تفسير الآية ٣ من سورة الحجر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 15 الحجر > الآية ٣ من سورة الحجر

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 36 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣ من سورة الحجر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الحجر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ) تهديد لهم شديد ، ووعيد أكيد ، كقوله تعالى : ( قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ) [ إبراهيم : 30 ] وقوله : ( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ) [ المرسلات : 46 ] ولهذا قال : ( ويلههم الأمل ) أي : عن التوبة والإنابة ، ( فسوف يعلمون ) أي : عاقبة أمرهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذر يا محمد هؤلاء المشركين يأكلوا في هذه الدنيا ما هم آكلوه، ويتمتعوا من لذاتها وشهواتهم فيها إلى أجلهم الذي أجلت لهم، ويلههم الأمل عن الأخذ بحظهم من طاعة الله فيها ، وتزوّدهم لمعادهم منها بما يقربهم من ربهم، فسوف يعلمون غدا إذا وردوا عليه.

وقد هلكوا على كفرهم بالله وشركهم حين يُعاينون عذاب الله أنهم كانوا من تمتعهم بما كانوا يتمتعون فيها من اللذّات والشهوات كانوا في خسار وتباب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون فيه مسألتان :الأولى : قوله - تعالى - : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا تهديد لهم .

ويلههم الأمل أي يشغلهم عن الطاعة .

يقال : ألهاه عن كذا أي شغله .

ولهي هو عن الشيء يلهى .

فسوف يعلمون إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا .

وهذه الآية منسوخة بالسيف .الثانية : في مسند البزار عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا .

وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن ، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد علاجه ، ولم يفارقه داء ولا نجح فيه دواء ، بل أعيا الأطباء ويئس من برئه الحكماء والعلماء .

وحقيقة الأمل : الحرص على الدنيا والانكباب عليها ، والحب لها والإعراض عن الآخرة .

وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ويهلك آخرها بالبخل والأمل .

ويروى عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قام على درج مسجد دمشق فقال : ( يا أهل دمشق ، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح ، إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا ، فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا .

هذه عاد قد ملأت البلاد أهلا ومالا وخيلا ورجالا ، فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين !

وأنشد :[ ص: 5 ]يا ذا المؤمل آمالا وإن بعدت منه ويزعم أن يحظى بأقصاها أنى تفوز بما ترجوه ويك وماأصبحت في ثقة من نيل أدناهاوقال الحسن : ( ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل ) .

وصدق - رضي الله عنه - !

فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني ، ويعقب التشاغل والتقاعس ، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى .

وهذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يطلب صاحبه ببرهان ; كما أن قصر الأمل يبعث على العمل ، ويحيل على المبادرة ، ويحث على المسابقة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا } بلذاتهم { وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ } أي: يؤملون البقاء في الدنيا فيلهيهم عن الآخرة، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أن ما هم عليه باطل وأن أعمالهم ذهبت خسرانا عليهم ولا يغتروا بإمهال الله تعالى فإن هذه سنته في الأمم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذرهم ) يا محمد ، يعني : الذين كفروا ( يأكلوا ) في الدنيا ( ويتمتعوا ) من لذاتهم ( ويلههم ) يشغلهم ( الأمل ) عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة ( فسوف يعلمون ) إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا ، وهذا تهديد ووعيد .

وقال بعض أهل العلم : " ذرهم " تهديد ، وقوله : " فسوف يعلمون " تهديد آخر ، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين ؟

والآية نسختها آية القتال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذرهم» اترك الكفار يا محمد «يأكلوا ويتمتعوا» بدنياهم «ويلههم» يشغلهم «الأمل» بطول العمر وغيره عن الإيمان «فسوف يعلمون» عاقبة أمرهم وهذا قبل الأمر بالقتال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اترك -أيها الرسول- الكفار يأكلوا، ويستمتعوا بدنياهم، ويشغلهم الطمع فيها عن طاعة الله، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم الخاسرة في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر - سبحانه - الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يذرهم فى طغيانهم يعمهون ، بعد أن ثبت أنهم قوم لا ينفع فيهم إنذار فقال - تعالى - : ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) .وذر فعل أمر بمعنى اترك ، ومضارعه يذر ، ولا يستعمل له ماض إلا فى النادر ، ومن هذا النادر ما جاء فى الحديث الشريف : " ذروا الحبشة ما وذرتكم " .و ( يتمتعوا ) من المتاع بمعنى الانتفاع بالشئ بتلذذ وعدم نظر إلى العواقب .( ويلههم ) : من الانشغال عن الشئ ونسيانه ، يقال : فلان ألهاه كذا عن أداء واجبه ، أى : شغله .والأمل : الرغبة فى الحصول على الشئ ، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله .والمعنى : اترك - أيها الرسول الكريم - هؤلاء الكافرين ، وخلهم وشأنهم ، ليأكلوا كما تأكل الأنعام ، وليتمتعوا بدنياهم كما يشاءون ، وليشغلهم أملهم الكاذب عن اتباعك ، فسوف يعلمون سوء عاقبة صنيعهم فى العاجل أو الآجل .قال صاحب الكشاف : وقوله ( ذرهم ) يعنى اقطع طمعك من ارعوائهم ، ودعهم من النهى عما هم عليه ، والصد عنه بالتذكرة والنصيحة ، واتركهم ( يأكلوا ويتمتعوا ) بدنياهم ، وتنفيذ شهواتهم ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمال واستقامة الأحوال وألا يلقوا فى العاقبة إلا خيرا فسوف يعلمون سوء صنيعهم .وإنما أمره - سبحانه - بذلك ، لعدم الرجاء فى صلاحهم ، بعد أن مكث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم زمناً طويلاً ، يدعوهم إلى الحق ، بأساليب حكيمة .وفى تقديم الأكل على غيره ، إيذان بأن تمتعهم إنما هو من قبيل تمتع البهائم بالمآكل والمشارب .

قال - تعالى - : ( .

.

.

والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام والنار مَثْوًى لَّهُمْ ) كما أن فيه تعييرا لهم بما تعارفوا عليه من أن الاقتصار فى الحياة على إشباع اللذات الجسدية ، دون التفات إلى غيرها من مكارم الأخلاق ، يدل على سقوط الهمة ، وبلادة الطبع .

قال الخطيئة يهجو الزبرقان بن عمرو :دع المكارم لا ترحل لبغيتها ...

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسىأى : واقعد عن طلب المكارم والمعالى فإنك أنت المطعوم المكسو من جهة غيرك .والفعل ( يأكلوا ) وما عطف عليه مجزوم فى جواب الأمر ( ذرهم ) ، وبعضهم يجعله مجزوم بلام الأمر المحذوفة ، الدالة على التوعد والتهديد ، ولا يستحسن جعله مجزوما فى جواب الأمر ، لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء أترك الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم .والفاء فى قوله - سبحانه - ( فسوف يعلمون ) للتفريع الدال على الزجر والإنذار .

والاستجابة للحق قبل فوات الأوان .أى : ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية ، لا تفكر فيها ولا تدبر ، ومن آمال خادعة براقة شغلتهم عن حقائق الأمور ، فسوف يعلمون سوء عاقبة ذلك وسوف يرون ما يحزنهم ويشقيهم ويبكيهم طويلاً بعد أن ضحكوا قليلاً .

.

.وفى ذلك إشارة إلى أن لإِمهالهم أجلا معينا ينقضى عنده ، ثم يأتيهم العذاب الأليم .قال الآلوسى - رحمه الله - : وفى هذه الآية إشارة إلى أن التلذذ والتنعم ، وعدم الاستعداد للآخرة ، والتأهب لها ، ليس من أخلاق من يطلب النجاة .وجاء عن الحسن : ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل .وأخرج أحمد فى الزهد ، والطبرانى فى الأوسط ، والبيهقى فى شعب الإِيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - لا أعلمه إلا رفعه - قال : " صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل وطول الأمل " .وفى بعض الآثار عن علي - كرم الله وجهه - : " إنما أخشى عليكم اثنين : طول الأمل ، واتباع الهوى ، فإن طول الأمل ينسى الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن الحق " .هذا ، وشبيهه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ ) وقوله - تعالى - : ( فَذَرْهُمْ حتى يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ الذي فِيهِ يُصْعَقُونَ ) وقوله - تعالى - : ( قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات.

والمراد بالكتاب والقرآن المبين الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمداً صلى الله عليه وسلم وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتاباً وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.

أما قوله: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم ﴿ رُّبَمَا ﴾ خفيفة الباء والباقون مشددة قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما، وقيس وبكر يثقلونها، وأقول في هذه اللفظة لغات، وذلك لأن الراء من رب وردت مضمومة ومفتوحة، أما إذا كانت مضمومة فالباء قد وردت مشددة ومخففة وساكنة وعلى كل التقديرات تارة مع حرف ما، وتارة بدونها وأيضاً تارة مع التاء وتارة بدونها وأنشدوا: أسمى ما يدريك أن رب فتية *** باكرت لذتهم بأذكر مسرع ورب بتسكين الباء وأنشدوا بيت الهذلي: أزهير أن يشب القذال فإنني *** رب هيضل مرس كففت بهيضل والهيضل جماعة متسلحة، وأيضاً هذه الكلمة قد تجيء حالتي تشديد الباء وتخفيفها مع حرف ما كقولك: ربما وربما وتارة مع التاء، وحرف ما كقولك: ربتما وربتما هذا كله إذا كانت الراء من رب مضمومة وقد تكون مفتوحة، فيقال: رب وربما وربتما حكاه قطرب قال أبو علي: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث، نحو: ثم وثمت، ورب وربت، ولا ولات، فهذه اللغات بأسرها رواها الواحدي في البسيط.

المسألة الثانية: رب حرف جر عند سيبويه، ويلحقها ما على وجهين: أحدهما: أن تكون نكرة بمعنى شيء، وذلك كقوله: رب ما تكره النفوس من الأم *** ر له فرجة كحل العقال فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة، فإن المعنى رب شيء تكرهه النفوس وإذا عاد الضمير إليه كان اسماً ولم يكن حرفاً، كما أن قوله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ  ﴾ لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم، ومما يدل على أن ماء قد يكون اسماً إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر: يا رب من ينقص أزوادنا *** رحن على نقصانه واغتدين فكما دخلت رب على كلمة من وكانت نكرة، فكذلك تدخل على كلمة (ما) فهذا ضرب والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية والنحويون يسمون ما هذه الكافة يريدون أنها بدخلوها كفت الحرف عن العمل الذي كان له، وإذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الإسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك ولا تدخل على الفعل، فلما دخلت ما عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل، وهي في التقليل نظيرة كم في التكثير، فإذا قال الرجل: ربما زارنا فلان، دل ربما على تقليله الزيارة.

قال الزجاج: ومن قال إن رب يعني بها الكثرة، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة، وعلى هذا التقدير: فهاهنا سؤال، وهو أن تمني الكافر الإسلام مقطوع به، وكلما رب تفيد الظن، وأيضاً أن ذلك التمني يكثر ويتصل، فلا يليق به لفظة ﴿ رُّبَمَا ﴾ مع أنها تفيد التقليل.

والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظاً وضع للتقليل، وإذا أرادوا اليقين ذكروا لفظاً وضع للشك، والمقصود منه: إظهار التوقع والاستغناء عن التصريح بالغرض، فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك، وإن كان العلم حاصلاً بكثرة الندم ووجوده بغير شك، ومنه قول القائل: قد أترك القرن مصفراً أنامله *** والوجه الثاني: في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد، ومعناه: أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجراً عن هذا الفعل فكيف كثيره؟

والوجه الثالث: في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل.

المسألة الرابعة: اتفقوا على أن كلمة رب مختصة بالدخول على الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد الله، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها.

وقال بعضهم: ليس الأمر كذلك والدليل عليه قول الشاعر: ربما تكره النفوس من الأمر *** وهذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أن كلمة رب في هذا البيت داخلة على الاسم وكلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك الفعل ماضياً، فأين أحدهما من الآخر؟

إلا أني أقول قول هؤلاء الأدباء إنه لا يجوز دخول هذه الكلمة على الفعل المستقبل لا يمكن تصحيحه بالدليل العقلي، وإنما الرجوع فيه إلى النقل والاستعمال، ولو أنهم وجدوا بيتاً مشتملاً على هذا الاستعمال لقالوا إنه جائز صحيح وكلام الله أقوى وأجل وأشرف، فلم لم يتمسكوا بوروده في هذه الآية على جوازه وصحته.

ثم نقول إن الأدباء أجابوا عن هذا السؤال من وجهين: الأول: قالوا: إن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودوا.

الثاني: أن كلمة ما في قوله: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ اسم و ﴿ يَوَدُّ ﴾ صفة له، والتقدير: رب شيء يوده الذين كفروا.

قال الزجاج: ومن زعم أن الآية على إضمار كان وتقديره ربما يود الذين كفروا فقد خرج بذلك عن قول سيبويه ألا ترى أن كان لا تضمر عنده ولم يجز عبد الله المقبول وأنت تريد كان عبد الله المقبول.

المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فإن كل أحد حمل قوله: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ على محمل آخر، والأصح ما قاله الزجاج فإنه قال: الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالاً من أحوال المسلم ود لو كان مسلماً، وهذا الوجه هو الأصح.

وأما المتقدمون فقد ذكروا وجوهاً.

قال الضحاك: المراد منه ما يكون عند الموت، فإن الكافر إذا شاهد علامات العقاب ود لو كان مسلماً.

وقيل: إن هذه الحالة تحصل إذا اسودت وجوههم، وقيل: بل عند دخولهم النار ونزول العذاب، فإنهم يقولون: ﴿ أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل  ﴾ وروى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟

قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، وقد صرتم معنا في النار، فيتفضل الله تعالى بفضل رحمته، فيأمر بإخراج كل من كان من أهل القبلة من النار، فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية.

وعلى هذا القول أكثر المفسرين، وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة، حتى أنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة.

قال: فهنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

قال القاضي: هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار، وعلى أن شفاعة الرسول مقبولة في إسقاط العقاب، وهذان الأصلان عنده مردودان، فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة وحسرتهم وهناك يودون لو كانوا مسلمين، قال فبهذه الطريق تصحح هذه الأخبار، والله أعلم.

فإن قيل: إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقل ثوابه درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه، والمتمني لما لم يجده يكون في الغصة وتألم القلب وهذا يقضي أن يكون أكثر المؤمنين في الغصة وتألم القلب.

قلنا: أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا، فالله سبحانه أرضى كل أحد بما فيه ونزع عن قلوبهم طلب الزيادات كما قال: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ  ﴾ ، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة وقوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمل ﴾ يقال: لهيت عن الشيء ألهي لهياً، وجاء في الحديث أن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لهى عن حديثه.

قال الكسائي والأصمعي: كل شيء تركته فقد لهيت عنه وأنشد: صرمت حبالك فاله عنها زينب *** ولقد أطلت عتابها لو تعتب فقوله فاله عنها أي اتركها وأعرض عنها.

قال المفسرون: شغلهم الأمل عند الأخذ بحظهم عن الإيمان والطاعة فسوف يعلمون.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذة الآية على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون له مفسدة في الدين، والدليل عليه أنه تعالى قال لرسوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل ﴾ فحكم بأن إقبالهم على التمتع واستغراقهم في طول الأمل يلهيهم عن الإيمان والطاعة ثم إنه تعالى أذن لهم فيها، وذلك يدل على المقصود.

قالت المعتزلة: ليس هذا إذناً وتجويزاً بل هذا تهديد ووعيد.

قلنا ظاهر قوله: ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ إذن أقصى ما في الباب أنه تعالى نبه على أن إقبالهم على هذه الأعمال يضرهم في دينهم، وهذا عين ما ذكرناه من أنه تعالى أذن في شيء مع أنه نص على كون ذلك الشيء مفسدة لهم في الدين.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين، والأخبار في ذم الأمل كثيرة فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنان: الحرص على المال وطول الأمل».

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه نقط ثلاث وقال: «هذا ابن آدم، وهذا الأمل، وهذا الأجل، ودون الأمل تسع وتسعون منية فإن أخذته إحداهن، وإلا فالهرم من ورائه».

وعن علي عليه السلام أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: (ربما) و (ربّتما) بالتشديد.

و (ربما)، (وربَما) بالضم والفتح مع التخفيف.

فإن قلت: لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟

قلت: لأن المترقب في إخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ودّ.

فإن قلت: متى تكون ودادتهم؟

قلت: عند الموت، أو يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين.

وقيل: إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار، وهذا أيضاً باب من الودادة.

فإن قلت: فما معنى التقليل؟

قلت: هو وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان على ما فعل، ولا يشكون في تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا: ولو كان الندم مشكوكاً فيه أو كان قليلاً لحق عليك أن لاتفعل هذا الفعل، لأنّ العقلاء يتحرّزون من التعرّض للغم المظنون، كما يتحرّزون من المتيقن ومن القليل منه، كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية: لو كانوا يودّون الإسلام مرة واحدة، فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودّونه في كل ساعة ﴿ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ حكاية ودادتهم، وإنما جيء بها على لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم، كقولك: حلف بالله ليفعلنّ.

ولو قيل: حلف بالله لأفعلن ولو كنا مسلمين لكان حسناً سديداً وقيل: تدهشهم أهوال ذلك اليوم فيبقون مبهوتين، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكرتهم تمنوا، فلذلك قلل ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ يعني اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم عن النهي عما هم عليه والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم ﴿ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ ﴾ بدنياهم وتنفيذ شهواتهم، ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة إلا خيراً ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ سوء صنيعهم.

والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم لا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك فأمر رسوله بأن يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندماً في العاقبة.

وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وإعذار فيه.

وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدّي إليه طول الأمل.

وهذه هجيرى أكثر الناس ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم: التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَرْهُمْ ﴾ دَعْهم.

﴿ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ بِدُنْياهم.

﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ ﴾ ويَشْغَلْهم تَوَقُّعُهم لِطُولِ الأعْمارِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعادِ.

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ سُوءَ صَنِيعِهِمْ إذا عايَنُوا جَزاءَهُ، والغَرَضُ إقْناطُ الرَّسُولِ  مِنَ ارْعِوائِهِمْ وإيذانُهُ بِأنَّهم مِن أهْلِ الخِذْلانِ، وإنَّ نُصْحَهم بَعْدُ اشْتِغالٌ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، وفِيهِ إلْزامٌ لِلْحُجَّةِ وتَحْذِيرٌ عَنِ إيثارِ التَّنَعُّمِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ طُولُ الأمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذَرْهُمْ} أمر إهانة أي اقطع طمعك من ارعوائهم ودعهم عن النهي عما هم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة وخلهم {يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ} بدنياهم {وَيُلْهِهِمُ الأمل} ويشغلهم أملهم وأمانيهم عن الإيمان {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} سوء صنيعهم وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَرْهُمْ ﴾ أيِ اتْرُكْهم وقَدِ اسْتَغْنى غالِبًا عَنْ ماضِيهِ بِماضِيهِ وجاءَ قَلِيلًا وذَرْ، وفي الحَدِيثِ ««ذَرُوا الحَبَشَةَ ما وذَرُوكم»».

والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ إذْ لَمْ تَنْفَعُهُمُ النَّصِيحَةُ وِالإنْذارُ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلِّهِمْ وشَأْنَهم ﴿ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ بِدُنْياهُمْ، وفي تَقْدِيمِ الأكْلِ إيذانٌ بِأنَّ تَمَتُّعَهم إنَّما هو مِن قَبِيلِ تَمَتُّعِ البَهائِمِ بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ، والفِعْلُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وأشارَ في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ في تَخْلِيَتِهِمْ حَتّى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ أنْ يَأْمُرَهم بِما لا يَزِيدُهم إلّا نَدَمًا، ووَجَّهَهُ المُدَقِّقُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أُرِيدَ الأمْرُ مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ جَعَلَ أكْلَهم وتَمَتُّعَهُمُ الغايَةَ المَطْلُوبَةَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّخْلِيَةِ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ إنْ صَحَّ الأمْرُ بِها كانَتْ مَأْمُورًا بِها بِنَفْسِ الأمْرِ وأبْلَغَ مِن صَرِيحِهِ فَإذا قُلْتَ: لازِمْ سُدَّةَ العالِمِ تَعَلَّمْ مِنهُ ما يُنْجِيكَ في الآخِرَةِ كانَ أبْلَغَ مِن قَوْلِكَ: لازِمْ وتَعَلَّمْ لِأنَّكَ جَعَلْتَ الأمْرَ وسِيلَةَ الثّانِي فَهو أشَدُّ مَطْلُوبِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَصِحَّ جُعِلْتَ مَأْمُورًا بِها مَجازًا كَقَوْلِكَ: أسْلِمْ تَدْخُلِ الجَنَّةَ، وما نَحْنُ فِيهِ لَمّا جَعَلَ غايَةَ الأمْرِ عَلى التَّجَوُّزِ صارَ مَأْمُورًا بِهِ عَلى ما أرْشَدْتُ إلَيْهِ اه، وهو مِنَ النَّفاسَةِ بِمَكانٍ، وظَنَّ أنَّ انْفِهامَ الأمْرِ مِن تَقْدِيرِ لامِهِ، قَبْلَ الفِعْلِ مِن بَعْضِ الأمْرِ، وما في البَحْرِ مِن أنَّهُ إذا جَعَلَ ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ أمْرًا بِتَرْكِ نَصِيحَتِهِمْ.

وشُغْلُ بالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِمْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَوابُ لِأنَّهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ سَواءٌ تَرْكَ نَصِيحَتَهم أمْ لا وُقُوفَ في ساحِلِ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن غاصَ في لُجَّةِ المَعانِي فاسْتَخْرَجَ دُرَرَ الأسْرارِ واسْتَظْهَرَ أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ قِتالِهِمْ وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ ومُوادِعَتِهِمْ ثُمَّ قالَ: ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ جَوابًا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ شَغَلَهم بِالقِتالِ ومُصالَتَةِ السُّيُوفِ وإيقاعِ الحُرُوبِ ما هَنَأهم أكْلٌ ولا تَمَتُّعٌ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وهو كَما تَرى.

ثُمَّ المُرادُ عَلى ما قِيلَ دَوامُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ لا إحْداثُ ما ذُكِرَ أوْ تَمَتُّعُهم بِلا اسْتِمْتاعٍ ما يُنَغِّصُ عَيْشَهم والتَّمَتُّعُ كَذَلِكَ أمْرٌ حادِثٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلى تَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهم فَتَأمَّلْ ﴿ ويُلْهِهِمُ الأمَلُ ﴾ ويَشْغَلُهُمُ التَّوَقُّعُ لِطُولِ الأعْمارِ وبُلُوغِ الأوْطارِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ وأنْ لا يُلْقُوا إلّا خَيْرًا في العاقِبَةِ والمَآلِ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ أوْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يَصِيرُونَ إلَيْهِ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ سُوءَ صَنِيعِهِمْ إذا عايَنُوا جَزاءَهُ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِ أوْ حَقِيقَةَ الحالِ الَّتِي ألْجَأتْهم إلى التَّمَنِّي.

وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ المُرادَ عِلْمُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ سَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ والسَّبْيِ وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وهَذا كَما قِيلَ مَعَ كَوْنِهِ وعِيدًا أيُّما وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ غَبَّ تَهْدِيدٍ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّرْكِ، وفِيهِ إلْزامُ الحُجَّةِ ومُبالَغَةٌ في الإنْذارِ إذْ لا يَتَحَقَّقُ الأمْرُ بِالضِّدِّ حَسْبَما عَلِمْتَ إلّا بَعْدَ تَكَرُّرِ الإنْذارِ وتَقَرُّرِ الجُحُودِ والإنْكارِ ومَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ، وكَذَلِكَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الأكْلِ وما بَعْدَهُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّلَذُّذَ والتَّنَعُّمَ وعَدَمَ الِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ والتَّأهُّبِ لَها لَيْسَ مِن أخْلاقِ مَن يَطْلُبُ النَّجاةَ، وجاءَ عَنِ الحَسَنِ: ما أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ لا أعْلَمُهُ إلّا رَفْعَهُ قالَ: «صَلاحُ أوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالزُّهْدِ واليَقِينِ ويَهْلَكُ آخِرُها بِالبُخْلِ والأمَلِ».

وفِي بَعْضِ الآثارِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما أخْشى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ طُولَ الأمَلِ واتِّباعَ الهَوى فَإنَّ طُولَ الأمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ واتِّباعَ الهَوى يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مكية، وهي تسعون وتسع آيات.

قال الله عزّ وجلّ: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ أي: هذه آيات الكتاب وَقُرْآنٍ مُبِينٍ أي: بيّن حلاله، وحرامه.

والكتاب والقرآن واحد.

وقال قتادة في قوله: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ بيّن الله هداه ورشده، وخيره، رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ قرأ نافع وعاصم رُبَما بالتخفيف.

وقرأ الباقون بالتشديد وقال عاصم: قرأت عند زر بن حبيش رُبَما بالتشديد.

فقال: إنك لتحب الرَّب.

وقال: هي رُبَّمَا مخففة، ولكن معناهما واحد.

فالتخفيف لغة بعض العرب، واللغة الظاهرة بالتشديد، أي: ربما يأتي على الكافر يوم يتمنى أنه كان أسلم.

ويقال: أقسم الله بالألف، واللام، والراء، إن هذا القرآن حق، وهو يبين لكم الحق من الباطل.

وأقسم أنه رُبَّ يومٍ يأتي على الكافر يتمنى أنه ليت كان مؤمناً في الدنيا.

يقول الكافر: يا ليتني كنت مؤمناً في الدنيا.

أي: يوم القيامة.

وذلك أن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب، ورأى حالاً من أحوال المسلمين، وَدَّ أن لو كان مسلماً.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «يخرج من النار حين يقال: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان.

فيتمنى الكافر أن لو كان مؤمناً» ، فذلك قوله رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.

وروي حماد بن أبي سليمان قال: سألت إبراهيم النخعي عن هذه الآية.

قال: «نزلت في الكفار، يعيرون أهل التوحيد ويقولون: ما أغنى عنكم إيمانكم، وأنتم معنا، فيغضب الله لهم، فيأمر الله النبيين والملائكة فيشفعون، فيخرج أهل التوحيد من النار، حتى إن إبليس يتطاول رجاء أن يخرج، ويتمنى الكافر أن لو كان مسلماً في الدنيا» .

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا محمد بن شوكر.

قال: حدّثنا القاسم قال: حدّثنا أبو حنيفة، عن يزيد بن صهيب، عن جابر بن عبد الله.

قال: سألته عن الشفاعة.

فقال: «يعذب الله قوماً من أهل الإيمان، ثم يخرجهم منها بشفاعة محمد  .

قلت له: فأين قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها [المائدة: 37] قال: اقرأ ما قبلها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: 10] الآية.

يعني: إن تلك الآية نزلت في الكفار.

وقال مجاهد: إذا أخرج من النار من قال لا إله إلا الله، فعند ذلك يقولون: يا ليتنا كنا مسلمين، وعن أبي العالية مثله.

ثم قال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا يقول: اتركهم وخلّ عنهم يا محمد في الدنيا يأكلوا ويتمتعوا يَأْكُلُوا كالأنعام، وَيَتَمَتَّعُوا بعيشهم في الدنيا، لا تهمهم الآخرة ولا يعرفون ما في غد وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ يعني: يشغلهم الأمل الطويل عن الطاعة، وعن ذِكْرِ الله تعالى.

ويقال: يشغلهم طول الأمل عن الطاعة، وذكر الأجل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وهذا وعيد لهم، أي يعرفون ما نزل بهم من العذاب والشدة يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الحجر]

مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ: قال مجاهد وقتادة:

الْكِتابِ: في الآية: ما نزل من الكُتُب قَبْل القرآن «١» ، ويحتمل أنْ يراد ب الْكِتابِ القرآن: ثم تُعْطَفُ الصفَةُ عليه، و «رُبَّمَا» : للتقليلِ، وقد تجيء شاذَّةً «٢» للتكثير.

وقال قوم: إِن هذه مِنْ ذلك، وأنكر الزَّجَّاج أنْ تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ، واختلف المتأوِّلون في الوَقْت الذي يَوَدُّ فيه الكفَّار أنْ يكونوا مسلمين، فقالَتْ فرقة: هو عند معاينة المَوْتِ، حَكَى ذلك الضَّحَّاك «٣» ، وقالَتْ فرقة: هو عند معايَنَةِ أهْوَالِ يومِ القيَامَة، وقال ابنُ عبَّاس وغيره: هو عِنْدَ دخولهم النَّار، ومعرفَتِهِم، بدخولِ المؤمنين الجَنَّة «٤» ، وروي فيه حديث من طريق أبي موسى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ﴾ أيْ: دَعِ الكُفّارَ يَأْخُذُوا حُظُوظَهم في الدُّنْيا، ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ ﴾ أيْ: ويَشْغَلُهم ما يَأْمُلُونَ في الدُّنْيا عَنْ أخْذِ حَظِّهِمْ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ إذا ورَدُوا القِيامَةَ وبالَ ما صَنَعُوا، وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما دلّت (رُبّ) على التقليل اقتضت أن استمرارهم على غلوائهم هو أكثر حالهم، وهو الإعراض عما يدعوهم إليه الإسلام من الكمال النفسي، فبإعراضهم عنه رضوا لأنفسهم بحياة الأنعام، وهي الاقتصار على اللذات الجسدية، فخوطب الرسول صلى الله عليه وسلم بما يُعرّض لهم بذلك من أن حياتهم حياة أكل وشرب.

وذلك مما يتعيّرون به في مجاري أقوالهم كما في قول الحطيئة: دَع المكارم لا تنهض لبُغيتها *** واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعم الكاسي وهم منغمسون فيما يتعيّرون به في أعمالهم قال تعالى: ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ﴾ [سورة محمد: 12].

و ﴿ ذر ﴾ أمر لم يسمع له ماض في كلامهم.

وهو بمعنى الترك.

وتقدم في قوله: ﴿ وذر الذين اتّخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ في سورة الأنعام (70).

والأمر بتركهم مستعمل في لازمه وهو قلة جدوى الحرص على إصلاحهم.

وليس مستعملاً في الإذن بمتاركتهم لأن النبي مأمور بالدوام على دعائهم.

قال تعالى: وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً إلى قوله: ﴿ وذكّر به أن تبسل نفس بما كسبت ﴾ [سورة الأنعام: 70].

فما أمره بتركهم إلا وقد أعقبه بأمره بالتذكير بالقرآن؛ فعلم أن الترك مستعمل في عدم الرجاء في صلاحهم.

وهذا كقول كبشة أُخت عمرو بن معد يكرب في قتل أخيها عبد الله تستنهض أخاها عمراً للأخذ بثأره: وَدَعْ عنك عمرا إن عَمْرا مُسالِم *** وهل بَطن عَمرو غيرُ شِبر لمَطْعَم وقد يستعمل هذا الفعل وما يراد به كناية عن عدم الاحتياج إلى الإعانة أو عن عدم قبول الوساطة كقوله تعالى: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيدا ﴾ [سورة المدثر: 11]، وقوله: ﴿ وذرني والمكذبين ﴾ [سورة المزمل: 11].

وقد يستعمل في الترك المجازي بتنزيل المخاطب منزلة المتلبّس بالضدّ كقول أبي تمام: دعوني أنُحْ من قبل نوح الحمائم *** ولا تجعلوني عُرضة للوَائِم إذ مثل هذا يقال عند اليأس والقنوط عن صلاح المرء.

وقد حذف متعلق الترك لأن الفعل نزل منزلة ما لا يحتاج إلى متعلق، إذ المعني به ترك الاشتغال بهم والبعد عنهم، فلذلك عدّي فعل الترك إلى ذواتهم ليدل على اليأس منهم.

ويأكلوا } مجزوم بلام الأمر محذوفة كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ﴾ في سورة إبراهيم (31).

وهو أمر للتوبيخ والتوعد والإنذار بقرينة قوله: ﴿ فسوف يعلمون ﴾ .

وهو كقوله: ﴿ كلوا وتمتعوا قليلاً إنكم مجرمون ﴾ سورة المرسلات (46).

ولا يحسن جعله مجزوماً في جواب ذرهم} لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك الرسول صلى الله عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم.

والتمتع: الانتفاع بالمتاع.

وقد تقدم غير مرة، منها قوله: ﴿ ومتاع إلى حين ﴾ في سورة الأعراف (24).

وإلهاء الأمل إياهم: هو إنساؤه إياهم ما حقهم أن يتذكروه؛ بأن يصرفهم تطلب ما لا ينالون عن التفكير في البعث والحياة الآخرة.

و ﴿ الأمَلُ ﴾ : مصدر.

وهو ظن حصول أمر مرغوب في حصوله مع استبعاد حصوله.

فهو واسطة بين الرجاء والطمع.

ألا ترى إلى قول كعب: أرجو وآمُل أن تدنو مودتها *** وما إخال لدينا منك تنويل وتفرع على التعريض التصريح بالوعيد بقوله: ﴿ فسوف يعلمون ﴾ بأنه مما يستعمل في الوعيد كثيراً حتى صار كالحقيقة.

وفيه إشارة إلى أن لإمهالهم أجلاً معلوماً كقوله: ﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب ﴾ [سورة الفرقان: 42].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الحِجْرِ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ ﴾ فَمَدَنِيَّةٌ.

﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ، جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ.

الثّانِي: أنَّ الكِتابَ هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ثُمَّ قَرَنَها بِالقُرْآنِ بِالقُرْآنِ المُبِينِ.

وَفي المُرادِ بِالمُبِينِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُبِينُ إعْجازَهُ حَتّى لا يُعارَضَ.

الثّانِي: المُبِينُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ حَتّى لا يُشْكَلا.

الثّالِثُ: المُبِينُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ حَتّى لا يَشْتَبِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ وفي زَمانِ هَذا التَّمَنِّي ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا حِينَ يَتَبَيَّنُ لَهُمُ الهُدى مِنَ الضَّلالَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: في القِيامَةِ إذا رَأوْا كَرامَةَ المُؤْمِنِينَ وذُلَّ الكافِرِينَ.

الثّالِثُ: إذا دَخَلَ المُؤْمِنُ الجَنَّةَ، والكافِرُ النّارَ.

وَقالَ الحَسَنُ: إذا رَأى المُشْرِكُونَ المُؤْمِنِينَ وقَدْ دَخَلُوا الجَنَّةَ وصارُوا هم إلى النّارِ تَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ.

وَرُبَّما مُسْتَعْمَلَةٌ في هَذا المَوْضِعِ لِلْكَثِيرِ، وإنْ كانَتْ في الأصْلِ مَوْضُوعَةً لِلتَّقْلِيلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ألا رُبَّما أهْدَتْ لَكَ العَيْنُ نَظْرَةً قُصاراكَ مِنها أنَّها عَنْكَ لا تُجْدِي وَقالَ بَعْضُهم هي لِلتَّقْلِيلِ أيْضًا في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ في بَعْضِ المَواضِعِ لا في كُلِّها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ﴾ الآية.

قال: هؤلاء الكفرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذرهم ﴾ قال: خل عنهم.

وأخرج أحمد في الزهد والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا أعلمه إلا رفعه.

قال: صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل.

وأخرج أحمد وابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس عوداً بين يديه وآخر إلى جنبه وآخر بعده.

قال: أتدرون ما هذا؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: فإن هذا الإِنسان وهذا أجله وهذا أمله، فيتعاطى الأمل فيختلجه الأجل دون ذلك» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل وابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مُثّل الإِنسان والأمل والأجل، فمثّل الأجل إلى جانبه، والأمل أمامه، فبينما هو يطلب الأمل إذ أتاه الأجل فاختلجه» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطوطاً وخط خطاً منها ناحية، فقال: أتدرون ما هذا...؟

هذا مثل ابن آدم، وذاك الخط الأمل، فبينما هو يؤمل إذ جاءه الموت» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾ يقول: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولاخلاق لهم في الآخرة، وقال صاحب النظم: المعنى ذرهم ولا تَدْعُ عليهم فيهلكوا (١) ﴿ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ﴾ يقال: لَهِيتُ عن (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) صرَمَتْ حِبالَكَ فالْهَ عنها زَينبُ ...

ولَقَد أَطَلْتَ عِتَابَها لو تُعْتِب (٧) ويقال: ألهاه الشيء، أي: شغله وأنساه وحمله على الترك والإعراض، قال المفسرون في قوله: ﴿ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ﴾ شغلهم الأمل عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة (٨) ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ، أي فسوف يعلمون إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا.

(١) وهو قول غريب لم أجد أحدًا من المفسرين قال به، ووجه الغرابة أنه ثبت دعاؤه على الكفار في بعض المناسبات.

(٢) في جميع النسخ (من) والمثبت هو الصحيح وموافق لجميع المصادر.

(٣) "جمهرة اللغة" 2/ 991، "تهذيب اللغة" (لهى) 4/ 3304 "الصحاح" (لها) 6/ 2488، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 154.

(٤) في جميع النسخ: (من)، والمثبت هو الصحيح وموافق لجميع المصادر.

(٥) لم أجده في كتب السنة، وورد في "تهذيب اللغة" (لهى) 4/ 3304 بنصه، "الصحاح" (لها) 6/ 2488، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 155.

(٦) المصادر السابقة.

(٧) ورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" (لهى) 4/ 3304، "تفسير الفخر الرازي" 19/ 155.

(٨) ورد في "تفسير الطبري" 14/ 5 بنحوه، والثعلبي 2/ 145 ب بنصه، و"تفسير البغوي" 4/ 368، وابن الجوزي 4/ 382، والفخرالرازي 19/ 155، والخازن 3/ 88.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اترك -أيها الرسول- هؤلاء المكذبين يأكلوا كما تأكل الأنعام، ويتمتعوا بملذات الدنيا المنقطعة، ويشغلهم طول الأمل عن الإيمان والعمل الصالح، فسوف يعلمون ما هم فيه من الخسران إذا وردوا على الله يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.j1pmo"

مزيد من التفاسير لسورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر