الآية ٧١ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٧١ من سورة الإسراء

يَوْمَ نَدْعُوا۟ كُلَّ أُنَاسٍۭ بِإِمَـٰمِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًۭا ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم وقد اختلفوا في ذلك فقال مجاهد وقتادة أي بنبيهم وهذا كقوله : ( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) [ يونس 47 .

وقال بعض السلف هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن زيد بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع واختاره ابن جرير وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : بكتبهم فيحتمل أن يكون أراد هذا وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله : ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) أي بكتاب أعمالهم وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى : ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) يس : 12 ] وقال تعالى ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) الكهف : 49 ] وقال تعالى : ( وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) الجاثية : 28 ، 29 .

وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته فإنه لا بد أن يكون شاهدا عليها بأعمالها كما قال : ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء ) الزمر : 69 ، وقال ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) النساء : 41 .

ولكن المراد هاهنا بالإمام هو كتاب الأعمال ولهذا قال تعالى : ( يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ) أي من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته كما قال تعالى : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه ) إلى أن قال ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه ) الحاقة : 19 26 .

وقوله : ( ولا يظلمون فتيلا ) قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا في هذا فقال حدثنا محمد بن يعمر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا : حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) قال يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة تتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا فيأتيهم فيقول لهم : أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه ويراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله من هذا أو من شر هذا اللهم لا تأتنا به فيأتيهم فيقولون اللهم أخزه فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا ثم قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت أهل التأويل في معنى الإمام الذي ذكر الله جلّ ثناؤه أنه يدعو كلّ أناس به، فقال بعضهم: هو نبيّه، ومن كان يقتدى به في الدنيا ويأتمّ به.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن ليث، عن مجاهد ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) قال: نبيهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) قال: نبيهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( بِإِمَامِهِمْ ) قال: نبيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.

حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) قال: نبيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قالا ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يدعوهم بكتب أعمالهم التي عملوها في الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) قال: الإمام: ما عمل وأملى، فكتب عليه، فمن بعث متقيا لله جَعَل كتابه بيمينه، فقرأه واستبشر، ولم يظلم فتيلا وهو مثل قوله وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ والإمام: ما أملى وعمل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) قال: بأعمالهم.

حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) يقول: بكتابهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: بأعمالهم.

وقال آخرون: بل معناه: يوم ندعو كلّ أناس بكتابهم الذي أنـزلت عليهم فيه أمري ونهيي.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت يحيى بن زيد في قول الله عزّ وجلّ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) قال: بكتابهم الذي أنـزل عليهم فيه أمر الله ونهيه وفرائضه، والذي عليه يحاسبون، وقرأ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا قال: الشرعة: الدين، والمنهاج: السنة، وقرأ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا قال: فنوح أوّلهم، وأنت آخرهم.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) بكتابهم.

وأولى هذه الأقوال عندنا بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به، ويأتمُّون به في الدنيا، لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما ائتمّ واقتدي به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها.

وقوله ( فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ) يقول: فمن أعطي كتاب عمله بيمينه ( فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ ) ذلك حتى يعرفوا جميع ما فيه ( وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ) يقول تعالى ذكره: ولا يظلمهم الله من جزاء أعمالهم فتيلا وهو المنفتل الذي في شقّ بطن النواة.

وقد مضى البيان عن الفَتيل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ( وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ) قال: الذي في شقّ النواة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا [ ص: 266 ] قوله تعالى : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله - تعالى - : يوم ندعو كل أناس بإمامهم قال : يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ، ويمد له في جسمه ستون ذراعا ، ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول أبشروا لكل منكم مثل هذا - قال - وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم ويلبس تاجا فيراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله من شر هذا !

اللهم لا تأتنا بهذا .

قال : فيأتيهم فيقولون اللهم أخره .

فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب .

ونظير هذا قوله : وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون .

والكتاب يسمى إماما ; لأنه يرجع إليه في تعرف أعمالهم .

وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك : بإمامهم أي بكتابهم ، أي بكتاب كل إنسان منهم الذي فيه عمله ; دليله فمن أوتي كتابه بيمينه .

وقال ابن زيد : بالكتاب المنزل عليهم .

أي يدعى كل إنسان بكتابه الذي كان يتلوه ; فيدعى أهل التوراة بالتوراة ، وأهل القرآن بالقرآن ; فيقال : يا أهل القرآن ، ماذا عملتم ، هل امتثلتم أوامره هل اجتنبتم نواهيه !

وهكذا .

وقال مجاهد : بإمامهم بنبيهم ، والإمام من يؤتم به .

فيقال : هاتوا متبعي إبراهيم - عليه السلام - ، هاتوا متبعي موسى - عليه السلام - ، هاتوا متبعي الشيطان ، هاتوا متبعي الأصنام .

فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم ، ويقوم أهل الباطل فيأخذون كتابهم بشمالهم .

وقاله قتادة .

وقال علي - رضي الله عنه - : بإمام عصرهم .

وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : يوم ندعو كل أناس بإمامهم فقال : كل يدعى بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم فيقول هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمد - عليهم أفضل الصلوات والسلام - فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم ، ويقول : هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة إمام هدى وإمام ضلالة .

وقال الحسن وأبو العالية : بإمامهم أي بأعمالهم .

وقاله ابن عباس .

فيقال : أين الراضون بالمقدور ، أين الصابرون عن المحذور .

وقيل : بمذاهبهم ; فيدعون بمن كانوا يأتمون به في الدنيا : يا حنفي ، يا شافعي ، يا معتزلي ، يا قدري ، ونحوه ; فيتبعونه في خير أو شر أو على حق أو باطل ، وهذا معنى قول أبي عبيدة .

[ ص: 267 ] وقد تقدم .

وقال أبو هريرة : يدعى أهل الصدقة من باب الصدقة ، وأهل الجهاد من باب الجهاد .

.

.

، الحديث بطوله .

أبو سهل : يقال أين فلان المصلي والصوام ، وعكسه الدفاف والنمام .

وقال محمد بن كعب : بإمامهم بأمهاتهم .

وإمام جمع آم .

قالت الحكماء : وفي ذلك ثلاثة أوجه من الحكمة ; أحدها - لأجل عيسى .

والثاني - إظهار لشرف الحسن والحسين .

والثالث - لئلا يفتضح أولاد الزنا .قلت : وفي هذا القول نظر ; فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان خرجه مسلم والبخاري .

فقوله : هذه غدرة فلان بن فلان دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم ، وهذا يرد على من قال : إنما يدعون بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سترا على آبائهم .

والله أعلم .قوله تعالى : فمن أوتي كتابه بيمينه هذا يقوي قول من قال : بإمامهم بكتابهم ويقويه أيضا قوله : وكل شيء أحصيناه في إمام مبين .فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا الفتيل الذي في شق النواة .

وقد مضى في [ النساء ] .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة، وأنه يدعو كل أناس، ومعهم إمامهم وهاديهم إلى الرشد، وهم الرسل ونوابهم، فتعرض كل أمة، ويحضرها رسولهم الذي دعاهم، وتعرض أعمالهم على الكتاب الذي يدعو إليه الرسول، هل هي موافقة له أم لا؟

فينقسمون بهذا قسمين: { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } لكونه اتبع إمامه، الهادي إلى صراط مستقيم، واهتدى بكتابه، فكثرت حسناته، وقلت سيئاته { فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ } قراءة سرور وبهجة، على ما يرون فيها مما يفرحهم ويسرهم.

{ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } مما عملوه من الحسنات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( يوم ندعو كل أناس بإمامهم ) قال مجاهد وقتادة : بنبيهم وقال أبو صالح والضحاك : بكتابهم الذي أنزل عليهم .

وقال الحسن وأبو العالية : بأعمالهم .

وقال قتادة أيضا : بكتابهم الذي فيه أعمالهم بدليل سياق الآية .

( فمن أوتي كتابه بيمينه ( ويسمى الكتاب إماما كما قال عز وجل : " وكل شيء أحصيناه في إمام مبين " ( يس - 12 ) .

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى قال الله تعالى : " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا " ( الأنبياء - 73 ) وقال : " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار " ( القصص - 41 ) .

وقيل : بمعبودهم وعن سعيد بن المسيب قال : كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر .

وقال محمد بن كعب : ( بإمامهم ( قيل : يعني بأمهاتهم وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة أحدها : لأجل عيسى عليه السلام والثاني : لشرف الحسن والحسين والثالث : لئلا يفتضح أولاد الزنا .

( فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ( أي لا ينقص من حقهم قدر فتيل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر «يوم ندعو كل أناس بإمامهم» نبيهم فيقال يا أمة فلان أو بكتاب أعمالهم فيقال يا صاحب الشر وهو يوم القيامة «فمن أوتي» منهم «كتابه بيمينه» وهم السعداء أولو البصائر في الدنيا «فأولئك يقرءُون كتابهم ولا يُظلمون» ينقصون من أعمالهم «فتيلاً» قدر قشرة النواة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اذكر -أيها الرسول- يوم البعث مبشرًا ومخوفًا، حين يدعو الله عز وجل كل جماعة من الناس مع إمامهم الذي كانوا يقتدون به في الدنيا، فمن كان منهم صالحًا، وأُعطي كتاب أعماله بيمينه، فهؤلاء يقرؤون كتاب حسناتهم فرحين مستبشرين، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم الصالحة شيئًا، وإن كان مقدارَ الخيط الذي يكون في شَقِّ النواة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من أوتى كتابه بشماله فقال : ( وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) .والمراد بالعمى هنا : عمى القلب لا عمى العين ، بدليل قوله - تعالى - : ( فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ) والمعنى : ومن كان من بنى آدم فى هذه الدنيا أعمى القلب ، مطموس البصيرة ، بسبب إيثاره الكفر على الإِيمان ، فهو فى الدار الآخرة أشد عمى وأضل سبيلاً منه فى الدنيا ، لأنه فى الدنيا كان فى إمكانه أن يتدارك ما فاته أما فى الآخرة فلا تدارك لما فاته .وعبر - سبحانه - عن الذى أوتى كتابه بشماله بقوله - ( وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى ) للإِرشاد إلى العلة التى بسببها أصابه الشقاء فى الآخرة ، وهى - فقدانه النظر السليم ، وإيثاره الغى على الرشد ، والباطل على الحق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا ذكر أحوال درجاته في الآخرة في هذه الآية وفيها مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يدعو ﴾ بالياء والنون و ﴿ يدعى كل أناس ﴾ على البناء للمفعول وقرأ الحسن ﴿ يدعو كل أناس ﴾ قال الفراء وأهل العربية لا يعرفون وجهاً لهذه القراءة المنقولة عن الحسن ولعله قرأ ﴿ يدعى ﴾ بفتحة ممزوجة بالضم فظن الراوي أنه قرأ ﴿ يدعو ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يوم ندعو ﴾ نصب بإضمار اذكر ولا يجوز أن يقال العامل فيه قوله: ﴿ وفضلناهم  ﴾ لأنه فعل ماضٍ ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد ونفضلهم بما نعطيهم من الكرامة والثواب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبي إمام أمته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين وإمام القوم هو الذي يقتدي به في الصلاة وذكروا في تفسير الإمام هاهنا أقوال، القول الأول: إمامهم نبيهم روي ذلك مرفوعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون المعنى أنه ينادي يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بإيمانهم ثم ينادي يا أتباع فرعون يا أتباع نمروذ يا أتباع فلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر وعلى هذا القول فالباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ فيه وجهان.

الأول: أن يكون التقدير يدعو كل أناس بإمامهم تبعاً وشيعة لأمامهم كما تقول ادعوك باسمك.

والثاني: أن يتعلق بمحذوف وذلك المحذوف في موضع الحال كأنه قيل يدعو كل أناس مختلطين بإمامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب بجنوده.

والقول الثاني: وهو قول الضحاك وابن زيد ﴿ بإمامهم ﴾ أي بكتابهم الذي أنزل عليهم وعلى هذا التقدير ينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.

والقول الثالث: قال الحسن بكتابهم الذي فيه أعمالهم وهو قول الربيع وأبي العالية والدليل على أن هذا الكتاب يسمى إماماً قوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ شئ أحصيناه فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ  ﴾ فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماماً، وتقدير الباء على هذا القول بمعنى مع أي ندعو كل أناس ومعهم كتابهم كقولك ادفعه إليه برمته أي ومعه رمته.

القول الرابع: قال صاحب الكشاف ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بإمهاتهم وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا يفتضح أولاد الزنا ثم قال صاحب الكشاف وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته.

والقول الخامس: أقول في اللفظ احتمال آخر وهو أن أنواع الأخلاق الفاضلة والفاسدة كثيرة والمستولي على كل إنسان نوع من تلك الأخلاق فمنهم من يكون الغالب عليه الغضب ومنهم من يكون الغالب عليه شهوة النقود أو شهوة الضياع ومنهم من يكون الغالب عليه الحقد والحسد وفي جانب الأخلاق الفاضلة منهم من يكون الغالب عليه العفة أو الشجاعة أو الكرم أو طلب العلم والزهد إذا عرفت هذا فنقول: الداعي إلى الأفعال الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة فذلك الخلق الباطن كالإمام له والملك المطاع والرئيس المتبوع فيوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فهذا هو المراد من قوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم ﴾ فهذا الاحتمال خطر بالبال، والله أعلم بمراده ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال صاحب الكشاف إنما قال أولئك لأن من أوتي في معنى الجمع والفتيل القشرة التي في شق النواة وسمي بهذا الاسم لأنه إذا أراد الإنسان استخراجه انفتل وهذا يضرب مثلاً للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير في ضرب المثل به والمعنى لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل ونظيره قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً  ﴾ ، ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً  ﴾ وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال الفتيل هو الوسخ الذي يظهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته وهو فعيل من الفتل بمعنى مفتول فإن قيل لهم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أصحاب الشمال يقرؤونه أيضاً قلنا الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملاً على المهلكات العظيمة والقبائح الكاملة والمخازي الشديدة فيستولي الخوف والدهشة على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم على أحسن الوجوه وأثبتها ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارئ لأهل الحشر: ﴿ هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه  ﴾ فظهر الفرق، والله أعلم ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الأخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ونصر عن الكسائي ومن كان في هذه أعمى بالإمالة والكسر فهو في الآخرة أعمى بالفتح وقرأ بالفتح والتفخيم فيهما ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في رواية بالإمالة فيهما، قال أبو علي الفارسي الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أن المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى وبهذا التقدير تكون هذه الكلمة تامة فتقبل الإمالة وأما في الكلمة الثانية فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل فكانت بمعنى أفعل من وبهذا التقدير لا تكون لفظة أعمى تامة فلم تقبل الإمالة والحاصل أن إدخال الإمالة في الأولى دل على أنه ليس المراد أفعل التفضيل وتركها في الثانية يدل على أن المراد منها أفعل التفضيل، والله أعلم.

المسألة الثانية: لا شك أنه ليس المراد من قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الأخرة أعمى ﴾ عمى البصر بل المراد منه عمى القلب، أما قوله فهو في الآخرة أعمى ففيه قولان: القول الأول: أن المراد منه أيضاً عمى القلب وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: اقرأ ما قبلها فقرأ ﴿ رَبَّكُمُ الذي يُزْجِى لَكُمُ الفلك فِي البحر  ﴾ إلى قوله: ﴿ تَفْضِيلاً  ﴾ قال ابن عباس من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلا وعلى هذا الوجه فقوله في هذه إشارة إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة.

وثانياً: روى أبو ورق عن الضحاك عن ابن عباس قال من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السموات والأرض والبحار والجبال والناس والدواب فهو عن أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلاً وأبعد عن تحصيل العلم به وعلى هذا الوجه فقوله فمن كان في هذه إشارة إلى الدنيا وعلى هذين القولين فالمراد من كان في الدنيا أعمى القلب عن معرفة هذه النعم والدلائل فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى فالعمى في المرتين حصل في الدنيا.

وثالثها: قال الحسن من كان في الدنيا ضالاً كافراً فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته وفي الدنيا يهتدي إلى التخلص من أبواب الآفات وفي الآخرة لا يهتدي إلى ذلك ألبتة.

ورابعها: أنه لا يمكن حمل العمى الثاني على الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة فكان المراد منه العمى عن طريق الجنة أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفة الله فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة.

وخامسها: أن الذين حصل لهم عمى القلب في الدنيا إنما حصلت هذه الحالة لهم لشدة حرصهم على تحصيل الدنيا وابتهاجهم بلذاتها وطيباتها فهذه الرغبة تزداد في الآخرة وتعظم هناك حسرتها على فوات الدنيا وليس معهم شيء من أنوار معرفة الله تعالى فيبقون في ظلمة شديدة وحسرة عظيمة فذاك هو المراد من العمى.

القول الثاني: أن يحمل العمى الثاني على عمى العين والبصر فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين والبصر كما قال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا  قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ  ﴾ وقال: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا  ﴾ وهذا العمى زيادة في عقوبتهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ يدعو ﴾ ، بالياء والنون.

ويدعى كل أناس، على البناء للمفعول.

وقرأ الحسن ﴿ يدعوا كل أناس ﴾ ، على قلب الألف واواً في لغة من يقول: افعوا.

والظرف نصب بإضمار اذكر.

ويجوز أن يقال: إنها علامة الجمع، كما في ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [الأنبياء: 3] والرفع مقدّر كما في يدعى، ولم يؤت بالنون قلة مبالاة بها، لأنها غير ضمير، ليست إلا علامة ﴿ بإمامهم ﴾ بمن ائتموا به من نبيّ أو مقدّم في الدين، أو كتاب، أو دين، فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا وكتاب كذا، وقيل: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا أصحاب كتاب الخير، ويا أصحاب كتاب الشرّ.

وفي قراءة الحسن ﴿ بكتابهم ﴾ ومن بدع التفاسير: أن الإمام جمع أمّ، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الاباء رعاية حق عيسى عليه السلام، وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا.

وليت شعري أيهما أبدع؟

أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟

﴿ فَمَنْ أُوتِىَ ﴾ من هؤلاء المدعوّين ﴿ كتابه بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم ﴾ قيل أولئك، لأن من أوتي في معنى الجمع.

فإن قلت: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم؟

كأن أصحاب الشمال لا يقرؤن كتابهم؟

قلت: بلى، ولكن إذا اطلعوا على ما في كتابهم، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء على جناياته، والاعتراف بمساويه، أمام التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل والانخزال، وحبسة اللسان، والتتعتع، والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب عن تسوية القول؛ فكأن قراءتهم كلا قراءة.

وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم أنهم يقرؤن كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم حتى يقول القارئ لأهل المحشر: ﴿ هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه ﴾ [الحاقة: 19] .

﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء، كقوله ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ [مريم: 60] ، ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً ﴾ [طه: 112] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ نَدْعُوا ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ ظَرْفٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ ﴾ ، وقُرِئَ « يَدْعُو» و « يَدْعِي» و « يَدْعُو» عَلى قَلْبِ الألِفِ واوًا في لُغَةِ مَن يَقُولُ أفْعُو في أفْعى، أوْ عَلى أنَّ الواوَ عَلامَةُ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أوْ ضَمِيرُهُ وكُلٌّ بَدَلٌ مِنهُ والنُّونُ مَحْذُوفَةٌ لِقِلَّةِ المُبالاةِ بِها فَإنَّها لَيْسَتْ إلّا عَلامَةَ الرَّفْعِ، وهو قَدْ يَقْدِرُ كَما في « يَدْعِي» .

﴿ كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ.

وقِيلَ بِكِتابِ أعْمالِهِمُ الَّتِي قَدَّمُوها فَيُقالُ يا صاحِبَ كِتابِ كَذا، أيْ تَنْقَطِعُ عَلَقَةُ الأنْسابِ وتَبْقى نِسْبَةُ الأعْمالِ.

وقِيلَ بِالقُوى الحامِلَةِ لَهم عَلى عَقائِدِهِمْ وأفْعالِهِمْ.

وقِيلَ بِأُمَّهاتِهِمْ جَمْعٌ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ، إجْلالُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا.

﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ مِنَ المَدْعُوِّينَ.

﴿ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ أيْ كِتابَ عَمَلِهِ.

﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ابْتِهاجًا وتَبَجُّحًا بِما يَرَوْنَ فِيهِ.

﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ولا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِهِمْ أدْنى شَيْءٍ، وجُمِعَ اسْمُ الإشارَةِ والضَّمِيرُ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، وتَعْلِيقُ القِراءَةِ بِإيتاءِ الكِتابِ بِاليَمِينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ إذا اطَّلَعَ عَلى ما فِيهِ غَشِيَهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ ما يَحْبِسُ ألْسِنَتَهم عَنِ القِراءَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهم مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يوم ندعوا} منصوب باذكر {كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم} الباء للحال والتقدير مختلطين بامهم أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين فيقال يا أتباع فلان يا أهل دين كذا أو كتاب كذا وقيل بكتاب أعمالهم فيقال يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب الشر {فَمَنْ أُوتِىَ} من هؤلاء المدعوين {كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم} وإنما قيل أولئك لأن من في معنى الجمع {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ تَفاوُتِ أحْوالِ بَنِي آدَمَ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ حالِهِمْ في الدُّنْيا و( يَوْمَ ) مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيِ اذْكُرْ يَوْمَ نَدْعُو...

إلَخْ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ( لا يُظْلَمُونَ ) ولَمْ يُجْعَلْ ظَرْفًا لَهُ بِناءً عَلى أنَّ الفاءَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها ولَوْ ظَرْفًا، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وهو مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ والخَبَرُ جُمْلَةُ: ﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ إلَخْ ويُقَدَّرُ لِلرَّبْطِ فِيها فِيهِ، وفِيهِ أنَّ المُنْقَسِمَ إلى مُتَمَكِّنٍ وغَيْرِ مُتَمَكِّنٍ هو الِاسْمُ لا الفِعْلُ وما في حَيِّزِهِ هُنا فِعْلٌ مُضارِعٌ عَلى أنَّ بِناءَ أسْماءِ الظُّرُوفِ المُضافَةِ إلى جُمْلَةٍ هو أحَدُ رُكْنَيْها بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ ومَعَ هَذا هو تَخْرِيجٌ مُتَكَلَّفٌ.

وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُهُ ظَرْفًا لِفَضَّلْناهم قالَ: وتَفْضِيلُ البَشَرِ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ يَوْمَ القِيامَةِ «بَيِّنٌ» وبِهِ قالَ بَعْضُ النُّحاةِ إلّا أنَّهُ قالَ: فَضَّلْناهم بِالثَّوابِ، وفِيهِ أنَّهُ: أيُّ تَفْضِيلٍ لِلْبَشَرِ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ والكُفّارُ مِنهم أخَسُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُقالَ: يَكْفِي في تَفْضِيلِ الجِنْسِ تَفْضِيلُ بَعْضِ أفْرادِهِ؛ ألا تَرى صِحَّةَ الرِّجالِ أفْضَلَ مِنَ النِّساءِ مَعَ أنَّ مِنَ النِّساءِ مَن هي أفْضَلُ مِن بَعْضِ الرِّجالِ بِمَراتِبَ، وأيْضًا إذا أُرِيدَ التَّفْضِيلُ بِالثَّوابِ لا يَصِحُّ إخْراجُ المَلائِكَةِ لِأنَّ جِنْسَ البَشَرِ يُثابُونَ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُثابُونَ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَحَلِّهِ، ثُمَّ إنَّهم يُشارِكُهم في الثَّوابِ الجِنُّ لِأنَّ مُؤْمِنِيهِمْ يُثابُونَ كَما يُثابُ البَشَرُ عِنْدَ بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ ثَوابَهم دُونَ ثَوابِهِمْ لِأنَّهم لا يَرَوْنَ اللَّهَ تَعالى في الجَنَّةِ عِنْدَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُرى فِيها فالبَشَرُ مُفَضَّلُونَ عَلَيْهِمْ في الثَّوابِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وقِيلَ: ظَرْفُ ﴿ يَقْرَءُونَ ﴾ أوْ ما دَلَّ عَلَيْهِ، وفِيهِ أنَّهم لا يَقْرَؤُونَ كِتابَهم وقْتَ الدَّعْوَةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِيَوْمِ يُدْعَوْنَ وقْتٌ طَوِيلٌ وهو اليَوْمُ الآخِرُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ما يَكُونُ ويَبْقى في جَعْلِهِ ظَرْفًا لِلْمَذْكُورِ حَدِيثُ الفاءِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو ظَرْفٌ لِنُعِيدُكم مَحْذُوفًا، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِيَسْتَجِيبُونَ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَتى هُوَ ﴾ وهي أقْوالٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وأقْرَبُ الأقْوالِ وأقْواها ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا.

والإمامُ المُقْتَدى بِهِ والمُتَّبَعُ عاقِلًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِنَدْعُو؛ أيْ: نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ مِن بَنِي آدَمَ الَّذِينَ فَعَلْنا بِهِمْ في الدُّنْيا ما فَعَلْنا مِنَ التَّكْرِيمِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِمَنِ ائْتَمُّوا بِهِ مِن نَبِيٍّ أوْ مُقَدَّمٍ في الدِّينِ أوْ كِتابٍ أوْ دِينٍ فَيُقالُ: يا أتْباعَ فُلانٍ، يا أهْلَ دِينِ كَذا أوْ كِتابِ كَذا.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  في الآيَةِ: ««يُدْعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ كِتابِ رَبِّهِمْ وسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ»» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إمامُ هُدًى وإمامُ ضَلالَةٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: بِإمامِهِمْ بِكِتابِ أعْمالِهِمْ فَيُقالُ: يا أصْحابَ كِتابِ الخَيْرِ، يا أصْحابَ كِتابِ الشَّرِّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ والحَسَنِ.

وقُرِئَ: «بِكِتابِهِمْ» ولَعَلَّ وجْهَ كَوْنِ ذَلِكَ إمامَهم أنَّهم مُتَّبِعُونَ لِما يَحْكُمُ بِهِ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ: هو كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَبِيُّهُمُ الَّذِي بُعِثَ إلَيْهِمْ.

واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَغَيْرِهِ عُمُومَ الإمامِ لِما ذُكِرَ في الآثارِ، وقِيلَ: المُرادُ القُوى الحامِلَةُ لَهم عَلى عَقائِدِهِمْ وأفْعالِهِمْ كالقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ والقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والشَّهَوِيَّةِ سَواءٌ كانَتِ الشَّهْوَةُ شَهْوَةَ النُّقُودِ أوِ الضِّياعِ أوِ الجاهِ والرِّياسَةِ ولِاتِّباعِهِمْ لَها دُعِيَتْ إمامًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَأْثُورٍ بَعِيدٌ جِدًّا فَلا يُقْتَدى بِقائِلِهِ وإنْ كانَ إمامًا.

وفِي الكَشّافِ أنَّ مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الإمامَ جَمْعُ أُمٍّ كَخُفٍّ وخِفافٍ وأنَّ النّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ الحِكْمَةَ في الدُّعاءِ بِهِنَّ دُونَ الآباءِ رِعايَةُ حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ ولا يَفْضَحُ أوْلادَ الزِّنا، ولَيْتَ شِعْرِي أيُّهُما أبْدَعُ؟

أصِحَّةُ تَفْسِيرِهِ أمْ بَهاءُ حَكَمْتِهِ انْتَهى.

وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

ووَجْهُ عَدَمِ قَبُولِهِ عَلى ما في الكَشْفِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ «إمامَ» جَمْعَ أُمٍّ غَيْرُ شائِعٍ وإنَّما المَعْرُوفُ الأُمَّهاتُ.

وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ رِعايَةَ حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في امْتِيازِهِ بِالدُّعاءِ بِالأُمِّ فَإنَّ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ كَرامَةٌ لَهُ لا غَضَّ مِنهُ لِيُجْبَرَ بِأنَّ النّاسَ أُسْوَتُهُ في انْتِسابِهِمْ إلى الأُمَّهاتِ، وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنَيْنِ بِدُونِ ذَلِكَ أتَمُّ؛ فَإنَّ أباهُما خَيْرٌ مِن أُمِّهِما مَعَ أنَّ أهْلَ البَيْتِ كَحَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ، وأمّا افْتِضاحُ أوْلادِ الزِّنا فَلا فَضِيحَةَ إلّا لِلْأُمَّهاتِ وهي حاصِلَةٌ دُعِيَ غَيْرُهم بِالأُمَّهاتِ أوْ بِالآباءِ ولا ذَنْبَ لَهم في ذَلِكَ حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِافْتِضاحُ انْتَهى، وما ذُكِرَ مِن عَدَمِ شُيُوعِ الجَمْعِ المَذْكُورِ بَيِّنٌ، وأمّا الطَّعْنُ في الحِكْمَةِ فَقَدْ تُعُقِّبَ فَإنَّ حاصِلَها إنَّهُ لَوْ دُعِيَ جَمِيعُ النّاسِ بِآبائِهِمْ ودُعِيَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأُمِّهِ لَرُبَّما أشْعَرَ بِنَقْصٍ فَرُوعِيَ تَعْظِيمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ودُعِيَ الجَمِيعُ بِالأُمَّهاتِ وكَذا رُوعِيَ تَعْظِيمُ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِما أنَّ في ذَلِكَ بَيانَ نَسَبِهِما مِن رَسُولِ اللَّهِ  ولَوْ نَسَبًا إلى أبِيهِما كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ يُفْهَمْ هَذا، وإنْ كانَ هو هو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وفي ذَلِكَ أيْضًا سَتْرٌ عَلى الخَلْقِ حَتّى لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا فَإنَّهُ لَوْ دُعِيَ النّاسُ بِآبائِهِمْ ودُعُوا هم بِأُمَّهاتِهِمْ عُلِمَ أنَّهم لا نِسْبَةَ لَهم إلى آباءٍ يُدْعَوْنَ بِهِمْ وفِيهِ تَشْهِيرٌ لَهم ولَوْ دُعُوا بِآباءٍ لَمْ يُعْرَفُوا بِهِمْ في الدُّنْيا وإنْ لَمْ يُنْسَبُوا إلَيْهِمْ شَرْعًا كانَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا يَسْقُطُ ما في الكَشْفِ، وعِنْدِي أنَّ القائِلَ بِذَلِكَ لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِخَبَرٍ لِأنَّهُ خِلافُ ما يَنْساقُ إلى الأذْهانِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها ولا تَكادُ تَسْلَمُ حِكْمَتُهُ عَنْ وهَنٍ ولا يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفْسَدَ الدَّهْرُ.

ولَعَلَّ الخَبَرَ إنْ كانَ لَيْسَ بِالصَّحِيحِ ويُعارِضُهُ ما قَدَّمْناهُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِن قَوْلِهِ  : ««إنَّكم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأسْمائِكم وأسْماءِ آبائِكم فَأحْسِنُوا أسْماءَكُمْ»».

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وما ذُكِرَ مِن تَعَلُّقِ الجارِّ بِما عِنْدَهُ هو الظّاهِرُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مَصْحُوبِينَ بِإمامِهِمْ، ثُمَّ إنِ الدّاعِيَ إمّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وإمّا المَلَكُ، وهو الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ الآثارُ، فَإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ: «يَدْعُو» بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ؛ أيْ: يَدْعُو اللَّهُ تَعالى أوِ المَلَكُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: «يُدْعى» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: «يُدْعَوْا» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ بَعْدَها واوٌ ورَفْعِ ( كُلُّ ) وخُرِّجَتْ عَلى وجْهَيْنِ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ يُدْعَوْنَ بِإثْباتِ النُّونِ الَّتِي هي عَلامَةُ الرَّفْعِ الأوَّلِ إنَّ الواوَ لَيْسَتْ ضَمِيرَ جَمْعٍ ولا عَلامَتَهُ وإنَّما هي حَرْفٌ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، وكانَتْ ألِفًا والأصْلُ يُدْعى كَما في القِراءَةِ الأُخْرى وقُلِبَتِ الألِفُ واوًا عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ في أفْعى وهي الحَيَّةُ أفْعُو، وهَذِهِ اللُّغَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالوَقْفِ عَلى المَشْهُورِ فَيَكُونُ قَدْ أُجْرِيَ هُنا الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ قَلْبَ الألِفِ في الآخِرِ واوًا لُغَةٌ مُطْلَقًا، والثّانِي أنَّ الواوَ ضَمِيرٌ أوْ عَلامَةٌ كَما في يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ، والنُّونُ مَحْذُوفَةٌ كَما في قَوْلِهِ  : ««لا تُؤْمِنُوا حَتّى تَحابُّوا وكَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكُمْ»».

في قَوْلٍ، وكَذا في قَوْلِ الشّاعِرِ: أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدْلُكِي وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِي وكَأنَّها لِكَوْنِها عَلامَةَ إعْرابٍ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ حَرَكَتِهِ في إظْهارِها تارَةً وتَقْدِيرِها أُخْرى، ولا فَرْقَ في كَوْنِها عَلامَةَ إعْرابٍ بَيْنَ أنْ تَكُونَ الواوُ ضَمِيرًا وأنْ تَكُونَ عَلامَةَ جَمْعٍ عَلى الصَّحِيحِ، والظّاهِرُ أنَّ حَذْفَها في مِثْلِ ما ذُكِرَ شاذٌّ لا ضَرُورَةً؛ وإلّا فَلا يَصِحُّ هَذا التَّخْرِيجُ في الآيَةِ، وفي تَوْجِيهِ رَفْعِ ( كُلُّ ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الأقْوالُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ في أمْثالِهِ وهي مَشْهُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ ﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ يَوْمَئِذٍ مِن أُولَئِكَ المَدْعُوِّينَ ﴿ كِتابَهُ ﴾ صَحِيفَةَ أعْمالِهِمْ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَتِها ﴿ بِيَمِينِهِ ﴾ إبانَةً لِخَطَرِ الكِتابِ المُؤْتى وتَشْرِيفًا لِصاحِبِهِ وتَبْشِيرًا لَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِما في مَطاوِيهِ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ وكَأنَّهُ أُشِيرَ بِذَلِكَ إلى أنَّهم حِزْبٌ مُجْتَمِعُونَ عَلى شَأْنٍ جَلِيلٍ، وقِيلَ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ قِراءَتَهم لِكُتُبِهِمْ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ لا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ كَما في حالِ الإيتاءِ، وأكْثَرُ الأخْبارِ ظاهِرَةٌ في أنَّ حالَ القِراءَةِ كَحالِ الإيتاءِ، نَعَمْ جاءَ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أنَّهُ يُؤْتى العَبْدُ كِتابُهُ بِيَمِينِهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ ويَقْرَأُ النّاسُ حَسَناتِهِ ثُمَّ يُحَوَّلُ الصَّحِيفَةُ فَيُحَوِّلُ اللَّهُ تَعالى حَسَناتِهِ فَيَقْرَؤُها النّاسُ فَيَقُولُونَ: ما كانَ لِهَذا العَبْدِ مِن سَيِّئَةٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ بَعْدَ أنْ يَقْرَأهُ مُنْفَرِدًا يَأْتِي أصْحابَهُ ويَقُولُ: ﴿ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ فَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ويَقْرَؤُونَهُ ويَقْرَؤُهُ هو أيْضًا مَعَهم تَلَذُّذًا بِهِ لَكِنْ لَمْ نَجِدْ في ذَلِكَ أثَرًا، ومَعَ هَذا لا يُجْدِي نَفْعًا فِيما أرادَ القائِلُ، وفي إلْحاقِ اسْمِ الإشارَةِ عَلامَةَ البُعْدِ إشارَةٌ إلى رِفْعَةِ دَرَجاتِ المُشارِ إلَيْهِمْ؛ أيْ: أُولَئِكَ المُخْتَصُّونَ بِتِلْكَ الكَرامَةِ الَّتِي يُشْعِرُ بِها إيتاءُ الكِتابِ بِاليَمِينِ ﴿ يَقْرَءُونَ ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُونُوا قارِئِينَ في الدُّنْيا ﴿ كِتابَهُمْ ﴾ الَّذِي أُوتُوهُ بِاليَمِينِ لِيَذْكُرُوا أعْمالَهم ويَقِفُوا عَلى تَفاصِيلِها فَيُحاسَبُوا عَلَيْها.

وقِيلَ يَقْرَؤُونَهُ تَبَجُّحًا بِما سُطِّرَ فِيهِ مِنَ الحَسَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِفُنُونِ الكَراماتِ.

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ ﴿ ولا يُظْلَمُونَ ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أُجُورِ أعْمالِهِمُ المُرْتَسَمَةِ في كُتُبِهِمْ بَلْ يُؤْتُونَها مُضاعَفَةً ﴿ فَتِيلا ﴾ أيْ: قَدْرَ فَتِيلٍ وهو القِشْرُ الَّذِي في شَقِّ النَّواةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى هَيْئَةِ الشَّيْءِ المَفْتُولِ، وقِيلَ: هو ما تَفْتِلُهُ بَيْنَ أصابِعِكَ مِن خَيْطٍ أوْ وسَخٍ ويُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يُسْرِعُ إلى الذِّهْنِ أنَّ فاعِلَ الإيتاءِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُعْطُونَ السَّعِيدَ بَعْدَ أنْ يُدْعى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقْرَؤُهُ فَيُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا.

لَكِنْ أخْرَجَ العُقَيْلِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: ««الكُتُبُ كُلُّها تَحْتَ العَرْشِ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْعَثُ اللَّهُ تَعالى رِيحًا فَتُطَيِّرُها إلى الأيْمانِ والشَّمائِلِ وأوَّلُ خَطٍّ فِيها ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ » وهو ظاهِرٌ في أنَّ فاعِلَ الإيتاءِ لَيْسَ المَلَكَ إلّا أنَّ الخَبَرَ يَحْتاجُ إلى تَنْقِيرٍ؛ فَإنِّي لَسْتُ مِن صِحَّتِهِ عَلى يَقِينٍ.

نَعَمْ جاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ عائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَذْكُرُ الحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؟

قالَ: أمّا عِنْدَ ثَلاثٍ فَلا -إلى أنْ قالَ: وعِنْدَ تَطايُرِ الكُتُبِ»».

وهُوَ مُؤَيِّدٌ بِظاهِرِهِ الخَبَرَ السّابِقَ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ أوَّلَ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، وأوَّلُ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ أخُوهُ الأسْوَدُ سَوَّدَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ أنْ يَمُدَّ يَمِينَهُ لِيَأْخُذَهُ بِها فَيَخْلَعُها مَلَكٌ، وسَبَبُ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بعقولهم.

وقال الضحاك: كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بالعقل والتمييز.

ويقال: إن الله تعالى خلق نبات الأرض والأشجار وجعل فيها، لأنه ينمو ويزداد بنفسه ما دام فيه الروح، فإذا يبس خرج منه وانقطع نماؤه وزيادته.

وخلق الدواب وجعل لهن زيادة روح تطلب بها رزقها، وتسمع منه الصوت.

وخلق بني آدم وجعل لهم زيادة روح، يعقلون بها ويميزون ويعلمون.

وخلق الأنبياء وجعل لهم زيادة روح، يبصرون بها الملائكة ويأخذون بها الوحي ويعرفون أمر الآخرة.

ثم قال: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي: حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على الرطوبة أي على ظهر الدواب، وفي البحر على اليبوسة وهي السفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أي: الحلال ويقال: من نبات الحبوب والفواكه والعسل، وجعل رزق البهائم التبن والشوك.

وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا، يعني: على الجن والشياطين والبهائم.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «فضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة: جبريل وميكاييل وإسرافيل وأشباههم منهم» ، وروي عن أبي هريرة أنه قال: «المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده» .

قوله عز وجل: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ، أي: بكتابهم، ويقال بداعيهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى، يدعى إمامهم قبلهم وقال أبو العالية: بِإِمامِهِمْ أي بأعمالهم، وقال مجاهد: بنبيهم.

وقال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم.

فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ، أي: يقرءون حسناتهم ويعطون ثواب حسناتهم.

وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، يعني: لا يمنعون من ثواب أعمالهم مقدار الفتيل، وهو ما فتلته من الوسخ بين أصبعيك.

ثم قال الله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى، أي من كان في هذه النعم أعمى، يعني: لم يعلم أنها من الله، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى عن حجته، وَأَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أضلّ عن حجته.

قال مجاهد: مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عن الحجة فهو فى الاخرة أعمى عن الحجة وَأَضَلُّ سَبِيلًا، أي أخطأ طريقاً، وقال قتادة: مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عمَّا عاين من نعم الله وخلقه ومن عجائب الله، فَهُوَ فِى الاخرة التي هي غائبة عنه ولم يرها أعمى.

وقال مقاتل: فيه تقديم ومعناه وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.

ومن كان عن هذه النعم أعمى، فهو عما غاب عنه من أمر الآخرة أعمى.

وقال الزجاج: معناه إذا عمي في الدنيا وقد تبين له الهدى وجعل إليه التوبة وضله عن رشده، فهو في الآخرة لا يجد متاباً ولا مخلصاً مما هو فيه، فهو أشد عمًى وأضلّ سبيلاً أي أضل طريقاً، لأنه لا يجد طريقاً إلى الهداية فقد حصل على عمله.

وذكر عن الفراء أنه قال: تأويله من كان في هذه النعم التي ذكرتها أعمى، لا يعرف فضلها ولا يشكر عليها وهي محسوسة، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى يعني: أشد شكاً في الذي هو غائب عنه في الآخرة من الثواب والعقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

توقيفٌ على آلاء اللَّه وفَضْلِهِ ورحمته بعباده، والضُّرُّ، هنا لفظ يعمُّ الغرق وغيره، وأهوال حالات البحر واضطرابه وتموجه، وضَلَّ معناه تلف وفُقِدَ.

وقوله: أَعْرَضْتُمْ، أي: فلم تفكِّروا في جميل صنع اللَّه بكم.

وقوله: كَفُوراً أي: بالنعم والْإِنْسانُ هنا: الجنس، «والحاصب» : العارض الرامي بالبَرَدِ والحجارةِ ومنه الحاصب الذي أصَابَ قوْمَ لوطٍ، «والحَصْبُ» الرمْيُ بالحَصْبَاء، «والقاصف» : الذي يَكْسِر كلَّ ما يلقى ويقصفه، و «تارة» معناه: مرَّة أخرى، «والتبيع» الذي يطلب ثأْراً أو دينا ومن هذه اللفظة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيُتْبِعْ» فالمعنى: لا تجدون مَنْ يَتَتَبَّع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وهذه الآيات أنوارها واضحة للمهتدين.

وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣)

وقوله جلَّت عظمته وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ...

الآية: عدَّد اللَّه سبحانه على بني آدم ما خصَّهم به من المزايا مِنْ بين سائر الحيوان، ومن أفضل ما أكْرَم به الآدِميَّ/ العقْلُ الذي به يعرفُ اللَّه تعالى، ويفهم كلامه، ويوصِّل إِلى نعيمه.

وقوله سبحانه: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا المراد ب «الكثير المفضولِ» الحيوانُ والجنُّ، وأما الملائكة، فهم الخارجون عن الكثير المفضول، وليس في الآية ما يقتضي أن الملائكة أفضَلُ من الإِنسِ كما زعمت فرقة بل الأمر محتملٌ أنْ يكونوا أفضَلَ من الإِنس، ويحتمل التساوي.

وقوله سبحانه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ يحتمل أن يريد باسْمِ إِمامهم، فيقول: يا أمة محمَّد، ويا أتباع فِرْعَوْنَ، ونحو هذا، ويحتمل أن يريد: مع إِمامهم أنْ تجيء كل أمَّة معها إِمامها من هادٍ ومضلٍّ، واختلف في «الإمام» ، فقال ابن عباس والحسن:

كتابهم الذي فيه أعمالهم «١» ، وقال قتادة ومجاهد: نبيهم «٢» ، وقال ابن زيد: كتابهم الذي

نَزَلَ عليهم «١» ، وقالت فرقة: متَّبَعُهُمْ مِنْ هادٍ أو مُضِلٍّ، ولفظة «الإِمام» تعمُّ هذا كلَّه.

وقوله سبحانه: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ: حقيقةٌ في أن في القيامة صحائفَ تتطاير، وتوضعُ في الأيْمَان لأهل الأَيْمانَ، وفي الشمائل لأهل الكُفْر والخذلان، وتوضع في أيمان المذْنِبِين الذين يَنْفُذُ عليهم الوعيد، فيستفيدون منها أنهم غَيْرُ مخلّدين في النار.

وقوله سبحانه: يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ: عبارةٌ عن السرور بها، أي: يردِّدونها ويتأمَّلونها.

وقوله سبحانه: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي: ولا أقلَّ، وقوله سبحانه: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الإِشارة ب هذِهِ إلى الدنيا، أي:

مَنْ كان في هذه الدارِ أعمى عن النظرِ في آيات اللَّه وعِبَرِه، والإِيمان بأنبيائه «٢» ، فهو في الآخرة أعمى على معنى أنه حيرانُ لا يتوجَّه لصوابٍ ولا يلوحُ له نُجْحٌ.

قال مجاهد: فهو في الآخرةِ أعمى عن حُجَّته «٣» ، ويحتمل أنْ يكون صفةَ تفضيلٍ، أي: أشدُّ عمًى وحيرةً لأنه قد باشر الخَيْبة ورأى مخايل العذاب ويقوِّي هذا التَّأويل قوله، عطفاً عليه: وَأَضَلُّ سَبِيلًا الذي هو «أَفْعَلُ مِنْ كَذَا» والعمى في هذه الآية هو عَمَى القلب، وقولُ سِيَبَوَيْه: لا يقال أعمى مِنْ كَذَا، إِنما هو في عمى العينِ الذي لا تفاضُلَ فيه، وأما في عمى القْلبِ، فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل ت: وكذا قال ص وقوله سبحانه: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ...

الآية: الضمير في قوله: كادُوا هو لقريشٍ، وقيل: لثقيفٍ، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلَتِ الآية، لأنهم قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لاَ نَدَعُكَ تستلمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حتى تَمَسَّ أيضاً أوثانَنَا على معنى التشرُّع «٤» ، وقال ابن إسحاق وغيره: إِنهم اجتمعوا إليه ليلةً، فعظَّموه، وقالوا له: أنْتَ سيِّدنا، ولكنْ أَقْبِلْ على بعض أمْرنا، ونُقْبِلُ على بعض أمرك، فنزلَتِ الآية في ذلك «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: اذْكُرْ، ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ والمُرادُ بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( يَوْمَ يَدْعُو ) بِالياءِ، ( كُلَّ ) بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يُدْعى ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ، وفَتْحِ العَيْنِ، وبَعْدها ألِفٌ، ( كُلُّ ) بِالرَّفْعِ.

وَفِي المُرادِ بِإمامِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَئِيسُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: إمامُ هُدًى، أوْ إمامُ ضَلالَةٍ.

والثّانِي: عَمَلُهُمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: نَبِيُّهُمْ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: كِتابُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: كِتابُهُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا مُتَّبِعِي مُوسى، يا مُتَّبِعِي عِيسى، يا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، ويُقالُ: يا مُتَّبِعِي رُؤَساءِ الضَّلالَةِ.

وعَلى الثّانِي: يا مَن عَمِلَ كَذا وكَذا.

وعَلى الثّالِثِ: يا أُمَّةَ مُوسى، يا أُمَّةَ عِيسى، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.

وعَلى الرّابِعِ: يا أهْلَ التَّوْراةِ، يا أهْلَ الإنْجِيلِ، يا أهْلَ القُرْآَنِ.

أوْ يا صاحِبَ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ عَمِلَ كَذا وكَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَقْرَؤُونَ حَسَناتِهِمْ؛ لِأنَّهم أخَذُوا كُتُبَهم بِإيمانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ؛ أيْ: لا يَنْقُصُونَ مِن ثَوابِهِمْ بِقَدْرِ الفَتِيلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ٤٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( أعْمى فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى ) مَفْتُوحَتَيِ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ المِيمَيْنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( في هَذِهِ أعْمى ) بِكَسْرِ المِيمِ، ( فَهو في الآَخَرَةِ أعْمى ) بِفَتْحِها.

وَفِي المُشارِ إلَيْها بـِ " هَذِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ في خَلْقِ الأشْياءِ، فَهو عَمّا وُصِفَ لَهُ في الآَخِرَةِ أعْمى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى بِالكُفْرِ فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى؛ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وفي الآَخِرَةِ لا تُقْبَلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: مَن عَمِيَ عَنْ آَياتِ اللَّهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنِ الَّذِي غَيَّبَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآَخِرَةِ أشَدُّ عَمًى.

والرّابِعُ: مَن عَمِيَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي بَيَّنَها في قَوْلِهِ: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ تَفْضِيلا ﴾ ، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنْ رَشادِهِ وصَلاحِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والخامِسُ: مَن كانَ فِيها أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

والثّانِي: أنَّها النِّعَمُ.

ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن كانَ أعْمى عَنِ النِّعَمِ الَّتِي تُرى وتُشاهَدُ، فَهو في الآَخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ أعْمى، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن كانَ أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ حَقِّ اللَّهِ في هَذِهِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ولَمْ يُؤَدِّ شُكْرَها، فَهو فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ أعْمى " وأضَلُّ سَبِيلًا "، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ؛ أيْ: أشَدُّ عَمى؛ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا يُمْكِنُهُ الخُرُوجَ عَنْ عَماهُ بِالِاسْتِدْلالِ، ولا سَبِيلَ لَهُ في الآَخِرَةِ إلى الخُرُوجِ مِن عَماهُ.

وقِيلَ: مَعْنى العَمى في الآَخِرَةِ: أنَّهُ لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ الثَّوابِ، وهَذا كُلُّهُ مِن عَمى القَلْبِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: أشَدُّ عَمًى؛ لِأنَّ العَمى خِلْقَةٌ بِمَنزِلَةِ الحُمْرَةِ والزُّرْقَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ما أشَدَّ سَوادَ زَيْدٍ، وما أبْيَنَ زُرْقَةَ عَمْرٍو، وقَلَّما يَقُولُونَ: ما أسْوَدَ زَيْدًا، وما أزْرَقَ عَمْرًا ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى: عَمى القَلْبِ، وذَلِكَ يَتَزايَدُ ويَحْدُثُ مِنهُ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ، فَيُخالِفُ الخِلَقَ اللّازِمَةَ الَّتِي لا تَزِيدُ، نَحْوُ عَمى العَيْنِ، والبَياضِ، والحُمْرَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ﴾ "كَرَّمْنا" تَضْعِيفُ "كَرَمَ"، فالمَعْنى: جَعَلَنا لَهم كَرَمًا، أيْ شَرَفًا وفَضْلًا، وهَذا هو كَرَمُ نَفْيِ النُقْصانِ، لا كَرَمَ المالِ، وإنَّما هو كَما تَقُولُ: "ثَوْبٌ كَرِيمٌ"، أيْ: جَمَّةٌ مَحاسِنُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها عَلى بَنِي آدَمَ ما خَصَّهم بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَوانِ.

والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ.

حَمَلَهم في البَرِّ والبَحْرِ مِمّا لا يَصْلُحُ لِحَيَوانٍ سِوى بَنِي آدَمَ أنْ يَكُونَ يَحْمِلُ بِإرادَتِهِ وقَصْدِهِ وتَدْبِيرِهِ في البَرِّ والبَحْرِ جَمِيعًا.

والرِزْقُ مِنَ الطَيِّباتِ، ولا يَنْتَفِعُ فِيهِ حَيَوانٌ انْتِفاعَ بَنِي آدَمَ ؛ لِأنَّهم يَكْسِبُونَ المالَ خاصَّةً دُونَ الحَيَوانِ، ويَلْبَسُونَ الثِيابَ، ويَأْكُلُونَ المَرْكَباتِ مِنَ الأطْعِمَةِ، غايَةُ كُلِّ حَيَوانٍ أنْ يَأْكُلَ لَحْمًا نَيِّئًا، أو طَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ.

و"الرِزْقُ": كُلُّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: التَفْضِيلُ هو أنْ يَأْكُلَ بِيَدَيْهِ؛ وسائِرُ الحَيَوانِ بِالفَمِ.

وقالَ غَيْرُهُ: وأنْ يَنْظُرَ مِن إشْرافٍ أكْثَرَ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ويَمْشِي قائِمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَفْضِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُحْذِقٍ، وذَلِكَ لِلْحَيَوانِ مِن هَذا النَوْعِ ما كانَ يُفَضِّلُ بِهِ ابْنَ آدَمَ، كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ وشَجاعَةِ الأسَدِ وكَرَمِ الدِيكِ، وإنَّما التَكْرِيمُ والتَفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وبِهِ يَعْرِفُ اللهَ تَعالى، ويَفْهَمُ كَلامَهُ ويُوصِلُ إلى نَعِيمِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنِ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، ويُحْتَمَلُ التَساوِي، وإنَّما صَحَّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخْرى مِنَ الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ الآيَةُ.

يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "يَوْمَ" أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أو فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: ولا يُظْلَمُونَ يَوْمَ نَدْعُو، ثُمَّ فَسَّرَهُ "يُظْلَمُونَ" الآخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "وَفَضَّلْناهُمْ"، وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيَّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّمُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدَرُ، إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ؛ إذْ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا  ﴾ ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ "نَدْعُوا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ .

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَدْعُو" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَدْعُو" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يَدْعُو اللهُ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُدْعَوْ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الواوِ، وأصْلُها: يُدْعى، ولَكِنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يَقْلِبُونَ هَذِهِ الألِفَ واوًا فَيَقُولُونَ: أفْعَوْ، وحُبْلَوْ.

ذَكَرَ هاتَيْنِ أبُو الفَتْحِ وأبُو عَلِيٍّ في تَرْجَمَةِ أعْمى بَعْدُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: يُدْعَوْ كُلُّ.

وذَكَرَ أبُو عَمْرُو الدانِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "يُدْعى كُلُّ" و"الأُناسُ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

وقَوْلُهُ: "بِإمامِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِاسْمِ إمامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مَعَ إمامِهِمْ، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ويا أتْباعَ فِرْعَوْنَ، ونَحْوَ هَذا، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي تَجِيءُ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَها إمامُها مَن هادٍ أو مُضِلٍّ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإمامِ فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: نَبِيُّهُمْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُتَّبَعُهم مَن هادٍ ومُضِلٍّ.

ولَفْظَةُ "الإمامِ" تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّ الإمامَ هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ ويُهْتَدى بِهِ في القَصْدِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِنّاءِ: إمامٌ، قالَ الشاعِرُ يَصِفُ قَدْحًا: وقَوَّمْتُهُ حَتّى إذا تَمَّ واسْتَوى ∗∗∗ كَمُخَّةِ ساقٍ أو كَمَتْنِ إمامِ وَمِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ: إمامٌ؛ لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِهِ في المَقاصِدِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى المُرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ حَقِيقَةٌ في أنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ صَحائِفَ تَتَطايَرُ وتُوضَعُ في الأيْمانِ لِأهْلِ الإيمانِ، وفي الشَمائِلِ لِأهْلِ الكُفْرِ، وتُوضَعُ في أيْمانِ المُذْنِبِينَ الَّذِينَ يَنْفُذُهُمُ الوَعِيدُ، فَسَيَسْتَفِيدُونَ مِنها أنَّهم غَيْرُ مُخَلَّدِينَ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ، عِبارَةٌ عَنِ السُرُورِ بِها، أيْ: يُرَدِّدُنَها ويَتَناقَلُونَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ، أيْ: ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، حُكْمُ المَسْكُوتِ عنهُ كَحُكْمِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُبْخَسُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ شَيْئًا، و"الفَتِيلُ" هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلَ في القِلَّةِ وتَفاهَةِ القَدْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ الآيَةُ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إشارَةٌ إلى النِعَمِ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ، أيْ: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هَذِهِ النِعَمِ والإيمانِ بِمُسْدِيها فَهو في أُمُورِ الآخِرَةِ وشَأْنِها أعْمى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمَلُ "أعْمى" الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الأوَّلِ، عَلى أنَّهُ تَشْبِيهٌ بِأعْمى البَصَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ تَفْضِيلٍ، أيْ أشَدُّ عَمى، و"العَمى" في هَذِهِ الآيَةِ هو عَمى القَلْبِ في الأوَّلِ والثانِي، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدارِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبَرِهِ والإيمانِ بِآياتِهِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ: فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أعْمى، عَلى مَعْنى أنَّهُ حَيْرانٌ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ صَوابٌ، ولا يَلُوحُ لَهُ نُجُحٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: في الآخِرَةِ أعْمى عن حُجَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ ووَقْتُ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَعالى، فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ حِيرَةً وأعْمى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ، ورَأى مَخايِلَ العَذابِ.

وبِهَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ مُعادَلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، مَن ذَكَرَ مَن يُؤْتى كِتابُهُ بِيَمِينِهِ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ بِمَعْنى: "فِي شَأْنِ الآخِرَةِ" لَمْ تُطْرَدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "أعْمى" في المَوْضِعَيْنِ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ- في المَوْضِعَيْنِ بِإمالَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإمالَةِ الأوَّلِ وفَتْحِ الثانِي، وتَأوَّلَهُ بِمَعْنى: "أشَدُّ عَمى"، ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ.

قالَ أبُو عَمْرُو: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و"أعْمى" لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: أعْمى مِن كَذا، فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا: "مِن كَذا" عَلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما جَعَلَهُ في الآخِرَةِ أضَلَّ سَبِيلًا، لِأنَّ الكافِرَ في الدُنْيا مُمْكِنٌ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُو، وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهو أضَلُّ سَبِيلًا، وأشَدُّ حِيرَةً، وأقْرَبُ إلى العَذابِ.

وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "لا يُقالُ أعْمى مِن كَذا، كَما يُقالُ: ما أيْداهْ" إنَّما هو في عَمى العَيْنُ الَّذِي لا تَفاضُلُ فِيهِ، وأمّا في عَمى القَلْبِ فَيُقالُ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقَعُ فِيهِ التَفاضُلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ العَمى الأوَّلَ هو عَمى العَيْنِ عَنِ الهُدى.

وهَذا بَيِّنُ الِاخْتِلالِ، واللهٌ المُعِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لَيَفْتِنُونَكَ" لامُ تَأْكِيدٍ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ الفَرّاءِ بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إنَّما"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كادُوا" قِيلَ: هو لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، فَأمّا لِقُرَيْشٍ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ أوثانَنا، عَلى جِهَةِ التَشَرُّعِ بِذَلِكَ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُظْهِرَ لَهم ذَلِكَ وقَلْبُهُ مُنْكِرٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ  في نَفْسِهِ: وما عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ لَهم ذَلِكَ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ ما في نَفْسِي؟

وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ وغَيْرُهُ: إنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لَيْلَةً فَعَظَّمُوهُ وقالُوا لَهُ: أنْتَ سَيِّدُنا، ولَكِنْ: أقْبِلْ عَلى بَعْضِ أمْرِنا ونُقْبِلُ عَلى بَعْضِ أمْرِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  ﴾ .

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ الآيَةَ قِيلَ: إنَّما هِي فِيما أرادُوهُ مِن طَرْدِ فُقَراءِ أصْحابِهِ.

وأمّا لِثَقِيفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لِأنَّهم طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ  أنْ يُؤَخِّرَهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ سَنَةً يَعْبُدُونَ فِيها اللاتَ، وقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ ما يُهْدى لَها، ولَكِنْ إنْ خِفْتَ أنْ تُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْكَ العَرَبُ فَقُلْ: أوحى اللهُ ذَلِكَ إلَيَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

ويَلْزَمُ قائِلُ هَذا القَوْلِ أنْ يَجْعَلَ الآيَةَ مَدَنِيَّةً، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ، ورَوى قائِلُو الأقْوالِ الأُخَرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَمِيعُ ما أُرِيدَ مِنَ النَبِيِّ  بِحَسَبِ هَذا الِاخْتِلافِ قَدْ أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ خِلافَهُ، إمّا في مُعْجِزٍ، وإمّا في غَيْرِ مُعْجِزٍ، وفِعْلُهُ هو -إنَّ لَوْ وقَعَ- افْتِراءٌ عَلى اللهِ، إذْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ إنَّما هي كُلُّها شَرْعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى ما نَجّاهُ اللهُ تَعالى مِنهُ مِن مُخالَفَةِ الكُفّارِ والوِلايَةِ لَهم.

وقَوْلُهُ " لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ " الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ عَلى النَبِيِّ  ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ "الرُكُونُ": شَدُّ الظَهْرِ إلى الأمْرِ، أوِ الحَزْمُ عَلى جِهَةِ السُكُونِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِالرُكْنِ مِنَ الجُدْرانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿ أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ  ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْكَنُ" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَرْكُنُ" بِضَمِّ الكافِ.

ورَسُولُ اللهِ  لَمْ يَرْكَنْ، لَكِنَّهُ كادَ بِحَسْبِ هَمِّهِ بِمُوافَقَتِهِمْ طَمَعًا مِنهُ في اسْتِئْلافِهِمْ، وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ مَعْناهُ: لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عنكَ أنَّكَ رَكَنْتَ، ونَحْوَ هَذا، ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى نَفْيِ الهَمِّ بِذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، فَحَمَّلَ اللَفْظَ ما لا يَحْتَمِلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ.

وهَذا الهَمُّ مِنَ النَبِيِّ  إنَّما كانَتْ خَطِرَةً مِمّا لا يُمْكِنُ دَفْعَهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: "كِدْتَ"، وهي تُعْطِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكُونًا، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ إذْ كانَتِ المُقارَبَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُها "كِدْتَ" قَلِيلَةً، خَطِرَةً لَمْ تَتَأكَّدْ في النَفْسِ، وهَذا الهَمُّ هو كَهَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، والقَوْلُ فِيهِما واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ يُبْطِلُ أيْضًا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضِحاكُ: يُرِيدُ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ هَذا الذَنْبُ مِن عُقُوبَتِنا في الدُنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ لَكَ، وهَذا التَضْعِيفُ شائِعٌ مَعَ النَبِيِّ  في أجْرِهِ وألَمِهِ وعِقابِ أزْواجِهِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من غرض التهديد بعاجل العذاب في الدنيا الذي في قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ﴾ [الإسراء: 66 69] إلى ذكر حال الناس في الآخرة تبشيراً وإنذاراً، فالكلام استئناف ابتدائي، والمناسبة ما علمتَ.

ولا يحسن لفظ (يومَ) للتعلق بما قبله من قوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ [الإسراء: 70] على أن يكون تخلصاً من ذكر التفضيل إلى ذكر اليوم الذي تظهر فيه فوائد التفضيل، فترجح أنه ابتداء مستأنف استئنافاً ابتدائياً، ففتحة ﴿ يوم ﴾ إما فتحة إعراب على أنه مفعول به لفعل شائع الحذف في ابتداء العبر القرآنية وهو فِعل «اذكر» فيكون ﴿ يوم ﴾ هنا اسمَ زمان مفعولاً للفعل المقدر وليس ظرفاً.

والفاء في قوله: ﴿ فمن أوتي ﴾ للتفريع لأن فعْل (اذكر) المقدر يقتضي أمراً عظيماً مجملاً فوقع تفصيله بذكر الفاء وما بعدها فإن التفصيل يتفرع على الإجمال.

وإما أن تكون فتحته فتحةَ بناء لإضافته اسم الزمان إلى الفعل، وهو إما في محل رفع بالابتداء، وخبره جملة ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه ﴾ .

وزيدت الفاء في الخبر على رأي الأخفش، وقد حكى ابن هشام عن ابن بَرهان أن الفاء تزاد في الخبر عند جميع البصريين ما عدا سيبويه؛ وإما ظرف لفعل محذوف دل عليه التقسيم الذي بعده، أعني قوله: ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه ﴾ إلى قوله: ﴿ وأضل سبيلاً ﴾ .

وتقدير المحذوف: تتفاوت الناس وتتغابَن.

وبُيّن تفصيل ذلك المحذوف بالتفريع بقوله: ﴿ فمن أوتي كتابه ﴾ الخ.

والإمام: ما يؤتم به، أي يُعمل على مِثل عمله أو سيرته.

والمراد به هنا مبين الدين: من دين حق للأمم المؤمنة ومن دين كفر وباطل للأمم الضالة.

ومعنى دعاء الناس أن يُدعى يا أمةَ فلان ويا أتباعَ فلان، مثل: يا أمة محمد، يا أمةَ موسى، يا أمة عيسى، ومثل: يا أمة زَرادشت.

ويا أمةَ برْهَما، ويا أمةَ بُوذا، ومثل: يا عبدة العزى، يا عبدة بَعل، يا عبدةَ نَسْر.

والباء لتعدية فعل ﴿ ندعوا ﴾ لأنه يتعدى بالباء، يقال: دعوته بكنيته وتدَاعَوا بِشعارهِم.

وفائدة ندائهم بمتبوعيهم التعجيلُ بالمسرة لاتباع الهُداة وبالمساءة لاتباع الغُواة، لأنهم إذا دُعوا بذلك رأوا متبوعيهم في المقامات المناسبة لهم فعلموا مصيرهم.

وفرع على هذا قوله: ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه ﴾ تفريع التفصيل لما أجمله قوله: ﴿ ندعوا كل أناس بإمامهم ﴾ ، أي ومن الناس من يُؤتى كتابه، أي كتاب أعماله بيمينه.

وقوله: ﴿ فمن أوتي ﴾ عطف على مقدر يقتضيه قوله: ﴿ ندعوا كل أناس بإمامهم ﴾ أي فيؤتَوْن كتبهم، أي صحائف أعمالهم.

وإيتاء الكتاب باليمين إلهام صاحبه إلى تناوله باليمين.

وتلك علامة عناية بالمأخوذ، لأن اليمين يأخذ بها من يعْزم عملاً عظيماً قال تعالى: ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ [الحاقة: 45]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً تلقاها الرحمان بيَمينه وكلتَا يديْه يَمين...

" الخ، وقال الشمّاخ: إذا ما رايةٌ رفعت لمجد *** تلقاها عَرابة باليمين وأما أهل الشقاوة فيؤتَون كتبهم بشمائلهم، كما في آية [الحاقة: 25] ﴿ وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ﴾ والإتيان باسم الإشارة بعد فاء جواب (أما)، للتنبيه على أنهم دون غيرهم يقرؤون كتابهم، لأن في اطلاعهم على ما فيه من فعل الخَير والجزاء عليْه مسرة لهم ونعيماً بتذكر ومعرفة ثوابه، وذلك شأن كل صحيفة تشتمل على ما يسر وعلى تذكر الأعمال الصالحة، كما يطالع المرء أخبار سلامة أحبائه وأصدقائه ورفاهة حالهم، فتوفرُ الرغبة في قراءة أمثال هذه الكتب شنشنة معروفة.

وأما الفريق الآخر فسكت عن قراءة كتابهم هنا.

وورد في الآية التي قبلها في هذه السورة ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ [الإسراء: 13 14].

والظلم مستعمل هنا بمعنى النقص كما في قوله تعالى: ﴿ كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ﴾ [الكهف: 33]، لأن غالب الظلم يكون بانتزاع بعض ما عند المظلوم فلزمه النقصان فأطلق عليه مجازاً مرسلاً.

ويفهم من هذا أن ما يعطاه من الجزاء مما يرغب الناس في ازدياده.

والفتيل: شبه الخَيط تكون في شق النواة وتقدم في قوله تعالى: ﴿ بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ﴾ في سورة [النساء: 49]، وهو مثَل للشيء الحقير التافه، أي لا ينقصون شيئاً ولو قليلاً جداً.

وعطف ومن كان في هذه أعمى} عطف القسيم على قسيمه فهو من حَيز «أما» التفصيلية، والتقدير: وأما من كان في هذه أعمى، ولما كان القسيم المعطوف عليه هم من أوتوا كتابهم باليمين علم أن المعطوف بضد ذلك يؤتى كتابه بالشمال فاستغني عن ذكر ذلك وأتي له بصلة أخرى وهي كونه أعمى حكماً آخر من أحواله الفظيعة في ذلك اليوم.

والإشارة ب ﴿ هذه ﴾ إلى معلوم من المقام وهو الدنيا، وله نظائر في القرآن.

والمراد بالعمى في الدنيا الضلالة في الدين، أطلق عليها العمى على وجه الاستعارة.

والمراد بالعمى في الآخرة ما ينشأ عن العمى من الحيرة واضطراب البال، فالأعْمَى أيضاً مستعار لمشابه الأعمى بإحدى العلاقتين.

ووصف ﴿ أعمى ﴾ في المرتين مراد به مجرد الوصف لا التفضيل.

ولما كان وجه الشبه في أحوال الكافر في الآخرة أقوى منه في حاله في الدنيا أشير إلى شدة تلك الحالة بقوله: ﴿ وأضل سبيلاً ﴾ القائم مقام صيغة التفضيل في العمَى لكون وصف (أعمى) غير قابل لأن يصاغ بصيغة التفضيل لأنه جاء بصيغة التفضيل في حال الوصف.

وعدل عن لفظ (أشد) ونحوه ما يتوسل به إلى التفضيل عند تعذر اشتقاق صيغة (أفعل) ليتأتى ذكر السبيل، لما في الضلال عن السبيل من تمثيل حال العمى وإيضاحه، لأن ضلال فاقد البصر عن الطريق في حال السير أشد وقعاً في الأضرار منه وهو قابع بمكانه، فعدل عن اللفظ الوجيز إلى التركيب المطنب لما في الإطناب من تمثيل الحال وإيضاحه وإفظاعه وهو إطناب بديع.

وقد أفيد بذلك أن عماه في الدارين عمى ضلال عن السبيل الموصل.

ومعنى المفاضلة راجع إلى مفاضلة إحدى حالتيه على الأخرى في الضلال وأثره لا إلى حال غيره.

فالمعنى: وأضل سبيلا منه في الدنيا.

ووجه كون ضلاله في الآخرة أشد أن ضلاله في الدنيا كان في مكنته أن ينجو منه بطلب ما يرشده إلى السبيل الموصل من هدي الرسول والقرآن مع كونه خلياً عن لحاق الألم به، وأما ضلاله في الآخرة فهو ضلال لا خلاصَ منه وهو مقارن للعذاب الدائم، فلا جرم كان ضلاله في الآخرة أدخل في حقيقة الضلال وماهيته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِنَبِيِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِكِتابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: بِدِينِهِمْ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ قَتادَةَ.

الرّابِعُ: يَكْتُبُ أعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: بِمَن كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِهِ في الدُّنْيا فَيَتَّبِعُونَهُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوْ عَلى حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنِ الطّاعَةِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ عَنِ الثَّوابِ.

الثّانِي: ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنِ الِاعْتِبارِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ عَنِ الِاعْتِذارِ.

الثّالِثُ: ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنِ الحَقِّ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ عَنِ الجَنَّةِ.

الرّابِعُ: ومَن كانَ في تَدْبِيرِ دُنْياهُ أعْمى فَهو في تَدْبِيرِ آخِرَتِهِ أعْمى ﴿ وَأضَلُّ سَبِيلا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في تاريخه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أكرم على الله من بني آدم يوم القيامة.

قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة المقربون؟!..

قال: ولا الملائكة...

الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر» .

وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً وقال: هو الصحيح.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: المؤمن أكرم على الله من ملائكته.

وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة قالت: يا رب، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة.

قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم مثله.

وأخرج ابن عساكر من طريق عروة بن رويم قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم...

فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئاً...

فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة.

فقال الله: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عروة بن رويم مرسلاً.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عروة بن رويم الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من وجه آخر، عن عروة بن رويم اللخمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكر نحوه إلا أنه قال: «ويركبون الخيل» ولم يذكر ونفخت فيه من روحي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ قال: جعلناهم يأكلون بأيديهم، وسائر الخلق يأكلون بأفواههم.

وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ قال: «الكرامة، الأكل بالأصابع» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال: ما من رجل يرى مبتلى فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير من خلقه تفضيلاً، إلا عافاه الله من ذلك البلاء كائناً ما كان.

وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق السموات سبعاً فاختار العليا منها، فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار الأخيار» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أُناس بإمامهم ﴾ قال: إمام هدى وإمام ضلالة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: بنبيهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: بكتاب أعمالهم.

وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: يدعى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم» .

وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويُمَدّ لَهُ في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من نور يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا...

لكل رجل منكم مثل هذا.

وأما الكافر، فيسوّد له وجهه ويُمَدّ له في جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم، ويلبس تاجاً من نار فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا...

اللهم لا تأتنا بهذا.

قال فيأتيهم.

فيقول: ربنا أخّرْه فيقول: ابعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل: أرأيت قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى.

..

فهو في الآخرة أعمى} فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تصب المسألة، اقرأ ما قبلها ﴿ ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ﴾ حتى بلغ ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فمن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قَدْ رَأَى وعايَنَ، فهو في أمر الآخرة التي لم تُرَ ولَمْ تعاين ﴿ أعمى وأضل سبيلاً ﴾ .

﴿ ومن كان ﴾ في الدنيا ﴿ أعمى ﴾ عما يرى من قدرتي من خلق السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا ﴿ فهو ﴾ عما وصفت له في الآخرة ولم يره ﴿ أعمى وأضل سبيلاً ﴾ يقول: أبعد حجة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: من عمي عن قدرة الله في الدنيا فهو في الآخرة أعمى.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن قتادة في الآية قال: من عمي عما يراه من الشمس والقمر والليل والنهار وما يرى من الآيات ولم يصدق بها، فهو عما غاب عنه من آيات الله أعمى وأضل سبيلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ قال أبو إسحاق: يعني به يوم القيامة، وهو منصوب على معنى: اذكر يوم ندعو، قال: وجوز أن يكون منصوبًا بمعنى يعيدكم الذي فطركم يوم يدعو (١) قال أبو علي الفارسي: الظرف ها هنا بمنزلة إذا؛ لأنه لا يجوز أن يكون العامل فيه ما قبله من قوله: ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ ﴾ ؛ لأنه فعل ماض، وليس العامل أيضًا يدعو؛ لأنه فعل مستقبل، فإذا لم يكن في هذا الكلام فعل ظاهر يتعلق به الظرف تعلق بما دلّ عليه قوله: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ (٢) ﴿ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  ﴾ على تقدير: أإذا متنا بعثنا، كذلك هاهنا يُجعل الظرفُ بمنزلة إذا، فيصير التقدير: إذا دُعي كل أناس لم يُظْلموا، ومثل هذا سُوّي قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ ﴾ الآية [فصلت: 19].

وقوله تعالى: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ الإمام في اللغة معناه: كل من ائتَمَّ به قوم كانوا على هدى أو ضلالة، والنبيّ إمام أُمّته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم (٣) (٤)  - (٥) ويكون المعنى على هذا: أن ينادي يوم القيامة فيقول: هاتوا متبعي إبراهيم، هاتوا متبعي في موسى، هاتوا متبعي محمد -  -، فيقوم أهلُ الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم يقال: هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الطغاة في عبادة الأوثان، هاتوا متبعي رؤساء الضلالة في اعتقاد الجهالة، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: إمام هدى أو إمام ضلالة (٦) (٧) وقال في رواية أبي صالح: برئيسهم (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال الضحاك وابن زيد: يعني بكتابهم الذي أنزل عليهم (١٢) وهو رواية وَرْقَاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (١٣) (١٤) ويكون المعنى على هذا: أن ينادى يا أهل القرآن، يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، وتقدير الباء على ما ذكرنا.

وقال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ  ﴾ فسمى الكتاب إمامًا) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ ، الفتيل: القشرة التي في شق النواة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وعكرمة (٢٣) (٢٤) وأهل اللغة قالوا: وهذا يضرب مثلًا للشيء الحقير التافه (٢٥) ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ ، يريد.

لا يُنقصون فتيلًا من الثواب، وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الفتيل: ما خرج بين إصبعك فتفتله؛ كالشيء الحقير (٢٦) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 252، بنصه تقريبًا.

(٢) لم أقف عليه، وذُكر هذا القول في:"الإملاء" 2/ 94، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 94.

(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (أم) 1/ 205، بنصه، انظر: "العين" (أمم) 8/ 428، و"مقاييس اللغة" 1/ 28، و"اللسان" (أمم) 1/ 133.

(٤) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 382 بلفظه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 126 بلفظه عنهما من طرق، وورد بلفظه في "تفسير الجصاص" 3/ 205، عنهما، و"السمرقندي" 2/ 277، عن مجاهد، و"الثعلبي" 7/ 114 ب، و"الماوردي" 3/ 258، و"الطوسي" 6/ 504، عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 351 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن مجاهد.

(٥) لم أقف عليه مسندًا، وورد عنه بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب ،"الفجر الرازي" 21/ 17.

(٦) ورد في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 252 بنصه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنحوه، انظر: "تفسير السمعاني" 3/ 263، بنصه، و"البغوي" 5/ 109، و"ابن الجوزي" 5/ 64، و"الدر المنثور" 4/ 351 وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.

(٧) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه.

(٨) ورد في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 260 بلفظه (ضعيفة)، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 64.

(٩) في جميع النسخ: (فيه) والصحيح المثبت؛ لأن الضمير يعود على جمع.

(١٠) أي قصده.

"القاموس" (شأن) ص 1208.

(١١) لم أقف عليه، وذكر نحوه في "مشكل إعراب القرآن" 2/ 32، و"البيان في غريب == إعراب القرآن" 2/ 94، و"تفسير الفخر الرازي" 21/ 17، و"الإملاء" 2/ 94، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 291، و"الدر المصون" 7/ 390.

(١٢) أخرجه "الطبري" 15/ 127 بلفظه عنهما، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 177، بلفظه عن الضحاك، و"تفسير الثعلبي" 4/ 117 ب بنصه عنهما، و"الماوردي" 3/ 258 بنصه عن ابن زيد، انظر "تفسير البغوي" 5/ 109.

(١٣) "تفسير مجاهد" 1/ 367 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 127 بلفظه، وورد بلفظه في: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 252، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 59.

(١٤) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 109، بنصه.

(١٥) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 382، بنصه، و"الطبري" 15/ 127، بنصه، وورد في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 260، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 177 - بلفظه، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 32، بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 205، بنحوه، و"السمرقندي" 2/ 277، بنصه.

(١٦) أخرجه "الطبري" 15/ 127 بلفظ بأعمالهم عنهما، وورد بهذا اللفظ في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 434، عن أبي العالية، و"تفسير السمرقندي" 2/ 277،عن أبي العالية، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 109؛ عن أبي العالية.

(١٧) أخرجه "الطبري" 15/ 126 بنصه (ضعيفة)، وورد في "الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه.

(١٨) "تأويل مشكل القرآن" ص 459، بنحوه.

(١٩) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).

(٢٠) الرُّمّة: هي القطعة من الحبل، وأصله البعير يُشد في عنقه حبل، فيقال أعطاه البعير برُمَّته، قال الجوهري: أصله أن رجلاً دفع إلى رجل بعيرًا بحبل في عنقه، فقيل ذلك لكل من دفع شيئًا بجملته.

انظر: "المحيط في اللغة" (رم) 10/ 216، و"الصحاح" (رمم) 5/ 1936، و"اللسان" (رمم) 3/ 1736.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) ليس في معانيه.

(٢٣) ورد في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 252، بنحوه من طريق عكرمة (جيدة).

(٢٤) أخرجه بنحوه عن قتادة: "عبد الرزاق" 2/ 382، و"الطبري" 15/ 127، وورد بنحوه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 260، و"نزهة القلوب" ص 351، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 177، و"المفردات" ص 623، و"تفسير المشكل" ص 230، و"تفسير الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه.

(٢٥) ورد في "تهذيب اللغة" (فتل) 3/ 2738 بنصه، انظر: (فتل) في "مقاييس اللغة" 4/ 472، و"الصحاح" 5/ 1788، "اللسان" 6/ 3344.

(٢٦) ورد في "تهذيب اللغة" (فتل) 3/ 2738، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 18، و"تنوير المقباس" ص 303.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بإمامهم ﴾ قيل: يعني بنبيهم، يقال: يا أمة فلان، وقيل: يعني كتابهم الذي أنزل عليهم، وقيل: كتابهم الذي فيه أعمالهم ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ الفتيل هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، والمعنى أنهم لا يظلمون من أعمالهم قليلاً ولا كثيراً، فعبر بأقل الأشياء تنبيهاً على الأكثر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ اخرتني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.

الباقون بالحذف ﴿ ورجلك ﴾ بكسر الجيم: حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها.

﴿ أن نخسف ﴾ ، ﴿ أونرسل ﴾ ، ﴿ أن نعيدكم ﴾ ، ﴿ فنرسل ﴾ ، ﴿ فتضركم ﴾ كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو.

والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ ﴿ فتغرقكم ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد: ﴿ هذه أعمى ﴾ بالإمالة ﴿ أعمى ﴾ بالتفخيم: أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس.

وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة.

الباقون جميعاً بالتفخيم.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ طيناً ﴾ ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف ﴿ عليّ ﴾ ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ موفوراً ﴾ ه ﴿ وعدهم ﴾ ط للعدول ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ الا إياه ﴾ ج ﴿ أعرضتم ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ تبيعاً ﴾ ه ﴿ تفضيلاً ﴾ ه ﴿ بإمامهم ﴾ ج ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ .

التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول  كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم  .

وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد.

فبين الله  أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه.

وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ وهذه القصة ذكرها الله  في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص.

ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله ﴿ طيناً ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه ﴿ أسجد ﴾ معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟

وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً؟

ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك ﴿ قال أرأيتك ﴾ أي أخبرني عن ﴿ هذا الذي كرمته ﴾ أي فضلته ﴿ عليّ ﴾ لم كرمته وأنا خير منه؟

فاختصر الكلام لكونه معلوماً.

ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟

والإشارة هنا تفيد الاستحقار.

وقيل: إن هذا مفعول: ﴿ أرأيت ﴾ لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ.

ثم ابتدأ فقال ﴿ لئن أخرتني ﴾ واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ﴿ لأحتنكن ذرّيته ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك.

ومنه ما ذكر سيبويه "أحنك الشاتين" أي آكلهما.

وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه.

وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم ﴿ تجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية.

أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه.

وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ قال ﴾ أي الله  ﴿ اذهب ﴾ ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخيلة وإمهالاً.

ثم رتب على على الإمهال قوله: ﴿ فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له.

وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات.

وانتصب ﴿ جزاء موفوراً ﴾ على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أو على الحال الموطئة.

والموفور الموفر من قولهم "فر لصاحبك عرضه فرة".

وقيل: هو بمعنى الوافر.

ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله.

وقيل: الغناء واللهو واللعب ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم.

وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك.

فالإجلاب الجمع والباء في ﴿ بخيلك ﴾ زائدة.

وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال  : " يا خيل الله اركبي." وعلى الأفراس جميعاً.

والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب.

وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل.

تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر.

عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده.

وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك.

قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم.

أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة.

وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة.

والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق.

﴿ وعدهم ﴾ بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار.

وقيل: تسويف التوبة.

وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب.

وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل.

ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام.

ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب "ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين" للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .

ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  ﴾ قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً: ﴿ إلاَّ من تبعك  ﴾ وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين.

ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه.

ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ أي يسير لأجلكم ﴿ الفلك في البحر ﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ الربح بالتجارة ﴿ إنه كان بكم رحيماً ﴾ فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد ﴿ وإذا مسكم الضر ﴾ أي خوف الغرق ﴿ في البحر ضل من تدعون ﴾ ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم ﴿ إلا إياه ﴾ وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً ﴿ فلما نجاكم ﴾ من ذلك الضر وأخرجكم ﴿ إلى البر أعرضتم ﴾ عن الإخلاص ﴿ وكان الإنسان كفوراً ﴾ لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه.

ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً: ﴿ أفأمنتم ﴾ تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ﴿ أن يخسف ﴾ أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء ﴿ بكم ﴾ حال، وإنما قال: ﴿ جانب البر ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم.

إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن ﴿ يرسل عليكم ﴾ حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء.

وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر.

ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر.

﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ﴾ يصرف ذلك عنكم ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ﴾ بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر ﴿ فيرسل عليكم قاصفاً ﴾ وريحاً لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر.

وقوله: ﴿ من الريح ﴾ بيان له ﴿ فيغرقكم بما كفرتم ﴾ بسبب كفركم ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: ﴿ ولا يخاف عقباها  ﴾ .

ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس ﴿ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم  ﴾ ومنها الصورة الحسنة ﴿ وصوركم فأحسن صوركم  ﴾ ، ومنها القامة المعتدلة ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم.

يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه.

ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال.

ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم  ﴾ وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر.

وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟

ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة.

وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه  خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة "كن".

يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة.

فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له "كن" فكان.

ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ قال ابن عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله.

واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا.

والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟

وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و "من" التبعيضية.

هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه، لأنه  ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله  الاقتصار على ذكر البعض، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة: فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.

وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض.

ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال: ﴿ يوم ندعو ﴾ وهو منصوب بإضمار "اذكر" أو بقوله: ﴿ فضلناهم ﴾ على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على ﴿ تفضيلاً ﴾ والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين.

والباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك.

عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر.

ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم في نحو "ركب بجنوده".

وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.

وقال الحسن: يدعون بكتابهم الذي فيه أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر.

وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً.

قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع "أن" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم.

والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا.

ثم قال: وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟

وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أوقبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق ﴿ فمن أوتى ﴾ هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه ﴿ فأولئك يقرؤن ﴾ وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع ﴿ ومن كان في هذه ﴾ الدنيا ﴿ أعمى ﴾ لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب.

وأما قوله: ﴿ فهو في الآخرة أعمى ﴾ فيحتمل أن يراد به عمىالبصر كقوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً  ﴾ وفي هذا زيادة العقوبة.

ويحتمل أن يراد عمى القلب.

قال ابن عباس: المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى ﴾ إلى قوله: ﴿ تفضيلاً ﴾ فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك.

من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى.

قال المفسرون: لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير "أفعل" التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة.

هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي.

وأقول: في هذا الوجه نظر، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل "شيئان" "والكافرين" ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم.

قال الحسن: في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل.

وقيل: المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة.

التأويل: ﴿ من استطعت منهم بصوتك ﴾ أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم.

﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ فلك الشريعة في بحر الحقيقة ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ جذبة العناية ﴿ فلما نجاكم ﴾ إلى بر الوصول والوصال ﴿ أعرضتم ﴾ بحجب العجب ورؤية الأعمال ﴿ حاصباً ﴾ من مطر القهر ﴿ قاصفاً ﴾ من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء ﴿ فيغرقكم ﴾ في بحر الشهوات ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وأنطقه بجواب ﴿ بلى ﴾ وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ﴿ ورزقناهم من ﴾ طيبات المواهب ونوال الكشوف ﴿ وفضلناهم على كثير ﴾ أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله.

وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله ﴿ فمن أوتى كتابه بيمينه ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار وبالبصائر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ .

قال الحسن: هذا صلة قوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ ، فيقول: أي: يوم ندعو كل أناس بإمامهم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ندعو بإمامهم، أي: بدينهم الذي دانوا به وذبوا عنه، ويدعى كل بدينه الذي دان به وذبّ عنه.

وقال بعضهم: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ ، أي: برؤسائهم وأئمتهم الذين أضلّوهم، أي: يدعى الأتباع بأئمتهم ورؤسائهم الذين أضلّوهم حتى يلوم بعضهم على بعض، ويلعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 166]، وقوله: ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ يدعى الأتباع بالمتبوعين.

وقال بعضهم: يدعى كل أناس بداعيهم الذي دعاهم: إن كان رسولاً فبالرسول، وإن كان شيطاناً فبالشيطان، وهو قريب مما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ : كتابهم الذي كتب الملائكة أعمالهم فيه.

وقال بعضهم: يدعى بكتابهم الذي أنزل عليهم، يدعى كل بما ذكر؛ ليعلموا أن الحجة قد قامت عليهم، ووجب لهم العذاب باتباعهم ما اتبعوا بلا حجة ولا برهان.

وحاصل أقاويل هؤلاء ترجع إلى وجوه ثلاثة: أحدها: يوم ندعو إمام كل أناس: كان إمامهم في خير أو شر فيجزى له جزاؤه، ثم يكلف هو دعاء أتباعه إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب.

والثاني: يدعى كل إمام ورئيس في خير أو شرّ بأتباعه الذين يتبعونه فيما يدعوهم إليه نحو كل رسول يدعى بقومه الذين اتبعوه، وكل رئيس وشيطان استتبعهم.

والثالث: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ : كتابهم الذي كتب لأعمالهم الذي كتبوا؛ كقوله: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً  ﴾ ، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ ﴾ : كلهم قد يقرءون كتابهم، غير أن المؤمن إذا نظر في الكتاب - فرح به واستبشر بما فيه، فسهل عليه القراءة، وهانت لما كان يتبع حجج الله.

وأمّا الكافر إذا نظر في الكتاب، حزن واغتم به؛ فعسر عليه قراءة كتابه، وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ الآية [الحاقة: 19-20]، ويقول الكافر: ﴿ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ...

﴾ الآية [الحاقة: 25]؛ لأنه اتبع ما اتبع بلا حجة.

أو أن يكون المؤمن إذا نظر في كتابه، رأى سيئاته مغفورة، كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ - فرح بذلك، والكافر إذا رأى سيئاته باقية عليه، وحسناته قد بطلت - حزن بذلك واغتم؛ لذلك قال ما قال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن توحيد الله والإيمان به مع كثرة آياته ودلالته على وحدانيته - فهو عن الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت - أعمى.

وقال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن الحق - فهو في الآخرة أعمى عن حججه؛ لأنه إذا عمي عن الحق نفسه فهو عن حججه أعمى؛ فتكون (في) بمعنى (عن)؛ إذ الآيات والدلالات على وحدانية الله أكثر وأظهر من الدلالة على البعث والآخرة؛ إذ ليس شيء إلا وفيه أثر وحدانيته ودلالة ألوهيته، ولا كذلك الآخرة؛ فهو عن الإيمان بها أشد عمى.

وقال بعضهم: من عمي في هذه الدنيا عن الإيمان بالله - فهو في الآخرة أعمى عن الإيمان به؛ لأن الدنيا مما يقبل فيها الإيمان، وفي الآخرة لا يقبل؛ وهو ما قال: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، أي: حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان به، ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ  ﴾ ، أي: كما حيل بين أشياعهم وبين الإيمان به، عند معاينة بأس الله وعذابه، وهو قول الحسن.

وقال أبو بكر قريباً من هذا، وهو أن من عمي عن الرشد والحق في هذه الدنيا؛ لجهله به - فهو في الآخرة عند علمه بالرشد والحق أشد عمى، أو كلام نحو هذا.

وقال بعضهم: من عمي قلبه في الدنيا عن الإيمان بالله والتوحيد له - فهو في الآخرة يكون أعمى الوجه والحواس؛ كقوله: ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...

﴾ الآية [الإسراء: 97]: ما ذكر ذاهبة حواسهم لما تركوا الانتفاع بها في الدنيا لما جعلت لهم الحواس.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ ﴾ : بالافتراء على الله ﴿ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ ﴾ ، أي: مفتر على الله - أيضاً - كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، ونحوه: يفترون في الآخرة ويكذبون كما كذبوا في الدنيا، وكقوله: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، ثم أخبر عنهم فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ .

وقال قتادة: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ ﴾ : يقول: ومن كان في الدنيا فيما أراه الله من آياته من خلق السماوات والأرض والجبال والنجوم أعمى ﴿ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ الغائبة عنه التي لم يرها - ﴿ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ ، وهو قريب مما ذكرنا.

وقال ابن عباس -  - ومن كان في هذه النعم أعمى أن يعلم أنها من الله - فهو في الآخرة أعمى عن حجته، ويقال: عن دين الله، وأضل طريقاً، ويقال: أضل عن حجته.

وقال غيره من أهل التأويل: من كان في هذه النعم أعمى - يعني: الكافر - عمي عنها، وهو يعاينها؛ فلا يعرف أنها من الله فيشكر ربها؛ فهو في الآخرة أعمى، يقول: عما غاب عنه من أمر الآخرة من البعث والجزاء - أعمى وأضل سبيلاً وأخطأ طريقاً، وبعضه قريب من بعض، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- يوم ننادي كل مجموعة بإمامها الذي كانت تقتدي به في الدنيا، فمن أُعْطِيَ كتاب عمله بيمينه فأولئك يقرؤون كتبهم مسرورين، ولا ينقصون من أجورهم شيئًا، وإن بلغ في صغره قدر الخيط الذي في شق النواة.

<div class="verse-tafsir" id="91.193xW"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده