الآية ٧٢ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٧٢ من سورة الإسراء

وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِۦٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًۭا ٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٢ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٢ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) قال ابن عباس ومجاهد ، وقتادة وابن زيد : ( ومن كان في هذه ) أي في الحياة الدنيا ( أعمى ) عن حجج الله وآياته وبيناته ( فهو في الآخرة أعمى ) أي كذلك يكون ( وأضل سبيلا ) أي وأضل منه كما كان في الدنيا عياذا بالله من ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بقوله هذه ، فقال بعضهم: أشير بذلك إلى النعم التي عدّدها تعالى ذكره بقوله وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا فقال ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ).

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، قال: سئل عن هذه الآية ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ) فقال: قال وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا قال: من عمي عن شكر هذه النعم في الدنيا، فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن قُدرة الله فيها وحججه، فهو في الآخرة أعمى.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى ) يقول: من عمي عن قُدرة الله في الدنيا( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فِي هَذِهِ أَعْمَى ) قال: الدنيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) يقول: من كان في هذه الدنيا أعمى عما عاين فيها من نعم الله وخلقه وعجائبه ( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ) فيما يغيب عنه من أمر الآخرة وأعمى.

حدثنا محمد، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى ) في الدنيا فيما أراه الله من آياته من خلق السماوات والأرض والجبال والنجوم ( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ ) الغائبة التي لم يرها( أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ) .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وسئل عن قول الله تعالى ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ) فقرأ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وقرأ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وقرأ حتى بلغ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ قال: كلّ له مطيعون، إلا ابن آدم.

قال: فمن كانت في هذه الآيات التي يعرف أنها منا، ويشهد عليها وهو يرى قدرتنا ونعمتنا أعمى، فهو في الآخرة التي لم يرها أعمى وأضلّ سبيلا.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج الله على أنه المنفرد بخلقها وتدبيرها، وتصريف ما فيها، فهو في أمر الآخرة التي لم يرها ولم يعاينها، وفيما هو كائن فيها أعمى وأضلّ سبيلا يقول: وأضلّ طريقا منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورآها.

وإنما قلنا: ذلك أولى تأويلاته بالصواب، لأن الله تعالى ذكره لم يخصص في قوله ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ ) الدنيا( أَعْمَى ) عمى الكافر به عن بعض حججه عليه فيها دون بعض، فيوجه ذلك إلى عماه عن نعمه بما أنعم به عليه من تكريمه بني آدم، وحمله إياهم في البرّ والبحر، وما عدد في الآية التي ذكر فيها نعمه عليهم، بل عمّ بالخبر عن عماه في الدنيا، فهم كما عمّ تعالى ذكره.

واختلف القرّاء في قراءة قوله ( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) فكسرت القَرأة جميعا أعني الحرف الأوّل قوله ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى ) .

وأما قوله ( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) فإن عامة قرّاء الكوفيين أمالت أيضا قوله ( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) وأما بعض قرّاء البصرة فإنه فتحه، وتأوّله بمعنى : فهو في الآخرة أشدّ عمى.

واستشهد لصحة قراءته بقوله ( وَأَضَلُّ سَبِيلا ) .

وهذه القراءة هي أوْلى القراءتين في ذلك بالصواب للشاهد الذي ذكرنا عن قارئه كذلك، وإنما كره من كره قراءته كذلك ظنا منه أن ذلك مقصود به قصد عمى العينين الذي لا يوصف أحد بأنه أعمى من آخر أعمى، إذ كان عمى البصر لا يتفاوت، فيكون أحدهما أزيد عمى من الآخر، إلا بإدخال أشدّ أو أبين، فليس الأمر في ذلك كذلك.

وإنما قلنا: ذلك من عمى القلب الذي يقع فيه التفاوت، فإنما عُنِي به عمى، قلوب الكفار، عن حجج الله التي قد عاينتها أبصارهم، فلذلك جاز ذلك وحسُن.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى ) قال: أعمى عن حجته في الآخرة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا قوله تعالى : ومن كان في هذه أعمى أي في الدنيا عن الاعتبار وإبصار الحق .فهو في الآخرة أي في أمر الآخرةأعمى وقال عكرمة : جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية فقال : اقرءوا ما قبلها ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر - إلى - " تفضيلا " .

قال ابن عباس : من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلا .

وقيل : المعنى من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى .

وقيل : المعنى من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسح له ووعد بقبول التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى .

وقال الحسن : من كان في هذه الدنيا كافرا ضالا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا وقيل : ومن كان في الدنيا أعمى عن [ ص: 268 ] حجج الله بعثه الله يوم القيامة أعمى ; كما قال : ونحشره يوم القيامة أعمى الآيات .

وقال : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم .

وقيل : المعنى في قوله فهو في الآخرة أعمى في جميع الأقوال : أشد عمى ; لأنه من عمى القلب ، ولا يقال مثله في عمى العين .

قال الخليل وسيبويه : لأنه خلقة بمنزلة اليد والرجل ، فلم يقل ما أعماه كما لا يقال ما أيداه .

الأخفش : لم يقل فيه ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف ، وأصله أعمى .

وقد أجاز بعض النحويين ما أعماه وما أعشاه ; لأن فعله عمي وعشى .

وقال الفراء : حدثني بالشام شيخ بصري أنه سمع العرب تقول : ما أسود شعره .

قال الشاعر :ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر وفي المخازي لكم أشباح أشياخ أما الملوك فأنت اليوم ألأمهملؤما وأبيضهم سربال طباخوأمال أبو بكر وحمزة والكسائي وخلف الحرفين أعمى وأعمى وفتح الباقون .

وأمال أبو عمرو الأول وفتح الثاني .وأضل سبيلا يعني أنه لا يجد طريقا إلى الهداية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ } الدنيا { أَعْمَى } عن الحق فلم يقبله، ولم ينقد له، بل اتبع الضلال.

{ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى } عن سلوك طريق الجنة كما لم يسلكه في الدنيا، { وَأَضَلُّ سَبِيلًا } فإن الجزاء من جنس العمل، كما تدين تدان.

وفي هذه الآية دليل على أن كل أمة تدعى إلى دينها وكتابها، هل عملت به أم لا؟

وأنهم لا يؤاخذون بشرع نبي لم يؤمروا باتباعه، وأن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه ومخالفته لها.

وأن أهل الخير، يعطون كتبهم بأيمانهم، ويحصل لهم من الفرح والسرور شيء عظيم، وأن أهل الشر بعكس ذلك، لأنهم لا يقدرون على قراءة كتبهم، من شدة غمهم وحزنهم وثبورهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن كان في هذه أعمى ( اختلفوا في هذه الإشارة فقال قوم : هي راجعة إلى النعم التي عددها الله تعالى في هذه الآيات من قوله : ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك ( إلى قوله ( تفضيلا ( يقول : من كان منكم في هذه النعم التي قد عاين أعمى ( فهو في ( أمر ( الآخرة ( التي لم يعاين ولم ير ( أعمى وأضل سبيلا ( يروى هذا عن ابن عباس .

وقال الآخرون : هي راجعة إلى الدنيا يقول : من كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق فهو في الآخرة أعمى أي : أشد عمى وأضل سبيلا أي : أخطأ طريقا .

وقيل : من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار فهو في الآخرة أعمى عن الاعتذار .

وقال الحسن : من كان في هذه الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته .

وأمال بعض القراء هذين الحرفين وفتحهما بعضهم وكان أبو عمرو يكسر الأول ويفتح الثاني فهو في الآخرة أشد عمى لقوله " وأضل سبيلا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن كان في هذه» أي الدنيا «أعمى» عن الحق «فهو في الآخرة أعمى» عن طريق النجاة وقراءة القرآن «وأضل سبيلاً» أبعد طريقا عنه.

ونزل في ثقيف وقد سألوا صلى الله عليه وسلم أن يحرم واديهم وألحوا عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن دلائل قدرة الله فلم يؤمن بما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو في يوم القيامة أشدُّ عمى عن سلوك طريق الجنة، وأضل طريقًا عن الهداية والرشاد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى من هذه الآيات روايات منها ما جاء عن سعيد بن جبير أنه قال : كان النبى صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فى طوافه ، فمنعته قريش وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تُلم بآلهتنا .

.

.

فأبى الله - تعالى - ذلك ، وأنزل عليه هذه الآية .وروى عطاء عن ابن عباس قال : نزلت فى وفد ثقيف ، أتوا النبى صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا : وقالوا : متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يُهدى لها .

وحرم وادينا كما حرمت مكة ، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم .

.

.

فنزلت هذه الآية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا ذكر أحوال درجاته في الآخرة في هذه الآية وفيها مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يدعو ﴾ بالياء والنون و ﴿ يدعى كل أناس ﴾ على البناء للمفعول وقرأ الحسن ﴿ يدعو كل أناس ﴾ قال الفراء وأهل العربية لا يعرفون وجهاً لهذه القراءة المنقولة عن الحسن ولعله قرأ ﴿ يدعى ﴾ بفتحة ممزوجة بالضم فظن الراوي أنه قرأ ﴿ يدعو ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ يوم ندعو ﴾ نصب بإضمار اذكر ولا يجوز أن يقال العامل فيه قوله: ﴿ وفضلناهم  ﴾ لأنه فعل ماضٍ ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد ونفضلهم بما نعطيهم من الكرامة والثواب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبي إمام أمته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين وإمام القوم هو الذي يقتدي به في الصلاة وذكروا في تفسير الإمام هاهنا أقوال، القول الأول: إمامهم نبيهم روي ذلك مرفوعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون المعنى أنه ينادي يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بإيمانهم ثم ينادي يا أتباع فرعون يا أتباع نمروذ يا أتباع فلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر وعلى هذا القول فالباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ فيه وجهان.

الأول: أن يكون التقدير يدعو كل أناس بإمامهم تبعاً وشيعة لأمامهم كما تقول ادعوك باسمك.

والثاني: أن يتعلق بمحذوف وذلك المحذوف في موضع الحال كأنه قيل يدعو كل أناس مختلطين بإمامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب بجنوده.

والقول الثاني: وهو قول الضحاك وابن زيد ﴿ بإمامهم ﴾ أي بكتابهم الذي أنزل عليهم وعلى هذا التقدير ينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.

والقول الثالث: قال الحسن بكتابهم الذي فيه أعمالهم وهو قول الربيع وأبي العالية والدليل على أن هذا الكتاب يسمى إماماً قوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ شئ أحصيناه فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ  ﴾ فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماماً، وتقدير الباء على هذا القول بمعنى مع أي ندعو كل أناس ومعهم كتابهم كقولك ادفعه إليه برمته أي ومعه رمته.

القول الرابع: قال صاحب الكشاف ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بإمهاتهم وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا يفتضح أولاد الزنا ثم قال صاحب الكشاف وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته.

والقول الخامس: أقول في اللفظ احتمال آخر وهو أن أنواع الأخلاق الفاضلة والفاسدة كثيرة والمستولي على كل إنسان نوع من تلك الأخلاق فمنهم من يكون الغالب عليه الغضب ومنهم من يكون الغالب عليه شهوة النقود أو شهوة الضياع ومنهم من يكون الغالب عليه الحقد والحسد وفي جانب الأخلاق الفاضلة منهم من يكون الغالب عليه العفة أو الشجاعة أو الكرم أو طلب العلم والزهد إذا عرفت هذا فنقول: الداعي إلى الأفعال الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة فذلك الخلق الباطن كالإمام له والملك المطاع والرئيس المتبوع فيوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فهذا هو المراد من قوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم ﴾ فهذا الاحتمال خطر بالبال، والله أعلم بمراده ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ قال صاحب الكشاف إنما قال أولئك لأن من أوتي في معنى الجمع والفتيل القشرة التي في شق النواة وسمي بهذا الاسم لأنه إذا أراد الإنسان استخراجه انفتل وهذا يضرب مثلاً للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير في ضرب المثل به والمعنى لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل ونظيره قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً  ﴾ ، ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً  ﴾ وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال الفتيل هو الوسخ الذي يظهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته وهو فعيل من الفتل بمعنى مفتول فإن قيل لهم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أصحاب الشمال يقرؤونه أيضاً قلنا الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملاً على المهلكات العظيمة والقبائح الكاملة والمخازي الشديدة فيستولي الخوف والدهشة على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم على أحسن الوجوه وأثبتها ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارئ لأهل الحشر: ﴿ هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه  ﴾ فظهر الفرق، والله أعلم ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الأخرة أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ونصر عن الكسائي ومن كان في هذه أعمى بالإمالة والكسر فهو في الآخرة أعمى بالفتح وقرأ بالفتح والتفخيم فيهما ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في رواية بالإمالة فيهما، قال أبو علي الفارسي الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أن المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى وبهذا التقدير تكون هذه الكلمة تامة فتقبل الإمالة وأما في الكلمة الثانية فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل فكانت بمعنى أفعل من وبهذا التقدير لا تكون لفظة أعمى تامة فلم تقبل الإمالة والحاصل أن إدخال الإمالة في الأولى دل على أنه ليس المراد أفعل التفضيل وتركها في الثانية يدل على أن المراد منها أفعل التفضيل، والله أعلم.

المسألة الثانية: لا شك أنه ليس المراد من قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الأخرة أعمى ﴾ عمى البصر بل المراد منه عمى القلب، أما قوله فهو في الآخرة أعمى ففيه قولان: القول الأول: أن المراد منه أيضاً عمى القلب وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: اقرأ ما قبلها فقرأ ﴿ رَبَّكُمُ الذي يُزْجِى لَكُمُ الفلك فِي البحر  ﴾ إلى قوله: ﴿ تَفْضِيلاً  ﴾ قال ابن عباس من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلا وعلى هذا الوجه فقوله في هذه إشارة إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة.

وثانياً: روى أبو ورق عن الضحاك عن ابن عباس قال من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السموات والأرض والبحار والجبال والناس والدواب فهو عن أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلاً وأبعد عن تحصيل العلم به وعلى هذا الوجه فقوله فمن كان في هذه إشارة إلى الدنيا وعلى هذين القولين فالمراد من كان في الدنيا أعمى القلب عن معرفة هذه النعم والدلائل فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى فالعمى في المرتين حصل في الدنيا.

وثالثها: قال الحسن من كان في الدنيا ضالاً كافراً فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته وفي الدنيا يهتدي إلى التخلص من أبواب الآفات وفي الآخرة لا يهتدي إلى ذلك ألبتة.

ورابعها: أنه لا يمكن حمل العمى الثاني على الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة فكان المراد منه العمى عن طريق الجنة أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفة الله فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة.

وخامسها: أن الذين حصل لهم عمى القلب في الدنيا إنما حصلت هذه الحالة لهم لشدة حرصهم على تحصيل الدنيا وابتهاجهم بلذاتها وطيباتها فهذه الرغبة تزداد في الآخرة وتعظم هناك حسرتها على فوات الدنيا وليس معهم شيء من أنوار معرفة الله تعالى فيبقون في ظلمة شديدة وحسرة عظيمة فذاك هو المراد من العمى.

القول الثاني: أن يحمل العمى الثاني على عمى العين والبصر فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين والبصر كما قال: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا  قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ  ﴾ وقال: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا  ﴾ وهذا العمى زيادة في عقوبتهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معناه: ومن كان في الدنيا أعمى، فهو في الآخرة أعمى كذلك ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ من الأعمى: والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته، لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة: أما في الدنيا فلفقد النظر.

وأما في الآخرة، فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه، وقد جوزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل.

ومن ثم قرأ أبو عمرو الأوّل ممالا، والثاني مفخماً، لأن أفعل التفضيل تمامه بمن، فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلام، كقولك: أعمالكم وأما الأوّل فلم يتعلق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف معرضة للإمالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ أيْضًا مُشْعِرٌ بِذَلِكَ فَإنَّ الأعْمى لا يَقْرَأُ الكِتابَ، والمَعْنى ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ لا يُبْصِرُ رُشْدَهُ كانَ في الآخِرَةِ أعْمى لا يَرى طَرِيقَ النَّجاةِ.

﴿ وَأضَلُّ سَبِيلا ﴾ مِنهُ في الدُّنْيا لِزَوالِ الِاسْتِعْدادِ وفِقْدانِ الآلَةِ والمُهْلَةِ.

وقِيلَ لِأنَّ الِاهْتِداءَ بَعْدُ لا يَنْفَعُهُ والأعْمى مُسْتَعارٌ مِن فاقِدِ الحاسَّةِ.

وقِيلَ الثّانِي لِلتَّفْضِيلِ مِن عَمِي بِقَلْبِهِ كالأجْهَلِ والأبْلَهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَمامُهُ بِمَن فَكانَتْ ألِفُهُ في حُكْمِ المُتَوَسِّطَةِ كَما في أعْمالِكم بِخِلافِ النَّعْتِ، فَإنَّ ألِفَهُ واقِعَةٌ في الطَّرَفِ لَفْظًا وحُكْمًا فَكانَتْ مُعَرَّضَةً لِلْإمالَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ ياءً في التَّثْنِيَةِ، وقَدْ أمالَهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ بَيْنَ فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَن كَانَ فِى هذه} الدنيا {أعمى فَهُوَ فِى الآخرة أعمى} كذلك {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} من الأعمى أي أضل طريقاً والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة أما في الدنيا فلفقد النظر وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه وقد جوّزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل بدليل عطف وأضل ومن ثم قرأ أبو عمرو والأول ممالاً والثاني مفخماً لأن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلمة فلا يقبل الإمالة وأما الأول فلم يتعلق به شيء فكانت ألفه واقعة في الطرف فقبلت الإمالة وأمالهما حمزة وعلي وفخمهما الباقون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن كانَ ﴾ مِنَ المَدْعُوِّينَ المَذْكُورِينَ ﴿ فِي هَذِهِ ﴾ الدُّنْيا الَّتِي فُعِلَ بِهِمْ فِيها مِنَ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ ما فُعِلَ ﴿ أعْمى ﴾ لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ نَجاتِهِ مِنَ النَّظَرِ إلى ما أوْلاهُ مَوْلاهُ جَلَّ عُلاهُ والقِيامِ بِحُقُوقِهِ وشُكْرِهِ سُبْحانَهُ بِما يَنْبَغِي لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ ﴾ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِ: «يَوْمَ نَدْعُو» ﴿ أعْمى ﴾ لا يَهْتَدِي أيْضًا إلى ما يُنَجِّيهِ ولا يَظْفَرُ بِما يُجْدِيهِ لِأنَّ العَمى الأوَّلَ مُوجِبٌ لِلثّانِي وهو في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعارٌ مِن آفَةِ البَصَرِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ أعْمى ﴾ الثّانِي أفْعَلَ تَفْضِيلٍ مِن عَمى البَصِيرَةِ وهو مِنَ العُيُوبِ الباطِنَةِ الَّتِي يَجُوزُ أنْ يُصاغَ مِنها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ كالأحْمَقِ والأبْلَهِ، وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ إمالَةُ أبِي عَمْرٍو الأوَّلَ وتَفْخِيمُهُ الثّانِي وبَيانُ أنَّ الألِفَ في الأوَّلِ آخِرُ الكَلِمَةِ كَما تَرى وتَحْسُنُ الإمالَةُ في الأواخِرِ وهي في الثّانِي عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ كَأنَّها في وسَطِ الكَلِمَةِ لِأنَّ أفْعَلَ المَذْكُورَ غَيْرُ مُعَرَّفٍ بِاللّامِ ولا مُضافٍ لا يُسْتَعْمَلُ بِدُونِ مِن الجارَّةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ مَلْفُوظَةً أوْ مُقَدَّرَةً وهو مَعَها في حُكْمِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ ولا تَحْسُنُ الإمالَةُ فِيها ولا تَكْثُرُ كَما في المُتَطَرِّفَةِ.

وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ فَلا يَرُدُّ إمالَةَ «أدْنى مِن ذَلِكَ» و«الكافِرِينَ» وأنَّ حَمْزَةَ والكِسائِيَّ وأبا بَكْرٍ يُمِيلُونَ الأعْمى في المَوْضِعَيْنِ ولا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: إنَّهم لا يَرَوْنَهُ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ أوْ أنَّ الإمالَةَ فِيما يَرَوْنَهُ كَذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لَمّا أُرِيدَ افْتِراقُ مَعْنى الأعْمى في المَوْضِعَيْنِ افْتَرَقَ اللَّفْظانِ إمالَةً وتَفْخِيمًا، وفُخِّمَ الثّانِي لِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى أوْلى بِالتَّفْخِيمِ مَعَ عَدَمِ حُسْنِ الإمالَةِ فِيهِ حُسْنَها في الأوَّلِ، ولا يُظَنُّ بِأبِي عَلِيٍّ أنَّهُ يَقُولُ بِامْتِناعِ الإمالَةِ وإنَّما يَقُولُ بِأوْلَوِيَّةِ التَّفْخِيمِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ العَمى فِيما يَكُونُ لِلْبَصَرِ وما يَكُونُ لِلْبَصِيرَةِ حَقِيقَةً فَلا إشْكالَ، وإنْ كانَ حَقِيقَةً في الأوَّلِ وتُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الثّانِي فَفِيهِ إشْكالٌ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ أُلْحِقَ بِما وُضِعَ لِذَلِكَ وقَدْ مَنَعَهُ آخَرُونَ؛ لِأنَّ العِلَّةَ وهي الإلْباسُ بِالوَصْفِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ فَتَدَبَّرْ، وقَوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ بِعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ مِنهُ في الدُّنْيا لِزَوالِ الِاسْتِعْدادِ وعَدَمِ إمْكانِ تَدارُكِ ما فاتَ، وهَذا بِعَيْنِهِ هو الَّذِي أُوتِيَ كِتابَهُ بِشَمالِهِ بِدَلالَةِ حالِ ما سَبَقَ مِنَ الفَرِيقِ المُقابِلِ لَهُ، ولَعَلَّ العُدُولَ إلى هَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِالعِلَّةِ المُوجِبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴾ ولِلرَّمْزِ إلى عِلَّةِ حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ وفي ذَلِكَ ما هو مِن قَبِيلِ الِاحْتِباكِ حَيْثُ ذُكِرَ في أحَدِ الجانِبَيْنِ المُسَبَّبُ وفي الآخَرِ السَّبَبُ ودُلَّ بِالمَذْكُورِ في كُلٍّ مِنهُما عَلى المَتْرُوكِ في الآخَرِ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ العَقْلِ، وجَعَلَهُ ابْنُ المُنَيِّرِ مُقابِلًا لِلْقِسْمِ الأوَّلِ عَلى مَعْنى: ﴿ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ فَهو الَّذِي يَتَبَصَّرُهُ ويَقْرَؤُهُ ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى غَيْرَ مُتَبَصِّرٍ في نَفْسِهِ ولا ناظِرٍ في مَعادِهِ فَهو في الآخِرَةِ كَذَلِكَ غَيْرُ مُتَبَصِّرٍ في كِتابِهِ بَلْ أعْمى عَنْهُ أوْ أشَدُّ عَمًى مِمّا كانَ في الدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ التَّأْوِيلَيْنِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.

ويُشْعِرُ أيْضًا بِأنَّ مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنِ السُّلُوكِ في طَرِيقِ نَجاتِهِ لا يَقْرَأُ في الآخِرَةِ كِتابَهُ وهو خِلافُ المُصَرَّحِ بِهِ في الآياتِ والأحادِيثِ، نَعَمْ فَرْقٌ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ ولَعَلَّ الآيَةَ تُشْعِرُ بِالفَرْقِ وإنْ لَمْ تُقَرِّرِ المُقابَلَةَ بِما ذُكِرَ، هَذا وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ تَفْسِيرُ ﴿ أعْمى ﴾ الثّانِي بِأعْمى العَيْنِ ولا تَجُوزُ؛ أيْ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى العَيْنِ، أيْ: يُحْشَرُ كَذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ عَلى ضَلالَتِهِ في الدُّنْيا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ﴾ الآيَةَ.

وتَأوَّلَ ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ بِالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ، وعَنْهُ أيْضًا تَجْوِيزُ أنْ يَكُونَ العَمى عِبارَةً عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ المُفْرِطِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن كانَ في الدُّنْيا ضالًّا فَهو في الآخِرَةِ مَغْمُومٌ جِدًّا فَإنَّ مَن لا يَرى إلّا ما يَسُوءُهُ والأعْمى سَواءٌ، وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ سَخِينُ العَيْنِ وهو كَما تَرى.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى النِّعَمِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ عَلى مَعْنى: مَن كانَ أعْمى غَيْرَ مُتَبَصِّرٍ في هَذِهِ النِّعَمِ وقَدْ عايَنَها فَهو في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يُعايِنْها أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا، واسْتَنَدَ في ذَلِكَ إلى ما أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: جاءَ نَفَرٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألَهُ رَجُلٌ مِنهُمْ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تَصِلِ المَسْألَةَ؛ اقْرَأْ ما قَبْلَها ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ ثُمَّ قالَ: مَن كانَ أعْمى عَنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي قَدْ رَأى وعايَنَ فَهو في أمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ ولَمْ يُعايِنْ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى أخْرَجَها عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ تَعالى: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا رَأى مِن قُدْرَتِي مِن خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والبِحارِ والنّاسِ والدَّوابِّ وأشْباهِ هَذا فَهو عَمّا وصَفْتُ لَهُ في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا يَقُولُ سُبْحانَهُ: أبْعَدُ حُجَّةً.

ورَوى أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا التَّأْوِيلَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا؛ وإنْ كانَ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ في البُعْدِ، ولا أظُنُّ الحَبْرَ يَقُولُ ذَلِكَ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * * «ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ» ﴿ وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ قالَتِ الوُجُودِيَّةُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: إنَّهُ تَعالى سَبَقَ قَضاؤُهُ أنْ لا يُعْبَدُ سِواهُ فَكُلُّ عابِدٍ إنَّما يَعْبُدُ اللَّهَ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ يَدْرِي ومِن حَيْثُ لا يَدْرِي؛ فَإنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ والأعْيانُ الثّابِتَةُ ما شَمَّتْ رائِحَةَ الوُجُودِ ولا تَشُمُّهُ أبَدًا، ومِمّا يَنْسُبُونَهُ إلى زَيْنِ العابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ مُشِيرٌ إلى مُدَعّاهم قَوْلُهُ: إنِّي لَأكْتُمُ مِن عِلْمِي جَواهِرَهُ كَيْلا يَرى الحَقَّ ذُو جَهْلٍ فَيَفْتَتِنا وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا أبُو حَسَنٍ ∗∗∗ إلى الحُسَيْنِ وأوْصى قَبْلَهُ الحَسَنا فَرُبَّ جَوْهَرٍ عَلَمٍ لَوْ أبُوحُ بِهِ ∗∗∗ لَقِيلَ لِي: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنا ولاسْتَحَلَّ رِجالٌ مُسْلِمُونَ دَمِي ∗∗∗ يَرَوْنَ أقْبَحَ ما يَأْتُونَهُ حَسَنا قالُوا: إنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنى بِهَذا الجَوْهَرِ الَّذِي لَوْ باحَ بِهِ لَقِيلَ لَهُ: أنْتَ مِمَّنْ يَعْبُدُ الوَثَنَ عِلْمَ الوَحْدَةِ؛ إذْ مِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الوَثَنَ وكَذا غَيْرُهُ مَظْهَرٌ لَهُ جَلَّ وعَلا ولَيْسَ في الدّارِ غَيْرُهُ دَيّارٌ، وقَدْ مَرَّ عَنْ قُرْبٍ ما نُقِلَ عَنِ الحَلّاجِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ ولِغَيْرِهِ عَرَبًا وعَجَمًا وهو عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ فَتَحَ بابًا في هَذا المَطْلَبِ لا يُسَدُّ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وكَأنَّهُ أوْصى إلَيْهِ بِأنْ يَبُوحَ ويَنْثُرَ هاتِيكَ الجَواهِرَ بَيْنَ الأصاغِرِ والأكابِرِ كَما أوْصى إلى الحَسَنَيْنِ بِأنْ يَكْتُما مِن ذَلِكَ ما عَلِما، وفي بَعْضِ كُتُبِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ ما هو صَرِيحٌ في أنَّهُ مَأْمُورٌ؛ فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو مَعْذُورٌ، وأنا لا أرى عُذْرًا لِمَن يَقْفُو أثَرَهُ في المَقالِ مَعَ مُبايَنَتِهِ لَهُ في الحالِ، فَإنَّ هَذا المَطْلَبَ أجَلُّ مِن أنْ يَحْصُلَ لِغَرِيقِ الشَّهَواتِ وأسِيرِ المَأْلُوفاتِ ورَهِينِ العاداتِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: تَقُولُ نِساءُ الحَيِّ: تَطْمَعُ أنْ تَرى ∗∗∗ مَحاسِنَ لَيْلى مُتْ بِداءِ المَطامِعِ وكَيْفَ تَرى لَيْلى بِعَيْنٍ تَرى بِها ∗∗∗ سِواها وما طَهَّرْتَها بِالمَدامِعِ وتَطْمَعُ مِنها بِالحَدِيثِ وقَدْ جَرى ∗∗∗ حَدِيثُ سِواها في خُرُوقِ المَسامِعِ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى تَأْوِيلِ الصُّوفِيَّةِ هَذِهِ الآيَةُ لا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ داخِلًا فِيما قَضى؛ إذْ لا يَسْمَعُهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ كُلَّ أحَدٍ مُحْسِنٌ بِوالِدَيْهِ مِن حَيْثُ يَدْرِي ومِن حَيْثُ لا، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أنَّ هَذا إيصاءٌ بِالإحْسانِ إلى الشَّيْخِ أيْضًا، وعَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَثْنِيَةُ الوالِدَيْنِ كَما في قَوْلِهِمُ: القَلَمُ أحَدُ اللِّسانَيْنِ.

﴿ وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ﴾ قِيلَ: ذُو القُرْبى إشارَةٌ إلى الرُّوحِ لِأنَّها كانَتْ قَبْلَ في القُرْبَةِ والمُشاهَدَةِ ثُمَّ هَبَطَتْ حَيْثُ هَبَطَتْ، والمِسْكِينُ إشارَةٌ إلى العَقْلِ لِأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وابْنُ السَّبِيلِ إشارَةٌ إلى القَلْبِ لِأنَّهُ يَتَقَلَّبُ في سُبُلِ السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، وحَقُّ الرُّوحِ المُشاهَدَةُ، والعَقْلِ الفِكْرُ، والقَلْبِ الذِّكْرُ، وقِيلَ: الأوَّلُ إشارَةٌ إلى إخْوانِ المَعْرِفَةِ الَّذِينَ وصَلُوا مَعالِيَ المَقاماتِ وحَقُّهم ذِكْرُ ما يَزِيدُ تَمْكِينَهُمْ، والثّانِي إشارَةٌ إلى العاشِقِينَ الَّذِينَ سَكَنَهم عِشْقُ مَوْلاهم عَنْ طَلَبِ ما سِواهُ وحَقُّهم ذِكْرُ ما يَزِيدُ عِشْقَهُمْ، والثّالِثُ إشارَةٌ إلى السّالِكِينَ سُبُلَ الطَّلَبِ المُمْتَطِينَ نَجائِبَ الهِمَّةِ وحَقُّهم ذِكْرُ ما يَزِيدُ رَغْبَتَهم ويُهَوِّنُ مَشَقَّتَهم ﴿ ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ لِلْمَشايِخِ كَيْفَ يَكُونُونَ مَعَ المُرِيدِينَ؛ أيْ: لا يَبْخَلُ عَلى المُرِيدِ بِنَشْرِ فَضائِلِ المَعْرِفَةِ وحَقائِقِ القُرْبَةِ، ولا تَذْكُرْ شَيْئًا لا يُتْحَمَلُ فَيَهْلَكُ وكُنْ بَيْنَ بَيْنَ.

﴿ وأوْفُوا بِالعَهْدِ ﴾ الَّذِي أُخِذَ مِنكم قَبْلَ خَلْقِ الأشْباحِ؛ وهو أنْ تُوَحِّدُوهُ تَعالى ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.

وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لِرَبِّكَ عَلَيْكَ عُهُودٌ ظاهِرًا وباطِنًا فَعَهْدٌ عَلى الأسْرارِ أنْ لا تُشاهِدَ سِواهُ جَلَّ جَلالُهُ، وعَهْدٌ عَلى الرُّوحِ أنْ لا تُفارِقَ مَقامَ القُرْبَةِ، وعَهْدٌ عَلى القَلْبِ أنْ لا يُفارِقَ الخَوْفَ، وعَهْدٌ عَلى النَّفْسِ أنْ لا تَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الفَرائِضِ، وعَهْدٌ عَلى الجَوارِحِ أنْ تُلازِمَ الأدَبَ وتَتْرُكَ المُخالَفاتِ.

﴿ وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ قِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ لِلْمَشايِخِ أيْضًا أنْ لا يَنْقُصُوا المُسْتَعِدِّينَ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم مِنَ الفَيُوضاتِ القَلْبِيَّةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ﴾ إشارَةٌ لَهم أنْ يَعْرِضُوا أعْمالَ المُرِيدِينَ القَلْبِيَّةَ والقالَبِيَّةَ عَلى الشَّرِيعَةِ فَهي القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ وكِفَّتاها الحَظْرُ والإباحَةُ.

﴿ ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ ما يَلْزَمُ السّالِكَ مِنَ التَّثَبُّتِ والِاحْتِياطِ والكَفِّ عَنِ الدَّعاوى العاطِلَةِ ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ ﴾ الآيَةَ.

وقَدْ عَلِمْتَ ما عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ في تَسْبِيحِ الأشْياءِ مِن أنَّهُ قالَ: إلّا أنَّهُ لا يَسْمَعُهُ إلّا مَن فازَ بِقُرْبِ النَّوافِلِ أوْ مَن أشْرَقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أنْوارِهِ كالَّذِينِ سَمِعُوا تَسْبِيحَ الحَصى في مَجْلِسِ سَيِّدِ الكامِلِينَ  ، والتَّسْبِيحُ الحالِيُّ مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَرَّرَهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ بِأنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ خاصِّيَّةً لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وكَما لا يَخُصُّهُ دُونَ ما عَداهُ فَهو يَشْتاقُهُ ويَطْلُبُهُ إذا لَمْ يَكُنْ حاصِلًا لَهُ ويَحْفَظُهُ ويُحِبُّهُ إذا حَصَلَ فَهو بِإظْهارِ خاصِّيَّتِهِ يُنَزِّهُ اللَّهَ تَعالى مِنَ الشَّرِيكِ وإلّا لَمْ يَكُنْ مُتَوَحِّدًا فِيها فَلِسانُ حالِهِ يَقُولُ: أُوَحِّدُهُ عَلى ما وحَّدَنِي وبِطَلَبِ كَمالِهِ يُنَزِّهُهُ سُبْحانَهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا كامِلُ كَمِّلْنِي وبِإظْهارِ كَمالِهِ كَأنَّهُ يَقُولُ: كَمَّلَنِي الكامِلُ المُكَمِّلُ وعَلى هَذا القِياسُ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: تُسَبِّحُهُ السَّماواتُ بِالكَمالِ والتَّأْثِيرِ والرُّبُوبِيَّةِ وبِأنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، والأرْضُ بِالخِلاقِيَّةِ والرِّزاقِيَّةِ والرَّحْمَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمَلائِكَةُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّجَرُّدِ عَنِ المادَّةِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهم أرْواحٌ مُجَرَّدَةٌ وهَكَذا.

﴿ وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ مِنَ الجَهْلِ وعَمى القَلْبِ فَلا يَرَوْنَ حَقِيقَتَكَ القُدْسِيَّةَ ولا يُدْرِكُونَ مِنكَ إلّا الصُّورَةَ البَشَرِيَّةَ، وإنَّما خَصَّ ذَلِكَ بِوَقْتِ قِراءَةِ القُرْآنِ مَعَ أنَّهم في كُلِّ وقْتٍ هم أجْهَلُ الخَلْقِ بِهِ  لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَظْهَرُ إشْراقُ أنْوارِ الصِّفاتِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإذا كانُوا مَحْجُوبِينَ إذْ ذاكَ كانُوا في غَيْرِهِ مِنَ الأوْقاتِ أحْجَبَ وأحْجَبَ.

﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ مِنَ الغِشاواتِ الطَّبِيعِيَّةِ والهَيْئاتِ البَدَنِيَّةِ ﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ فَإنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ تَعالى وهو أحَدُ صِفاتِهِ وإذا لَمْ يَعْرِفُوا نَبِيَّهُ  لَمْ يَعْرِفُوهُ عَزَّ وجَلَّ، وإذا لَمْ يَعْرِفُوهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَعْرِفُوا صِفاتِهِ تَعالى فَلَمْ يَعْرِفُوا كَلامَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ لِرُسُوخِ أوْساخِ التَّعَلُّقاتِ فِيها يَمْنَعُهم عَنْ سَماعِ القِراءَةِ وهَذا ناشِئٌ مِن جَهْلِهِمْ بِأفْعالِهِ تَعالى.

﴿ وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا ﴾ لِتَشَتُّتِ أهْوائِها وتَفَرُّقِ هَمِّهِمْ في عِبادَةِ آلِهَتِهِمُ المُتَنَوِّعَةِ فَلا تُناسِبُ الوَحْدَةُ بَواطِنَهم.

﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ لِلْقِيامِ مِنَ القُبُورِ ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ حامِدِينَ لَهُ تَعالى مَجْدَهُ بِلِسانِ القالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ حَيْثُ أظْهَرَ فِيكُمُ الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ ونَحْوَ ذَلِكَ.

﴿ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ ﴾ في القُبُورِ أوْ في الدُّنْيا ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ لِذُهُولِكم عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ أوِ اسْتِقْصارِكُمُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ فَمَن عَلِمَ سُبْحانَهُ أهْلِيَّتَهُ لِلرَّحْمَةِ شاءَ تَعالى رَحْمَتَهُ فَرَحِمَهُ ومَن عَلِمَ جَلَّ وعَلا أهْلِيَّتَهُ لِلْعَذابِ شاءَ عَذابَهُ فَعَذَّبَهُ، ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِ شِقِّ مَشِيئَتِهِ الرَّحْمَةَ مِن تَقْوِيَةِ الأمَلِ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ أيْ يَدْعُونَهُمُ الكُفّارُ ويَعْبُدُونَهم ﴿ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ﴾ أيْ: يَطْلُبُ الأقْرَبُ مِنهُمُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ بِغَيْرِ الأقْرَبِ؟

والوَسِيلَةُ في الأصْلِ الواسِطَةُ الَّتِي يُتَوَسَّلُ ويُتَقَرَّبُ بِها إلى الشَّيْءِ وهي هُنا الطّاعَةُ كَما تَقَدَّمَ.

وقِيلَ: هي كَرَمُهُ تَعالى القَدِيمُ وإحْسانُهُ عَزَّ وجَلَّ العَمِيمُ، وقِيلَ: هي الشَّفاعَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَمّا كانَ مَقامُ الوَسِيلَةِ بِهَذا المَعْنى خاصًّا بِنَبِيِّنا  أطْلَقُوا الوَسِيلَةَ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفَسَّرَها بِذَلِكَ هُنا بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فَكُلُّ مَن عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وسِيلَتُهم إلى اللَّهِ تَعالى نَبِيِّنا  بَلْ هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسِيلَةُ سائِرِ المَوْجُوداتِ والواسِطَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى في إفاضَتِهِ سُبْحانَهُ الوُجُودَ وكَذا سائِرُ ما أُفِيضَ عَلَيْهِمْ وأحْظى الخَلْقِ بِوَساطَتِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم أشِعَّةُ أنْوارِهِ وعُكُوساتُ آثارِهِ وهو النُّورُ الحَقُّ والنَّبِيُّ المُطْلَقُ وكانَ نَبِيًّا وآدَمُ بَيْنَ الماءِ والطِّينِ، وقَدْ تَلَقّى الأنْبِياءُ مِنهُ مِن وراءِ حِجابِ الأرْحامِ والأصْلابِ، وظَهَرُوا إذْ كانَ مُحْتَجِبًا ظُهُورَ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ فَلَمّا بَزَغَتْ شَمْسُ النُّبُوَّةِ المُطْلَقَةِ مِن أُفُقِ الظُّهُورِ غابُوا ونُسِخَتْ أحْكامُهم عَلى نَحْوِ غَيْبُوبَةِ الكَواكِبِ وانْمِحاقِ أنْوارِها وأضْوائِها عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن تَحْتِ الحِجابِ مُنْخَلِعَةً عَنِ الجِلْبابِ.

﴿ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ ﴾ لِعِلْمِهِمْ بِجَمالِهِ وجَلالِهِ، والرَّجاءُ والخَوْفُ جَناحا مَن يَطِيرُ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ ورَوْضَةِ الأُنْسِ، ومَن عَطَّلَ أحَدَهُما تَعَطَّلَ عَنِ الطَّيَرانِ.

﴿ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى اخْتِلافِ مَراتِبِ تَمَكُّنِ الشَّيْطانِ مِن إغْواءِ بَنِي آدَمَ، فَمَن كانَ مِنهم ضَعِيفَ الِاسْتِعْدادِ اسْتَفَزَّهُ واسْتَخَفَّهُ بِصَوْتِهِ فَأغْواهُ بِوَسْوَسَةٍ وهَمْسٍ بَلْ هاجِسَةٍ ولَمَّةٍ، ومَن كانَ قَوِيَّ الِاسْتِعْدادِ فَإنْ كانَ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ الغَيْرِيَّةِ أوْ عَنْ شَوائِبِ الصِّفاتِ النَّفْسانِيَّةِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن إغْوائِهِ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ وإنْ لَمْ يَكُنْ خالِصًا فَإنْ كانَ مُنْغَمِسًا في الشَّواغِلِ الحِسِّيَّةِ مُنْهَمِكًا في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ شارَكَهُ في أمْوالِهِ وأوْلادِهِ وحَرَّضَهُ عَلى إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى في المَحَبَّةِ وسَوَّلَ لَهُ التَّمَتُّعَ والتَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ بِهِمْ ومَنّاهُ الأمانِيَّ الكاذِبَةَ وزَيَّنَ لَهُ الآمالَ الفارِغَةَ، وإنْ لَمْ يَنْغَمِسْ فَإنْ كانَ عالِمًا بِتَسْوِيلاتِهِ أجْلَبَ عَلَيْهِ بِخَيْلِهِ ورَجْلِهِ؛ أيْ: مَكَرَ بِأنْواعِ الحِيَلِ وكادَهُ بِصُنُوفِ الفِتَنِ وأفْتاهُ بِأنَّ تَحْصِيلَ أنْواعِ الحُطامِ والمَلاذِّ مِن جُمْلَةِ مَصالِحِ المَعاشِ وغَرَّهُ بِعِلْمِهِ وحَمْلِهِ عَلى الإعْجابِ بِهِ وأمْثالِ ذَلِكَ حَتّى أضَلَّهُ عَلى عِلْمٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بَلْ كانَ عابِدًا مُتَنَسِّكًا أغْواهُ بِالوَعْدِ وغَرَّهُ بِرُؤْيَةِ الطّاعَةِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ.

﴿ ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ الآيَةَ.

قِيلَ: كَرَّمَهم تَعالى بِأنْ خَلَقَ أباهم آدَمَ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ، وجَعَلَ لَهم ذَلِكَ بِحُكْمِ الوِراثَةِ، وأنَّ الوَلَدَ سِرُّ أبِيهِ، وفَضَّلَهم عَلى الكَثِيرِ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِنَ النِّعَمِ ما يَسْتَغْرِقُ العَدَّ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: تَكْرِيمُهم بِأنْ بَسَطَ مَوائِدَ الإنْعامِ لَهم وجَعَلَ مَن عَداهم طُفَيْلِيًّا، وتَفْضِيلُهم بِما ذُكِرَ في التَّكْرِيمِ أوَّلًا وفِيهِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ.

﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ أيْ: نُنادِيهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلى مَن كانُوا يَقْتَدُونَ بِهِ في الدُّنْيا لِأنَّهُ المُسْتَعْلِي مَحَبَّتُهم إيّاهُ عَلى سائِرِ مَحَبّاتِهِمْ.

﴿ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ العَقْلِ الَّذِي هو أقْوى جانِبَيْهِ ﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ويَأْخُذُونَ أُجُورَ أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ فِيهِ ﴿ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ أدْنى شَيْءٍ حَقِيرٍ مِن ذَلِكَ ﴿ ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ عَنِ الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى أيْضًا ﴿ وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ لِبُطْلانِ الكَسْبِ هُناكَ وهَذا الَّذِي يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ؛ أيْ: مِن جِهَةِ النَّفْسِ الَّتِي هي أضْعَفُ جانِبَيْهِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِما ذُكِرَ لِما قَدَّمْنا، واللَّهُ تَعالى هو الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بعقولهم.

وقال الضحاك: كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ بالعقل والتمييز.

ويقال: إن الله تعالى خلق نبات الأرض والأشجار وجعل فيها، لأنه ينمو ويزداد بنفسه ما دام فيه الروح، فإذا يبس خرج منه وانقطع نماؤه وزيادته.

وخلق الدواب وجعل لهن زيادة روح تطلب بها رزقها، وتسمع منه الصوت.

وخلق بني آدم وجعل لهم زيادة روح، يعقلون بها ويميزون ويعلمون.

وخلق الأنبياء وجعل لهم زيادة روح، يبصرون بها الملائكة ويأخذون بها الوحي ويعرفون أمر الآخرة.

ثم قال: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي: حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على الرطوبة أي على ظهر الدواب، وفي البحر على اليبوسة وهي السفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ، أي: الحلال ويقال: من نبات الحبوب والفواكه والعسل، وجعل رزق البهائم التبن والشوك.

وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا، يعني: على الجن والشياطين والبهائم.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «فضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة: جبريل وميكاييل وإسرافيل وأشباههم منهم» ، وروي عن أبي هريرة أنه قال: «المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده» .

قوله عز وجل: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ، أي: بكتابهم، ويقال بداعيهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى، يدعى إمامهم قبلهم وقال أبو العالية: بِإِمامِهِمْ أي بأعمالهم، وقال مجاهد: بنبيهم.

وقال الحسن: بكتابهم الذي فيه أعمالهم.

فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ، أي: يقرءون حسناتهم ويعطون ثواب حسناتهم.

وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، يعني: لا يمنعون من ثواب أعمالهم مقدار الفتيل، وهو ما فتلته من الوسخ بين أصبعيك.

ثم قال الله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى، أي من كان في هذه النعم أعمى، يعني: لم يعلم أنها من الله، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى عن حجته، وَأَضَلُّ سَبِيلًا يعني: أضلّ عن حجته.

قال مجاهد: مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عن الحجة فهو فى الاخرة أعمى عن الحجة وَأَضَلُّ سَبِيلًا، أي أخطأ طريقاً، وقال قتادة: مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عمَّا عاين من نعم الله وخلقه ومن عجائب الله، فَهُوَ فِى الاخرة التي هي غائبة عنه ولم يرها أعمى.

وقال مقاتل: فيه تقديم ومعناه وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.

ومن كان عن هذه النعم أعمى، فهو عما غاب عنه من أمر الآخرة أعمى.

وقال الزجاج: معناه إذا عمي في الدنيا وقد تبين له الهدى وجعل إليه التوبة وضله عن رشده، فهو في الآخرة لا يجد متاباً ولا مخلصاً مما هو فيه، فهو أشد عمًى وأضلّ سبيلاً أي أضل طريقاً، لأنه لا يجد طريقاً إلى الهداية فقد حصل على عمله.

وذكر عن الفراء أنه قال: تأويله من كان في هذه النعم التي ذكرتها أعمى، لا يعرف فضلها ولا يشكر عليها وهي محسوسة، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى يعني: أشد شكاً في الذي هو غائب عنه في الآخرة من الثواب والعقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

توقيفٌ على آلاء اللَّه وفَضْلِهِ ورحمته بعباده، والضُّرُّ، هنا لفظ يعمُّ الغرق وغيره، وأهوال حالات البحر واضطرابه وتموجه، وضَلَّ معناه تلف وفُقِدَ.

وقوله: أَعْرَضْتُمْ، أي: فلم تفكِّروا في جميل صنع اللَّه بكم.

وقوله: كَفُوراً أي: بالنعم والْإِنْسانُ هنا: الجنس، «والحاصب» : العارض الرامي بالبَرَدِ والحجارةِ ومنه الحاصب الذي أصَابَ قوْمَ لوطٍ، «والحَصْبُ» الرمْيُ بالحَصْبَاء، «والقاصف» : الذي يَكْسِر كلَّ ما يلقى ويقصفه، و «تارة» معناه: مرَّة أخرى، «والتبيع» الذي يطلب ثأْراً أو دينا ومن هذه اللفظة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيُتْبِعْ» فالمعنى: لا تجدون مَنْ يَتَتَبَّع فعلنا بكم، ويطلب نصرتكم وهذه الآيات أنوارها واضحة للمهتدين.

وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣)

وقوله جلَّت عظمته وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ...

الآية: عدَّد اللَّه سبحانه على بني آدم ما خصَّهم به من المزايا مِنْ بين سائر الحيوان، ومن أفضل ما أكْرَم به الآدِميَّ/ العقْلُ الذي به يعرفُ اللَّه تعالى، ويفهم كلامه، ويوصِّل إِلى نعيمه.

وقوله سبحانه: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا المراد ب «الكثير المفضولِ» الحيوانُ والجنُّ، وأما الملائكة، فهم الخارجون عن الكثير المفضول، وليس في الآية ما يقتضي أن الملائكة أفضَلُ من الإِنسِ كما زعمت فرقة بل الأمر محتملٌ أنْ يكونوا أفضَلَ من الإِنس، ويحتمل التساوي.

وقوله سبحانه: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ يحتمل أن يريد باسْمِ إِمامهم، فيقول: يا أمة محمَّد، ويا أتباع فِرْعَوْنَ، ونحو هذا، ويحتمل أن يريد: مع إِمامهم أنْ تجيء كل أمَّة معها إِمامها من هادٍ ومضلٍّ، واختلف في «الإمام» ، فقال ابن عباس والحسن:

كتابهم الذي فيه أعمالهم «١» ، وقال قتادة ومجاهد: نبيهم «٢» ، وقال ابن زيد: كتابهم الذي

نَزَلَ عليهم «١» ، وقالت فرقة: متَّبَعُهُمْ مِنْ هادٍ أو مُضِلٍّ، ولفظة «الإِمام» تعمُّ هذا كلَّه.

وقوله سبحانه: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ: حقيقةٌ في أن في القيامة صحائفَ تتطاير، وتوضعُ في الأيْمَان لأهل الأَيْمانَ، وفي الشمائل لأهل الكُفْر والخذلان، وتوضع في أيمان المذْنِبِين الذين يَنْفُذُ عليهم الوعيد، فيستفيدون منها أنهم غَيْرُ مخلّدين في النار.

وقوله سبحانه: يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ: عبارةٌ عن السرور بها، أي: يردِّدونها ويتأمَّلونها.

وقوله سبحانه: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي: ولا أقلَّ، وقوله سبحانه: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الإِشارة ب هذِهِ إلى الدنيا، أي:

مَنْ كان في هذه الدارِ أعمى عن النظرِ في آيات اللَّه وعِبَرِه، والإِيمان بأنبيائه «٢» ، فهو في الآخرة أعمى على معنى أنه حيرانُ لا يتوجَّه لصوابٍ ولا يلوحُ له نُجْحٌ.

قال مجاهد: فهو في الآخرةِ أعمى عن حُجَّته «٣» ، ويحتمل أنْ يكون صفةَ تفضيلٍ، أي: أشدُّ عمًى وحيرةً لأنه قد باشر الخَيْبة ورأى مخايل العذاب ويقوِّي هذا التَّأويل قوله، عطفاً عليه: وَأَضَلُّ سَبِيلًا الذي هو «أَفْعَلُ مِنْ كَذَا» والعمى في هذه الآية هو عَمَى القلب، وقولُ سِيَبَوَيْه: لا يقال أعمى مِنْ كَذَا، إِنما هو في عمى العينِ الذي لا تفاضُلَ فيه، وأما في عمى القْلبِ، فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل ت: وكذا قال ص وقوله سبحانه: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ...

الآية: الضمير في قوله: كادُوا هو لقريشٍ، وقيل: لثقيفٍ، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلَتِ الآية، لأنهم قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لاَ نَدَعُكَ تستلمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حتى تَمَسَّ أيضاً أوثانَنَا على معنى التشرُّع «٤» ، وقال ابن إسحاق وغيره: إِنهم اجتمعوا إليه ليلةً، فعظَّموه، وقالوا له: أنْتَ سيِّدنا، ولكنْ أَقْبِلْ على بعض أمْرنا، ونُقْبِلُ على بعض أمرك، فنزلَتِ الآية في ذلك «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: اذْكُرْ، ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ والمُرادُ بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( يَوْمَ يَدْعُو ) بِالياءِ، ( كُلَّ ) بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يُدْعى ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ، وفَتْحِ العَيْنِ، وبَعْدها ألِفٌ، ( كُلُّ ) بِالرَّفْعِ.

وَفِي المُرادِ بِإمامِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَئِيسُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: إمامُ هُدًى، أوْ إمامُ ضَلالَةٍ.

والثّانِي: عَمَلُهُمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: نَبِيُّهُمْ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: كِتابُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: كِتابُهُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا مُتَّبِعِي مُوسى، يا مُتَّبِعِي عِيسى، يا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، ويُقالُ: يا مُتَّبِعِي رُؤَساءِ الضَّلالَةِ.

وعَلى الثّانِي: يا مَن عَمِلَ كَذا وكَذا.

وعَلى الثّالِثِ: يا أُمَّةَ مُوسى، يا أُمَّةَ عِيسى، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.

وعَلى الرّابِعِ: يا أهْلَ التَّوْراةِ، يا أهْلَ الإنْجِيلِ، يا أهْلَ القُرْآَنِ.

أوْ يا صاحِبَ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ عَمِلَ كَذا وكَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: يَقْرَؤُونَ حَسَناتِهِمْ؛ لِأنَّهم أخَذُوا كُتُبَهم بِإيمانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ؛ أيْ: لا يَنْقُصُونَ مِن ثَوابِهِمْ بِقَدْرِ الفَتِيلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ٤٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( أعْمى فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى ) مَفْتُوحَتَيِ المِيمِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ المِيمَيْنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( في هَذِهِ أعْمى ) بِكَسْرِ المِيمِ، ( فَهو في الآَخَرَةِ أعْمى ) بِفَتْحِها.

وَفِي المُشارِ إلَيْها بـِ " هَذِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ في خَلْقِ الأشْياءِ، فَهو عَمّا وُصِفَ لَهُ في الآَخِرَةِ أعْمى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى بِالكُفْرِ فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى؛ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وفي الآَخِرَةِ لا تُقْبَلُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: مَن عَمِيَ عَنْ آَياتِ اللَّهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنِ الَّذِي غَيَّبَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآَخِرَةِ أشَدُّ عَمًى.

والرّابِعُ: مَن عَمِيَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي بَيَّنَها في قَوْلِهِ: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ تَفْضِيلا ﴾ ، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنْ رَشادِهِ وصَلاحِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والخامِسُ: مَن كانَ فِيها أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

والثّانِي: أنَّها النِّعَمُ.

ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن كانَ أعْمى عَنِ النِّعَمِ الَّتِي تُرى وتُشاهَدُ، فَهو في الآَخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ أعْمى، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَن كانَ أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ حَقِّ اللَّهِ في هَذِهِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ولَمْ يُؤَدِّ شُكْرَها، فَهو فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ أعْمى " وأضَلُّ سَبِيلًا "، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ؛ أيْ: أشَدُّ عَمى؛ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا يُمْكِنُهُ الخُرُوجَ عَنْ عَماهُ بِالِاسْتِدْلالِ، ولا سَبِيلَ لَهُ في الآَخِرَةِ إلى الخُرُوجِ مِن عَماهُ.

وقِيلَ: مَعْنى العَمى في الآَخِرَةِ: أنَّهُ لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ الثَّوابِ، وهَذا كُلُّهُ مِن عَمى القَلْبِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: أشَدُّ عَمًى؛ لِأنَّ العَمى خِلْقَةٌ بِمَنزِلَةِ الحُمْرَةِ والزُّرْقَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ما أشَدَّ سَوادَ زَيْدٍ، وما أبْيَنَ زُرْقَةَ عَمْرٍو، وقَلَّما يَقُولُونَ: ما أسْوَدَ زَيْدًا، وما أزْرَقَ عَمْرًا ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى: عَمى القَلْبِ، وذَلِكَ يَتَزايَدُ ويَحْدُثُ مِنهُ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ، فَيُخالِفُ الخِلَقَ اللّازِمَةَ الَّتِي لا تَزِيدُ، نَحْوُ عَمى العَيْنِ، والبَياضِ، والحُمْرَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ﴾ "كَرَّمْنا" تَضْعِيفُ "كَرَمَ"، فالمَعْنى: جَعَلَنا لَهم كَرَمًا، أيْ شَرَفًا وفَضْلًا، وهَذا هو كَرَمُ نَفْيِ النُقْصانِ، لا كَرَمَ المالِ، وإنَّما هو كَما تَقُولُ: "ثَوْبٌ كَرِيمٌ"، أيْ: جَمَّةٌ مَحاسِنُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها عَلى بَنِي آدَمَ ما خَصَّهم بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَوانِ.

والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ.

حَمَلَهم في البَرِّ والبَحْرِ مِمّا لا يَصْلُحُ لِحَيَوانٍ سِوى بَنِي آدَمَ أنْ يَكُونَ يَحْمِلُ بِإرادَتِهِ وقَصْدِهِ وتَدْبِيرِهِ في البَرِّ والبَحْرِ جَمِيعًا.

والرِزْقُ مِنَ الطَيِّباتِ، ولا يَنْتَفِعُ فِيهِ حَيَوانٌ انْتِفاعَ بَنِي آدَمَ ؛ لِأنَّهم يَكْسِبُونَ المالَ خاصَّةً دُونَ الحَيَوانِ، ويَلْبَسُونَ الثِيابَ، ويَأْكُلُونَ المَرْكَباتِ مِنَ الأطْعِمَةِ، غايَةُ كُلِّ حَيَوانٍ أنْ يَأْكُلَ لَحْمًا نَيِّئًا، أو طَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ.

و"الرِزْقُ": كُلُّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: التَفْضِيلُ هو أنْ يَأْكُلَ بِيَدَيْهِ؛ وسائِرُ الحَيَوانِ بِالفَمِ.

وقالَ غَيْرُهُ: وأنْ يَنْظُرَ مِن إشْرافٍ أكْثَرَ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ويَمْشِي قائِمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَفْضِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُحْذِقٍ، وذَلِكَ لِلْحَيَوانِ مِن هَذا النَوْعِ ما كانَ يُفَضِّلُ بِهِ ابْنَ آدَمَ، كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ وشَجاعَةِ الأسَدِ وكَرَمِ الدِيكِ، وإنَّما التَكْرِيمُ والتَفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وبِهِ يَعْرِفُ اللهَ تَعالى، ويَفْهَمُ كَلامَهُ ويُوصِلُ إلى نَعِيمِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنِ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، ويُحْتَمَلُ التَساوِي، وإنَّما صَحَّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخْرى مِنَ الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ الآيَةُ.

يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "يَوْمَ" أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أو فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: ولا يُظْلَمُونَ يَوْمَ نَدْعُو، ثُمَّ فَسَّرَهُ "يُظْلَمُونَ" الآخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "وَفَضَّلْناهُمْ"، وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيَّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّمُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدَرُ، إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ؛ إذْ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا  ﴾ ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ "نَدْعُوا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ .

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَدْعُو" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَدْعُو" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يَدْعُو اللهُ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُدْعَوْ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الواوِ، وأصْلُها: يُدْعى، ولَكِنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يَقْلِبُونَ هَذِهِ الألِفَ واوًا فَيَقُولُونَ: أفْعَوْ، وحُبْلَوْ.

ذَكَرَ هاتَيْنِ أبُو الفَتْحِ وأبُو عَلِيٍّ في تَرْجَمَةِ أعْمى بَعْدُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: يُدْعَوْ كُلُّ.

وذَكَرَ أبُو عَمْرُو الدانِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "يُدْعى كُلُّ" و"الأُناسُ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

وقَوْلُهُ: "بِإمامِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِاسْمِ إمامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مَعَ إمامِهِمْ، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ويا أتْباعَ فِرْعَوْنَ، ونَحْوَ هَذا، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي تَجِيءُ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَها إمامُها مَن هادٍ أو مُضِلٍّ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإمامِ فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: نَبِيُّهُمْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُتَّبَعُهم مَن هادٍ ومُضِلٍّ.

ولَفْظَةُ "الإمامِ" تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّ الإمامَ هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ ويُهْتَدى بِهِ في القَصْدِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِنّاءِ: إمامٌ، قالَ الشاعِرُ يَصِفُ قَدْحًا: وقَوَّمْتُهُ حَتّى إذا تَمَّ واسْتَوى ∗∗∗ كَمُخَّةِ ساقٍ أو كَمَتْنِ إمامِ وَمِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ: إمامٌ؛ لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِهِ في المَقاصِدِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى المُرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ حَقِيقَةٌ في أنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ صَحائِفَ تَتَطايَرُ وتُوضَعُ في الأيْمانِ لِأهْلِ الإيمانِ، وفي الشَمائِلِ لِأهْلِ الكُفْرِ، وتُوضَعُ في أيْمانِ المُذْنِبِينَ الَّذِينَ يَنْفُذُهُمُ الوَعِيدُ، فَسَيَسْتَفِيدُونَ مِنها أنَّهم غَيْرُ مُخَلَّدِينَ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ، عِبارَةٌ عَنِ السُرُورِ بِها، أيْ: يُرَدِّدُنَها ويَتَناقَلُونَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ، أيْ: ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، حُكْمُ المَسْكُوتِ عنهُ كَحُكْمِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُبْخَسُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ شَيْئًا، و"الفَتِيلُ" هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلَ في القِلَّةِ وتَفاهَةِ القَدْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ الآيَةُ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إشارَةٌ إلى النِعَمِ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ، أيْ: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هَذِهِ النِعَمِ والإيمانِ بِمُسْدِيها فَهو في أُمُورِ الآخِرَةِ وشَأْنِها أعْمى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمَلُ "أعْمى" الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الأوَّلِ، عَلى أنَّهُ تَشْبِيهٌ بِأعْمى البَصَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ تَفْضِيلٍ، أيْ أشَدُّ عَمى، و"العَمى" في هَذِهِ الآيَةِ هو عَمى القَلْبِ في الأوَّلِ والثانِي، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدارِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبَرِهِ والإيمانِ بِآياتِهِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ: فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أعْمى، عَلى مَعْنى أنَّهُ حَيْرانٌ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ صَوابٌ، ولا يَلُوحُ لَهُ نُجُحٌ.

قالَ مُجاهِدٌ: في الآخِرَةِ أعْمى عن حُجَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ ووَقْتُ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَعالى، فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ حِيرَةً وأعْمى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ، ورَأى مَخايِلَ العَذابِ.

وبِهَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ مُعادَلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، مَن ذَكَرَ مَن يُؤْتى كِتابُهُ بِيَمِينِهِ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ بِمَعْنى: "فِي شَأْنِ الآخِرَةِ" لَمْ تُطْرَدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "أعْمى" في المَوْضِعَيْنِ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ- في المَوْضِعَيْنِ بِإمالَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإمالَةِ الأوَّلِ وفَتْحِ الثانِي، وتَأوَّلَهُ بِمَعْنى: "أشَدُّ عَمى"، ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ.

قالَ أبُو عَمْرُو: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و"أعْمى" لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: أعْمى مِن كَذا، فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا: "مِن كَذا" عَلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما جَعَلَهُ في الآخِرَةِ أضَلَّ سَبِيلًا، لِأنَّ الكافِرَ في الدُنْيا مُمْكِنٌ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُو، وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهو أضَلُّ سَبِيلًا، وأشَدُّ حِيرَةً، وأقْرَبُ إلى العَذابِ.

وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "لا يُقالُ أعْمى مِن كَذا، كَما يُقالُ: ما أيْداهْ" إنَّما هو في عَمى العَيْنُ الَّذِي لا تَفاضُلُ فِيهِ، وأمّا في عَمى القَلْبِ فَيُقالُ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقَعُ فِيهِ التَفاضُلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ العَمى الأوَّلَ هو عَمى العَيْنِ عَنِ الهُدى.

وهَذا بَيِّنُ الِاخْتِلالِ، واللهٌ المُعِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.

"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لَيَفْتِنُونَكَ" لامُ تَأْكِيدٍ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ الفَرّاءِ بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إنَّما"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كادُوا" قِيلَ: هو لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، فَأمّا لِقُرَيْشٍ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ  : لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ أوثانَنا، عَلى جِهَةِ التَشَرُّعِ بِذَلِكَ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ  أنْ يُظْهِرَ لَهم ذَلِكَ وقَلْبُهُ مُنْكِرٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ  في نَفْسِهِ: وما عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ لَهم ذَلِكَ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ ما في نَفْسِي؟

وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ وغَيْرُهُ: إنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لَيْلَةً فَعَظَّمُوهُ وقالُوا لَهُ: أنْتَ سَيِّدُنا، ولَكِنْ: أقْبِلْ عَلى بَعْضِ أمْرِنا ونُقْبِلُ عَلى بَعْضِ أمْرِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  ﴾ .

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ الآيَةَ قِيلَ: إنَّما هِي فِيما أرادُوهُ مِن طَرْدِ فُقَراءِ أصْحابِهِ.

وأمّا لِثَقِيفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لِأنَّهم طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ  أنْ يُؤَخِّرَهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ سَنَةً يَعْبُدُونَ فِيها اللاتَ، وقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ ما يُهْدى لَها، ولَكِنْ إنْ خِفْتَ أنْ تُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْكَ العَرَبُ فَقُلْ: أوحى اللهُ ذَلِكَ إلَيَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

ويَلْزَمُ قائِلُ هَذا القَوْلِ أنْ يَجْعَلَ الآيَةَ مَدَنِيَّةً، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ، ورَوى قائِلُو الأقْوالِ الأُخَرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَمِيعُ ما أُرِيدَ مِنَ النَبِيِّ  بِحَسَبِ هَذا الِاخْتِلافِ قَدْ أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ خِلافَهُ، إمّا في مُعْجِزٍ، وإمّا في غَيْرِ مُعْجِزٍ، وفِعْلُهُ هو -إنَّ لَوْ وقَعَ- افْتِراءٌ عَلى اللهِ، إذْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ إنَّما هي كُلُّها شَرْعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى ما نَجّاهُ اللهُ تَعالى مِنهُ مِن مُخالَفَةِ الكُفّارِ والوِلايَةِ لَهم.

وقَوْلُهُ " لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ " الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ عَلى النَبِيِّ  ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ "الرُكُونُ": شَدُّ الظَهْرِ إلى الأمْرِ، أوِ الحَزْمُ عَلى جِهَةِ السُكُونِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِالرُكْنِ مِنَ الجُدْرانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿ أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ  ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْكَنُ" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَرْكُنُ" بِضَمِّ الكافِ.

ورَسُولُ اللهِ  لَمْ يَرْكَنْ، لَكِنَّهُ كادَ بِحَسْبِ هَمِّهِ بِمُوافَقَتِهِمْ طَمَعًا مِنهُ في اسْتِئْلافِهِمْ، وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ مَعْناهُ: لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عنكَ أنَّكَ رَكَنْتَ، ونَحْوَ هَذا، ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى نَفْيِ الهَمِّ بِذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، فَحَمَّلَ اللَفْظَ ما لا يَحْتَمِلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ.

وهَذا الهَمُّ مِنَ النَبِيِّ  إنَّما كانَتْ خَطِرَةً مِمّا لا يُمْكِنُ دَفْعَهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: "كِدْتَ"، وهي تُعْطِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكُونًا، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ إذْ كانَتِ المُقارَبَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُها "كِدْتَ" قَلِيلَةً، خَطِرَةً لَمْ تَتَأكَّدْ في النَفْسِ، وهَذا الهَمُّ هو كَهَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، والقَوْلُ فِيهِما واحِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ يُبْطِلُ أيْضًا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضِحاكُ: يُرِيدُ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ هَذا الذَنْبُ مِن عُقُوبَتِنا في الدُنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ لَكَ، وهَذا التَضْعِيفُ شائِعٌ مَعَ النَبِيِّ  في أجْرِهِ وألَمِهِ وعِقابِ أزْواجِهِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من غرض التهديد بعاجل العذاب في الدنيا الذي في قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر ﴾ إلى قوله: ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ﴾ [الإسراء: 66 69] إلى ذكر حال الناس في الآخرة تبشيراً وإنذاراً، فالكلام استئناف ابتدائي، والمناسبة ما علمتَ.

ولا يحسن لفظ (يومَ) للتعلق بما قبله من قوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ [الإسراء: 70] على أن يكون تخلصاً من ذكر التفضيل إلى ذكر اليوم الذي تظهر فيه فوائد التفضيل، فترجح أنه ابتداء مستأنف استئنافاً ابتدائياً، ففتحة ﴿ يوم ﴾ إما فتحة إعراب على أنه مفعول به لفعل شائع الحذف في ابتداء العبر القرآنية وهو فِعل «اذكر» فيكون ﴿ يوم ﴾ هنا اسمَ زمان مفعولاً للفعل المقدر وليس ظرفاً.

والفاء في قوله: ﴿ فمن أوتي ﴾ للتفريع لأن فعْل (اذكر) المقدر يقتضي أمراً عظيماً مجملاً فوقع تفصيله بذكر الفاء وما بعدها فإن التفصيل يتفرع على الإجمال.

وإما أن تكون فتحته فتحةَ بناء لإضافته اسم الزمان إلى الفعل، وهو إما في محل رفع بالابتداء، وخبره جملة ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه ﴾ .

وزيدت الفاء في الخبر على رأي الأخفش، وقد حكى ابن هشام عن ابن بَرهان أن الفاء تزاد في الخبر عند جميع البصريين ما عدا سيبويه؛ وإما ظرف لفعل محذوف دل عليه التقسيم الذي بعده، أعني قوله: ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه ﴾ إلى قوله: ﴿ وأضل سبيلاً ﴾ .

وتقدير المحذوف: تتفاوت الناس وتتغابَن.

وبُيّن تفصيل ذلك المحذوف بالتفريع بقوله: ﴿ فمن أوتي كتابه ﴾ الخ.

والإمام: ما يؤتم به، أي يُعمل على مِثل عمله أو سيرته.

والمراد به هنا مبين الدين: من دين حق للأمم المؤمنة ومن دين كفر وباطل للأمم الضالة.

ومعنى دعاء الناس أن يُدعى يا أمةَ فلان ويا أتباعَ فلان، مثل: يا أمة محمد، يا أمةَ موسى، يا أمة عيسى، ومثل: يا أمة زَرادشت.

ويا أمةَ برْهَما، ويا أمةَ بُوذا، ومثل: يا عبدة العزى، يا عبدة بَعل، يا عبدةَ نَسْر.

والباء لتعدية فعل ﴿ ندعوا ﴾ لأنه يتعدى بالباء، يقال: دعوته بكنيته وتدَاعَوا بِشعارهِم.

وفائدة ندائهم بمتبوعيهم التعجيلُ بالمسرة لاتباع الهُداة وبالمساءة لاتباع الغُواة، لأنهم إذا دُعوا بذلك رأوا متبوعيهم في المقامات المناسبة لهم فعلموا مصيرهم.

وفرع على هذا قوله: ﴿ فمن أوتي كتابه بيمينه ﴾ تفريع التفصيل لما أجمله قوله: ﴿ ندعوا كل أناس بإمامهم ﴾ ، أي ومن الناس من يُؤتى كتابه، أي كتاب أعماله بيمينه.

وقوله: ﴿ فمن أوتي ﴾ عطف على مقدر يقتضيه قوله: ﴿ ندعوا كل أناس بإمامهم ﴾ أي فيؤتَوْن كتبهم، أي صحائف أعمالهم.

وإيتاء الكتاب باليمين إلهام صاحبه إلى تناوله باليمين.

وتلك علامة عناية بالمأخوذ، لأن اليمين يأخذ بها من يعْزم عملاً عظيماً قال تعالى: ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ [الحاقة: 45]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً تلقاها الرحمان بيَمينه وكلتَا يديْه يَمين...

" الخ، وقال الشمّاخ: إذا ما رايةٌ رفعت لمجد *** تلقاها عَرابة باليمين وأما أهل الشقاوة فيؤتَون كتبهم بشمائلهم، كما في آية [الحاقة: 25] ﴿ وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ﴾ والإتيان باسم الإشارة بعد فاء جواب (أما)، للتنبيه على أنهم دون غيرهم يقرؤون كتابهم، لأن في اطلاعهم على ما فيه من فعل الخَير والجزاء عليْه مسرة لهم ونعيماً بتذكر ومعرفة ثوابه، وذلك شأن كل صحيفة تشتمل على ما يسر وعلى تذكر الأعمال الصالحة، كما يطالع المرء أخبار سلامة أحبائه وأصدقائه ورفاهة حالهم، فتوفرُ الرغبة في قراءة أمثال هذه الكتب شنشنة معروفة.

وأما الفريق الآخر فسكت عن قراءة كتابهم هنا.

وورد في الآية التي قبلها في هذه السورة ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ [الإسراء: 13 14].

والظلم مستعمل هنا بمعنى النقص كما في قوله تعالى: ﴿ كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ﴾ [الكهف: 33]، لأن غالب الظلم يكون بانتزاع بعض ما عند المظلوم فلزمه النقصان فأطلق عليه مجازاً مرسلاً.

ويفهم من هذا أن ما يعطاه من الجزاء مما يرغب الناس في ازدياده.

والفتيل: شبه الخَيط تكون في شق النواة وتقدم في قوله تعالى: ﴿ بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا ﴾ في سورة [النساء: 49]، وهو مثَل للشيء الحقير التافه، أي لا ينقصون شيئاً ولو قليلاً جداً.

وعطف ومن كان في هذه أعمى} عطف القسيم على قسيمه فهو من حَيز «أما» التفصيلية، والتقدير: وأما من كان في هذه أعمى، ولما كان القسيم المعطوف عليه هم من أوتوا كتابهم باليمين علم أن المعطوف بضد ذلك يؤتى كتابه بالشمال فاستغني عن ذكر ذلك وأتي له بصلة أخرى وهي كونه أعمى حكماً آخر من أحواله الفظيعة في ذلك اليوم.

والإشارة ب ﴿ هذه ﴾ إلى معلوم من المقام وهو الدنيا، وله نظائر في القرآن.

والمراد بالعمى في الدنيا الضلالة في الدين، أطلق عليها العمى على وجه الاستعارة.

والمراد بالعمى في الآخرة ما ينشأ عن العمى من الحيرة واضطراب البال، فالأعْمَى أيضاً مستعار لمشابه الأعمى بإحدى العلاقتين.

ووصف ﴿ أعمى ﴾ في المرتين مراد به مجرد الوصف لا التفضيل.

ولما كان وجه الشبه في أحوال الكافر في الآخرة أقوى منه في حاله في الدنيا أشير إلى شدة تلك الحالة بقوله: ﴿ وأضل سبيلاً ﴾ القائم مقام صيغة التفضيل في العمَى لكون وصف (أعمى) غير قابل لأن يصاغ بصيغة التفضيل لأنه جاء بصيغة التفضيل في حال الوصف.

وعدل عن لفظ (أشد) ونحوه ما يتوسل به إلى التفضيل عند تعذر اشتقاق صيغة (أفعل) ليتأتى ذكر السبيل، لما في الضلال عن السبيل من تمثيل حال العمى وإيضاحه، لأن ضلال فاقد البصر عن الطريق في حال السير أشد وقعاً في الأضرار منه وهو قابع بمكانه، فعدل عن اللفظ الوجيز إلى التركيب المطنب لما في الإطناب من تمثيل الحال وإيضاحه وإفظاعه وهو إطناب بديع.

وقد أفيد بذلك أن عماه في الدارين عمى ضلال عن السبيل الموصل.

ومعنى المفاضلة راجع إلى مفاضلة إحدى حالتيه على الأخرى في الضلال وأثره لا إلى حال غيره.

فالمعنى: وأضل سبيلا منه في الدنيا.

ووجه كون ضلاله في الآخرة أشد أن ضلاله في الدنيا كان في مكنته أن ينجو منه بطلب ما يرشده إلى السبيل الموصل من هدي الرسول والقرآن مع كونه خلياً عن لحاق الألم به، وأما ضلاله في الآخرة فهو ضلال لا خلاصَ منه وهو مقارن للعذاب الدائم، فلا جرم كان ضلاله في الآخرة أدخل في حقيقة الضلال وماهيته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِنَبِيِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: بِكِتابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ أوامِرُ اللَّهِ ونَواهِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: بِدِينِهِمْ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ قَتادَةَ.

الرّابِعُ: يَكْتُبُ أعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: بِمَن كانُوا يَأْتَمِرُونَ بِهِ في الدُّنْيا فَيَتَّبِعُونَهُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوْ عَلى حَقٍّ، أوْ باطِلٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنِ الطّاعَةِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ عَنِ الثَّوابِ.

الثّانِي: ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنِ الِاعْتِبارِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ عَنِ الِاعْتِذارِ.

الثّالِثُ: ومَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنِ الحَقِّ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ عَنِ الجَنَّةِ.

الرّابِعُ: ومَن كانَ في تَدْبِيرِ دُنْياهُ أعْمى فَهو في تَدْبِيرِ آخِرَتِهِ أعْمى ﴿ وَأضَلُّ سَبِيلا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في تاريخه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أكرم على الله من بني آدم يوم القيامة.

قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة المقربون؟!..

قال: ولا الملائكة...

الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر» .

وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً وقال: هو الصحيح.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: المؤمن أكرم على الله من ملائكته.

وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة قالت: يا رب، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة.

قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم مثله.

وأخرج ابن عساكر من طريق عروة بن رويم قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم...

فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئاً...

فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة.

فقال الله: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عروة بن رويم مرسلاً.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عروة بن رويم الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من وجه آخر، عن عروة بن رويم اللخمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكر نحوه إلا أنه قال: «ويركبون الخيل» ولم يذكر ونفخت فيه من روحي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ قال: جعلناهم يأكلون بأيديهم، وسائر الخلق يأكلون بأفواههم.

وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ قال: «الكرامة، الأكل بالأصابع» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال: ما من رجل يرى مبتلى فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير من خلقه تفضيلاً، إلا عافاه الله من ذلك البلاء كائناً ما كان.

وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق السموات سبعاً فاختار العليا منها، فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار الأخيار» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أُناس بإمامهم ﴾ قال: إمام هدى وإمام ضلالة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: بنبيهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: بكتاب أعمالهم.

وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: يدعى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم» .

وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويُمَدّ لَهُ في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من نور يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول: أبشروا...

لكل رجل منكم مثل هذا.

وأما الكافر، فيسوّد له وجهه ويُمَدّ له في جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم، ويلبس تاجاً من نار فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا...

اللهم لا تأتنا بهذا.

قال فيأتيهم.

فيقول: ربنا أخّرْه فيقول: ابعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل: أرأيت قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى.

..

فهو في الآخرة أعمى} فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم تصب المسألة، اقرأ ما قبلها ﴿ ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ﴾ حتى بلغ ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فمن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قَدْ رَأَى وعايَنَ، فهو في أمر الآخرة التي لم تُرَ ولَمْ تعاين ﴿ أعمى وأضل سبيلاً ﴾ .

﴿ ومن كان ﴾ في الدنيا ﴿ أعمى ﴾ عما يرى من قدرتي من خلق السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا ﴿ فهو ﴾ عما وصفت له في الآخرة ولم يره ﴿ أعمى وأضل سبيلاً ﴾ يقول: أبعد حجة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: من عمي عن قدرة الله في الدنيا فهو في الآخرة أعمى.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن قتادة في الآية قال: من عمي عما يراه من الشمس والقمر والليل والنهار وما يرى من الآيات ولم يصدق بها، فهو عما غاب عنه من آيات الله أعمى وأضل سبيلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى ﴾ الآية.

قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية، فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي ﴾ إلى قوله: ﴿ تَفْضِيلًا ﴾ فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النِّعَم -التي قد رأى وعاين- فهو في أمر الآخرة -التي لم ير ولم يعاين- أعمى وأضل سبيلًا (١) وروى أبو رَوْق عن الضحاك عن ابن عباس قال: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عما وصفت لك في الآخرة ولم تره أعمى وأضل سبيلا (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ في هَذِهِ ﴾ الإشارة إلى النِّعَم التي ذكرها على رواية عكرمة، وبه قال السدي (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ ﴾ ، أي: في أمرها على تقدير المضاف، وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالًّا كافرًا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً؛ لأنه (٧) (٨) واختار أبو إسحاق هذا القول، فقال: تأويله أنه إذا عَمِيَ في الدنيا وقد عَرَّفَه الله الهدى وجعل له إلى التوبة وُصْلَةً، وفَسَحَ له في ذلك إلى وقت مماته، فعمي عن رشده ولم يَتُبْ، ﴿ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ ، أي: أشد عمى، ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ ؛ لأنه لا (٩) (١٠) وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ ، أي: أشد عمى، إنه في الدنيا كان مُمَكَّنًا من الخروج عن عَمَاه بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إلى الخروج من عماه؛ لأنه قد حصل على عمله، ولذلك قوله: ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ ؛ لأن ضلاله في الآخرة لا سبيل له إلى الخروج منه (١١) وعلى هذا القول: لا يُحتاج إلى تقدير المضاف في قوله: ﴿ فِي الْآخِرَةِ ﴾ ، وهذا قول الحسن وقتادة؛ روينا ذلك عنه في مسند التفسير، والعمى في الآية المراد منه: عمى القلب، ولذلك جاز ﴿ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ بمعنى أشد عمى، ولو كان من عمى العين لم يجز أعمى بمعنى أشَدَّ عمى.

قال الفراء: [العرب إذا قالوا: هو أفعل منك، قالوه فيما كان فعله على ثلاثة أحرف، فإذا زاد على ثلاثة أحرف لم يقولوا: هو أفعل منك، حتى يقولوا: هو أشدّ حمرة منك؛ لأنه يقال في الفعل منه: أحمر، وأما في العمى فإنه يقال: فلان أعمى من فلان في القلب، ولا يقال: هو أعمى منه في العين؛ وذلك أنه لما جاء على مذهب أحمر وحمراء تُرك فيه أفعل منه كما ترك] (١٢) قال: وبعض النحويين يقول: أجيزه في الأعمى والأعشى والأعرج والأزرق (١٣) قال الفراء: وليس ذلك بشيء؛ إنما يُنظر في هذا إلى ما يجوز أن يكون أقل أو أكثر، فيكون أفعل دليلًا على قلة الشيء وكثرته، ألا ترى أنك تقول: فلان أجمل من فلان؛ لأن جماله يزيد على جماله، ولا تقول للأعشى: هذا أعمى من ذلك، ولا لميتين هذا أموت من ذا، فأمّا قول الشاعر (١٤) أمَّا الملوكُ فأنتَ اليومَ ألأَمُهُم ...

لُؤمًا وأبيضُهُم سِرْبالَ طبَّاخِ (١٥) فهو شاذ؛ هذا كلامه (١٦) وقرأ أبو عمرو ﴿ فِي هَذِهِ أَعْمَى ﴾ بكسر الميم، ﴿ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ بفتح الميم (١٧) (١٨) ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى  ﴾ ، المعنى: وأخفى من السر، فلذلك قوله: ﴿ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ ، أي: منه في الدنيا.

ومعنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إلى طرق الثواب، ويدل على أن المراد بقوله: ﴿ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ : أشد عمى، قوله: ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ فكما أن هذا لا يكون إلا على أفعل من كذا، كذلك المعطوف عليه، انتهى كلامه.

(١٩) (١) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 177، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 110، و"ابن الجوزي" 5/ 66، و"الفخر الرازي" 21/ 18، و"القرطبي" 10/ 298، و"الدر المنثور" 4/ 357 وعزاه إلى الفريابي وابن أبي حاتم، من طريق عكرمة جيدة.

(٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ص 36، 56 بنصه من طريق الضحاك، (منقطعة)، ورد بمعناه في: "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"الطوسي" 6/ 504، انظر: "تفسير == ابن عطية" 9/ 150، و"ابن الجوزي" 5/ 66، و"الفخر الرازي" 21/ 19، و"القرطبي" 10/ 128، و"الدر المنثور" 4/ 352 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(٣) أخرجه "الطبري" 15/ 128 بمعناه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 55، بنحوه، وورد بمعناه في: "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"السمرقندي" 2/ 278، و"الطوسي" 6/ 504، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 150، و"ابن كثير" 2/ 59.

(٤) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 66.

(٥) وقد رجح هذا القول "الطبري" 15/ 129، و"ابن عطية" 9/ 151.

(٦) أخرجه "الطبري" 15/ 128 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير الجصاص" 3/ 205، و"السمرقندي" 3/ 277، و"الطوسي" 6/ 505، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 150، و"ابن الجوزي" 5/ 65، و"ابن كثير" 2/ 59.

(٧) في (أ)، (د): (الآية)، والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح.

(٨) ورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 433 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 114 ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 110، و"ابن الجوزي" 5/ 66، و"الفخر الرازي" 21/ 19، و"القرطبي" 10/ 298.

(٩) في (د): (لم).

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 253، بتصرف يسير.

(١١) "الحجة للقراء" 5/ 113، بتصرف.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د) (١٣) هذه من مسائل الخلاف المشهورة بين البصريين والكوفيين، فذهب الكوفيون إلى جواز استعمال ما أفعله في التعجب من البياض والسواد خاصة من بين سائر الألوان، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان.

انظر التفصيل حول هذه المسألة في: "الإنصاف" ص 124، و"شرح المفصل" 6/ 93، و"المقرب" 1/ 72، و"الخزانة" 8/ 230.

(١٤) هو طرفة بن العبد (جاهلي).

(١٥) "ديوانه" ص 18، و"اللسان" (بيض) 1/ 397، وورد بلا نسبة في "إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 379، "تفسير الثعلبي" 4/ 117 ب، و"الطوسي" 6/ 505، و"القرطبي" 10/ 299، و"اللسان" (عمي) 5/ 3115، و"شرح التصريح" 1/ 324، وله رواية اخرى استشهد بها النجاة في باب أفعل التفضيل، وهي: إذا الرجالُ شتَوْا واشتدَّ أَكلهمُ ...

فأنت أبيضهُم سربالَ طبَّاخِ ورد هذه الرواية في: "الإنصاف" ص 124، و"شرح المفصل" 6/ 931، و"المقرب" 1/ 73، و"الخزانة" 8/ 230.

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 128، نقل طويل تصرف فيه.

(١٧) انظر: "السبعة" ص 383، و"علل القراءات" 1/ 325، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 378، و"الحجة للقراء" 5/ 112، و"المبسوط في القراءات" ص 229.

(١٨) في (ش)، (ع): (المألوف)، وفي هامش (ش) كتب: (أحسبه المؤوف).

(١٩) "الحجة للقراء" 5/ 112، وهو نقل طويل تصرف فيه بالحذف والإضافة والتقديم والتأخير والاختصار.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى ﴾ الإشارة بهذه إلى الدنيا، والعمى يراد به عمى القلب: أي من كان في الدنيا أعمى عن الهدى، والصواب فهو في يوم القيامة أعمى: أي حيران يائس من الخير، ويحتمل أن يريد بالعمى في الآخرة عمى البصر: كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى ﴾ [طه: 124]، وإنما جعل الأعمى في الآخرة أضل سبيلاً، لأنه حينئذ لا ينفعه الاهتداء، ويجوز في أعمى الثاني: أن يكون صفة للأول، وأن يكون من الأفعال التي للتفضيل، وهذا أقوى لقوله وأضل سبيلاً فعطف أضل الذي هو من أفعل من كذا على ما هو شبهه، قال سيبويه.

لا يجوز أن يقال: هو أعمى من كذا، ولكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ اخرتني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.

الباقون بالحذف ﴿ ورجلك ﴾ بكسر الجيم: حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها.

﴿ أن نخسف ﴾ ، ﴿ أونرسل ﴾ ، ﴿ أن نعيدكم ﴾ ، ﴿ فنرسل ﴾ ، ﴿ فتضركم ﴾ كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو.

والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ ﴿ فتغرقكم ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد: ﴿ هذه أعمى ﴾ بالإمالة ﴿ أعمى ﴾ بالتفخيم: أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس.

وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة.

الباقون جميعاً بالتفخيم.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ طيناً ﴾ ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف ﴿ عليّ ﴾ ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ موفوراً ﴾ ه ﴿ وعدهم ﴾ ط للعدول ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ الا إياه ﴾ ج ﴿ أعرضتم ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ تبيعاً ﴾ ه ﴿ تفضيلاً ﴾ ه ﴿ بإمامهم ﴾ ج ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ .

التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول  كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم  .

وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد.

فبين الله  أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه.

وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ وهذه القصة ذكرها الله  في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص.

ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله ﴿ طيناً ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه ﴿ أسجد ﴾ معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟

وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً؟

ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك ﴿ قال أرأيتك ﴾ أي أخبرني عن ﴿ هذا الذي كرمته ﴾ أي فضلته ﴿ عليّ ﴾ لم كرمته وأنا خير منه؟

فاختصر الكلام لكونه معلوماً.

ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟

والإشارة هنا تفيد الاستحقار.

وقيل: إن هذا مفعول: ﴿ أرأيت ﴾ لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ.

ثم ابتدأ فقال ﴿ لئن أخرتني ﴾ واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ﴿ لأحتنكن ذرّيته ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك.

ومنه ما ذكر سيبويه "أحنك الشاتين" أي آكلهما.

وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه.

وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم ﴿ تجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية.

أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه.

وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ قال ﴾ أي الله  ﴿ اذهب ﴾ ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخيلة وإمهالاً.

ثم رتب على على الإمهال قوله: ﴿ فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له.

وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات.

وانتصب ﴿ جزاء موفوراً ﴾ على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أو على الحال الموطئة.

والموفور الموفر من قولهم "فر لصاحبك عرضه فرة".

وقيل: هو بمعنى الوافر.

ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله.

وقيل: الغناء واللهو واللعب ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم.

وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك.

فالإجلاب الجمع والباء في ﴿ بخيلك ﴾ زائدة.

وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال  : " يا خيل الله اركبي." وعلى الأفراس جميعاً.

والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب.

وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل.

تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر.

عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده.

وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك.

قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم.

أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة.

وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة.

والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق.

﴿ وعدهم ﴾ بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار.

وقيل: تسويف التوبة.

وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب.

وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل.

ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام.

ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب "ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين" للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .

ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  ﴾ قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً: ﴿ إلاَّ من تبعك  ﴾ وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين.

ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه.

ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ أي يسير لأجلكم ﴿ الفلك في البحر ﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ الربح بالتجارة ﴿ إنه كان بكم رحيماً ﴾ فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد ﴿ وإذا مسكم الضر ﴾ أي خوف الغرق ﴿ في البحر ضل من تدعون ﴾ ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم ﴿ إلا إياه ﴾ وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً ﴿ فلما نجاكم ﴾ من ذلك الضر وأخرجكم ﴿ إلى البر أعرضتم ﴾ عن الإخلاص ﴿ وكان الإنسان كفوراً ﴾ لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه.

ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً: ﴿ أفأمنتم ﴾ تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ﴿ أن يخسف ﴾ أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء ﴿ بكم ﴾ حال، وإنما قال: ﴿ جانب البر ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم.

إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن ﴿ يرسل عليكم ﴾ حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء.

وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر.

ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر.

﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ﴾ يصرف ذلك عنكم ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ﴾ بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر ﴿ فيرسل عليكم قاصفاً ﴾ وريحاً لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر.

وقوله: ﴿ من الريح ﴾ بيان له ﴿ فيغرقكم بما كفرتم ﴾ بسبب كفركم ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: ﴿ ولا يخاف عقباها  ﴾ .

ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس ﴿ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم  ﴾ ومنها الصورة الحسنة ﴿ وصوركم فأحسن صوركم  ﴾ ، ومنها القامة المعتدلة ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم  ﴾ ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم.

يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه.

ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال.

ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم  ﴾ وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر.

وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟

ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة.

وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه  خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة "كن".

يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة.

فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له "كن" فكان.

ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ قال ابن عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله.

واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا.

والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟

وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و "من" التبعيضية.

هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه، لأنه  ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله  الاقتصار على ذكر البعض، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة: فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.

وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض.

ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال: ﴿ يوم ندعو ﴾ وهو منصوب بإضمار "اذكر" أو بقوله: ﴿ فضلناهم ﴾ على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على ﴿ تفضيلاً ﴾ والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين.

والباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك.

عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر.

ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم في نحو "ركب بجنوده".

وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.

وقال الحسن: يدعون بكتابهم الذي فيه أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر.

وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً.

قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع "أن" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم.

والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا.

ثم قال: وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟

وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أوقبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق ﴿ فمن أوتى ﴾ هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه ﴿ فأولئك يقرؤن ﴾ وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع ﴿ ومن كان في هذه ﴾ الدنيا ﴿ أعمى ﴾ لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب.

وأما قوله: ﴿ فهو في الآخرة أعمى ﴾ فيحتمل أن يراد به عمىالبصر كقوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً  ﴾ وفي هذا زيادة العقوبة.

ويحتمل أن يراد عمى القلب.

قال ابن عباس: المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى ﴾ إلى قوله: ﴿ تفضيلاً ﴾ فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك.

من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى.

قال المفسرون: لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير "أفعل" التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة.

هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي.

وأقول: في هذا الوجه نظر، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل "شيئان" "والكافرين" ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم.

قال الحسن: في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل.

وقيل: المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة.

التأويل: ﴿ من استطعت منهم بصوتك ﴾ أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم.

﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ فلك الشريعة في بحر الحقيقة ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ جذبة العناية ﴿ فلما نجاكم ﴾ إلى بر الوصول والوصال ﴿ أعرضتم ﴾ بحجب العجب ورؤية الأعمال ﴿ حاصباً ﴾ من مطر القهر ﴿ قاصفاً ﴾ من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء ﴿ فيغرقكم ﴾ في بحر الشهوات ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وأنطقه بجواب ﴿ بلى ﴾ وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ﴿ ورزقناهم من ﴾ طيبات المواهب ونوال الكشوف ﴿ وفضلناهم على كثير ﴾ أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله.

وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله ﴿ فمن أوتى كتابه بيمينه ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار وبالبصائر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ .

قال الحسن: هذا صلة قوله: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾ ، فيقول: أي: يوم ندعو كل أناس بإمامهم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ندعو بإمامهم، أي: بدينهم الذي دانوا به وذبوا عنه، ويدعى كل بدينه الذي دان به وذبّ عنه.

وقال بعضهم: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ ، أي: برؤسائهم وأئمتهم الذين أضلّوهم، أي: يدعى الأتباع بأئمتهم ورؤسائهم الذين أضلّوهم حتى يلوم بعضهم على بعض، ويلعن بعضهم على بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 166]، وقوله: ﴿ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ  ﴾ يدعى الأتباع بالمتبوعين.

وقال بعضهم: يدعى كل أناس بداعيهم الذي دعاهم: إن كان رسولاً فبالرسول، وإن كان شيطاناً فبالشيطان، وهو قريب مما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ : كتابهم الذي كتب الملائكة أعمالهم فيه.

وقال بعضهم: يدعى بكتابهم الذي أنزل عليهم، يدعى كل بما ذكر؛ ليعلموا أن الحجة قد قامت عليهم، ووجب لهم العذاب باتباعهم ما اتبعوا بلا حجة ولا برهان.

وحاصل أقاويل هؤلاء ترجع إلى وجوه ثلاثة: أحدها: يوم ندعو إمام كل أناس: كان إمامهم في خير أو شر فيجزى له جزاؤه، ثم يكلف هو دعاء أتباعه إلى ما أعد لهم من الثواب والعقاب.

والثاني: يدعى كل إمام ورئيس في خير أو شرّ بأتباعه الذين يتبعونه فيما يدعوهم إليه نحو كل رسول يدعى بقومه الذين اتبعوه، وكل رئيس وشيطان استتبعهم.

والثالث: ﴿ بِإِمَامِهِمْ ﴾ : كتابهم الذي كتب لأعمالهم الذي كتبوا؛ كقوله: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً  ﴾ ، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ ﴾ : كلهم قد يقرءون كتابهم، غير أن المؤمن إذا نظر في الكتاب - فرح به واستبشر بما فيه، فسهل عليه القراءة، وهانت لما كان يتبع حجج الله.

وأمّا الكافر إذا نظر في الكتاب، حزن واغتم به؛ فعسر عليه قراءة كتابه، وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ الآية [الحاقة: 19-20]، ويقول الكافر: ﴿ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ...

﴾ الآية [الحاقة: 25]؛ لأنه اتبع ما اتبع بلا حجة.

أو أن يكون المؤمن إذا نظر في كتابه، رأى سيئاته مغفورة، كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ - فرح بذلك، والكافر إذا رأى سيئاته باقية عليه، وحسناته قد بطلت - حزن بذلك واغتم؛ لذلك قال ما قال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن توحيد الله والإيمان به مع كثرة آياته ودلالته على وحدانيته - فهو عن الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت - أعمى.

وقال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن الحق - فهو في الآخرة أعمى عن حججه؛ لأنه إذا عمي عن الحق نفسه فهو عن حججه أعمى؛ فتكون (في) بمعنى (عن)؛ إذ الآيات والدلالات على وحدانية الله أكثر وأظهر من الدلالة على البعث والآخرة؛ إذ ليس شيء إلا وفيه أثر وحدانيته ودلالة ألوهيته، ولا كذلك الآخرة؛ فهو عن الإيمان بها أشد عمى.

وقال بعضهم: من عمي في هذه الدنيا عن الإيمان بالله - فهو في الآخرة أعمى عن الإيمان به؛ لأن الدنيا مما يقبل فيها الإيمان، وفي الآخرة لا يقبل؛ وهو ما قال: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، أي: حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان به، ﴿ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ  ﴾ ، أي: كما حيل بين أشياعهم وبين الإيمان به، عند معاينة بأس الله وعذابه، وهو قول الحسن.

وقال أبو بكر قريباً من هذا، وهو أن من عمي عن الرشد والحق في هذه الدنيا؛ لجهله به - فهو في الآخرة عند علمه بالرشد والحق أشد عمى، أو كلام نحو هذا.

وقال بعضهم: من عمي قلبه في الدنيا عن الإيمان بالله والتوحيد له - فهو في الآخرة يكون أعمى الوجه والحواس؛ كقوله: ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً...

﴾ الآية [الإسراء: 97]: ما ذكر ذاهبة حواسهم لما تركوا الانتفاع بها في الدنيا لما جعلت لهم الحواس.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ ﴾ : بالافتراء على الله ﴿ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ ﴾ ، أي: مفتر على الله - أيضاً - كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، ونحوه: يفترون في الآخرة ويكذبون كما كذبوا في الدنيا، وكقوله: ﴿ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، ثم أخبر عنهم فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ .

وقال قتادة: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ ﴾ : يقول: ومن كان في الدنيا فيما أراه الله من آياته من خلق السماوات والأرض والجبال والنجوم أعمى ﴿ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ الغائبة عنه التي لم يرها - ﴿ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ ، وهو قريب مما ذكرنا.

وقال ابن عباس -  - ومن كان في هذه النعم أعمى أن يعلم أنها من الله - فهو في الآخرة أعمى عن حجته، ويقال: عن دين الله، وأضل طريقاً، ويقال: أضل عن حجته.

وقال غيره من أهل التأويل: من كان في هذه النعم أعمى - يعني: الكافر - عمي عنها، وهو يعاينها؛ فلا يعرف أنها من الله فيشكر ربها؛ فهو في الآخرة أعمى، يقول: عما غاب عنه من أمر الآخرة من البعث والجزاء - أعمى وأضل سبيلاً وأخطأ طريقاً، وبعضه قريب من بعض، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن كان في هذه الحياة الدنيا أعمى القلب عن قبول الحق والإذعان له، فهو يوم القيامة أشد عمى، فلا يهتدي لطريق الجنة، وأضل طريقًا عن الهداية، والجزاء من جنس العمل.

<div class="verse-tafsir" id="91.Aj4kL"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله