الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٤٣ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 100 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٣ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم نزه نفسه الكريمة وقدسها فقال ( سبحانه وتعالى عما يقولون ) أي هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى ( علوا كبيرا ) أي تعاليا كبيرا بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد
وهذا تنـزيه من الله تعالى ذكره نفسه عما وصفه به المشركون، الجاعلون معه آلهة غيره، المضيفون إليه البنات، فقال: تنـزيها لله وعلوّا له عما تقولون أيها القوم، من الفرية والكذب، فإن ما تضيفون إليه من هذه الأمور ليس من صفته، ولا ينبغي أن يكون له صفة.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ) يسبح نفسه إذ قيل عليه البهتان.
وقال تعالى (عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا) ولم يقل: تعاليا، كما قال وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا كما قال الشاعر: أَنْــتَ الفِــدَاءُ لكَعْبَــةٍ هَدَّمْتَهــا وَنَقَرْتَهــا بِيَــدَيْكَ كُــلَّ مَنَقَّــر مُنِــعَ الحَمـامُ مَقِيلَـهُ مِـنْ سَـقْفِها ومِـنَ الحَـطِيم فَطَـارَ كُـلَّ مُطَـيَّرِ (1) ------------------- الهوامش : (1) البيتان شاهدان على أن المصدرين منقر ومطير المضافين إلى كل المعرب مفعولا مطلقا ليس من لفظ الفعل السابق عليهما ، لأن المنقر من نقر بتشديد القاف ، والمطير من طير بتشديد الياء ، مع أن الفعلين السابقين ثلاثيان .
ولكن العرب تجيز وضع المصادر المختلفة عن الأفعال السابقة عليها ، ومنه في القرآن : " وتبتل إليه تبتيلا " ومصدر تبتل : هو التبتل لا التبتيل ، ولكن ذلك جائز لأن الحروف الأصول مشتركة في الأفعال والمصادر التي تليها .
سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا نزه - سبحانه - نفسه وقدسه ومجده عما لا يليق به .
والتسبيح : التنزيه .
وقد تقدم .
{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى } أي: تقدس وتنزه وعلت أوصافه { عَمَّا يَقُولُونَ } من الشرك به واتخاذ الأنداد معه { عُلُوًّا كَبِيرًا } فعلا قدره وعظم وجلت كبرياؤه التي لا تقادر أن يكون معه آلهة فقد ضل من قال ذلك ضلالا مبينا وظلم ظلما كبيرا.
لقد تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي فقرا ذاتيا لا ينفك عن أحد منهم في وقت من الأوقات.هذا الفقر بجميع وجوهه فقر من جهة الخلق والرزق والتدبير، وفقر من جهة الاضطرار إلى أن يكون معبودهم ومحبوبهم الذي إليه يتقربون وإليه في كل حال يفزعون
ثم نزه نفسه فقال عز من قائل : ( سبحانه وتعالى عما يقولون ( قرأ حمزة والكسائي " تقولون " بالتاء والآخرون بالياء ( علوا كبيرا
«سبحانه» تنزيها له «وتعالى عما يقولون» من الشركاء «علوا كبيرا».
تنزَّه الله وتقدَّس عَمَّا يقوله المشركون وتعالى علوًا كبيرًا.
والخطاب فى قوله - تعالى - : ( وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن .
.
.
) للرسول صلى الله عليه وسلم وقوله ( حجابا ) من الحجب بمعنى المنع .قال صاحب المصباح : حجبه حجبا - من باب قتل - : منعه .
ومنه قيل للستر : حجاب؛ لأنه يمنع المشاهدة .
وقيل للبواب : حاجب ، لأنه يمنع من الدخول .
والأصل فى الحجاب : جسم حائل بين جسدين ، وقد استعمل فى المعانى فقيل : العجز حاجب ، أى : بين الإِنسان ومراده .
.
.وقوله ( مستورا ) ساترا ، فهو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل .
كميمون بمعنى يامن .
ومشئوم بمعنى شائم .واختار بعضهم أن مستورا على معناه الظاهر ، من كونه اسم مفعول ، لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه ، أو مستورا به القارئ فلا يراه غيره ، ويجوز أن يكون مستورا ، أى : ذا ستر فهو للنسب كمكان مهول : ذو هول .
.وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال ، أشهرها قولان :أولهما يرى أصحابه ، أن المراد بالحجاب المستور : ما حجب الله به قلوب هؤلاء الكافرين عن الانتفاع بهدى القرآن الكريم ، بسبب جحودهم وجهلهم وإصرارهم على كفرهم .
فهو حجاب معنوى خفى ، حال بينهم وبين الانتفاع بالقرآن .فهم يستمعون إليه ، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له ، ويمانعون فطرتهم عن التأثر به ، فكان استماعهم له كعدمه ، وعاقبهم الله على ذلك بأن طمس بصائرهم عن فقهه .والمعنى : وإذا قرأت - أيها الرسول الكريم - القرآن الهادى إلى الطريق التى هى أقوم ، جعلنا - بقدرتنا ، ومشيئتنا - ، بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ، حجابا يحجبهم ويمنعهم عن إدراك أسراره وهداياته ، وساترا بينك وبينهم ، بحيث لا يصل القرآن إلى قلوبهم وصول انتفاع وهداية .ويشهد لهذا المعنى قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ ) ومن المفسرين الذين اكتفوا بهذا القول ، فلم يذكروا غيره ، الإِمام البيضاوى ، فقد قال - رحمه الله : قوله : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم ( مستورا ) ذا ستر : كقوله - تعالى - : ( إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ) أى مستورا عن الحس .
.
.أما القول الثانى فيرى أصحابه : أن المراد بالحجاب المستور ، أن الله - تعالى - يحجب نبيه صلى الله عليه وسلم عن أعين المشركين ، بحيث لا يرونه فى أوقات معينة ، لحكم منها : النجاة من شرورهم .فيكون المعنى : وإذا قرأت القرآن - أيها الرسول الكريم - جعلنا بينك وبين هؤلاء الكافرين ، حجابا ساترا لك عنهم بحيث لا يرونك ، عندما تكون المصلحة فى ذلك .وقد استشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء بنت أبى بكر قالت :" لما نزلت سورة ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة ، وفى يدها فِهْر - أى حجر - وهى تقول : مُذَّمما أتينا ، وأمَره عصينا ، ودينه قَليْنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، وأبو بكر إلى جنبه .فقال أبو بكر : يا رسول الله ، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك ، فقال صلى الله عليه وسلم : " إنها لن ترانى " وقرأ قرآنا اعتصم به منها ، ومما قرأه - : ( وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً ) .فجاءت حتى قامت على أبى بكر ، فلم تر النبى صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا أبا بكر ، بلغنى أن صاحبك هجانى : فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك .فانصرفت وهى تقول : لقد علمت قريش أنى بنت سيدها " .ومن المفسرين الذين استظهروا هذا القول ، الإِمام القرطبى ، فقد قال بعد أن ذكر ما روى عن أسماء بنت أبى بكر - رضى الله عنها - : وقال سعيد بن جبير : " لما نزلت سورة ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) جاءت امرأة أبى لهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ، فقال أبو بكر لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بَذِيَّة .فقال صلى الله عليه وسلم : " إنه سيحال بيني وبينها " فلم تره .
فقالت لأبى بكر : يا أبا بكر هجانا صاحبك .فقال أبو بكر : والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله .
فاندفعت راجعة .
فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أما رأتك؟
.قال : لا .
ما زال ملك بينى وبينها يسترنى حتى ذهبت " .ثم قال القرطبى : وقيل : الحجاب المستور ، طَبْعُ الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه : ولا يدركوا ما فيه من الحكمة .
قاله قتادة .
وقال الحسن : أى أنهم لإِعراضهم عن قراءتك ، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب فى عدم رؤيتهم لك ، حتى كأن على قلوبهم أغطية .
.
.ثم قال : والقول الأول أظهر فى الآية .ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح فى ذاته ، وأن كل واحد منهما يحكى حالات معينة ، ويشهد لذلك ما نقله الجمل فى حاشيته على الجلالين عن شيخه فقد قال - رحمه الله - .
قوله : ( حجابا مستورا ) ، أى : ساترا لك عنهم فلا يرونك وهذا بالنسبة لبعضهم ، كان يحجب بصره عن رؤية النبى صلى الله عليه وسلم إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن : وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك معانى القرآن .
.
وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن .
.
.
اعلم أن التصريف في اللغة عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة، نحو تصريف الرياح وتصريف الأمور هذا هو الأصل في اللغة، ثم جعل لفظ التصريف كناية عن التبيين، لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع آخر ومن مثال إلى مثال آخر ليكمل الإيضاح ويقوي البيان فقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ أي بينا ومفعول التصريف محذوف وفيه وجوه: أحدها: ولقد صرفنا في هذا القرآن ضروباً من كل مثل.
وثانيها: أن تكون لفظة في زائدة كقوله: ﴿ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِى ﴾ أي أصلح لي ذريتي.
أما قوله: ﴿ لّيَذْكُرُواْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ الجمهور ﴿ لّيَذْكُرُواْ ﴾ بفتح الذال والكاف وتشديدهما، والمعنى: ليتذكروا فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ ليذكروا ﴾ ساكنة الذال مضمومة الكاف، وفي سورة الفرقان مثله من الذكر قال الواحدي: والتذكر هاهنا أشبه من الذكر، لأن المراد منه التدبر والتفكر، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان.
ثم قال: وأما قراءة حمزة والكسائي ففيها وجهان: الأول: أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل والتدبر كقوله تعالى: ﴿ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ والمعنى: وافهموا ما فيه.
والثاني: أن يكون المعنى صرفنا هذه الدلائل في هذا القرآن ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى تأثر القلب بمعناه.
المسألة الثانية: قال الجبائي: قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرءان لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن، وإنما أكثر فيه من ذكر الدلائل لأنه تعالى أراد منهم فهمها والإيمان بها، وهذا يدل على أنه تعالى يفعل أفعاله لأغراض حكمية، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل سواء آمنوا أو كفروا، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الأصم: شبههم بالدواب النافرة، أي ما ازدادوا من الحق إلا بعداً وهو كقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا ﴾ .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكفار، وقالوا: إنه تعالى عالم بأن تصريف القرآن لا يزيدهم إلا نفوراً، فلو أراد الإيمان منهم لما أنزل عليهم ما يزيدهم نفرة ونبوة عنه، لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لمزيد النفرة والنبوة عنه، فإنه عندما يحاول تحصيل ذلك المقصود يحترز عما يوجب مزيد النفرة والنبوة.
فلما أخبر تعالى أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً، علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره وجهان: الوجه الأول: أن المراد من قوله: ﴿ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً ﴾ هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى لغلب بعضهم بعضاً، وحاصله يرجع إلى دليل التمانع وقد شرحناه في سورة الأنبياء في تفسير قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ فلا فائدة في الإعادة.
الوجه الثاني: أن الكفار كانوا يقولون ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ ، فقال الله لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها أيضاً قربة إلى الله تعالى وسبيلاً إليه ولطلبت لأنفسها المراتب العالية، والدرجات الشريفة من الأحوال الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ﴿ كما يقولون ﴾ و ﴿ عما يقولون ﴾ و ﴿ يسبح ﴾ بالياء في هذه الثلاثة، والمعنى كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه فهو مثل قوله: ﴿ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ ﴾ وقرأ حمزة والكسائي كلها بالتاء، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم في الأول بالتاء على الخطاب، وفي الثاني والثالث بالياء على الحكاية، وقرأ حفص عن عاصم الأولين بالياء، والأخير بالتاء، وقرأ أبو عمرو الأول والأخير بالتاء والأوسط بالياء.
ثم قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّا كَبِيرًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لما أقام الدليل القاطع على كونه منزهاً عن الشركاء.
وعلى أن القول بإثبات الآلهة قول باطل، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا القول الباطل فقال: ﴿ سبحانه ﴾ وقد ذكرنا أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ثم قال: ﴿ وتعالى ﴾ والمراد من هذا التعالي الارتفاع وهو العلو، وظاهر أن المراد من هذا التعالي ليس هو التعالي في المكان والجهة، لأن التعالي عن الشريك والنظير والنقائص والآفات لا يمكن تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة، فعلمنا أن لفظ التعالي في حق الله تعالى غير مفسر بالعلو بحسب المكان والجهة.
المسألة الثانية: جعل العلو مصدر التعالي فقال تعالى: ﴿ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ وكان يجب أن يقال تعالى تعالياً كبيراً إلا أن نظيره قوله تعالى: ﴿ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً ﴾ .
فإن قيل: ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير؟
قلنا: لأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل الزيادة عليها، لأن المنافاة بين الواجب لذاته والممكن لذاته، وبين القديم والمحدث، وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير.
ثم قال تعالى: ﴿ تُسَبّحُ لَهُ السموات والأرض وَمَن فِيهِنَّ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن الحي المكلف يسبح لله بوجهين: الأول: بالقول كقوله باللسان سبحان الله.
والثاني: بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى وتقديسه وعزته، فأما الذي لا يكون مكلفاً مثل البهائم، ومن لا يكون حياً مثل الجمادات فهي إنما تسبح لله تعالى بالطريق الثاني، لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل إلا مع الفهم والعلم والإدراك والنطق وكل ذلك في الجماد محال، فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني.
واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالماً متكلماً لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالماً قادراً على كونه حياً وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حياً وذلك كفر فإنه يقال: إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالماً قادراً متكلماً كونه حياً فلم يلزم من كونه تعالى عالماً قادراً كونه حياً وذلك جهل وكفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالماً قادراً متكلماً، هذا هو القول الذي أطبق العلماء المحققون عليه، ومن الناس من قال: إن الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلها تسبح الله تعالى، واحتجوا على صحة قولهم بأن قالوا: دل هذا النص على كونها مسبحة لله تعالى ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته لأنه تعالى قال: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ فهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا.
ودلالتها على وجود قدرة الله وحكمته معلوم، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم فدل على أنها تسبح الله تعالى وأن تسبيحها غير معلوم لنا، فوجب أن يكون التسبيح المذكور في هذه الآية مغايراً لكونها دالة على وجود قدرة الله تعالى وحكمته.
والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات فلا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم.
إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضاً دليل تام على وجود الإله تعالى، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم، وأحوال تلك الصفات غير معلومة، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
والوجه الثاني: هو أن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل، ولهذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِي السموات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ فكان المراد من قوله: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ هذا المعنى.
والوجه الثالث: أن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته.
ولذلك فإنهم استبعدوا كونه تعالى قادراً على الحشر والنشر فكان المراد ذلك.
وأيضاً فإنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً ﴾ فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل فلما ذكر هذا الدليل قال: ﴿ تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ ﴾ فتسبيح السموات والأرض ومن فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه، بل نقول: إن القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والعدل، والنبوة والمعاد، فكان المراد من قوله: ﴿ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ ذلك ومما يدل على أن الأمر كما ذكرناه قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ فذكر الحليم والغفور هاهنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر عنهم وهذا إنما يكون جرماً إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه دلالة تلك الدلائل.
أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرماً ولا ذنباً، وإذا لم يكن ذلك جرماً ولا ذنباً لم يكن قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ لائقاً بهذا الموضع، فهذا وجه قوي في نصرة القول الذي اخترناه.
واعلم أن القائلين بأن هذه الجمادات والحيوانات تسبح الله بألفاظها أضافوا إلى كل حيوان نوعاً آخر من التسبيح.
وقالوا: إنها إذا ذبحت لم تسبح مع أنهم يقولون إن الجمادات تسبح الله، فإذا كان كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً، فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له من التسبيح، وقالوا أيضاً: إن غصن الشجرة إذا كسر لم يسبح، وإذا كان كونه جماداً لم يمنع من كونه مسبحاً فكسره كيف يمنع من ذلك، فعلم أن هذه الكلمات ضعيفة، والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ ﴾ تصريح بإضافة التسبيح إلى السموات والأرض وإلى المكلفين الحاصلين فيهن وقد دللنا على أن التسبيح المضاف إلى الجمادات ليس إلا بمعنى الدلالة على تنزيه الله تعالى وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى مجاز، وأما التسبيح الصادر عن المكلفين وهو قولهم: سبحان الله، فهذا حقيقة، فيلزم أن يكون قوله: ﴿ تُسَبّحُ ﴾ لفظاً واحداً قد استعمل في الحقيقة والمجاز معاً، وأنه باطل على ما ثبت دليله في أصول الفقه، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على الوجه المجازي في حق الجمادات لا في حق العقلاء لئلا يلزم ذلك المحذور، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ ﴿ كما تقولون ﴾ بالتاء والياء.
و ﴿ إِذَا ﴾ دالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لاَّبْتَغَوْاْ ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل (لو) ومعنى ﴿ لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً ﴾ لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلاً بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، كقوله ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لفسدتا ﴾ [الأنبياء: 22] وقيل: لتقرّبوا إليه، كقوله ﴿ أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة ﴾ [الإسراء: 57] .
﴿ عَلَوْاْ ﴾ في معنى تعالياً.
والمراد البراءة عن ذلك والنزاهة.
ومعنى وصف العلوّ بالكبر: المبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سُبْحانَهُ ﴾ يُنَزَّهُ تَنْزِيهًا.
﴿ وَتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا ﴾ تَعالِيًا.
﴿ كَبِيرًا ﴾ مُتَباعِدًا غايَةَ البُعْدِ عَمّا يَقُولُونَ، فَإنَّهُ في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ.
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ يُنَزِّهُهُ عَمّا هو مِن لَوازِمِ الإمْكانِ وتَوابِعِ الحُدُوثِ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ تَدُلُّ بِإمْكانِها وحُدُوثِها عَلى الصّانِعِ القَدِيمِ الواجِبِ لِذاتِهِ.
﴿ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ لِإخْلالِكم بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ تَسْبِيحُهم، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ التَّسْبِيحُ عَلى المُشْتَرَكِ بَيْنَ اللَّفْظِ والدَّلالَةِ لِإسْنادِهِ إلى ما يُتَصَوَّرُ مِنهُ اللَّفْظُ وإلى ما لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ وعَلَيْهِما عِنْدَ مَن جَوَّزَ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلى مَعْنَيَيْهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ « يُسَبِّحُ» بِالياءِ.
﴿ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ عَلى غَفْلَتِكم وشِرْكِكم.
﴿ غَفُورًا ﴾ لِمَن تابَ مِنكم.
<div class="verse-tafsir"
{سبحانه وتعالى عما يقولون} وبالثاء حمزة وعلي {عَلَوْاْ} أي تعاليا والمراد البراءة من ذلك والنزاهة {كَبِيراً} وصف العلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة والبعد مما وصفوه به
﴿ قُلْ ﴾ في إظْهارِ بُطْلانِ ذَلِكَ مِن جِهَةٍ أُخْرى ﴿ لَوْ كانَ مَعَهُ ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى في الوُجُودِ ﴿ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ ﴾ أيِ المُشْرِكُونَ قاطِبَةً.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالتّاءِ ثالِثِ الحُرُوفِ خِطابًا لَهُمْ، والأمْرانِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعانِ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا أُمِرَ أحَدٌ بِتَبْلِيغِ كَلامٍ لِأحَدٍ فالمُبَلِّغُ لَهُ في حالِ تَكَلُّمِ الآمِرِ غائِبٌ ويَصِيرُ مُخاطَبًا عِنْدَ التَّبْلِيغِ فَإذا لُوحِظَ الأوَّلُ حَقُّهُ الغَيْبَةُ، وإذا لُوحِظَ الثّانِي حَقُّهُ الخِطابُ، وكَذا قَرَءُوا فِيما بَعْدُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا بِالتّاءِ وهُناكَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ عَلى أنَّهُ تَنْزِيهٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ لَهُمْ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كَوْنًا مُشابِهًا لِما يَقُولُونَ، والمُرادُ بِالمُشابَهَةِ عَلى ما قِيلَ المُوافَقَةُ والمُطابَقَةُ.
﴿ إذًا لابْتَغَوْا ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ آلِهَةً، وجَزاءٌ لِلَوْ؛ أيْ: لَطَلَبَ الآلِهَةُ ﴿ إلى ذِي العَرْشِ ﴾ أيْ: إلى مَن لَهُ المُلْكُ والرُّبُوبِيَّةُ عَلى الإطْلاقِ ﴿ سَبِيلا ﴾ بِالمُغالَبَةِ والمُمانَعَةِ كَما اطَّرَدَتِ العادَةُ بَيْنَ المُلُوكِ، وهي إشارَةٌ إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ وذَلِكَ بِتَصْوِيرٍ قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ اسْتَثْنى فِيهِ نَقِيضَ التّالِي لِيَنْتِجَ نَقِيضُ المُقَدَّمِ المَطْلُوبِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَقْرِيرُهُ في مَحَلِّهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ سَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ المَعْنى إذًا لَطَلَبُوا الزُّلْفى إلَيْهِ تَعالى والتَّقَرُّبَ بِالطّاعَةِ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ وعَظْمَتِهِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ ﴾ وهو إشارَةٌ إلى قِياسٍ اقْتِرانِيٍّ هَكَذا لَوْ كانَ كَما زَعَمْتُمْ آلِهَةً لَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ تَعالى وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إلَهًا فَهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ.
قِيلَ «ولَوْ» عَلى الأوَّلِ امْتِناعِيَّةٌ وعَلى هَذا شَرْطِيَّةٌ، والقِياسُ مُرَكَّبٌ مِن مُقَدَّمَتَيْنِ شَرْطِيَّةٍ اتِّفاقِيَّةٍ وحَمْلِيَّةٍ.
واخْتارَ المُحَقِّقُونَ الوَجْهَ الأوَّلَ لِأنَّهُ الأظْهَرُ الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بَيانُ أنَّهُ يَلْزَمُ ما يَقُولُونَهُ مَحْذُورٌ عَظِيمٌ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
وأمّا ابْتِغاءُ السَّبِيلِ إلَيْهِ تَعالى بِالتَّقَرُّبِ فَلَيْسَ مِمّا يَخْتَصُّ بِهَذا التَّقْدِيرِ ولا مِمّا يَلْزَمُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ بَلْ هو أمْرٌ يَعْتَقِدُونَهُ رَأْسًا، أيْ يُنَزَّهُ بِذاتِهِ تَنْزِيهًا حَقِيقًا بِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وتَعالى ﴾ مُتَباعِدًا ﴿ عَمّا يَقُولُونَ ﴾ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي هي أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى آلِهَةٌ وأنْ يَكُونَ لَهُ بَناتٌ ﴿ عُلُوًّا ﴾ أيْ: تَعالِيًا فَهو مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ﴿ كَبِيرًا ﴾ بِعِيدَ الغايَةِ بَلْ لا غايَةَ وراءَهُ كَيْفَ لا وأنَّهُ تَعالى في أقْصى غاياتِ الوُجُودِ وهو الوُجُوبُ الذّاتِيُّ وما يَقُولُونَهُ مِن أنَّ مَعَهُ آلِهَةً وأنَّ لَهُ أوْلادًا في أدْنى مَراتِبِ العَدَمِ وهو الِامْتِناعُ الذّاتِيُّ.
وقِيلَ: لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى مَراتِبِ الوُجُودِ وهو كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ والبَقاءِ لِذاتِهِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ مِن أدْنى مَراتِبِهِ فَإنَّهُ مِن خَواصِّ ما يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما يَقُولُونَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اتِّخاذِ الوَلَدِ بَلْ مَعَ ما سَمِعْتَ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في حَدِّ الإمْكانِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الوُجُودِ، وكَوْنُهُ مِن أدْنى مَراتِبِ الوُجُودِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، واعْتُذِرَ بِأنَّهُ مِن بابِ التَّنْبِيهِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى ولا يَخْفى أنَّ ذِكْرَ العُلُوِّ بَعْدَ عُنْوانِهِ بِذِي العَرْشِ في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، قال ابن عباس: «قل لأهل مكة لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ من الأوثان، إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، أي: طريقاً وكانوا كهيئته» .
وقال قتادة: أي يعرفوا فضل ذي العرش ومرتبته عليهم.
ويقال: ابتغوا طريقاً للوصول إليه.
وقال مقاتل: لطلبوا سبيلاً ليقهروه كفعل الملوك بعضهم بعضا.
ثم نزه نفسه عن الشريك، فقال تعالى: سُبْحانَهُ، أي تنزيهاً له وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ أي عما يقول الظالمون إن معه شريكاً.
عُلُوًّا كَبِيراً، أي بعيداً عما يقول الكفار.
وقوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ من الخلق وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، أي ما من شيء إلا يسبح له بأمره وبعلمه وَلكِنْ لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ وقال الكلبي: كل شيء ينبت، يسبح من الشجر وغير ذلك، فإِذا قطع منه صار ما قطع منه ميتاً لا يسبح.
وروي عن الحسن أنه قيل له: أيسبح هذا الخوان؟
قال: كان يسبح في شجره، فأَمَّا الآن فلا.
ويقال: إذا قطع الشجر، فإِنه يسبح ما دام رطباً، بدليل ما روي عن رسول الله أنه مرَّ بقبرين، فقال: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبانِ في القَبْرِ، ومَمَا يُعَذَّبَانِ بِكَبِيرَةٍ.
فَأَمَّا أَحَدَهُمَا كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ عن البَوْلِ» .
ثم أخذ جريدتين من شجر، وغرس إحداهما في قبر والأُخرى في قبر الآخر، فقال: «لَعَلَّهُمَا لا يُعَذَّبَانِ ما دَامَتَا رَطْبَتَيْنِ» (١) (١) حديث ابن عباس: أخرجه البخاري (218) (1378) و (6052) ومسلم (292) والترمذي (70) والنسائي 1/ 29- 30 وأبو داود (20) وأحمد 1/ 225 والبيهقي: 2/ 412 والبغوي (183) .
<div class="verse-tafsir"
الملكِ بْنُ مَرْوَانَ على معاويةَ، وعنده عَمْرُو بن العاص، فلم يَلْبَثْ أنْ نَهَضَ، فقال معاوية/ لعمْرٍو: ما أكْمَلَ مُرُوءَةَ هذا الفتى!
فقال له عمرو: إنه أخذ بأخْلاَقٍ أربعةٍ، وترك أخلاقاً ثلاثةً، أخذ بأحْسَنِ البشر إِذا لقي، وبأحْسن الاستماع إِذا حُدِّثَ، وبأحْسَنِ الحديثِ إِذَا حَدَّث، وبأحسنِ الرَّدِّ إِذا خولِفَ، وتركَ مُزَاحَ من لا يُوثَقُ بعقله، وتَرَكَ مخالَطَةَ لِئَامِ النَّاس، وتَرَكَ مِنَ الحديثِ ما يُعْتَذَرُ منْه.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ...
الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره، «والمدحورُ» المهانُ المُبْعَدُ.
وقوله سبحانه: أَفَأَصْفاكُمْ ...
الآية خطابٌ للعرب، وتشنيعٌ عليهم فَسَادَ قولهم.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا، أي صرَّفنا فيه الحِكَمَ والمواعظ.
وقوله سبحانه: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا قال سعيدُ بن جُبَيْر وغيره: معنى الكلام: لاَبْتَغَوْا إِليه سبيلاً في إِفساد مُلْكِهِ ومُضَاهَاته في قُدْرته «١» ، وعلى هذا: فالآية بيان للتمانُع، وجاريةٌ مع قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] .
قال ع «٢» : ونقتضب شيئاً من الدليل على أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ مَعَ اللَّهِ تبارَكَ وتعالى إله غيره على ما قال أبو المَعَالي وغيره: أنا لو فَرَضَناه، لفَرَضْنا أن يريد أحدهما تسكينَ جِسْمٍ والآخرُ تحريكَهُ، ومستحيلٌ أن تنفذ الإِرادتانِ ومستحيلٌ ألاَّ تنفذَا جميعاً، فيكون الجسْمُ لا متحِّركاً، ولا ساكناً، فإِن صحَّت إِرادة أحدهما دون الآخر، فالذي لم تتمَّ إِرادته ليس بإله، فإِن قيل: نفرضهما لا يختلفانِ، قُلْنا: اختلافُهما جائزٌ غيرُ مُمْتَنعٍ عقلاً، والجائز في حُكْمِ الواقعِ، ودليلٌ آخر: أنَّه لو كان الاثنانِ، لم يمتنعْ أنْ يكونوا ثلاثةً، وكذلك ويتسلسل إِلى ما لا نهاية له، ودليلٌ آخر: أنَّ الجزء الذي لا يتجزَّأُ من المخترعات لا تتعلَّق به إِلا قدرةٌ واحدةٌ لا يصحُّ فيها اشتراك، والآخر كذلك دأبا، فكل جزء إنما يخترعه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَقُولُونَ ) بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( يَقُولُونَ ) بِالياءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لابْتَغَوْا سَبِيلًا إلى مُمانَعَتِهِ وإزالَةِ مُلْكِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: لابْتَغَوْا سَبِيلًا إلى رِضاهُ؛ لِأنَّهم دُونَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمّا يَقُولُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( يَقُولُونَ ) بِالياءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( تُسَبِّحُ ) بِالتّاء.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يُسْبِّحُ ) بِالياءِ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما حَسُنَتِ الياءُ هاهُنا؛ لِأنَّهُ عَدَدٌ قَلِيلٌ، وإذا قَلَّ العَدَدُ مِنَ المُؤَنَّثِ والمُذَكِّرِ، كانَتِ الياءُ فِيهِ أحْسَنُ مِن التّاءِ، قالَ عَزَّ وجَلَّ في المُؤَنَّثِ القَلِيلِ: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ ﴾ ، وقالَ في المُذَكَّرِ: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ ﴾ .
قالَ العُلَماءُ: والمُرادُ بِهَذا التَّسْبِيحِ: الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ الخالِقُ القادِرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ ( إنْ ) بِمَعْنى ( ما ) .
وهَلْ هَذا عَلى إطْلاقِهِ أمْ لا ؟
فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ يُسَبِّحُهُ حَتّى الثَّوْبُ والطَّعامُ وصَرِيرُ البابِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يُرادُ بِهِ الخاصُّ.
ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ ذِي رُوحٍ، وكُلُّ نامٍ مِن شَجَرٍ أوْ نَباتٍ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ.
وجَلَسَ الحَسَنُ عَلى طَعامٍ فَقَدَّمُوا الخَوانَ، فَقِيلَ لَهُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ ؟
فَقالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً.
والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يُغَيَّرْ عَنْ حالِهِ، فَإذا تَغَيَّرَ انْقَطَعَ تَسْبِيحُهُ، رَوى خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، قالَ: إنَّ التُّرابَ لِيُسَبِّحُ ما لَمْ يَبْتَلْ، فَإذا ابْتَلَّ تَرَكَ التَّسْبِيحَ، وإنَّ الوَرَقَةَ تُسَبِّحُ ما دامَتْ عَلى الشَّجَرَةِ، فَإذا سَقَطَتْ تَرَكَتِ التَّسْبِيحَ، وإنَّ الثَّوْبَ لِيُسَبِّحُ ما دامَ جَدِيدًا، فَإذا تَوَسَّخَ تَرَكَ التَّسْبِيحَ.
فَأمّا تَسْبِيحُ الحَيَوانِ النّاطِقِ فَمَعْلُومٌ، وتَسْبِيحُ الحَيَوانِ غَيْرِ النّاطِقِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ بِصَوْتِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بِدَلالَتِهِ عَلى صانِعِهِ.
وَفِي تَسْبِيحِ الجَماداتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَسْبِيحٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
والثّانِي: أنَّهُ خُضُوعُهُ وخُشُوعُهُ لِلَّهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ دَلالَتُهُ عَلى صانِعِهِ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ تَسْبِيحَ مُبْصِرِهِ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ تَسْبِيحٌ حَقِيقَةً، كانَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ دَلالَتُهُ عَلى صانِعِهِ، كانَ الخِطابُ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَدِلُّونَ ولا يَعْتَبِرُونَ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " الحَلِيمِ " و " الغَفُورِ " في ( البَقَرَةِ: ٢٢٥ ) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا ﴾ ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، عَلى مَعْنى: صَرَّفْنا فِيهِ الحِكَمَ والمَواعِظَ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِتَخْفِيفِ الراءِ عَلى مَعْنى: صَرَفْنا فِيهِ الناسَ إلى الهُدى بِالدُعاءِ إلى اللهِ، وقالَ بَعْضُ مَن شَدَّدَ الراءَ: إنَّ قَوْلَهُ: "فِي" زائِدٌ، والتَقْدِيرُ: صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَذَّكَّرُوا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، ويَحْيى، والأعْمَشِ.
وما في ضِمْنِ الآيَةِ مِن تَرَجٍّ وطَماعِيَةٍ فَهو في حَقِّ البَشَرِ وبِحَسَبِ ظَنِّهِمْ فِيمَن يَفْعَلُ اللهُ مَعَهُ هَذا.
و"النُفُورُ" عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الإعْراضِ، تَشْبِيهًا بِنُفُورِ الدابَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مَصْدَرٌ لا غَيْرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ أنَّ في الإنْجِيلِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ شَوَّقْناكم فَلَمْ تَشْتاقُوا، ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ ﴾ الآيَةُ، إحْبارٌ بِالحُجَّةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا ﴾ فَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: لِطَلَبِ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ الزُلْفى إلى ذِي العَرْشِ، والقِرْبَةِ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، فَيَكُونُ "السَبِيلُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا ﴾ ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والنَقّاشُ وقالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، أبُو مَنصُورُ وغَيْرُهُ-: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا في إفْسادِ مُلْكِهِ ومُضاهاتِهِ في قُدْرَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، وجارِيَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا ﴾ ، وتَقْتَضِبُ شَيْئًا مِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُهُ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: إنّا لَوْ فَرَضْناهُ لِفَرْضِنا أنْ يُرِيدَ أحَدُهُما تَسْكِينَ جِسْمٍ، والآخِرُ تَحْرِيكَهُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ تَنْفُذَ الإرادَتانِ، ومُسْتَحِيلٌ ألّا تَنْفُذَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَإذا تَمَّتْ إرادَةُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَإنَّ الَّذِي لَمْ تَتِمُّ إرادَتُهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قُلْنا نَفْرِضُهُما لا يَخْتَلِفانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُما جائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، والجائِزُ في حُكْمِ الواقِعِ.
ودَلِيلٌ آخَرُ، إنَّهُ لَوْ كانَ الِاثْنانِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونُوا ثَلاثَةً، وكَذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ودَلِيلٌ آخَرُ: إنَّ الجُزْءَ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المُخْتَرَعاتِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلّا قُدْرَةٌ واحِدَةٌ لا يَصِحُّ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ يَخْتَرِعُهُ واحِدٌ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرْحُها بِحَسَبِ التَقَصِّي يَطُولُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "كَما يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَما تَقُولُونَ" بِالتاءِ.
و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُهُ، فَهو بِمَعْنى التَنْزِيهِ، فَمَوْضِعُها هُنا مَوْضِعُ "تَنَزَّهَ"، فَلِذَلِكَ عُطِفَ الفِعْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: "وَتَعالى".
و"التَعالِي" تَفاعُلٌ، أمّا في المُشاهِدِ في الأجْرامِ فَهو مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صَعَدَ في مَنزِلِهِ أو في جَبَلٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ يُعالِيهِ، وهو يُعالِي ويَرْتَقِي، وأمّا في جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَعالِي هو بِالقَدَرِ لا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "عَمّا يَقُولُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
و"عُلُوًّا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، فَهو كَقَوْلِهِ سُبْحانُهُ ﴿ واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: يُنَزِّهُهُ عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي لَكُمْ، والِاشْتِراكِ الَّذِي أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ، السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ، ثُمَّ أعادَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَسْبِيحُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ والإنْسَ والجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الأشْياءَ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ أيْ: يُنَزِّهُ اللهَ ويَحْمَدُهُ ويُمَجِّدُهُ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَسْبِيحِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَجُوُّزٌ، ومَعْناهُ إنْ كُلَّ شَيْءٍ تَبْدُو فِيهِ صَنْعَةُ الصانِعِ الدالَّةُ عَلَيْهِ، فَتَدْعُو رُؤْيَةُ ذَلِكَ إلى التَسْبِيحِ مِنَ المُعْتَبَرِ، ومِن حُجَّةِ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ ﴾ .
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مِن شَيْءٍ" لَفْظُ عُمُومٍ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ حَيٍّ ونامٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الجَماداتِ البَحْتَةِ، فَمِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ، وقالَ يَزِيدُ الرَقاشِي لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ، وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ؟
قالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أنَّ الشَجَرَةَ في زَمانِ نُمُوِّها واعْتِدالِها كانَتْ تُسَبِّحُ، فَمُذْ صارَتْ خِوانًا مَدْهُونًا أو نَحْوَهُ صارَتْ جَمادًا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لا يَسْمَعُهُ البَشَرُ ولا يَفْقَهُونَهُ، ولَوْ كانَ التَسْبِيحُ ما قالَهُ الآخَرُونَ مِن أنَّهُ أثَرُ الصَنْعَةِ لَكانَ أمْرًا مَفْهُومًا، والآيَةُ تَنْطِقُ بِأنَّ هَذا التَسْبِيحَ لا يُفْقَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَفْقَهُونَ ﴾ الكُفّارَ والغَفَلَةَ، أيْ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ فَلا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأشْياءِ.
وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في التَوْراةِ، ذَكَرَ فِيهِ ألْفَ شَيْءٍ مِمّا يُسَبِّحُ، سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ، سَبَّحَتْ لَهُ الأرْضُ، سَبَّحَ كَذا، سَبَّحَ كَذا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "يُسَبِّحُ لَهُ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: "تُسَبِّحُ لَهُ" بِالتاءِ.
والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إمْلائِهِ لَهُمْ، وصَفْحِهِ عنهم في الدُنْيا، وإمْهالِهِ لَهُمْ، مَعَ شَنِيعِ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا يُنَزِّهُهُ عنهُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، فَلِذَلِكَ أمْهَلَكم.
<div class="verse-tafsir"
إنشاء تنزيه لله تعالى عما ادعوه من وجود شركاء له في الإلهية.
وهذا من المقول اعتراض بين أجزاء المقول، وهو مستأنف لأنه نتيجة لبطلان قولهم: إن مع الله آلهة، بما نهضت به الحجة عليهم من قوله: ﴿ إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلاً ﴾ .
وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله تعالى: ﴿ سبحانه وتعالى عمّا يصفون ﴾ في سورة [الأنعام: 100].
والمراد بما يقولون ما يقولونه مما ذكر آنفاً كقوله تعالى: ونرثه ما يقول.
وعلوا } مفعول مطلق عامله ﴿ تعالى ﴾ .
جيء به على غير قياس فعله للدلالة على أن التعالي هو الاتصاف بالعلو بحق لا بمجرد الادعاء كقول سعدة أم الكميت بن معر: تعاليت فوق الحق عن آل فَقعس *** ولم تَخش فيهم ردة اليوم أو غد وقوله سبحانه: ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ﴾ [المؤمنون: 24]، أي يدعي الفضل ولا فضل له.
وهو منصوب على المفعولية المطلقة المبينة للنوع.
والمراد بالكبير الكامل في نوعه.
وأصل الكبير صفة مشبهة: الموصوف بالكبر.
والكبر: ضخامة جسم الشيء في متناول الناس، أي تعالى أكمل علو لا يشوبه شيء من جنس ما نسبوه إليه، لأن المنافاة بين استحقاق ذاته وبين نسبة الشريك له والصاحبة والولد بلغت في قوة الظهور إلى حيث لا تحتاج إلى زيادة لأن وجوب الوجود والبقاء ينافي آثار الاحتياج والعجز.
وقرأ الجمهور عما يقولون } بياء الغيبة.
وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بتاء الخطاب على أنه التفات، أو هو من جملة المقول من قوله: ﴿ قل لو كان معه آلهة ﴾ [الإسراء: 42] على هذه القراءة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَطَلَبُوا إلَيْهِ طَرِيقًا يَتَّصِلُونَ بِهِ لِأنَّهم شُرَكاءُ; قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: لِيَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ لِأنَّهم دُونَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتخذ من الملائكة إناثاً ﴾ قالت اليهود: الملائكة بنات الحق!
وفي قوله: ﴿ قل لو كان معه آلهة ﴾ الآية.
يقول: ﴿ لو كان معه آلهة ﴾ إذا لعرفوا فضله ومزيته عليهم، فابتغوا ما يقربهم إليه، إنهم ليس كما يقولون.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ قال: على أين ينزلوا ملكه.
قوله تعالى: ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى- كان جبريل عليه السلام عن يمينه، وميكائيل عليه السلام عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: «سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن لوط بن أبي لوط قال: بلغني أن تسبيح سماء الدنيا، سبحان ربنا الأعلى، والثانية سبحانه وتعالى، والثالثة سبحانه وبحمده، والرابعة سبحانه لا حول ولا قوة إلا به، والخامسة سبحان محيي الموتى وهو على كل شيء قدير، والسادسة سبحان الملك القدوس، والسابعة سبحان الذي ملأ السموات السبع والأرضين السبع عزة ووقاراً.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هزة فقال: «أطت السماء وحق لها أن تئط قالوا: وما الأطيط؟
قال: تناقضت السماء ويحقها أن تنقض، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده» .
وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ﴾ بالتاء.
قوله تعالى: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه، إن نوحاً قال لابنه يا بني؛ آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق» قال الله تعالى: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
وأخرج أحمد وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء» .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الذكر، عن عائشة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صوت الديك صلاته، وضربه بجناحيه سجوده وركوعه» ثم تلا هذه الآية: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد من السماء، اذكروا الله يذكركم، فلا يسمعها أول من الديك، فيصيح فذلك تسبيحه.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا وجوه الدواب، فإن كل شيء يسبح بحمده» .
وأخرج أبو الشيخ، عن عمر رضي الله عنه قال: لا تلطموا وجوه الدواب، فإن كل شيء يسبح بحمده.
وأخرج أحمد عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- إنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل- فقال لهم: «اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً للهِ منه» .
وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما تستقل الشمس فيبقى من خلق الله تعالى إلا سبح الله بحمده إلا ما كان من الشيطان وأغنياء بني آدم» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ما من عبد يسبح الله تسبيحة، إلا سبح ما خلق الله من شيء.
قال الله تعالى: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن النمل يسبحن» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح» .
وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نعيقها تسبيح» .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: الزرع يسبح بحمده، وأجره لصاحبه، والثوب يسبح.
ويقول الوسخ: إن كنت مؤمناً فاغسلني إذاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي قبيل رضي الله عنه قال: الزرع يسبح وثوابه للذي زرع.
وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كل شيء يسبح بحمده إلا الحمار والكلب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: الاسطوانة تسبح، والشجرة تسبح.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: لا يعيبن أحدكم دابته، ولا ثوبه، فإن كل شيء يسبح بحمده.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخطيب، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن صرير الباب تسبيحه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي غالب الشيباني رضي الله عنه قال: صوت البحر تسبيحه، وأمواجه صلاته.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن النخعي رضي الله عنه قال: الطعام تسبيح.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو الشيخ، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: أتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح.
وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري رضي الله عنه قال: أتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بغراب وافر الجناحين، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: «ما صيد من صيد ولا عضدت عضاة ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صيد من صيد ولا وشج من وشج إلا بتضييعه التسبيح» .
وأخرج عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صيد من طير في السماء ولا سمك في الماء حتى يدع ما افترض الله عليه من التسبيح» .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أخذ طائر ولا حوت إلا بتضييع التسبيح» .
وأخرج أبو الشيخ، عن مرثد بن أبي مرثد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصطاد شيء من الطير والحيتان إلا بما يضيع من تسبيح الله» .
وأخرج ابن عساكر من طريق يزيد بن مرثد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اصطيد طير في بر ولا بحر إلا بتضييعه التسبيح» .
وأخرج العقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ والديلمي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آجال البهائم كلها وخشاش الأرض والنمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها وغير ذلك آجالها في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت منها شيء» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: ما من شيء في أصله الأول لن يموت إلا وهو يسبح بحمده.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: ما من شيء في أصله الأول لن يموت إلا وهو يسبح بحمده.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب قال: جلس الحسن مع أصحابه على مائدة فقال بعضهم: هذه المائدة تسبح الآن فقال الحسن: كلا إنما ذاك كل شيء على أصله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن إبراهيم قال الطعام تسبيح.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقتلوا الضفادع فإن أصواتها تسبيح.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ظن داود عليه السلام أن أحداً لم يمدح خالقه أفضل مما مدحه، وأن ملكاً نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال: يا داود افهم إلى ما تصوّت به الضفدع، فأنصت داود عليه السلام فإذا الضفدع يمدحه بمدحة لم يمدحه بها داود عليه السلام فقال له الملك: كيف تراه يا داود؟
قال: أفهمت ما قالت؟
قال: نعم.
قال: ماذا قالت؟
قال: قالت: سبحانك وبحمدك منهتى علمك يا رب.
قال داود عليه السلام: والذي جعلني نبيه، إني لم أمدحه بهذا.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن صدقة بن يسار رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام في محرابه، فأبصر درة صغيرة ففكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه؟
فأنطقها الله فقالت: يا داود أتعجبك نفسك؟
لأنا على قدر ما آتاني الله، أذكر لله وأشكر له منك، على ما آتاك الله.
قال الله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .
وأخرج ابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه قال: هذه الآية في التوراة، كقدر ألف آية ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال في التوراة: تسبح له الجبال ويسبح له الشجر ويسبح له كذا ويسبح له كذا.
وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ، عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يسمَّى النوّاح في كتاب الله عز وجل، وانه انطلق حتى أتى البحر فقال: أيها البحر، إني هارب.
قال: من الطالب الذي لا ينأى طلبه.
قال: فاجعلني قطرة من مائك، أو دابة مما فيك، أو تربة من تربتك، أو صخرة من صخرك.
قال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت، فإنه ليس مني شيء إلا بارز، ينظر الله عز وجل إليه قد أحصاه وعده عداً فلست أستطيع ذلك، ثم انطلق حتى أتى الجبل، فقال: أيها الجبل، اجعلني حجراً من حجارتك أو تربة من تربتك أو صخرة من صخرك أو شيئاً مما في جوفك.
فقال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، إنه ليس مني شيء إلا يراه الله وينظر إليه وقد أحصاه وعده عداً، فلست أستطيع ذلك.
ثم انطلق حتى أتى على الأرض يعني الرمل فقال: أيها الرمل، اجعلني تربة من تربك أو صخرة من صخرك أو شيئاً مما في جوفك.
فأوحى الله إليه أجبه.
فقال: أيها العبد الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت فاجعل عملك لقمسين: لرغبة أو لرهبة، فعلى أيهما أخذك ربك لم تبال، وخرج فأتى البحر في ساعة فصلى فيه، فنادته ضفدعة فقالت: يا داود، إنك حدثت نفسك أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك، وإني في سبعين ألف ضفدعة كلها قائمة على رجل تسبح الله تعالى وتقدسه.
وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى داود عليه السلام ليلة حتى أصبح، فلما أن أصبح وجد في نفسه غروراً، فنادته ضفدعة يا داود، كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاءة.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: بلغني أنه ليس شيء أكثر تسبيحاً من هذه الدودة الحمراء.
وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: التراب يسبح فإذا بني فيه الحائط سبح.
وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: إذا سمعت تغيضاً من البيت أو من الخشب والجدر فهو تسبيح.
وأخرج أبو الشيخ، عن خيثمة رضي الله عنه قال: كان أبو الدرداء يطبخ قدراً فوقعت على وجهها فعلت تسبح.
وأخرج أبو الشيخ، عن سليمان بن المغيرة قال: كان مطرف رضي الله عنه إذا دخل بيته فسبح سبحت معه آنية بيته.
وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: لولا ما غمي عليكم من تسبيح ما معكم في البيوت ما تقاررتم.
وأخرج أبو الشيخ، عن مسعر رضي الله عنه قال: لولا ما غمى الله عليكم من تسبيح خلقه ما تقاررتم.
وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: كل شيء فيه الروح يسبح.
وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: صلاة الخلق تسبيحهم، سبحان الله وبحمده.
وأخرج النسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم- نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً.
بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليس معنا ماء فقال لنا: «اطلبوا من معه فضل ماء» فأتي بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه.
ثم قال: «حي على الطهور المبارك والبركة من الله» فشربنا منه.
قال عبد الله: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
وأخرج أبو الشيخ، عن أنس قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ثريد، فقال:إن هذا الطعام يسبح قالوا: يا رسول الله، وتفقه تسبيحه؟
قال: نعم.
ثم قال لرجل:أدن هذه القصعة من هذا الرجل فأدناها منه فقال: نعم يا رسول الله، هذا الطعام يسبح!
فقال: أدْنِها من آخروأدناها منه فقال: هذا الطعام يسبح.
ثم قال: ردها فقال رجل: يا رسول الله، لو أمرت على القوم جميعاً، فقال: لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا من ذنب ردها فردها» .
وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه وسمع عصافير يصحن قال: تدري ما يقلن؟
قلت: لا.
قال: يسبحن ربهن عز وجل ويسألن قوت يومهن.
وأخرج الخطيب، عن أبي حمزة قال: كنا مع علي بن الحسين رضي الله عنه فمر بنا عصافير يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذه العصافير؟
فقلنا: لا.
قال: أما إني ما أقول إنا نعلم الغيب، ولكني سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها، وسألته قوت يومها، وإن هذه تسبح ربها، وتسأله قوت يومها.
وأخرج الخطيب في تاريخه، «عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا عائشة، اغسلي هذين البردين فقلت: يا رسول الله، بالأمس غسلتهما، فقال لي: أما علمت أن الثوب يسبح، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان حليماً غفوراً ﴾ قال: حليماً عن خلقه، فلا يعجل كعجلة بعضهم على بعض، غفوراً لهم إذا ثابوا.
وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لما نزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ [ المسد: 1] أقبلت العوراء أم جميل، ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول: مذمماً أبينا ** ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وأبو بكر رضي الله عنه إلى جنبه، فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به.
كما قال تعالى: ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ فجاءت حتى قامت على أبي بكر رضي الله عنه: فلم تَرَ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني؟
فقال أبو بكر رضي الله عنه لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل من وجه آخر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أن أم جميل دخلت على أبي بكر وعنده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا ابن أبي قحافة، ما شأن صاحبك ينشد في الشعر؟
فقال: والله ما صاحبي بشاعر، وما يدري ما الشعر.
فقالت: أليس قد قال: ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ [ المسد: 5] فما يدريه ما في جيدي؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم؛ قل لها: «هل ترين عندي أحداً؟
فإنها لن تراني جعل بيني وبينها حجاب» فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: فقالت: أتهزأ بي؟
والله ما أرى عندك أحداً.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند المقام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم- في ظل الكعبة بين يدي- إذ جاءت أم جميل بنت حرب بن أمية زوجة أبي لهب، ومعها فهران، فقالت: أين الذي هجاني وهجا زوجي؟
والله لئن رأيته لارضن أنثييه بهذين الفهرين.
وذلك عند نزول ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال أبو بكر رضي الله عنه: فقلت لها: يا أم جميل، ما هجاك ولا هجا زوجك.
قالت: والله ما أنت بكذاب وإن الناس ليقولون ذلك، ثم ولت ذاهبة.
فقلت: يا رسول الله، إنها لم ترك؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حال بيني وبينها جبريل» .
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد وأبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو تنحيت عنها، فإنها امرأة بذية، فقال: إنه سيحال بيني وبينها فلا تراني» فقال: يا أبا بكر، هجانا صاحبك؟
قال: والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله.
فقالت: إنك لمصدق، فاندفعت راجعة.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، ما رأتك؟
قال: «كان بيني وبينها ملك يسترني بجناحه حتى ذهبت» .
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر، عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا القرآن على مشركي قريش ودعاهم إلى الله قالوا: يهزؤون به ﴿ قلوبنا في أكنة بما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [ السجدة: 5] فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ الآيات.
وأخرج ابن عساكر وولده القاسم في كتاب آيات الحرز، عن العباس بن محمد المنقري رضي الله عنه قال: قدم حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه المدينة حاجّاً، فاحتجنا إلى أن نوجه رسولاً، وكان في الخوف، فأبى الرسول أن يخرج، وخاف على نفسه من الطريق، فقال الحسين رضي الله عنه: أنا أكتب لك رقعة فيها حرز لن يضرك شيء إن شاء الله تعالى، فكتب له رقعة وجعلها الرسول في صورته، فذهب الرسول فلم يلبث أن جاء سالماً، فقال: مررت بالأعراب يميناً وشمالاً فما هيجني منهم أحد، والحرز عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب، وإن هذا الحرز كان الأنبياء يتحرزون به من الفراعنة: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون ﴾ [ المؤمنون: 109] ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ [ مريم: 18] أخذت بسمع الله وبصره وقوّته على أسماعكم وأبصاركم وقوتكم يا معشر الجن والإنس والشياطين والأعراب والسباع والهوام واللصوص، مما يخاف ويحذر فلان بن فلان، سترت بينه وبينكم بستر النبوّة التي استتروا بها من سطوات الفراعنة، جبريل، عن أيمانكم، وميكائيل، عن شمائلكم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمامكم، والله سبحانه وتعالى من فوقكم يمنعكم من فلان بن فلان في نفسه وولده وأهله وشعره وبشره وماله وما عليه وما معه وما تحته وما فوقه.
﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ إلى قوله: ﴿ نفوراً ﴾ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه، وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن زهير بن محمد وإذا قرأت القرآن الآية قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا صوته ولا يرونه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ قال: بغضاً لما تتكلم به لئلا يسمعوه، كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم، لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفار والتوبة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ قال: الشياطين.
وأخرج البخاري في تاريخه، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لم كتمتم ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فنعم الاسم والله كتموا!
فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل منزله، اجتمعت عليه قريش، فيجهر (ببسم الله الرحمن الرحيم) ويرفع صوته بها، فتولي قريش فراراً، فأنزل الله: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذ يستمعون إليك ﴾ قال: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يستمعون إليك ﴾ قال: هي في مثل قول الوليد بن المغيرة ومن معه في دار الندوة وفي قوله: ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك، الوليد بن المغيرة، وأصحابه.
وأخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل، عن الزهري رضي الله عنه قال: حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة يستمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق فتلاوموا، فقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كان الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض: مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل واحد منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد.
قال: والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها.
قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فقال: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟
قال: ماذا سمعت!
تنازعنا نحن وبنو عبد مناف في الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان؛ قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه فقام عنه الأخنس وتركه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض ﴾ الآية: اختلف في كيفية هذا التسبيح فقيل: هو تسبيح بلسان الحال أي بما تدل عليه صنعتها من قدرة وحكمة، وقيل: إنه تسبيح حقيقة وهذا أرجح لقوله: لا تفقهون تسبيحهم ﴿ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً ﴾ في معناه قولان: أحدهما: أن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يستره من الكفار إذا أرادوا به شراً، ويحجبه منهم، والآخر: أنه يحجب الكفار عن فهم القرآن، وهذا أرجح لما بعده، والمستور هنا قيل: معناه مستور عن أعين الخلق، لأنه من لطف الله وكفايته فهو من المغيبات، وقيل: معناه ساتر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليذكروا ﴾ من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر.
﴿ كما يقولون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحفص ﴿ عما تقولون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف.
﴿ تسبح ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة.
الآخرون على التذكير ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة.
الوقوف: ﴿ ليذكروا ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ تسبيحهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ مستوراً ﴾ لا للعطف ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ حديداً ﴾ لا ﴿ صدوركم ﴾ ج للفاء مع أن السين للاستئناف ﴿ بعيدنا ﴾ ط ﴿ أوَّل مرة ﴾ ج لما قلنا ﴿ متى هو ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ أعلم بكم ﴾ ه ﴿ يعذبكم ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ زبوراً ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ فظلموا بها ﴾ ط ﴿ تخويفاً ﴾ ه ﴿ بالناس ﴾ ط ﴿ في القرآن ﴾ ط الكل لما مر.
﴿ ونخوّفهم ﴾ لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ﴿ كبيراً ﴾ ه.
التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح.
ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ﴿ في هذا القرآن ﴾ أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً ﴿ من كل مثل ﴾ وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى.
وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله { ﴿ وأصلح لي في ذريتي ﴾ قال الجبائي: في قوله: ﴿ ليذكروا ﴾ دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها.
والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان.
وقالت الأشاعرة: قوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفوراً ﴾ دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم.
عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً.
ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ فقال: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾ أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون.
وفي قوله ﴿ إذا ﴾ دلالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لابتغوا ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف.
قلت: ولعل ﴿ إذا ﴾ ههنا ظرف لما دل عليه ﴿ لابتغوا ﴾ أي لطلبوا إذ ذاك ﴿ إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز.
وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله.
ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال { وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.
ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: ﴿ تسبح له ﴾ الآية.
قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني.
وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون.
وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله.
وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليماً غفورا ﴾ حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه.
وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح.
وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو.
واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً.
ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به.
ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله إذا قرأ القرآن عليهم.
يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.
وعن أسماء.
كان رسول الله جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا.
فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك.
فتلا رسول الله هذه الآيات.
فجاءت وما رأت رسول الله .
وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك.
وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول ويسمعون حديثه.
فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء.
وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً.
وقال أبو جهل: هو مجنون.
وقال أبو لهب: كاهن.
وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت.
وكان رسول الله إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ وفي النحل: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ .
وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام.
وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون".
وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور.
وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به.
والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ الآية.
على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا ﴾ .
وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته.
وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك.
وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.
ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ﴾ وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" ﴿ ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ من الهزء بك وبالقرآن.
قاتل جار الله ﴿ به ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ﴿ إذ يستمعون ﴾ نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ "إذ" بدل من "إذ هم" ﴿ إن تتبعون ﴾ أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ﴿ إلا رجلاً مسحوراً ﴾ سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال.
وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.
وقال مجاهد ﴿ مسحوراً ﴾ مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك.
وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة.
قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.
﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون ﴿ فضلوا ﴾ في جميع ذلك عن طريق الحق ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به.
وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد.
وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها.
وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟
فأجاب الله عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟
فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي.
أما قوله: ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ .
فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء.
وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض.
وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها.
وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال.
وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد.
وفي قوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى.
ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: ﴿ من يعيدنا ﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول.
ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء.
قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه.
قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه.
لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.
قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ منتصب بـ ﴿ اذكروا ﴾ والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ﴿ قريباً ﴾ والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة.
يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت.
والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون.
وقوله: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.
وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك.
وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.
وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ﴿ وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً ﴾ عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.
وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت.
وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار.
ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: ﴿ وقل لعبادي ﴾ أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ ﴿ فادخلي في عبادي ﴾ ، ﴿ يقولوا ﴾ الكلمة أو الحجة ﴿ التي هي أحسن ﴾ وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة.
ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود.
ثم قال: ﴿ ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ﴾ أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ﴾ بتسليطهم عليكم ﴿ وما أرسلناك ﴾ يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير.
والهداية إلى الله.
وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم.
وقوله: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ اعتراض.
وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك.
ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي.
ثم قال لهم: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب.
ثم قال لرسوله: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف.
وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو.
وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله فنزلت.
وحين قال: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ عمم الحكم فقال: ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض ﴾ يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم.
وأنما ختم الآية بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله إلا بمزية إيتاء الكتاب.
وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: { ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ أي محمد وأمته.
ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً.
والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً.
وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى.
ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: ﴿ قل ادع الذين زعمتم من دونه ﴾ وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا.
وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾ لا يليق بالجمادات.
قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب.
وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة.
سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟
فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة.
جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم.
على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله .
يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه.
رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾ فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه.
وقد جرب فوجد كذلك.
ثم إنه أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جذب المنافع ودفع المضار فقال: ﴿ أولئك ﴾ وهو مبتدأ و ﴿ الذين يدعون ﴾ صفته ﴿ ويبتغون ﴾ خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ﴿ إلى ربهم الوسيلة ﴾ أي القربة في الحوائج و ﴿ أيهم ﴾ بدل من واو ﴿ ويبتغون ﴾ وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟
والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد.
وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ لقد فضلنا بعض النبيين ﴾ أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة.
واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله قال: ﴿ يخافون عذابه ﴾ والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟
وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ﴾ ، ﴿ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾ أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر.
ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أو معذبوها ﴾ بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام.
وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ﴿ كان ذلك في الكتاب ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿ مسطوراً ﴾ فلا يوجد له تبديل قط.
ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: ﴿ وما منعنا ﴾ استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة.
عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه.
وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي من الله ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم.
فقال الرسول : لا أريد ذلك وأنزل الله الآية.
والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله به عادته.
والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً.
ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ﴿ مبصرة ﴾ أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ﴿ فظلموا ﴾ أنفسهم بقتلها أو فكفروا ﴿ بها ﴾ بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ﴿ وما نرسل بالآيات ﴾ المقترحة ﴿ إلا تخويفاً ﴾ من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور.
وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك ﴾ أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ﴿ أحاط بالناس ﴾ أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة.
عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر.
أما قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد.
الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم.
وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله أنا ندخل البيت فنطوف به.
فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى.
فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ﴾ .
الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك.
الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء.
ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.
والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة.
قوله: ﴿ والشجرة ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها.
قال عز من قائل: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون.
والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله هذه الآية.
ونظيره قوله: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين ﴾ .
ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار.
وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية.
وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب.
وقيل: هي الشيطان.
وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟
جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك.
ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك.
ثم ذكر سبباً آخر في أنه لا يظهر المقترحات عليهم فقال: ﴿ ونخوفهم ﴾ بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ متمادياً.
التأويل: ﴿ لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: { ﴿ فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء ﴾ والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: ﴿ إن الدار الآخرة لهي الحيوان ﴾ فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ﴾ وبه نطق السموات والأرض ﴿ قالتا أتينا طائعين ﴾ ﴿ وإنه كان حليماً ﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب عن كفره.
﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق" .
قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة.
قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله.
وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً.
لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع.
﴿ ولّوا على أدبارهم ﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿ يقولوا التي هي أحسن ﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة.
﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ فيه أن فضل النبي على داود كفضل القرآن على الزبور.
﴿ وإن من قرية ﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿ إلا نحن مهلكوها ﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿ أو معذبوها ﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: ﴿ أحاط بالناس ﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ كان الوحي يصل إلى النبي في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً ﴾ .
يخبر من سفه مشركي العرب أنهم نسبوا إلى الله البنات، والبنين إلى أنفسهم - بقوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ ، والذي حملهم على ذلك قول أهل الكتاب؛ حيث وصفوا الله بالولد؛ فرأوا أن ما يكون له الولد يكون له البنات؛ فقال: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ﴾ .
لم يزد على هذا العظيم ما قالوا في الله؛ فلم يضرب لقولهم ذلك مثلاً؛ لما ليس وراء ذلك مثل يضرب؛ لأنه ضرب مثل ما قالوا بالولد له بانفطار السماء، وانشقاق الأرض، وخرور الجبال؛ حيث قال: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً...
﴾ الآية [مريم: 90]: أخبر أنّ السّماوات وما ذكر كادت أن تنقلب عن وجهها؛ لعظيم ما قالوا في الله من الولد.
وقال في الشريك: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ...
﴾ الآية [الحج: 31]، فهذا غاية ما ذكر من الأمثال لمن قال له بالولد والشريك؛ فليس وراء هذا يذكر لمن قال له البنات، ولكن قال: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ﴾ لم يزد على ذلك؛ لأن الذي قالوا له ونسبوا إليه نهاية في السفه والسرف في القول، الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
أو يقول: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ﴾ : في عقولكم، لو تفكرتم وتدبرتم لعلمتم أن ما قلتم في الله - وتعالى - عظيم.
قال أبو عوسجة: ﴿ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم ﴾ ، أي: أعطاكم ربكم؛ يقال: أصفيته: [أي:] أعطيته، وأصفاكم، أي: اختاركم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ .
قال الحسن: قوله: ﴿ صَرَّفْنَا ﴾ - يقول: بيّنا في هذا القرآن ما نزل بمكذبي الرسل من الأمم الخالية؛ بتكذيبهم الرسل أمّة قائمة؛ ﴿ لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ : ما نزل بهم؛ فينتهوا عن تكذيبهم الرسل، ﴿ وَمَا يَزِيدُهُمْ ﴾ : ما بين لهم.
﴿ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ أي: تكذيباً للرسل.
وقال بعضهم: ولقد صرّفنا [في] هذا القرآن، أي: بيّنا في هذا القرآن والآيات التي تقدم ذكرها - جميع ما يؤتى ويتقى، وما لهم وما عليهم؛ ليعتبروا [به] فيؤمنوا، وما يزيدهم القرآن إلا تباعداً من الإيمان به، وهو ما ذكر: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ...
﴾ الآية [الإسراء: 39].
وقال بعضهم: صرّفنا في هذا القرآن من المواعيد الشديدة أنه ما ينزل بهم في الآخرة من العذاب والعقوبة؛ بصنيعهم وتكذيبهم الرسل، لكن إذ لم يؤمنوا بالآخرة، لم يزدهم ذلك الوعيد إلاّ نفوراً وبعداً؛ فإن الله قد ذكر في القرآن المواعظ الكثيرة: ما لو نظروا فيه وتأملوا لكانت تمنعهم وتزجرهم عن مثل صنيعهم، لكن لم ينظروا إليه بالتعظيم؛ ولكن نظروا إليه بالاستهزاء والاستخفاف به؛ لذلك أضيف زيادة النفور إليه، أو أضاف ذلك إليه: لما أحدثوا بنزوله الكفر والتكذيب له؛ فأضاف ذلك إليه لما أزداد لهم التكذيب، وحدث لهم الكفر به إذا نزل، كما كان لأهل الإسلام يزداد لهم الإيمان واليقين إذا نزل.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ ، أي: يَشْرُفوا؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، أي: شرفكم، أو ليذكروا ما نسوا وتركوا وغفلوا عنه.
ثم قوله: ﴿ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ ، معناه - والله أعلم -: أنزله؛ ليلزمهم الذكر، أو ليكون عليهم، أو ليأمرهم بالذكر، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ الآية [الذاريات: 56]، وقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: ليلزمهم العبادة والطاعة، أو ليأمرهم بالعبادة والطاعة، أو أرسل وخلق لمن علم منه العبادة والطاعة.
وقوله - عز جل -: ﴿ لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ ، أي ليكون لهم الذكرى بذلك؛ لأنه لا يحتمل أن يبيّن لهم ويجعل لهم بياناً؛ ليذكرّوا، ثم لا يكون؛ ولكن ما ذكرنا ليكون لهم الذكرى، وقد كانت لكن لم تنفعهم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ .
ليس القرآن بالذي يزيدهم نفوراً، ولكن لما نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء زاد لهم بذلك نفوراً عندهم وتكذيباً، وإلاّ: القرآن لا يزيد إلا هدى ورشداً؛ على ما وصفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً ﴾ .
قال عامّة أهل التأويل: في الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها، أي: لو كانت هي آلهة معه كما تقولون إذاً لابتغوا التقرب والزُّلْفَى إلى ذي العرش سبيلاً.
وقال بعضهم: لو كانت لهم عقول لابتغت، وأمكن لها من الطاعة والعبادة إذاً لابتغت إلى ذي العرش سبيلاً بالطاعة له والعبادة، وهو ما قال في الملائكة: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ﴾ الآية [الإسراء: 57]، لكن الأشبه أن يكون الله - - ألا يقول في الأصنام مثل هذا: لو كان معه آلهة، إنما هي خشب، لكن قال فيها ما قال: لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر، وما ذكر في آية أخرى: ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴾ ، وما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً...
﴾ الآية [الحج: 73]: مثل هذا أن يقال في الأصنام، وأمّا ما ذكر: ﴿ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ...
﴾ الآية، معلوم أنها ليست من أهل الابتغاء، إلا أن يقال ما ذكر بعضهم، أي: لو كانت الأصنام التي تعبدونها آلهة؛ على ما تزعمون، إذاً لا بتغوا إلى الله سبيلاً، [بالطاعة لو لم يكن لهم ذلك، وكانوا من أهلها، لكن الأشبه - إن كان - فهو في الذين يعبدون الملائكة] ويتخذونهم معبوداً أو في الذين يقولون بالعدد الذين لهم تدبير، أو الذين يقولون بقدم العالم وأصوله؛ فهو يخرج على وجوه، فنقول - والله أعلم -: ﴿ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ ﴾ ، أي: إذاً لأظهروا دلالة ربوبيتهم وألوهيتهم بإنشاء الخلائق، كما أظهر الله - - ألوهيته وربوبيته بما أنشأ الخلائق، ولم يظهر ممن يدعون لهم ألوهيته إنشاء شيء من ذلك فدلّ أنه ليس هنالك إله غيره.
وقال بعضهم: ﴿ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ ﴾ ، أي: صاروا كهؤلاء: يعني الله، أي: في الإنشاء والإفناء والتدبير، ومنعوه عن إنفاذ الأمر له: في خلقه، والمشيئة له فيهم، واتساق التدبير؛ فإذا لم يكن ذلك منهم دل أنه لا إله معه سواه؛ ويكون كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ...
﴾ الآية [المؤمنون: 91].
وقال بعضهم: لو كان معه آلهة كما يزعمون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً، في القهر والغلبة؛ على ما عرف من عادة الملوك بالأرض: أنه يسعى كل منهم في غلبة غيره وقهر آخر ويناصبه؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ \[المؤمنون: 91\]، أي: غلب وقهر وناصب.
ويحتمل غير هذا، وهو أن يمنع كل منهم أن يكون لله الواحد بالخلق دلالة ألوهية وربوبية، وجهة الاستدلال [له] بذلك؛ فإذا لم يمنعوا ذلك دلّ أنه لا ألوهية لسواه، وهو الاوّل بعينه.
وقال بعض أهل التأويل: لعرفوا فضله ومرتبته عليهم، ولابتغوا ما يقربهم إليه، وقيل: ولابتغت الحوائج إليه، وهذا هو الذي ذكرناه بدءاً من طلب الطاعة له.
وقوله: ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ .
نزه نفسه وبرأها عما يقول الملحدة فيه ووصفوه بالشركاء والأشباه والولد وما لا يليق به؛ فقال: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ .
ثم قال: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ .
ثم يحتمل تسبيح ما ذكر وجهين: أحدهما: جعل الله - - في خلقه السماوات والأرض وما ذكر دلالة على وحدانية الله وألوهيته، وشاهدة له أنه واحد لا شريك له ولا شبيه؛ فإن كان على هذا فيدخل فيه كل شيء: ذو الروح وغيره؛ فيكون قوله: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ : الكفرة خاصّة، وأمّا أهل الإسلام يفقهون ذلك.
والثاني: أنه جعل الله في سرّية هذه الأشياء ما ذكر من التسبيح والتنزيه، لكن لا نفقه نحن ذلك ولا نفهمه؛ على ما أخبر: ﴿ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
وهي لا تعرف - أيضاً - أن ذلك تسبيح على ما جعل في الجوارح والأعضاء تسبيحاً وعبادة له، وإن كانت هي لا تعرف ذلك أنه تسبيح.
والثالث: أنه جعل صوت هذه الأشياء تسبيحاً له حقيقة على معرفة هذه الأشياء أنه تسبيح، وإن كان لا يعرف ذلك إلاّ خواص من الناس، وهم الأنبياء، والله أعلم.
وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ﴾ .
الحليم: هو ضد السفيه، والثاني: يقال حليم: ليس بعجول، أي: لا يعجل بالعقوبة.
﴿ غَفُوراً ﴾ إذا تابوا، أو ﴿ غَفُوراً ﴾ حيث ستر عليهم فضائحهم، الحلم ما ذكرنا: ضدّ السفه والعجلة.
ذكر هاهنا على أثر ما ذكر منهم من القول الوخش فيه والعظيم أنه حليم؛ ليعلموا أنه عن علم لم يأخذهم بالعقوبة عاجلاً، و ﴿ غَفُوراً ﴾ ؛ ليعلموا أنهم، وإن أعظموا القول فيه؛ يغفر لهم ويتجاوز عنهم إن رجعوا وتابوا.
فإن قال لنا ملحد: إنكم تصفون ربكم بالحلم والرحمة، ثم تقولون: إنه يعذب أبد الآبدين في النار بكفر كان منه؛ فأنى يكون فيه رحمة أو حلم؟!
قيل: إنكم لا تعرفون ما الحلم وما الرحمة، ولو عرفتم - ما قلتم ذلك، ولو لم يعذب على الكفر أبد الآبدين لم يكن حليماً ولكن سفيهاً، وكذلك الرحمة، وليس خروج الشيء على غير موافقة الطبع بالذي يخرج صاحبه عن حد الحكمة والرحمة، فأنتم إنما تصورتم الحكمة والرحمة على موافقة طباعكم، وليس كذا.
وكذلك يقال للمعتزلة؛ حيث قالوا: إنه لا يعقل إلا ما هو أصلح لنا في الدين؛ لأنه جواد؛ فلو منع الأصلح والأخْيَر لم يكن جواداً موصوفاً بالجود، وإنما قدرتم وقلتم على ما وافق طباعكم وأنفسكم، ولو عرفتم حقيقة الجود ما قلتم ذا ولا خطر على بالكم شيء من ذلك، وإنما على الله أن يختار لكل ما علم منه أنه يختار ويؤثر؛ لأنه لا يجوز أن يختار الولاية لمن علم منه أنه يختار عداوته، وكذلك لا يجوز أن يختار العداوة لمن علم منه أنه يختار ولايته، وليس على الله - - حفظ الأصلح لأحد في الدّين؛ بل عليه حفظ ما يوجبه الحكمة والرّبوبيّة.
وفي ذكر تسبيح ما ذكر من جميع الموات على أثر ما ذكر من قول أولئك الكفرة من وصف الله - - بالولد والشركاء، ونحوه يخرج على وجوه: أحدهما: يذكر سفههم؛ أنهم مع ادعائهم العقل والعلم والتمييز والسؤدد - وصفوا الله بالذي لا يليق به، وما يسقط الألوهية والرّبوبيّة عنه، على زعمهم، فالذين ليس لهم شيء من ذلك التمييز والفهم والعقل نزهوه عن ذلك كله وبرءوه عن جميع ذلك.
والثاني: ذكر تسبيحهم على أثر ذلك؛ ليعلم أنه لا حاجة إلى تسبيحهم، ولا منفعة له في ذلك أن سبح له جميع الخلائق سواهم؛ بل منفعة تسبيحهم ترجع إليهم.
والثالث: ذكره لإثبات الرسالة للرسل؛ لأنهم ذكروا تسبيح الموات، ولا يفهم ذلك ولا يعقل إلا بوحي من السماء؛ فذلك يدلّ على الرسالة.
فعلى هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا يجوز ذكر تسبيح ما ذكر على أثر ما ذكر، وكذلك ذكر سجود الموات يخرج على هذه الوجوه الي ذكرناها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
تنزه الله سبحانه وتقدس عما يصفه به المشركون، وتعالى عما يقولونه علوًّا كبيرًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.Xjg6e"