الآية ٧٠ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٧٠ من سورة الإسراء

۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًۭا ٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 119 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٠ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٠ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كما قال ) لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) [ التين 4 ] أي يمشي قائما منتصبا على رجليه ويأكل بيديه وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية ( وحملناهم في البر ) أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال وفي " البحر أيضا على السفن الكبار والصغار ( ورزقناهم من الطيبات ) أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة والمناظر الحسنة والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي ( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات .

وقد استدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم قال قالت الملائكة يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطناه في الآخرة فقال الله وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان .

وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه وقد روي من وجه آخر متصلا وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي حدثنا حجاج بن محمد حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة قالت يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة قال لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن ، فكان .

وقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق سمعت عروة بن رويم اللخمي حدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة قالوا : ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء ويركبون الدواب ينامون ويستريحون ولم تجعل لنا من ذلك شيئا فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال الله عز وجل لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان " وقال الطبراني حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا عمر بن سهل حدثنا عبيد الله بن تمام عن خالد الحذاء عن بشر بن شغاف عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم قيل يا رسول الله ولا الملائكة قال ولا الملائكة الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر " وهذا حديث غريب جدا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيرنا سائر الخلق لهم ( وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ ) على ظهور الدوابّ والمراكب ( و) في ( البَحْرِ) في الفلك التي سخرناها لهم ( وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) يقول: من طيبات المطاعم والمشارب، وهي حلالها ولذيذاتها( وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ) ذكر لنا أن ذلك تمكنهم من العمل بأيديهم، وأخذ الأطعمة والأشربة بها ورفعها بها إلى أفواههم، وذلك غير متيسر لغيرهم من الخلق.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ )....

الآية، قال ( وَفَضَّلْنَاهُمْ ) في اليدين يأكل بهما، ويعمل بهما، وما سوى الإنس يأكل بغير ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم، في قوله ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) قال: قالت الملائكة: يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها، ويتنعَّمون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة، فقال: وعزّتي لا أجعل ذرّية من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولقد كرمنا بني آدم الآية .

لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضا .

كرمنا تضعيف كرم ; أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا .

وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال .

وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة ، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره .

وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس ، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم ; لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان ، ويلبسون الثياب ويأكلون المركبات من الأطعمة .

وغاية كل حيوان يأكل لحما نيئا أو طعاما غير مركب .

وحكى الطبري عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان [ ص: 264 ] بالفم .

وروي عن ابن عباس ; ذكره المهدوي والنحاس ; وهو قول الكلبي ومقاتل ; ذكره الماوردي .

وقال الضحاك : كرمهم بالنطق والتمييز .

عطاء : كرمهم بتعديل القامة وامتدادها .

يمان : بحسن الصورة .

محمد بن كعب : بأن جعل محمدا - صلى الله عليه وسلم - منهم .

وقيل أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب .

وقال محمد بن جرير الطبري : بتسليطهم على سائر الخلق ، وتسخير سائر الخلق لهم .

وقيل : بالكلام والخط .

وقيل : بالفهم والتمييز .

والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف ، .

وبه يعرف الله ويفهم كلامه ، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله ; إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب .

فمثال الشرع الشمس ، ومثال العقل العين ; فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء .

وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض .

وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالا يفضل بها ابن آدم أيضا ; كجري الفرس وسمعه وإبصاره ، وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك .

وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه .

والله أعلم .الثانية : قالت فرقة : هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله - تعالى - : ولا الملائكة المقربون .

وهذا غير لازم من الآية ، بل التفضيل فيها بين الإنس والجن ; فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر الحيوان ، والجن هو الكثير المفضول ، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول ، ولم تتعرض الآية لذكرهم ، بل يحتمل أن الملائكة أفضل ، ويحتمل العكس ، ويحتمل التساوي ، وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى القطع .

وقد تحاشى قوم من الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض ; إذ في الخبر لا تخايروا بين الأنبياء ولا تفضلوني على يونس بن متى .

وهذا ليس بشيء ; لوجود النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء .

وقد بيناه في [ البقرة ] ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن .الثالثة : قوله تعالى : ورزقناهم من الطيبات يعني لذيذ المطاعم والمشارب .

قال مقاتل : السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى ، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من [ ص: 265 ] التبن والعظام وغيرها .وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء ، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفراسة .الرابعة : هذه الآية ترد ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - ، قالت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : احرموا أنفسكم طيب الطعام فإنما قوي الشيطان أن يجري في العروق منها .

وبه يستدل كثير من الصوفية في ترك أكل الطيبات ، ولا أصل له ; لأن القرآن يرده ، والسنة الثابتة بخلافه ، على ما تقرر في غير موضع .

وقد حكى أبو حامد الطوسي قال : كان سهل يقتات من ورق النبق مدة .

وأكل دقاق ورق التين ثلاث سنين .

وذكر إبراهيم بن البنا قال : صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية ، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي ، وقلت : هلم .

فقال لي : ملحك مدقوق ؟

قلت نعم .

قال : لست تفلح !

فنظرت إلى مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يسف منه .

وقال أبو يزيد : ما أكلت شيئا مما يأكله بنو آدم أربعين سنة .

قال علماؤنا : وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه ; لأن الله - تعالى - أكرم الآدمي بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم ، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن ، وأما سويق الشعير فإنه يورث القولنج ، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجريش فإنه ينحرف مزاجه ; لأن خبز الشعير بارد مجفف ، والملح يابس قابض يضر الدماغ والبصر .

وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمنعت فقد قوومت حكمة البارئ سبحانه بردها ، ثم يؤثر ذلك في البدن ، فكان هذا الفعل مخالفا للشرع والعقل .

ومعلوم أن البدن مطية الآدمي ، ومتى لم يرفق بالمطية لم تبلغ .

وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلا وخبز حوارى ، فقيل له : هذا كله ؟

فقال : إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال ، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال .

وكان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم إلى الصلاة .

ومثل هذا عن السلف كثير .

وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة والأعراف وغيرهما .

والأول غلو في الدين إن صح عنهم ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادر قدره حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة.

{ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ } على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب البرية.

{ وَ } في { الْبَحْرِ } في السفن والمراكب { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } من المآكل والمشارب والملابس والمناكح.

فما من طيب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أكرمهم الله به ويسره لهم غاية التيسير.

{ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } بما خصهم به من المناقب وفضلهم به من الفضائل التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات.

أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ودفع النقم ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم بل ربما استعانوا بها على معاصيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( ولقد كرمنا بني آدم ( روي عن ابن عباس أنه قال : هو أنهم يأكلون بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض وروي عنه أنه قال : بالعقل .

وقال الضحاك : بالنطق وقال عطاء : بتعديل القامة وامتدادها والدواب منكبة على وجوهها وقيل : بحسن الصورة وقيل : الرجال باللحى والنساء بالذوائب وقيل : بأن سخر لهم سائر الأشياء وقيل : بأن منهم خير أمة أخرجت للناس .

( وحملناهم في البر والبحر ( أي : حملناهم في البر على الدواب وفي البحر على السفن .

( ورزقناهم من الطيبات ( يعني : لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل : السمن والزبد والتمر والحلوى وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى .

( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ( وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل .

وقال قوم : فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة .

وقال الكلبي : فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم .

وفي تفضيل الملائكة على البشر اختلاف فقال قوم : فضلوا على جميع الخلق وعلى الملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل كما قال تعالى : " هل أنبئكم على من تنزل الشياطين " إلى قوله تعالى : " وأكثرهم كاذبون " ( الشعراء - 221 - 222 ) أي : كلهم .

وفي الحديث عن جابر يرفعه قال : " لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة : يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال تعالى : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له : كن فكان " .

والأولى أن يقال : عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة قال الله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " ( البينة - 7 ) .

وروي عن أبي هريرة أنه قال : " المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد كرمنا» فضلنا «بني آدم» بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك ومنه طهارتهم بعد الموت «وحملناهم في البر» على الدواب «والبحر» على السفن «ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا» كالبهائم والوحوش «تفضيلاً» فمن بمعنى ما أو على بابها وتشمل الملائكة والمراد تفضيل الجنس، ولا يلزم تفضيل أفراده إذ هم أفضل من البشر غير الأنبياء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد كرَّمنا ذرية آدم بالعقل وإرسال الرسل، وسَخَّرنا لهم جميع ما في الكون، وسَخَّرنا لهم الدواب في البر والسفن في البحر لحملهم، ورزقناهم من طيبات المطاعم والمشارب، وفضَّلناهم على كثير من المخلوقات تفضيلا عظيمًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) شروع فى بيان تفاوت أحوال بنى آدم فى الآخرة ، بعد بيان حالهم فى الدنيا .ولفظ ( يوم ) منصوب بفعل محذوف ، أى : واذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم .

والمراد بإمامهم هنا : كتاب أعمالهم .وقد اختار هذا القول الإِمام ابن كثير ورجحه فقال : يخبر الله - تعالى - عن يوم القيامة ، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم ، وقد اختلفوا فى ذلك .

فقال مجاهد وقتادة أى : بنبيهم ، وهذا كقوله - تعالى - : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط )وقال ابن زيد : بإمامهم أى بكتابهم الذى أنزل على نبيهم من التشريع ، واختاره ابن جرير .

.

.وروى العوفى عن ابن عباس فى قوله : ( يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) أى : بكتاب أعمالهم .

.

.وهذا القول هو الأرجح لقوله - تعالى - : ( وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ ) وقال - تعالى - : ( وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ) ويحتمل أن المراد بإمامهم : أن كل قوم بمن يأتمون به ، فأهل الإِيمان ائتموا بالأنبياء - عليهم السلام - ، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم فى الكفر .

.

.وفى الصحيحين : " لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت .

.

.

" الحديث .

.

.ثم قال - رحمه الله - ولكن المراد ههنا بالإِمام ، هو كتاب الأعمال .والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - يوم ندعو كل أناس من بنى آدم الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا ، بكتاب أعمالهم الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين أخلصوا دينهم لله فقال - تعالى - : ( فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) .أى : فمن أوتى من بنى آدم يوم القيامة ، كتابه بيمينه ، بأن ثقلت موازين حسناته على سيئاته ، فأولئك السعداء يقرءون كتابهم بسرور وابتهاج ، ولا ينقصون من أجورهم قدر فتيل ، وهو الخيط المستطيل فى شق النواة ، وبه يضرب المثل فى الشئ القليل و ( من ) فى قوله ( فمن أوتى ) يجوز أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة ، ودخلت الفاء فى الخبر وهو ( فأولئك ) لشبهه بالشرط .وجاء التعبير فى قوله ( أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ) بالإِفراد ، حملا على لفظ من ، وجاء التعبير بالجمع فى ( أولئك ) حملا على معناها .وفى قوله - سبحانه - ( بيمينه ) تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب الملئ بالإِيمان والعمل الصالح وقال - سبحانه - : ( فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ ) بالإِظهار ، ولم يقل : يقرءونه ، لمزيد العناية بهؤلاء السعداء ، ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار اسمه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم الله تعالى على الإنسان وهي الأشياء التي بها فضل الإنسان على غيره وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أربعة أنواع: النوع الأول: قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ واعلم أن الإنسان جوهر مركب من النفس، والبدن، فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي.

وتقرير هذه الفضيلة في النفس الإنسانية هي أن النفس الإنسانية قواها الأصلية ثلاث.

وهي الإغتذاء والنمو والتوليد، والنفس الحيوانية لها قوتان الحساسة سواء كانت ظاهرة أو باطنة، والحركة بالاختيار، فهذه القوى الخمسة أعني الإغتذاء والنمو والتوليد والحس والحركة حاصلة للنفس الإنسانية، ثم إن النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي.

وهي التي يتجلى فيها نور معرفة الله تعالى ويشرق فيها ضوء كبريائه وهو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق والأمر ويحيط بأقسام مخلوقات الله من الأرواح والأجسام كما هي وهذه القوة من تلقيح الجواهر القدسية والأرواح المجردة الإلهية، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف والفضل إلى تلك القوى النباتية والحيوانية، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم وإن أردت أن تعرف فضائل القوة العقلية ونقصانات القوى الجسمية، فتأمل ما كتبناه في هذا الكتاب في تفسير قوله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض  ﴾ فإنا ذكرنا هناك عشرين وجهاً في بيان أن القوة العقلية أجل وأعلى من القوة الجسمية فلا فائدة في الإعادة، وأما بيان أن البدن الإنساني أشرف أجسام هذا العالم، فالمفسرون إنما ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ هذا النوع من الفضائل وذكروا أشياء، أحدها: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ قال: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه يأكل بيديه.

وقيل: إن الرشيد أحضرت عنده أطعمة فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في التفسير عن جدك في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه.

وثانيها: قال الضحاك: بالنطق والتمييز وتحقيق الكلام أن من عرف شيئاً، فأما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفاً بذلك الشيء أو يقدر على هذا التعريف.

أما القسم الأول: فهو حال جملة الحيوانات سوى الإنسان، فإنه إذا حصل في باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفاً تاماً وافيا.

