الآية ٧ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٧ من سورة الرعد

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧ من سورة الرعد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى إخبارا عن المشركين أنهم يقولون كفرا وعنادا : لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون ، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن يزيل عنهم الجبال ، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا ، قال الله تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [ الإسراء : 59 ] .

قال الله تعالى : ( إنما أنت منذر ) أي : إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها ، ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) [ البقرة : 272 ] .

وقوله : ( ولكل قوم هاد ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، أي : ولكل قوم داع .

وقال العوفي ، عن ابن عباس في تفسيرهما : يقول الله تعالى : أنت يا محمد منذر ، وأنا هادي كل قوم ، وكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك .

وعن مجاهد : ( ولكل قوم هاد ) أي : نبي .

كما قال : ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) [ فاطر : 24 ] وبه قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد .

وقال أبو صالح ، ويحيى بن رافع : ( ولكل قوم هاد ) أي : قائد .

وقال أبو العالية : الهادي : القائد ، والقائد : الإمام ، والإمام : العمل .

وعن عكرمة ، وأبي الضحى : ( ولكل قوم هاد ) قالا هو محمد [ رسول الله ] صلى الله عليه وسلم .

وقال مالك : ( ولكل قوم هاد ) من يدعوهم إلى الله ، عز وجل .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثني أحمد بن يحيى الصوفي ، حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري ، حدثنا معاذ بن مسلم بياع الهروي ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : لما نزلت : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) قال : وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره ، وقال : " أنا المنذر ، ولكل قوم هاد " .

وأومأ بيده إلى منكب علي ، فقال : " أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون من بعدي " .

وهذا الحديث فيه نكارة شديدة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا المطلب بن زياد ، عن السدي ، عن عبد خير ، عن علي : ( ولكل قوم هاد ) قال : الهادي : رجل من بني هاشم .

قال الجنيد هو علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس ، في إحدى الروايات ، وعن أبي جعفر محمد بن علي ، نحو ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (ويقول الذين كفروا) يا محمد، من قومك(لولا أنـزل عليه آية من ربه) هلا أنـزل على محمد آية من ربه؟

(6) يعنون علامةً وحجةً له على نبوّته (7) وذلك قولهم: لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [سورة هود: 12] يقول الله له: يا محمد (إنما أنت منذر) لهم, تنذرهم بأسَ الله أن يحلّ بهم على شركهم (8) .(ولكل قوم هاد) .

يقول ولكل قوم إمام يأتمُّون به وهادٍ يتقدمهم, فيهديهم إما إلى خيرٍ وإما إلى شرٍّ .

* * * وأصله من " هادي الفرس ", وهو عنقه الذي يهدي سائر جسده .

(9) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعنيِّ بالهادي في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

*ذكر من قال ذلك: 20138- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: (ويقول الذين كفروا لولا أنـزل عليه آية من ربه) هذا قول مشركي العرب قال الله: (إنما أنت منذر ولكلّ قوم هاد) لكل قوم داعٍ يدعوهم إلى الله .

20139- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع.

عن سفيان.

عن السدي.

عن عكرمة ومنصور, عن أبي الضحى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) قالا محمد هو " المنذر " وهو " الهاد " .

20140- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان, عن السدي, عن عكرمة, مثله .

20141- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سفيان, عن أبيه, عن عكرمة, مثله .

* * * وقال آخرون: عنى بـ" الهادي" في هذا الموضع: الله .

*ذكر من قال ذلك: 20142- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) قال: محمد " المنذر ", والله " الهادي" .

(10) 20143- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (وإنما أنت منذر ولكل قوم هاد) قال محمد " المنذر ", والله " الهادي" .

20144- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا الأشجعي, عن سفيان, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير: (إنما أنت منذر) قال: أنت يا محمد منذر, والله " الهادي" .

20145- حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن عبد الملك, عن قيس, عن مجاهد في قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ، قال: " المنذر "، النبي صلى الله عليه وسلم(ولكل قوم هاد) قال: الله هادي كل قوم .

20146- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) يقول: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم .

20147- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ،" المنذر ": محمد صلى الله عليه وسلم, و " الهادي": الله عز وجل .

* * * وقال آخرون: " الهادي" في هذا الموضع معناه نبيٌّ .

*ذكر من قال ذلك: 20148- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد قال: " المنذر " محمد صلى الله عليه وسلم .(ولكل قوم هاد) قال: نبيٌّ .

20149- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهدٍ في قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) قال: نبيٌّ .

20150- ............

قال: حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد, عن عبد الملك, عن قيس, عن مجاهد, مثله .

20151- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا أسباط بن محمد, عن عبد الملك, عن قيس, عن مجاهد, في قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ، قال: لكل قوم نبي, والمنذر: محمد صلى الله عليه وسلم .

20152- .........

قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثني عبد الملك, عن قيس, عن مجاهد, في قول الله: (ولكل قوم هاد) قال: نبيّ .

20153- .........

قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (ولكل قوم هاد) يعني: لكل قوم نبيّ .

20154- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (ولكل قوم هاد) قال: نبيّ .

20155- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ولكل قوم هاد) قال: نبيّ يدعوهم إلى الله .

20156- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ولكل قوم هاد) قال: لكل قوم نبيّ." الهادي" ، النبي صلى الله عليه وسلم, و " المنذر " أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم .

وقرأ: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ [سورة فاطر: 24] ، وقال: نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى [سورة النجم: 56] قال: نبي من الأنبياء .

* * * وقال آخرون، بل عني به: ولكل قوم قائد .

*ذكر من قال ذلك: 20157- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا جابر بن نوح, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ، قال: إنما أنت، يا محمد، منذر, ولكل قوم قادة .

20158- .........

قال: حدثنا الأشجعي قال: حدثني إسماعيل أو: سفيان, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح: (ولكل قوم هاد) قال: لكل قوم قادة .

20159- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) قال: " الهادي": القائد, والقائد: الإمام, والإمام: العمل .

20160- حدثني الحسن قال: حدثنا محمد, وهو ابن يزيد عن إسماعيل, عن يحيى بن رافع, في قوله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) قال: قائد .

* * * وقال آخرون: هو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه .

*ذكر من قال ذلك: 20161- حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري قال: حدثنا معاذ بن مسلم,بيّاع الهرويّ، عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: لما نـزلت (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) ، وضع صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر(ولكل قوم هاد), وأومأ بيده إلى منكب عليّ, فقال: أنت الهادي يا عليّ, بك يهتدي المهتدون بَعْدي (11) .

* * * وقال آخرون: معناه: لكل قوم داع .

*ذكر من قال ذلك: 20162- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (ولكل قوم هاد) ، قال: داع .

* * * وقد بينت معنى " الهداية ", وأنه الإمام المتبع الذي يقدُم القوم .

(12) فإذ كان ذلك كذلك, فجائز أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خلَقه ويتَّبع خلقُه هداه ويأتمون بأمره ونهيه.

وجائز أن يكون نَبِيَّ الله الذي تأتمُّ به أمته.

وجائز أن يكون إمامًا من الأئمة يُؤْتَمُّ به، ويتّبع منهاجَه وطريقته أصحابُه.

وجائزٌ أن يكون داعيًا من الدعاة إلى خيرٍ أو شرٍّ .

وإذ كان ذلك كذلك, فلا قول أولى في ذلك بالصواب من أن يقال كما قال جل ثناؤه: إن محمدًا هو المنذر من أرسل إليه بالإنذار, وإن لكل قوم هاديًا يهديهم فيتّبعونه ويأتمُّون به .

---------------------- الهوامش : (6) انظر تفسير" لولا" فيما سلف 15 : 205 ، تعليق (1) : والمراجع هناك ثم 15 : 210 .

(7) انظر تفسير الآية" فيما سلف من فهارس اللغة ( أبى ) .

(8) انظر تفسير" الإنذار" فيما سلف من فهارس اللغة نذر .

(9) انظر تفسير" الهادي" فيما سلف 2 : 293 .

(10) الأثر : 20142 - سقط آخر الخبر من المخطوطة ، وقف عند قوله :" هاد" ، وكأنه أتمه من الذي يليه .

(11) الأثر : 20161 -" أحمد بن يحيى الصوفي" ، شيخ الطبري ، ثقة ، مضى برقم : 779 و" الحسن بن الحسين الأنصاري ، العرني" ، كأنه قيل له" العرني" ، لأنه كان يكون في مسجد" حبة العرني" .

كان من رؤساء الشيعة ، ليس بصدوق ، ولا تقوم به حجة .

وقال ابن حبان :" يأتي عن الأثبات بالملزقات ، ويروي المقلوبات والمناكير" .

مترجم في ابن أبي حاتم 1 / 2 / 6 ، وميزان الاعتدال 1 : 225 ، ولسان الميزان 2 : 198 .

و" معاذ بن مسلم بياع الهروي" ، لم يذكر بهذه الصفة" بياع الهروي" في غير التفسير ، و" الهروي" ثياب إلى هراة .

وجعلها في المطبوعة :" حدثنا الهروي" ، فأفسد الإسناد إفسادًا و" معاذ بن مسلم" مجهول ، هكذا قال ابن أبي حاتم ، وهو مترجم في ابن أبي حاتم 4 / 1 / 248 ، وميزان الاعتدال 3 : 178 ، ولسان الميزان 6 : 55 .

وهذا خبر هالك من نواحيه ، وقد ذكره الذهبي وابن حجر في ترجمة" الحسن بن الحسين الأنصاري" قالا بعد أن ساقا الخبر بإسناده ولفظه ، ونسبته لابن جرير أيضًا :" معاذ نكرة ، فلعل الآفة منه" ، وأقول : بل الآفة من كليهما : الحسن بن الحسين ، ومعاذ بن مسلم .

(12) انظر ما سلف ص : 353 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويقول الذين كفروا لولا أي هلا " أنزل عليه آية من ربه " .

لما اقترحوا الآيات وطلبوها قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : " إنما أنت منذر " أي معلم .

" ولكل قوم هاد " أي نبي يدعوهم إلى الله .

وقيل : الهادي الله ; أي عليك الإنذار ، والله هادي كل قوم إن أراد هدايتهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ويقترح الكفار عليك من الآيات، التي يعينونها ويقولون: { لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } ويجعلون هذا القول منهم، عذرا لهم في عدم الإجابة إلى الرسول، والحال أنه منذر ليس له من الأمر شيء، والله هو الذي ينزل الآيات.

وقد أيده بالأدلة البينات التي لا تخفى على أولي الألباب، وبها يهتدي من قصده الحق، وأما الكافر الذي -من ظلمه وجهله- يقترح على الله الآيات فهذا اقتراح منه باطل وكذب وافتراء فإنه لو جاءته أي آية كانت لم يؤمن ولم ينقد؛ لأنه لم يمتنع من الإيمان، لعدم ما يدله على صحته وإنما ذلك لهوى نفسه واتباع شهوته { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } أي: داع يدعوهم إلى الهدى من الرسل وأتباعهم، ومعهم من الأدلة والبراهين ما يدل على صحة ما معهم من الهدى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ) أي : على محمد صلى الله عليه وسلم ( آية من ربه ) أي : علامة وحجة على نبوته ، قال الله تعالى : ( إنما أنت منذر ) مخوف ( ولكل قوم هاد ) أي : لكل قوم نبي يدعوهم إلى الله تعالى .

وقال الكلبي : داع يدعوهم إلى الحق أو إلى الضلالة .

وقال عكرمة : الهادي محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول : إنما أنت منذر وأنت هاد لكل قوم ، أي : داع .

وقال سعيد بن جبير : الهادي هو الله تعالى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويقول الذين كفروا لولا» هلا «أنزل عليه» على محمد «آية من ربه» كالعصا واليد والناقة، قال تعالى: «إنما أنت منذر» مخوِّف الكافرين وليس عليك إتيان الآيات «ولكل قوم هاد» نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويقول كفار "مكة": هلا جاءته معجزة محسوسة كعصا موسى وناقة صالح، وليس ذلك بيدك -أيها الرسول- فما أنت إلا مبلِّغ لهم، ومخوِّف مِن بأس الله.

ولكل أمة رسول يرشدهم إلى الله تعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - لوناً آخر من رذائلهم ، وهو عدم اعتدادهم بالقرآن الكريم ، الذى هو أعظم الآيات والمعجزات فقال - تعالى - : ( وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ .

.

.

)و ( لولا ) هنا حرف تحضيض بمعنى هلا .ومرادهم بالآية : معجزة كونية كالتى جاء بها موسى من إلقائه العصى فإذا هى حية تسعى ، أو كالتى جاء بها عيسى من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله ، أو كما يقترحون هم من جعل جبل الصفا ذهباً .

.

.لأن القرآن - فى زعمهم - ليس كافياً لكونه معجزة دالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - .أى : ويقول هؤلاء الكافرون الذين عموا وصموا على الحق واستعجلوا العذاب .

هلا أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - آية أخرى غير القرآن الكريم تدل على صدقه .ولقد حكى القرآن مطالبهم المتعنتة فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً .

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً .

.

.

) وقد رد الله - تعالى - عليهم ببيان وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال ( إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ .

.

.

) .أى : أن وظيفتك - أيها الرسول الكريم - هى إنذار هؤلاء الجاحدين بسوء المصير ، إذا ما لجوا فى طغيانهم ، وأصروا على كفرهم وعنادهم وليس من وظيفتك الإِتيان بالخوارق التى طلبوها منك .وإنما قصر - سبحانه - هنا وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - على الإِنذار ، لأنه هو المناسب لأحوال المشركين الذين أنكروا كون القرآن معجزة .وقوله ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) أى : ولكل قوم نبى يهديهم إلى الحق والرشاد بالوسلة التى يراها مناسبة لأحوالهم ، وأنا - أيها الرسول الكريم - قد جئتهم بهذا القرآن الكريم الهادى للتى هى أقوم .

والذى هو خير وسيلة لإِرشاد الناس إلى ما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم .قال الشيخ القاسمى : " أو المعنى : ولكل قوم هاد عظيم الشأن ، قادر على هدايتهم .

هو الله - تعالى - فما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم كما قال - تعالى - ( لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ .

.

.

) أو المعنى : ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) أى : قائد يهديهم إلى الرشد ، وهو الكتاب المنزل عليهم ، الداعى بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم .يعنى : أن سر الإِرسال وآيته الفريدة إنما هو الدعاء إلى الهدى ، وتبصير سبله ، والإِنذار من الاسترسال فى مساقط الردى .

وقد أنزل عليك من الهدى أحسنه ، فكفى بهدايته آية كبرى وخارقة عظمى .

وأما الآيات المقترحة فأمرها إلى الله وحده .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولاً، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانياً، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثاً، وهو المذكور في هذه الآية.

واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة ألبتة، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة والسلام سوى القرآن.

قالوا: إن هذا الكلام، إنما يصح إذا طعنوا في كون القرآن معجزاً، مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات، لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى القرآن.

واعلم أن الجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوا منه صلى الله عليه وسلم كحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور: مثل فلق البحر بالعصا، وقلب العصا ثعباناً.

فإن قيل: فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم؟

قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكماً وظهور القرآن معجزة، فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات، وأيضاً فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة، وكانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم الله تعالى مطلوبهم، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ  ﴾ بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به، وأيضاً ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له.

وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر، فطلب منه معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام، وأنه باطل.

الوجه الثاني: وفي الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات.

ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اتفق القراء على التنوين في قوله: ﴿ هَادٍ ﴾ وحذف الياء في الوصل، واختلفوا في الوقف، فقرأ ابن كثير: بالوقف على الياء، والباقون: بغير الياء، وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف.

المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية وجوه: الأول: المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع، وأنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ولما كان الغالب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان وهو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظماً.

والوجه الثاني: وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزاً فلا يضيق قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم ولست بقادر عليهم ولكل قوم هاد، قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار، وأما الهداية فمن الله تعالى.

واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا هاهنا أقوالاً: الأول: المنذر والهادي شيء واحد والتقدير: إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر.

الثاني: المنذر محمد صلى الله عليه وسلم والهادي هو الله تعالى روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك.

والثالث: المنذر النبي.

والهادي علي.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: أنا المنذر ثم أومأ إلى منكب علي رضي الله عنه وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى، من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل أرسلت منذراً ومخوّفاً لهم من سوء العاقبة.

وناصحاً كغيرك من الرسل، وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوة بها لا تفاوت بينها، والذي عنده كل شيء بمقدار يعطي كل نبي آية على حسب ما اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره لها ﴿ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ من الأنبياء يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها، ولم يجعل الأنبياء شرعاً واحداً في آيات مخصوصة.

ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آيات ويعاندون، فلا يهمنك ذلك، إنما أنت منذر، فما عليك إلا أن تنذر لا أن تثبت الإيمان في صدورهم، ولست بقادر عليه، ولكل قوم هاد قادر على هدايتهم بالإلجاء، وهو الله تعالى.

ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضاء حكمته أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره: أمر مدبر بالعلم النافذ مقدّر بالحكمة الربانية، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيراً ومصلحة، لأجابهم إليه.

وأما على الوجه الثاني، فقد دل به على أن من هذه قدرته وهذا علمه، هو القادر وحده على هدايتهم، العالم بأي طريق يهديهم، ولا سبيل إلى ذلك لغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ لِعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِالآياتِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِ واقْتِراحًا لِنَحْوِ ما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ كَغَيْرِكَ مِنَ الرُّسُلِ وما عَلَيْكَ إلّا الإتْيانُ بِما تَصِحُّ بِهِ نُبُوَّتُكَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ لا بِما يَقْتَرِحُ عَلَيْكَ.

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ نَبِيٌّ مَخْصُوصٌ بِمُعْجِزاتٍ مِن جِنْسِ ما هو الغالِبُ عَلَيْهِمْ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ ويَدْعُوهم إلى الصَّوابِ، أوْ قادِرٌ عَلى هِدايَتِهِمْ وهو اللَّهُ تَعالى لَكِنْ لا يَهْدِي إلّا مَن يَشاءُ هِدايَتَهُ بِما يُنَزِّلُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ.

ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وشُمُولِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إنْزالِ ما اقْتَرَحُوهُ وإنَّما لَمْ يَنْزِلْ لِعِلْمِهِ بِأنَّ اقْتِراحَهم لِلْعِنادِ دُونَ الِاسْتِرْشادِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى هِدايَتِهِمْ وإنَّما لَمْ يَهْدِهِمْ لِسَبْقِ قَضائِهِ بِالكُفْرِ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه اية مّن رَّبِّهِ} لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى من انقلاب العصاحية واحياء الموتى فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ} إنما أنت رجل أرسلت منذراً مخوفاً لهم من سوء العاقبة وناصحاً كغيرك من الرسل

وما عليك إلا الإتيان ما يصح به أنك رسول منذر وصحة ذلك حاصلة بأي آية كانت والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوى بها {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بآية خص بها لا بما يريدون ويتحكمون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ المُسْتَعْجِلُونَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وكَأنَّهُ إنَّما عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ نَعْيًا عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ حَيْثُ لَمْ يَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ولَمْ يَعُدُّوها مِن جِنْسِ الآياتِ وقالُوا: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ مِثْلُ آياتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً وإحْياءِ المَوْتى عِنادًا أوْ مُكابَرَةً وإلّا فَفي أدْنى آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَنِيَّةٌ وعِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلْحالِ الماضِيَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ دَيْدَنُهم وتَنْوِينُ ﴿ آيَةٌ ﴾ لِلتَّعْظِيمِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْوَحْدَةِ.

﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَدَأْبِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإتْيانُ بِما يُعْلَمُ بِهِ نُبُوَّتُكَ وقَدْ حَصَلَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ولا حاجَةَ إلى إلْزامِهِمْ وإلْقامِهِمُ الحَجَرَ بِالإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوهُ ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ .

(7) .

أيْ نَبِيٌّ داعٍ إلى الحَقِّ مُرْشِدٌ إلَيْهِ بِآيَةٍ تَلِيقُ بِهِ وبِزَمانِهِ والتَّنْكِيرُ لِلْإبْهامِ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ومُجاهِدٍ وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل على محمد  علامة من ربه لنبوته.

قال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يعني: مخوفا ومبلغا لهذه الأمة الرسالة وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق.

وقال الضحاك: يعني: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وأنا الهادي.

وقال سعيد بن جبير الهادي هو الله.

وقال عكرمة: محمد  هو النذير، وهو الهادي.

يعني: يدعوهم إلى الهدى.

وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وقال مجاهد: يعني: لكل قوم نبي.

قرأ ابن كثير: هَادِيَ بالياء عند الوقف، وكذلك قوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: 37] وقرأ الباقون: بغير ياء.

قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ذكراً أو أُنثى، وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام سوياً أو غير سوي.

ثم قال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل وَما تَزْدادُ يعني: على التسعة أشهر في ذلك الحمل وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قال قتادة: «رزقهم وأجلهم» ، وقال ابن عباس: «من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد ولا ينقص على ذلك» .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: «الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم يزيد في الولد» .

وروى أسباط عن السدي قال: «إن المرأة إذا حملت واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد.

فإذا حاضت على ولدها خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه» وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وهي الحيضة التي على الولد، وَما تَزْدادُ.

فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى.

قال الفقيه: هذا الذي قال السدي، إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً.

ولكن معناه: إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة.

قال: حدثنا عليّ.

قال: حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر  يقول: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحد إلا الله، ولا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ الساعة إلا الله تعالى» (١) (١) حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (4697) (4778) و (3739) وأحمد: 2/ 24، 52 والبغوي (1170) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، المعنى: وإِن تعجبْ، يا محمَّد، مِنْ جهالتهم وإِعراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فهم أهْلٌ لذلك، وَعَجَبٌ غريبٌ قولُهم: أنعود بعد كوننا تراباً، خلقاً جديداً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ لتصميمهم على الجُحُود وإِنكارهم للبَعْث، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ: أي: في الآخرة، ويحتملُ أنْ يكون خبراً عن كونهم مغلَّلين عن الإِيمان كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس: ٨] .

وقوله سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ...

الآية: تبيينٌ لِخَطَئِهِمْ كطلبهم سقوطَ كِسَفٍ من السماء، وقولِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال:

٣٢] ونحو هذا مع نزول ذلك بأناسٍ كثيرٍ، وقرأ الجمهور «١» : الْمَثُلاتُ- بفتح الميم وضم الثاء-، وقرأ مجاهد «٢» «المثلات» - بفتح الميم والثاء- أي: الأخذة الفَذَّة بالعقوبة، ثم رجَّى سبحانه بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، ثم خوَّف بقوله:

وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ: قال ابن المسيِّب: لما نَزِلَتْ هذه الآية، قال رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم:

«لَوْلاَ عَفْوُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ مَا تَهَنَّأَ أَحَدٌ عَيْشاً، وَلَوْلاَ عِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلَّ أَحَدٍ» «٣» ، وقال ابن عبَّاس: ليس في القرآن أَرجَى من هذه الآية «٤» : والْمَثُلاتُ: هي العقوباتُ المنكِّلات التي تجعل الإِنسان مثلاً يُتَمَثَّلُ به ومنه التمثيلُ بالقَتْلى ومنه: المُثْلَةُ بالعبيد.

ويقولون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ: هذه من اقتراحاتهم، / والآية هنا يرادُ بها الأشياءُ التي سمَّتها قريشٌ كالمُلْكِ، والكَنْزِ، وغيرِ ذلك، ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد، قال عكرمةُ، وأبو الضُّحَى: المرادُ ب «الهادي» محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٥» ف «هاد» عطف على «منذر»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في كَفّارِ مَكَّةَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  أنْ يَأْتِيَهم بِالعَذابِ، اسْتِهْزاءً مِنهم بِذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في مُشْرِكِي العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالعَذابِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

فَأمّا " المَثُلاتُ " فَقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ.

وقَرَأ عُثْمانُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِرَفْعِ المِيمِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها العُقُوباتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو مِثْلُهُ وما فِيهِ نَكالٌ، لَوْ أنَّهُمُ اتَّعَظُوا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ الَّتِي تُبْقِي في المُعاقَبِ شِينًا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلانٌ بِفُلانٍ، إذا شانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أنْفِهِ أوْ أُذُنِهِ، أوْ سَمْلِ عَيْنَيْهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ المَثُلاتِ: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنِ المُشْرِكِينَ إذا آمَنُوا، وشَدِيدُ العِقابِ لِلْمُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لَذُو تَجاوُزٍ عَنْ شِرْكِهِمْ في تَأْخِيرِ العَذابِ، وإنَّهُ لَشَدِيدُ العِقابِ إذا عَذَّبَ.

* فَصْلٌ وَذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ " لَوْلا " بِمَعْنى هَلّا، والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها، مِثْلُ عَصا مُوسى وناقَةِ صالِحٍ.

ولَمْ يَقْنَعُوا بِما رَأوْا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ عَذابَ اللَّهِ، ولَيْسَ لَكَ مِنَ الآياتِ شَيْءٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالهادِي: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والنَّخَعِيُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما إلَيْكَ الإنْذارُ، واللَّهُ الهادِي.

والثّانِي: أنَّ الهادِيَ: الدّاعِي، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الهادِيَ النَّبِيُّ  ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، فالمَعْنى: ولِكُلِّ قَوْمٍ نَبِيٌّ يُنْذِرُهم.

والرّابِعُ: أنَّ الهادِيَ رَسُولُ اللَّهِ  أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُّحى، والمَعْنى: أنْتَ مُنْذِرٌ، وأنْتَ هادٍ.

والخامِسُ: أنَّ الهادِيَ: العَمَلُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والسّادِسُ: أنَّ الهادِيَ: القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَقَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ مِن طُرُقٍ لَيْسَ فِيها ما يَثْبُتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: " أنا المُنْذِرُ "، وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبٍ عَلِيٍّ، فَقالَ: " أنْتَ الهادِي يا عَلِيٌّ بِكَ يُهْتَدى مِن بَعْدِي» " .

قالَ المُصَنَّفُ: " وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ الرّافِضَةِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَهم عَنْ قُدْرَتِهِ، رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ أيْ: مِن عَلَقَةٍ أوْ مُضْغَةٍ، أوْ زائِدٍ أوْ ناقِصٍ، أوْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، أوْ واحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ أيْ: وما تَنْقُصُ، ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما تَغِيضُ: بِالوَضْعِ لِأقَلَّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما تَزْدادُ: بِالوَضْعِ لِأكْثَرَ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: وما تَغِيضُ: بِالسَّقْطِ النّاقِصِ، وما تَزْدادُ: بِالوَلَدِ التّامِّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: وما تَغِيضُ: بِإراقَةِ الدَّمِ في الحَمْلِ حَتّى يَتَضاءَلَ الوَلَدُ، وما تَزْدادُ: إذا أمْسَكَتِ الدَّمَ فَيَعْظُمُ الوَلَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: ما تَغِيضُ الأرْحامُ: مَن ولَدَتْهُ مِن قَبْلُ، وما تَزْدادُ: مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، رَوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ أيْ: بِقَدَرٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِفْعالٌ مِنَ القَدَرِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في (الأنْعامِ:٦) .

و ﴿ الكَبِيرُ ﴾ بِمَعْنى: العَظِيمُ، ومَعْناهُ: يَعُودُ إلى كِبَرِ قَدْرِهِ واسْتِحْقاقِهِ صِفاتِ العُلُوِّ، فَهو أكْبَرُ مِن كُلِّ كَبِيرٍ، لِأنَّ كُلَّ كَبِيرٍ يَصْغُرُ بِالإضافَةِ إلى عَظَمَتِهِ.

ويُقالُ: " الكَبِيرُ " الَّذِي كَبُرَ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ.

فَأمّا ﴿ المُتَعالِ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " المُتَعالِي " بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وكَذَلِكَ رَوى عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ ابْنُ شَنْبُوذَ عَنْ قُنْبُلٍ، والباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.

والمُتَعالِي هو المُتَنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، قالَ الخَطّابِيُّ: وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى العالِي فَوْقَ خَلْقِهِ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المُتَعالِي عَمّا يَقُولُ المُشْرِكُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ آيَةُ تَوْبِيخٍ لِلْكَفَرَةِ، أيْ: وإنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن جَهالَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ فَهم أهْلٌ لِذَلِكَ، وعَجَبٌ وغَرِيبٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْلُهُمْ: "أنَعُودُ بَعْدَ كَوْنِنا تُرابًا خَلْقًا جَدِيدًا"؟

ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ مَنزَعًا آخَرَ، أيْ: وإنْ كُنْتَ تَزِيدُ عَجَبًا فَهَلُمَّ فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ قَوْلُهم.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ -فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو مَدَّ الهَمْزَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ.

وقَرَأ نافِعٌ: "أيْذا كُنّا تُرابًا" مِثْلَ أبِي عَمْرٍو واخْتَلَفَ عنهُ في المَدِّ، وقَرَأ: "إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ" مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في اكْتِفائِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ عَنِ الثانِي، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ هَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: "أئِذا كُنّا تُرابًا أإنّا" بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إذا كُنّا تُرابًا" مَكْسُورَةَ الألْفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ "آئِنًا" بِهَمْزٍ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ.

فَمَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامَيْنِ فَذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ والتَحَفِّي والِاهْتِبالِ بِهَذا التَقْدِيرِ، ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الأوَّلِ فَقَطْ فَإنَّما القَصْدُ بِالِاسْتِفْهامِ المَوْضِعُ الثانِي، و"إذا" ظَرْفٌ لَهُ، و"إذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أنُبْعَثُ أو نُحْشَرُ إذا؟

ومَنِ اسْتَفْهَمَ في الثانِي فَقَطْ فَهو بَيِّنٌ، والإشارَةُ بِـ "أُولَئِكَ" إلى القَوْمِ القائِلِينَ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ ، وتِلْكَ المَقالَةُ إنَّما هي تَقْرِيرُ مُصَمِّمٍ عَلى الجَحْدِ والإنْكارِ لِلْبَعْثِ فَلِذَلِكَ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الحَقِيقَةُ وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ في الآخِرَةِ، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ  ﴾ ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا وأنَّهُ أخْبَرَ عن كَوْنِهِمْ مُغَلَّلِينَ عَنِ الإيمانِ، فَهي إذًا تَجْرِي مَجْرى الطَبْعِ والخَتْمِ عَلى القُلُوبِ، وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ، فَهم مُقْمَحُونَ  ﴾ ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: الأغْلالُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الأعْمالِ، أيْ: أعْمالُهُمُ الفاسِدَةُ في أعْناقِهِمْ كالأغْلالِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْرِيرُ هَذا هو في التَأْوِيلِ الثانِي الَّذِي ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ الآيَةَ، هَذِهِ آيَةُ تَبْيِّينٍ لِخَطَئِهِمْ في أنْ يَتَمَنَّوُا المَصائِبَ ويَطْلُبُوا سُقُوطَ كِسَفٍ مِنَ السَماءِ أو حِجارَةٍ تُمْطَرُ عَلَيْهِمْ ونَحْوَ هَذا مَعَ خُلُوِّ ذَلِكَ في الأُمَمِ ونُزُولِهِ بِأُناسٍ كَثِيرٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ لَكانَ لَهُمُ العُذْرُ.

و"المَثُلاتُ" جَمْعُ مَثُلَةٍ كَسَمُرَةٍ وسَمُراتٍ وصَدَقَةٍ وصَدَقاتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَثُلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الثاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ، وذَلِكَ جَمْعُ مَثَلَةٍ فِي الآخِرَةِ بِمَعْنى العِدَةِ بِالعُقُوبَةِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "المُثُلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ والثاءِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابَ: "المُثْلاتُ" بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ، وهاتانِ جَمْعُ مُثْلَةٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "المَثْلاتُ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثاءِ.

ثُمَّ رَجّى تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: إذا تابُوا، و"شَدِيدُ العِقابِ" إذا كَفَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن مَعْنى المَغْفِرَةِ هُنا إنَّما هُوَ: سِتْرُهُ في الدُنْيا وإمْهالُهُ لِلْكَفَرَةِ، ألا تَرى التَيْسِيرَ في لَفْظِ "مَغْفِرَةٍ"، وأنَّها مُنَكَرَّةٌ مُقَلَّلَةٌ، ولَيْسَ فِيها مُبالَغَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ  ﴾ ، ونَمَطُ الآيَةِ يُعْطِي هَذا، ألا تَرى حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ بِالنارِ؟

ثُمَّ قالَ: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ"، فَلَمّا ظَهَرَ سُوءُ فِعْلِهِمْ وجَبَ في نَفْسِ السامِعِ تَعْذِيبُهم فَأخْبَرَ بِسِيرَتِهِ في الأُمَمِ وأنَّهُ يُمْهِلُ مَعَ ظُلْمِ الكُفْرِ؟

ولَمْ يَرِدْ في الشَرْعِ أنَّ اللهَ تَعالى يَغْفِرُ ظُلْمَ العِبادِ.

ثُمَّ خَوَّفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ ، قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لَوْلا عَفْوُ اللهِ ومَغْفِرَتُهُ لَما تَمَنّى أحَدٌ عَيْشًا، ولَوْلا عِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لَيْسَ في القُرْآنِ أرْجى مِن هَذِهِ الآيَةِ"، و"المَثُلاتُ" هي العُقُوباتُ المُنَكِّلاتُ الَّتِي تَجْعَلُ الإنْسانَ مَثَلًا يُتَمَثَّلُ بِهِ، ومِنهُ التَمْثِيلُ بِالقَتْلى، ومِنهُ المُثْلَةُ بِالعَبِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ آيَةُ غَضٍّ مِنِ اقْتِراحاتِهِمُ المُتَشَطِّطَةِ الَّتِي لَمْ يُجْرِ اللهُ بِهِ عادَةً إلّا لِلْأُمَّةِ الَّتِي حَتَّمَ بِعَذابِها واسْتِئْصالِها، والآيَةُ هُنا- يُرادُ بِها الأشْياءُ الَّتِي سَمَّتْها قُرَيْشٌ كالمَلَكِ والكَنْزِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى بِأنَّهُ مُنْذِرٌ، وهَذا الخَبَرُ قُصِدَ هو بِلَفْظِهِ والناسُ أجْمَعُونَ بِمَعْناهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ ، فَقالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو الضُحى: المُرادُ بِالهادِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

و"هادٍ" عَطْفٌ عَلى "مُنْذِرٌ" كَأنَّهُ قالَ: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لِكُلِّ قَوْمٍ"، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ إلى الأحْمَرِ والأسْوَدِ"،» "وَهادٍ" -عَلى هَذا في هَذِهِ الآيَةِ- داعٍ إلى طَرِيقِ الهُدى.

وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: "إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ هادٍ، أيْ نَبِيٌّ يَدْعُوهُمْ، والمَقْصِدُ: فَلَيْسَ أمْرُكَ يا مُحَمَّدُ بِبِدْعٍ ولا مُنْكَرٍ"، وهَذا يُشْبِهُ غَرَضَ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي -فِي هَذِهِ الآيَةِ- اللهُ عَزَّ وجَلَّ"، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ.

و"هادٍ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: مُخْتَرِعٌ لِلرَّشادِ، تُطْلَقُ بِهَذا المَعْنى، ويُعْرَفُ أنَّ اللهَ تَعالى هو الهادِي مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الهادِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ "، ورَدَتْ «عَنِ النَبِيِّ  مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَأومَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ وقالَ: ("أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يُشْبِهُهُ -إنَّ صَحَّ هَذا- أنَّ النَبِيَّ  إنَّما جَعَلَ عَلِيًّا مِثالًا مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ وَهُداتِها إلى الدِينِ، كَأنَّهُ قالَ: يا عَلِيُّ أنْتَ وصِنْفُكَ، فَيَدْخُلُ في هَذا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وسائِرُ عُلَماءِ الصَحابَةِ عَلَيْهِمْ رِضْوانُ اللهِ أجْمَعِينَ -ثُمَّ كَذَلِكَ مِن كُلِّ عَصْرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى -عَلى هَذا-: إنَّما أنْتَ يا مُحَمَّدُ مُنْذِرٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ رُعاةٌ وهُداةٌ إلى الخَيْرِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ ما تُؤُوِّلُ في الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ الآية.

وهذه حالة من أعجوباتهم وهي عدم اعتدادهم بالآيات التي تأيّد بها محمّد صلى الله عليه وسلم وأعظمها آيات القرآن، فلا يزالون يسألون آية كما يقترحونها، فله اتصال بجملة ﴿ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ﴾ [هود: 17].

ومرادهم بالآية في هذا خارق عادة على حساب ما يقترحون، فهي مخالفة لما تقدم في قوله: ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } لأن تلك في تعجيل ما توعدهم به، وما هنا في مجيء آية تؤيده كقولهم: ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ [الأنعام: 8].

ولكون اقتراحهم آية يُشفّ عن إحالتهم حصولها لجهلهم بعظيم قدرة الله تعالى سيق هذا في عداد نتائج عظيم القدرة، كما دل عليه قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الأنعام: 36] فبذلك انتظم تفرع الجمل بعضها على بعض وتفرع جميعها على الغرض الأصلي.

والذين كفروا هم عين أصحاب ضمير يستعجلونك}، وإنما عدل عن ضميرهم إلى اسم الموصول لزيادة تسجيل الكفر عليهم، ولما يومئ إليه الموصول من تعليل صدور قولهم ذلك.

وصيغة المضارع تدل على تجدد ذلك وتكرره.

و ﴿ لولا ﴾ حرف تحضيض.

يموهون بالتحضيض أنهم حريصون وراغبون في نزول آية غير القرآن ليؤمنوا، وهم كاذبون في ذلك إذ لو أوتوا آية كما يقترحون لكفروا بها، كما قال تعالى: ﴿ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ﴾ [الإسراء: 59].

وقد رد الله اقتراحهم من أصله بقوله: إنما أنت منذر}، فقصر النبي صلى الله عليه وسلم على صفة الإنذار وهو قصر إضافي، أي أنت منذر لا مُوجد خوارق عادٍ.

وبهذا يظهر وجه قصره على الإنذار دون البشارة لأنه قصر إضافي بالنسبة لأحواله نحو المشركين.

وجملة ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ تذييل بالأعم، أي إنما أنت منذر لهؤلاء لهدايتهم، ولكل قوم هاد أرسله الله ينذرهم لعلهم يهتدون، فما كنت بِدعاً من الرسل وما كان للرسل من قبلك آيات على مقترح أقوامهم بل كانت آياتهم بحسب ما أراد الله أن يظهر على أيديهم.

على أن معجزات الرسل تأتي على حسب ما يلائم حال المرسل إليهم.

ولما كان الذين ظهرت بينهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم عرباً أهل فصاحة وبلاغة جعل الله معجزته العظمى القرآن بلسان عربي مبين.

وإلى هذا المعنى يشير قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح؛ «ما من الأنبياء نبيء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيتُ وحَيْا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».

وبهذا العموم الحاصل بالتذييل والشامل للرسول عليه الصلاة والسلام صار المعنى إنما أنت منذر لقومك هادٍ إياهم إلى الحق، فإن الإنذار والهدي متلازمان فما من إنذار إلاّ وهو هداية وما من هداية إلا وفيها إنذار، والهداية أعمّ من الإنذار ففي هذا احتباك بديع.

وقرأ الجمهور ﴿ هادٍ ﴾ بدون ياء في آخره في حالتي الوصل والوقف.

أما في الوصل فلالتقاء الساكنين سكون الياء وسكون التنوين الذي يجب النطق به في حالة الوصل، وأما في حالة الوقف فتبعا لحالة الوصل، وهو لغة فصيحة وفيه متابعة رسم المصحف.

وقرأه ابن كثير في الوصل مثل الجمهور.

وقرأه بإثبات الياء في الوقف لزوال مُوجب حذف الياء وهو لغة صحيحة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ يَعْنِي: النَّبِيُّ  نَذِيرٌ لِأُمَّتِهِ ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ أيْ نَبِيٌّ يَهْدِيهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ مَعْناهُ ولِكُلِّ قَوْمٍ قادَةٌ وهُداةٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الرّابِعُ: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ ، أيْ دُعاةٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: مَعْناهُ ولِكُلِّ قَوْمٍ عَمَلٌ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

السّادِسُ: مَعْناهُ ولِكُلِّ قَوْمٍ سابِقٌ بِعِلْمٍ يَسْبِقُهم إلى الهُدى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ قال: هذا قول مشركي العرب ﴿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ﴾ لكل قوم داع يدعوهم إلى الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ قال: داع.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ﴾ قال: المنذر، محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ نبي يدعوهم إلى الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ﴾ قال: محمد المنذر، والهادي الله عز وجل.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ﴾ قال: المنذر، محمد صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل، هادي كل قوم.

وفي لفظ؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المنذر وهو الهادي.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه وأبي الضحى في قوله: ﴿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ﴾ وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: «أنا المنذر، وأومأ بيده على منكب علي رضي الله عنه فقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ووضع يده على صدر نفسه ثم وضعها على صدر علي ويقول: ﴿ لكل قوم هاد ﴾ » .

وأخرج ابن مردوية والضياء في المختارة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المنذر أنا والهادي علي بن أبي طالب رضي الله عنه» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر، وانا الهادي.

وفي لفظ، والهادي: رجل من بني هاشم.

يعني نفسه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ قال المفسرون (١) ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ قال ابن عباس (٢) (٣) ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد بالنار لمن عصى الله.

قال أهل المعاني: معناه إنما أنت منذر تنذرهم بالنار وليس إليك من الآيات شيء، إنما أمرها إلى الله تعالى، ينزلها على ما في معلومه.

وقوله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ قال ابن عباس (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أي نبي وداع إلى الله يدعوهم بما يُعْطَى من الآيات، لا بما يريدون ويتحكمون فيه، ودل على هذا المعنى ما سبق من الكلام.

وقال في رواية عطية (٩) (١١) ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ وقال الحسن (١٢) (١٣)  ، والمعنى على هذا ما قاله الحسين بن الفضل (¬11): إن هذا على التقديم والتأخير، التقدير: إنما أنت منذر وهاد لكل قوم، وليس إليك من الآية شيء، غير أنك تنذر وتدعو إلى الحق.

(١) الطبري 13/ 106، والثعلبي 7/ 112 أ، و"زاد المسير" 4/ 306، والقرطبي 9/ 285.

(٢) انظر: الرازي 19/ 13، وابن كثير 4/ 355.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 140.

(٤) "زاد المسير" 4/ 307.

(٥) الطبري 13/ 107 - 108، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2225، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 86 (٦) الطبري 13/ 108، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 86، و"زاد المسير" 4/ 307.

(٧) الطبري 13/ 108، و"زاد المسير" 4/ 307.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 140.

(٩) الطبري 13/ 108 - 109.

(١٠) "زاد المسير" 4/ 307.

(١١) الطبري 13/ 107، و"زاد المسير" 4/ 307.

(١٢) الطبري 13/ 106، والثعلبي 7/ 122 أ، و"زاد المسير" 4/ 307.

(١٣) انظر: الطبري 13/ 109، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 86.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ ﴾ الآية: اقترحوا نزول آية على النبي صلى الله عليه وسلم من نزول ملك معه أو شبه ذلك، ولم يعتبروا بالقرآن ولا بغيره من الآيات العظام التي جاء بها، وذلك منهم معاندة ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ أي إنما عليك إنذارهم، وليس عليك أن تأتيهم بآية إنما ذلك إلى الله ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن يراد بالهادي الله تعالى، فالمعنى إنما عليك الإنذار والله هو الهادي لمن يشاء إذا شاء، والوجه الثاني: أن يريد بالهادي النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى إنما أنت نبي منذر، ولكل قوم هاد من الأنبياء ينذرهم فليس أمرك ببدع ولا مستنكر.

الثالث: رُوي أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا المنذر وأنت يا عليّ الهادي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ قيل: أجيب لكم، وقوله  : ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي  ﴾ أي: ليجيبوا لي، وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما سألوا [رسول الله العذاب] كقوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ  ﴾ وقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية [الأنفال: 32] فبدءوا بسؤالهم [الهلاك قبل سؤالهم] تأخير العذاب وإمهاله، [وتأخير العذاب عندهم وإمهاله] من الحسنة؛ فاستعجلوا بهذا قبل هذا.

وإن كان الفعل نفسه.

فقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ أي: عجلوك - يا محمد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك إحسان من قبل والله أعلم بذلك.

وقيل: ﴿ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : العذاب؛ على ما ذكرنا.

﴿ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ [لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق] فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا يسألون؛ لأنهم يعلمون أن الله يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية.

فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهؤلاء جهلوا أنه رسول الله؛ لتركهم النظر والتفكر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ﴾ .

قال بعضهم: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم العذاب والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - والله أعلم - يصبر رسوله على سفه قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم العقوبات؛ فعلى ذلك هؤلاء.

وقال بعضهم: المثلات: الأمثال والأشباه.

وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت من قبلهم الأمثال) وتأويله - والله أعلم - أي: فقد خلت من [قبلهم الأمثال]؛ ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: لذو مغفرة [للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون قوله ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب] لمن لم يتب، ومات على الظلم والشرك.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ للكفار؛ وعلى التأويل الأول: وإن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم الآية ﴿ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعاً لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات مختلفات، كلٌّ جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما أنت منذر.

أو سألوا آيات سؤال الاعتناد لدى هلاكهم، [على ما فعل الأولون؛ فقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم] وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، لكنهم يعاندون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : لا تملك إتيان الآيات، ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ الآية [الأنعام: 58].

أو يقول: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ .

أي: داع يدعو إلى توحيد الله ودينه؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ يحتمل: لكل وقت هادٍ.

ثم اختلفوا أنه: مَنْ ذلك الداعي؟

قال بعضهم: الله، وقال بعضهم: نبي من الأنبياء، وقال بعضهم: داع؛ دليل سوى النبي.

وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصوماً مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن عندنا معصوماً [أو لم يكن معصوماً] فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق.

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أي: داع وهو كما قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول الذين كفروا بالله - تماديًا في الصدود والعناد-: هلّا أنزل على محمد آية من ربه مثل ما أنزل على موسى وعيسى.

إنما أنت -أيها الرسول- منذر تخوف الناس من عذاب الله، وليس لك من الآيات إلا ما أعطاك الله، ولكل قوم نبي برشدهم إلى طريق الحق، ويدلهم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.0zJLO"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله