الآية ٤٦ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٤٦ من سورة الإسراء

وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُۥ وَلَّوْا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُورًۭا ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) : جمع كنان الذي يغشى القلب ( أن يفقهوه ) أي لئلا يفهموا القرآن ( وفي آذانهم وقرا ) وهو الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعا ينفعهم ويهتدون به وقوله : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ) أي إذا وحدت الله في تلاوتك وقلت لا إله إلا الله ( ولوا ) أي أدبروا راجعين ( على أدبارهم نفورا ) ونفور جمع نافر كقعود جمع قاعد ويجوز أن يكون مصدرا من غير الفعل والله أعلم كما قال تعالى : ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) [ الزمر 45 .

قال قتادة في قوله : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) إن المسلمين لما قالوا لا إله إلا الله أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم وضاقها إبليس وجنوده فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها ويظهرها على من ناوأها إنها كلمة من خاصم بها فلج ومن قاتل بها نصر إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها قول آخر في الآية وروى ابن جرير حدثني الحسين بن محمد الذارع ، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قوله : ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) هم الشياطين هذا غريب جدا في تفسيرها وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة عند قراءتك عليهم القرآن أكنة، وهي جمع كِنان، وذلك ما يتغشَّاها من خِذلان الله إياهم عن فهم ما يُتلى عليهم (وفِي آذانهِمْ وَقْرًا) يقول: وجعلنا في آذانهم وقرا عن سماعه، وصمما، والوَقر بالفتح في الأذن : الثقل.

والوِقر بالكسر: الحِمْل.

وقوله ( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ ) يقول: وإذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه ( وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ) يقول: انفضوا، فذهبوا عنك نفورا من قولك استكبارا له واستعظاما من أن يوحِّد الله تعالى.

وبما قلنا في ذلك، قال بعض أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا ) وإن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم، فصافها (2) إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها وينصرها ويفلجها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نُصِر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائل ويسير الدهر في فِئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرّون بها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ) قال: بغضا لما تكلم به لئلا يسمعوه، كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفار والتوبة، ويَستغشُون ثيابهم، قال: يلتفون بثيابهم، ويجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ولا يُنظر إليهم.

وقال آخرون: إنما عُنِي بقوله ( وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ) الشياطين، وإنها تهرب من قراءة القرآن، وذكر الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: ثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله ( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ) هم الشياطين.

والقول الذي قلنا في ذلك أشبه بما دلّ عليه ظاهر التنـزيل، وذلك أن الله تعالى أتبع ذلك قوله ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ) فأن يكون ذلك خبرا عنهم أولى إذا كان بخبرهم متصلا من أن يكون خبرا عمن لم يجز له ذكر.

وأما النفور، فإنها جمع نافر، كما القعود جمع قاعد، والجلوس جمع جالس؛ وجائز أن يكون مصدرا أخرج من غير لفظه، إذ كان قوله (وَلَّوْا) بمعنى: نفروا، فيكون معنى الكلام: نفروا نفورا، كما قال امرؤ القيس: وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ أَيَّ إِذْلالِ (3) إذا كان رُضْت بمعنى: أذللت، فأخرج الإذلال من معناه، لا من لفظه.

------------------------- الهوامش : (2) يقال : صافه ، بتشديد الفاء ، فهو مضاف : إذا رتب صفوفه في مقابله صفوف العدو ، وتصافوا عليه : اجتمعوا صفا .

(3) هذا عجز بيت لامرئ القيس بن حجر الكندي ، صدره * وصرنـا إلى الحسنى ورق كلامنا * وهو من قصيدة عدة أبياتها 54 بيتا ، وهو الخامس والعشرون فيها ، ( انظر مختار الشعر الجاهلي ، بشرح مصطفى السقا ، طبعة الحلبي ص 38 ) .

وقد استشهد المؤلف على أن قول القرآن ، " ولوا على أدبارهم نفورا " يجوز أن يكون لفظ ( نفورا) جمع نافر ، كجلوس جمع جالس ، وقعود جمع قاعد ، ويجوز أن يكون مصدر نفر ، وهو مفعول مطلق للفعل " ولوا " لأنه يئول بمعنى نفورا كما يئول قول امرئ القيس (أي إذلال) بمعنى أي ذل مع ما بينهما من فرق في المعنى .

ولكن العرب تتسمح في وضع بعض المصادر موضع بعض على التأويل .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرأ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراقوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم .

وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون ، ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون ، ولا ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم .

والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان ، والأعنة والعنان .

كننت الشيء في كنه إذا صنته فيه .

وأكننت الشيء أخفيته .

والكنانة معروفة .

والكنة ( بفتح الكاف والنون ) امرأة أبيك ; ويقال : امرأة الابن أو الأخ ; لأنها في كنه .

وأكنة جمع كنان ، وهو ما ستر الشيء .

وقد تقدم في الأنعامأن يفقهوه أي يفهموه وهو في موضع نصب ; المعنى كراهية أن يفهموه ، أو لئلا يفهموه .

أن يفقهوه أي لئلا يفقهوه ، أو كراهية أن يفقهوه ، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني .

وهذا رد على القدرية .وفي آذانهم وقرا عطف عليه أي ثقلا ; يقال منه : وقرت أذنه ( بفتح الواو ) توقر وقرا أي صمت ، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين .

وقد وقر الله أذنه يقرها وقرا ; يقال : اللهم قر أذنه .

وحكى أبو زيد عن العرب : أذن موقورة على ما لم يسم فاعله ; فعلى هذا وقرت ( بضم الواو ) .

وقرأ طلحة بن مصرف ( وقرا ) بكسر الواو ; أي جعل ، في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير ، وهو مقدار ما يطيق أن يحمل ، والوقر الحمل ; يقال منه : نخلة موقر وموقرة إذا كانت ذات ثمر كثير .

ورجل ذو وقرة إذا كان وقورا بفتح الواو ; ويقال منه : وقر الرجل ( بضم القاف ) وقارا ، ووقر ( بفتح القاف ) أيضا .وفي آذانهم وقرا أي صمما وثقلا .

وفي الكلام إضمار ، أي أن يسمعوه .وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده أي قلت : لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن .

وقال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله : ليس شيء أطرد للشياطين من القلب من قول لا إله إلا الله ، ثم تلا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا .

وقال علي بن الحسين : هو قوله بسم الله الرحمن الرحيم .

وقد تقدم هذا في البسملة .ولوا على أدبارهم قيل : يعني بذلك المشركين .

وقيل الشياطين .نفورا جمع نافر ; مثل شهود جمع شاهد ، وقعود جمع قاعد ، فهو منصوب على الحال .

ويجوز أن يكون مصدرا على غير الصدر ; إذ كان قوله ولوا بمعنى نفروا ، فيكون معناه نفروا نفورا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي: أغطية وأغشية لا يفقهون معها القرآن بل يسمعونه سماعا تقوم به عليهم الحجة، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } أي: صمما عن سماعه، { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآن } داعيا لتوحيده ناهيا عن الشرك به.

{ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } من شدة بغضهم له ومحبتهم لما هم عليه من الباطل، كما قال تعالى: { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) أغطية ( أن يفقهوه ( كراهية أن يفقهوه .

وقيل : لئلا يفقهوه ، ( وفي آذانهم وقرا ( ثقلا لئلا يسمعوه ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ( يعني إذا قلت : لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه ( ولوا على أدبارهم نفورا ( جمع " نافر " مثل : قاعد وقعود وجالس وجلوس أي نافرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجعلنا على قلوبهم أكنة» أغطية «أن يفقهوه» من أن يفهموا القرآن أي فلا يفهمونه «وفي آذانهم وقرا» ثقلاً فلا يسمعونه «وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولَّوا على أدبارهم نفورا» عنه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلنا على قلوب المشركين أغطية؛ لئلا يفهموا القرآن، وجعلنا في آذانهم صممًا؛ لئلا يسمعوه، وإذا ذَكَرْتَ ربك في القرآن داعيًا لتوحيده ناهيًا عن الشرك به رجعوا على أعقابهم نافرين من قولك؛ استكبارًا واستعظامًا من أن يوحِّدوا الله تعالى في عبادته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً ) تسلية عظيمة للرسول صلى الله عليه وسلم ، وتثبيت له وللمؤمنين على الطريق الحق الذى هداهم الله - تعالى - إليه .أى : انظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - كيف أن هؤلاء المشركين .

قد بلغ بهم الجحود والفجور ، أنهم مثلوا لك الأمثال ، فوصفوك تارة بأنك مسحور ، وتارة بأنك شاعر .وهم فى وصفهم هذا ، قد ضلوا عن الحق ضلالا بعيدا ، وصاروا كالحيران الذى التبست عليه الطرق ، فأمسى لا يعرف السبيل الذى يسلكه .هذا ، وقد ذكر الإِمام ابن كثير رحمة الله - عند تفسيره لهذه الآيات ، ما يدل على أن المشركين كانوا يستمعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عند قراءته للقرآن .فقال : قال محمد بن إسحاق فى السيرة : حدثنى محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى ، أنه حُدِّث أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق .

.

خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلى بالليل فى بيته ، فأخذ كل واحد منهم مجلسا يستمع فيه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا .

حتى إذا جمعتهم الطريق ، تلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا ، ثم انصرفوا .حتى إذا كانت الليلة التالية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا .

حتى إذا جمعتهم الطريق ، قال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة ، ثم انصرفوا .حتى إذا كانت الليلة الثالثة ، أخذ كل رجل منهم مجلسه .

فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا .فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب فى بيته ، فقال : أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم ؟

فقال أبو سفيان : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما تكلم في الآية المتقدمة في المسائل الإلهية تكلم في هذه الآية فيما يتعلق بتقرير النبوة.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان ﴾ قولان: القول الأول: أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على الناس.

روي أنه عليه الصلاة والسلام كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار، وعن أسماء أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب ومعها فهر تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: مذمماً أتينا *** ودينه قلينا وأمره عصينا *** فقال أبو بكر: يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فجاءت فما رأت رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت: إن قريشاً قد علمت أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك.

وروى ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحرك بشيء.

وقال أبو سفيان: أني لأرى بعض ما يقوله حقاً، وقال أبو جهل: هو مجنون.

وقال أبو لهب هو كاهن.

وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر، فنزلت هذه الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن قرأ قبلها ثلاثة آيات وهي قوله في سورة الكهف: ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا  ﴾ وفي النحل: ﴿ أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ  ﴾ وفي حم الجاثية: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ  ﴾ إلى آخر الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه كان يجب أن يقال حجاباً ساتراً.

والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه فكان مستوراً من هذا الوجه، احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضراً مع أنه لا يراه ذلك الإنسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعاً يمنعه عن رؤيته بهذه الآية قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضراً وكانت حواس الكفار سليمة، ثم إنهم ما كانوا يرونه، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أنه جعل بينه وبينهم حجاباً مستوراً، والحجاب المستور لا معنى له إلا المعنى الذي خلقه الله تعالى في عيونهم، وكان ذلك المعنى مانعاً لهم من أن يروه ويبصروه.

والوجه الثاني: في الجواب أنه كما يجوز أن يقال لابن وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر فكذلك لا يبعد أن يقال مستوراً معناه ذو ستر والدليل عليه قوله مرطوب أي ذو رطوبة ولا يقال رطيبة ويقال مكان مهول أي فيه هول ولا يقال: هلت المكان بمعنى جعلت فيه الهول، ويقال: جارية مغنوجة ذات غنج ولا يقال غنجتها.

والوجه الثالث: في الجواب قال الأخفش: المستور هاهنا بمعنى الساتر، فإن الفاعل قد يجيء بلفظ المفعول كما يقال: إنك لمشؤم علينا وميمون وإنما هو شائم ويامن، لأنه من قولهم شأمهم ويمنهم، هذا قول الأخفش: وتابعه عليه قوم، إلا أن كثيراً منهم طعن في هذا القول، والحق هو الجواب الأول.

القول الثاني: أن معنى الحجاب الطبع الذي على قلوبهم والطبع والمنع الذي منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده، فالمراد من الحجاب المستور ذلك الطبع الذي خلقه الله في قلوبهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ وهذه الآية مذكورة بعينها في سورة الأنعام وذكرنا استدلال أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس بإعادة بعضها قال الأصحاب: دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة.

والأكنة جمع كنان وهو ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله: ﴿ أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ أي لئلا يفقهوه.

وجعل في آذانهم وقراً.

ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين، فعلمنا أن المراد منعهم عن الإيمان ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ولا يفهمون دقائقه وحقائقه.

قالت المعتزلة: ليس المراد من الآية ما ذكرتم بل المراد منه وجوه أخرى.

الأول: قال الجبائي: كانوا يطلبون موضعه في الليالي لينتهوا إليه ويؤذونه، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه الله تعالى من شرهم، وذكر له أنه جعل بينه وبينهم حجاباً لا يمكنهم الوصول إليه معه، وبين أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما يمنع من سماع صوته، ويجوز أن يكون ذلك مرضاً شاغلاً يمنعهم من المصير إليه والتفرغ له، لا أنه حصل هناك كن للقلب ووقر في الأذن.

الثاني: قال الكعبي: إن القوم لشدة امتناعهم عن قبول دلائل محمد صلى الله عليه وسلم صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب مانع وساتر، وإنما نسب الله تعالى ذلك الحجاب إلى نفسه لأنه لما خلاهم مع أنفسهم، وما منعهم عن ذلك الإعراض صارت تلك التخلية كأنها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة، وهذا مثل أن السيد إذا لم يراقب أحوال عبده فإذا ساءت سيرته فالسيد يقول: أنا الذي ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك مع رأيك وما راقبت أحوالك.

الثالث: قال القفال: إنه تعالى لما خذلهم بمعنى أنه لم يفعل الألطاف الداعية لهم إلى الإيمان صح أن يقال: إنه فعل الحجاب السائر.

واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها، فلا فائدة في الإعادة.

ثم قال تعالى: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا ﴾ واعلم أن المراد أن القوم كانوا عند استماع القرآن على حالتين، لأنهم إذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين متحيرين لا يفهمون منه شيئاً، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله ولوا نفوراً وتركوا ذلك المجلس، وذكر الزجاج في قوله: ﴿ وَلَّوْاْ على أدبارهم نُفُوراً ﴾ وجهين: الأول: المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا، والثاني: أن يكون نفوراً جمع نافر مثل شهود وشاهد وركوع وراكع وسجود وساجد وقعود وقاعد.

ثم قال تعالى: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أي نحن أعلم بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب.

و ﴿ بِهِ ﴾ في موضع الحال، كما تقول: مستمعين بالهزؤ و ﴿ إِذْ يَسْتَمِعُونَ ﴾ نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وَإِذَا هُمْ نجوى ﴾ أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى: ﴿ إِذْ يَقُولُ الظالمون ﴾ بدل من قوله: ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى...

إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ﴾ وفيه مباحث: الأول: قال المفسرون: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يتخذ طعاماً ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل علي عليه السلام ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى التوحيد وقال: قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين لكم العجم فأبوا عليه ذلك، وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون: بينهم متناجين هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول، فأخبر الله تعالى نبيه بأنهم يقولون: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ﴾ .

فإن قيل: إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ﴾ .

قلنا: معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلاً مسحوراً، والمسحور الذي قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء.

هذا هو القول الصحيح، وقال بعضهم: المسحور هو الذي أفسد.

يقال: طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.

قال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر أي ذا رئة.

قال ابن قتيبة: ولا أدري ما الذي حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة، وقال مجاهد: ﴿ مَّسْحُورًا ﴾ أي مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، وذلك لأن المشركين كانوا يقولون: إن محمداً يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات وأولئك الناس يخدعونه بهذه الكلمات وهذه الحكايات، فلذلك قالوا: إنه مسحور أي مخدوع، وأيضاً كانوا يقولون: إن الشيطان يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا: إنه مخدوع من قبل الشيطان.

ثم قال: ﴿ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال ﴾ أي كل أحد شبهك بشيء آخر، فقالوا: إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون، فضلوا عن الحق والطريق المستقيم فلا يستطيعون سبيلاً إلى الهدى والحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حِجَابًا مَّسْتُورًا ﴾ ذا ستر كقولهم.

سيل مفعم ذو إفعام.

وقيل: هو حجاب لا يرى فهو مستور.

ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب، فهو مستور بغيره.

أو حجاب يستر أن يبصر، فكيف يبصر المحتجب به، وهذه حكاية لما كانوا يقولونه ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ [فصلت: 5] كأنه قال: وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم ﴿ أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ كراهة أن يفقهوه.

أو لأنّ قوله ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ فيه معنى المنع من الفقه، فكأنه قيل: ومنعناهم أن يفقهوه.

يقال: وحد يحد وحداً وحدة، نحو وعد يعد وعداً وعدة، و ﴿ وَحْدَهُ ﴾ من باب رجع عوده على بدئه، وافعله جهدك وطاقتك في أنه مصدر سادّ مسدّ الحال، أصله: يحد وحده بمعنى واحداً، وحده.

والنفور: مصدر بمعنى التولية.

أو جمع نافر كقاعد وقعود، أي: يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون، فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا ﴿ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ من الهزؤ بك وبالقرآن، ومن اللغو: كان يقوم عن يمينه إذا قرأ رجلان من عبد الدار، ورجلان منهم عن يساره، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.

و ﴿ بِهِ ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزؤ أي هازئين.

و ﴿ إِذْ يَسْتَمِعُونَ ﴾ نصب بأعلم، أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى ﴾ وبما يتناجون به، إذ هم ذوو نجوى ﴿ إِذْ يَقُولُ ﴾ بدل من إذ هم ﴿ مَّسْحُورًا ﴾ سحر فجنّ.

وقيل: هو من السحر وهو الرئة، أي: هو بشر مثلكم ﴿ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال ﴾ مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون ﴿ فَضَلُّواْ ﴾ في جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقاً يسلكه فلا يقدر عليه، فهو متحير في أمره لا يدري ما يصنع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا ﴾ يَحْجُبُهم عَنْ فَهْمِ ما تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمْ.

﴿ مَسْتُورًا ﴾ ذا سِتْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾ وقَوْلُهم سَيْلٌ مُفْعَمٌ، أوْ مَسْتُورًا عَنِ الحِسِّ، أوْ بِحِجابٍ آخَرَ لا يُفْهِمُونَ ولا يَفْهَمُونَ أنَّهم لا يَفْهَمُونَ نَفى عَنْهم أنْ يَفْهَمُوا ما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ بَعْدَ ما نَفى عَنْهُمُ التَّفَقُّهَ لِلدَّلالاتِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ تَقْرِيرًا لَهُ وبَيانًا لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعِينَ عَلى الضَّلالَةِ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ تُكِنُّها وتَحُولُ دُونَها عَنْ إدْراكِ الحَقِّ وقَبُولِهِ.

﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ أيْ مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ.

﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ يَمْنَعُهم عَنِ اسْتِماعِهِ.

ولَمّا كانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى أثْبَتَ لِمُنْكِرِيهِ ما يَمْنَعُ عَنْ فَهْمِ المَعْنى وإدْراكِ اللَّفْظِ.

﴿ وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ﴾ واحِدًا غَيْرَ مَشْفُوعٍ بِهِ آلِهَتُهم، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ وأصْلُهُ يَحُدُّ وحْدَهُ بِمَعْنى واحِدًا وحْدَهُ.

﴿ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ هَرَبًا مِنَ اسْتِماعِ التَّوْحِيدِ ونُفْرَةً أوْ تَوْلِيَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ نافِرٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} جمع كنان وهو الذي يستر الشيء {أَن يَفْقَهُوهُ} كراهة أن يفقهوه {وفي آذانهم وقراً} ثقلاً يمنع عن الاستماع {وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} يقال وحد يحد وحداً وحدة نحو وعد يعد وعداً وعدة فهو مصدر سد مسد الحال أصله يحد وحده بمعنى وحدا {وَلَّوْاْ على أدبارهم} رجعوا على أعقابهم {نُفُورًا} مصدر بمعنى التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود أي يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون فإذا سمعوا بالتوحيد نفروا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ، والمُرادُ بِمَعُونَةِ المَقامِ التَّكْثِيرُ أيْ: أكِنَّةً كَثِيرَةً.

﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ كَراهَةَ يَقِفُوا عَلى كُنْهِهِ ويَعْرِفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَفْهُومٍ مِنَ الجُمْلَةِ أوْ مِن ﴿ أكِنَّةً ﴾ لا أنَّ ﴿ جَعَلْنا ﴾ أوْ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ قَدْ ضُمِّنَهُ كَما يُتَوَهَّمُ، أيْ: مَنَعْناهم فِقْهَهُ والوُقُوفَ عَلى كُنْهِهِ ﴿ وفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ صَمَمًا وثِقَلًا عَظِيمًا مانِعًا مِن سَماعِهِ اللّائِقِ بِهِ فَإنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ، وهَذِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَمْثِيلاتٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُؤُونِ النَّبِيِّ  وفَرْطِ نُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ جِيءَ بِها بَيانًا لِعَدَمِ فِقْهِهِمْ فَصِيحَ المَقالِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ فِقْهِهِمْ دَلالَةَ الحالِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ التَّسْبِيحِ في غايَةِ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ عَدَمُ فَهْمِهِ إلّا لِمانِعٍ قَوِيٍّ يَعْتَرِي المَشاعِرَ فَيُبْطِلُها، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهم هَذِهِ أقْبَحُ مِن حالِهِمُ السّابِقَةِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى ما ذُكِرَ مَن لَمْ يَجْعَلِ التَّسْبِيحَ فِيما سَبَقَ لَفْظِيًّا وعَلى جَعْلِهِ لَفْظِيًّا لا يَحْسُنُ حَمْلُها عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، هَذا وقالَ بَعْضُهُمْ: المُرادُ بِالحِجابِ ما يَحْجُبُهم عَنْ فَهْمِ ما يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُ: ﴿ بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ ﴾ إلَخْ.

إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافَيْنِ، أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ فَهْمِ قِراءَتِكَ، وأيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرارُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ جَدِيدَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يُقَدَّرُ فِيهِ وإنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ حَقِيقَةً وهَذا تَمْثِيلٌ لَهم في عَدَمِ إسْماعِ الحَقِّ بِمَن كانَ وراءَ جِدارٍ وحِجابٍ كَما أنَّ الأكِنَّةَ كَذَلِكَ، وأمّا حَدِيثُ التَّكْرارِ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وجَعَلْنا ) إلَخْ تَصْرِيحٌ بِما اقْتَضاهُ نَفْيُ فَصِيحِ المَقالِ بَعْدَ نَفْيِ فَهْمِ دَلالَةِ الحالِ مِن كَوْنِهِمْ مَطْبُوعِينَ عَلى الضَّلالِ ولا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ أوْلَوِيَّةُ ما تَقَدَّمَ.

وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالحِجابِ ما يَحْجُبُهم عَنْ إيذاءِ الرَّسُولِ  وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَهُ إذا قَرَأ لِيُؤْذُوهُ فَأمَّنَهُ اللَّهُ تَعالى وذَكَرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابًا عِنْدَ القِراءَةِ فَلا يُمْكِنُهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ، وهو عِنْدِي مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وأنَّ ذِكْرَهُ في مَعْرِضِ التَّفَصِّي عَنِ اسْتِدْلالِ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ مَن شاءَ كَما يَهْدِي إلَيْهِ مَن شاءَ، نَعَمْ هو دُونَ الأوَّلِ عِنْدَ مَن يَتَأمَّلُ.

وقِيلَ: المُرادُ حِجابُ مَنعِهِمْ رُؤْيَةَ شَخْصِ النَّبِيِّ  وذاتِهِ الكَرِيمَةِ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ: مُذَمَّمًا أبَيْنا، ودِينَهُ قَلَيْنا، وأمْرَهُ عَصَيْنا، ورَسُولُ اللَّهِ  جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ فَقالَ: «إنَّها لَنْ تَرانِي» وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي.

فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ ما هَجاكِ.

فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها.

وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّها حِينَ ولَّتْ ذاهِبَةً قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ فَقالَ النَّبِيُّ  : «حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ»».

وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ كانَ  إذا أرادَ تِلاوَةَ القُرْآنِ تَلا قَبْلَها ثَلاثَ آياتٍ؛ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ .

وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ في النَّحْلِ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ وعَلا في سُورَةِ حم الجاثِيَةِ: ﴿ أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ ﴾ الآيَةَ.

فَكانَ اللَّهُ تَعالى يَحْجُبُهُ بِبَرَكاتِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ عُيُونِ المُشْرِكِينَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا ﴾ إلَخْ.

واحْتَجَّ أصْحابُنا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحاسَّةُ سَلِيمَةً ويَكُونَ المَرْئِيُّ حاضِرًا مَعَ أنَّهُ لا يَرى بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ في العَيْنِ مانِعًا يَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ حاضِرًا أوْ حَواسُّ الكُفّارِ سَلِيمَةٌ وكانُوا لا يَرَوْنَهُ وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم حِجابًا مَسْتُورًا ولا مَعْنى لِلْحِجابِ المَسْتُورِ إلّا المَعْنى الَّذِي يَخْلُقُهُ في عُيُونِهِمْ ويَكُونُ مانِعًا لَهم مِنَ الرُّؤْيَةِ انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ حَمْلَ الحِجابِ عَلى ما رُوِيَ مِن حَدِيثِ أسْماءَ مِمّا لا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ حَمْلَهُ في الآيَةِ عَلى الحِجابِ المانِعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ كَذَلِكَ فَهو وارِدٌ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الإمامِ أيْضًا، ويُعْلَمُ مِنهُ حالُ احْتِجاجِ الأصْحابِ مَعَ ما يَرِدُ عَلى قَوْلِهِمْ فِيهِ ولا مَعْنى لِلْحِجابِ إلَخْ.

مِن أنَّهُ مُخالِفٌ لِما في الرِّوايَةِ السّابِقَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها حَيْلُولَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والخَبَرُ الَّذِي أخْرَجَهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «كانَ بَيْنِي وبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحَيْهِ مَتى ذَهَبَتْ»».

فَإنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ ظاهِرٌ في أنَّ المانِعَ لَمْ يَكُنْ في عُيُونِهِمْ بَلْ هو إمّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مَلَكٌ آخَرُ حالَ بَيْنَهُ  وبَيْنَهم فَلَمْ يَرَوْهُ لَكِنْ يَبْقى الكَلامُ في أنَّ مَنعَ اللَّطِيفِ الرُّؤْيَةَ خِلافُ العادَةِ أيْضًا وهو بَحْثٌ آخَرُ فَلْيُتَدَبَّرْ.

ثُمَّ إنَّ ما رُوِيَ عَنْ أسْماءَ لَيْسَ نَصًّا في أنَّ الحِجابَ في الآيَةِ هو الحِجابُ المانِعُ عَنِ الرُّؤْيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أمْعَنَ النَّظَرَ وهَذا القَوْلُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ أنِ اعْتُبِرَ تَصْحِيحُ الحاكِمِ أوْ نَصَّ عَلى صِحَّتِهِ مَنِ اعْتَبَرَ تَصْحِيحَهُ مِنَ المُحَدِّثِينَ أما إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأمْرُهُ سَهْلٌ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما تَقَدَّمَ حِكايَةً لِما قالُوا: ﴿ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ﴾ عَلى مَعْنى: جَعَلْنا عَلى زَعْمِهِمْ ولَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُ الإسْلامِ لِأنَّ قَصْدَهم بِذَلِكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّ القُرْآنِ والنَّبِيِّ  جَهْلًا وكُفْرًا مِنَ اتِّصافِهِمْ بِأوْصافٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ كَكَوْنِ القُرْآنِ سِحْرًا وشِعْرًا وأساطِيرَ وقِسْ عَلَيْهِ حالَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا الإخْبارَ بِأنَّ هُناكَ أمْرًا وراءَ ما أدْرَكُوهُ قَدْ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ إدْراكِهِ حائِلٌ مِن قِبَلِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ المَعْنى مِمّا لا يَكادُ يُلائِمُ المَقامَ انْتَهى، وقَدْ يُقالُ: حَيْثُ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا لِتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ والإنْكارِ عَلَيْهِمْ فالمُلاءَمَةُ مِمّا لا رَيْبَ فِيها، نَعَمْ اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ هَذا الوَجْهَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْ دَسِيسَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ ولا أظُنُّها تَخْفى عَلَيْكَ.

﴿ وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ﴾ أيْ: غَيْرَ مَقْرُونٍ بِذِكْرِهِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن آلِهَتِهِمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها كَما كانُوا يَقُولُونَ: بِاللَّهِ تَعالى واللّاتِ مَثَلًا، ويَصْدُقُ هَذا بِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ مَعَ نَفْيِ الآلِهَةِ، و ﴿ وحْدَهُ ﴾ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ يُقالُ: وحَدَهُ يَحِدُهُ وحْدًا وحِدَةً كَوَعَدَهُ يَعِدُهُ وعْدًا وعِدَةً، وهو سادٌّ مَسَدًّا لِحالٍ بِمَعْنى واحِدًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرُ أوْحَدَ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ وأصْلُهُ إيحادٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ بَلْ هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو إيحادُ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الحالِ وهو مَوْحَدٌ.

ومَذْهَبُ يُونُسَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وتَحْقِيقُ الأقْوالِ فِيهِ في الرِّفْدَةِ كَما قَدَّمْنا، وذَكَرَ أنَّهُ عَلى الحالِيَّةِ إذا وقَعَ بَعْدَ فاعِلٍ ومَفْعُولٍ كَما هُنا جازَ كَوْنُهُ حالًا مِن كُلِّ مِنهُما أيْ: وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ مُوَحِّدًا لَهُ أوْ مُوَحِّدًا بِالذِّكْرِ.

﴿ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ هَرَبُوا أوْ نَفَرُوا ﴿ نُفُورًا ﴾ فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنصُوبٌ بِوَلَّوْا لِتَقارُبِ مَعْناهُما.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ أيْ: ولَّوْا لِأجْلِ النُّفُورِ والِانْزِعاجِ، وأنْ يَكُونَ حالًا عَلى أنَّهُ جَمْعُ نافِرٍ أيْ: ولَّوْا نافِرِينَ مِن ذَلِكَ، والضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلشَّياطِينِ ولا يَكادُ يَصِحُّ عَنِ الحِبْرِ إلّا بِتَأْوِيلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ، يعني: إذا أخذت في قراءة القرآن.

جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً قال بعضهم: الحجاب المستور، هو أن يمنعهم عن الوصول إليه، كما روي أن امرأة أبي لهب جاءت إلى النبي  وكان عنده أبو بكر، فدخلت فقالت لأبي بكر: هجاني صاحبك.

قال أبو بكر: والله هو ما ينطق بالشعر ولا يقوله.

فرجعت، فقال أبو بكر: أما رأتك يا رسول الله؟

فقال النبيّ  : «لَمْ يَزَلْ بَيْنِي وَبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي عَنْهَا حَتَّى رَجَعَتْ» (١)  إذا تلا القرآن، ستره الله وحجبه عن المشركين بثلاث آيات، إذا قرأهن حجب عنهم.

إحداهن: في سورة الكهف: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف: 57] والآية الثانية في النحل: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [النحل: 108] والثالثة في حم الجاثية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [الجاثية: 23] الآية.

قوله تعالى: وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً، أي صمماً وثقلاً لا يسمعون الحق.

قرأ ابن كثير قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ [الإسراء: 42] كلها بالتاء على معنى المخاطبة، والآخرون بالياء، وقرأ أبو عمرو: الأوسط بالياء، واختلفوا عن عاصم في رواية حفص الآخر خاصة بالتاء، وروى أبو بكر مثل ابن عامر.

وقال تعالى: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ، يعني: وحدانيته، قول لا إله إلا الله.

وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً، أي أعرضوا تباعداً عن الإيمان.

وقال القتبي: ولوا على أعقابهم هرباً، وهو مثل ما قال مقاتل: ولّوا على أعقابهم وذلك حين قال لهم النبيّ  : «قولوا لا إله إلا الله تملّكوا بِهَا العَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ» ، فنفروا من ذلك.

ثم قال: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، يعني: بالقرآن.

إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي إلى قراءتك القرآن.

وَإِذْ هُمْ نَجْوى، يعني: يتناجون فيما بينهم.

إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ، أي المشركون للمؤمنين: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً، أي: ما تطيعون إِلاَّ رَجُلاً مغلوب العقل.

وذكر القتبي، عن مجاهد أنه قال: مَسْحُوراً أي مخدوعاً، لأن السحر حيلة وخديعة، كقوله فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: 89] أي من أيه تخدعون.

وذكر عن أبي عبيدة قال: السَّحر الرئة.

يقال للرجل: انتفخ سَحرك، إذا جبن، يعني: إن تتبعون إلا رجلاً ذا رئة، أي بشراً مثلكم.

(١) عزاه السيوطي: 5/ 295 إلى أبي يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي و 5/ 296 إلى ابن مردويه عن أبي بكر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واحدٌ، وهذه نبذة شرحُهَا بحَسَبِ التقصِّي يطولُ.

وقوله سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ...

الآية: اختلف في هذا «التسبيح» ، هل هو حقيقةٌ أو مجاز، ت: والصوابُ أنه حقيقة، ولولا خشية الإطالة، لأتينا من الدلائل على ذلك بما يثلج له الصّدر.

وقوله سبحانه: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني كفَّارَ مكّة وحِجاباً مَسْتُوراً يحتمل أن يريد به حمايةَ نبيِّه منهم وقْتَ قراءته وصلاتِهِ بالمَسْجد الحرام كما هو معلوم مشهورٌ ويحتمل أنه أراد أنه جعل بين فَهْم الكفرة وبَيْنَ فَهْم ما يقرؤه صلّى الله عليه وسلّم حجاباً، فالآية على هذا التأويل: في معنى التي بعدها.

وقال الواحديُّ: قوله تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ...

الآية: نزلَتْ في قومٍ كانوا يؤذون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إِذا قرأ القرآن فحَجَبَه اللَّه عن أعينهم عنْدَ قراءة القرآن، حتى يكونوا يَمُرُّونَ به ولا يَرَوْنَه.

وقوله: مَسْتُوراً معناه: ساتراً انتهى.

«والأكنَّة» جمع كِنَان، وهو ما غطى الشيء، «والوَقْرُ» : الثِّقَل في الأُذُن، المانِعُ/ من السمعِ، وهذه كلُّها استعاراتٌ للإِضلالِ الذي حَفَّهم اللَّه به.

وقوله سبحانُهُ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ...

الآية: هذا كما تقولُ: فلان يستمعُ بإِعراضٍ وتغافلٍ واستخفافٍ، «وما» بمعنى «الذي» ، قيل: المراد بقوله: وَإِذْ هُمْ نَجْوى اجتماعُهم في دار الندوة، ثم انتشرت عنهم.

انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١)

وقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...

الآية: حكى الطبري «١» أنها

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحِجابَ هو الأكِنَّةُ عَلى قُلُوبِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ حِجابٌ يَسْتُرُهُ فَلا تَرَوْنَهُ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ  إذا قَرَأ القُرْآَنَ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وهم أبُو سُفْيانَ، والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو جَهْلٍ، وأُمُّ جَمِيلٍ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَحَجَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْ أبْصارِهِمْ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآَنِ، فَكانُوا يَأْتُونَهُ ويَمُرُّونَ بِهِ ولا يَرَوْنَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ مَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إيّاهم عَنْ أذاهُ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي مَعْنى ﴿ مَسْتُورًا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى ساتِرٍ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ.

قالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يَكُونُ الفاعِلُ في لَفْظِ المَفْعُولِ، كَما تَقُولُ: إنَّكَ مَشْؤُومٌ عَلَيْنا، ومَيْمُونٌ عَلَيْنا، وإنَّما هو شائِمٌ ويامِنٌ؛ لِأنَّهُ مِن ( شَأْمِهِمْ، ويُمْنِهِمْ ) .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: حِجابًا مَسْتُورًا عَنْكم لا تَرَوْنَهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا قِيلَ: الحِجابُ: هو الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهو مَسْتُورٌ عَنِ الأبْصارِ، فَيَكُونُ " مَسْتُورًا " باقِيًا عَلى لَفْظِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأنْعامِ: ٢٥ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ﴾ يَعْنِي: قُلْتَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنْتَ تَتْلُو القُرْآَنَ، ﴿ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: عَلى أعْقابِهِمْ، " نُفُورًا " وهُوَ: جَمْعُ نافِرٍ، بِمَنزِلَةِ قاعِدٍ وقُعُودٍ، وجالِسٍ وجُلُوسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَحْتَمِلُ مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: المَصْدَرُ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَّوْا نافِرِينَ نُفُورًا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ " نُفُورًا " جَمْعُ نافِرٍ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: «أمَرَ رَسُولُ اللهِ  عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَتَّخِذَ طَعامًا ويَدْعُوَ إلَيْهِ أشْرافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، ودَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآَنَ، ودَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، وكانُوا يَسْتَمِعُونَ ويَقُولُونَ فِيما بَيْنَهُمْ: هو ساحِرٌ، هو مَسْحُورٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ »؛ أيْ: يَسْتَمِعُونَهُ، والباءُ زائِدَةٌ.

﴿ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مَصْدَرٌ مِن ( ناجَيْتَ ) واسْمٌ مِنها، فَوَصَفَ القَوْمَ بِها، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّما هو عَذابٌ، وأنْتُمْ غَمٌّ، فَجاءَتْ في مَوْضِعِ ( مُتَناجِينَ ) .

وقالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: وإذْ هم ذَوُو نَجْوى، وكانُوا يَسْتَمِعُونَ مِن رَسُولِ اللهِ  ويَقُولُونَ بَيْنَهُمْ: هو ساحِرٌ، وهو مَسْحُورٌ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ ﴾ يَعْنِي: أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ، ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ ﴾ ؛ أيْ: ما تَتْبَعُونَ، ﴿ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي سُحِرَ فَذُهِبَ بِعَقْلِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَخْدُوعًا مَغْرُورًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لَهُ سَحْرٌ؛ أيْ: رِئَةٌ، وكُلُّ دابَّةٍ أوْ طائِرٍ أوْ بَشَرٍ يَأْكُلُ فَهُوَ: مَسْحُورٌ ومُسَحَّرٌ؛ لِأنَّ لَهُ سِحْرًا، قالَ لَبِيَدُ: فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ وَقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أرانا مُرْصَدِينِ لِأمْرِ غَيْبٍ ∗∗∗ ونُسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ أيْ: نُغَذّى؛ لِأنَّ أهْلَ السَّماءِ لا يَأْكُلُونَ، فَأرادَ أنْ يَكُونَ مَلِكًا.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا لَهُ سِحْرٌ، خَلَقَهُ اللَّهُ كَخَلْقِكُمْ، ولَيْسَ بِمَلِكٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ [ أيْ: مَخْدُوعًا ]؛ لِأنَّ السِّحْرَ حِيلَةٌ وخَدِيعَةٌ، ومَعْنى قَوْلِ لَبِيدٍ: ( المُسَحَّرُ ): المُعَلَّلُ، وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ( ونُسْحَرُ )؛ أيْ: نُعَلَّلُ، وكَأنّا نُخْدَعُ، والنّاسُ يَقُولُونَ: سَحَرْتَنِي بِكَلامِكَ؛ أيْ: خَدَعْتَنِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ ؛ لِأنَّهم لَوْ أرادُوا رَجُلًا ذا رِئَةٍ، لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ مَثَلٌ ضَرَبُوهُ، فَلَمّا أرادُوا مَخْدُوعًا - كَأنَّهُ بِالخَدِيعَةِ سُحِرَ - كانَ مَثَلًا ضَرَبُوهُ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْمًا يُعَلِّمُونَهُ ويَخْدَعُونَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ ﴾ : بَيَّنُوا لَكَ الأشْباهَ، حَتّى شَبَّهُوكَ بِالسّاحِرِ والشّاعِرِ والمَجْنُونِ، ﴿ فَضَلُّوا ﴾ عَنِ الحَقِّ، ﴿ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يَجِدُونَ سَبِيلًا إلى تَصْحِيحِ ما يَعِيبُونَكَ بِهِ.

والثّانِي: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى؛ لِأنّا طَبَعْنا عَلى قُلُوبِهِمْ.

والثّالِثُ: لا يَأْتُونَ سَبِيلَ الحَقِّ لِثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أنْظُرَ إلى فُلانٍ، يَعْنُونَ: أنا مُبْغِضٌ لَهُ، فَنَظَرِي إلَيْهِ يَثْقُلُ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( أيْذا ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ مَدٍّ، " أيْنّا " مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآَنِ.

وكَذَلِكَ رَوى قالُونَ عَنْ نافِعٍ، إلّا أنَّ نافِعًا كانَ لا يَسْتَفْهِمُ في ( أيْنا )، كانَ يَجْعَلُ الثّانِي خَبَرًا في كُلِّ القُرْآَنِ، وكَذَلِكَ مَذْهَبُ الكِسائِيِّ، غَيْرَ أنَّهُ يَهْمِزُ الأُولى هَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( إذا كُنّا ) بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، ( آَئِنّا ) بِهَمْزَتَيْنِ يَمُدُّ بَيْنَهُما مَدَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرُفاتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التُّرابُ، ولا واحِدَ لَهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الدُّقاقِ والحُطامِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَذْهَبُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ العِظامُ ما لَمْ تَتَحَطَّمْ، والرُّفاتُ: الحُطامُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الرُّفاتُ: التُّرابُ.

والرُّفاتُ: كُلُّ شَيْءٍ حُطِمَ وكُسِرَ.

و ﴿ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ في مَعْنى مُجَدَّدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّماءُ والأرْضُ والجِبالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] ما يَكْبُرُ في صُدُورِكم مِن كُلِّ ما اسْتَعْظَمُوهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا ﴾ وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى تَغَيُّرِ حالاتِكُمْ، فَكُونُوا حِجارَةً أوْ أشَدَّ مِنها، فَإنّا نُمِيتُكُمْ، ونُنَفِّذُ أحْكامَنا فِيكُمْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ: اصْعَدْ إلى السَّماءِ فَإنِّي لاحِقُكَ.

والثّانِي: تَصَوَّرُوا أنْفُسَكم حِجارَةً أوْ أصْلَبَ مِنها، فَإنّا سَنُبِيدُكُمْ، قالَ الأحْوَصُ: إذا كُنْتَ عَزْهاةً عَنِ اللَّهْوِ والصِّبى ∗∗∗ فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدًا مَعْناهُ: فَتَصَوَّرْ نَفْسَكَ حَجَرًا، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ اعْتَرَفُوا أنَّ اللَّهَ خالِقُهم وجَحَدُوا البَعْثَ، فَأُعْلِمُوا أنَّ الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَهم هو الَّذِي يُحْيِيهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يُحَرِّكُونَها تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: أنَغَضَ رَأْسَهُ: إذا حَرَّكَهُ إلى فَوْقٍ وإلى أسْفَلٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: يُحَرِّكُونَها، كَما يُحَرِّكَ الآَيِسُ مِنَ الشَّيْءِ والمُسْتَبْعِدُ [ لَهُ ] رَأْسَهُ، يُقالُ: نَغَضَتْ سِنُّهُ: إذا تَحَرَّكَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ﴾ يَعْنُونَ: البَعْثَ، ﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ ؛ أيْ: هو قَرِيبٌ.

ثُمَّ بَيِّنْ مَتى يَكُونُ، فَقالَ: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ يَعْنِي: مِنَ القُبُورِ بِالنِّداءِ الَّذِي يَسْمَعُكُمْ، وهو النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ " فَتَسْتَجِيبُونَ "؛ أيْ: تُجِيبُونَ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَقُومُ إسْرافِيلُ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يَدْعُو أهْلَ القُبُورِ في قَرْنٍ، فَيَقُولُ: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ، وأيَّتُها اللُّحُومُ المُتَمَزِّقَةُ، وأيَّتُها الشُّعُورُ المُتَفَرِّقَةُ، وأيَّتُها العُرُوقُ المُتَقَطِّعَةُ، اخْرُجُوا إلى فَصْلِ القَضاءِ لِتُجْزَوْا بِأعْمالِكُمْ، فَيَسْمَعُونَ الصَّوْتَ فَيَسْعَوْنَ إلَيْهِ.

وَفِي مَعْنى " بِحَمْدِهِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِأمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " بِحَمْدِهِ ": بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَسْتَجِيبُونَ مُقِرِّينَ أنَّهُ خالِقُكم.

والرّابِعُ: تُجِيبُونَ بِحَمْدِ اللَّهِ لا بِحَمْدِ أنْفُسِكُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ في هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى أصْلِهِ.

وأيْنَ يَظُنُّونَ أنَّهم لَبِثُوا قَلِيلًا ؟

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، ومِقْدارُهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، يَنْقَطِعُ في ذَلِكَ العَذابُ عَنْهُمْ، فَيَرَوْنَ لُبْثَهم في زَمانِ الرّاحَةِ قَلِيلًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في الدُّنْيا، لِعِلْمِهِمْ بِطُولِ اللُّبْثِ في الآَخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: في القُبُورِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَعَلى هَذا إنَّما قَصَرَ اللُّبْثُ في القُبُورِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهم خَرَجُوا إلى ما هو أعْظَمُ عَذابًا مِن عَذابِ القُبُورِ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم يُجِيبُونَ المُنادِيَ وهم يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ، ويَسْتَقِلُّونَ مُدَّةَ اللُّبْثِ في القُبُورِ؛ لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُعَذَّبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ نَبِيَّهُ  أنَّهُ يَحْمِيهِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ كانُوا يُؤْذُونَهُ في وقْتِ قِراءَتِهِ القُرْآنَ وصَلاتِهِ في المَسْجِدِ، ويُرِيدُونَ مَدَّ اليَدِ إلَيْهِ، وأحْوالُهم في هَذا المَعْنى مَشْهُورَةٌ.

والمَعْنى الآخَرُ أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ الكَفَرَةِ وبَيْنَ فَهْمِ ما يَقْرَؤُهُ مُحَمَّدٌ  حِجابًا، فالآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- في مَعْنى الَّتِي بَعْدَها، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ هُما آيَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "مَسْتُورًا" أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْحِجابِ، أيْ مَسْتُورًا عن أعْيُنِ الخَلْقِ، فَلا يُدْرِكُهُ أحَدٌ بِرُؤْيَةِ كَسائِرِ الحُجُبِ، وإنَّما هو مِن قُدْرَةِ اللهِ وكِفايَتِهِ وإضْلالِهِ بِحَسَبِ التَأْوِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: مَسْتُورًا بِهِ، عَلى حَذْفِ العائِدِ، وقالَ الأخْفَشُ: "مَسْتُورًا" بِمَعْنى: ساتِرٍ، كَمَشْؤُمِ ومَيْمُونِ، بِمَعْنى: شائِمٍ ويَأْمَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا -لِغَيْرٍ داعِيَةٍ إلَيْهِ- تَكَلُّفٌ، ولَيْسَ مِثالُهُ بِمُسَلَّمٍ.

وقِيلَ: هو عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ المُبالَغَةَ أبَدًا إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِنَ اللَفْظِ الأوَّلِ، فَلَوْ قالَ حِجابًا حاجِبًا لَكانَ التَنْظِيرُ صَحِيحًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ الآيَةُ.

"الأكِنَّةُ": جَمْعُ كِنانٍ، وهو ما غَطّى الشَيْءَ، ومِنهُ كِنانَةُ النُبْلِ، و"الوَقْرُ": الثِقْلُ في الأُذُنِ المانِعُ مِنَ السَمْعِ، فَهو الصَمَمُ، وهَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ لِلْإضْلالِ الَّذِي حَفَّهُمُ اللهُ بِهِ، فَعَبَّرَ عن كَثْرَةٍ ذَلِكَ وعِظَمِهِ بِأنَّهم بِمَثابَةٍ مَن غُطِّيَ قَلَبُهُ وصُمَّتْ أُذُنُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَوْحِيدِ في القُرْآنِ أثْناءَ قِراءَتِكَ فَرَّ كُفّارُ مَكَّةَ مِن سَماعِ ذَلِكَ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا؛ إذْ فِيهِ رَفْضُ آلِهَتِهِمْ واطْراحِها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: «إنْ مَلَأ قُرَيْشٍ دَخَلُوا عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ  ، فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: قُولُوا: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ، وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ، فَوَلَّوْا ونَفَرُوا،» فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأنْ تَكُونَ الآيَةُ وصْفَ حالِ الفارِّينَ عنهُ في وقْتِ تَوْحِيدِهِ في قِراءَتِهِ أبْيَنُ وأجْرى مَعَ اللَفْظِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نُفُورًا" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نافِرٍ، كَشاهِدٍ وشُهُودٍ؛ لِأنَّ فَعَوْلًا مِن أبْنِيَةِ فاعِلٍ في الصِفاتِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيْ: نافِرِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ ، "أنْ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ، أيْ: كَراهَةَ أنْ، أو مُنِعَ أنْ، والضَمِيرُ في "يَفْقَهُوهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ الشَياطِينَ، وأنَّهم يَفِرُّونَ مِن قِراءَةِ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ أنَّ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ في اللَفْظِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "إذا نُودِيَ بِالصَلاةِ أدْبَرَ الشَيْطانُ لَهُ خُصاصٌ"».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَسْتَمِعُ بِحِرْصٍ وإقْبالٍ، أو بِإعْراضٍ وتَغافُلٍ واسْتِخْفافٍ، فالضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "ما" وهي بِمَعْنى "الَّذِي"، والمُرادُ بِالَّذِي ما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاسْتِخْفافِ والإعْراضِ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ هو مُلازِمُهُمْ، يَفْضَحُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهُمْ، والعامِلُ في "إذِ" الأُولى وفي المَعْطُوفَةِ عَلَيْها "يَسْتَمِعُونَ" الأُولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ هم نَجْوى ﴾ وصَفَهم بِالمَصْدَرِ، كَما قالُوا: قَوْمُ رِضى وعَدْلٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ هم نَجْوى ﴾ اجْتِماعُهم في دارِ النَدْوَةِ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا" الظاهِرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ، فَشَبَّهُوا الخِبالَ الَّذِي عِنْدَهُ بِزَعْمِهِمْ وأقْوالَهُ الوَخِيمَةَ بِرَأْيِهِمْ بِما يَكُونُ مِنَ المَسْحُورِ الَّذِي قَدْ خَبَلَ السِحْرُ عَقَلَهُ وأفْسَدَ كَلامُهُ.

وتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- شَبِيهَةً بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "بِهِ جِنَّةٌ" ونَحْوَ هَذا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "مَسْحُورًا" مَعْناهُ: ذا سَحْرٍ، وهي الرِئَةُ، يُقالُ لَها: "سَحْرٌ وسُحْرٌ" بِضَمِّ السِينِ، ومِنهُ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ  بَيْنَ سِحْرِي ونَحْرِي".» ومِنهُ قَوْلُهم لِلْجَبانِ "انْتَفَخَ سَحْرُهُ" لِأنَّ الجازِعَ تَنْتَفِخُ رِئَتُهُ، فَكَأنَّ مَقْصِدَ الكُفّارِ بِهَذا التَشْبِيهِ عَلى أنَّهُ بَشَرٌ، أيْ: ذا رِئَةٍ، قالَ: ومِن هَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن يَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ: "مَسْحُورٌ ومُسَحَّرٌ"، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ونُسْحَرُ بِالطَعامِ وبِالشَرابِ وقَوْلُ لَبِيدِ: فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ وَمِنهُ: السُحُورُ، وهو إلى هَذِهِ اللَفْظَةِ أقْرَبُ مِنهُ إلى السِحْرِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ كالصَبُوحِ مِنَ الصَباحِ، والآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مِنَ السِحْرِ بِكَسْرِ السِينِ، لِأنَّ (......) حِينَئِذٍ في قَوْلِهِمْ ضُرِبَ مَثَلٌ لَهُ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السِحْرِ الَّذِي هو الرِئَةِ، ومِنَ التَغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ، فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ، بَلْ هي صِفَةُ حَقِيقَةٌ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفى ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ عطف جعل على جعل.

والتصريح بإعادة فعل الجعل يؤذن بأن هذا جعل آخر فيرجّح أن يكون جعل الحجاب المستور جعل الصرفة عن الإضرار، ويكون هذا جعل عدم التدبر في القرآن خلقة في نفوسهم.

والقول في نظم هذه الآية ومعانيها تقدم في نظيرها في سورة الأنعام.

لما كان الإخبار عنهم قبل هذا يقتضي أنهم لا يفقهون معاني القرآن تبع ذلك بأنهم يُعرضون عن فهم ما فيه خير لهم، فإذا سمعوا ما يبطل إلهية أصنامهم فهموا ذلك فولوا على أدبارهم نفوراً، أي زادهم ذلك الفهم ضلالاً كما حرمهم عدمُ الفهم هدياً، فحالهم متناقض.

فهم لا يسمعون ما يحق أن يسمع، ويسمعون ما يَهْوَوْنَ أن يسمعوه ليزدادوا به كفراً.

ومعنى «ذكرت ربك وحده» ظاهره أنك ذكرته مقتصراً على ذكره ولم تذكر آلهتهم لأن ﴿ وحده ﴾ حال من ﴿ ربك ﴾ الذي هو مفعول ﴿ ذكرت ﴾ .

ومعنى الحال الدلالة على وجود الوصف في الخارج ونفسسِ الأمر، أي كان ذكرك له، وهو موصوف بأنه وحده في وجود الذكر، فيكون تولي المشركين على أدبارهم حينئذٍ من أجل الغضب من السكوت عن آلهتهم وعدم الاكتراث بها بناءً على أنهم يعلمون أنه ما سكت عن ذكر آلهتهم إلا لعدم الاعتراف بها.

ولولا هذا التقدير لما كان لتوليهم على إدبارهم سبب، لأن ذكر شيء لا يدل على إنكار غيره فإنهم قد يذكرون العُزى أو اللاتَ مثلاً ولا يذكرون غيرها من الأصنام لا يظن أن الذاكر للعزى منكر منَاةَ، وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ [الزمر: 45].

ويحتمل أن المعنى: إذا ذكرت ربك بتوحيده بالإلهية وهو المناسب لنفورهم وتوليهم، لأنهم إنما ينكرون انفراد الله تعالى بالإلهية، فتكون دلالة وحده } على هذا المعنى بمعونة المقام وفِعل ﴿ ذكرت ﴾ .

ولعل الحال الجائية من معمول أفعال القول والذكر ونحوهما تحتمل أن يكون وجودُها في الخارج، وأن يكون في القول واللسان، فيكون معنى «ذكرت ربك وحده» أنه موحد في ذِكرك وكلامك، أي ذكرتَه موصوفاً بالوحدانية.

وتخصيص الذكر بالكون في القرآن لمناسبته الكلام على أحوال المشركين في استماع القرآن، أو لأن القرآن مقصود منه التعليم والدعوة إلى الدين، فخلو آياته عن ذكر آلهتهم مع ذكر اسم الله يفهم منه التعريض بأنها ليست بآلهة فمن ثم يغضبون كلما ورد ذكر الله ولم تذكر آلهتهم، فكونه في القرآن هو القرينة على أنه أراد إنكار آلهتهم.

وقوله: ﴿ وحده ﴾ تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ أجئتنا لنعبد الله وحده ﴾ في [الأعراف: 70].

والتولية: الرجوع من حيث أتى.

وعلى أدبارهم تقدم القول فيه في قوله تعالى: ﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ في سورة العقود [المائدة: 21].

و ﴿ نفوراً ﴾ يجوز أن يكون جمع نافر مثل سُجود وشُهود.

ووزن فُعول يطرد في جمع فاعل فيكون اسم الفاعل على صيغة المصدر فيكون نفوراً على هذا منصوباً على الحال من ضمير ﴿ ولوا ﴾ ، ويجوز جعله مصدراً منصوباً على المفعولية لأجله، أي ولوا بسبب نفورهم من القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ جَعَلْنا القُرْآنَ حِجابًا لِيَسْتُرَكَ عَنْهم إذا قَرَأْتَهُ.

الثّانِي: جَعَلْنا القُرْآنَ حِجابًا يَسْتُرُهم عَنْ سَماعِهِ إذا جَهَرْتَ بِهِ.

فَعَلى هَذا فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم لِإعْراضِهِمْ عَنْ قِراءَتِكَ كَمَنَ بَيْنَكَ وبَيْنَهم حِجابًا في عَدَمِ رُؤْيَتِكَ.

قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ الحِجابَ المَسْتُورَ أنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يَفْقَهُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يُؤْذُونَهُ في اللَّيْلِ إذا قَرَأ، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الأذى، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ مَسْتُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحِجابَ مَسْتُورٌ عَنْكم لا تَرَوْنَهُ.

الثّانِي: أنَّ الحِجابَ ساتِرٌ عَنْكم ما وراءَهُ، ويَكُونُ مَسْتُورٌ بِمَعْنى ساتِرٍ، وقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واتخذ من الملائكة إناثاً ﴾ قالت اليهود: الملائكة بنات الحق!

وفي قوله: ﴿ قل لو كان معه آلهة ﴾ الآية.

يقول: ﴿ لو كان معه آلهة ﴾ إذا لعرفوا فضله ومزيته عليهم، فابتغوا ما يقربهم إليه، إنهم ليس كما يقولون.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ قال: على أين ينزلوا ملكه.

قوله تعالى: ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى- كان جبريل عليه السلام عن يمينه، وميكائيل عليه السلام عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات العلى، فلما رجع قال: «سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن لوط بن أبي لوط قال: بلغني أن تسبيح سماء الدنيا، سبحان ربنا الأعلى، والثانية سبحانه وتعالى، والثالثة سبحانه وبحمده، والرابعة سبحانه لا حول ولا قوة إلا به، والخامسة سبحان محيي الموتى وهو على كل شيء قدير، والسادسة سبحان الملك القدوس، والسابعة سبحان الذي ملأ السموات السبع والأرضين السبع عزة ووقاراً.

وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هزة فقال: «أطت السماء وحق لها أن تئط قالوا: وما الأطيط؟

قال: تناقضت السماء ويحقها أن تنقض، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده» .

وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ﴾ بالتاء.

قوله تعالى: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه، إن نوحاً قال لابنه يا بني؛ آمرك أن تقول: سبحان الله، فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق» قال الله تعالى: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .

وأخرج أحمد وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن نوحاً لما حضرته الوفاة قال لابنيه: آمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء» .

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الذكر، عن عائشة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صوت الديك صلاته، وضربه بجناحيه سجوده وركوعه» ثم تلا هذه الآية: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينادي مناد من السماء، اذكروا الله يذكركم، فلا يسمعها أول من الديك، فيصيح فذلك تسبيحه.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تضربوا وجوه الدواب، فإن كل شيء يسبح بحمده» .

وأخرج أبو الشيخ، عن عمر رضي الله عنه قال: لا تلطموا وجوه الدواب، فإن كل شيء يسبح بحمده.

وأخرج أحمد عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- إنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل- فقال لهم: «اركبوها سالمة ودعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكراً للهِ منه» .

وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما تستقل الشمس فيبقى من خلق الله تعالى إلا سبح الله بحمده إلا ما كان من الشيطان وأغنياء بني آدم» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ما من عبد يسبح الله تسبيحة، إلا سبح ما خلق الله من شيء.

قال الله تعالى: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن النمل يسبحن» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قرصت نملة نبياً من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح» .

وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال: نعيقها تسبيح» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: الزرع يسبح بحمده، وأجره لصاحبه، والثوب يسبح.

ويقول الوسخ: إن كنت مؤمناً فاغسلني إذاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي قبيل رضي الله عنه قال: الزرع يسبح وثوابه للذي زرع.

وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كل شيء يسبح بحمده إلا الحمار والكلب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: الاسطوانة تسبح، والشجرة تسبح.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: لا يعيبن أحدكم دابته، ولا ثوبه، فإن كل شيء يسبح بحمده.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخطيب، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن صرير الباب تسبيحه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي غالب الشيباني رضي الله عنه قال: صوت البحر تسبيحه، وأمواجه صلاته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن النخعي رضي الله عنه قال: الطعام تسبيح.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو الشيخ، عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال: أتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بغراب وافر الجناحين، فجعل ينشر جناحه ويقول: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح.

وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري رضي الله عنه قال: أتي أبو بكر الصديق رضي الله عنه بغراب وافر الجناحين، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: «ما صيد من صيد ولا عضدت عضاة ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صيد من صيد ولا وشج من وشج إلا بتضييعه التسبيح» .

وأخرج عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صيد من طير في السماء ولا سمك في الماء حتى يدع ما افترض الله عليه من التسبيح» .

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أخذ طائر ولا حوت إلا بتضييع التسبيح» .

وأخرج أبو الشيخ، عن مرثد بن أبي مرثد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصطاد شيء من الطير والحيتان إلا بما يضيع من تسبيح الله» .

وأخرج ابن عساكر من طريق يزيد بن مرثد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اصطيد طير في بر ولا بحر إلا بتضييعه التسبيح» .

وأخرج العقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ والديلمي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آجال البهائم كلها وخشاش الأرض والنمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها وغير ذلك آجالها في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت منها شيء» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: ما من شيء في أصله الأول لن يموت إلا وهو يسبح بحمده.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: ما من شيء في أصله الأول لن يموت إلا وهو يسبح بحمده.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شوذب قال: جلس الحسن مع أصحابه على مائدة فقال بعضهم: هذه المائدة تسبح الآن فقال الحسن: كلا إنما ذاك كل شيء على أصله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن إبراهيم قال الطعام تسبيح.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقتلوا الضفادع فإن أصواتها تسبيح.

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ظن داود عليه السلام أن أحداً لم يمدح خالقه أفضل مما مدحه، وأن ملكاً نزل وهو قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال: يا داود افهم إلى ما تصوّت به الضفدع، فأنصت داود عليه السلام فإذا الضفدع يمدحه بمدحة لم يمدحه بها داود عليه السلام فقال له الملك: كيف تراه يا داود؟

قال: أفهمت ما قالت؟

قال: نعم.

قال: ماذا قالت؟

قال: قالت: سبحانك وبحمدك منهتى علمك يا رب.

قال داود عليه السلام: والذي جعلني نبيه، إني لم أمدحه بهذا.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن صدقة بن يسار رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام في محرابه، فأبصر درة صغيرة ففكر في خلقها وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه؟

فأنطقها الله فقالت: يا داود أتعجبك نفسك؟

لأنا على قدر ما آتاني الله، أذكر لله وأشكر له منك، على ما آتاك الله.

قال الله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ .

وأخرج ابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه قال: هذه الآية في التوراة، كقدر ألف آية ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال في التوراة: تسبح له الجبال ويسبح له الشجر ويسبح له كذا ويسبح له كذا.

وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ، عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يسمَّى النوّاح في كتاب الله عز وجل، وانه انطلق حتى أتى البحر فقال: أيها البحر، إني هارب.

قال: من الطالب الذي لا ينأى طلبه.

قال: فاجعلني قطرة من مائك، أو دابة مما فيك، أو تربة من تربتك، أو صخرة من صخرك.

قال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت، فإنه ليس مني شيء إلا بارز، ينظر الله عز وجل إليه قد أحصاه وعده عداً فلست أستطيع ذلك، ثم انطلق حتى أتى الجبل، فقال: أيها الجبل، اجعلني حجراً من حجارتك أو تربة من تربتك أو صخرة من صخرك أو شيئاً مما في جوفك.

فقال: أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، إنه ليس مني شيء إلا يراه الله وينظر إليه وقد أحصاه وعده عداً، فلست أستطيع ذلك.

ثم انطلق حتى أتى على الأرض يعني الرمل فقال: أيها الرمل، اجعلني تربة من تربك أو صخرة من صخرك أو شيئاً مما في جوفك.

فأوحى الله إليه أجبه.

فقال: أيها العبد الفار من الطالب الذي لا ينأى طلبه، ارجع من حيث جئت فاجعل عملك لقمسين: لرغبة أو لرهبة، فعلى أيهما أخذك ربك لم تبال، وخرج فأتى البحر في ساعة فصلى فيه، فنادته ضفدعة فقالت: يا داود، إنك حدثت نفسك أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك، وإني في سبعين ألف ضفدعة كلها قائمة على رجل تسبح الله تعالى وتقدسه.

وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صلى داود عليه السلام ليلة حتى أصبح، فلما أن أصبح وجد في نفسه غروراً، فنادته ضفدعة يا داود، كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاءة.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: بلغني أنه ليس شيء أكثر تسبيحاً من هذه الدودة الحمراء.

وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: التراب يسبح فإذا بني فيه الحائط سبح.

وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: إذا سمعت تغيضاً من البيت أو من الخشب والجدر فهو تسبيح.

وأخرج أبو الشيخ، عن خيثمة رضي الله عنه قال: كان أبو الدرداء يطبخ قدراً فوقعت على وجهها فعلت تسبح.

وأخرج أبو الشيخ، عن سليمان بن المغيرة قال: كان مطرف رضي الله عنه إذا دخل بيته فسبح سبحت معه آنية بيته.

وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: لولا ما غمي عليكم من تسبيح ما معكم في البيوت ما تقاررتم.

وأخرج أبو الشيخ، عن مسعر رضي الله عنه قال: لولا ما غمى الله عليكم من تسبيح خلقه ما تقاررتم.

وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: كل شيء فيه الروح يسبح.

وأخرج أبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ قال: صلاة الخلق تسبيحهم، سبحان الله وبحمده.

وأخرج النسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم- نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً.

بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- ليس معنا ماء فقال لنا: «اطلبوا من معه فضل ماء» فأتي بماء فوضعه في إناء ثم وضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه.

ثم قال: «حي على الطهور المبارك والبركة من الله» فشربنا منه.

قال عبد الله: كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه وهو يشرب.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.

وأخرج أبو الشيخ، عن أنس قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام ثريد، فقال:إن هذا الطعام يسبح قالوا: يا رسول الله، وتفقه تسبيحه؟

قال: نعم.

ثم قال لرجل:أدن هذه القصعة من هذا الرجل فأدناها منه فقال: نعم يا رسول الله، هذا الطعام يسبح!

فقال: أدْنِها من آخروأدناها منه فقال: هذا الطعام يسبح.

ثم قال: ردها فقال رجل: يا رسول الله، لو أمرت على القوم جميعاً، فقال: لا إنها لو سكتت عند رجل لقالوا من ذنب ردها فردها» .

وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه وسمع عصافير يصحن قال: تدري ما يقلن؟

قلت: لا.

قال: يسبحن ربهن عز وجل ويسألن قوت يومهن.

وأخرج الخطيب، عن أبي حمزة قال: كنا مع علي بن الحسين رضي الله عنه فمر بنا عصافير يصحن فقال: أتدرون ما تقول هذه العصافير؟

فقلنا: لا.

قال: أما إني ما أقول إنا نعلم الغيب، ولكني سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه يقول: إن الطير إذا أصبحت سبحت ربها، وسألته قوت يومها، وإن هذه تسبح ربها، وتسأله قوت يومها.

وأخرج الخطيب في تاريخه، «عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا عائشة، اغسلي هذين البردين فقلت: يا رسول الله، بالأمس غسلتهما، فقال لي: أما علمت أن الثوب يسبح، فإذا اتسخ انقطع تسبيحه» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان حليماً غفوراً ﴾ قال: حليماً عن خلقه، فلا يعجل كعجلة بعضهم على بعض، غفوراً لهم إذا ثابوا.

وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: لما نزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ [ المسد: 1] أقبلت العوراء أم جميل، ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول: مذمماً أبينا ** ودينه قلينا وأمره عصينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، وأبو بكر رضي الله عنه إلى جنبه، فقال أبو بكر: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: «إنها لن تراني» وقرأ قرآنا اعتصم به.

كما قال تعالى: ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ فجاءت حتى قامت على أبي بكر رضي الله عنه: فلم تَرَ النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني؟

فقال أبو بكر رضي الله عنه لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل من وجه آخر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أن أم جميل دخلت على أبي بكر وعنده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا ابن أبي قحافة، ما شأن صاحبك ينشد في الشعر؟

فقال: والله ما صاحبي بشاعر، وما يدري ما الشعر.

فقالت: أليس قد قال: ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ [ المسد: 5] فما يدريه ما في جيدي؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم؛ قل لها: «هل ترين عندي أحداً؟

فإنها لن تراني جعل بيني وبينها حجاب» فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: فقالت: أتهزأ بي؟

والله ما أرى عندك أحداً.

وأخرج ابن مردويه، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند المقام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم- في ظل الكعبة بين يدي- إذ جاءت أم جميل بنت حرب بن أمية زوجة أبي لهب، ومعها فهران، فقالت: أين الذي هجاني وهجا زوجي؟

والله لئن رأيته لارضن أنثييه بهذين الفهرين.

وذلك عند نزول ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال أبو بكر رضي الله عنه: فقلت لها: يا أم جميل، ما هجاك ولا هجا زوجك.

قالت: والله ما أنت بكذاب وإن الناس ليقولون ذلك، ثم ولت ذاهبة.

فقلت: يا رسول الله، إنها لم ترك؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حال بيني وبينها جبريل» .

وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد وأبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو تنحيت عنها، فإنها امرأة بذية، فقال: إنه سيحال بيني وبينها فلا تراني» فقال: يا أبا بكر، هجانا صاحبك؟

قال: والله ما ينطق بالشعر، ولا يقوله.

فقالت: إنك لمصدق، فاندفعت راجعة.

فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، ما رأتك؟

قال: «كان بيني وبينها ملك يسترني بجناحه حتى ذهبت» .

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر، عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا القرآن على مشركي قريش ودعاهم إلى الله قالوا: يهزؤون به ﴿ قلوبنا في أكنة بما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [ السجدة: 5] فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ الآيات.

وأخرج ابن عساكر وولده القاسم في كتاب آيات الحرز، عن العباس بن محمد المنقري رضي الله عنه قال: قدم حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه المدينة حاجّاً، فاحتجنا إلى أن نوجه رسولاً، وكان في الخوف، فأبى الرسول أن يخرج، وخاف على نفسه من الطريق، فقال الحسين رضي الله عنه: أنا أكتب لك رقعة فيها حرز لن يضرك شيء إن شاء الله تعالى، فكتب له رقعة وجعلها الرسول في صورته، فذهب الرسول فلم يلبث أن جاء سالماً، فقال: مررت بالأعراب يميناً وشمالاً فما هيجني منهم أحد، والحرز عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب، وإن هذا الحرز كان الأنبياء يتحرزون به من الفراعنة: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون ﴾ [ المؤمنون: 109] ﴿ إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ﴾ [ مريم: 18] أخذت بسمع الله وبصره وقوّته على أسماعكم وأبصاركم وقوتكم يا معشر الجن والإنس والشياطين والأعراب والسباع والهوام واللصوص، مما يخاف ويحذر فلان بن فلان، سترت بينه وبينكم بستر النبوّة التي استتروا بها من سطوات الفراعنة، جبريل، عن أيمانكم، وميكائيل، عن شمائلكم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمامكم، والله سبحانه وتعالى من فوقكم يمنعكم من فلان بن فلان في نفسه وولده وأهله وشعره وبشره وماله وما عليه وما معه وما تحته وما فوقه.

﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ إلى قوله: ﴿ نفوراً ﴾ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ قال: الحجاب المستور أكنة على قلوبهم أن يفقهوه، وأن ينتفعوا به، أطاعوا الشيطان فاستحوذ عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن زهير بن محمد وإذا قرأت القرآن الآية قال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على المشركين بمكة سمعوا صوته ولا يرونه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ قال: بغضاً لما تتكلم به لئلا يسمعوه، كما كان قوم نوح يجعلون أصابعهم في آذانهم، لئلا يسمعوا ما يأمرهم به من الاستغفار والتوبة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ قال: الشياطين.

وأخرج البخاري في تاريخه، عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: لم كتمتم ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ فنعم الاسم والله كتموا!

فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل منزله، اجتمعت عليه قريش، فيجهر (ببسم الله الرحمن الرحيم) ويرفع صوته بها، فتولي قريش فراراً، فأنزل الله: ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذ يستمعون إليك ﴾ قال: عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ يستمعون إليك ﴾ قال: هي في مثل قول الوليد بن المغيرة ومن معه في دار الندوة وفي قوله: ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك، الوليد بن المغيرة، وأصحابه.

وأخرج ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل، عن الزهري رضي الله عنه قال: حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة يستمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق فتلاوموا، فقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كان الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض: مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل واحد منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد.

قال: والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها.

قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.

ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فقال: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟

قال: ماذا سمعت!

تنازعنا نحن وبنو عبد مناف في الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان؛ قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه فقام عنه الأخنس وتركه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ جمع كنان، وهو ما ستر الشيء (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ ، أي: كراهية أن يفقهوه، وأن لا يفقهوه، وقد ذكرنا هذا في مواضع، كقوله: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا  ﴾ ، ﴿ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ : ثقلًا وصممًا، وفيه إضمار حذف لدلالة الكلام عليه، وهو: أن يسمعوه، ودلّ عيه قوله: ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ ، وهذا صريح في الرد على القدرية؛ إذ أخبر تعالى أنه حال بين قلوبهم وبين فهم القرآن؛ بما جعل عليها من الأكنة بين آذانهم وبين استماع الوحي استماعًا ينتفعون به، بما جعل فيها من الوَقْر، وهذه الآية مما سبق تفسيره في سورة الأنعام [[آية [25].]].

وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ ﴾ قال المفسرون: يعني قلت: لا إله إلا الله، وأنت تتلو القرآن (٣) ﴿ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴾ قال ابن عباس: يريد: كارهين أن يُوَحَّدَ (٤) (٥) وقال قتادة: إن النبيّ -  - لما قال: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون وكبر عليهم (٦) وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿ نُفُورًا ﴾ يحتمل مذهَبَيْن؛ أحدهما: المصدر، المعنى: وَلَّوْا نافرين نُفُورًا، والثاني: أن يكون نفورًا جمع نافر مثل شاهد وشهود (٧) (١) انظر: (كنن) في "تهذيب اللغة" 4/ 3196، و"المحيط في اللغة" 6/ 144، و"الصحاح" 6/ 2188، و"اللسان" 7/ 3942.

(٢) ورد غير منسوب في "تفسير ابن عطية" 9/ 99، و"الفخر الرازي" 20/ 222.

(٣) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 215 أ، بنحوه، و"الطبري" 15/ 94 بنصه، و"السمرقندي" 2/ 271، بنحوه، و"هود الهواري" 2/ 422، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 110 ب بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 97، و"ابن الجوزي" 5/ 41.

(٤) في الوسيط: يُوحِّدوا، أي هم الكارهون، وعلى رواية البسيط: الضمير عام يعود عليهم وعلى غيرهم.

(٥) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 504 بنصه تقريبًا.

(٦) أخرجه "الطبري" 15/ 94، بنحوه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 49، وورد بنحوه بلا نسبة في" تفسير هود الهواري" 2/ 422.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 243 بتصرف يسير.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ جمع كنان وهو الغطاء، وأن يفقهوه مفعول من أجله تقديره: كراهة أن يفقهوه، وهذه استعارات في إضلالهم.

﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ ﴾ معناه إذا ذكرت في القرآن وحدانية الله تعالى فرّ المشركون من ذلك، لما فيه من رفض آلهتهم وذمها.

نفوراً مصدر في موضع الحال ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ كانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، والضمير في به عائد على ما: أن نعلم ما يستعمون به من الاستهزاء ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى ﴾ جماعة يتناجون أو ذو نجوى، والنجوى كلام السر ﴿ رَجُلاً مَّسْحُوراً ﴾ قيل: معناه جنّ فسحر وقيل: معناه ساحر، وقيل هو من السّحر بفتح السين وهي الرئة: أي بشر إذا سحر مثلكم وهذا بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليذكروا ﴾ من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر.

﴿ كما يقولون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحفص ﴿ عما تقولون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تسبح ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون على التذكير ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة.

الوقوف: ﴿ ليذكروا ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ تسبيحهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ مستوراً ﴾ لا للعطف ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ حديداً ﴾ لا ﴿ صدوركم ﴾ ج للفاء مع أن السين للاستئناف ﴿ بعيدنا ﴾ ط ﴿ أوَّل مرة ﴾ ج لما قلنا ﴿ متى هو ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ أعلم بكم ﴾ ه ﴿ يعذبكم ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ زبوراً ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ فظلموا بها ﴾ ط ﴿ تخويفاً ﴾ ه ﴿ بالناس ﴾ ط ﴿ في القرآن ﴾ ط الكل لما مر.

﴿ ونخوّفهم ﴾ لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ﴿ كبيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح.

ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ﴿ في هذا القرآن ﴾ أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً ﴿ من كل مثل ﴾ وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى.

وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله { ﴿ وأصلح لي في ذريتي  ﴾ قال الجبائي: في قوله: ﴿ ليذكروا ﴾ دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها.

والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان.

وقالت الأشاعرة: قوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفوراً ﴾ دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم.

عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً.

ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ فقال: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾ أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون.

وفي قوله ﴿ إذا ﴾ دلالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لابتغوا ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف.

قلت: ولعل ﴿ إذا ﴾ ههنا ظرف لما دل عليه ﴿ لابتغوا ﴾ أي لطلبوا إذ ذاك ﴿ إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز.

وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله.

ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال {  وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.

ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: ﴿ تسبح له ﴾ الآية.

قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني.

وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون.

وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله.

وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد  فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليماً غفورا ﴾ حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه.

وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح.

وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو.

واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله  وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه  حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً.

ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته  بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به.

ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله  إذا قرأ القرآن عليهم.

يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.

وعن أسماء.

كان رسول الله  جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول  وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا.

فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك.

فتلا رسول الله  هذه الآيات.

فجاءت وما رأت رسول الله  .

وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك.

وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول  ويسمعون حديثه.

فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء.

وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً.

وقال أبو جهل: هو مجنون.

وقال أبو لهب: كاهن.

وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت.

وكان رسول الله  إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً  ﴾ وفي النحل: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ .

وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام.

وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون".

وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي  وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور.

وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه  يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به.

والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم  ﴾ الآية.

على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا  ﴾ .

وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته.

وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك.

وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.

ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال  : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ﴾ وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" ﴿ ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ من الهزء بك وبالقرآن.

قاتل جار الله ﴿ به ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ﴿ إذ يستمعون ﴾ نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ "إذ" بدل من "إذ هم" ﴿ إن تتبعون ﴾ أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ﴿ إلا رجلاً مسحوراً ﴾ سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال.

وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.

وقال مجاهد ﴿ مسحوراً ﴾ مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك.

وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة.

قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.

﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون ﴿ فضلوا ﴾ في جميع ذلك عن طريق الحق ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به.

وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد.

وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها.

وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟

فأجاب الله  عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟

فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي.

أما قوله: ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ .

فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء.

وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض.

وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها.

وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال.

وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد.

وفي قوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى.

ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: ﴿ من يعيدنا ﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول.

ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء.

قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه.

قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه.

لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.

قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ منتصب بـ ﴿ اذكروا ﴾ والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ﴿ قريباً ﴾ والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة.

يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت.

والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون.

وقوله: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.

وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك.

وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.

وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ﴿ وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً ﴾ عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.

وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت.

وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار.

ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: ﴿ وقل لعبادي ﴾ أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ ﴿ فادخلي في عبادي  ﴾ ، ﴿ يقولوا ﴾ الكلمة أو الحجة ﴿ التي هي أحسن ﴾ وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة.

ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود.

ثم قال: ﴿ ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ﴾ أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ﴾ بتسليطهم عليكم ﴿ وما أرسلناك ﴾ يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير.

والهداية إلى الله.

وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم.

وقوله: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ اعتراض.

وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك.

ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي.

ثم قال لهم: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب.

ثم قال لرسوله: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف.

وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو.

وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله  فنزلت.

وحين قال: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ عمم الحكم فقال: ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض ﴾ يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم.

وأنما ختم الآية بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله  إلا بمزية إيتاء الكتاب.

وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً  خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: { ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون  ﴾ أي محمد وأمته.

ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً.

والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً.

وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى.

ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: ﴿ قل ادع الذين زعمتم من دونه ﴾ وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا.

وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾ لا يليق بالجمادات.

قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب.

وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة.

سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟

فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة.

جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم.

على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله  .

يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله  وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه.

رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي  : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾ فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه.

وقد جرب فوجد كذلك.

ثم إنه  أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله  في جذب المنافع ودفع المضار فقال: ﴿ أولئك ﴾ وهو مبتدأ و ﴿ الذين يدعون ﴾ صفته ﴿ ويبتغون ﴾ خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ﴿ إلى ربهم الوسيلة ﴾ أي القربة في الحوائج و ﴿ أيهم ﴾ بدل من واو ﴿ ويبتغون ﴾ وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟

والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد.

وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ لقد فضلنا بعض النبيين ﴾ أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة.

واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله  قال: ﴿ يخافون عذابه ﴾ والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟

وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ ، ﴿ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾ أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر.

ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أو معذبوها ﴾ بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام.

وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ﴿ كان ذلك في الكتاب ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿ مسطوراً ﴾ فلا يوجد له تبديل قط.

ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: ﴿ وما منعنا ﴾ استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة.

عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه.

وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي  من الله  ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم.

فقال الرسول  : لا أريد ذلك وأنزل الله الآية.

والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله  به عادته.

والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً.

ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ﴿ مبصرة ﴾ أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ﴿ فظلموا ﴾ أنفسهم بقتلها أو فكفروا ﴿ بها ﴾ بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ﴿ وما نرسل بالآيات ﴾ المقترحة ﴿ إلا تخويفاً ﴾ من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور.

وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك ﴾ أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ﴿ أحاط بالناس ﴾ أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة.

عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله  لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر.

أما قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد.

الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم.

وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله  أنا ندخل البيت فنطوف به.

فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى.

فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله  : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق  ﴾ .

الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله  رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك.

الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء.

ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.

والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة.

قوله: ﴿ والشجرة ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها.

قال عز من قائل: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون.

والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله  هذه الآية.

ونظيره قوله: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين  ﴾ .

ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار.

وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية.

وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب.

وقيل: هي الشيطان.

وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟

جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك.

ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك.

ثم ذكر سبباً آخر في أنه  لا يظهر المقترحات عليهم فقال: ﴿ ونخوفهم ﴾ بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ متمادياً.

التأويل: ﴿ لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: { ﴿ فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء  ﴾ والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: ﴿ إن الدار الآخرة لهي الحيوان  ﴾ فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي  وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  ﴾ وبه نطق السموات والأرض ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وإنه كان حليماً ﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب عن كفره.

﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق" .

قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة.

قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله.

وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً.

لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع.

﴿ ولّوا على أدبارهم ﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿ يقولوا التي هي أحسن ﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة.

﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ فيه أن فضل النبي  على داود كفضل القرآن على الزبور.

﴿ وإن من قرية ﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿ إلا نحن مهلكوها ﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿ أو معذبوها ﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: ﴿ أحاط بالناس ﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ كان الوحي يصل إلى النبي  في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً ﴾ .

قال بعضهم: إن الكفرة كانوا يمنعون رسول الله عن تبليغ الرسالة إلى الناس وقراءة ما أنزل إليه من القرآن عليهم، وقد أمر بتبليغ الرسالة، فأنزل الله عليه هذه الآية، فأخبر أنّه جعل بينه وبين أولئك حجاباً مستوراً، ومكن له التبليغ إليهم بالحجاب الذي ذكر، ثم اختلف في ذلك الحجاب: قال بعضهم: شغلهم في أنفسهم بأمور وأشغال حتى بلغ إليهم.

ومنهم من يقول: ألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى لم يقدروا على منع ذلك.

ومنهم من يقول: صيرهم بحيث كانوا لا يرونه، ويستمعون قراءته وتلاوته، ولم يقدروا على أذاهم به والضرر عليه؛ فبلغهم.

وجائز أن يكون ما ذكر من الحجاب هو حجاب الفهم؛ وذلك أنهم كانوا ينظرون إليه بالاستخفاف والاستهزاء به، فحجبوا عن فهم ما فيه، وهو كقوله ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ...

﴾ الآية [الأعراف: 146]، يدلّ على ذلك قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ...

﴾ الآية [الأنعام: 25].

ثم قال الحسن في قوله: ﴿ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً ﴾ ، أي: طبع على قلوبهم حتى لا يؤمنوا ومذهبه في هذا أنه يقول: إن للكفر حدّاً إذا بلغ الكافر ذلك الحدّ طبع على قلبه فلا يؤمن أبداً، واستوجب بذلك العقوبة والإهلاك بالذي كان منهم، إلا أن الله بفضله أبقاهم؛ لما علم أنه يولد منهم من يؤمن، أو يبقيهم لمنافع غيره، وإلا قد استوجب الهلاك، فيقول الحسن: أضاف ذلك إلى نفسه لما استوجبوا هم بفعلهم.

وقال أبو بكر الأصم: أضاف ذلك إليه؛ لأنهم أنفوا عن اتباع الرسل وتكبروا عليهم فاستكبروا، لكن نقول له: الاستكبار الذي ذكرت فعلهم، لا فعل الله؛ فما معنى إضافة ذلك إليه؟!

فهو خيال وفرار عما يلزمهم في مذهبهم.

وقال جعفر بن حرب: في الآية إضمار؛ لما هم أضافوا ذلك إليه أنه هو جعل كذلك، وهو ما قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ  ﴾ ، و ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ ونحوه من الخيال؛ فلو جاز صرف هذه الآيات إلى ما ذكروا من الخيال لجاز لغيرهم صرف الكل إلى مثله؛ فهذا بعيد، ولكن عندنا أن إضافة ذلك إلى نفسه تدل على أن له فيه صنعاً وفعلاً، وهو أن يخذلهم باختيار ما اختاروا هم، أو أضاف ذلك إليه؛ لما خلق ظلمة الكفر في قلوبهم، وهذا معروف في الناس: أن من اعتقد الكفر يضيق صدره ويَحْرج قلبه؛ حتى لا يبصر غيره، وهو ليس يعتقد الكفر لئلا يبصر غيره ولا يهتدي إلى غيره، لكن لا يبصر غيره، فيدل هذا أنه يصير كذلك؛ لصنع له فيه.

وكذلك من اعتقد الإيمان يبصر بنوره أشياء، وهو ليس يعتقد الإيمان ليبصر بنوره أشياء غابت عنه؛ دلّ أنه بغيره أدرك ذلك، وكذلك المعروف في الخلق أن من اعتقد عداوة آخر، يضيق صدره بذلك، وكذلك من اعتقد ولاية آخر ينشرح صدره له بأشياء.

فهذا كله يدلّ أن لغيره في ذلك فعلاً، وهو ما ذكرنا من الخذلان والتوفيق، أو خلق ذلك منهم - والله أعلم - فيدخل فيما ذكرنا في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً...

﴾ الآية [الأنعام: 25]، وأصله أن ما ذكر من الحجاب والغلاف والأكنة إنما هو على العقوبة لهم لعنادهم ومكابرتهم الحق؛ لأنهم كلما ازدادوا عناداً وتمرداً ازدادت قلوبهم ظلمة وعمى، وهو ما ذكر في غير آية؛ [حيث] قال: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ...

﴾ الآية [الصف: 5]، وقال: ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم  ﴾ ، وقال: ﴿ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  ﴾ : أخبر أن ما ران على قلوبهم بكسبهم الذي كسبوا، وأزاغ قلوبهم باختيارهم الزيغ، وصرف قلوبهم باختيارهم الانصراف؛ فعلى ذلك ما ذكر من جعل الحجاب والأكنة عليها بما كان منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً ﴾ .

قال بعضهم: الشيطان إذا ذُكِرَ الله ولى عنه [وأعرض] وفرّ منه، وهو ما ذكر: ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 200]، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ...

﴾ الآية [الأعراف: 201].

وقال بعضهم: ﴿ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَٰرِهِمْ نُفُوراً ﴾ : الإنس، أي: ولوا عما دعوهم إليه، وأقبلوا نحو أصنامهم التي عبدوها.

وقوله: ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ ﴾ يحتمل: وإذا ذكرت دلالة وحدانية ربك وألوهيته وربوبيّته، أو ذكرت دلالة رسالاتك أو دلالة البعث، يحتمل ذكر دلالة هذه الأشياء الثلاثة؛ لأنهم كانوا منكرين لهذه الأشياء؛ فعند [ذلك] ذكرها.

يولّون على أدبارهم نفوراً: يحتمل الهرب والإعراض، ويحتمل الكناية عن الإنكار والتكذيب.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ ﴾ .

كأنهم يستمعون إلى القرآن: إما لما يستحلون نظمه ورصفه، أو يستمعون إليه؛ لما فيه من الأنباء العجيبة، أو يستمعون إليه؛ ليجدوا موضع الطعن فيه، فإن كان استماعهم للوجهين الأولين فإذا [جاء] موضع الخلاف والتنازع، وهو ما يذكر فيه من دلالة الوحدانية ودلالة الرسالة ودلالة البعث، عند ذلك كانوا يولون الأدبار نافرين؛ لإنكارهم، وإن كان الاستماع لطلب الطعن - فهو محتمل أيضاً.

واختلف في قوله: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾ .

قيل: كانوا يستمعون إليه ليكذبوا عليه؛ كقوله: ﴿ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ  عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ  ﴾ ، كانوا يسرعون إلى استماع ما يقول رسول الله  ليكذبوا عليه.

وقال بعضهم: كانوا يستمعون إليه؛ ليجدوا موضع الطعن فيه.

وقال بعضهم: استمعوا إليه ليروا الضعفة والأتباع أنهم إنما يطعنون فيه بعدما استمعوا إليه وعرفوه؛ فيقع عندهم أن الطعن كان في موضع الطعن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ ﴾ .

قيل: أي: يتناجون فيما بينهم أنه مسحور وأنه مجنون وأنه كاهن، ثم أخبر الله نبيّه ما أسرّوا فيه وتناجوا بينهم؛ ليدلهم على رسالته وأنه إنما عرف بالله، وسماهم ظالمين؛ لما علموا أنه ليس بمجنون ولا مسحور ولكن قالوا ذلك له ونسبوه إلى ما نسبوه من السحر والجنون، على علم منهم أنه ليس كذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ ﴾ .

بالمجانين والسحرة والكهنة: ﴿ فَضَلُّواْ ﴾ ، أو ضربوا لك الأسباب التي تزجر الناس وتمنعهم عن الاقتداء بك مما وصفوا له ونسبوه إليه من السحر والجنون والكهانة؛ فذلك كان يمنعهم عن إجابة من أراد إجابته والاقتداء به.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: لا يستطيعون إلى ما قصدوا من منع الناس عنك وصدّهم سبيلاً.

وقال بعضهم: لا يستطيعون إلى المكر به والكيد له سبيلاً؛ لأنهم قصدوا به ذلك.

وقال بعضهم: لا يستطيعون إلى ما نسبوه إليه سبيلاً.

وقال الحسن: لا يجدون إلى الهدى والإيمان سبيلاً؛ لما طبع على قلوبهم وجعلها في أكنة وغلف.

ويحتمل أن يكون قوله: فلا يستطيعون إلى الاحتجاج على الحجج والدلالات التي أقامها رسول الله  على التوحيد والرسالة والبعث سبيلاً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وصيرنا على قلوبهم أغطية حتى لا يفهموا القرآن، وصيرنا في آذانهم ثقلًا حتى لا يسمعوه سماع انتفاع، وإذا ذكرت ربك في القرآن لم تذكر آلهتهم المزعومة رجعوا على أعقابهم متباعدين عن إخلاص التوحيد لله.

<div class="verse-tafsir" id="91.L8Axn"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده