الآية ١٠٢ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١٠٢ من سورة الإسراء

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًۭا ١٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٢ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ) أي : حججا وأدلة على صدق ما جئتك به ( وإني لأظنك يافرعون مثبورا ) أي : هالكا ؛ قاله مجاهد وقتادة .

وقال ابن عباس ملعونا .

وقال : أيضا هو والضحاك : ( مثبورا ) أي : مغلوبا .

والهالك - كما قال مجاهد - يشمل هذا كله ، قال عبد الله بن الزبعرى : إذ أجاري الشيطان في سنن الغ ي ومن مال ميله مثبور [ بمعنى هالك ] .

وقرأ بعضهم برفع التاء من قوله : " علمت " وروي ذلك عن علي بن أبي طالب .

ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون ، كما قال تعالى : ( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) [ النمل : 13 ، 14 ] .

فهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا ، واليد ، والسنين ، ونقص من الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .

التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه ، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله .

وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث ، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه ، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون ؟

وما جاء هذا الوهم إلا من قبل " عبد الله بن سلمة فإن له بعض ما ينكر .

والله أعلم .

ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات ، فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات ، فحصل وهم في ذلك .

والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) فقرأ عامة قرّاء الأمصار ذلك ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) بفتح التاء، على وجه الخطاب من موسى لفرعون ، ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك، أنه قرأ " لَقَدْ عَلِمْتُ" بضمّ التاء، على وجه الخبر من موسى عن نفسه ، ومن قرأ ذلك على هذه القراءة، فإنه ينبغي أن يكون على مذهبه تأويل قوله إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا إني لأظنك قد سُحِرت، فترى أنك تتكلم بصواب وليس بصواب ، وهذا وجه من التأويل ، غير أن القراءة التي عليها قرّاء الأمصار خلافها، وغير جائز عندنا خلاف الحجة فيما جاءت به من القراءة مجمعة عليه.

وبعد، فإن الله تعالى ذكره قد أخبر عن فرعون وقومه أنهم جحدوا ما جاءهم به موسى من الآيات التسع ، مع علمهم بأنها من عند الله بقوله وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فأخبر جلّ ثناؤه أنهم قالوا: هي سحر، مع علمهم واستيقان أنفسهم بأنها من عند الله، فكذلك قوله ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) إنما هو خبر من موسى لفرعون بأنه عالم بأنها آيات من عند الله ، وقد ذُكر عن ابن عباس أنه احتجّ في ذلك بمثل الذي ذكرنا من الحجة.

قال: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال : ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) يا فرعون بالنصب ( مَا أَنـزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) ، ثم تلا وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا .

فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: قال موسى لفرعون: لقد علمت يا فرعون ما أنـزل هؤلاء الآيات التسع البينات التي أريتكها حجة لي على حقيقة ما أدعوك إليه، وشاهدة لي على صدق وصحة قولي، إني لله رسول، ما بعثني إليك إلا ربّ السماوات والأرض، لأن ذلك لا يقدر عليه، ولا على أمثاله أحد سواه ، بصائر: يعني بالبصائر: الآيات، أنهنّ بصائر لمن استبصر بهنّ ، وهدى لمن اهتدى بهنّ ، يعرف بهنّ من رآهنّ أن من جاء بهنّ فمحقّ ، وأنهنّ من عند الله لا من عند غيره، إذ كنّ معجزات لا يقدر عليهنّ ، ولا على شيء منهنّ سوى ربّ السموات والأرض ، وهو جمع بصيرة.

وقوله ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) يقول: إني لأظنك يا فرعون ملعونا ممنوعا من الخير ، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا الأمر: أي ما منعك منه، وما صدّك عنه؟

وثبره الله فهو يُثْبره ويَثبُره لغتان، ورجل مثبور: محبوس عن الخيرات هالك، ومنه قول الشاعر: إذْ أُجـارِي الشَّـيطانَ فـي سَننِ الغَيّ وَمـــنْ مــالَ مَيْلَــهُ مَثْبُــورُ (4) وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عبد الله بن عبد الله الكلابي، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، قال: ثنا عمر بن عبد الله، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) قال ملعونا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: أخبرنا عمر بن عبد الله الثقفي ، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) يقول: ملعونا.

وقال آخرون: بل معناه: إني لأظنك يا فرعون مغلوبا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) يعني: مغلوبا.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) يقول: مغلوبا.

وقال بعضهم: معنى ذلك: إني لأظنك يا فرعون هالكا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: مثبورا: أي هالكا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) : أي هالكا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنحوه.

وقال آخرون: معناه: إني لأظنك مبدِّلا مغيرا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله بن موسى، عن عيسى بن موسى، عن عطية ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) قال: مبدّلا.

وقال آخرون: معناه: مخبولا لا عقل له.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ) قال: الإنسان إذا لم يكن له عقل فما ينفعه؟

يعني: إذا لم يكن له عقل ينتفع به في دينه ومعاشه دعته العرب مثبورا ، قال: أظنك ليس لك عقل يا فرعون، قال : بينا هو يخافه ولا ينطق لساني أن أقول (5) هذا لفرعون، فلما شرح الله صدره، اجترأ أن يقول له فوق ما أمره الله.

وقد بيَّنا الذي هو أولى بالصواب في ذلك قبل.

------------------ الهوامش : (4) البيت لعبد الله بن الزبعرى من مقطوعة أربعة أبيات، قالها حين جاء إلى النبي مسلما معتذرا عما فرط منه من هجائه، بتحريض قريش على ذلك (انظر سيرة ابن هشام طبعة مصطفى الحلبي وأولاده، بتحقيق مصطفى السقا والإبياري وشلبي، الطبعة الثانية القسم الثاني ص 419) والبيتان الأولان منها: يــا رَسُــولَ المَلِيــكِ إنَّ لسـاني رَاتِــقٌ مــا فَتَقْـتُ إذْ أنـا بُـورُ إذْ أُبـارِي الشَّـيْطَانَ فِـي سَـننِ الْغَيِّ وَمَـــنْ مَــالَ مَيْلَــهُ مَثْبُــورُ والراتق: الذي يسد الخرق.

تقول: ارتقت الشيء: إذا أصلحته وسددته.

وفتقت: يعني في الدين، فكل إثم فتق وتمزيق، وكل توبة رتق.

ومن أجل ذلك قيل التوبة نصوح، من نصحت الثوب: إذا خطته والنصاح: الخيط.

وبور: هالك.

يقال: رجل بور وبائر، وقوم بور.

وأباري: أجاري وأعارض، وهي رواية في البيت.

والسنن بالتحريك: وسط الطريق.

ومثبور هالك.

وهنا محل الشاهد عند المؤلف.

قال: ثبره الله يثبره ويثبره: (كنصر وضرب) لغتان.

ورجل مثبور: محبوس عن الخير هالك.

(5) كذا في الأصل، والسياق مضطرب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يافرعون مثبوراقوله تعالى : قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء يعني الآيات التسع .

وأنزل بمعنى أوجد .إلا رب السماوات والأرض بصائر أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته .

وقراءة العامة علمت بفتح التاء ، خطابا لفرعون .

وقرأ الكسائي بضم التاء ، وهي قراءة علي - رضي الله عنه - ; وقال : والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي يعلم ، فبلغت ابن عباس فقال : إنها " لقد علمت " ، واحتج بقوله - تعالى - : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا .

ونسب فرعون إلى العناد .

وقال أبو عبيد : والمأخوذ به عندنا فتح التاء ، وهو الأصح للمعنى الذي احتج به ابن عباس ; ولأن موسى لا يحتج بقوله : علمت أنا ، وهو الرسول الداعي ، ولو كان مع هذا كله تصح به القراءة عن علي لكانت حجة ، ولكن لا تثبت عنه ، إنما هي عن كلثوم المرادي وهو مجهول لا يعرف ، ولا نعلم أحدا قرأ بها غير الكسائي .

وقيل : إنما أضاف موسى إلى فرعون العلم بهذه المعجزات ; لأن فرعون قد علم مقدار ما يتهيأ للسحرة فعله ، وأن مثل ما فعل موسى لا يتهيأ لساحر ، وأنه لا يقدر على فعله إلا من يفعل الأجسام ويملك السماوات والأرض .

وقال مجاهد : دخل موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له ، فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان ، فرأى فرعون جانبي البيت بين فقميها ، ففزع وأحدث في قطيفته .وإني لأظنك يافرعون مثبورا الظن هنا بمعنى التحقيق .

والثبور : الهلاك والخسران أيضا .

قال الكميت : [ ص: 303 ]ورأت قضاعة في الأيا من رأي مثبور وثابرأي مخسور وخاسر ، يعني في انتسابها إلى اليمن .

وقيل : ملعونا .

رواه المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس .

وقاله أبان بن تغلب .

وأنشد :يا قومنا لا تروموا حربنا سفها إن السفاه وإن البغي مثبورأي ملعون .

وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس : مثبورا ناقص العقل .

ونظر المأمون رجلا فقال له : يا مثبور ; فسأل عنه قال .

قال الرشيد قال المنصور لرجل : مثبور ; فسألته فقال : حدثني ميمون بن مهران .

.

.

فذكره .

وقال قتادة هالكا .

وعنه أيضا والحسن ومجاهد .

مهلكا .

والثبور : الهلاك ; يقال : ثبر الله العدو ثبورا أهلكه .

وقيل : ممنوعا من الخير حكى أهل اللغة : ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه .

وثبره الله ثبرا .

قال ابن الزبعرى :إذ أجاري الشيطان في سنن الغ ي ومن مال ميله مثبورالضحاك : مثبورا مسحورا .

رد عليه مثل ما قال له باختلاف اللفظ .

وقال ابن زيد : مثبورا مخبولا لا عقل له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فـ { قَالَ } له موسى { لَقَدْ عَلِمْتَ } يا فرعون { مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ } الآيات { إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } منه لعباده، فليس قولك هذا بالحقيقة، وإنما قلت ذلك ترويجًا على قومك، واستخفافًا لهم.

{ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } أي: ممقوتًا، ملقى في العذاب، لك الويل والذم واللعنة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) موسى ( لقد علمت ) قرأ العامة بفتح التاء خطابا لفرعون وقرأ الكسائي بضم التاء ويروى ذلك عن علي وقال : لم يعلم الخبيث أن موسى على الحق ولو علم لآمن ولكن موسى هو الذي علم قال ابن عباس : علمه فرعون ولكنه عاند قال الله تعالى : " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " ( النمل - 14 ) .

وهذه القراءة وهي نصب التاء أصح في المعنى وعليه أكثر القراء لأن موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه ولا يثبت عن علي رفع التاء لأنه روي عن رجل من مراد عن علي وذلك أن الرجل مجهول ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي .

( ما أنزل هؤلاء ) هذه الآيات التسع ( إلا رب السماوات والأرض بصائر ) جمع بصيرة أي يبصر بها .

( وإني لأظنك يا فرعون مثبورا ) قال ابن عباس : ملعونا .

وقال مجاهد : هالكا وقال قتادة : مهلكا .

وقال الفراء : أي مصروفا ممنوعا عن الخير .

يقال : ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما منعك وصرفك عنه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء» الآيات «إلا رب السماوات والأرض بصائر» عبرا، ولكنك تعاند وفي قراءة بضم التاء «وإني لأظنك يا فرعون مثبورا» هالكا أو مصروفا عن الخير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فردَّ عليه موسى: لقد تيقَّنتَ -يا فرعون- أنه ما أنزل تلك المعجزات التسع الشاهدة على صدق نبوتي إلا رب السموات والأرض؛ لتكون دلالات يَستدِل بها أولو البصائر على وحدانية الله تعالى في ربوبيته وألوهيته، وإني لعلى يقين أنك -يا فرعون- هالك ملعون مغلوب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والحق أن ما رجحه الإِمام ابن كثير من أن المراد بالآيات التسع هنا : ما آتاه الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - من العصا ، واليد .

.

.

هو الذى تسكن إليه النفس ، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض بَصَآئِرَ .

.

.

) يؤيد أن المراد بها ما تقدم من العصا ، واليد ، والسنين .

.

ولأنها هى التى فيها الحجج ، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق موسى - عليه السلام - .

أما تلك الوصايا التى وردت فى الحديث فلا علاقة لها بقيام الحجة على فرعون - كما قال الإِمام ابن كثير .هذا ، والخطاب فى قوله - تعالى - : ( فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ ) يرى بعضهم أنه للنبى صلى الله عليه وسلم والمسئولون هم المؤمنون من بنى إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه .وعلى هذا التفسير يكون قوله : ( إذ جاءهم ) ظرف لقوله ( آتينا ) وجملة ( فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) معترضة بين العامل والمعمول .والمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، وقت أن أرسله الله - تعالى - إلى فرعون وقومه ، فاسأل - أيها الرسول الكريم - المؤمنين من بنى إسرائيل عن ذلك ، ستجد منهم الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ما طالعوه فى التوراة .والمقصود بسؤالهم : الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيمانًا على إيمانهم ، لأن من شأن الأدلة إذا تضافرت وتعددت ، أن تكون أقوى وأثبت فى تأييد المدعى .قال الآلوسى : " والمعنى : فاسأل يا محمد مؤمنى أهل الكتاب عن ذلك ، إما لأن تظاهر الأدلة أقوى - فى التثبيت - ، وإما من باب التهييج والإِلهاب ، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت فى كتابهم .

وليس المقصود حقيقة السؤال .

بل كونهم - أعنى المسئولين - من أهل علمه ، ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم " .ويرى آخرون أن الخطاب لموسى - عليه السلام - ، وعليه يكون السؤال إما بمعناه المشهور أو بمعنى الطلب ، ويكون قوله ( إذ جاءهم ) ظرفًا لفعل مقدر .والمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، فقلنا له حين مجيئه إلى بنى إسرائيل : اسألهم عن أحوالهم مع فرعون ، أو اطلب منهم أن يؤمنوا بك ويصدقوك ، ويخرجوا معك حين تطلب من فرعون ذلك .والفاء فى قوله : ( فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً ) هى الفصيحة .إذ المعنى : فامتثل موسى أمرنا ، وسأل بنى إسرائيل عن أحوالهم ، وطلب من فرعون أن يرسلهم معه ، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على صدقه ، فقال فرعون لموسى على سبيل التعالى والتهوين من شأنه - عليه السلام - : يا موسى إنى لأظنك مسحورًا .أى : سُحرت فخولط عقلك واختل ، وصرت تتصرف تصرفًا يتنافى مع العقل السليم ، وتدعى دعاوى لا تدل على تفكير قويم .فقوله ( مسحورا ) اسم مفعول .

يقال : سحر فلان فلانًا يسحره سحرًا فهو مسحور ، إذا اختلط عقله .ويجوز أن يكون قوله ( مسحورًا ) بمعنى ساحر ، فيكون المعنى : إنى لأظنك يا موسى ساحرًا ، عليمًا بفنون السحر فقد أتيت بأشياء عجيبة يشير بذلك إلى انقلاب العصا حية بعد أن ألقاها - عليه السلام - .وهذا شأن الطغاة فى كل زمان ومكان ، عندما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم ، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم .

.

.

يرمون أهله - زورا وبهتانًا - بكل نقيصة .وعندما يحكى القرآن الكريم ما رد به موسى على فرعون فيقول : ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض بَصَآئِرَ ) .أى : قال موسى لفرعون ردًا على كذبه وافترائه : لقد علمت يا فرعون أنه ما أوجد هذه الآيات التسع إلا الله - تعالى - خالق السموات والأرض ، وقد أوجدها - سبحانه - بصورة واضحة جلية ، حتى لكأتها البصائر فى كشفها للحقائق وتجليتها .فقوله ( بصائر ) حال من ( هؤلاء ) أى : أنزل هذه الآيات حال كونها بينات واضحات تدلك على صدقى .وفى هذا الرد توبيخ لفرعون على تجاهله الحقائق ، حيث كان يعلم علم اليقين أن موسى - عليه السلام - ليس مسحورًا ولا ساحرًا ، وأن الآيات التى جاء بها إنما هى من عند الله - تعالى - ، كما قال - سبحانه - : مخاطبًا موسى : ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء فِي تِسْعِ آيَاتٍ إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين ) وقوله : ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً ) توبيخ آخر لفرعون ، وتهديد له لأنه وصف نبيًا من أنبياء الله - تعالى - بأنه مسحور .ومثبورًا بمعنى مهلك مدمر .

يقال : ثبر الله - تعالى - الظالم يثبره ثبورًا ، إذا أهلكه .أو بمعنى مصروفًا عن الخير .

مطبوعًا على الشر من قولهم : ما ثبرك يا فلان عن هذا الأمر؟

أى : ما الذى صرفك ومنعك عنه .والظن هنا بمعنى اليقين ، والمعنى : وإنى لأعتقد يا فرعون أن مصيرك إلى الهلاك والتدمير ، بسبب إصرارك على الكفر والطغيان ، من بعد إتيانى بالمعجزات الدالة على صدقى فيما أبلغه عن ربى الذى خلقنى وخلقك وخلق كل شئ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذا الكلام أيضاً الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة فقال تعالى: إنا آتينا موسى معجزات مساوية لهذه الأشياء التي طلبتموها بل أقوى منها وأعظم فلو حصل في علمنا أن جعلها في زمانكم مصلحة لفعلناها كما فعلنا في حق موسى فدل هذا على إنا إنما لم نفعلها في زمانكم لعلمنا أنه لا مصلحة في فعلها.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه الصلاة والسلام.

أحدها: أن الله تعالى أزال العقدة من لسانه قيل في التفسير ذهبت العجمة وصار فصيحاً.

وثانيها: إنقلاب العصا حية.

وثالثها: تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها.

ورابعها: اليد البيضاء وخمسة أخر وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.

والعاشر: شق البحر وهو قوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر  ﴾ والحادي عشر: الحجر وهو قوله: ﴿ أَنِ أضْرِب بّعَصَاكَ الحجر  ﴾ .

الثاني عشر: إظلال الجبل وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ  ﴾ .

والثالث عشر: إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه.

والرابع عشر والخامس عشر: قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين وَنَقْصٍ مّن الثمرات  ﴾ .

والسادس عشر: الطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير، روى أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله: ﴿ تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ ﴾ فذكر محمد بن كعب في مسألة التسع حل عقدة اللسان والطمس فقال عمر بن عبد العزيز هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال: يا غلام اخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا فيه بيض مكسور نصفين وجوز مكسور وفول وحمص وعدس كلها حجارة إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر في القرآن هذه المعجزات الستة عشر لموسى عليه الصلاة والسلام وقال في هذه الآية: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ ﴾ وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه لأنا بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة بهذه الآية ثم نقول: أما هذه التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وبقي الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما ولما لم تكن تلك الأحوال مستندة إلى حجة ظنية فضلاً عن حجة يقينية لا جرم تركت تلك الروايات، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ ﴾ أقوال أجودها ما روى صفوان بن عسال أنه قال: إن يهودياً قال لصاحبه إذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع آيات فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عنها فقال: هن أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن تعدوا في السبت فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالوا نشهد إنك نبي ولولا نخاف القتل وإلا اتبعناك.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فاسأل بَنِى إسراءيل إِذْ جَاءهُمْ ﴾ فيه مباحث: البحث الأول: فيه وجوه: الوجه الأول: أنه اعتراض دخل في الكلام والتقدير: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إذ جاء بني إسرائيل فاسألهم وعلى هذا التقدير فليس المطلوب من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد.

والوجه الثاني: أن يكون قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ أي سلهم عن فرعون.

وقل له أرسل معي بني إسرائيل.

والوجه الثالث: سل بني إسرائيل أي سلهم أن يوافقوك والتمس منهم الإيمان الصالح.

وعلى هذا التأويل فالتقدير فقلنا له سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك.

البحث الثاني: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يسأل بني إسرائيل معناه الذين كانوا موجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم والذين جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام هم الذين كانوا في زمانه إلا أن الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا أولاد أولئك الذين كانوا في زمان موسى حسنت هذه الكناية.

ثم أخبر تعالى أن فرعون قال لموسى: ﴿ إِنّى لأَظُنُّكَ ياموسى مَّسْحُورًا ﴾ وفي لفظ المسحور وجوه: الأول: قال الفراء: إنه بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون وذكرنا هذا في قوله: ﴿ حِجَابًا مَّسْتُورًا  ﴾ أنه مفعول من السحر أي أن الناس سحروك وخبلوك فتقول هذه الكلمات لهذا السبب.

الثالث: قال محمد بن جرير الطبري معناه أعطيت علم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من ذلك السحر ثم أجابه موسى عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ الكسائي ﴿ علمت ﴾ بضم التاء أي علمت أنها من علم الله فإن علمت وأقررت وإلا هلكت والباقون بالفتح وضم التاء قراءة علي وفتحها قراءة ابن عباس وكان علي رضي الله عنه يقول والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فاحتج بقوله: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ  ﴾ على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى عليه السلام قال الزجاج الأجود في القراءة الفتح لأن علم فرعون بأنها آيات نازلة من عند الله أوكد في الحجة فاحتجاج موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج بعلم نفسه.

وأجاب الناصرون لقراءة علي عليه السلام عن دليل ابن عباس فقالوا قوله: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ﴾ يدل على أنهم استيقنوا شيئاً ما فأما أنهم استيقنوا كون هذه الآيات نازلة من عند الله فليس في الآية ما يدل عليه، وأجابوا عن الوجه الثاني بأن فرعون قال: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  ﴾ قال موسى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ فكأنه نفي ذلك وقال لقد علمت صحة ما أتيت به علماً صحيحاً علم العقلاء.

واعلم أن هذه الآيات من عند الله ولا تشك في ذلك بسبب سفاهتك.

البحث الثاني: التقدير ما أنزل هؤلاء الآيات ونظيره قوله: والعيش بعد أولئك الأقوام.

وقوله: ﴿ بصائر ﴾ أي حججاً بينة كأنها بصائر العقول وتحقيق الكلام أن المعجزة فعل خارق للعادة فعله فاعله لغرض تصديق المدعى ومعجزات موسى عليه الصلاة والسلام كانت موصوفة بهذين الوصفين لأنها كانت أفعالاً خارقة للعادة وصرائح العقول تشهد بأن قلب العصا حية معجزة عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ثم إن تلك الحية تلقفت حبال السحرة وعصيهم على كثرتها ثم عادت عصا كما كانت فأصناف تلك الأفعال لا يقدر عليها أحد إلا الله، وكذا القول في فرق البحر وإظلال الجبل فثبت أن تلك الأشياء ما أنزلها إلا رب السموات.

الصفة الثانية: أنه تعالى إنما خلقها لتدل على صدق موسى في دعوة النبوة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض ﴾ حال كونها بصائر أي دالة على صدق موسى في دعواه وهذه الدقائق لا يمكن فهمها من القرآن إلا بعد إتقان علم الأصول وأقول يبعد أن يصير غير علم الأصول العقلي قاهراً في تفسير كلام الله ثم حكى تعالى أن موسى قال لفرعون: ﴿ إِنّى لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ واعلم أن فرعون قال لموسى: ﴿ وَإِنّى لأَظُنُّكَ يا موسى مَّسْحُورًا ﴾ فعارضه موسى وقال له: ﴿ وَإِنّى لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا ﴾ قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير والعرب تقول ما ثبرك عن هذا أي ما منعك منه وما صرفك، وقال أبو زيد: يقال ثبرت فلاناً عن الشيء أثبره أي رددته عنه، وقال مجاهد وقتادة هالكاً، وقال الزجاج: يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك، والثبور الهلاك، ومن معروف الكلام فلان يدعو بالويل والثبور عند مصيبة تناله، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَآ أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا  لَّا تَدْعُوا ٱلْيَوْمَ ثُبُورًا وَٰحِدًا وَٱدْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا  ﴾ واعلم أن فرعون لما وصف موسى بكونه مسحوراً أجابه موسى بأنك مثبور يعني هذه الآيات ظاهرة، وهذه المعجزات قاهرة ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله وفي أنه تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقي وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مّنَ الأرض ﴾ يعني أراد فرعون أن يخرجهم يعني موسى وقومه بني إسرائيل، ومعنى تفسير الاستفزاز تقدم في هذه السورة من الأرض يعني أرض مصر، قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منهم بالقتل أو بالتنحية ثم قال: ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا ﴾ المعنى ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ  ﴾ أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر لتخلص له تلك البلاد والله تعالى أهلك فرعون وجعل ملك مصر خالصة لموسى ولقومه وقال: لبني إسرائيل اسكنوا الأرض خالصة لكم خالية من عدوكم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة ﴾ يريد القيامة ﴿ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴾ من هاهنا وها هنا، واللفيف الجمع العظيم من أخلاط شتى من الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف.

وكل شيء خلطته بشيء آخر فقد لففته، ومنه قيل لففت الجيوش إذا ضربت بعضها ببعض وقوله التفت الزحوف ومنه، ﴿ التفت الساق بالساق  ﴾ والمعنى جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطاً يعني جميع الخلق المسلم والكافر والبر والفاجر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ يا فرعون ﴿ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء ﴾ الآيات إلا الله عز وجل ﴿ بَصَائِرَ ﴾ بينات مكشوفات، ولكنك معاند ماكبر: ونحوه: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ﴾ [النمل: 14] وقرئ ﴿ علمت ﴾ بالضم، على معنى: إني لست بمسحور كما وصفتني، بل أنا عالم بصحة الأمر.

وأنّ هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض.

ثم قارع ظنه بظنه، كأنه قال: إن ظننتني مسحوراً فأنا أظنك ﴿ مَثْبُورًا ﴾ هالكاً، وظني أصح من ظنك؛ لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته، ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها.

وأما ظنك فكذب بحت؛ لأن قولك مع علمك بصحة أمري، إني لأظنك مسحوراً قول كذاب.

وقال الفرّاء: ﴿ مَثْبُورًا ﴾ مصروفاً عن الخير مطبوعاً على قلبك، من قولهم: ما ثبرك عن هذا؟

أي: ما منعك وصرفك؟

وقرأ أبيّ بن كعب ﴿ وإن إخالك يا فرعون لمثبوراً ﴾ على إن المخففة واللام الفارقة ﴿ فَأَرَادَ ﴾ فرعون أن يستخف موسى وقومه من أرض مصر ويخرجهم منها، أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال، فحاق به مكره بأن استفزه الله بإغراقه مع قبطه ﴿ اسكنوا الأرض ﴾ التي أراد فرعون أن يستفزكم منها ﴿ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة ﴾ يعني قيام الساعة ﴿ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ﴾ جمعاً مختلطين إياكم وإياهم، ثم يحكم بينكم ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم: واللفيف: الجماعات من قبائل شتى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ يا فِرْعَوْنُ وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ عَلى إخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ.

﴿ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي الآياتِ.

﴿ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ ﴾ بَيِّناتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي ولَكِنَّكَ تُعانِدُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ.

﴿ وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا، أيْ ما صَرَفَكَ أوْ هالِكًا قارَعَ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنِينِ فَإنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ كَذِبٌ بَحْتٌ وظَنَّ مُوسى يَحُومُ حَوْلَ اليَقِينِ مِن تَظاهُرِ أماراتِهِ.

وقُرِئَ « وإنْ أخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا» عَلى إنِ المُخَفَّفَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ} أي موسى {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعون {مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ} الآيات {إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} خالقهما {بَصَآئِرَ} حال أي بينات مكشوفات لأنك معاند ونحوه وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا علمت بالضم عليّ أي إني لست بمسحور كما وصفتني بل أنا عالم بصحة الأمر وان هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض ثم قارع ظنه بظنه بقوله {وَإِنِّي لأظنك يا فرعون مَثْبُوراً} كأنه قال إن ظننتني مسحوراً فأنَا أظنك مثبورا وظني أصح من ظنك لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها

وأما ظنك فكذب بحت لأن قولك مع علمك بصحة أمري أنى لا أظنك مسحوراً قول كذب وقال الفراء مثبوراً مصروفاً عن الخير من قولهم ما ثبرك عن هذا أي ما منعك وصرفك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَدًّا لِقَوْلِهِ المَذْكُورِ: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ يا فِرْعَوْنُ ﴿ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ ﴾ أيِ الآياتِ التِّسْعَ أوْ بَعْضَها، والإشارَةُ إلى ذَلِكَ بِما ذُكِرَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ عَلى إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامُ، وقَدْ مَرَّ ﴿ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: خالِقُهَما ومُدَبِّرُهُما، وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّ عِلْمَكَ بِأنَّ هاتِيكَ الآياتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إذْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ تَعالى يَقْتَضِي أنِّي لَسْتُ بِمَسْحُورٍ ولا ساحِرٍ، وأنَّ كَلامِي غَيْرُ مُخْتَلٍّ لَكِنَّ حُبَّ الرِّياسَةِ حَمَلَكَ عَلى العِنادِ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ إيماءً إلى أنَّ إنْزالَها مِن آثارِ ذَلِكَ، وفي البَحْرِ: ما أحْسَنَ إسْنادَ إنْزالِها إلى رَبِّ السَّمَواتِ والأرْضِ إذْ هو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَهُ فِرْعَوْنُ في أوَّلِ مُحاوَرَتِهِ فَقالَ لَهُ: وما رَبُّ العالَمِينَ؟

قالَ: رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ تَنْبِيهًا عَلى نَقْصِهِ وأنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في الوُجُودِ فَدَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ دَعْوى مُسْتَحِيلٍ فَبَكَّتَهُ وأعْلَمَهُ أنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومَن أنْزَلَها ولَكِنَّهُ مُكابِرٌ مُعانِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا ﴾ وخاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ أيْ أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذِهِ أوْ هي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها ولَيْسَ خِطابُهُ عَلى جِهَةِ إخْبارِهِ عَنْ عِلْمِهِ أوِ العِلْمِ بِعِلْمِهِ لِيَكُونَ إفادَةَ لازِمِ الخَبَرِ كَقَوْلِكَ لِمَن حَفِظَ التَّوْراةَ: حَفِظْتَ التَّوْراةَ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والكِسائِيُّ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بِضَمِّ التّاءِ فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ كَما زَعَمَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى وعَدُوُّهُ بَلْ هو يَعْلَمُ أنَّ ما أنْزَلَ تِلْكَ الآياتِ إلّا خالِقُ السَّمَواتِ والأرْضِ ومُدَبِّرُهُما، ورُوِيَ عَنِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي عَلِمَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّهُ رَواهُ كُلْثُومٌ المُرادِيُّ وهو مَجْهُولٌ وكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ بابُ مَدِينَةِ العِلْمِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ووَجْهُ نِسْبَةِ العَلَمِ إلَيْهِ ظاهِرٌ.

وقَدْ ذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنصُورٍ وابْنَ المُنْذِرِ وابْنَ أبِي حاتِمٍ أخْرَجُوا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ بِالضَّمِّ ويَقُولُ ذَلِكَ.

ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِشَيْءٍ، ولَعَلَّ هَذا المَجْهُولَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في أسانِيدِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وجُمْلَةُ: ﴿ ما أنْزَلَ ﴾ إلَخْ مُعَلَّقٌ عَنْها سادَةٌ مَسَدَّ ﴿ عَلِمْتَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَصائِرَ ﴾ حالٌ مِن هَؤُلاءِ والعامِلُ فِيهِ أنْزَلَ المَذْكُورُ عِنْدَ الحُوفِيِّ وأبِي البَقاءِ وابْنِ عَطِيَّةَ وما قَبْلُ إلّا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ تابِعًا لَهُ، وقَدْ نَصَّ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ عَلى جَوازِ: ما ضَرَبَ هِنْدًا إلّا زَيْدٌ ضاحِكَةً، ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ عَدَمُ الجَوازِ؛ فَإنْ ورَدَ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ أُوِّلَ عِنْدَهم عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ، والتَّقْدِيرُ هُنا: أنْزَلَها بَصائِرَ؛ أيْ: بَيِّناتٍ مَكْشُوفاتٍ تُبَصِّرُكَ صِدْقِي عَلى أنَّهُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ بِمَعْنى مُبْصِرَةٍ أيْ بَيِّنَةٍ وتُطْلَقُ البَصائِرُ عَلى الحُجَجِ بِجَعْلِها كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، أيْ: ما أنْزَلَها إلّا حُجَجًا وأدِلَّةً عَلى صِدْقِي وتَكُونُ بِمَعْنى العِبْرَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِنَ الآياتِ التِّسْعِ ما اقْتَضاهُ خَبَرُ صَفْوانَ السّابِقُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( هَؤُلاءِ ) إشارَةً إلى ما أظْهَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُعْجِزاتِ ويُعْتَبَرُ إظْهارُ ذَلِكَ فِيما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ وإنْ أبَيْتَ إلّا جَعْلَها إشارَةً إلى الآياتِ المَذْكُورَةِ بِذَلِكَ المَعْنى لِتَحَقُّقِ جَمِيعِها مِن أوَّلِ الأمْرِ وثُبُوتِها وقْتَ المُحاوَرَةِ وشِدَّةِ مُلاءَمَةِ الإنْزالِ لَها احْتَجْتَ إلى ارْتِكابِ نَوْعِ تَكَلُّفٍ فِيما لا يَخْفى عَلَيْكَ.

﴿ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ أيْ: هالِكًا كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُ مِن ثَبَرَ اللّازِمِ بِمَعْنى هَلَكَ، ومَفْعُولُ فِيهِ لِلنَّسَبِ بِناءً عَلى أنَّهُ يَأْتِي لَهُ مِنَ اللّازِمِ والمُتَعَدِّي، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِ «مُهْلَكًا» وهو ظاهِرٌ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: أيْ: مَصْرُوفًا عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا؛ أيْ: ما مَنَعَكَ وإلَيْهِ يَرْجِعُ ما أخْرَجَهُ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن تَفْسِيرِهِ بِ «مَلْعُونًا» مَحْبُوسًا عَنِ الخَيْرِ.

وأخْرَجَ الشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرَهُ بِناقِصِ العَقْلِ، وفي مَعْناهُ تَفْسِيرُ الضَّحّاكِ بِمَسْحُورٍ قالَ: رَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِثْلِ ما قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿ مَثْبُورًا ﴾ في الآيَةِ فَقالَ: مُخالِفًا ثُمَّ قالَ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن أنْ يَلْعَنُوا أوْ يَسُبُّوا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مَعْنًى مَجازِيٌّ لَهُ وكَذا ناقِصُ العَقْلِ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ مالِكٌ فِيهِ ما فِيهِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ تَفْسِيرَهُ بِ «هالِكًا» ونَحْوِهِ مِمّا فِيهِ خُشُونَةٌ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى خِطابًا لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿ فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ﴾ وأشارَ أبُو حَيّانَ إلى جَوابِهِ بِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أوَّلًا يَتَوَقَّعُ مِن فِرْعَوْنَ المَكْرُوهَ كَما قالَ: ﴿ إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى ﴾ فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فَلَمّا قالَ سُبْحانَهُ لَهُ: ﴿ لا تَخَفْ ﴾ وثِقَ بِحِمايَةِ اللَّهِ تَعالى فَصالَ عَلَيْهِ صَوْلَةَ المَحْمِيِّ وقابَلَهُ مِنَ الكَلامِ بِما لَمْ يَكُنْ لِيُقابِلَهُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وفِيهِ كَلامٌ سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ، وبِالجُمْلَةِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ أظْهَرُ التَّفاسِيرِ ولا ضَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما مَعَ تَعْبِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالظَّنِّ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قارَعَ ظَنَّهُ بِظَنِّهِ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنَّيْنِ فَإنَّ ظَنَّ فِرْعَوْنَ إفْكٌ مُبِينٌ وظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَحُومُ حَوْلَ اليَقِينِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ كَعْبٍ: «وإنْ إخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا» عَلى «إنْ» المُخَفَّفَةِ واللّامِ الفارِقَةِ، وإخالُ بِمَعْنى أظُنُّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ في الفَصِيحِ وقَدْ تُفْتَحُ في لُغَةٍ كَما في القامُوسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، أي علامات واضحات مضيئات بالحجة عليهم وهاديات، إذ جاءهم موسى بالبينات.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله: تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ، وهي في سورة الأعراف وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ [الأعراف: 130] قال: «السنين لأهل البوادي، والنقص من الثمرات لأهل القرى، فهاتان آيتان.

والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وهذه خمس ويد موسى إذ أخرجها بيضاء من غير سوء، وعصاه إذ ألقاها فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ» .

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو موسى محمد بن إسحاق وخزيمة قالا: حدّثنا علي بن حزم قال: حدّثنا علي بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسال قال: «قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي فنسأله عن هذه الآيات: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ.

فقال: لا تقل، فإنه لو سمعها صارت له أربعة أعين.

فأتوه فسألوه، فقال: «ألاّ تُشْرِكُوا بالله شَيْئاً، وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالحَقِّ، وَلا تَسْرِقُوا، ولاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلا تَسْحَرُوا، وَلا تَقْذِفُوا مُحْصَناً- أو قال-: ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَّحْفِ، - شكّ شعبة- وَلا تَمْشُوا بَبرِيءٍ إلى سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يا مَعْشَرَ اليَهُودِ ألا تعدوا فِي السَّبْتِ» .

فقبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد إنك نبي الله ورسوله.

فقال: «وَمَا يَمْنَعُكُمَا أن تسلما؟» فقالا: لأن داود دعا ربه ألاَّ يزال في ذريته نبي، فنخاف أن تقتلنا اليهود (١) ثم قال تعالى: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ، يعني: موسى.

إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً أي مغلوب العقل.

قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هؤُلاءِ الآيات.

قرأ الكسائي: عَلِمْتَ بضم التاء، يعني: علمت أنا مَا أَنزَلَ هَؤُلاء الآيات إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يعني: إن لم تصدّقني، فأنا على يقين من ذلك.

وقرأ الباقون بالنصب، يعني: إنك تعلم ذلك، كما قال في آية أخرى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: 14] .

بَصائِرَ، أي علامات لنبوتي.

وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ، أي لأعلمنك يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً، أي ملعوناً هالكاً.

قال الحسن: مَثْبُوراً أي مهلكاً، وكذا قال قتادة.

وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: مَثْبُوراً ملعونا، وكذا روي عن الكلبي والضحاك.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 344 إلى الطيالسي وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأرض هنا أرْضُ مِصْر، ومتى ذكرت الأرض عموماً، فإِنما يراد بها ما يناسب القصَّة المتكلَّم فيها، واقتضبَتْ هذه الآيةُ قصص بني إِسرائيل مع فرعون، وإِنما ذكرت عِظَمَ الأمر وخطيره، وذلك طرفاه أراد فرعون غلبتهم وقتلهم، وهذا كان بَدْءَ الأمر فأغرقه اللَّه وجُنُودَهُ، وهذا كان نهايةَ الأمر، ثم ذكر سبحانه أمْرَ بني إسرائيل بعد إِغراق فرَعوْنَ بسُكْنَى أرض الشام ووَعْدُ الْآخِرَةِ هو يوم القيامة، «واللفيفُ» : الجَمْعُ المختلطُ الذي قد لفّ بعضه إلى بعض.

وقوله سبحانه: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ يعني القرآن نَزَلَ بالمصالح والسّداد للناس، وبِالْحَقِّ نَزَلَ يريد: بالحقِّ في أوامره ونواهيه وأخباره، وقرأ جمهور «١» الناس: «فَرْقَنَاهُ» بتخفيف الراء، ومعناه: بيَّنَّاه وأوضَحْناه وجَعَلْناه فرقاناً، وقرأ جماعةٌ خارجَ السبْعِ «٢» :

«فَرَّقْنَاهُ» بتشديد الراء، أي: أنزلناه شيئاً بعد شيء، لا جملةً واحدة، ويتناسق هذا المعنى مع قوله: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، وتأوّلت فرقةٌ قوله: عَلى مُكْثٍ أي: على ترسُّل في التلاوةِ، وترتُّل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جُرَيْج وابن زيد «٣» ، والتأويلُ الآخر، أي على مُكْثٍ وتطاوُلٍ في المدة شيئاً بعد شيء.

وقوله سبحانه: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا فيه تحقيرٌ للكفّار، وضرب من التوعّد، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ: قالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب، والْأَذْقانِ: أسافل الوجوه حيث يجتمع اللّحيان.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( فاسْألْ ) عَلى مَعْنى الأمْرِ لِرَسُولِ اللهِ  .

وإنَّما أمَرَ أنْ يَسْألَ مَن آَمَنَ مِنهم عَمّا أخْبَرَ [ بِهِ ] عَنْهُمْ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهم.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ( فَسَألَ بَنِي إسْرائِيلَ )، [ عَلى مَعْنى ] الخَبَرِ عَنْ مُوسى أنَّهُ سَألَ فِرْعَوْنَ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، ﴿ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ ﴾ ؛ أيْ: لَأحْسَبُكَ، ﴿ يا مُوسى مَسْحُورًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَخْدُوعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَسْحُورًا قَدْ سُحِرْتَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: ساحِرًا، فَوَضَعَ مَفْعُولًا في مَوْضِعِ فاعِلٍ، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.

فَقالَ مُوسى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِضَمِّها، وقالَ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ، ولَكِنْ مُوسى هو الَّذِي عَلِمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ  ﴾ .

واخْتارَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ قِراءَةَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَزِينٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ يَعْمُرَ.

واحْتَجَّ مَن نَصَرَها بِأنَّهُ لَمّا نُسِبَ مُوسى إلى أنَّهُ مَسْحُورٌ، أعْلَمَهُ بِصِحَّةِ عَقْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ ، والقِراءَةُ الأُولى أصَحُّ لِاخْتِيارِ الجُمْهُورِ، ولِأنَّهُ قَدْ أبانَ مُوسى مِنَ المُعْجِزاتِ ما أوْجَبَ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِصِدْقِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ إلّا بِالتَّعَلُّلِ والمُدافَعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ ﴿ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي: الآَياتِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " البَصائِرَ " في ( الأعْرافِ: ٢٠٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِّي لأظُنُّكَ ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ، عَلى خِلافِ ظَنِّ فِرْعَوْنَ في مُوسى، وسَوّى بَيْنَهُما بَعْضُهُمْ، فَجَعَلَ الأوَّلَ بِمَعْنى العِلْمِ أيْضًا.

وَفِي المَثْبُورِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَلْعُونُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: المَغْلُوبُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: النّاقِصُ العَقْلِ، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: المُهْلَكُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ثَبَرَ الرَّجُلُ، فَهو مَثْبُورٌ: إذا أُهْلِكَ.

والخامِسُ: الهالِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والسّادِسُ: المَمْنُوعُ مِنَ الخَيْرِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا؛ أيْ: ما مَنَعَكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضِ مِصْرَ.

وفي مَعْنى ﴿ يَسْتَفِزَّهُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَسْتَأْصِلُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَسْتَخِفُّهم حَتّى يَخْرُجُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْزازُهم إخْراجُهم مِنها بِالقَتْلِ أوْ بِالتَّنْحِيَةِ.

قالَ العُلَماءُ: وفي هَذِهِ الآَيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ  ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَرَجَ مُوسى فَطَلَبَهُ فِرْعَوْنُ، هَلَكَ فِرْعَوْنُ ومَلَكَ مُوسى، وكَذَلِكَ أظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ حَتّى رَجَعَ إلَيْها ظاهِرًا عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ ﴾ ؛ أيْ: مِن بَعْدِ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ﴿ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ ﴾ " وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فَلَسْطِينُ والأُرْدُنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أرْضٌ وراءَ الصِّينِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أرْضُ مِصْرَ والشّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي: القِيامَةَ، ﴿ جِئْنا بِكم لَفِيفًا ﴾ ؛ أيْ: جَمِيعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الفَرّاءُ: لَفِيفًا؛ أيْ: مِن هاهُنا ومِن هاهُنا.

وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفِيفُ: الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ ﴿ فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا ﴾ ﴿ وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا ﴾ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وغَيْرِهِ، أنَّهُ قَرَأ: "عَلِمْتُ" بِتاءِ المُتَكَلِّمِ مَضْمُومَةً، وقالَ: "وَما عَلِمَ عَدُوُّ اللهِ قَطُّ، وإنَّما عَلِمَمُوسى ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَقَوّى هَذِهِ القِراءَةُ لِمَن تَأوَّلَ "مَسْحُورًا" عَلى بابِهِ، فَلَمّا رَماهُ فِرْعَوْنُ بِأنَّهُ قَدْ سُحِرَ فَفَسَدَ نَظَرُهُ وعَقْلُهُ وكَلامُهُ، رَدَّ هو عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ، بَلْ مُحَرِّرٌ لِما يَأْتِي بِهِ.

وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَقَدْ عَلِمْتَ" بِتاءِ المُخاطَبِ مَفْتُوحَةً، فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ رَماهُ بِأنَّهُ يَكْفُرُ عِنادًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن قالَ بِوُقُوعِ الكُفْرِ عِنادًا فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، وجَعْلُها كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ  ﴾ ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيٌّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ وهِيَ، بَعْدُ مُعَرَّضَةٌ لِلِاحْتِمالِ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إبْلاغًا عَلى فِرْعَوْنَ في التَوْبِيخِ، أيْ: أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذا، وهي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عن عِلْمِ فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَصائِرُ" جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي الطَرِيقَةُ، أيْ طَرائِقَ يُهْتَدى بِها، وكَذَلِكَ غَلَبَ عَلى البَصِيرَةِ أنَّها تُسْتَعْمَلُ في طَرِيقَةِ النَفْسِ في نَظَرِها واعْتِقادِها، ونَصْبُ "بَصائِرَ" عَلى الحالِ.

و"المَثْبُورُ": المُهْلِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: هو المَغْلُوبُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو المَخْبُولُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالمَلْعُونِ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ أمْرِهِ يَجْزَعُ، ويُؤْمَرُ بِالقَوْلِ اللَيِّنِ، ويَطْلُبُ الوَزِيرَ، فَلَمّا تَقَوَّتْ نَفْسُهُ بِقُوى النُبُوَّةِ وتَجَلَّدَ قابَلَ فِرْعَوْنَ بِأكْثَرَ مِمّا أمَرَهُ بِهِ، بِحَسْبَ اجْتِهادِهِ الجائِزِ لَهُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اجْتَرَأ مُوسى أنْ يَقُولَ لَهُ فَوْقَ ما أمَرَهُ اللهُ بِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المَثْبُورُ: المَغْلُوبُ المُخَرَّعُ، وما كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِيَكُونَ لَعّانًا، ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزِبَعْرى: إذْ أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الـ ∗∗∗ ـغَيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ ﴾ الآيَةَ.

"يَسْتَفِزُّهُمْ" مَعْناهُ: يَسْتَخِفُّهم ويُقْلِقُهُمْ، إمّا بِقَتْلٍ أو بِإجْلاءٍ، و"الأرْضُ" هي أرْضُ مِصْرَ، وقَدْ تَقَدِّمَ أنَّهُ مَتى ذُكِرَتِ "الأرْضُ" عُمُومًا فَإنَّما يُرادُ بِها ما يُناسِبُ القِصَّةَ المُتَكَلَّمُ فِيها، وقَدْ يَحْسُنُ عُمُومُها في بَعْضِ القِصَصِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واقْتَضَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ قِصَصَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ فِرْعَوْنَ، وإنَّما ذَكَرَتْ عُظْمَ الأمْرِ وخَطِيرَهُ، وذَلِكَ طَرَفاهُ: أرادَ فِرْعَوْنُ غَلَبَتَهم وقَتْلَهُمْ، وهَذا كانَ بَدْءَ الأمْرِ، "فَأغْرَقَهُ" اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وأغْرَقَ جُنُودَهُ، وهَذا كانَ نِهايَةَ الأمْرِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ بِسُكْنى أرْضِ الشامِ.

و ﴿ وَعْدُ الآخِرَةِ ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ.

و"اللَفِيفُ": الجَمْعُ المُخْتَلِطُ الَّذِي قَدْ لُفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَيْسَ ثَمَّ قَبائِلُ ولا انْحِيازٌ.

قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ، ولا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بَقي قولهم: ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ [الإسراء: 92] غيرَ مردود عليهم، لأن له مخالفة لبقية ما اقترحوه بأنه اقتراح آية عِذاب ورعب، فهو من قبيل آيات موسى عليه السلام التسع.

فكان ذكر ما آتاه الله موسى من الآيات وعدم إجداء ذلك في فرعون وقومه تنظيراً لما سأله المشركون.

والمقصود: أننا آتينا موسى عليه السلام تسع آيات بيّناتتِ الدلالة على صدقه فلم يهتد فرعون وقومه وزعموا ذلك سحراً، ففي ذلك مَثلٌ للمكابرين كلهم وما قريش إلا منهم.

ففي هذا مثَل للمعاندين وتسلية للرسول.

والآيات التسع هي: بياض يده كلما أدخلها في جيبه وأخرجَها، وانقلاب العصا حية، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، والرجز وهو الدمل، والقحط وهو السنون ونقص الثمرات، وهي مذكورة في سورة الأعراف.

وجمعها الفيروزآبادي في قوله: عَصًا، سَنَةٌ، بَحْر، جراد، وقُمّل يَدٌ، ودَمٌ، بعد الضفادع طُوفَانُ فقد حصلت بقوله: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} الحجة على المشركين الذين يقترحون الآيات.

ثم لم يزل الاعتناء في هذه السورة بالمقارنة بين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة موسى عليه السلام إقامةً للحجة على المشركين الذين كذبوا بالرسالة بعلة أن الذي جاءهم بشر، وللحجة على أهل الكتاب الذين ظاهروا المشركين ولقنوهم شُبه الإلحاد في الرسالة المحمدية ليصفو لهم جَوّ العلم في بلاد العرب وهم ما كانوا يحسبون لما وراء ذلك حساباً.

فالمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات على رسالته.

وهذا مثل التنظير بين إيتاء موسى الكتاب وإيتاء القرآن في قوله في أول السورة ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ [الإسراء: 2] الآيات، ثم قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ [الإسراء: 9].

فتكون هذه الجملة عطفاً على جملة ﴿ قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً ﴾ [الإسراء: 93] أو على جملة ﴿ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ﴾ الآية [الإسراء: 100].

ثم انتقل من ذلك بطريقة التفريع إلى التسجيل ببني إسرائيل استشهاداً بهم على المشركين، وإدماجاً للتعريض بهم بأنهم سَاووا المشركين في إنكار نبوءة محمد ومظاهرتهم المشركين بالدس وتلقين الشبه، تذكيراً لهم بحال فرعون وقومه إذ قال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً}.

والخطاب في قوله: ﴿ فسئل ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد: سؤال الاحتجاج بهم على المشركين لا سؤال الاسترشاد كما هو بين.

وقوله: ﴿ مسحوراً ﴾ ظاهره أن معناه متأثراً بالسحر، أي سحَركَ السحرة وأفسدوا عقلك فصُرت تهرف بالكلام الباطل الدال على خلل العقل (مثل المَيْمون والمشؤوم).

وهذا قول قاله فرعون في مقام غير الذي قال له فيه ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ [الشعراء: 35]، والذي قال فيه ﴿ إن هذا لساحر عليم ﴾ ، [الشعراء: 34] فيكون إعراضاً عن الاشتغال بالآيات وإقبالاً على تطلع حال موسى فيما يقوله من غرائب الأقوال عندهم.

ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه قال ﴿ لمن حوله ألا تستمعون ﴾ [الشعراء: 25].

وكل تلك أقوال صدرت من فرعون في مقامات محاوراته مع موسى عليه السلام فحكي في كل آية شيء منها.

و (إذا) ظرف متعلق ب آتينا } .

والضمير المنصوب في ﴿ جاءهم ﴾ عائد إلى بني إسرئيل.

وأصل الكلام: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إذ جاء بني إسرائيل، فاسألْهم.

وكان فرعون تعلق ظنه بحقيقة ما أظهر من الآيات فرجح عنده أنها سحر، أوْ تعلق ظنه بحقيقة حال موسى فرجح عنده أنه أصابه سحر، لأن الظن دون اليقين، قال تعالى: ﴿ إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ﴾ [الجاثية: 32].

وقد يستعمل الظن بمعنى العلم اليقين.

ومعنى ولقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } : أن فرعون لم يبق في نفسه شك في أن تلك الآيات لا تكون إلا بتسخير الله إذ لا يقدر عليها غيرُ الله، وأنه إنما قال: ﴿ إني لأظنك يا موسى مسحوراً ﴾ عناداً ومكابرة وكبرياء.

وأكد كلام موسى بلام القسم وحرف التحقيق تحقيقاً لحصول علم فرعون بذلك.

وإنما أيقن موسى بأن فرعون قد علم بذلك: إما بوحي من الله أعلمه به، وإما برأي مُصيب، لأن حصول العلم عند قيام البرهان الضروري حصول عقلي طبيعي لا يتخلف عن عقل سليم.

وقرأ الكسائي وحده ﴿ لقد علمتُ ﴾ بضم التاء، أي أن تلك الآيات ليست بسحر كما زعمتَ كناية على أنه واثق من نفسه السلامة من السحر.

والإشارة ب ﴿ هؤلاء ﴾ إلى الآيات التسع جيء لها باسم إشارة العاقل، وهو استعمال مشهور.

ومنه قوله تعالى: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ﴾ [الإسراء: 36]، وقول جرير: ذُم المنازل بعد منزلة اللوى *** والعيشَ بعد أولئِك الأيام والأكثر أن يشار ب (أولاء) إلى العاقل.

والبصائر: الحجج المفيدة للبصيرة، أي العلم، فكأنها نفس البصيرة.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ هذا بصائر من ربكم ﴾ في آخر سورة [الأعراف: 203].

وعبر عن الله بطريق إضافة وصف الرب للسماوات والأرض تذكيراً بأن الذي خلق السماوات والأرض هو القادر على أن يخلق مثل هذه الخوارق.

والمثبور: الذي أصابه الثُبور وهو الهلاك.

وهذا نذارة وتهديد لفرعون بقرب هلاكه.

وإنما جعله موسى ظناً تأدباً مع الله تعالى، أو لأنه علم ذلك باستقراء تام أفاده هلاك المعاندين للرسل، ولكنه لم يدر لعل فرعون يقلع عن ذلك وكان عنده احتمالاً ضعيفاً، فلذلك جعل توقع هلاك فرعون ظناً.

ويجوز أن يكون الظن هنا مستعملاً بمعنى اليقين كما تقدم آنفاً.

وفي ذكر هذا من قصة موسى إتمام لتمثيل حال معاندي الرسالة المحمدية بحال من عاند رسالة موسى عليه السلام.

وجاء في جواب موسى عليه السلام لفرعون بمثل ما شافهه فرعون به من قوله: إني لأظنك يا موسى مسحوراً } مقارعة له وإظهاراً لكونه لا يخافه وأنه يعامله معاملة المثل قال تعالى: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ [البقرة: 194].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها يَدُهُ وعَصاهُ ولِسانُهُ والبَحْرُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ آياتٌ مُفَصَّلاتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها نَحْوٌ مِن ذَلِكَ إلّا آيَتَيْنِ مِنهُنَّ إحْداهُما الطَّمْسُ، والأُخْرى الحَجَرُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّها نَحْوٌ مِن ذَلِكَ، وزِيادَةُ السِّنِينَ ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

الرّابِعُ: ما رَوى صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوهُ عَنْها فَقالَ: (لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَسْحِرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى السُّلْطانِ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وأنْتُمْ يا يَهُودُ خاصَّةً لا تَعْدُوا في السَّبْتِ) فَقَبَّلُوا يَدَهُ ورِجْلَهُ.

» ﴿ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وفي أمْرِهِ بِسُؤالِهِمْ وإنْ كانَ خَبَرُ اللَّهِ أصْدَقَ مِن خَبَرِهِمْ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيَكُونَ ألْزَمَ لَهم وأبْلَغَ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: فانْظُرْ ما في القُرْآنِ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو سُؤالُهم، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: إنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ أنْ يَسْألَ فِرْعَوْنَ في إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَدْ سُحِرْتَ لِما تَحْمِلُ نَفْسَكَ عَلَيْهِ مِن هَذا القَوْلِ والفِعْلِ المُسْتَعْظَمِينَ.

الثّانِي: يَعْنِي ساحِرًا لِغَرائِبِ أفْعالِكَ.

الثّالِثُ: مَخْدُوعًا.

الرّابِعُ: مَغْلُوبًا: قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَغْلُوبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

وَقالَ الكُمَيْتُ: ورَأتْ قُضاعَةُ في الأيا مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وثابِرْ الثّانِي: هالِكٌ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّالِثُ: مُبْتَلًى، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الرّابِعُ: مَصْرُوفًا عَنِ الحَقِّ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الخامِسُ: مَلْعُونًا، قالَهُ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وأنْشَدَ: يا قَوْمَنا لا تَرُومُوا حَرْبَنا سَفَهًا ∗∗∗ إنَّ السِّفاهَ وإنَّ البَغْيَ مَثْبُورُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُزْعِجُهم مِنها بِالنَّفْيِ عَنْها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: يُهْلِكُهم فِيها بِالقَتْلِ.

وَيَعْنِي بِالأرْضِ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ والأُرْدُنَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وعْدُ الإقامَةِ وهي الكَرَّةُ الآخِرَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: وعْدُ الكَرَّةِ الآخِرَةِ في تَحْوِيلِهِمْ إلى أرْضِ الشّامِ.

الثّالِثُ: نُزُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ جِئْنا بِكم لَفِيفًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُخْتَلِطِينَ لا تَتَعارَفُونَ، قالَهُ رَزِينٌ.

الثّانِي: جِئْنا بِكم جَمِيعًا مِن جِهاتٍ شَتّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

مَأْخُوذٌ مِن لَفِيفِ النّاسِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ قال: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال: يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.

وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن قانع والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن صفوان بن عسال: «أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه فسألاه عن قول الله: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة.

أو قال: ولا تفروا من الزحف، شك شعبة، وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، فقبلا يديه وقالا: نشهد أنك نبي.

قال: فما يمنعكما أن تسلما؟!...

قالا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿ وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال: مخالفاً.

وقال: الأنبياء أكرم من أن تُلعَنَ أو تُسَبّ.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ يقول: سأل موسى فرعون بني إسرائيل أن أرسلهم معي.

قال مالك بن دينار: وإنما كتبوا ﴿ فسل ﴾ بلا ألف، كما كتبوا قال: (قَلَ).

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ لقد علمت ﴾ يعني بالرفع.

قال علي: والله ما علم عدوّ الله، ولكن موسى هو الذي علم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ لقد علمت ﴾ بالنصب- يعني فرعون- ثم تلا ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ﴾ [ النمل: 14] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ مثبوراً ﴾ قال: ملعوناً.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله.

وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ مثبوراً ﴾ قال: قليل العقل.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ مثبوراً ﴾ قال: ملعوناً، محبوساً عن الخير.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزبعرى يقول: إذ أتاني الشيطان في سنة النو ** م ومن مال ميلة مثبوراً وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ لفيفاً ﴾ قال: جميعاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

بقوله: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ ﴾ يعني الآيات، ﴿ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ﴾ أي عِبرٌ أو دلالات، وذكرنا معنى البصائر في آخر سورة الأعراف [: 203].

وقراءة العامة بفتح التاء (١) (٢) (٣)  -، وكان يقول: والله ما عَلِمَ عدو الله، ولكن موسى هو الذي عَلِم، فبلغ ذلك ابن عباس فاحتج بقوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ  ﴾ ، على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى (٤) وقال الزجاج: (الأجود في القراءة فتح التاء؛ لأن عِلم فرعونَ) (٥) (٦) فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج عليه بعلمه، وعلمه لا يكون حجة على فرعون؟

فالجواب: أنه لما قيل له: ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  ﴾ ، قال موسى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ ، فكأنه نفى ذلك وقال: لقد علمتُ صحةَ ما أَتَيْتُ به علمًا صحيحاً؛ علم العقلاء (٧) ﴿ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ﴾ دليل على قول من يقول: إن الآيات التسع كانت آيات من التوراة، وهو ما رُوي عن صفوان بن عسال (٨)  - عن قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ فقال رسول الله -  -: "لا تشركوا بالله، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة ألا تعدوا في السبت، قال؛ فَقَبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبيّ" (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ قال الكلبي: وإني لأعْلَمُك يا فرعون (١٠) ﴿ مَثْبُورًا ﴾ قال ابن عباس: ملعونًا (١١) وقال قتادة: مهْلَكًا (١٢) (١٣) قال الفراء: المثبور: الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول: ما ثَبَرك عن هذا؟

أي ما منعك منه وما صرفك (١٤) وروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْتُ فلانًا عن الشيء: رَدَدْتُه عنه (١٥) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب (١٦) وأما وجه قول مجاهد وقتادة، فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك (١٧) (١٨) قال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك (١٩) (١) انظر: "السبعة" ص 386، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 383، و"علل القراءات" 1/ 330، و"الحجة للقراء" 5/ 122، و"المبسوط في القراءات" ص 231، و"التبصرة" ص 141، و"النشر" 2/ 309.

(٢) انظر المصادر السابقة.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).

(٤) ورد بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 2/ 132، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 201، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 384، و"تفسير الثعلبي" 7/ 122 ب، وانظر: "تفسير الرازي" 21/ 65، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 370 - 371 وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، دون رد ابن عباس -  -.

قال أبو حيان 6/ 86: وهذا القول عن علي -  - لا يصح؛ لأنه رواه كلثوم المرادي، وهو مجهول.

(٥) ما بين التنصيص ساقط من (أ)، (د) (٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 263 بنصه.

وعبارته الأجود غير جيدة؛ لأنها تقتضي انتقاص القراءة الأخرى السبعية.

(٧) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 123، بنحوه، و"تفسير الطوسي" 6/ 526، بنحوه (٨) صفوان بن عسال -  - صحابي من بني الرَّبَض بن زاهر المرادي، سكن الكوفة، غزا مع النبي -  - اثنتي عشرة غزوة، وروى عن النبي -  - عدة أحاديث، روى عنه عبد الله ابن مسعود، وزِر بن حُبَيْش، وعبد الله بن سَلِمَة.

انظر: "الاستيعاب" 2/ 279، و"أسد الغابة" 3/ 28، و"الإصابة" 2/ 189.

(٩) أخرجه بنحوه: ابن أبي شيبة 7/ 329، وأحمد 4/ 239، والترمذي (3144) كتاب التفسير، باب: ومن سورة بني إسرائيل، وقال: حسن صحيح، والنسائي: تحريم الدم والسحر 7/ 111، و"الطبري" 15/ 172 بنصه وبنحوه من طرق، والطبراني 8/ 83، والحاكم 1/ 9 وصححه، وأبو نعيم في "الحلية" 5/ 97، والبيهقي في "الدلائل" 6/ 268 وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 199 بنصه مع زيادة في == آخره، و"الماوردي" 3/ 277، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 527، بنحوه.

قال ابن كثير 3/ 75: وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سَلِمَة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون.

وعليه فالحديث لا دلالة فيه، فضلاً عن كونه ضعيفًا.

(١٠) ورد بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 286، وهو قول أكثر المفسرين، كما قال ابن الجوزي 5/ 94.

(١١) أخرجه "الطبري" 15/ 175 بلفظه من طريق سعيد بن جبير، ومن طريق ابن أبي طلحة (كلاهما صحيحة)، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 203، و"تفسير السمرقندي" 2/ 286، و"الثعلبي" 7/ 122 ب، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 371 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق.

(١٢) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 391 بلفظه، و"الطبري" 15/ 176، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 203 بلفظه، و"تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 386 بلفظه، والماوردي 3/ 278، بنحوه.

(١٣) "تفسير مجاهد" 1/ 371، بنحوه، أخرجه "الطبري" 15/ 176 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 203، و"تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، و"تفسير الثعلبي" 7/ 122 ب، و"الطوسي" 6/ 528.

(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 132، بنصه تقريبًا.

(١٥) ورد في "تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، بنصه.

(١٦) ورد في "تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، بنصه.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 263، بنصه.

(١٨) ورد في "تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471 بنصه، انظر: "اللسان" (ثبر) 1/ 469، و"موسوعة أمثال العرب" 2/ 650.

(١٩) لم أقف على مصدره.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تِسْعَ آيات ﴾ بينات الخمس منها الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، والأربع انقلاب العصا حية، وإخراج يده بيضاء، وحل العقدة من لسانه، وفلق البحر وقد وعد فيها رفع الطور فوقه، وانفجار الماء من الحجر على أن يسقط اثنان من الآخر، وقد وعد فيها أيضاً السنون، والنقص من الثمرات، روي أن بعض اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت ﴿ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي اسأل المعاصرين لك من بني إسرائيل عما ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقيناً، والآية على هذا خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقال الزمخشري: إن المعنى قلنا لموسى اسأل بني إسرائيل من فرعون أي اطلب منه أن يرسلهم معك، فهو كقوله: أن أرسل معنا بني إسرائيل، فلا يرد قوله اسأل لموسى على إضمار القول، وقال أيضاً: يحتمل أن يكون المعنى: اسأل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك، وهذا أيضاً على أن يكون الخطاب لموسى، والأول أظهر.

﴿ إِذْ جَآءَهُمْ ﴾ الضمير لبني إسرائيل، والمراد آباؤهم الأقدمون والعامل في إذ على القول الأوّل آتينا موسى أو فعل مضمر، والعامل فيه على قول الزمخشري القول المحذوف ﴿ مَسْحُوراً ﴾ هنا وفي الفرقان: أي سحرت واختلط عقلك، وقيل: ساحر ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ ﴾ بفتح التاء خطاب لفرعون، والمعنى أنه علم أن الله أنزل الآيات، ولكنه كفر بها عناداً كقوله: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ﴾ [النمل: 14] والإشارة بهؤلاء إلى الآيات مثبوراً أي هالكاً، وقيل: مصروفاً عن الخير، قابل موسى قول فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحوراً بقوله وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.

الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.

الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.

الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.

الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.

الباقون على كلمة واحدة.

الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.

وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.

﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.

التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله  إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.

قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله  - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.

فقال: لا أقدر عليه.

فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.

فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله  - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.

فأنزل الله هذه الآيات.

ولنشرع في تفسير اللغات.

فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.

وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.

وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله  : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء  ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً  ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.

وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.

وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.

قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.

وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.

واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.

وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.

ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه  لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.

وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله  ﴾ .

قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".

وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.

﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.

يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.

والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.

قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟

وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.

ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.

فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.

ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.

وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله  له على الصدق.

فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟

علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.

وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.

وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.

والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.

والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم  ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه  سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله  عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟

فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.

وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله  لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.

وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.

خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.

ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.

وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.

ثم يعيدها.

وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.

ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.

ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.

وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.

ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ أي يبعثهم.

وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.

وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.

قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.

والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.

وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.

وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.

وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.

ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.

وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.

ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.

وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.

مكان الحجر والبحر والطور.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.

فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.

أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.

وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.

وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.

قال بعد العلماء: أجابهم النبي  بتسع وزاد واحدة تختص بهم.

وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه  : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .

وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.

إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.

هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.

والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.

أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي  والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.

والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .

وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.

والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.

ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.

وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.

وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.

ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.

ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ .

وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.

ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.

وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.

ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.

والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله  ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.

ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.

قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.

وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.

قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.

ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد  لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.

ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.

وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.

وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.

فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.

وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.

ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.

ثم خاطب نبيه  بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.

قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.

قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد  خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.

فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.

قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.

وقال غيره.

المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله  فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.

وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.

ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد  في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.

فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.

قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.

تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.

والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.

قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .

لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.

ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".

ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله  كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.

مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي  طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.

وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.

فأمر النبي  أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.

وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.

وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.

وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية  ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.

ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟

وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.

أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.

قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.

ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.

ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.

قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.

فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.

فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.

ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي  إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.

﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.

فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.

ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ .

هذا - والله أعلم - فيما آتاه من الآيات وأمره أن يحاج بها فرعون، وإلا كانت آيات موسى -  - أكثر من تسع، كأنها تبلغ عشرين، وتزداد عليها؛ إذ كان في عصاه أربع من الآيات: إحداها: حيث ضرب بها البحر فانفلق.

و[الثانية]: حيث كان يضرب بها الحجر فينفجر منه عيوناً.

و[الثالثة]: حيث ألقاها فصارت ثعباناً.

و[الرابعة]: حيث كانت تلقف حبالهم وعصيهم، وأمثاله، كأنها تبلغ إلى ما ذكرنا، لكنه ذكر تسع آيات بينات التي أمره أن يحاج بها فرعون، وقومه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ .

أنها من عند الله جاءت، وأنها ليست من البشر، وأنها سماوية.

و ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ ، أي: مبينات ما يبيّن صدق موسى في جميع ما يخبر، ويقول: ويبين عدله في حكمه وفعله؛ لأن في آيات الرسل يحتاج إلى هذا: أن تبين للناس صدقهم في قولهم، وعدلهم في حكمهم، [و] أنهم يدعون إلى عبادة الله، والطاعة له، وذلك يجب على كل [ذي] عقل وطبع سليم، فالحاجة إلى الآيات ليست إلا لصدقهم وعدلهم في حكمهم.

ثم اختلف في الآيات: قال بعضهم: العصا، واليد، والحجر، والطمس، والخمس التي ذكر في سورة "المص"، وهو قوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ...

 ﴾ .

وقال بعضهم: الخمس التي ذكر في سورة "المص"، والعصا، والموت الذي أرسل عليهم، واليد البيضاء، وانفلاق البحر.

وقال بعضهم: إنها الخمس التي ذكر في سورة "المص"، واليد، وحل العقدة التي بلسانه، وفي العصا آيتان.

وقال ابن عباس -  - العصا، واليد، والسنون، ونقص من الثمرات.

ثم منهم من يجعل السنين ونقصاً من الثمرات آية واحدة، ومنهم من يجعلهما آيتين، وكذلك العصا، منهم من يجعلها آية واحدة، ومنهم من يجعلها آيتين، ومنهم من يعد الطمس، ومنهم من لا يعد.

ونحن نجعل العصا آية واحدة، والسنين، ونقصاً من الثمرات آية واحدة والطمس آية، والخمس التي ذكرت في سورة "المص"، فتكون ثمانياً فتكون التاسعة قوله: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ﴾ ؛ لأنه قال: لقد علمت أنها آيات، ولم يكذبه فرعون، ولم يستقبله بشيء يكذبه في قوله، وهو ما قال: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً  ﴾ ، أخبر أنهم جحدوا بها بعدما استيقنوا أنها آيات، وحجج ظلماً وعلوّاً، وما روى صفوان بن عسال المرادي: أنه قال: "إن يهوديين أتيا إلى رسول الله  فسألاه عن التسع آيات التي ذكر أنه آتاها موسى فقال رسول الله  : لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصّة يا يهوديان ألا تعدوا في السبت، قال فقبلا يديه، ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي الله، فقال -  -: فما يمنعكما أن تسلما؟

قالا: إنا إن أسلمنا يقتلنا اليهود" .

فإن ثبت هذا الخبر، فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره من التأويل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ ﴾ .

يعني: موسى، صلوات الله عليه.

قال بعضهم: أمر رسولنا  أن يسأل بني إسرائيل الآيات التسع التي كانت في كتبهم على التقرير عندهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وأنه رسول؛ لما علموا أن تلك الآيات في كتبهم بغير لسانه، وكان لا يخط بيده، ولا كان اختلف إلى أحد منهم؛ ليعرف ذلك؛ فدلّ أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بوحي السماء.

وقال بعضهم: ليس هو على الأمر أن يسألهم ذلك، ولكن لو سألتهم لأخبروك عنها كقوله: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ...

﴾ الآية [النحل: 43].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ﴾ .

في عقلك، أي: سحرت، و "المسحور": هو المغلوب في العقل.

وقولهم متناقض؛ لأنهم قالوا مرة: ساحر، ومرة: مسحور، فالساحر: هو الذي يبلغ بالبصيرة غايته، والمسحور: المغلوب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ﴾ .

قوله: ﴿ عَلِمْتَ ﴾ بالنصب والرفع جميعاً قد قرئا، وأمكن أن يكون قال في ابتداء الأمر: قد علمت ما أنزل هذه الآيات إلا رب السماوات والأرض، وقال في آية أخرى لما أقامها عليه ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ﴾ .

ما يبصر بها الحق من الباطل من لم يعاند، ولم يكابر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ .

قال موسى -  - لفرعون: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ ، مقابل ما قال له فرعون، حيث قال: ﴿ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً ﴾ .

قال بعضهم: "مثبوراً": هالكاً.

[و] قيل: ملعوناً.

وقال بعضهم: مبدلاً.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً ﴾ أي: تدعوا على نفسك بالثبور، وهو الهلاك كقوله: ﴿ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً  ﴾ أي: هلاكاً.

والظن يكون في موضع الظن، ويكون في موضع العلم.

وقوله - عز وجل ﴿ فَأَرَادَ ﴾ يعني: فرعون.

﴿ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال أهل التأويل: أراد أن يخرجهم، ويستخفهم ﴿ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ أي: من أرض مصر، لكنهم قد كانوا خرجوا طائعين قبل أن يخرجهم من حيث أمر موسى بإخراجهم، بقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ ﴾ الآية [الشعراء: 52]؛ فيكون تأويل قوله: فأراد أن يخرجهم من الأرض بالقتل والهلاك من الدنيا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا  ﴾ ، أراد: من مشارق الأرض، وإلا قد كانوا هم قد خرجوا من أرضه على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً ﴾ .

هو ما قال في آية أخرى: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً...

﴾ الآية [يونس: 90].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل ﴿ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: قوله ﴿ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ ﴾ : أرض مصر التي كان يسكن فرعون، وهو كقوله: ﴿ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: اسكنوا الأرض: أرض الشام، والأرض المقدسة؛ كقوله: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ...

 ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ ﴾ ليس في أرض دون أرض، ولكن اسكنوا أي أرض شئتم، مشارقها ومغاربها، آمنين لا خوف عليكم على ما أرادوا أن يخرجوكم من مشارق الأرض ومغاربها بالقتل كقوله: ﴿ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ...

 ﴾ الآية، وهو قول ابن عباس،  .

وعلى هذا قال في قوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ﴾ بعث عيسى بن مريم ﴿ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ﴾ أي: جميعاً مجتمعين من مشارق الأرض ومغاربها على ما تفرقوا.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ﴾ يعني: حياة عيسى، ونزوله من السماء ﴿ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ﴾ أي: جميعاً بانتزاع من القرى هاهنا، وهاهنا لفوا جميعاً، وهو مثل الأوّل.

وأمّا عامة أهل التأويل فإنهم قالوا: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ ﴾ : يوم القيامة ﴿ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً ﴾ أي: جميعاً أنتم وفرعون وجنوده حتى يروا كراماتكم التي أكرمتم بها ويروا هوانهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى ردًّا عليه: لقد أيقنتَ - يا فرعون - أنه ما أنزل هذه الآيات إلا الله رب السماوات والأرض، أنزلهن دلالات على قدرته، وعلى صدق رسوله، ولكنك جحدت، وإني لأعلم أنك - يا فرعون - هالك خاسر.

<div class="verse-tafsir" id="91.mR1ov"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله