالله يسجدون له، والمشركين لا يسجدون للأصنام ولا لله تعالى، ولعلهم يسجدون لله في بعض الأحوال.
وعدل عن ضمير الجلالة إلى اسمه تعالى العَلَم تبعاً للأسلوب السابق في افتتاح الأغراض الأصلية.
والعموم المستفاد من مَن} الموصولة عموم عرفي يراد به الكثرة الكاثرة.
والمقصود من ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ تقسيم أحوال الساجدين.
والمراد بالطوع الانسياق من النفس تقرّباً وزُلفى لمحض التعظيم ومحبة الله.
وبالكَره الاضطرار عند الشدة والحاجة كما في قوله تعالى: ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ [سورة النحل: 53].
ومنه قولهم: مُكره أخُوك لا بَطل، أي مضطر إلى المقاتلة وليس المراد من الكَره الضغط والإلجاء كما فسر به بعضهم فهو بعيد عن الغرض كما سيأتي.
والظلال: جمع ظل، وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور.
والضمير راجع إلى من في السماوات والأرض } مخصوصٌ بالصالح له من الأجسام الكثيفة ذات الظل تخصيصاً بالعقل والعادة، وهو عطف على ﴿ من ﴾ ، أي يسجد مَن في السماوات وتسجد ظِلالهم.
والغدُوّ: الزمان الذي يغدو فيه الناس، أي يخرجون إلى حوائجهم: إما مصدراً على تقدير مضاف، أي وقت الغدو؛ وإما جمع غُدوة، فقد حكي جمعها على غُدوّ، وتقدم في آخر سورة الأعراف.
والآصال: جمع أصيل، وهو وقت اصفرار الشمس في آخر المساء، والمقصود من ذكرهما استيعاب أجزاء أزمنة الظل.
ومعنى سجود الظلال أن الله خلقها من أعراض الأجسام الأرضية، فهي مرتبطة بنظام انعكاس أشعة الشمس عليها وانتهاء الأشعة إلى صلابة وجه الأرض حتى تكون الظلال واقعة على الأرض وُقوعَ الساجد، فإذا كان من الناس من يأبى السجود لله أو يتركه اشتغالاً عنه بالسجود للأصنام فقد جعل الله مثاله شاهداً على استحقاق الله السجود إليه شهادة رمزية.
ولو جعل الله الشمس شمسين متقابلتين على السواء لانعدمت الظلال، ولو جعل وجه الأرض شفافاً أو لامعاً كالماء لم يظهر الظل عليه بيّنا.
فهذا من رموز الصنعة التي أوجدها الله وأدقّها دقة بديعة.
وجعل نظام الموجودات الأرضية مهيئة لها في الخلقة لحكم مجتمعة، منها: أن تكون رموزاً دالّة على انفراده تعالى بالإلهية، وعلى حاجة المخلوقات إليه، وجعل أكثرها في نوع الإنسان لأن نوعه مختص بالكفران دون الحيوان.
والغرض من هذا الاستدلال الرمزي التنبيه لدقائق الصنع الإلهي كيف جاء على نظام مطّرد دال بعضه على بعض، كما قيل: وفي كل شيء له آية تدلّ *** على أنه الواحد...
والاستدلال مع ذلك على أن الأشياء تسجد لله لأن ظلالها واقعة على الأرض في كل مكان وما هي مساجد للأصنام وأن الأصنام لها أمكنة معينة هي حماها وحريمها وأكثر الأصنام، في البيوت مثل: العزى وذي الخلصة وذي الكعبات حيث تنعدم الظلال في البيوت.
وهذه الآية موضع سجود من سجود القرآن، وهي السجدة الثانية في ترتيب المصحف باتفاق الفقهاء.
ومن حكمة السجود عند قراءتها أن يضع المسلم نفسه في عداد ما يسجد لله طوعاً بإيقاعه السجود.
وهذا اعتراف فعلي بالعبودية لله تعالى.
﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والارض قُلِ الله قُلْ أفاتخذتم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا ﴾ لما نهضت الأدلة الصريحة بمظاهر الموجودات المتنوعة على انفراده بالإلهية من قوله: ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ﴾ [سورة الرعد: 2] وقوله: ﴿ وهو الذي مدّ الأرض ﴾ [سورة الرعد: 3] وقوله: ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ [سورة الرعد: 8] وقوله: ﴿ هو الذي يريكم البرق ﴾ [سورة الرعد: 12] الآيات، وبما فيها من دلالة رمزية دقيقة من قوله: ﴿ له دعوة الحق ﴾ [سورة الرعد: 14] وقوله: ﴿ ولله يسجد من في السماوات ﴾ [سورة الرعد: 15] إلى آخرها لا جرم تهيّأ المقام لتقرير المشركين تقريراً لا يجدون معه عن الإقرار مندوحة، ثم لتقريعهم على الإشراك تقريعاً لا يسعهم إلاّ تجرّع مرارته، لذلك استؤنف الكلام وافتتح بالأمر بالقول تنويهاً بوضوح الحجة.
ولكون الاستفهام غير حقيقي جاء جوابه من قِبَل المستفِهم.
وهذا كثير في القرآن وهو من بديع أساليبه، كقوله: ﴿ عم يتساءلون عن النبأ العظيم ﴾ [سورة النبأ: 1 2].
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ﴾ في سورة الأنعام (12).
وإعادة فعل الأمر بالقول في قل أفاتخذتم من دونه أولياء} الذي هو تفريع على الإقرار بأن الله ربّ السماوات والأرض لقصد الاهتمام بذلك التفريع لما فيه من الحجة الواضحة.
فالاستفهام تقرير وتوبيخ وتسفيه لرأيهم بناءً على الإقرار المسلّم.
وفيه استدلال آخر على عدم أهلية أصنامهم للإهلية فإن اتخاذهم أولياء من دونه معلوم لا يحتاج إلى الاستفهام عنه.
وجملة ﴿ لا يملكون ﴾ صفة ل ﴿ أولياء ﴾ ، والمقصود منها تنبيه السامعين للنظر في تلك الصفة فإنهم إن تدبروا علموها وعلموا أن من كانت تلك صفته فليس بأهل لأن يعبد.
ومعنى الملك هنا القدرة كما في قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً ﴾ في سورة العقود (76).
وفي الحديث: أوَ أمْلِك لك أنْ نزع الله من قلبك الرحمة.
وعطف الضر على النفع استقصاء في عجزهم لأن شأن الضرّ أنه أقرب للاستطاعة وأسهل.
قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور} إعادة الأمر بالقول للاهتمام الخاصّ بهذا الكلام لأن ما قبله إبطال لاستحقاق آلهتهم العبادة.
وهذا إظهار لمزية المؤمنين بالله على أهل الشرك، ذلك أن قوله: ﴿ قل من رب السماوات والأرض قل الله ﴾ تضمّن أن الرسول عليه السلام دعا إلى إفراد الله بالربوبية وأن المخاطبين أثبتوا الربوبية للأصنام فكان حالهم وحاله كحال الأعمى والبصير وحال الظلمات والنور.
ونفي التسوية بين الحالين يتضمن تشبيهاً بالحالين وهذا من صيغ التشبيه البليغ.
و ﴿ أم ﴾ للإضراب الانتقالي في التشبيه.
فهي لتشبيه آخر بمنزلة ﴿ أو ﴾ في قول لبيد: أوْ رَجْعُ واشمة أسف نؤورها *** وقوله تعالى: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ .
وأظهر حرف ﴿ هل ﴾ بعد ﴿ أم ﴾ لأن فيه إفادة تحقيق الاستفهام.
وذلك ليس مما تغني فيه دلالة ﴿ أم ﴾ على أصل الاستفهام ولذلك لا تظهر الهمزة بعد ﴿ أم ﴾ اكتفاء بدلالة ﴿ أم ﴾ على تقدير استفهام.
وجمع الظلمات وإفراد النور تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ في أول سورة الأنعام (1).
واختير التشبيه في المتقابلات العَمَى والبصر، والظلمة والنور، لتمام المناسبة لأن حال المشركين أصحاب العمى كحال الظلمة في انعدام إدراك المبصرات، وحال المؤمنين كحال البصر في العلم وكحال النور في الإفاضة والإرشاد.
وقرأ الجمهور تستوى الظلمات} بفوقية في أوله مراعاة لتأنيث الظلمات.
وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف بتحتية في أوله وذلك وجه في الجمع غير المذكر السالم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: طَوْعًا سُجُودُ المُؤْمِنِ، وكَرْهًا سُجُودُ الكافِرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ﴿ طَوْعًا ﴾ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ رَغْبَةً، ﴿ وَكَرْهًا ﴾ مَن دَخَلَ فِيهِ رَهْبَةً بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: ﴿ طَوْعًا ﴾ مَن طالَتْ مُدَّةُ إسْلامِهِ فَألِفَ السُّجُودَ، ﴿ وَكَرْهًا ﴾ مَن بَدَأ بِالإسْلامِ حَتّى يَأْلَفَ السُّجُودَ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
الرّابِعُ: ما قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ أنَّهُ إذا نَزَلَتْ بِهِ المَصائِبُ ذَلَّ، وإذا تَوالَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ مَلَّ.
﴿ وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ يَعْنِي أنَّ ظِلَّ كُلِّ إنْسانٍ يَسْجُدُ مَعَهُ بِسُجُودِهِ، فَظِلُّ المُؤْمِنِ يَسْجُدُ طائِعًا كَما أنَّ سُجُودَ المُؤْمِنِ طَوْعًا، وظِلُّ الكافِرِ يَسْجُدُ كارِهًا كَما أنَّ سُجُودَ الكافِرِ كَرْهًا.
والآصالُ جَمْعُ أصُلٍ، والأصُلُ جَمْعُ أصِيلٍ، والأصِيلُ العَشِيُّ وهو ما بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎ لَعَمْرِي لَأنْتَ البَيْتُ أكْرَمُ أهْلِهِ وأقْعَدُ في أفْيائِهِ بِالأصائِلِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ قال: ظل المؤمن يسجد ﴿ طوعاً ﴾ وهو طائع لله، وظل الكافر يسجد ﴿ كرهاً ﴾ وهو كاره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ قال: أما المؤمن، فيسجد طائعاً.
وأما الكافر، فيسجد كارهاً، يسجد ظله.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: الطائع، المؤمن.
والكاره، ظل الكافر.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: يسجد من في السموات طوعاً، ومن في الأرض، طوعاً وكرهاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: من دخل طائعاً، هذا طوعاً.
وكرهاً: من لم يدخل إلا بالسيف.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن منذر قال: كان ربيع بن خيثم إذا سجد في سجدة الرعد قال: بل طوعاً يا ربنا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وظلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ يعني حين يفيء ظل أحدهم عن يمينه أو شماله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وظلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ قال: ذكر لنا أن ظلال الأشياء كلها تسجد لله، وقرأ ﴿ سجداً لله وهم داخرون ﴾ [ سورة النحل: 48] قال: تلك الظلال تسجد لله.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وظلالهم بالغدوّ والآصال ﴾ قال: ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: إذا طلعت الشمس، يسجد ظل كل شيء نحو المغرب.
فإذا زالت الشمس، سجد ظل كل شيء نحو المشرق حتى تغيب.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ قال: ألا ترى إلى الكافر؟
فإن ظلاله جسده كله أعضاؤه لله مطيعة غير قلبه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ قال المفسرون: المؤمنون والملائكة يسجدون لله تعالى طوعًا، والكافر يسجد كرهًا بالسيف، وهذا معنى قول الحسن (١) (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ يقع على كل من في الأرض من البشر، وليس جميع الكفار يسجدون كرهًا.
واختلفوا في توجيه هذا، فذهب بعضهم إلى التخصيص، حكى ابن الأنباري عن بعض أهل العلم (٦) ﴿ كَرْهًا ﴾ من يسجد لله كرهًا من خوف السيف لا جميع الكفار، من العموم الذي دخله الخصوص، وعليه دل كلام الفراء؛ لأنه قال: ومن أكره (٧) وقال آخرون: يسجد المخلصون لله طوعًا، وبعض المسلمين كرهًا في ابتداء أمره، إلى أن يألف الحق، فعلى هذا لا مدخل للكافرين في الآية، هذا الذي ذكرنا طريقة التخصيص إما بالمسلمين وبعض الكفار، وإما بالمسلمين فقط.
ومن المفسرين من أجراها (٨) ﴿ يَسْجُدُ ﴾ المراد به الإخبار عمن يسجد طوعًا، وأمر بالإكراه على السجود في حكم الكافر، كأنه قال يؤخذون بالسجود كرهًا، ويكرهون عليه، وهذا (٩) (١٠) ﴿ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ ، وقوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، [آل عمران:83] ومضى الكلام في الآيتين.
وقوله تعالى: ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ الكلام في تفسير هذه الألفاظ قد سبق (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال أهل المعاني: سجود الظلال ميلانها ودورانها من جانبها إلى جانب، وطولها بانحطاط الشمس، وقصرها بارتفاع الشمس فهي مستسلمة منقادة، مطيعة بالتسخير، وهي في ذلك تميل من جانب إلى جانب، والميل سجود في اللغة، يقال: سجدت النخلة، إذا مالت (١٥) (١٦) غُلْبٌ سَوَاجِدُ لم يَدْخل بها الحَصَرُ فسجود الظلال تمايلها واستسلامها وانقيادها للتسخير، كأنه قيل: وظلالهم بالغدو والآصال مستسلمة، ودل على هذا قوله: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ (١) أخرج أبو الشيخ نحوه كما في "الدر" 4/ 102، والقرطبي 9/ 301.
(٢) الطبري 13/ 131، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 102، والقرطبي 9/ 301.
(٣) الطبري 13/ 131، "زاد المسير" 4/ 318.
(٤) "معاني القرآن" 2/ 61.
(٥) في (ب): (ورغبة) بزيادة واو.
(٦) قال بهذا القول الثعلبي 7/ 130 أ، والطبري 13/ 131، وهذا الراجح والله أعلم.
(٧) في (أ): (أكر) بغير هاء.
(٨) في (ب): (أجرها) من غير ألف.
(٩) (وهذا) ساقط من (أ)، (ج).
(١٠) "زاد المسير" 4/ 319.
(١١) عند قوله تعالى: ﴿ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ .
(١٢) الطبري 13/ 131، وابن المنذر كما في "الدر" 4/ 101، والثعلبي 7/ 130 أ، والقرطبي 9/ 302.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 144.
(١٤) القرطبي 9/ 302، والرازي 19/ 25، و"البحر" 6/ 369.
(١٥) مكرر في (أ)، (ج).
(١٦) عجز بيت، وصدره: بين الصفا وخليج العين ساكنة= "ديوانه" ص 60، و"تاج العروس" (سجد) 5/ 7، و"تأويل مشكل القرآن" ص 416، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941، و"تهذيب اللغة" 2/ 1631 (سجد)، و"المخصص" 11/ 113.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السموات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ من لا تقع إلا على من يعقل، فهي هنا يراد بها الملائكة والإنس والجن، فإذا جعلنا السجود بمعنى الانقياد لأمر الله وقضائه؛ فهو عام في الجميع: من شاء منهم ومن أبى، ويكون طوعاً لمن أسلم وكرها لمن كره وسخط، وإن جعلنا السجود هو المعروف بالجسد، فيكون لسجود الملائكة والمؤمنين من الإنس والجن طوعاً، وأما الكره فهو سجود المنافق وسجود ظل الكافر ﴿ وظلالهم ﴾ معطوف على من والمعنى أن الظلال تسجد غدوة وعشية، وسجودها انقيادها للتصرف بمشيئة الله سبحانه وتعالى ﴿ قُلِ الله ﴾ جواب عن السؤال المتقدم، وهو من رب السموات والأرض، وإنما جاء الجواب والسؤال من جهة واحدة، لأنه أمر واضح لا يمكن جحده ولا المخالفة فيه، ولذلك أقام به الحجة على المشركين بقوله: ﴿ أفاتخذتم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير ﴾ الأعمى تمثيل للكافر، والبصير تمثيل للمؤمن ﴿ الظلمات ﴾ الكفر ﴿ والنور ﴾ الإيمان، وذلك كله على وجه التشبيه والتمثيل ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ ﴾ أم هنا بمعنى بل والهمزة، وخلقوا صفة لشركاء والمعنى: أن الله وقفهم سألهم هل خلق شركاؤهم خلقاً كخلق الله، فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهاً غير الله؟
ثم أبطل ذلك بقوله: ﴿ قُلِ الله خالق كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فحصل الردّ عليهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كباسط ﴾ مثل ﴿ بسطة ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ أم هل يستوي ﴾ بيان تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل: الآخرون بتاء التأنيث.
﴿ يوقدون ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ وإما للمكلفين على العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق الكلام.
الوقوف: ﴿ الثقال ﴾ ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ ﴿ من خيفته ﴾ ج لذلك ﴿ في الله ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ المحال ﴾ ه ط للآية وانقطاع النظم ﴿ دعوة الحق ﴾ ط ﴿ يبالغه ﴾ ط ﴿ ضلال ﴾ ه ﴿ والآصال ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل الله ﴾ ط ﴿ ولا ضراً ﴾ ط ﴿ والبصير ﴾ ه ط للعطف ﴿ والنور ﴾ ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلاً عن الأوّل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ رابياً ﴾ ط ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ والباطل ﴾ ط ﴿ جفاء ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع كون "أما" للتفصيل ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمثال ﴾ ه ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ لافتدوا به ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هو أعمى ﴾ ط ﴿ الألباب ﴾ ه لا ﴿ الميثاق ﴾ ط للعطف ﴿ سوء الحساب ﴾ ه ط ﴿ الدار ﴾ ه لأن قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ بدل من ﴿ عقبى ﴾ ﴿ من كل باب ﴾ ه ج لحق المحذوف أي قائلين.
﴿ عقبى الدار ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ لا ﴿ سوء الدار ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ متاع ﴾ ز ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بذكر الله ﴾ الأوّل ط ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.
التفسير: لما خوّف عباده بإنزال ما لا مردَّ له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة.
وقد مر في أوّل سورة البقرة تفسير هذه الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطعماً ﴾ إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع.
وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل كما هو شرط نصب المفعول له.
ومعنى الخوف والطمع من وقوع الصواعق والطمع في نزول الغيث.
وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له فيه نفع.
وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب.
فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد.
وعن الحسن.
خلق الله ليس بملك.
وعن النبي : "إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق" .
وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصاً عند من لا يجعل البنية شرطاً في الحياة.
وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجلين للمطر حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله.
وعن علي : سبحان من سبحت له.
وكان رسول الله يقول إذا اشتد الرعد: "اللَّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .
وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود إله قهار كقوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
قال في الكشاف: ومن بدع المتصوّفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم.
والمطر بكاؤهم.
أما قوله: ﴿ والملائكة من خيفته ﴾ أي ويسبح الملائكة من هيبته وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه جعل له أعواناً.
قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم فإن أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء.
وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا هو المراد بالملائكة في الآية.
قوله: ﴿ ويرسل الصواعق ﴾ قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوّة شديدة فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان.
ووجه الاستدلال بها على الصانع أن النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر المختار وتسخيره.
ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: ﴿ والله يعلم ﴾ ودلائل كمال القدرة في هذه الآية قال: ﴿ وهم يجادلون في الله ﴾ لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم ويؤكده ما روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله فقال رجل من أصحابه.
يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك.
فقال: دعه فإن يردِ الله به خيراً يهده.
فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت.
فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم.
قال تجعل لي الأمر بعدك.
قال: لا ليس ذلك إليّ إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر.
قال: لا.
قال: فماذا تجعل لي؟
قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.
قال: أوليس ذلك إليّ اليوم؟
وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف.
فجعل يخاصم رسول الله ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار أربد خلف النبي ليضربه فاخترط من سيفه شبراً ثم حبسه الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللَّهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وولى عامر هارباً وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلاً جرداً وفرساناً مرداً.
فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة - يريد الأوس والخزرج - فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إليّ محمد وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدّة كغدة البعير وموت في بيت السلولية؟
ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية في هذه القصة.
قوله: ﴿ وهو شديد المحال ﴾ معناه شديد المكر والكيد لأعدائه، والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه الحديث: "اللَّهم اجعله - أي القرآن - لنا شافعاً مشفعاً ولا تجعله علينا ماحلاً مصدّقاً" .
ومن سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها.
وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوّة.
أبو عبيدة: شديد العقوبة.
الحسن: شديد النقمة.
وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على الأصنام بالبطلان فقال: ﴿ له دعوة الحق ﴾ فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه يدعى فيستجيب الدعوة إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع بخلاف ما لا فائدة في دعائه.
وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي في الكافرين حين دعا عليهما.
وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله.
وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق والصدق وقد سلف تحقيق الحق في أوّل هذا الكتاب في تفسير البسملة.
﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي الآلهة الذين يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله.
﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إلا استجابة كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر به.
والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في دعاء الجماد.
وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشراً أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته.
ثم أكد خيبتهم بقوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلى في ضلال ﴾ في ضياع وذهاب عن المنفعة لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع أجابتهم.
ثم زاد في الثناء فقال: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فإن كان السجود بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له ﴿ طوعاً ﴾ أي بسهولة ونشاط ﴿ وكرهاً ﴾ أي على تعب واصطبار ومجاهدة.
وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض ﴾ وقد مر في "آل عمران" أما قوله: ﴿ وظلالهم ﴾ فقد قال جمع المفسرين.
كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاماً تسجد بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاماً حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن يسجد لله طوعاً وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرهاً ويسجد لله طوعاً.
وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح لله لها في الأحوال.
وتخصيص الغدوّ والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين.
ومعنى الغدّو والآصال قد مر في آخر "الأعراف".
واعلم أنه ذكر آية السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة ﴾ لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة.
وقال في "الحج" ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض ﴾ بتكرير "من" لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر ﴿ من في السموات ﴾ تعظيماً لهم ولها وذكر ﴿ من في الأرض ﴾ لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم.
وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعاً ولم يذكر من فيها استخفافاً بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردّاً على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قل من رب السموات والأرض قل الله ﴾ وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟
فإذا قال هذا قولي قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافاً منه يقول له: فيلزمك على هذا القول كيت وكيت وذلك قوله: ﴿ قل أفاتخذتم ﴾ ويجوز أن يكون تلقيناً لما ليسوا منكرين له.
والهمزة في ﴿ أفاتخذتم ﴾ للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم ﴿ من دونه أولياء ﴾ جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضارّ لأنفسهم فضلاً عن غيرهم.
وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالتهم بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساوياً لنقيضه فقال: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد.
ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: ﴿ أم جعلوا ﴾ والمراد بل جعلوا ﴿ لله شركاء ﴾ خالقين مثل خلقه ﴿ فتشابه الخلق ﴾ أي خلق الله وخلقهم ﴿ عليهم ﴾ أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر عليهم بل ليس لهم خلق أصلاً بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ﴿ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ﴾ المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب وما عداه مربوب ومقهور.
قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله منزه عن ذلك.
وأجيب بأن المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد كالتحريك مثلاً واقعاً بقدرته لكان مثلاً للتحريك الواقع بقدرة الله وهذا الإشكال وارد أيضاً على من يثبت للعبد كسباً.
ثم ضرب مثلاً آخر للحق وذويه والباطل ومنتحليه فقال: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل.
وقيل: الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه.
قال الفارسي: لا نعلم فاعلاً جمع على "أفعلة" إلا هذا وكأنه حمل على "فعيل" فجمع على "أفعلة" كجريب وأجربة كما أن فعيلاً حمل على فاعل فجمع على "أفعال" مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.
وقال غيره: نظير وادٍ وأودية نادٍ وأندية.
ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
قال في الكشاف: معنى ﴿ بقدرها ﴾ بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي قل الماء وإن استع كثر الماء.
والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل ونحوه.
ومعنى ﴿ رابياً ﴾ قال الزجاج: طافياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد.
ثم قال إظهاراً للكبرياء كما هو ديدن الملوك ﴿ ومما يوقدون عليه ﴾ "من" لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.
أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد مثله أراد به الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية.والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر في قوله: { ﴿ أوقد لي ياهامان على الطين ﴾ والثاني أن يكون في النار كأنواع الفلز ولهذا قال ههنا بزيادة لفظة ﴿ في النار ﴾ قال في الكشاف: فائدة قوله ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مثل فائدة قوله ﴿ بقدرها ﴾ لأنه جميع بين لماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ أي وأما ما ينفعهم به من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها والمتاع كل ما تمتع به.
﴿ وكذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام بأن حذف الأمثال من الأوّل والحق والباطل من الثاني تأكيداً للمقصود مع رعاية الاختصار.
ثم شرع في تتميم المثل قائلاً ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ نصب على الحال وهو اسم لما ينفيه السيل.
يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان ﴿ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾ حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة.
وتطبيق المثل على الحق والباطل أنه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر استعداده.
ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع به.
ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال ﴿ للذين استجابوا لربهم ﴾ أي فيما دعاهم إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف ﴿ الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده.
وقيل: إن الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين.
وقوله: ﴿ الحسنى ﴾ صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى.
وقوله: ﴿ لو أن لهم ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدّ لغير المستجيبين ومن ذلك قوله ﴿ أولئك لهم سوء الحساب ﴾ قال الزجاج: لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه.
وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شيء.
وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم الحس.
﴿ ومأواهم جهنم ﴾ لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق.
ثم أنكر بعد هذه البيانات أن يسوّى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ﴿ أفمن يعلم أنما ﴾ أي أن الذي ﴿ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ﴾ القلب ﴿ إنما يتذكر ﴾ أي لا ينتفع بالأمثال إلا ﴿ أولوا الألباب ﴾ الذي يعبرون من القشر إلى الباب.
ثم وصفهم بقوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على الندح وأن يكون مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ أما عهد الله فعن ابن عباس: هو المذكور في قوله: ﴿ وإذا أخذ ربك من بني آدم ﴾ وقيل: هو كل ما قام عليه دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه.
وقيل: الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض الميثاق أراد به ما التزمه العبد بالنذر.
وقيل: الوفاء بالعهد عهد الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، والوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها قال : "من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق" ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر فقيل: المراد صلة الرحم.
وقيل: هو مؤازة النبي ومعاونته ونصرته في الجهاد.
وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاج ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وإن أتوا بكل ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفاً من وعيده كله ﴿ ويخافون ﴾ خصوصاً ﴿ سوء الحساب ﴾ ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ومن ذلك خشية الملائكة ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ﴾ وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ ويخشون ربهم ﴾ وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو نقصان ثوابها.
وإليه الإشارة بقوله: ﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ .
﴿ والذين صبروا ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ لا لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا بالقدر والقضاء.
وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان وفيضان أنوار المعروف عليه.
﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: "ما زال العبد يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبه" .
﴿ وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ﴾ يتناول النفل لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ﴿ ويدرءُون بالحسنة السيئة ﴾ أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية.
قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها" وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا قطعوا وصلوا.
وعن ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم.
يروى أن شقيق ابن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكراً فقال: من أين أتيت؟
قال: من بلخ.
فقال: وهل تعرف شقيقاً؟
فقال: نعم.
فقال: كيف طريقة أصحابه؟
فقال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا.
وقيل مراد الآية أنهم إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة التي أرادها الله أن تكون مرجع أهلها.
والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة.
ومعنى ﴿ جنات عدن ﴾ تقدم في سورة براءة ﴿ ومن صلح ﴾ معطوف على فاعل ﴿ يدخلونها ﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً معه.
قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم.
وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة.
قال الواحدي: والأول أصح لأن الله جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعاً في الجنة ولا يجتمعون في موضع.
ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام على الخاص فصح اعتراض الواحدي.
والآباء جميع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم.
وليس في الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل من مات عنها أو ماتت عنه ويؤيده ما روي عن سودة أنه لما هم رسول الله بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في زمرة نسائك.
قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوّفة فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم عليكم بما صبرتم على أمر الله.
وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبوب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى.
وهذا يناسب قول حكماء الإسلام إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات جوهراً قدسياً وروحاً علوياً يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس.
وقد يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين موجباً لتحيتهم وإكرامهم.
ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: ﴿ بما صبرتم ﴾ يتعلق بالسلام.
والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات.
وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم.
وروي عن النبي أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أوّل "البقرة" على أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفاً.
وقوله: ﴿ سوء الدار ﴾ في مقابلة ﴿ عقبى الدار ﴾ كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله { ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة.
وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا ا لإضمار بناء على ما قلنا.
قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ والمراد أن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر خليّ البال والعالم المؤمن رديّ الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان.
والتركيب للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة و ﴿ يقدر ﴾ أي يضيق ومعناه أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء ﴿ وفرحوا ﴾ يعني أهل مكة وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهاراً لفضله عليهم ﴿ وما الحياة الدنيا ﴾ ونعيمها في جنب نعيم الآخرة ﴿ إلا متاع ﴾ شيء نزر يتمتع به أياماً قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوّزه.
ثم حكى نوعاً آخر من قبائح الكفرة فقال: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر مثله في هذه السورة وذكرنا أنه ليس بتكرار محض إلا أن قوله في جوابهم ﴿ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ﴾ أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض.
وأجيب بأنه يجري مجرى التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعدما أنزلت من الآيات الباهرة أن الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحراً، والذي هداه يراها معجزة.
وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ويهدي إليه أقواماً آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم إلى الصواب بإنزال ما اقترحتموه.
وقيل: المراد أنه أنزل آيات ظاهرة ولكن الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ﴿ الذين آمنوا ﴾ بدل ممن أناب ﴿ وتطمئن قلوبهم ﴾ عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت.
والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من آيات الوعيد حيث قال ﴿ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ أو المراد أن علمهم بكون القرآن معجزاً يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه واحد لا شريك له صادق في وعده ووعيده وبأن محمداً نبي حق ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ التحقيق فيه أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين وقع: أنا الغريق فما خوفي من البلل *** وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على النحاس انقلب ذهباً صافياً باقياً على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في القلب السليم كيف لا يقلبه جوهراً صافياً نورانياً آمناً من التغير والزوال ﴿ الذين آمنوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ طوبى لهم ﴾ وجوّز في الكشاف أن يكون بدلاً على حذف المضاف أي قلوب الذين آمنوا.
و ﴿ طوبى ﴾ مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل "سقيا لك".
والمعنى طيب لهم على الدعاء أو الخبر.
عن ابن عباس: فرح وقرة عين.
الضحاك: غبطة لهم.
قتادة: حسنى لهم.
الأصم: خير وكرامة.
الزجاج: عيش طيب.
والكل متقارب والعبارة الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
وقيل: طوبى شجرة في الجنة.
حكى الأصم أن أصلها في دار النبي وفي دار كل مؤمن منها غصن.
روي عن رسول الله أنه قال: "طوبى شجرة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة" وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع.
التأويل: ﴿ هو الذي يريكم ﴾ برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس ﴿ وينشىء السحاب ﴾ النوال والأفضال ﴿ الثقال ﴾ بمطر القبول والإقبال ﴿ ويسبح الرعد ﴾ وهو الملك المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر ﴿ فيصيب بها من يشاء ﴾ من أهل الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان.
ومن نتائج ذلك أنهم يجادلون في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرئع، وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع ﴿ له دعوة الحق ﴾ أي دعوته حق لمن دعاه فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين له دعاة يدعون الخلق بالحق إلى الحق ﴿ والذين يدعون من دونه ﴾ أي بغير الحق ﴿ لا يستجيبون لهم بشيء ﴾ إذ لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد شربه ﴿ وما هو ببالغه ﴾ فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: ﴿ وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء والصلحاء ﴿ طوعاً ﴾ ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ﴿ كرهاً ﴾ بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير ﴿ وظلالهم ﴾ أي نفوسهم فإن النفوس ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب فإنها تسجد بتبعية الروح.
معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات القلوب والأرواح والعقول، طوعاً ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى الحيوانية والسبعية والشيطانية كرهاً، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها.
آخر: ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء القلوب ماء المحبة.
﴿ فسالت أودية ﴾ النفوس ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأخلاق الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنواع الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ القلوب ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من الأوصاف البشرية، أو أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال ﴿ فسالت أودية ﴾ الأرواح ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابياً ﴾ من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات الألوهية ﴿ فسالت أودية ﴾ الأسرار بقدرها ﴿ فاحتمل السيل ﴾ زبد الوجود المجازي ﴿ ومما توقدون عليه ﴾ من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ﴿ ابتغاء حلية ﴾ وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ﴿ أو متاع ﴾ وهو التمتع به ﴿ زبد مثله ﴾ مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ﴿ فأما الزبد ﴾ في الأحوال كلها ﴿ فيذهب جفاء ﴾ بالفناء ﴿ وأما ما ينفع الناس ﴾ من البقاء بالله ﴿ فيمكث في ﴾ أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي.
﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى ﴾ وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها كقوله: ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ﴿ والذين لم يستجيبوا له ﴾ حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ أي انفصلوا عما سواه ليتصلوا به ﴿ سراً ﴾ بالانقطاع عما يشغل بواطنهم ﴿ وعلانية ﴾ بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ﴿ ويدرءُون ﴾ بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب الأحوال السيئة من الوقائع والفترات ﴿ والملائكة يدخلون عليهم ﴾ تبركاً وتيمناً بهم تبعاً لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ عن غير الله وعلى صدق الطلب ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم المذنب كقوله: ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً ﴾ فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئنانه بذكر الله كما في الآية.
وقلب وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول الخليل ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ أي بتجلي صفات الأحياء، وإذا صار القلب مطمئناً انعكس نور الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضاً فيستحق بجذبات العناية لخطاب ﴿ ارجعي ﴾ ثم أشار إلى أنّ الاطمئنان ثمرة غرس شجرة الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: ﴿ الذين آمنوا ﴾ الآية.
فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة " لا إله إلا الله" مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا قال : "طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة" فافهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .
أي: مخوفاً ومطمعاً أو ما تخافون وتطمعون.
وقال أهل التأويل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.
وقيل: خوفاً لأهل البنيان؛ وطمعاً لأهل الأنزال.
وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه.
ويحتمل وجهاً آخر في قوله: ﴿ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ أي: يريكم خوفاً موعوداً وطمعاً موعوداً؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها ناراً؛ ألا ترى أنه إذا اشتد خيف على من أصابه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ .
[قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء.
قال أبو عوسجة: ﴿ وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ﴾ ] يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمّى الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ الله الخلق أي: خلقهم، نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا.
والله أعلم.
﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ .
اختلف في الرعد والبرق: قال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ صوته تسبيحه.
وعلى ذلك روي عن ابن عباس - - قال: "أقبلت يهود إلى النبي ؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟
قال: ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟
قال: زجرة السحاب إذا زجره؛ حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" .
فإن ثبت هذا؛ فهو هو.
وعن علي - - "أنه سئل عن [البرق والرعد]؟
فقال: الرعد: الملك، والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد" .
وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذت سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق.
وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذاً صوتت؛ فذلك صوتها.
وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر يحك الحجر.
وقال بعضهم من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه فذلك الصوت منه.
وأي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل شيء؛ على ما أخبر الله - عز وجل - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة [منشئه من] كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته.
ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه الخلق.
وعن أبي سعيد الخدري - - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق صوته الذي يزجي به السحاب.
قيل: أمثال هذا كثير، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك.
وقوله: ﴿ وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، وما ذكروا من سلطانه وعظمته، ﴿ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾ أي: تسبيح الملائكة من خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة الله وسلطانه، فذلك الثناء عليه والملائكة يسبحونه فيما بينهم وبين ربهم، فلم [يذكر فيهم] التسبيح؛ بحمده، وذكر في الرعد والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين: أحدهما: خوفاً من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية.
والثاني: [خوف] رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن الله وصفهم بالطاعة له والاستسلام، كقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 19] ونحو ذلك.
ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ ﴾ قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وقيل: هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار "أن رجلاً أتى النبي فسأله عن شيء من أمر الرب فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل ﴿ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ " .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ أي: في توحيد الله؛ لأن أهل الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد الله وألوهيته وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ قال بعضهم: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: شديد الأخذ.
وقال القتبي: ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ﴾ من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون به.
وقال أبو عوسجة: المحال عندي من المكر.
وقال أبو عوسجة: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر الله، ويقال عقبته أي: حفظته، وأما قوله ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ أي: لا رادّ لحكمه قال ويقال في غير هذا أعقب فلان فلاناً، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء.
وقال القتبي: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله.
وقوله: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ وذلك جائز في اللغة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق [له] ليس لمن دونه.
والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة من دعا بالحق.
فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: له إجابة دعوة من دعا بالحق والله أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من عبد دونه ودعي دونه لا يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ﴾ أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر ﴿ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾ وهو ضرب مثل من يدعو من دون الله كباسط كفيه إلى الماء هو - والله أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو الأصنام لا يملكون إجابته، والله أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل أن من عبد دون الله أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على بعد من الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون الله إلى ما يأمل ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ أي: دعاؤهم وعبادتهم لا يعقب لهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَسْجُدُ ﴾ على حقيقة السجود يسجد له المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع.
ويحتمل ما ذكر من السجود وجوهاً: أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة.
والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل الله في خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته.
والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر يكون سجوده لله اختيارا وطوعا حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ .
أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل.
ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي الروح وغير ذي الروح.
﴿ وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ أي: ظلالهم تخضع له أيضاً بالغدو والآصال.
ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد.
فإن قيل: ما معنى الغدوّ والآصال؟
قيل: يحتمل: أبداً دائماً: ليس على مراد الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها.
<div class="verse-tafsir"
ولله وحده يخضع بالسجود جميع من في السماوات ومن في الأرض، يستوي في ذلك المؤمن والكافر، غير أن المؤمن يخضع له ويسجد طوعًا، وأما الكافر فيخضع له كرهًا، وتملي عليه فطرته أن يخضع له طوعًا، وله ينقادُ ظِلُّ كل ما له ظل من المخلوقات أول النهار وآخره.
<div class="verse-tafsir" id="91.arvMN"