وأما القسم الثاني: فهو الإنسان، فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه ووقف عليه وأحاط به فكونه قادراً على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقاً، وبهذا البيان ظهر أن الإنسان الأخرس داخل في هذا الوصف، لأنه وإن عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان، فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة وبطريقة الكتابة وغيرهما ولا يدخل فيه الببغاء، لأنه وإن قدر على تعريفات قليلة، فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال والتمام.

وثالثها: قال عطاء: بامتداد القامة.

واعلم أن هذا الكلام غير تام لأن الأشجار أطور من قامة الإنسان بل ينبغي أن يشترط فيه شرط، وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية، والقوى الحسية والحركية.

ورابعها: قال بيان بحسن الصورة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ  ﴾ لما ذكر الله تعالى خلقة الإنسان قال: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين  ﴾ وقال: ﴿ صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً  ﴾ وإن شئت فتأمل عضواً واحداً من أعضاء الإنسان وهو العين فخلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر، وليكن هذا المثال الواحد أنموذجاً لك في هذا الباب.

وخامسها: قال بعضهم من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط.

وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلاً.

أما إذا استنبط الإنسان علماً وأودعه في الكتاب، وجاء الإنسان الثاني واستعان بذلك الكتاب، وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتبة، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى: ﴿ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ  ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ  عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ .

وسادسها: أن أجسام هذا العالم إما بسائط وإما مركبات، أما البسائط فهي الأرض والماء والهواء والنار.

والإنسان ينتفع بكل هذه الأربع، أما الأرض فهي لنا كالأم الحاضنة.

قال تعالى: ﴿ مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى  ﴾ وقد سماها الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا، وهي الفراش والمهد، والمهاد، وأما الماء فانتفاعنا به في الشرب والزراعة والحراثة ظاهر، وأيضاً سخر البحر لنأكل منه لحماً طرياً، ونستخرج منه حلية نلبسها ونرى الفلك مواخر فيه، وأما الهواء فهو مادة حياتنا، ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة، وأما النار فيها طبخ الأغذية والأشربة ونضجها، وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة، وهي الدافعة لضرر البرد كما قال الشاعر: ومن يرد في الشتاء فاكهة *** فإن نار الشتاء فاكهته وأما المركبات فهي إما الآثار العلوية، وإما المعادن والنبات، وأما الحيوان والإنسان كالمستولي على هذه الأقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل أقسامها فهذا العالم بأسره جار مجرى قرية معمورة أو خان معد وجميع منافعها ومصالحها مصروفة إلى الإنسان والإنسان فيه كالرئيس المخدوم، والملك المطاع وسائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصاً من عند الله بمزيد التكريم والتفضيل، والله أعلم.

وسابعها: أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام إلى ما حصلت له القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة الشهوانية الطبيعية وهم الملائكة، وإلى ما يكون بالعكس وهم البهائم وإلى ما خلا عن القسمين وهو النبات والجمادات وإلى ما حصل النوعان فيه وهو الإنسان، ولا شك أن الإنسان لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية المحضة، وللقوى الشهوانية البهيمية والغضبية والسبعية يكون أفضل من البهيمية ومن السبعية، ولا شك أيضاً أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات والمعادن والجمادات، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات.

بقي هاهنا بحث في أن الملك أفضل أم البشر؟

والمعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل أم البشر المستجمع لهاتين القوتين؟

وذلك بحث آخر.

وثامنها: الموجود إما أن يكون أزلياً وأبدياً معاً وهو الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون لا أزلياً ولا أبدياً وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان، وهذا أخس الأقسام، وإما أن يكون أزلياً لا أبدياً وهو الممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وإما أن لا يكون أزلياً ولكنه يكون أبدياً، وهو الإنسان والملك، ولا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني والثالث وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر مخلوقات الله تعالى.

وتاسعها: العالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الإنسان من جنس الأرواح العلوية والجواهر القدسية فليس في موجودات العالم السفلي شيء حصل فيه شيء من العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي.

وعاشرها: أشرف الموجودات هو الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من الله تعالى أتم، وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله تعالى ولسانه مشرف بذكر الله وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله تعالى فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان، ولما ثبت أن الإنسان موجود ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل للإنسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله تعالى وإنعامه فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ ومن تمام كرامته على الله تعالى أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال: ﴿ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ  خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ  ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ  ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ  ﴾ ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الإنسان فقال: ﴿ يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم  ﴾ وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان، والله أعلم.

والوجه الحادي عشر: قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون.

ومن كان مخلوقاً بيد الله كانت العناية به أتم وأكمل، وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل، والله أعلم.

النوع الثاني: من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله: ﴿ وحملناهم فِي البر والبحر ﴾ قال ابن عباس في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي البحر على السفن، وهذا أيضاً من مؤكدات التكريم المذكور أولاً، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه، وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرها ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها مما يختص به ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له.

النوع الثالث: من المدائح قوله: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات ﴾ وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، وكلا القسمين إنما يتغذى الإنسان منه بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ، وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان.

النوع الرابع: قوله: ﴿ وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ وهاهنا بحثان: البحث الأول: أنه قال في أول الآية: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ وقال في آخرها: ﴿ وفضلناهم ﴾ ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار، والأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل.

البحث الثاني: أنه تعالى لم يقل: وفضلناهم على الكل بل قال: ﴿ وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شيء لا يكون الإنسان مفضلاً عليه، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة.

فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملائكة بل الملك أفضل من الإنسان، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.

واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين: البحث الأول: أن الأنبياء عليهم السلام أفضل أم الملائكة؟

وقد سبق ذكر هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ  ﴾ .

والبحث الثاني: أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل؟

منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة.

واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا ذاك في الآخرة، فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت له ﴿ كُنَّ ﴾ فكان.

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده.

هكذا أورده الواحدي في البسيط، وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الإطلاق فقد عولوا على هذه الآية، وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب لأن تقرير الدليل أن يقال: إن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال في القليل بالضد، وذلك تمسك بدليل الخطاب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قيل في تكرمة ابن آدم: كرّمه الله بالعقل، والنطق، والتمييز، والخط، والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد.

وقيل بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم.

وقيل: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم، وعن الرشيد: أنه أحضر طعاماً فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ ﴾ جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه ﴿ على كثير ممن خلقنا ﴾ هو ما سوى الملائكة وحسب بني آدم تفضيلاً أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله منزلتهم.

والعجب من المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا، حتى جسرتهم عادة المكابرة على العظيمة التي هي تفضيل الإنسان على الملك، وذلك بعد ما سمعوا تفخيم الله أمرهم وتكثيره مع التعظيم ذكرهم، وعلموا أين أسكنهم، وأنى قربهم، وكيف نزلهم من أنبيائه منزلة أنبيائه من أممهم، ثم جرّهم فرط التعصب عليهم إلى أن لفقوا أقوالاً وأخباراً منها: قالت الملائكة: (ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة.

فقال: وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرّية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان).

ورووا عن أبي هريرة أنه قال: لمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده.

ومن ارتكابهم أنهم فسروا ﴿ كثيراً ﴾ بمعنى (جميع) في هذه الآية، وخذلوا حتى سلبوا الذوق فلم يحسوا ببشاعة قولهم: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا، على أن معنى قولهم ﴿ على جَمِيعٌ مّمَّنْ خَلَقْنَا ﴾ أشجى لحلوقهم وأقذى لعيونهم، ولكنهم لا يشعرون.

فانظر إلى تمحلهم وتشبثهم بالتأويلات البعيدة في عداوة الملأ الأعلى، كأنّ جبريل عليه السلام غاظهم حين أهلك مدائن قوم لوط، فتلك السخيمة لا تنحل عن قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ بِحُسْنِ الصُّورَةِ والمِزاجِ الأعْدَلِ واعْتِدالِ القامَةِ والتَّمْيِيزِ بِالعَقْلِ والإفْهامِ بِالنُّطْقِ والإشارَةِ والخَطِّ والتَّهَدِّي، أوْ أسْبابِ المَعاشِ والمَعادِ والتَّسَلُّطِ عَلى ما في الأرْضِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الصِّناعاتِ وانْسِياقِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَنافِعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقِفُ الحَصْرُ دُونَ إحْصائِهِ ومِن ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وهو أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ يَتَناوَلُ طَعامَهُ بِفِيهِ إلّا الإنْسانَ فَإنَّهُ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ بِيَدِهِ ﴿ وَحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ عَلى الدَّوابِّ والسُّفُنِ مِن حَمَلْتُهُ حَمْلًا إذا جَعَلْتُ لَهُ ما يَرْكَبُهُ أوْ حَمَلْناهم فِيهِما حَتّى لَمْ تُخْسَفْ بِهِمُ الأرْضُ ولَمْ يُغْرِقْهُمُ الماءُ ﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ المُسْتَلَذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمْ وبِغَيْرِ فِعْلِهِمْ.

﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ أوْ بِالشَّرَفِ والكَرامَةِ، والمُسْتَثْنى جِنْسُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوِ الخَواصُّ مِنهم، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ تَفْضِيلِ الجِنْسِ عَدَمُ تَفْضِيلِ بَعْضِ أفْرادِهِ والمَسْألَةُ مَوْضِعُ نَظَرٍ، وقَدْ أُوِّلَ الكَثِيرُ بِالكُلِّ وفِيهِ تَعَسُّفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد كرمنا بني آدم} بالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد والاستيلاء وتسخير الأشياء وتناول الطعام بالأيدي وعن الرشيد أنه أحضر طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف رحمه الله تعالى فقال له جاء في تفسير حدك ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى ولقد كرمنا بنى آدم جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه {وحملناهم فِى البر} على الدواب {والبحر} على السفن {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات} باللذيذات أو بما كسبت أيديهم {وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} أي على الكل كقوله وأكثرهم كاذبون قال الحسن أي كلهم وقوله وَمَا يَتَّبِعُ أكثرهم إلا ظنا ذكر في الكشاف أن المراد بالأكثر الجميع وعنه عليه السلام المؤمن أكرم على الله من الملائكة وهذا لأنهم مجبولون

على الطاعة ففيهم عقل بلا شهوة وفي البهائم شهوة بلا عقل وفي الآدمي كلاهما فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم ولأنه خلق الكل لهم وخلقهم لنفسه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ أيْ: جَعَلْناهم قاطِبَةً بَرَّهم وفاجِرَهم ذَوِي كَرَمٍ أيْ شَرَفٍ ومَحاسِنَ جَمَّةٍ لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ الحَصْرِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَرَّمَهم سُبْحانَهُ بِالعَقْلِ، وفي رِوايَةٍ بِتَناوُلِهِمُ الطَّعامَ بِأيْدِيهِمْ لا بِأفْواهِهِمْ كَسائِرِ الحَيَواناتِ.

وعَنِ الضَّحّاكِ بِالنُّطْقِ، وعَنْ عَطاءٍ بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ، وعَنْ يَمانٍ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ بِالتَّسَلُّطِ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِهِ لَهُمْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ بِجَعْلِ مُحَمَّدٍ  مِنهم.

وقِيلَ: بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى أباهم آدَمَ بِيَدَيْهِ، وقِيلَ: بِتَدْبِيرِ المَعاشِ والمَعادِ، وقِيلَ: بِالخَطِّ، وقِيلَ: بِاللِّحْيَةِ لِلرَّجُلِ والذُّؤابَةِ لِلْمَرْأةِ، وقِيلَ وقِيلَ والكُلُّ في الحَقِيقَةِ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ومَنِ ادَّعى الحَصْرَ في واحِدٍ كابْنِ عَطِيَّةَ حَيْثُ قالَ: إنَّما التَّكْرِيمُ بِالعَقْلِ لا غَيْرُ، فَقَدِ ادَّعى غَلَطًا ورامَ شَطَطًا وخالَفَ صَرِيحَ العَقْلِ وصَحِيحَ النَّقْلِ؛ ولِذا اسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ نَجاسَةِ الآدَمِيِّ بِالمَوْتِ ﴿ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ﴾ عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ وأعْوادٍ يابِسَةٍ مِنَ الدَّوابِّ والسُّفُنِ فَهو مِن حَمَلْتُهُ عَلى كَذا إذا أعْطَيْتَهُ ما يَرْكَبُهُ ويَحْمِلُهُ فالمَحْمُولُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِن حَمْلِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ جَعْلُهم قارِّينَ فِيهِما بِأنْ لَمْ يَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ ولَمْ يُغْرِقْهم بِالماءِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالتَّكْرِيمِ؛ إذْ لا يَثْبُتُ لِشَيْءٍ مِنَ الحَيَواناتِ سِواهم بِخِلافِ الثّانِي ﴿ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ أيْ فُنُونِ النِّعَمِ وضُرُوبِ المُسْتَلَذّاتِ مِمّا يَحْصُلُ بِصُنْعِهِمْ وبِغَيْرِ صُنْعِهِمْ مِنَ المَأْكُولاتِ والمَلْبُوساتِ والمَفْرُوشاتِ والمُقْتَنَياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وفَضَّلْناهُمْ ﴾ قِيلَ: أيْ بِالتَّكْرِيمِ المَذْكُورِ ﴿ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ عَظِيمًا، والمُرادُ أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَثِيرِ فَلَمْ يُكَرَّمِ الكَثِيرُ كَما كُرِّمُوا، وبَحَثَ الإمامُ في هَذا المَقامِ بِأنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿ ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ هُنا: ﴿ وفَضَّلْناهُمْ ﴾ فَلا بُدَّ مِن فَرْقٍ بَيْنَ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ.

والأقْرَبُ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَضَّلَ الإنْسانَ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ بِأُمُورٍ خِلْقِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ ذاتِيَّةٍ مِثْلَ العَقْلِ والنُّطْقِ والخَطِّ والصُّورَةِ الحَسَنَةِ والقامَةِ المَدِيدَةِ ثُمَّ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَرَّضَهُ بِواسِطَةِ العَقْلِ والفَهْمِ لِاكْتِسابِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ فالأوَّلُ هو التَّكْرِيمُ والثّانِي هو التَّفْضِيلُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلْناهم بِالتَّعْرِيضِ لِاكْتِسابِ ما فِيهِ النَّجاةُ والزُّلْفى بِواسِطَةِ ما كَرَّمْناهم بِهِ مِن مَبادِئِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَشْكُرُوا ويَصْرِفُوا ما خُلِقَ لَهم لِما خُلِقَ لَهُ فَيُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعالى ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ويَرْفُضُوا ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى ما سَبَقَ أيْضًا بِقَلِيلِ تَغْيِيرٍ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: قَدْ كَرَّرَ في الآيَةِ ما يُنْبِئُ عَنْ غايَةِ المَدْحِ مِن ذِكْرِ الكَرامَةِ والتَّفْضِيلِ وتَسْخِيرِ الأشْياءِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بِكَرامَةِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ سَخَّرْنا لَهُمُ الأشْياءَ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ثُمَّ فَضَّلْناهم تَفْضِيلًا أيَّ تَفْضِيلٍ؛ ولِذا عَقَّبَ بِها قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ﴾ إلَخْ وهو لِبَيانِ كَرامَةِ أبِيهِمْ وما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ كالِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ إلى آخِرِ ما قالَ، ويُعْلَمُ مِنهُ دَفْعُ التَّكْرارِ وإنْ لَمْ يَسُقْهُ لِذَلِكَ الغَرَضِ، وفِيهِ تَخْصِيصُ التَّكْرِيمِ، وكَذا فِيما قِيلَ: إنَّ التَّكْرِيمَ بِالنِّعَمِ الَّتِي يَصِحُّ بِها التَّكْلِيفُ والتَّفْضِيلَ بِالتَّكْلِيفِ الَّذِي عَرَّضَهم بِهِ لِلْمُنازَلَةِ الرَّفِيعَةِ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِن عَدا المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ الكَثِيرِ ومِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في تَفْضِيلِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ وشَنَّعَ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ تَشْنِيعًا أقْذَعَ فِيهِ.

والحَقُّ أنَّها لا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجاجِ عَلى التَّفْضِيلِ المُتَنازَعِ فِيهِ، فَفي الكَشْفِ أنَّ الظّاهِرَ مِن سِياقِ الآيَةِ أنَّهُ حَثٌّ لِلْإنْسانِ عَلى الشُّكْرِ وعَلى أنْ لا يُشْرِكَ بِهِ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ ما في البَرِّ والبَحْرِ مِن حُسْنِ كِلاءَتِهِ سُبْحانَهُ لَهُ وضَمَّنَ فِيهِ أنَّهُ جَلَّ وعَلا هَداهم إلى الفُلْكِ وصَنْعَتِهِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ ﴾ الآياتِ.

فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْواعِ بِاصْطِناعاتٍ خَصَصْناهم بِها فَذَكَرَ تَعالى مِنها حَمْلَهم في البَرِّ والبَحْرِ ورِزْقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ وتَفْضِيلَهم عَلى كَثِيرٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهَذا التَّفْضِيلُ لا يُرادُ مِنهُ عِظَمُ الدَّرَجَةِ وزِيادَةُ القُرْبَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو المُتَنازَعُ فِيهِ لِأنَّ الحُكْمَ لِلنَّوْعِ مِن حَيْثُ هُوَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ مُوجِباتٍ تَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ فَسَواءٌ دَخَلَ في هَذا الكَثِيرِ المَلائِكَةُ أوْ لَمْ يَدْخُلْ لَمْ يَدُلَّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ فَلا يَصْلُحُ لِاحْتِجاجِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ اه.

ثُمَّ إنَّهُ عَلى فَرْضِ أنَّ التَّفْضِيلَ بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ لا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ إلّا بِطَرِيقِ المَفْهُومِ وفي حُجِّيَّتِهِ خِلافٌ، وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَقُولُ بِهِ عَلى أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم فُضِّلُوا عَلى الكَثِيرِ ولَمْ يُفَضَّلُوا عَلى مُقابِلِهِ وهو يَحْتَمِلُ المُساواةَ وتَفْضِيلَ المُقابِلِ فَلَيْسَ نَصًّا في مَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيِّ.

وجَعَلَ الطِّيبِيُّ «مِن» بَيانِيَّةً كَما في قَوْلِكَ: بَذَلْتُ لَهُ العَرِيضَ مِن جاهِي، أيْ: فَضَّلْناهم عَلى الكَثِيرِينَ الَّذِينَ خَلَقْناهم مِن ذَوِي العُقُولِ كَما هو الظّاهِرُ مِن (مِن) وهم مُنْحَصِرُونَ في المَلَكِ والجِنِّ والبَشَرِ فَحَيْثُ خَرَجَ البَشَرُ لِأنَّ الشَّيْءَ لا يُفَضَّلُ عَلى نَفْسِهِ بَقِيَ المَلَكُ والجِنُّ فَيَكُونُ المُرادُ بَيانَ تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ المَدْحِ؛ فَإنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لَهُ، وإذا جُعِلَتْ لِلتَّبْعِيضِ كانَ ﴿ مِمَّنْ خَلَقْنا ﴾ بَدَلًا؛ أيْ: فَضَّلْناهم عَلى بَعْضِ المَخْلُوقِينَ.

وذِكْرُ البَعْضِ في هَذا المَقامِ يَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ كَما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ وأيُّ مَدْحٍ لِبَنِي آدَمَ وإثْباتٍ لِلْفَضْلِ والكَرامَةِ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ إذا جُعِلُوا مُفَضَّلِينَ عَلى الجِنِّ والشَّياطِينِ عَلى أنَّ صِفَةَ الكَثْرَةِ إذا جُعِلَتْ مُخَصِّصَةً لِإخْراجِ البَعْضِ كانَتِ المَلائِكَةُ أوْلى مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ لِأنَّهم هُمُ المَوْصُوفُونَ بِالكَثْرَةِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ كَخَبَرِ أطِيطِ السَّماءِ وخَبَرِ نُزُولِ قَطَراتِ المَطَرِ وخَبَرِ ما يَدْخُلُ البَيْتَ المَعْمُورَ في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإلَيْهِ يُنْظَرُ قَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِكَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا المَلائِكَةُ إذْ هم كَثِيرٌ مِنَ العُقَلاءِ المَخْلُوقِينَ اه.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ مِن حَمْلِ ﴿ مَن خَلَقْنا ﴾ عَلى تَعْمِيمِ ذَوِي العُقُولِ مَقْبُولٌ؛ فَإنَّ تَفْضِيلَهم عَلى غَيْرِ ذَوِي العُقُولِ حِينَئِذٍ آتٍ مِن طَرِيقِ مَفْهُومِ المُوافَقَةِ فَلا حاجَةَ إلى ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ واعْتِبارِ تَغْلِيبِهِمْ لِيَعُمَّهم وغَيْرَهَمْ لَكِنَّ حَمْلَ مِن عَلى البَيانِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ فَإنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ قَيْدَ الكَثْرَةِ يَضِيعُ عَلَيْهِ حَمْلُ مِن عَلى التَّعْمِيمِ التَّغْلِيبِيِّ أوِ الوَضْعِيِّ ولِأنَّ اسْتِعْمالَهُ في التَّبْعِيضِ شائِعٌ أيْنَما وقَعَ في التَّنْزِيلِ واسْتِعْمالاتِ الفُصَحاءِ وهو أكْثَرُ تَعَسُّفًا مِن حَمْلِهِ عَلى الغايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: فامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلِكم مِنهُ، عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيهِ وأنَّهُ إذا قُوبِلَ بِشَيْءٍ آخَرَ دَلَّ عَلى القِلَّةِ في المُقابِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ فَإنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغَلَبَةَ لِلْفُسّاقِ لِلْمُقابَلَةِ أمّا ورَدَ ابْتِداءً فَرُبَّما كانَ الأكْثَرُ خِلافَ ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَقَوْلُهُ إنَّ صِفَةَ الكَثْرَةِ إذا جُعِلَتْ مُخَصِّصَةً إلَخْ كَلامٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ ثَبْتٍ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ قالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: يُحْتَمَلُ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مَرْجُوحٌ.

هَذا ثُمَّ إنَّ مَسْألَةَ التَّفْضِيلِ مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما واخْتِيارُ الزَّجّاجِ عَلى ما رَواهُ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ، ومِنهم مَن فَصَّلَ فَقالَ: إنَّ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ أفْضَلُ مُطْلَقًا ثُمَّ الرُّسُلُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى مَن سِواهم مِنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ ثُمَّ عُمُومُ المَلائِكَةِ عَلى عُمُومِ البَشَرِ وهَذا ما عَلَيْهِ أصْحابُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وكَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ والأشْعَرِيَّةِ، ومِنهم مَن عَمَّمَ تَفْضِيلَ الكُمَّلِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ نَبِيًّا كانَ أوْ ولِيًّا، ومِنهم مَن فَضَّلَ الكُرُوبِيِّينَ مِنَ المَلائِكَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ الكُمَّلَ مِنهم ثُمَّ عُمُومَ المَلائِكَةِ عَلى عُمُومِ البَشَرِ.

وهَذا ما عَلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ وبِهِ يُشْعِرُ كَلامُ الغَزالِيِّ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ في كُتُبِهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ إطْلاقَ القَوْلِ بِأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُفَضِّلُونَ البَشَرَ عَلى المَلَكِ لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي، وهَذِهِ المَسْألَةُ ومَسْألَةُ تَفْضِيلِ الأئِمَّةِ لَيْسَتا مِمّا يُبَدَّعُ الذّاهِبُ إلى أحَدِ طَرَفَيْهِما عَلى ما في الكَشْفِ؛ إذْ لا يَرْجِعُ إلى أصْلٍ في الِاعْتِقادِ ولا يَسْتَنِدُ إلى قَطْعِيٍّ بَعْدَ أنْ يَسْلَمَ مِنَ الطَّعْنِ وما يُخِلُّ بِتَعْظِيمٍ في المَسْألَتَيْنِ لَكِنَّ المَشْهُورَ في مَسْألَةِ تَفْضِيلِ الأئِمَّةِ أنَّ القَوْلَ بِخِلافِ ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ أهْلِ السُّنَّةِ ابْتِداعٌ، ومَن أنْصَفَ قالَ بِما في الكَشْفِ فَهَذْرُ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى مَن خالَفَهُ مَحْضُ جَهالَةٍ إذا لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الغايَةِ فَكَيْفَ وهو قَدْ بَلَغَ فِيهِ مِنَ السَّفاهَةِ غايَتَها ومِنَ البَذاذَةِ نِهايَتَها وسَيَرى جَزاءَ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بعقولهم.

وقال الضحاك: كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بالعقل والتمييز.

ويقال: إن الله تعالى خلق نبات الأرض والأشجار وجعل فيها، لأنه ينمو ويزداد بنفسه ما دام فيه الروح، فإذا يبس خرج منه وانقطع نماؤه وزيادته.

وخلق الدواب وجعل لهن زيادة روح تطلب بها رزقها، وتسمع منه الصوت.

وخلق بني آدم وجعل لهم زيادة روح، يعقلون بها ويميزون ويعلمون.

وخلق الأنبياء وجعل لهم زيادة روح، يبصرون بها الملائكة ويأخذون بها الوحي ويعرفون أمر الآخرة.

ثم قال: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي: حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على الرطوبة أي على ظهر الدواب، وفي البحر على اليبوسة وهي السفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أي: الحلال ويقال: من نبات الحبوب والفواكه والعسل، وجعل رزق البهائم التبن والشوك.

وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا، يعني: على الجن والشياطين والبهائم.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «فضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة: جبريل وميكاييل وإسرافيل وأشباههم منهم» ، وروي عن أبي هريرة أنه قال: «المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده» .

قوله عز وجل: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ، أي: بكتابهم، ويقال بداعيهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى، يدعى إمامهم قبلهم وقال أبو العالية: بِإِمامِهِمْ أي بأعمالهم، وقال مجاهد: بنبيهم.

وقال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم.

فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ، أي: يقرءون حسناتهم ويعطون ثواب حسناتهم.

وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، يعني: لا يمنعون من ثواب أعمالهم مقدار الفتيل، وهو ما فتلته من الوسخ بين أصبعيك.

ثم قال الله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى، أي من كان في هذه النعم أعمى، يعني: لم يعلم أنها من الله، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى عن حجته، وَأَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أضلّ عن حجته.

قال مجاهد: مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عن الحجة فهو فى الاخرة أعمى عن الحجة وَأَضَلُّ سَبِيلًا، أي أخطأ طريقاً، وقال قتادة: مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عمَّا عاين من نعم الله وخلقه ومن عجائب الله، فَهُوَ فِى الاخرة التي هي غائبة عنه ولم يرها أعمى.

وقال مقاتل: فيه تقديم ومعناه وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.

ومن كان عن هذه النعم أعمى، فهو عما غاب عنه من أمر الآخرة أعمى.

وقال الزجاج: معناه إذا عمي في الدنيا وقد تبين له الهدى وجعل إليه التوبة وضله عن رشده، فهو في الآخرة لا يجد متاباً ولا مخلصاً مما هو فيه، فهو أشد عمًى وأضلّ سبيلاً أي أضل طريقاً، لأنه لا يجد طريقاً إلى الهداية فقد حصل على عمله.

وذكر عن الفراء أنه قال: تأويله من كان في هذه النعم التي ذكرتها أعمى، لا يعرف فضلها ولا يشكر عليها وهي محسوسة، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى يعني: أشد شكاً في الذي هو غائب عنه في الآخرة من الثواب والعقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

توقيفٌ على آلاء اللَّه وفَضْلِهِ ورحمته بعباده، والضُّرُّ، هنا لفظ يعمُّ الغرق وغيره، وأهوال حالات البحر واضطرابه وتموجه، وضَلَّ معناه تلف وفُقِدَ.

وقوله: أَعْرَضْتُمْ، أي: فلم تفكِّروا في جميل صنع اللَّه بكم.

وقوله: كَفُوراً أي: بالنعم والْإِنْسانُ هنا: الجنس، «والحاصب» : العارض الرامي بالبَرَدِ والحجارةِ ومنه الحاصب الذي أصَابَ قوْمَ لوطٍ، «والحَصْبُ» الرمْيُ بالحَصْبَاء، «والقاصف» : الذي يَكْسِر كلَّ ما يلقى ويقصفه، و «تارة» معناه: مرَّة أخرى، «والتبيع» الذي يطلب ثأْراً أو دينا ومن هذه اللفظة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيُتْبِعْ» فالمعنى: لا تجدون مَنْ يَتَتَبَّع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وهذه الآيات أنوارها واضحة للمهتدين.

وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣)

وقوله جلَّت عظمته وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ...

الآية: عدَّد اللَّه سبحانه على بني آدم ما خصَّهم به من المزايا مِنْ بين سائر الحيوان، ومن أفضل ما أكْرَم به الآدِميَّ/ العقْلُ الذي به يعرفُ اللَّه تعالى، ويفهم كلامه، ويوصِّل إِلى نعيمه.

وقوله سبحانه: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا المراد ب «الكثير المفضولِ» الحيوانُ والجنُّ، وأما الملائكة، فهم الخارجون عن الكثير المفضول، وليس في الآية ما يقتضي أن الملائكة أفضَلُ من الإِنسِ كما زعمت فرقة بل الأمر محتملٌ أنْ يكونوا أفضَلَ من الإِنس، ويحتمل التساوي.

وقوله سبحانه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ يحتمل أن يريد باسْمِ إِمامهم، فيقول: يا أمة محمَّد، ويا أتباع فِرْعَوْنَ، ونحو هذا، ويحتمل أن يريد: مع إِمامهم أنْ تجيء كل أمَّة معها إِمامها من هادٍ ومضلٍّ، واختلف في «الإمام» ، فقال ابن عباس والحسن:

كتابهم الذي فيه أعمالهم «١» ، وقال قتادة ومجاهد: نبيهم «٢» ، وقال ابن زيد: كتابهم الذي

نَزَلَ عليهم «١» ، وقالت فرقة: متَّبَعُهُمْ مِنْ هادٍ أو مُضِلٍّ، ولفظة «الإِمام» تعمُّ هذا كلَّه.

وقوله سبحانه: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ: حقيقةٌ في أن في القيامة صحائفَ تتطاير، وتوضعُ في الأيْمَان لأهل الأَيْمانَ، وفي الشمائل لأهل الكُفْر والخذلان، وتوضع في أيمان المذْنِبِين الذين يَنْفُذُ عليهم الوعيد، فيستفيدون منها أنهم غَيْرُ مخلّدين في النار.

وقوله سبحانه: يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ: عبارةٌ عن السرور بها، أي: يردِّدونها ويتأمَّلونها.

وقوله سبحانه: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي: ولا أقلَّ، وقوله سبحانه: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الإِشارة ب هذِهِ إلى الدنيا، أي:

مَنْ كان في هذه الدارِ أعمى عن النظرِ في آيات اللَّه وعِبَرِه، والإِيمان بأنبيائه «٢» ، فهو في الآخرة أعمى على معنى أنه حيرانُ لا يتوجَّه لصوابٍ ولا يلوحُ له نُجْحٌ.

قال مجاهد: فهو في الآخرةِ أعمى عن حُجَّته «٣» ، ويحتمل أنْ يكون صفةَ تفضيلٍ، أي: أشدُّ عمًى وحيرةً لأنه قد باشر الخَيْبة ورأى مخايل العذاب ويقوِّي هذا التَّأويل قوله، عطفاً عليه: وَأَضَلُّ سَبِيلًا الذي هو «أَفْعَلُ مِنْ كَذَا» والعمى في هذه الآية هو عَمَى القلب، وقولُ سِيَبَوَيْه: لا يقال أعمى مِنْ كَذَا، إِنما هو في عمى العينِ الذي لا تفاضُلَ فيه، وأما في عمى القْلبِ، فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل ت: وكذا قال ص وقوله سبحانه: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ...

الآية: الضمير في قوله: كادُوا هو لقريشٍ، وقيل: لثقيفٍ، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلَتِ الآية، لأنهم قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لاَ نَدَعُكَ تستلمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حتى تَمَسَّ أيضاً أوثانَنَا على معنى التشرُّع «٤» ، وقال ابن إسحاق وغيره: إِنهم اجتمعوا إليه ليلةً، فعظَّموه، وقالوا له: أنْتَ سيِّدنا، ولكنْ أَقْبِلْ على بعض أمْرنا، ونُقْبِلُ على بعض أمرك، فنزلَتِ الآية في ذلك «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ ﴾ ؛ أيْ: يُسَيِّرُها.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: زَجَيْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ: قَدَّمْتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ﴾ ؛ أيْ: في طَلَبِ التِّجارَةِ.

وَفِي " مِن " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ الرِّزْقَ والخَيْرَ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا ﴾ هَذا الخِطابُ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿ وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ، ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ ﴾ ؛ أيْ: يَضِلُّ مَن يَدْعُونَ مِنَ الآَلِهَةِ، إلّا اللَّهَ تَعالى.

ويُقالُ: ضَلَّ بِمَعْنى غابَ، يُقالُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ: إذا غابَ، والمَعْنى: أنَّكم أخْلَصْتُمُ الدُّعاءَ [ لِلَّهِ ]، ونَسِيتُمُ الأنْدادَ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( ضَلَّ مَن يَدْعُونَ ) بِالياءِ.

﴿ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ، ﴿ وَكانَ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ ﴿ كَفُورًا ﴾ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ.

﴿ أفَأمِنتُمْ ﴾ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ البَحْرِ ﴿ أنْ يَخْسِفَ بِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( نَخْسِفُ بِكُمْ، أوْ نُرْسِلُ، أنْ نُعِيدَكُمْ، فَنُرْسِلُ، فَنُغْرِقُكم ) بِالنُّونِ في الكُلِّ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ في الكُلِّ.

ومَعْنى " نَخْسِفُ بِكم جانِبَ البَرِّ "؛ أيْ: نُغَيِّبُكم ونُذْهِبُكم في ناحِيَةِ البَرِّ، والمَعْنى: إنَّ حُكْمِيَ نافِذٌ في البَرِّ نُفُوذُهُ في البَحْرِ.

" أوْ نُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا " فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحاصِبَ: حِجارَةٌ مِن السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّيحُ العاصِفُ تَحْصِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْفَرَزْدَقِ: مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الرِّيحِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحْصِبُ؛ أيْ: تَرْمِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ الَّتِي فِيها الحَصى.

وإنَّما قالَ في الرِّيحِ: " حاصِبًا "، ولَمْ يَقُلْ: ( حاصِبَةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَزِمَ الرِّيحَ، ولَمْ يَكُنْ لَها مُذَكَّرٌ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ في حالٍ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ( حائِضٌ ) لِلْمَرْأةِ، حِينَ لَمْ يَقُلْ: رَجُلٌ حائِضٌ.

قالَ: وفِيهِ جَوابٌ آَخَرُ: وَهُوَ أنَّ نَعْتَ الرِّيحِ عُرِّيَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، فَأشْبَهَتْ بِذَلِكَ أسْماءَ المُذَكَّرِ، كَما قالُوا: السَّماءُ أمْطَرَ، والأرْضُ أنْبَتَ.

والثّالِثُ: أنَّ الحاصِبَ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا ﴾ ؛ أيْ: مانِعًا وناصِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ ﴾ ؛ أيْ: في البَحْرِ ﴿ تارَةً أُخْرى ﴾ ؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى، والجُمَعُ: تارّاتٍ.

﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاصِفُ: [ الرِّيحُ الَّتِي ] تَقْصِفُ الشَّجَرَ؛ أيْ: تَكْسِرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُغْرِقَكُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ و[ أبُو ] جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ورُوَيْسٌ: ( فَتُغْرِقُكم ) بِالتّاءِ، وسُكُونِ الغَيْنِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأيُّوبُ: ( فَيُغَرِّقُكم ) بِالياءِ،وَفَتْحِ الغَيْنِ، وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ.

﴿ بِما كَفَرْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِكُفْرِكم حَيْثُ نَجَوْتُمْ في المَرَّةِ الأُولى، " ثُمَّ تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَن يَتْبَعُ بِدِمائِكم؛ أيْ: يُطالِبُنا.

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رِيحُ العَذابِ أرْبَعٌ، اثْنَتانِ في البَرِّ، واثْنَتانِ في البَحْرِ؛ فاللَّتانِ في البِرِّ: الصَّرْصَرُ والعَقِيمُ، واللَّتانِ في البَحْرِ: العاصِفُ والقاصِفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ؛ أيْ: فَضَّلْناهم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و ﴿ كَرَّمْنا ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً مِن أكْرَمْنا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فُضِّلُوا بِهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا: أحَدُها: أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، وأشْباهُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ: المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، ويَكُونُ تَفْضِيلُهم بِالإيمانِ.

والثّانِي: أنَّ سائِرَ الحَيَوانِ يَأْكُلُ بِفِيهِ، إلّا ابْنَ آَدَمَ فَإنَّهُ يَأْكُلُ بِيَدِهِ، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهَذا التَّفْضِيلِ: أكْلُهم بِأيْدِيهِمْ ونَظافَةِ ما يَقْتاتُونَهُ؛ إذِ الجِنُّ يَقْتاتُونَ العِظامَ والرَّوَثَ.

والثّالِثُ: فُضِّلُوا بِالعَقْلِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والسّادِسُ: بِأنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا  مِنهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والسّابِعُ: فُضِلُّوا بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ في الدُّنْيا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّامِنُ: بِحُسْنِ الصُّورَةِ، قالَهُ يَمانُ.

والتّاسِعُ: بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ.

والعاشِرُ: بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والحادِي عَشَرَ: بِأنْ جُعِلَتِ اللِّحى لِلرِّجالِ والذَّوائِبُ لِلنِّساءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أطْلَقَ ذِكْرَ الكَرامَةِ عَلى الكُلِّ وفِيهِمُ الكافِرُ المُهانُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامَلَ الكُلَّ مُعامَلَةَ المُكَرَّمِ بِالنِّعَمِ الوافِرَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِمْ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أجْرى الصِّفَةَ عَلى جَماعَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَمَلْناهم في البَرِّ ﴾ عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ، وهِيَ: الإبِلُ والخَيْلُ، والبِغالُ والحَمِيرُ، وفي " البَحْرِ " عَلى أعْوادٍ يابِسَةٍ، وهِيَ: السُّفُنُ.

﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الحَلالُ.

والثّانِي: المُسْتَطابُ في الذَّوْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى لَفْظِهِ، وأنَّهم لَمْ يُفَضَّلُوا عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ.

وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ المَلائِكَةُ أفْضَلُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وفَضَّلْناهم عَلى جَمِيعِ مَن خَلَقْنا، والعَرَبُ تَضَعُ الأكْثَرَ والكَثِيرَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ  ﴾ .

وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» " .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ﴾ "كَرَّمْنا" تَضْعِيفُ "كَرَمَ"، فالمَعْنى: جَعَلَنا لَهم كَرَمًا، أيْ شَرَفًا وفَضْلًا، وهَذا هو كَرَمُ نَفْيِ النُقْصانِ، لا كَرَمَ المالِ، وإنَّما هو كَما تَقُولُ: "ثَوْبٌ كَرِيمٌ"، أيْ: جَمَّةٌ مَحاسِنُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها عَلى بَنِي آدَمَ ما خَصَّهم بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَوانِ.

والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ.

حَمَلَهم في البَرِّ والبَحْرِ مِمّا لا يَصْلُحُ لِحَيَوانٍ سِوى بَنِي آدَمَ أنْ يَكُونَ يَحْمِلُ بِإرادَتِهِ وقَصْدِهِ وتَدْبِيرِهِ في البَرِّ والبَحْرِ جَمِيعًا.

والرِزْقُ مِنَ الطَيِّباتِ، ولا يَنْتَفِعُ فِيهِ حَيَوانٌ انْتِفاعَ بَنِي آدَمَ ؛ لِأنَّهم يَكْسِبُونَ المالَ خاصَّةً دُونَ الحَيَوانِ، ويَلْبَسُونَ الثِيابَ، ويَأْكُلُونَ المَرْكَباتِ مِنَ الأطْعِمَةِ، غايَةُ كُلِّ حَيَوانٍ أنْ يَأْكُلَ لَحْمًا نَيِّئًا، أو طَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ.

و"الرِزْقُ": كُلُّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: التَفْضِيلُ هو أنْ يَأْكُلَ بِيَدَيْهِ؛ وسائِرُ الحَيَوانِ بِالفَمِ.

وقالَ غَيْرُهُ: وأنْ يَنْظُرَ مِن إشْرافٍ أكْثَرَ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ويَمْشِي قائِمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَفْضِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُحْذِقٍ، وذَلِكَ لِلْحَيَوانِ مِن هَذا النَوْعِ ما كانَ يُفَضِّلُ بِهِ ابْنَ آدَمَ، كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ وشَجاعَةِ الأسَدِ وكَرَمِ الدِيكِ، وإنَّما التَكْرِيمُ والتَفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وبِهِ يَعْرِفُ اللهَ تَعالى، ويَفْهَمُ كَلامَهُ ويُوصِلُ إلى نَعِيمِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنِ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، ويُحْتَمَلُ التَساوِي، وإنَّما صَحَّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخْرى مِنَ الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ الآيَةُ.

يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "يَوْمَ" أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أو فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: ولا يُظْلَمُونَ يَوْمَ نَدْعُو، ثُمَّ فَسَّرَهُ "يُظْلَمُونَ" الآخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "وَفَضَّلْناهُمْ"، وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيَّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّمُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدَرُ، إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ؛ إذْ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا  ﴾ ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ "نَدْعُوا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ .

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَدْعُو" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَدْعُو" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يَدْعُو اللهُ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُدْعَوْ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الواوِ، وأصْلُها: يُدْعى، ولَكِنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يَقْلِبُونَ هَذِهِ الألِفَ واوًا فَيَقُولُونَ: أفْعَوْ، وحُبْلَوْ.

ذَكَرَ هاتَيْنِ أبُو الفَتْحِ وأبُو عَلِيٍّ في تَرْجَمَةِ أعْمى بَعْدُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: يُدْعَوْ كُلُّ.

وذَكَرَ أبُو عَمْرُو الدانِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "يُدْعى كُلُّ" و"الأُناسُ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

وقَوْلُهُ: "بِإمامِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِاسْمِ إمامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مَعَ إمامِهِمْ، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ويا أتْباعَ فِرْعَوْنَ، ونَحْوَ هَذا، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي تَجِيءُ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَها إمامُها مَن هادٍ أو مُضِلٍّ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإمامِ فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: نَبِيُّهُمْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُتَّبَعُهم مَن هادٍ ومُضِلٍّ.

ولَفْظَةُ "الإمامِ" تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّ الإمامَ هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ ويُهْتَدى بِهِ في القَصْدِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِنّاءِ: إمامٌ، قالَ الشاعِرُ يَصِفُ قَدْحًا: وقَوَّمْتُهُ حَتّى إذا تَمَّ واسْتَوى ∗∗∗ كَمُخَّةِ ساقٍ أو كَمَتْنِ إمامِ وَمِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ: إمامٌ؛ لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِهِ في المَقاصِدِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى المُرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ حَقِيقَةٌ في أنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ صَحائِفَ تَتَطايَرُ وتُوضَعُ في الأيْمانِ لِأهْلِ الإيمانِ، وفي الشَمائِلِ لِأهْلِ الكُفْرِ، وتُوضَعُ في أيْمانِ المُذْنِبِينَ الَّذِينَ يَنْفُذُهُمُ الوَعِيدُ، فَسَيَسْتَفِيدُونَ مِنها أنَّهم غَيْرُ مُخَلَّدِينَ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ، عِبارَةٌ عَنِ السُرُورِ بِها، أيْ: يُرَدِّدُنَها ويَتَناقَلُونَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ، أيْ: ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، حُكْمُ المَسْكُوتِ عنهُ كَحُكْمِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُبْخَسُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ شَيْئًا، و"الفَتِيلُ" هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلَ في القِلَّةِ وتَفاهَةِ القَدْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ الآيَةُ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إشارَةٌ إلى النِعَمِ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ، أيْ: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هَذِهِ النِعَمِ والإيمانِ بِمُسْدِيها فَهو في أُمُورِ الآخِرَةِ وشَأْنِها أعْمى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمَلُ "أعْمى" الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الأوَّلِ، عَلى أنَّهُ تَشْبِيهٌ بِأعْمى البَصَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ تَفْضِيلٍ، أيْ أشَدُّ عَمى، و"العَمى" في هَذِهِ الآيَةِ هو عَمى القَلْبِ في الأوَّلِ والثانِي، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدارِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبَرِهِ والإيمانِ بِآياتِهِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ: فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أعْمى، عَلى مَعْنى أنَّهُ حَيْرانٌ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ صَوابٌ، ولا يَلُوحُ لَهُ نُجُحٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: في الآخِرَةِ أعْمى عن حُجَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ ووَقْتُ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَعالى، فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ حِيرَةً وأعْمى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ، ورَأى مَخايِلَ العَذابِ.

وبِهَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ مُعادَلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، مَن ذَكَرَ مَن يُؤْتى كِتابُهُ بِيَمِينِهِ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ بِمَعْنى: "فِي شَأْنِ الآخِرَةِ" لَمْ تُطْرَدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "أعْمى" في المَوْضِعَيْنِ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ- في المَوْضِعَيْنِ بِإمالَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإمالَةِ الأوَّلِ وفَتْحِ الثانِي، وتَأوَّلَهُ بِمَعْنى: "أشَدُّ عَمى"، ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ.

قالَ أبُو عَمْرُو: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و"أعْمى" لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: أعْمى مِن كَذا، فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا: "مِن كَذا" عَلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما جَعَلَهُ في الآخِرَةِ أضَلَّ سَبِيلًا، لِأنَّ الكافِرَ في الدُنْيا مُمْكِنٌ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُو، وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهو أضَلُّ سَبِيلًا، وأشَدُّ حِيرَةً، وأقْرَبُ إلى العَذابِ.

وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "لا يُقالُ أعْمى مِن كَذا، كَما يُقالُ: ما أيْداهْ" إنَّما هو في عَمى العَيْنُ الَّذِي لا تَفاضُلُ فِيهِ، وأمّا في عَمى القَلْبِ فَيُقالُ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقَعُ فِيهِ التَفاضُلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ العَمى الأوَّلَ هو عَمى العَيْنِ عَنِ الهُدى.

وهَذا بَيِّنُ الِاخْتِلالِ، واللهٌ المُعِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لَيَفْتِنُونَكَ" لامُ تَأْكِيدٍ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ الفَرّاءِ بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إنَّما"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كادُوا" قِيلَ: هو لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، فَأمّا لِقُرَيْشٍ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ أوثانَنا، عَلى جِهَةِ التَشَرُّعِ بِذَلِكَ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُظْهِرَ لَهم ذَلِكَ وقَلْبُهُ مُنْكِرٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ  في نَفْسِهِ: وما عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ لَهم ذَلِكَ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ ما في نَفْسِي؟

وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ وغَيْرُهُ: إنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لَيْلَةً فَعَظَّمُوهُ وقالُوا لَهُ: أنْتَ سَيِّدُنا، ولَكِنْ: أقْبِلْ عَلى بَعْضِ أمْرِنا ونُقْبِلُ عَلى بَعْضِ أمْرِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  ﴾ .

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ الآيَةَ قِيلَ: إنَّما هِي فِيما أرادُوهُ مِن طَرْدِ فُقَراءِ أصْحابِهِ.

وأمّا لِثَقِيفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لِأنَّهم طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ  أنْ يُؤَخِّرَهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ سَنَةً يَعْبُدُونَ فِيها اللاتَ، وقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ ما يُهْدى لَها، ولَكِنْ إنْ خِفْتَ أنْ تُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْكَ العَرَبُ فَقُلْ: أوحى اللهُ ذَلِكَ إلَيَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

ويَلْزَمُ قائِلُ هَذا القَوْلِ أنْ يَجْعَلَ الآيَةَ مَدَنِيَّةً، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ، ورَوى قائِلُو الأقْوالِ الأُخَرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَمِيعُ ما أُرِيدَ مِنَ النَبِيِّ  بِحَسَبِ هَذا الِاخْتِلافِ قَدْ أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ خِلافَهُ، إمّا في مُعْجِزٍ، وإمّا في غَيْرِ مُعْجِزٍ، وفِعْلُهُ هو -إنَّ لَوْ وقَعَ- افْتِراءٌ عَلى اللهِ، إذْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ إنَّما هي كُلُّها شَرْعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى ما نَجّاهُ اللهُ تَعالى مِنهُ مِن مُخالَفَةِ الكُفّارِ والوِلايَةِ لَهم.

وقَوْلُهُ " لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ " الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ عَلى النَبِيِّ  ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ "الرُكُونُ": شَدُّ الظَهْرِ إلى الأمْرِ، أوِ الحَزْمُ عَلى جِهَةِ السُكُونِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِالرُكْنِ مِنَ الجُدْرانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿ أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ  ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْكَنُ" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَرْكُنُ" بِضَمِّ الكافِ.

ورَسُولُ اللهِ  لَمْ يَرْكَنْ، لَكِنَّهُ كادَ بِحَسْبِ هَمِّهِ بِمُوافَقَتِهِمْ طَمَعًا مِنهُ في اسْتِئْلافِهِمْ، وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ مَعْناهُ: لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عنكَ أنَّكَ رَكَنْتَ، ونَحْوَ هَذا، ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى نَفْيِ الهَمِّ بِذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، فَحَمَّلَ اللَفْظَ ما لا يَحْتَمِلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ.

وهَذا الهَمُّ مِنَ النَبِيِّ  إنَّما كانَتْ خَطِرَةً مِمّا لا يُمْكِنُ دَفْعَهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: "كِدْتَ"، وهي تُعْطِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكُونًا، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ إذْ كانَتِ المُقارَبَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُها "كِدْتَ" قَلِيلَةً، خَطِرَةً لَمْ تَتَأكَّدْ في النَفْسِ، وهَذا الهَمُّ هو كَهَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، والقَوْلُ فِيهِما واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ يُبْطِلُ أيْضًا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضِحاكُ: يُرِيدُ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ هَذا الذَنْبُ مِن عُقُوبَتِنا في الدُنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ لَكَ، وهَذا التَضْعِيفُ شائِعٌ مَعَ النَبِيِّ  في أجْرِهِ وألَمِهِ وعِقابِ أزْواجِهِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض جاء بمناسبة العِبرة والمنة على المشركين، فاعترض بذكر نعمته على جميع الناس فأشبه التذييل لأنه ذُكر به ما يشمل ما تقدم.

والمراد ببني آدم جميع النوع، فالأوصاف المثبتة هنا إنما هي أحكام للنوع من حيث هو كما هو شأن الأحكام التي تسند إلى الجماعات.

وقد جمعت الآية خمس مِنن: التكريم، وتسخير المراكب في البر، وتسخير المراكب في البحر، والرزق من الطيبات، والتفضيل على كثير من المخلوقات.

فأما منة التكريم فهي مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية.

والتكريم: جعله كريماً، أي نفيساً غير مبذول ولا ذليل في صورته ولا في حركة مشيه وفي بشرته، فإن جميع الحيوان لا يعرف النظافة ولا اللباس ولا ترفيه المضجع والمأكل ولا حسن كيفية تناول الطعام والشراب ولا الاستعداد لما ينفعه ودفع ما يضره ولا شعوره بما في ذاته وعقله من المحاسن فيستزيد منها والقبائح فيسترها ويدفعها، بله الخلو عن المعارف والصنائع وعن قبول التطور في أساليب حياته وحضارته.

وقد مثل ابن عباس للتكريم بأن الإنسان يأكل بأصابعه، يريد أنه لا ينتهش الطعام بفمه بل برفعه إلى فيه بيده ولا يكرع في الماء بل يرفعه إلى فيه بيده، فإن رفع الطعام بمغرفة والشراب بقدح فذلك من زيادة التكريم وهو تناول باليد.

والحمل: الوضع على المركب من الرواحل.

فالراكب محمول على المركوب.

وأصله في ركوب البر، وذلك بأن سخر لهم الرواحل وألهمهم استعمالها.

وأما الحمل في البحر فهو الحصول في داخل السفينة.

وإطلاق الحمل على ذلك الحصول استعارة من الحمل على الراحلة وشاعت حتى صارت كالحقيقة، قال تعالى: ﴿ إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ﴾ [الحاقة: 11].

ومعنى حمل الله الناس في البحر: إلهامه إياهم استعمال السفن والقلوع والمجاذيف، فجعل تيسير ذلك كالحمل.

وأما الرزق من الطيبات فلأن الله تعالى ألهم الإنسان أن يطعَم ما يشاء مما يروق له، وجعل في الطعوم أمارات على النفع، وجعل ما يتناوله الإنسان من المطعومات أكثر جداً مما يتناوله غيره من الحيوان الذي لا يأكل إلا أشياء اعتادها، على أن أقرب الحيوان إلى الإنسية والحضارة أكثرها اتساعاً في تناول الطعوم.

وأما التفضيل على كثير من المخلوقات، فالمراد به التفضيل المشاهد لأنه موضع الامتنان.

وذلك الذي جُماعه تمكين الإنسان من التسلط على جميع المخلوقات الأرضية برأيه وحيلته، وكفى بذلك تفضيلاً على البقية.

والفرق بين التفضيل والتكريم بالعموم والخصوص؛ فالتكريم منظور فيه إلى تكريمه في ذاته، والتفضيل منظور فيه إلى تشريفه فوق غيره، على أنه فضله بالعقل الذي به استصلاح شؤونه ودفع الأضرار عنه وبأنواع المعارف والعلوم، هذا هو التفضيل المراد.

وأما نسبة التفاضل بين نوع الإنسان وأنواع من الموجودات الخفية عنا كالملائكة والجن فليست بمقصودة هنا وإنما تعرف بأدلة توقيفية من قِبل الشريعة.

فلا تفرض هنا مسألة التفضيل بين البشر والملائكة المختلف في تفاصيلها بيننا وبين المعتزلة.

وقد فرضها الزمخشري هنا على عادته من التحكك على أهل السنّة والتعسف لإرغام القرآن على تأييد مذهبه، وقد تجاوز حد الأدب في هذه المسألة في هذا المقام، فاستوجب الغضاضة والملام.

ولا شك أن إقحام لفظ كثير } في قوله تعالى: ﴿ وفضلانهم في كثير ممن خلقنا ﴾ مراد منه التقييد والاحتراز والتعليم الذي لا غرور فيه، فيعلم منه أن ثَم مخلوقات غير مفضل عليها بنو آدم تكون مساوية أو أفضل إجمالاً أو تفصيلاً، وتبيينه يُتلقى من الشريعة فيما بينته من ذلك، وما سكتت فلا نبحث عنه.

والإتيان بالمفعول المطلق في قوله: ﴿ تفضيلاً ﴾ لإفادة ما في التنكير من التعظيم، أي تفضيلاً كبيراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي كَرَّمْناهم بِإنْعامِنا عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: كَرَّمْناهم بِأنْ جَعَلْنا لَهم عُقُولًا وتَمْيِيزًا.

الثّالِثُ: بِأنْ جَعَلْنا مِنهم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ.

الرّابِعُ: بِأنْ يَأْكُلُوا ما يَتَناوَلُونَهُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ بِأيْدِيهِمْ، وغَيْرُهم يَتَناوَلُهُ بِفَمِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

الخامِسُ: كَرَّمْناهم بِالأمْرِ والنَّهْيِ.

السّادِسُ: كَرَّمْناهم بِالكَلامِ والخَطِّ.

السّابِعُ: كَرَّمْناهم بِأنْ سَخَّرْنا جَمِيعَ الخَلْقِ لَهم.

﴿ وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم.

الثّانِي: ما اسْتَطابُوا أكْلَهُ وشُرْبَهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كَسْبُ العامِلِ إذا نَفَعَ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

﴿ وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالغَلَبَةِ والِاسْتِيلاءِ.

الثّانِي: بِالثَّوابِ والجَزاءِ.

الثّالِثُ: بِالحِفْظِ والتَّمْيِيزِ.

الرّابِعُ: بِإصابَةِ الفِراسَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في تاريخه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أكرم على الله من بني آدم يوم القيامة.

قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة المقربون؟!..

قال: ولا الملائكة...

الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر» .

وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً وقال: هو الصحيح.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: المؤمن أكرم على الله من ملائكته.

وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة قالت: يا رب، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة.

قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم مثله.

وأخرج ابن عساكر من طريق عروة بن رويم قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم...

فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئاً...

فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة.

فقال الله: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عروة بن رويم مرسلاً.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عروة بن رويم الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من وجه آخر، عن عروة بن رويم اللخمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكر نحوه إلا أنه قال: «ويركبون الخيل» ولم يذكر ونفخت فيه من روحي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ قال: جعلناهم يأكلون بأيديهم، وسائر الخلق يأكلون بأفواههم.

وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ قال: «الكرامة، الأكل بالأصابع» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال: ما من رجل يرى مبتلى فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير من خلقه تفضيلاً، إلا عافاه الله من ذلك البلاء كائناً ما كان.

وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق السموات سبعاً فاختار العليا منها، فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار الأخيار» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أُناس بإمامهم ﴾ قال: إمام هدى وإمام ضلالة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: بنبيهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: بكتاب أعمالهم.

وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: يدعى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم» .

وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويُمَدّ لَهُ في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من نور يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا...

لكل رجل منكم مثل هذا.

وأما الكافر، فيسوّد له وجهه ويُمَدّ له في جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم، ويلبس تاجاً من نار فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا...

اللهم لا تأتنا بهذا.

قال فيأتيهم.

فيقول: ربنا أخّرْه فيقول: ابعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل: أرأيت قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى.

..

فهو في الآخرة أعمى} فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تصب المسألة، اقرأ ما قبلها ﴿ ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ﴾ حتى بلغ ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فمن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قَدْ رَأَى وعايَنَ، فهو في أمر الآخرة التي لم تُرَ ولَمْ تعاين ﴿ أعمى وأضل سبيلاً ﴾ .

﴿ ومن كان ﴾ في الدنيا ﴿ أعمى ﴾ عما يرى من قدرتي من خلق السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا ﴿ فهو ﴾ عما وصفت له في الآخرة ولم يره ﴿ أعمى وأضل سبيلاً ﴾ يقول: أبعد حجة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: من عمي عن قدرة الله في الدنيا فهو في الآخرة أعمى.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن قتادة في الآية قال: من عمي عما يراه من الشمس والقمر والليل والنهار وما يرى من الآيات ولم يصدق بها، فهو عما غاب عنه من آيات الله أعمى وأضل سبيلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ قال ابن عباس: يريد فضلنا (١) ﴿ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ  ﴾ روى ميمون بن مهران عنه في قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ قال ابن عباس: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم يأكل بيديه (٢) وروى عنه أيضًا أنه قال: بالعقل (٣) وقال الضحاك: بالنطق والتميز (٤) وقال عطاء: بامتداد القامة وتعديلها (٥) وقال يمان: بحسن الصورة (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد في البحر على السفن، وفي البر على الإبل والخيل والبغال والحمير (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ قال: يريد الثمار والحبوب والمواشي.

وقال مقاتل: السمن والزُّبْدُ والحلاوى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم (٨) ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ ؛ روى مكحول عن ابن عباس في هذا، قال: البهائم تأكل بأفواهها، وابن آدم يأكل بيده (٩) (١٠) وقال محمد بن جرير: فضلناهم بتسليطهم على البهائم والوحوش، وكثيرٌ من خلق الله سخرناها لهم (١١) (١٢) وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق: قال ﴿ عَلَى كَثِيرٍ ﴾ ، ولم يقل: على كل من خلقنا؛ لأن الله فضل (١٥) (١٦) ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا ﴾ ، قال: يريد غير (١٧) وذهب قوم إلى تفضيل ولد آدم على الملائكة، واحتجوا بما روي عن زيد بن أسلم في هذه الآية، قال: قالت الملائكة: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا؛ يأكلون فيها ويتمتعون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في (١٨) قال أبو هريرة: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال العلماء من أصحابنا: هذه من المسائل التي لا يستحب الخوض فيها والإبلاغ، وكذلك الكلام في تفضيل الأنبياء على مشاهير الملائكة (٢٣) كما لا يستحب الكلام في المخايرة بين الأنبياء؛ لنهي رسول الله -  - عن ذلك فقال: "لا تخايروا بين الأنبياء و (٢٤)  -، مشهور في الصحيح (٢٥)  -، ومِثلُ هذه الطريقة حَسَنٌ في الصحابة، بترك الخوض في تفضيل بعضهم على بعض (٢٦) (٢٧) (١) ورد في تفسير"الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 522.

(٢) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 77 - مختصرًا، وهو في "تفسير الثعلبي" == 7/ 114 أ، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 350 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

وورد بنحوه منسوبًا للكلبي في "تفسير الماوردي" 3/ 257.

(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ - بلفظه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 63، و"الخازن" 3/ 172.

(٤) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 277، لكنه قال: بالعقل والتمييز، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 63، و"الفخر الرازي" 21/ 13، و"القرطبي" 10/ 294.

(٥) ورد في "تفسير الثعلبي" 14/ 17 أ.

لكنه قال: بتعديل القامة وامتدادها، انظر المراجع السابقة.

(٦) ورد في "الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، وانظر: "زاد المسير"، و"القرطبي".

(٧) ورد بنصه بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، وتفسير "الوسيط" 2/ 523.

(٨) ليس في تفسيره، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسيرالبغوي" 5/ 108، و"القرطبي" 10/ 295.

(٩) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 176، بنحوه.

(١٠) أخرجه البيهقي في "الشعب" 5/ 77 مختصرًا، عن عكرمة عن ابن عباس.

(١١) "تفسير الطبري" 15/ 125، بنحوه.

(١٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 523، بنصه.

(١٣) ساقطة من (د)، وفي (ش)، (ع): (غير).

(١٤) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 263، و"البغوي" 5/ 108، و"الخازن" 3/ 172، وورد عن ابن عباس في "تفسير السمرقندي" 2/ 277، و"ابن الجوزي" 5/ 62.

(١٥) في جميع النسخ: (لأن الله فضل الله الملائكة)، بزيادة لفظ الجلالة بعد فضّل.

(١٦) لم ينقل الدليل على هذه الدعوى مع أنه أشار إليها في المصدر، وهو قوله: ﴿ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ  ﴾ ، ودلالته ليست صريحة، ولعل هذا السبب في عدم نقله إيّاه، ولذلك حال ابن عطية في تفسيره 9/ 146: وهذا غير لازم الآية، بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن له الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي.

(١٧) في (أ)، (د): (عزل)، والمثبت هو الصحيح المتسق مع السياق.

(١٨) ساقطة من (د).

(١٩) أخرجه البيهقي في "الشعب" 1/ 174 بنصه تقريبًا، وورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 277، بنصه، و"الثعلبي" 7/ 114 أ، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 109، و"ابن عطية" 5/ 64.

مرفوعًا، و"الخازن" 3/ 173، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 350، وورد في "الكنز" 1/ 145، ومثل هذا القول مما لا يقال بالعقل فله حكم الرفع، وقد أخرجه ابن ماجه (3954): الفتن، كتاب: باب: المسلمون في ذمة الله من طريق أبي المُهَزِّم عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه.

وهو ضعيف لضعف أبي المهزم، قال عنه في "التقريب" ص 676 رقم (8397): متروك، وقد ضعف الحديث الألباني وذكره في "ضعيف ابن ماجه" ص 318 (857).

(٢٠) في (أ): (اسرآيل)، والمثبت من (د) (٢١) قال ابن كثير: وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم.

"البداية والنهاية" 1/ 47.

(٢٢) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).

(٢٣) مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر مما تنازع فيها العلماء قديمًا، قال ابن كثير في "البداية والنهاية"1/ 54: وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على == أقوال، فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم، وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن العاص.

ثم ساق حادثة جرت بين يدي عمر بن عبد العزيز في المسألة.

وقد فَصَّل شارح العقيدة الطحاوية القول في المسألة وصنَّفَ الذين تكلموا في المسألة، فقال: وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيلُ الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضلُ الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولاً، وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة، وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية، وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة، ومن الناس من فصَّل تفصيلًا آخر، ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر: إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض.

ثم بَيّنَ أن الإمام الطحاوي لم يتعرض إلى هذه المسألة بنفي أو إثبات، وعزا ذلك إلى متابعة أبي حنيفة -رحمه الله- حيث توقف في الجواب عن هذه المسألة، وقد مال هو كذلك إلى التوقف وقال: فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا ..

أولى.

"شرح العقيدة الطحاوية" ص 275، وإذا كان بعض السلف قد أمسك عن الحديث في هذه المسألة فإن آخرين قد تكلموا فيها، وقد أشار ابن تيمة إلى ذلك فقال: قد كان السلف يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالحي البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس، ولو كان هذا منكرًا لأنكروه، فدل على اعتقادهم ذلك "مجموع الفتاوى" 4/ 371، ومن هؤلاء الذين تحدثوا في هذه المسألة: إمام أهل السنة أحمد بن حنبل فقد كان يقول: بنو آدم أفضل من الملائكة ويقول أيضًا: يخطئ من فضل الملائكة، ومنهم الإمام أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، فقد قال: الصحيح تفضيل الأنبياء والصالحين على الملائكة، والملائكة أفضل من الفسقة، وقال أيضًا: الأنبياء أفضل من الملائكة، وجبريل وإسرافيل وميكائيل أفضل من الأولياء.

انظر: "لوامع الأنوار" 2/ 198 - 399.

وقد ذهب ابن تيمة إلى تفضيل صالحي البشر على الملائكة، وذكر ثلاثة عشر دليلًا على ذلك؛ ثم قال: فهذا -هداك الله- وجه التفضيل بالأسباب المعلومة، ذكرنا أنموذجًا نهجنا به السبيل ، وفتحنا به الأبواب إلى درك = (٢٤) لم يتبين لي إن كانت هذه الواو عاطفة لمقطعين أو لحديثين، وهو الأرجح لعدم ورود حديث واحد يجمع بين النهي عن التخيير بين الأنبياء والنهي عن تفضيل رسولنا -  - على يونس  -فيما وقفت عليه في كتب التخريج- ولم أجد هذا التركيب إلا ما ذكر ابن كثير -على سبيل الحكاية- في "البداية والنهاية" 1/ 237، قال: حيث قد ورد في بعض الأحاديث: "لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى".

أما على اعتبار أنهما مقطعين لحديثين فقد وردت عدة == روايات للمقطعين كل على حدة؛ فمن روايات المقطع الأول: قول رسول الله -  -: "لا تخيروا بين الانبياء" أخرجه مسلم (2373/ 160) كتاب: الفضائل، باب: فضائل موسى 4/ 1845، عن أبي سعيد الخدري، وأبو داود (4669) كتاب: السنة، باب: في التخيير بين الأنبياء 5/ 51، و"مشكل الآثار" 1/ 452، و"شرح السنة": كتاب: الفضائل، باب: فضائل سيد الأولين والآخرين 13/ 204، وورد برواية: (لا تفضلوا بين أنبياء الله) في: "مشكل الآثار" 1/ 452، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 492، و"شرح السنة" 13/ 204.

أما المقطع الثاني: قوله -  -: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فقد ورد في "الشفا" 1/ 265، و"إتحاف السادة المتقين" للزبيدى 2/ 105، و"مناهل الصفا" ص 22.

قال السيوطي: لم أقف عليه بهذا اللفظ، والذي في صحيح البخاري: (لا يقولن أحدكم أني خير من يونس بن متى).

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس وأبي هريرة: (ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى).

ولأبي داود من حديث عبد الله بن جعفر: (لا ينبغي أن يقول أنا أفضل من يونس بن متى).

انظر الروايات الأخرى بنحوها في: "صحيح البخاري" (3413) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب قوله: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ، ومسلم (2376)، (2377) كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس -  -، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 494.

(٢٥) ونصه؛ قال رسول الله -  -: "لا تخيروني على موسى، فإن الناس يَصْعَقُون يوم القيامة، فأكون أول من يُفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صَعِق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله"، ولهذا الحديث عدة روايات، أخرجه أحمد 3/ 41، والبخاري في عدة أماكن، منها (3408) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى، الرقاق باب: نفخ الصور (7472) كتاب: التوحيد باب: في المشيئة والإرادة، ومسلم (2373/ 160) كتاب: الفضائل ، فضائل موسى، وأبو داود: السنة: باب: في التخيير بين الأنبياء، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 493، وورد في "الشفا" 1/ 439، و"الكنز" 11/ 507.

(٢٦) دلَّت نصوص القرآن على وجود التفاضل بين الناس، كما في قوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  ﴾ ، كما وردت نصوص في الكتاب والسنة تدل على وقوع التفاضل بين الصحابة -  م-، لذلك ذهب أهل السنة والجماعة إلى القول بالتفاضل بين الصحابة -  م- عمومًا والخلفاء الأربعة خصوصًا، بعد إثبات فضيلة الصحبة لكل صحابي.

يقول شيخ الإسلام -في بيان أصول أهل السنة والجماعة في الصحابة-: ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع؛ من فضائلهم ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعده وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة- كما أخبر النبي -  -.

بل قد -  م- ورضوا عنه ..

، ويقرون بما تواتر به النقل عن علي -  - وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي -  - كما عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة -  م- على تقديم عثمان في البيعة.

انظر: "مجموع الفتاوى" 3/ 152، 4/ 421.

(٢٧) الظاهر من كلام الواحدي -رحمه الله- إثبات التفاضل على النحو السابق، لكنه يرى عدم الخوض في هذه المسألة على سبيل التعصب لأحدهم مما قد يؤدي معه إلى انتقاص الآخرين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَفَأَمِنْتُمْ ﴾ الهمزة للتوبيخ والفاء للعطف أي أنجوتم من البحر فأمنتم الخسف في البر ﴿ حَاصِباً ﴾ يعني حجارة أو ريحا شديدة ترمي بالحصباء ﴿ وَكِيلاً ﴾ أي قائماً بأموركم وناصراً لكم ﴿ قَاصِفاً مِّنَ الريح ﴾ أي الذي يقصف ما يلقى أي يكسره ﴿ تَبِيعاً ﴾ أي مطالباً يطالبنا بما فعلنا بكم: أي لا تجدون من ينصركم منا كقوله: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عقباها ﴾ [الشمس: 15] ﴿ وفضلناهم على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ يعني فضلهم على الجن وعلى سائر الحيوان، ولم يفضلهم على الملائكة، ولذلك قال: على كثير وأنواع التفضيل كثيرة لا تحصى: وقد ذكر المفسرون منها كون الإنسان يأكل بيده، وكونه منتصب القامة، وهذه أمثلة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ اخرتني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.

الباقون بالحذف ﴿ ورجلك ﴾ بكسر الجيم: حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها.

﴿ أن نخسف ﴾ ، ﴿ أونرسل ﴾ ، ﴿ أن نعيدكم ﴾ ، ﴿ فنرسل ﴾ ، ﴿ فتضركم ﴾ كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو.

والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ ﴿ فتغرقكم ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد: ﴿ هذه أعمى ﴾ بالإمالة ﴿ أعمى ﴾ بالتفخيم: أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس.

وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة.

الباقون جميعاً بالتفخيم.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ طيناً ﴾ ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف ﴿ عليّ ﴾ ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ موفوراً ﴾ ه ﴿ وعدهم ﴾ ط للعدول ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ الا إياه ﴾ ج ﴿ أعرضتم ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ تبيعاً ﴾ ه ﴿ تفضيلاً ﴾ ه ﴿ بإمامهم ﴾ ج ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ .

التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول  كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم  .

وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد.

فبين الله  أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه.

وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ وهذه القصة ذكرها الله  في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص.

ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله ﴿ طيناً ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه ﴿ أسجد ﴾ معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟

وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً؟

ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك ﴿ قال أرأيتك ﴾ أي أخبرني عن ﴿ هذا الذي كرمته ﴾ أي فضلته ﴿ عليّ ﴾ لم كرمته وأنا خير منه؟

فاختصر الكلام لكونه معلوماً.

ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟

والإشارة هنا تفيد الاستحقار.

وقيل: إن هذا مفعول: ﴿ أرأيت ﴾ لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ.

ثم ابتدأ فقال ﴿ لئن أخرتني ﴾ واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ﴿ لأحتنكن ذرّيته ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك.

ومنه ما ذكر سيبويه "أحنك الشاتين" أي آكلهما.

وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه.

وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم ﴿ تجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية.

أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه.

وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ قال ﴾ أي الله  ﴿ اذهب ﴾ ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخيلة وإمهالاً.

ثم رتب على على الإمهال قوله: ﴿ فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له.

وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات.

وانتصب ﴿ جزاء موفوراً ﴾ على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أو على الحال الموطئة.

والموفور الموفر من قولهم "فر لصاحبك عرضه فرة".

وقيل: هو بمعنى الوافر.

ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله.

وقيل: الغناء واللهو واللعب ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم.

وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك.

فالإجلاب الجمع والباء في ﴿ بخيلك ﴾ زائدة.

وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال  : " يا خيل الله اركبي." وعلى الأفراس جميعاً.

والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب.

وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل.

تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر.

عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده.

وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك.

قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم.

أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة.

وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة.

والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق.

﴿ وعدهم ﴾ بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار.

وقيل: تسويف التوبة.

وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب.

وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل.

ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام.

ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب "ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين" للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .

ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  ﴾ قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً: ﴿ إلاَّ من تبعك  ﴾ وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين.

ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه.

ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ أي يسير لأجلكم ﴿ الفلك في البحر ﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ الربح بالتجارة ﴿ إنه كان بكم رحيماً ﴾ فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد ﴿ وإذا مسكم الضر ﴾ أي خوف الغرق ﴿ في البحر ضل من تدعون ﴾ ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم ﴿ إلا إياه ﴾ وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً ﴿ فلما نجاكم ﴾ من ذلك الضر وأخرجكم ﴿ إلى البر أعرضتم ﴾ عن الإخلاص ﴿ وكان الإنسان كفوراً ﴾ لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه.

ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً: ﴿ أفأمنتم ﴾ تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ﴿ أن يخسف ﴾ أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء ﴿ بكم ﴾ حال، وإنما قال: ﴿ جانب البر ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم.

إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن ﴿ يرسل عليكم ﴾ حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء.

وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر.

ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر.

﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ﴾ يصرف ذلك عنكم ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ﴾ بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر ﴿ فيرسل عليكم قاصفاً ﴾ وريحاً لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر.

وقوله: ﴿ من الريح ﴾ بيان له ﴿ فيغرقكم بما كفرتم ﴾ بسبب كفركم ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: ﴿ ولا يخاف عقباها  ﴾ .

ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس ﴿ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم  ﴾ ومنها الصورة الحسنة ﴿ وصوركم فأحسن صوركم  ﴾ ، ومنها القامة المعتدلة ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم.

يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه.

ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال.

ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم  ﴾ وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر.

وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟

ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة.

وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه  خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة "كن".

يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة.

فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له "كن" فكان.

ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ قال ابن عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله.

واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا.

والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟

وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و "من" التبعيضية.

هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه، لأنه  ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله  الاقتصار على ذكر البعض، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة: فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.

وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض.

ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال: ﴿ يوم ندعو ﴾ وهو منصوب بإضمار "اذكر" أو بقوله: ﴿ فضلناهم ﴾ على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على ﴿ تفضيلاً ﴾ والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين.

والباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك.

عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر.

ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم في نحو "ركب بجنوده".

وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.

وقال الحسن: يدعون بكتابهم الذي فيه أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر.

وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً.

قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع "أن" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم.

والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا.

ثم قال: وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟

وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أوقبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق ﴿ فمن أوتى ﴾ هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه ﴿ فأولئك يقرؤن ﴾ وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع ﴿ ومن كان في هذه ﴾ الدنيا ﴿ أعمى ﴾ لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب.

وأما قوله: ﴿ فهو في الآخرة أعمى ﴾ فيحتمل أن يراد به عمىالبصر كقوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً  ﴾ وفي هذا زيادة العقوبة.

ويحتمل أن يراد عمى القلب.

قال ابن عباس: المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى ﴾ إلى قوله: ﴿ تفضيلاً ﴾ فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك.

من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى.

قال المفسرون: لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير "أفعل" التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة.

هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي.

وأقول: في هذا الوجه نظر، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل "شيئان" "والكافرين" ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم.

قال الحسن: في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل.

وقيل: المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة.

التأويل: ﴿ من استطعت منهم بصوتك ﴾ أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم.

﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ فلك الشريعة في بحر الحقيقة ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ جذبة العناية ﴿ فلما نجاكم ﴾ إلى بر الوصول والوصال ﴿ أعرضتم ﴾ بحجب العجب ورؤية الأعمال ﴿ حاصباً ﴾ من مطر القهر ﴿ قاصفاً ﴾ من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء ﴿ فيغرقكم ﴾ في بحر الشهوات ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وأنطقه بجواب ﴿ بلى ﴾ وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ﴿ ورزقناهم من ﴾ طيبات المواهب ونوال الكشوف ﴿ وفضلناهم على كثير ﴾ أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله.

وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله ﴿ فمن أوتى كتابه بيمينه ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار وبالبصائر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ ﴾ .

﴿ يُزْجِي ﴾ يجري ويسير ويسوق الفلك في البحر.

قال الحسن: أي: سخر الفلك والسفن لنا في البحر، والدّواب في البر؛ لنقطع بها البحار والمفاوز والبراري؛ لنصل بذلك إلى حوائجنا التي جعلت لنا في البلدان النائية والأمكنة البعيدة.

وكذلك قال في قوله -  -: ﴿ يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ ، أي: سخر لنا ذلك.

ونحن نقول كذلك: سخر لنا ما ذكر، إلا أن إضافة ذلك إليه على قولنا: إن أفعالنا مخلوقة له.

ثم يذكر فيه قدرته وسلطانه وعلمه حيث خلق الخشب، وجعل فيه معنى: يقر على وجه الماء مع ثقله، ومن طبع الشيء الثقيل التسرب في الماء والتسفل فيه، ولا نفهم المعنى الذي به تقر على وجه الماء، وإن كان دون ذلك في الثقل يتسفل فيه ويتسرب.

أو جعل ذلك بطبعه بحيث يقر على وجه الماء ولا يتسرب فيه؛ لطفاً منه؛ فمن قدر على إنشاء ما يقر على وجه الماء لمعنى جعل فيه لا نعقله نحن، أو بلطفه - لقادر على إنشاء هذا الخلق وإعادته بعد فنائه وذهابه، وإن كانت عقول الخلائق لا تدرك ذلك، وأفهام البشر تعجز عن دركه؛ فكما قدر على إنشاء ما هو طبعه التسرب في الماء والتسفل فيه، بحيث يقرّ ويركد على الماء يقدر على ما ذكرنا، وحيث قدر على تسكين الأمواج في البحر؛ ليعبر فيها، وخلق رياحاً فيها لتجري السفن كما تجري بالماء الجاري؛ فمن قدر على هذا يقدر على ما ذكرنا من الإحياء بعد الفناء.

وفيه ما ذكرنا من تذكير نعمه لنا؛ لنشكره، وتذكيره قدرته وسلطانه؛ لنهاب منه، ولا ننكر قدرته وسلطانه في شيء من الأشياء على ما أنكر قدرته بعض خلقه؛ لقصور عقولهم عن درك ذلك.

وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: تعليم الأسباب التي بها يوصل إلى قطع البحار والبراري من اتخاذ السفن والحمل عليها وغير ذلك.

والثاني: تسخير البحار والبراري لنا ما لولا ذلك ما تهيأ لنا استعمال ذلك.

والثالث: دلالة الرسالة؛ إذ لولا خبر السماء، وإلا: ما يعرف أن ما يحتاج إليه هو في تلك البلدان النائية والأمكنة البعيدة؛ وما يعلم أن ذلك الطريق يفضي إلى تلك الأمكنة إلا بخبر الرسول عن الله،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ .

قال بعضهم: أي: من رحمته أن جعل لكم الفلك والدواب؛ لتصلوا بها إلى أرزاقكم التي في البلاد النائية البعيدة.

وقال بعضهم: إنه لم يزل بكم رحيماً إذا تبتم ورجعتم عن ذلك.

أو كانت الآية في المؤمنين؛ فهو لم يزل بهم رحيماً، وإن كانت في الأرزاق فيهم جميعاً.

فإن قالت الثنوية: إنكم تصفون ربكم بالرحمة والرأفة، وهو يميتكم، ويقتلكم، ويحمل عليكم الشدائد والمؤن العظام؛ فذلك ليس من صفة الرحيم.

قيل: إنا قد ذكرنا لكم في غير موضع جواب السؤال: إن المرء رحيم على نفسه، وله الرحمة والشفقة عليها، ثم مع ذلك يحمل على نفسه الشدائد والمؤن العظام؛ لما يأمل من النفع في العاقبة: من نحو الحجامة، والافتصاد، وشرب الأدوية الكريهة، ما لولا [ما] يأمل من النفع في العاقبة - ما تحمل ذلك.

وكذلك الوالدان فيهما من الرحمة والرأفة لولدهما ما لا يخفى ذلك على أحد، ثم يحملان على ولدهما ما ذكرنا من الشدائد والمؤن العظام؛ لما يأملون من النفع لهم في العاقبة، ثم لا يمنع ذلك من الوصف بالرحمة والرأفة؛ فعلى ذلك الله -  وتعالى - لا يمنع ما يحمل علينا من الشدائد عن أن يوصف بالرحمة، ولا يخرجه ذلك عن الحكمة؛ بل هو على ما قال: ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ : أي: بطل ما كانوا يأملون من عبادتهم الأصنام إلا العبادة التي كانت لله؛ فإنه لم يبطل ما يؤمل من عبادتهم إياه؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ : فأخبر - عز وجل - عن سفههم؛ لعبادتهم الأصنام، وعجزهم عما يأملون منها في الآخرة، حيث لم يملكوا دفع شيء مما مسهم، وكشف ما أصابهم في الدنيا؛ فكيف يأملون ذلك في الآخرة.

أو أن يكون ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، أي: ضل الآلهة التي عبدوها دون الله إلا إله الحق المستحق للعبادة؛ فإنه أعانكم ونجاكم من الهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ : هكذا كانت عادتهم أنهم إذا خافوا الهلاك على أنفسهم - أخلصوا الدعاء لله، كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ الآية، وكقوله: ﴿ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ...

 ﴾ ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ  ﴾ [ونحوه].

ويحتمل قوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ عن وفاء ما عهدتم، وإنجاز ما وعدتم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  ﴾ ، فأعرضوا عن هذا الوعد، ولم يوفوا ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً ﴾ .

لنعم ربّه، يذكر سفههم من وجهين: أحدهما: عبادتهم من يعلمون أنه لا ينعم عليهم في حال الرخاء، ولا يدفع عنهم البلاء في حال الشدة.

والثاني: أن في [الشاهد من] أنعم على آخر نعمة، وأحسن إليه - يشكر له ويثني عليه، وإذا حلّ به بلاء وشدة من أحد من الخلائق يدعو عليه ويلعنه، فمعاملة أولئك الكفرة مع الله على خلاف معاملة الخلق بعضهم بعضاً: يخلصون له الدعاء في حال الشدة والبلاء، ويكفرون نعمه في حال الرخاء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ ﴾ : على ما خسف قوماً في البر، ﴿ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ﴾ .

على ما أرسل على قوم من الحصباء، وهي الحصى؛ فأهلكهم، ﴿ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً ﴾ : ناصراً ينصركم، أو معتمداً تعتمدون عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾ .

أي: يحوجكم إلى ركوب البحر مرة أخرى، ﴿ فَيُغْرِقَكُم ﴾ بما كفرتم.

أو يذكر هذا أن من قدر على إنشاء ما ذكر من الفلك وإجرائها في البحر، وتسكين أمواجه ودفع أهواله عنكم - لقادر على إهلاككم في البر، وإعادتكم في البحر ثانياً، وإغراقكم فيه.

وفي قوله: ﴿ يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ ﴾ وقوله: ﴿ يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ - دلالة أن لله في فعل العباد صنعاً؛ لأنهم هم الذين يسيرون في البحر، وهم الذين يجرون الفلك فيه.

ثم أضاف الإجراء إلى نفسه؛ وكذلك السير؛ ليعلم أن له فيه صنعاً وفعلاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً ﴾ : [قال بعضهم: ﴿ تَبِيعاً ﴾ ] أي: من يتبعنا بدمائكم، ويطالبنا بها.

وقال أبو عوسجة: التبيع: الكفيل، ويقال: المتقاضي في موضع.

وقال غيره: هو من التبعة، أي: لا تجدوا لكم علينا به تبعة، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: الحاصب: الريح؛ سميت بذلك، لأنها تحصب، أي: ترمي بالحصباء، وهي الحصى الصغار، والقاصف: الريح الشديدة التي تقصف الشجر، أي: تكسرها.

وكذلك قال أبو عوسجة: القاصف: الشديدة من الرياح.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ : كرمهم بأن خلقهم في أحسن صورة؛ كقوله: ﴿ وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ  ﴾ ، وقومهم في أحسن تقويم وأحسن قامة؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ﴾ ، وكرمهم بأن ركب فيهم العقول التي بها يعرفون الكرامات من الهوان، ويعرفون بها المحاسن من المساوي، والحكمة من السفه، والخير من الشرّ، وكرمهم بأن جعل لهم لساناً يتكلمون بها الحكمة وكل خير، وبها يتوصلون إلى درك الحكمة وجمعها، وكرمهم بأن جعل أرزاقهم أطيب الأرزاق وجعل لغيرهم ما خبث منها وما فضل منهم، وكرمهم بأن خلق جميع ما على وجه الأرض لهم؛ كقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً  ﴾ ، وكرمهم بأن سخر لهم جميع الخلائق: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، وجعل بني آدم هم المقصودون بخلق جميع الخلائق ونحوه، وكرمهم حيث جعلهم بحيث يتهيّأ لهم استعمال السماء والأرض، واستعمال الشمس والقمر، واستعمال البحار والبراري، وجميع الصعاب والشدائد في حوائجهم ومنافعهم ما لا يتهيّأ لغيرهم من الخلائق ذلك؛ فذلك تفضيلهم.

وجائز أن يكون كرم بني آدم؛ لأنه كرم آدم، [وكرم آدم]؛ لأنه أسجد ملائكته له، وبعثه رسولاً إليهم؛ حيث قال: ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ  ﴾ ؛ فلما كرم آدم صار بنوه مكرمين - أيضاً - ولهذا نقول بأن الأب يصير مشتوماً بشتم ابنه.

وما قال أهل التأويل: إنه فضل بني آدم على غيرهم من الحيوان والدواب؛ حين أكلوا وشربوا هم بأيديهم وسائر الدّواب يأكلون بأفواههم - هذا الذي ذكروا هو من التفضيل، إلا أن ذكره له خاصة ليس فيه كثير حكمة وفضل؛ لكن فضلهم وكرمهم بما ذكرنا من وجوه الكرامات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ .

هذا تفسير ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم، ثم يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أن جعل لهم البر والبحر مسخرين؛ حتى يصلوا إلى ما في باطن البحر وظاهره من أنواع المال والمنافع.

وكذلك البر سخر لهم؛ حتى يصلوا إلى ما في باطنه من الأموال والمنافع وظاهره.

والثاني: أن جعلهم بحيث يقضون حوائجهم التي كانت لهم من وراء البحر ووراء البرّ - ما لم يجعل ذلك لغيرهم من الخلائق - قضاء الحوائج من ورائهما، وذلك معنى تفضيلهم الذي ذكر، ثم ما ذكر على أثر قوله: ﴿ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ﴾ ، هو تفسير تفضيله وإكرامه؛ حيث قال: ﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

وجائز أن يكون ما ذكر من تكريم بني آدم وتفضيله إياهم - هو ما جعل فيهم من الأنبياء، والرسل، والأتقياء، والأخيار منهم - ما لم يجعل ذلك من غيرهم؛ ألا ترى أن موسى -  - قال: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية [المائدة: 20].

وقوله: ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .

هو ما ذكرنا: أن جعل أرزاقهم وغذاءهم ما بلغ في الطيب غايته، ولا كذلك غذاء غيرهم من الدّواب ورزقهم؛ لأنهم لا يأكلون إلا بعد أن يستخرجوا منه ما فيه من أذى وخبث وخشونة: من النخالة وغيرها، وفي الطبخ والنضج حتى يبلغ في الطيب واللين غايته.

وأمّا غيرهم من الدواب فإنما يأكلون كما هو نيئاً غير مطبوخ ولا نضيج، وفيه من الخبث والأذى.

﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ .

أمّا بعض أهل التأويل فإنه قال: فضلناهم على كثير ممن خلقنا: على الجن والشياطين، وأصحابهم غير الملائكة.

وقال بعضهم: على كثير ممن خلقنا: من الحيوان والدواب، ﴿ تَفْضِيلاً ﴾ : بالأكل بالأيدي، وجعل رزقهم من غير رزق الدواب.

ويحتمل ﴿ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا ﴾ : ممن على وجه الأرض من الجن وغيرهم؛ لما لم يرسل إلى الجن رسول منهم، ولا أنزل عليهم كتاب على حدة، وما جعل أرزاقهم مما يفضل من البشر من العظام والسرجين وغيره، على ما ذكر؛ فذلك وجه تفضيلهم عليهم.

وأمّا الكلام في تفضيل البشر على الملائكة والملائكة على البشر - فإنّا لا نتكلم في شيء من ذلك؛ [لما] لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ فالأمر فيه إلى الله في تفضيل هؤلاء على هؤلاء، وهؤلاء على هؤلاء، ليس إلينا من ذلك شيء، ولا جائز أن يجمع بين أشرّ البشر وأفسقهم وبين الملائكة الذين لم يعصوا الله طرفة عين، فيقال: هم أفضل من الملائكة؛ ولكن إن [كان] لا بد فإنما يجمع بين الأنبياء والرسل وأتقى الخلائق وبين الملائكة، فيتكلم حينئذ بتفضيل بعض على بعض؛ فهو ما ذكرنا أن الأمر في ذلك إلى الله، ليس إلينا من ذلك شيء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد كرمنا ذرية آدم بالعقل وإسجاد الملائكة لأبيهم وغير ذلك، وسخرنا لهم ما يحملهم في البر من الدواب والمراكب، وما يحملهم في البحر من السفن، ورزقناهم من طيبات المآكل والمشارب والمناكح وغيرها، وفضلناهم على كثير من مخلوقاتنا تفضيلًا عظيمًا، فعليهم أن يشكروا نعم الله عليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.rQg8M"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد