الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٧٤ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٤ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن تأييد رسوله - صلوات الله عليه وسلامه - وتثبيته ، وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار ، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره ، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه ، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره ، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه ، في مشارق الأرض ومغاربها ، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
يقول تعالى ذكره: ولولا أن ثبَّتناك يا محمد بعصمتنا إياك عما دعاك إليه هؤلاء المشركون من الفتنة ( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ) يقول: لقد كدت تميل إليهم وتطمئنّ شيئا قليلا وذلك ما كان صلى الله عليه وسلم همّ به من أن يفعل بعض الذي كانوا سألوه فعله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر حين نزلت هذه الآية، ما حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة، في قوله (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكلني إلى نَفْسي طَرْفَةَ عَيْنٍ .
قوله تعالى : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاقوله تعالى : ولولا أن ثبتناك أي على الحق وعصمناك من موافقتهم .لقد كدت تركن إليهم أي تميل .
شيئا قليلا أي ركونا قليلا .قال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال - عليه السلام - : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين .
وقيل : ظاهر الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وباطنه إخبار عن ثقيف .
والمعنى : وإن كادوا ليركنونك ، أي كادوا يخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم ; فنسب فعلهم إليه مجازا واتساعا ; كما تقول لرجل : كدت تقتل نفسك ، أي كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت ; ذكره المهدوي .
وقيل ما كان منه هم بالركون إليهم ، بل المعنى : ولولا فضل الله عليك لكان منك ميل إلى موافقتهم ، ولكن تم فضل الله عليك فلم تفعل ; ذكره القشيري .
وقال ابن عباس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوما ، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله - تعالى - وشرائعه .
{ وَ } مع هذا فـ { لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ } على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم، { لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم.
( ولولا أن ثبتناك ) على الحق بعصمتنا ( لقد كدت تركن ) أي : تميل ( إليهم شيئا قليلا ) أي : قريبا من الفعل .
فإن قيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه وما طلبوه كفر؟
قيل : كان ذلك خاطر قلب ولم يكن عزما وقد غفر الله عز وجل عن حديث النفس .
قال قتادة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك : " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " .
والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال : ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ) وقد ثبته الله ولم يركن وهذا مثل قوله تعالى : " ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا " ( النساء - 83 ) [ وقد تفضل فلم يتبعوا ] .
«ولولا أن ثبتناك» على الحق بالعصمة «لقد كدت» قاربت «تركن» تميل «إليهم شيئا» ركونا «قليلاً» لشدة احتيالهم وإلحاحهم، وهو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم لم يركن ولا قارب.
ولولا أن ثبَّتناك على الحق، وعصمناك عن موافقتهم، لَقاربْتَ أن تميل إليهم ميلا قليلا من كثرة المعالجة ورغبتك في هدايتهم.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) .أى : ولولا تثبيتنا إياك - أيها الرسول الكريم - على ما أنت عليه من الحق والصدق ، بأن عصمناك من كيدهم لقاربت أن تميل ميلاً قليلاً ، بسبب شدة احتيالهم وخداعهم .قال بعض العلماء : وهذه الآية أوضحت غاية الإِيضاح ، براءة نبينا صلى الله عليه وسلم من مقاربة الركون إلى الكفار ، فضلاً عن نفس الركون؛ لأن ( لولا ) حرف امتناع لوجود ، فمقاربة الركون منعتها ( لولا ) الامتناعية لوجود التثبيت من الله - تعالى - لأكرم خلقه صلى الله عليه وسلم فاتضح يقينًا انتفاء مقاربة الركون - أى الميل - ، فضلاً عن الركون نفسه .وهذه الآية تبين ما قبلها ، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون إليهم مطلقاً .
لأن قوله : ( لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) أى : قاربت تركن إليهم ، هو عين الممنوع بلولا الامتناعية .ومما يشهد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقارب الركون من مقترحات الكافرين ، قول ابن عباس - رضى الله عنهما - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصومًا ، ولكن هذا تعريف للأمة ، لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين فى شئ من أحكام الله - تعالى - وشرائعه .وعن قتادة أنه قال : " لما نزلت هذه الآية ، قال النبى صلى الله عليه وسلم " اللهم لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين " " .
اعلم أنه تعالى لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر والتلبيس فقال: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس في رواية عطاء نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه شططاً، وقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فكرروا ذلك الالتماس، وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر وقال: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه؟
فأنزل الله هذه الآية، وروى صاحب الكشاف أنهم جاءوا بكاتبهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله إلى ثقيف لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا ولا يجبون، فسكت رسول الله، ثم قالوا للكاتب: اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر بن الخطاب وسل سيفه، وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر قريش، أسعر الله قلوبكم ناراً.
فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً، فنزلت هذه الآية واعلم أن هذه القصة إنما وقعت بالمدينة فلهذا السبب قالوا إن هذه الآيات مدنية.
وروى أن قريشاً قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك.
فنزلت هذه الآية وقال الحسن: الكفار أخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها فلو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك فوقع في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن شتم آلهتهم.
وعلى هذا التقدير فهذه الآية مكية، وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون لا ندعك حتى تستلم آلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية، فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية: قال الزجاج معنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتأكيد وإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والمعنى إن الشأن (أنهم) قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين (و) أصل الفتنة الاختبار يقال فتن الصائغ الذهب إذا أدخله النار وأذابه لتميز جيده من رديئه ثم استعملوه في كل من أزال الشيء عن حده وجهته فقالوا فتنه فقوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ أي يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك يعني القرآن، والمعنى عن حكمة وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن، وقوله: ﴿ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾ أي غير ما أوحينا إليك وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك ﴿ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾ أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلاً وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كونهم وراضٍ بشركهم ثم قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك ﴾ أي على الحق بعصمتنا إياك ﴿ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ﴾ أي تميل إليهم شيئاً قليلاً وقوله: ﴿ شَيْئاً ﴾ عبارة عن المصدر أي ركوناً قليلاً، قال ابن عباس يريد حيث سكت عن جوابهم.
قال قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ثم توعده في ذلك أشد التوعد فقال: ﴿ إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ﴾ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة والضعف عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله فإن الرجل إذا قال لوكيله أعط فلاناً شيئاً فأعطاه درهماً فقال أضعفه كان المعنى ضم إلى ذلك الدرهم مثله إذا عرفت هذا فنقول: إنا حسن إضمار العذاب في قوله: ﴿ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ﴾ لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: ﴿ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار ﴾ وقال: ﴿ لِكُلّ ضِعْفٌ ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ ﴾ وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همتك لاستحققت بذلك تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى: ﴿ يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ ﴾ فإن قيل قال عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو رضي بما قالوه لكان وزره مثل وزر كل أحد من أولئك الكفار وعلى هذا التقدير يكون عقابه زائداً على الضعف قلنا إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب وهو حجة ضعيفة ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ يعني إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا وعقابنا، والله أعلم.
المسألة الثالثة: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية فقالوا هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم عنهم من وجوه: الأول: أن الآية دلت على أنه عليه السلام قرب من أن يفتري على الله، والفرية على الله من أعظم الذنوب.
والثاني: أنها تدل على أنه لولا أن الله تعالى ثبته وعصمه لقرب من أن يركن إلى دينهم ويميل إلى مذهبهم.
والثالث: أنه لولا سبق جرم وجناية وإلا فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشديد والجواب عن الأول: أن كاد معناه المقاربة فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا القدر لا يدل على الوقوع في تلك الفتنة فإنا إذا قلنا كاد الأمير أن يضرب فلاناً لا يفهم منه أنه ضربه، والجواب عن الثاني: أن كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، تقول لولا علي لهلك عمر، معناه أن وجود علي منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك هاهنا قوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ﴾ معناه أنه حصل تثبيت الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان حصول ذلك التثبيت مانعاً من حصول ذلك الركون، والجواب عن الثالث: أن ذلك التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها والدليل عليه آيات منها قوله: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ ﴾ ومنها قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ومنها قوله: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين ﴾ ، والله أعلم.
المسألة الرابعة: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأنه لا عصمة عن المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى بقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ﴾ قالوا إنه تعالى بين أنه لولا تثبيت الله تعالى له لمال إلى طريقة الكفار ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أقوى من غيره في قوة الدين وصفاء اليقين فلما بين الله تعالى أن بقاءه معصوماً عن الكفر والضلال لم يحصل إلا باعانة الله تعالى وإغاثته كان حصول هذا المعنى في حق غيره أولى.
قالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة له عن ذلك وهي ما خطر بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أن كونه نبياً من عند الله تعالى يمنع من ذلك، والجواب: لا شك أن هذا التثبيت عبارة عن فعل فعله الله يمنع الرسول من الوقوع في ذلك العمل المحذور، فنقول: لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك العمل المحذور في حق الرسول لما كان إلى إيجاد هذا المانع حاجة وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن المقتضى قد حصل في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وأن هذا المانع الذي فعله الله منع ذلك المقتضى من العمل وهذا لا يتم إلا إذا قلنا إن القدرة مع الداعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضة للداعية الأولى اختل المؤثر فامتنع الفعل ونحن لا نريد إلا إثبات هذا المعنى، والله أعلم.
المسألة الخامسة: قال القفال رحمه الله: قد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية الوجوه المذكورة، ويمكن أيضاً تأويلها من غير تقييد بسبب يضاف نزولها فيه لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: ﴿ قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب وذلك أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه وأن يزيلوه عن منهجه، فبين تعالى أنه يثبته على الدين القويم والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيء من تلك الروايات، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
روي أنّ ثقيفاً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب: لا نعشر؛ ولا نحشر، ولا نجبي في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره، فإذا سألتك العرب: لم فعلت ذلك؟
فقل: إن الله أمرني به، وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف: لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا: ولا يجبون.
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا للكاتب: اكتب: ولا يجبون، والكاتب ينظر إلى رسول الله، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً، فقالوا: لسنا نكلم إياك، إنما نكلم محمداً.
فنزلت.
وروي أنّ قريشاً قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك.
فنزلت ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ إن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية.
والمعنى: أن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ﴿ عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا ﴿ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا ﴾ لتقول علينا ما لم نقل، يعني ما أرادوه عليه من تبديل الوعد وعيداً والوعيد وعداً، وما اقترحته ثقيف من أن يضيف إلى الله ما لم ينزله عليه ﴿ وَإِذاً لاَّتَّخَذوُكَ ﴾ أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خَلِيلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك ﴾ ولولا تثبيتنا لك وعصمتنا ﴿ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ﴾ لقاربت أن تميل إلى خدعهم ومكرهم، وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت، وفي ذلك لطف للمؤمنين ﴿ إِذَا ﴾ لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة ﴿ لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ﴾ أي لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين.
فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟
قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان: عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في الحياة الآخرة وهو عذاب النار.
والضعف يوصف به، نحو قوله ﴿ فآتهم عذاباً ضعفاًمن النار ﴾ [الأعراف: 38] بمعنى مضاعفاً، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات.
ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات، كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.
ويجوز أن يراد بضعف الحياة: عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات: ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار، والمعنى: لضاعفنا لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا، وما نؤخره لما بعد الموت، وفي ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين- دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، ومن ثم استعظم مشايخ العدل والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله- تعالى عن ذلك علواً كبيراً- وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله.
فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها، فهي جديرة بالتدبر، وبأن يستشعر الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت كان يقول: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ ﴾ ولَوْلا تَثْبِيتُنا إيّاكَ.
﴿ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى اتِّباعِ مُرادِهِمْ، والمَعْنى أنَّكَ كُنْتَ عَلى صَدَدِ الرُّكُونَ إلَيْهِمْ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ لَكِنْ أدْرَكَتْكَ عِصْمَتُنا فَمُنِعْتَ أنْ تَقْرَبَ مِنَ الرُّكُونِ فَضْلًا أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ، وهو صَرِيحٌ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَمَّ بِإجابَتِهِمْ مَعَ قُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها، ودَلِيلٌ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحِفْظِهِ.
﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ أيْ لَوْ قارَبْتَ لَأذَقْناكَ.
﴿ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ أيْ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ ضِعْفَ ما نُعَذِّبُ بِهِ في الدّارَيْنِ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ غَيْرَكَ لِأنَّ خَطَأ الخَطِيرِ أخْطُرُ، وكانَ أصْلُ الكَلامِ عَذابًا ضِعْفًا في الحَياةِ وعَذابًا ضِعْفًا في المَماتِ بِمَعْنى مُضاعَفًا، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ كَما يُضافُ مَوْصُوفُها.
وقِيلَ الضِّعْفُ مِن أسْماءِ العَذابِ.
وقِيلَ المُرادُ بِـ ﴿ ضِعْفَ الحَياةِ ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿ وَضِعْفَ المَماتِ ﴾ عَذابُ القَبْرِ.
﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْكَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَوْلاَ أَن ثبتناك} ولولا تثبيتنا وعصمتنا {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} لقاربت أن تميل إلى مكرهم {شَيْئًا قَلِيلاً} ركوناً قليلاً وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت
﴿ ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ ﴾ أيْ لَوْلا تَثْبِيتُنا إيّاكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِعِصْمَتِنا لَكَ ﴿ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ مِنَ الرُّكُونِ الَّذِي هو أدْنى مَيْلٍ، وأصْلُهُ المَيْلُ إلى رُكْنٍ، وذَكَرُوا أنَّهُ إذا أُطْلِقَ يَقَعُ عَلى أدْنى المَيْلِ، ونُصِبَ ( شَيْئًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: لَوْلا ذَلِكَ لَقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِمْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ المَيْلِ اليَسِيرِ لِقُوَّةِ خِدَعِهِمْ وشِدَّةِ احْتِيالِهِمْ لَكِنْ أدْرَكَتْكَ العِصْمَةُ فَمَنَعَتْكَ مِن أنْ تَقْرَبَ أدْنى الأدْنى مِنَ المَيْلِ إلَيْهِمْ فَضْلًا عَنْ نَفْسِ المَيْلِ إلَيْهِمْ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَهُمَّ بِإجابَتِهِمْ ولَمْ يَكَدْ، وبِهِ يُرَدُّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَمَّ فَمَنَعَهُ نُزُولُ الآيَةِ وكَأنَّهُ غَرَّهُ ظَواهِرُ بَعْضِ الرِّواياتِ في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ كَرِقٍّ في رِوايَةِ ابْنِ إسْحاقَ ومَن مَعَهُ عَنِ الحَبْرِ، ولا يَخْفى أنَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلَيْهِمْ ﴾ دُونَ إلى إجابَتِهِمْ ما يُقَوِّي الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الإجابَةِ في أقْصى الغاياتِ، وهَذا الَّذِي ذُكِرَ في مَعْنى الآيَةِ هو الظّاهِرُ المُتَبادِرُ لِلْأفْهامِ، وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ المَعْنى: لَقَدْ كادُوا أنْ يُخْبِرُوا عَنْكَ أنَّكَ رَكَنْتَ إلَيْهِمْ ونُسِبَ فِعْلُهم إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَجازًا واتِّساعًا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ، أيْ: كادَ النّاسُ يَقْتُلُونَكَ بِسَبَبِ ما فَعَلْتَ، وهو مِنَ الألْغازِ المُسْتَغْنى عَنْهُ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العِصْمَةَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ.
وقَرَأ قَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحَقَ وابْنُ مُصَرِّفٍ «تَرْكُنُ» بِضَمِّ الكافِ مُضارِعَ رَكَنَ بِفَتْحِها، وهو عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُضارِعُ رَكِنَ بِكَسْرِ الكافِ، وقِيلَ: بِفَتْحِها أيْضًا، وجُعِلَ ذَلِكَ مِن تَداخُلِ اللُّغَتَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ، يقول: عصمناك، ويقال: حفظناك.
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ، أي: هممت أن تميل إليهم.
شَيْئاً قَلِيلًا، وتعطي أمنيتهم شيئاً قليلاً.
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ، أي عذاب الدنيا، وَضِعْفَ الْمَماتِ أي: عذاب الآخرة، وهذا قول ابن عباس.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: ضِعْفَ الْحَياةِ عذابها، أي عذاب الدنيا، وَضِعْفَ الْمَماتِ أي عذاب الآخرة، وهذا مثل الأول.
ويقال: ضِعْفَ الْمَماتِ أي عذاب القبر، ويقال: هذا وعيد للنبي ، أي: لو فعلت ذلك، يضاعف لك العذاب على عذاب غيرك، كما قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: 30] ، لأن درجة النبي ودرجة من وصفهم فوق درجة غيرهم، فجعل لهم العذاب أشد.
وروي عن مالك بن دينار أنه قال: سألت أبا الشعثاء عن قوله: ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ، فقال: ضعف عذاب الدنيا، وضعف عذاب الآخرة.
ثم قال: ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً يقول: مانعاً يمنعك من ذلك، ويقال: مانعاً يمنع منك العذاب، وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها، أي ليستزلونك وليخرجونك من أرض مكة.
وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ، أي بعدك إِلَّا قَلِيلًا، فيهلكهم الله تعالى.
وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: قد فعلوا ذلك فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، ولم يلبثوا بعده إلا قليلاً.
وقال مقاتل: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ، يعني: من أرض المدينة.
نزلت الآية في حيي بن أخطب وغيره من اليهود حين دخل النبي المدينة حسدوه وقالوا: إنك لتعلم أن هذه ليست من أرض الأنبياء إنما أرض الأنبياء الشام، فإن كنت نبياً فاخرج منها فخرج، فنزل: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها، أي من أرض المدينة إلى الشام وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا وأمر بالرجوع إلى المدينة.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : فهي في معنى قوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] ، وأما لثقيفٍ، فقال ابن عباس وغيره: لأنهم طلبوا من رسولِ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم أن يؤخرهم بعد إسلامهم س نة يعبدون فيها اللاَّتَ، وقالوا: إِنما نريد أن نأخذ ما يُهْدَى لها ولكن إنْ خفْتَ أنْ تنكر/ ذلك عليك العربُ، فقل: أَوْحَى اللَّهُ ذلك إِلَيَّ، فنزلَتِ الآية في ذلك «٢» .
ت: واللَّه أعلم بصحَّة هذه التأويلاتِ، وقد تقدَّم ما يجبُ اعتقاده في حَقِّ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فالتزمه تُفْلِحْ.
وقوله: وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا: توقيفٌ على ما نجاه اللَّه منه من مُخَالَّةِ الكفّار، والولاية لهم.
وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥)
وقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ ...
الآية تعديدُ نعمه على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وروي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزلَتْ هذه الآيةُ، قال: «اللَّهُمَّ، لاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ «٣» عينٍ» وقرأ الجمهور «٤» (تركن) بفتح الكاف، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يركَنْ، لكنَّه كاد بَحسَب هَمِّه بموافقتهم طمعاً منه في استئلافهم، وذهب ابن الأنباريِّ إِلى أن معنى الآية: لقد كادوا أن يخبروا عنْكَ أنَّك ركَنْتَ ونحو هذا ذهب في ذلك إلى نفْي الهمِّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فحمَّل اللفظ ما لا يحتملُ وقوله: شَيْئاً قَلِيلًا يبطلُ ذلك.
ت: وجزى اللَّه ابنَ الأنباريِّ خيراً، وإن تنزيه سائر الأنبياء لواجبٌ، فكيف بسيِّد ولد آدم صلى الله عليه وعليهم أجمعين.
قال أبو الفَضْل عياضٌ في «الشِّفَا» : قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا: قال بعض المتكلِّمين: عاتب اللَّه تعالى نبيَّنا عليه السلام قبل وقوع ما يوجبُ العتاب ليكون بذلك أشدَّ انتهاءً ومحافظةً لشرائط المحبَّة، وهذه غاية العناية، ثم انظُرْ كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذِكْر ما عاتبه عليه، وخيف أنْ يركن إليه، وفي أثناء عتبه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: «أنَّ وفْد ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللهِ ، فَقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً، وحَرِّمْ وادِينا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَأبى ذَلِكَ، فَأقْبَلُوا يُكْثِرُونَ مَسْألَتَهُمْ، وقالُوا: إنّا نُحِبُّ أنْ تُعَرِّفَ العَرَبَ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ خَشِيتْ أنْ يَقُولَ العَرَبُ: أعْطَيْتُهم ما لَمْ تُعْطِنا، فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللهِ [ عَنْهم ]، وداخَلَهم الطَّمَعُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: أجِّلْنا سَنَةً، ثُمَّ نُسَلِّمُ ونَكْسِرُ أصْنامَنا، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّانِي: «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ : لا نَكُفُّ عَنْكَ إلّا بِأنْ تُلِمَّ بِآَلِهَتِنا، ولَوْ بِأطْرافِ أصابِعِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : " ما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَكارِهٌ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهَذا باطِلٌ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ بِرَسُولِ اللهِ ، ولا ما ذَكَرْنا عَنْ عَطِيَّةَ مِن أنَّهُ هَمَّ أنْ يُنْظِرَهم سَنَةً، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ وفي حَقِّ الصَّحابَةِ أنَّهم رَوَوْا عَنْهُ.
والثّالِثُ: «أنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللهِ لَيْلَةً إلى الصَّباحِ يُكَلِّمُونَهُ ويُفَخِّمُونَهُ، ويَقُولُونَ: أنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا، وما زالُوا بِهِ حَتّى كادَ يُقارِبُهم في بَعْضِ ما يُرِيدُونَ، ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: «أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ : اطَّرَدَ عَنْكَ سُقاطُ النّاسِ ومَوالِيهِمْ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ رائِحَتُهم رائِحَةَ الضَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، حَتّى نُجالِسَكَ ونَسْمَعَ مِنكَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ أنْ يَفْعَلَ ما يَسْتَدْعِي بِهِ إسْلامَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ،» حَكاهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ومَعْنى الكَلامِ: كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ " إنَّ " واللّامُ لِلتَّوْكِيدِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما قالَ: ﴿ لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ ؛ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوا مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَفْتَرِيَ ﴾ ؛ أيْ: لِتَخْتَلِق، ﴿ عَلَيْنا غَيْرَهُ ﴾ وهو قَوْلُهُمْ: قُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، ﴿ وَإذًا ﴾ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ﴿ لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ ؛ أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ ﴾ عَلى الحَقِّ لِعِصْمَتِنا إيّاكَ، ﴿ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ ﴾ ؛ أيْ: هَمَمْتَ وقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى مُرادِهِمْ ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وذَلِكَ حِينَ سَكَتَّ عَنْ جَوابِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ بِنْيَّتِهِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الفِعْلُ في الظّاهِرِ لِلنَّبِيِّ ، وفي الباطِنِ لِلْمُشْرِكِينَ، وتَقْدِيرُهُ: لَقَدْ كادُوا يُرْكِنُونَكَ إلَيْهِمْ، ويَنْسُبُونَ إلَيْكَ ما يَشْتَهُونَهُ مِمّا تَكْرَهُ، فَنَسَبَ الفِعْلَ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ اليَوْمَ، يُرِيدُ: كِدْتَ تَفْعَلُ فِعْلًا يَقْتُلُكَ غَيْرُكَ مِن أجْلِهِ؛ فَهَذا مِنَ المَجازِ والِاتِّساعِ، وشَبِيهٌ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ، وقَوْلُ القائِلِ: لا أُرِيَنَّكَ في هَذا المَوْضِعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ المَعْنى: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ الشَّيْءَ القَلِيلَ ﴿ لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ ﴾ ؛ أيْ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ ﴿ وَضِعْفَ ﴾ عَذابِ ﴿ المَماتِ ﴾ ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ نُبِّئْتُ أنَّ النّارَ بَعْدكَ أُوقِدَتْ ] واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ أيْ: أهْلُ المَجْلِسِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضِعْفُ عَذابِ الدُّنْيا والآَخِرَةِ.
وكانَ رَسُولُ اللهِ مَعْصُومًا، ولَكِنَّهُ تَخْوِيفٌ لِأُمَّتِهِ؛ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى أحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، حَسَدَتْهُ اليَهُودُ عَلى مَقامِهِ بِالمَدِينَةِ وكَرِهُوا قُرْبَهُ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنَبِيٌّ أنْتَ ؟
قالَ: " نَعَمْ "، قالُوا: فَواللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وأنَّ أرْضَ الأنْبِياءِ الشّامُ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فائْتِ الشّامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَمَّ رَسُولُ اللهِ أنْ يُشَخِّصَ عَنِ المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ: لَمّا قالَتْ لَهُ اليَهُودُ هَذا، صَدَّقَ ما قالُوا، وغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ أهْلُ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ رَسُولِ اللهِ مِن مَكَّةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالخُرُوجِ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ إخْبارًا عَمّا هَمُّوا بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
وقالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِهِ مِن مَكَّةَ، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ ما نُوظِرُوا، ولَكِنَّ اللَّهَ كَفَّهم عَنِ إخْراجِهِ حَتّى أمَرَهُ بِالخُرُوجِ.
وقِيلَ: ما لَبِثُوا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ بِبَدْرٍ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُشارِ إلَيْهِمُ: اليَهُودُ، والأرْضُ: المَدِينَةُ.
وعَلى الثّانِي: هُمُ المُشْرِكُونَ، والأرْضُ: مَكَّةُ.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ( الِاسْتِفْزازِ ) آَنِفًا ( الإسْراءِ: ٦٤ )، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هاهُنا: القَتْلُ، لِيُخْرِجُوهُ مِنَ الأرْضِ كُلِّها، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: " وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( خَلْفَكَ ) .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( خِلافَكَ ) .
قالَ الأخْفَشُ: ( خِلافَكَ ) في مَعْنى خَلْفَكَ، والمَعْنى: لا يَلْبَثُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ ؛ أيْ: لَوْ أخْرَجُوكَ لاسْتَأْصَلْناهم بَعْدَ خُرُوجِكَ بِقَلِيلٍ، وقَدْ جازاهُمُ اللَّهُ عَلى ما هَمُّوا بِهِ، فَقَتَلَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وقَتَلَ مِنَ اليَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأجْلى النَّضِيرَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الكَلامِ: لا يَلْبَثُونَ عَلى خِلافِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَقَطَ حَرْفُ الخَفْضِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( خِلافَكَ بِضَمِّ الخاءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ، ورَفْعِ الفاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ السُّنَّةَ عَلى العَذابِ المُضْمَرِ؛ أيْ: يُعَذِّبُونَ كَسُنَّتِنا فِيمَن أرْسَلْنا.
وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: سَنَّها سُنَّةً.
وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ بِمَعْنى ﴿ لا يَلْبَثُونَ ﴾ ، وتَأْوِيلُهُ: إنّا سَنَنّا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم أوْ قَتَلُوهُ، لَمْ يَلْبَثِ العَذابُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا ﴾ ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ﴾ "كَرَّمْنا" تَضْعِيفُ "كَرَمَ"، فالمَعْنى: جَعَلَنا لَهم كَرَمًا، أيْ شَرَفًا وفَضْلًا، وهَذا هو كَرَمُ نَفْيِ النُقْصانِ، لا كَرَمَ المالِ، وإنَّما هو كَما تَقُولُ: "ثَوْبٌ كَرِيمٌ"، أيْ: جَمَّةٌ مَحاسِنُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها عَلى بَنِي آدَمَ ما خَصَّهم بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَوانِ.
والجِنُّ هو الكَثِيرُ المَفْضُولُ، والمَلائِكَةُ هُمُ الخارِجُونَ عَنِ الكَثِيرِ المَفْضُولِ.
حَمَلَهم في البَرِّ والبَحْرِ مِمّا لا يَصْلُحُ لِحَيَوانٍ سِوى بَنِي آدَمَ أنْ يَكُونَ يَحْمِلُ بِإرادَتِهِ وقَصْدِهِ وتَدْبِيرِهِ في البَرِّ والبَحْرِ جَمِيعًا.
والرِزْقُ مِنَ الطَيِّباتِ، ولا يَنْتَفِعُ فِيهِ حَيَوانٌ انْتِفاعَ بَنِي آدَمَ ؛ لِأنَّهم يَكْسِبُونَ المالَ خاصَّةً دُونَ الحَيَوانِ، ويَلْبَسُونَ الثِيابَ، ويَأْكُلُونَ المَرْكَباتِ مِنَ الأطْعِمَةِ، غايَةُ كُلِّ حَيَوانٍ أنْ يَأْكُلَ لَحْمًا نَيِّئًا، أو طَعامًا غَيْرَ مُرَكَّبٍ.
و"الرِزْقُ": كُلُّ ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: التَفْضِيلُ هو أنْ يَأْكُلَ بِيَدَيْهِ؛ وسائِرُ الحَيَوانِ بِالفَمِ.
وقالَ غَيْرُهُ: وأنْ يَنْظُرَ مِن إشْرافٍ أكْثَرَ مِن كُلِّ حَيَوانٍ، ويَمْشِي قائِمًا، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَفْضِيلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُحْذِقٍ، وذَلِكَ لِلْحَيَوانِ مِن هَذا النَوْعِ ما كانَ يُفَضِّلُ بِهِ ابْنَ آدَمَ، كَجَرْيِ الفَرَسِ وسَمْعِهِ وإبْصارِهِ، وقُوَّةِ الفِيلِ وشَجاعَةِ الأسَدِ وكَرَمِ الدِيكِ، وإنَّما التَكْرِيمُ والتَفْضِيلُ بِالعَقْلِ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الحَيَوانَ كُلَّهُ، وبِهِ يَعْرِفُ اللهَ تَعالى، ويَفْهَمُ كَلامَهُ ويُوصِلُ إلى نَعِيمِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِفَضْلِ المَلائِكَةِ عَلى الإنْسِ مِن حَيْثُ هُمُ المُسْتَثْنَوْنَ، وقَدْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ مِنَ الآيَةِ، بَلِ التَفْضِيلُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ لَمْ تَعْنِ لَهُ الآيَةُ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنِ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، ويُحْتَمَلُ التَساوِي، وإنَّما صَحَّ تَفْضِيلُ المَلائِكَةِ مِن مَواضِعَ أُخْرى مِنَ الشَرْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ ﴾ الآيَةُ.
يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "يَوْمَ" أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الظَرْفِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أو فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: ولا يُظْلَمُونَ يَوْمَ نَدْعُو، ثُمَّ فَسَّرَهُ "يُظْلَمُونَ" الآخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "وَفَضَّلْناهُمْ"، وذَلِكَ أنَّ فَضْلَ البَشَرِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيَّنٌ؛ لِأنَّهُمُ المُنَعَّمُونَ المُكَلَّمُونَ المُحاسَبُونَ الَّذِينَ لَهُمُ القَدَرُ، إلّا أنَّ هَذا يَرُدُّهُ أنَّ الكُفّارَ يَوْمَئِذٍ أخْسَرُ مَن كُلِّ حَيَوانٍ؛ إذْ يَقُولُ الكافِرُ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ "نَدْعُوا" لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" مَنصُوبًا عَلى البِناءِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ويَكُونُ مَوْضِعُهُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في التَقْسِيمِ الَّذِي أتى بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَمَن أُوتِيَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ .
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَدْعُو" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَدْعُو" بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يَدْعُو اللهُ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُدْعَوْ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الواوِ، وأصْلُها: يُدْعى، ولَكِنَّها لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يَقْلِبُونَ هَذِهِ الألِفَ واوًا فَيَقُولُونَ: أفْعَوْ، وحُبْلَوْ.
ذَكَرَ هاتَيْنِ أبُو الفَتْحِ وأبُو عَلِيٍّ في تَرْجَمَةِ أعْمى بَعْدُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "كُلُّ" بِالرَفْعِ، عَلى مَعْنى: يُدْعَوْ كُلُّ.
وذَكَرَ أبُو عَمْرُو الدانِي عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "يُدْعى كُلُّ" و"الأُناسُ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
وقَوْلُهُ: "بِإمامِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِاسْمِ إمامِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مَعَ إمامِهِمْ، فَعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ-، ويا أتْباعَ فِرْعَوْنَ، ونَحْوَ هَذا، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي تَجِيءُ كُلُّ أُمَّةٍ مَعَها إمامُها مَن هادٍ أو مُضِلٍّ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الإمامِ فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: نَبِيُّهُمْ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: كِتابُهُمُ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُتَّبَعُهم مَن هادٍ ومُضِلٍّ.
ولَفْظَةُ "الإمامِ" تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ؛ لِأنَّ الإمامَ هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ ويُهْتَدى بِهِ في القَصْدِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِنّاءِ: إمامٌ، قالَ الشاعِرُ يَصِفُ قَدْحًا: وقَوَّمْتُهُ حَتّى إذا تَمَّ واسْتَوى ∗∗∗ كَمُخَّةِ ساقٍ أو كَمَتْنِ إمامِ وَمِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ: إمامٌ؛ لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِهِ في المَقاصِدِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى المُرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ حَقِيقَةٌ في أنَّ في يَوْمِ القِيامَةِ صَحائِفَ تَتَطايَرُ وتُوضَعُ في الأيْمانِ لِأهْلِ الإيمانِ، وفي الشَمائِلِ لِأهْلِ الكُفْرِ، وتُوضَعُ في أيْمانِ المُذْنِبِينَ الَّذِينَ يَنْفُذُهُمُ الوَعِيدُ، فَسَيَسْتَفِيدُونَ مِنها أنَّهم غَيْرُ مُخَلَّدِينَ في النارِ.
وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ ﴾ ، عِبارَةٌ عَنِ السُرُورِ بِها، أيْ: يُرَدِّدُنَها ويَتَناقَلُونَها، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ، أيْ: ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، حُكْمُ المَسْكُوتِ عنهُ كَحُكْمِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ.
ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لا يُبْخَسُونَ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمُ الصالِحَةِ شَيْئًا، و"الفَتِيلُ" هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلَ في القِلَّةِ وتَفاهَةِ القَدْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى ﴾ الآيَةُ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إشارَةٌ إلى النِعَمِ الَّتِي ذَكَرَها سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ ، أيْ: مَن عَمِيَ عن شُكْرِ هَذِهِ النِعَمِ والإيمانِ بِمُسْدِيها فَهو في أُمُورِ الآخِرَةِ وشَأْنِها أعْمى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمَلُ "أعْمى" الثانِي أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الأوَّلِ، عَلى أنَّهُ تَشْبِيهٌ بِأعْمى البَصَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ تَفْضِيلٍ، أيْ أشَدُّ عَمى، و"العَمى" في هَذِهِ الآيَةِ هو عَمى القَلْبِ في الأوَّلِ والثانِي، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في هَذِهِ الدارِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعِبَرِهِ والإيمانِ بِآياتِهِ ﴿ فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى ﴾ ، إمّا أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: في شَأْنِ الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ: فَهو في يَوْمِ القِيامَةِ أعْمى، عَلى مَعْنى أنَّهُ حَيْرانٌ، لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ صَوابٌ، ولا يَلُوحُ لَهُ نُجُحٌ.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآخِرَةِ أعْمى عن حُجَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ الإشارَةَ بِـ "هَذِهِ" إلى الدُنْيا، أيْ: مَن كانَ في دُنْياهُ هَذِهِ ووَقْتُ إدْراكِهِ وفَهْمِهِ أعْمى عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَعالى، فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ حِيرَةً وأعْمى؛ لِأنَّهُ قَدْ باشَرَ الخَيْبَةَ، ورَأى مَخايِلَ العَذابِ.
وبِهَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ مُعادَلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها، مَن ذَكَرَ مَن يُؤْتى كِتابُهُ بِيَمِينِهِ، وإذا جَعَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ بِمَعْنى: "فِي شَأْنِ الآخِرَةِ" لَمْ تُطْرَدِ المُعادَلَةُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "أعْمى" في المَوْضِعَيْنِ بِغَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ- في المَوْضِعَيْنِ بِإمالَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِإمالَةِ الأوَّلِ وفَتْحِ الثانِي، وتَأوَّلَهُ بِمَعْنى: "أشَدُّ عَمى"، ولِذَلِكَ لَمْ يُمِلْهُ.
قالَ أبُو عَمْرُو: لِأنَّ الإمالَةَ إنَّما تَحْسُنُ في الأواخِرِ، و"أعْمى" لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: أعْمى مِن كَذا، فَلَيْسَ يَتِمُّ إلّا في قَوْلِنا: "مِن كَذا" عَلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما جَعَلَهُ في الآخِرَةِ أضَلَّ سَبِيلًا، لِأنَّ الكافِرَ في الدُنْيا مُمْكِنٌ أنْ يُؤْمِنَ فَيَنْجُو، وهو في الآخِرَةِ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهو أضَلُّ سَبِيلًا، وأشَدُّ حِيرَةً، وأقْرَبُ إلى العَذابِ.
وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "لا يُقالُ أعْمى مِن كَذا، كَما يُقالُ: ما أيْداهْ" إنَّما هو في عَمى العَيْنُ الَّذِي لا تَفاضُلُ فِيهِ، وأمّا في عَمى القَلْبِ فَيُقالُ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقَعُ فِيهِ التَفاضُلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ مَكِّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ العَمى الأوَّلَ هو عَمى العَيْنِ عَنِ الهُدى.
وهَذا بَيِّنُ الِاخْتِلالِ، واللهٌ المُعِينُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ.
"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لَيَفْتِنُونَكَ" لامُ تَأْكِيدٍ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ الفَرّاءِ بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إنَّما"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كادُوا" قِيلَ: هو لِقُرَيْشٍ، وقِيلَ: لِثَقِيفٍ، فَأمّا لِقُرَيْشٍ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ لِأنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ : لا نَدَعُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حَتّى تَمَسَّ أوثانَنا، عَلى جِهَةِ التَشَرُّعِ بِذَلِكَ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ أنْ يُظْهِرَ لَهم ذَلِكَ وقَلْبُهُ مُنْكِرٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ رَسُولُ اللهِ في نَفْسِهِ: وما عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ لَهم ذَلِكَ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ ما في نَفْسِي؟
وقالَ ابْنُ إسْحاقٍ وغَيْرُهُ: إنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لَيْلَةً فَعَظَّمُوهُ وقالُوا لَهُ: أنْتَ سَيِّدُنا، ولَكِنْ: أقْبِلْ عَلى بَعْضِ أمْرِنا ونُقْبِلُ عَلى بَعْضِ أمْرِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ .
وحَكى الزَجّاجُ أنَّ الآيَةَ قِيلَ: إنَّما هِي فِيما أرادُوهُ مِن طَرْدِ فُقَراءِ أصْحابِهِ.
وأمّا لِثَقِيفٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لِأنَّهم طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ أنْ يُؤَخِّرَهم بَعْدَ إسْلامِهِمْ سَنَةً يَعْبُدُونَ فِيها اللاتَ، وقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ نَأْخُذَ ما يُهْدى لَها، ولَكِنْ إنْ خِفْتَ أنْ تُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْكَ العَرَبُ فَقُلْ: أوحى اللهُ ذَلِكَ إلَيَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
ويَلْزَمُ قائِلُ هَذا القَوْلِ أنْ يَجْعَلَ الآيَةَ مَدَنِيَّةً، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ، ورَوى قائِلُو الأقْوالِ الأُخَرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَمِيعُ ما أُرِيدَ مِنَ النَبِيِّ بِحَسَبِ هَذا الِاخْتِلافِ قَدْ أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ خِلافَهُ، إمّا في مُعْجِزٍ، وإمّا في غَيْرِ مُعْجِزٍ، وفِعْلُهُ هو -إنَّ لَوْ وقَعَ- افْتِراءٌ عَلى اللهِ، إذْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ إنَّما هي كُلُّها شَرْعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى ما نَجّاهُ اللهُ تَعالى مِنهُ مِن مُخالَفَةِ الكُفّارِ والوِلايَةِ لَهم.
وقَوْلُهُ " لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ " الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ عَلى النَبِيِّ ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ "الرُكُونُ": شَدُّ الظَهْرِ إلى الأمْرِ، أوِ الحَزْمُ عَلى جِهَةِ السُكُونِ إلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ الإنْسانُ بِالرُكْنِ مِنَ الجُدْرانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً: ﴿ أو آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْكَنُ" بِفَتْحِ الكافِ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ، وقَتادَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَرْكُنُ" بِضَمِّ الكافِ.
ورَسُولُ اللهِ لَمْ يَرْكَنْ، لَكِنَّهُ كادَ بِحَسْبِ هَمِّهِ بِمُوافَقَتِهِمْ طَمَعًا مِنهُ في اسْتِئْلافِهِمْ، وذَهَبَ ابْنُ الأنْبارِيِّ إلى أنَّ مَعْناهُ: لَقَدْ كادَ أنْ يُخْبِرُوا عنكَ أنَّكَ رَكَنْتَ، ونَحْوَ هَذا، ذَهَبَ في ذَلِكَ إلى نَفْيِ الهَمِّ بِذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ، فَحَمَّلَ اللَفْظَ ما لا يَحْتَمِلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ يُبْطِلُ ذَلِكَ.
وهَذا الهَمُّ مِنَ النَبِيِّ إنَّما كانَتْ خَطِرَةً مِمّا لا يُمْكِنُ دَفْعَهُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: "كِدْتَ"، وهي تُعْطِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكُونًا، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ إذْ كانَتِ المُقارَبَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُها "كِدْتَ" قَلِيلَةً، خَطِرَةً لَمْ تَتَأكَّدْ في النَفْسِ، وهَذا الهَمُّ هو كَهَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، والقَوْلُ فِيهِما واحِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ﴾ يُبْطِلُ أيْضًا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضِحاكُ: يُرِيدُ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى مَعْنى أنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ هَذا الذَنْبُ مِن عُقُوبَتِنا في الدُنْيا والآخِرَةِ كُنّا نُضَعِّفُهُ لَكَ، وهَذا التَضْعِيفُ شائِعٌ مَعَ النَبِيِّ في أجْرِهِ وألَمِهِ وعِقابِ أزْواجِهِ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون هذا كلاماً مستقلاً غير متصل بقوله: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ [الإسراء: 73] بناءً على ما نحوناه في تفسير الآية السابقة.
وهذه منّة أخرى ومقام آخر من مقام رسول الله تجاه المشركين.
ويجوز أن يكون من تكملة ما قبله فيكون الركون إليهم ركوناً فيما سألوه منه على نحو ما ساقه المفسرون من الأخبار المتقدمة.
و (لولا) حرف امتناع لوجود، أي يقتضي امتناعاً لوجود، أي يقتضي امتناع جوابه لوجود شرطه، أي بسبب وجود شرطه.
والتثبيت: جعل الشيء ثابتاً، أي متمكناً من مكانه غير مقلقل ولا مقلوع، وهو مستعار للبقاء على حاله غير متغير.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ في سورة [البقرة: 265].
وعدي التثبيت إلى ضمير النبي الدال على ذاته.
والمراد تثبيت فهمه ورأيه، وهذا من الحكم على الذات.
والمراد بعض أحوالها بحسب دلالة المقام، مثل ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23].
فالمعنى: ولولا أن ثبتنا رأيك فأقررناه على ما كان عليه في معاملة المشركين لقاربت أن تركن إليهم.
واللام في لقد كدت تركن إليهم} يجوز أن تكون لام جواب (لولا)، وهي ملازمة لجوابها لتحقيق الربط بينه وبين الشرط.
والمعنى على الوجه الأول في موقع هذه الآية: أن الركون مجمل في أشياء هي مظنة الركون ولكن الركونَ منتف من أصله لأجل التثبيت بالعصمة كما انتفى أن يفتنه المشركون عن الذي أوحي إليه بصرف الله إياهم عن تنفيذ فتنتهم.
والمعنى على الوجه الثاني: ولولا أن عصمناك من الخطأ في الاجتهاد وأريناك أن مصلحة الشدة في الدين والتنويه بأتباعه، ولو كانوا من ضعفاء أهل الدنيا، لا تعارضها مصلحة تأليف قلوب المشركين، ولو كان المسلمون راضين بالغضاضة من أنفسهم استئلافاً للمشركين، فإن إظهار الهوادة في أمر الدين تُطمع المشركين في الترقي إلى سؤال ما هو أبعد مدى مما سألوه، فمصلحة ملازمة موقف الحزم معهم أرجح من مصلحة ملاينتهم وموافقتهم، أي فلا فائدة من ذلك.
ولولا ذلك كله لقد كدت تركن إليهم قليلاً، أي تميل إليهم، أي توَعدتهم بالإجابة إلى بعض ما سألوك استناداً لدليل مصلحة مرجوحة واضحة وغفلة عن مصلحة راجحة خفية اغتراراً بخفة بعض ما سألوه في جانب عِظم ما وعدوا به من إيمانهم.
والركون: الميل بالرُكن، أي بالجانب من الجسد واستعمل في الموافقة بعلاقة القرب.
وتقدم في قوله: ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ﴾ في سورة [هود: 113]، كما استعمل ضده في المخالفة في قوله تعالى: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ في هذه السورة [الإسراء: 83].
وانتصب شيئاً } على المفعول المطلق ل ﴿ تركن ﴾ ، أي شيئاً من الركون.
ووجه العدول عن مصدر ﴿ تركن ﴾ طلب الخفة لأن مصدر ﴿ تركن ﴾ وهو الركون فيه ثقل فتركه أفصح، وإنما لم يقتصر على ﴿ قليلاً ﴾ لأن تنكير ﴿ شيئاً ﴾ مفيد التقليل، فكان في ذكره تهيئة لتوكيد معنى التقليل، فإن كلمة (شيء) لتوغلها في إبهام جنس ما تضاف إليه أو جنس الموجود مطلقاً مفيدةٌ للتقليل غالباً كقوله تعالى: ﴿ فلا تأخذوا منه شيئاً ﴾ [النساء: 20].
و (إذن) الثانية جَزَاءً ل كدت تركن } ، ولكونها جزاء فصلت عن العطف إذ لا مقتضى له.
فركون النبي صلى الله عليه وسلم إليهم غير واقع ولا مقارب الوقوع لأن الآية قد نفته بأربعة أمور، وهي: (لولا) الامتناعية.
وفعل المقاربة المقتضي أنه ما كان يقع الركون ولكن يقع الاقتراب منه، والتحقير المستفاد من ﴿ شيئاً ﴾ ، والتقليل المستفاد من ﴿ قليلاً ﴾ .
أي لولا إفهامنا إياك وجه الحق لخشي أن تقترب من ركون ضعيف قليل ولكن ذلك لم يقع.
ودخلت (قد) في حيز الامتناع فأصبح تحقيقها معدوماً، أي لولا أن ثبتناك لتحقق قرب ميلك القليل ولكن ذلك لم يقع لأنا ثبتناك.
وجملة ﴿ إذا لأذقناك ضعف الحياة ﴾ جزاءٌ لجملة ﴿ لقد كدت تركن ﴾ .
والمعنى: لو تركن إليهم لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات.
ولِما في (إذن) من معنى الجزاء استغني عن ربط الجملة بحرف التفريع.
والمعنى: لقد كدت تركن فلأذقناك.
والضعف بكسر الضاد: مماثل مقدار شيءٍ ذِي مقدار، فهو لا يكون إلا مبيناً بجنسه لفظاً أو تقديراً مثل قوله تعالى: ﴿ من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ [النور: 30]، أي ضعفي ما أعد لتلك الفاحشة.
ولما كان كذلك ساغ إطلاقه دون بيان اعتماداً على بيان السياق كما هنا، فإن ذكر الإذاقة في مقام التحذير ينبئ بأنها إذاقة عذاب موصوف بأنه ضِعف.
ثم إن الضعف أطلق هنا على القوي الشديد لعدم حمل الضعف على حقيقته إذ ليس ثَمّ عِلم بمقدار العذاب يراد تضعيفه كقوله: ﴿ فآتهم عذاباً ضعفاً من النار وتقدم ذلك ﴾ في سورة [الأعراف: 38].
وإضافة الضعف إلى الحياة وإلى الممات على معنى (في)، فإن تقدير معنى (في) بَيْنَ المتضايفين لا يختص بإضافة ما يضاف إلى الأوقات.
فالتقدير: لأذقناك ضعفاً في الحياة وضعفاً في الممات، فضعف عذاب الحياة هو تراكم المصائب والأرزاء في مدة الحياة، أي العمر بزوال ما كان يناله من بهجة وسرور بتمام دعوته وانتظام أمته، ذلك أن يتمكن منه أعداؤه، وعذاب الممات أن يموت مكموداً مستذلاً بين كفار يرون أنهم قد فازوا عليه بعد أن أشرفوا على السقوط أمامه.
ويشبه أن يكون قوله: وضعف الممات} في استمرار ضعف الحياة، فيكون المعنى: لأذقناك ضعف الحياة حتى المماتتِ.
فليس المراد من ضعف الممات عذاب الآخرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ركن إليهم شيئاً قليلاً لكان ذلك عن اجتهاد واجتلاباً لمصلحة الدين في نظره، فلا يكون على الاجتهاد عقاب في الآخرة إذ العقاب الأخروي لا يكون إلا على مخالفة في التكليف، وقد سوغ الله لنبيئه الاجتهاد وجعل للمخطئ في اجتهاده أجراً كما قرر في تفسير قوله تعالى: ﴿ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ في سورة [الأنفال: 68].
وأما مصائب الدنيا وأرزاؤها فهي مسببة على أسباب من الأغلاط والأخطاء فلا يؤثر في التفادي منها حسن النية إن كان صاحبها قد أخطأ وجه الصواب، فتدبر في هذه المعاني تدبر ذوي الألباب، ولهذا خولف التعبير المعتاد استعماله لعذاب الآخرة.
وعبر هنا ب ضعف الحياة وضعف الممات}.
وجملة ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ معطوفة على جملة ﴿ لأذقناك ﴾ .
وموقعها تحقيق عدم الخلاص من تلك الإذاقة.
و(ثُم) للترتيب الرتبي لأن عدم الخلاص من العذاب أهم من إذاقته، فرتبته في الأهمية أرقى.
والنصير: الناصر المخلص من الغلبة أو الذي يثأر للمغلوب، أي لا تجد لنفسك من ينتصر لك فيصدنا عن إلحاق ذلك بك أو يثأر لك منا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ كانَ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ في طَوافِهِ فَمَنَعَتْهُ قُرَيْشٌ وقالُوا لا نَدْعُكَ تَسْتَلِمُ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا فَحَدَّثَ نَفْسَهُ وقالَ: (ما عَلَيَّ أنْ أُلِمَّ بِها بَعْدَ أنْ يَدَعُونِي أسْتَلِمُ الحَجَرَ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي لَها كارِهٌ) فَأبى اللَّهُ تَعالى وأنْزَلَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ»، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ ثَقِيفًا قالُوا لِلنَّبِيِّ : أجِّلْنا سَنَةً حَتّى نَأْخُذَ ما نُهْدِي لِآلِهَتِنا، فَإذا أخَذْناهُ كَسَرْنا آلِهَتَنا وأسْلَمْنا، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ أنْ يُطِيعَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
» ﴿ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِتَدَّعِيَ عَلَيْنا غَيْرَ وحْيِنا.
الثّانِي: لِتَعْتَدِيَ في أوامِرِنا.
﴿ وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَدِيقًا، مَأْخُوذٌ مِنَ الخُلَّةِ بِالضَّمِّ وهي الصَّداقَةُ لِمُمالَأتِهِ لَهم.
الثّانِي: فَقِيرًا، مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلَّةِ بِالفَتْحِ وهي الفَقْرُ لِحاجَتِهِ إلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الدُّنْيا وضِعْفَ عَذابِ الآخِرَةِ، حَكاهُ الطَّبَرِيُّ: وفي المُرادِ بِالضِّعْفِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: النَّصِيبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ﴾ أيْ نَصِيبٌ.
الثّانِي: مِثْلانِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذَنْبَكَ أعْظَمُ.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّ الضِّعْفَ هو العَذابُ يُسَمّى ضِعْفٌ لِتُضاعُفِ ألَمِهِ، قالَهُأبانُ بْنُ تَغْلِبَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: لَمَقْتَلُ مالِكٍ إذْ بانَ مِنِّي أبِيتُ اللَّيْلَ في ضِعْفٍ ألِيمِ قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: إن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالاً من قريش، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تعال فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم، فرقّ لهم فأنزل الله: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك...
﴾ إلى قوله: ﴿ نصيراً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن باذان عن جابر بن عبد الله مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر فقالوا: لا ندعك تستلمه حتى تستلم آلهتنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما عليّ لو فعلت والله يعلم مني خلافه؟
فأنزل الله: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك...
﴾ إلى قوله: ﴿ نصيراً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف يقول له المشركون: استلم آلهتنا كي لا تضرك فكاد يفعل فأنزل الله: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير رضي الله عنه، أن قريشاً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إن كنت أُرْسِلْتَ إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك، فركن إليهم فأوحى الله إليه ﴿ وإن كادوا ليفتنونك...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: أنزل الله: ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ [ النجم: 1] فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ [ النجم: 19] فألقى عليه الشيطان كلمتين: لك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي من السورة وسجد، فأنزل الله: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك...
﴾ الآية.
فما زال مغموماً مهموماً حتى أنزل الله تعالى ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي...
﴾ [ الحج: 52] الآية.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن ثقيفاً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أجّلْنا سنة حتى نهدي لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدى للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة.
فهم أن يؤجلهم فنزلت ﴿ وإن كادوا ليفتنونك...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ يعني، ضعف عذاب الدنيا والآخرة.
وأخرج البيهقي في كتاب عذاب القبر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ضعف الحياة ﴾ قال: هو عذاب القبر.
وأخرج البيهقي عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضعف الممات ﴾ قال: عذاب القبر.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ الآية: سببها أن قريشاً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اقبل بعض أمرنا ونقبل بعض أمرك، وقيل: إن ثقيفاً طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات والعزى، والآية على هذا القول مدنية ﴿ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾ الافتراء هنا يراد به المخالفة لما أوحى إليه من القرآن وغيره ﴿ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾ أي لو فعلت ما أرادوا منك لاتخذوك خليلاً ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ لولا تدل على امتناع شيء لوجود غيره، فدلت هنا على امتناع مقاربة النبي صلى الله عليه وسلم الركون إليهم لأجل تثبيت الله له وعصمته، وكدت تقتضي نفي الركون، لأن معنى كاد فلان يفعل كذا أي: إنه لم يفعله فانتفى الركون إليهم ومقاربته، فليس في ذلك نقص من جانب النبي صلىلله عليه وسلم، لأن التثبيت منعه من مقاربة الركون، ولو لم يثبته الله لكانت مقاربته للركون إليهم شيئاً قليلاً، وأما منع التثبيت فلم يركن قليلاً ولا كثيراً، ولا قارب ذلك ﴿ إِذاً لأذقناك ضِعْفَ الحياوة وَضِعْفَ الممات ﴾ أي عذابهما لو فعل ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.
الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".
حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.
الباقون بفتحتين كرمى.
الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.
عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟
فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.
فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.
فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.
وقال عمر: أما ترون رسول الله أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.
وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.
وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.
وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.
فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.
وعن سعيد بن جبير أنه كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.
قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.
فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.
والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.
وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.
قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.
وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.
والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.
وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.
والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.
واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.
والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي .
وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.
وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.
وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله عقيب ذلك.
ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.
ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.
واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.
وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.
وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .
ثم بين أن عادته جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.
وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.
وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.
وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.
وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.
وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.
وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.
قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.
وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.
وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.
قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.
قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.
وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.
وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.
الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.
وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.
والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.
ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.
وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.
وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.
فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.
ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.
فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.
والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.
ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.
قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.
وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.
فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.
ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.
ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.
فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.
وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.
وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".
ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي .
زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.
ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.
ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.
وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.
ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.
فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.
وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.
وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له .
قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.
قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.
﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.
وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.
وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.
وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.
وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.
وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.
يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.
ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.
عن ابن مسعود أن النبي دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.
صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.
فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.
فحمله رسول الله حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.
وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.
وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .
ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.
ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.
وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.
وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.
والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.
ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.
وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.
﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.
والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.
﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.
ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.
فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.
فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.
ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله ، وإذا كانت معرفة الله .
ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟
وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي وما يعلم الروح.
ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.
ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.
وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.
وقوله : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.
وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.
ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.
وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.
ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.
وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.
قال : ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا ﴾ أي فعلنا.
وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.
ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.
ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.
وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.
وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ ونقل عن علي أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.
وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.
وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟
فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.
وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.
واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!
ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.
أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.
والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.
أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.
فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.
ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.
ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.
وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.
قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.
ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.
ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.
والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.
وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.
وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.
وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.
فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.
فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.
وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.
وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.
ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.
وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.
والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.
قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.
واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.
ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.
فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟
وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟
فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.
ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.
على أنه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله .
قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.
وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.
ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.
﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.
قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.
وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.
وقد أوحاها الله إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.
التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.
﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.
وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.
﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.
ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.
﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.
ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.
وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ .
"روي أن رجلاً جاء إلى النبي يعرض حاجة فقال : ما تريد؟
فقال: مرافقتك في الجنة.
فقال : أو غير ذلك؟
فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.
فقال النبي : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.
والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.
فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي .
فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.
ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.
وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".
وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.
ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.
وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.
وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ .
دل هذا على أنه قد كان من الكفرة شيء من الدعاء إلى شيء: يصير به مفتوناً لو أجابهم إلى ذلك، وكذلك كانت عادة الكفرة: كادوا أن يضلّوا رسول الله ويفتنوه عن الذي أوحي إليه، ويصرفوه عنه، كقولهم: ﴿ ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ ، هكذا كانت عادتهم: كانوا يطلبون منه الافتراء على الله والضلال على وجه المكر به، لا ضلال تصريح وكفر تصريح؛ ولكن معنى؛ يؤدي ذلك إلى الضلال والكفر، يريدون منه المساعدة لهم في بعض ما هم فيه بما كانوا يرونه من الموافقة له والمساعدة، لكن الله عصم رسوله عن جميع ما كانوا يطلبون منه؛ بالآيات والحجج التي ذكر في كتابه، وبالعقول؛ كقوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية [النساء: 65]: أخبر أنهم لا يؤمنون حتى لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى.
ومن لم يكن معصوماً يجوز أن يوجد منه حرج مما قضى به، وكقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، ومن لم يكن معصوماً يجوز أن يؤذي ولا يلحقه اللعنة، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ...
﴾ الآية [الأحزاب: 36]، فمن لم يكن معصوماً يجوز أن يكون الخيرة من أمره، وقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ، وأمثاله [من الآيات] مما يكثر عدّها.
وكذلك العقول تشهد أنه كان معصوماً؛ فمن أراد أن يصرف ويزيل عنه العصمة بتأويل يتأوّله في بعض الآيات، أو بحديث يرويه - فإنا لا نقبل تأويله، ولا خبره الذي روي، ونشهد أنه كذب.
ويجوز أن يكون في خبره الذي روي معنى آخر سواه؛ فليس له أن يروي إلا بالمعنى الذي كان فيه؛ فتأويل أهل التأويل أنه ألقى الشيطان ولقنه عند تلاوته: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ - تلك الغرانيق العلا، وشفاعتهن ترتجى.
وقال بعضهم: لا ندعك تستلم الحجر إلا أن تستلم آلهتنا، ونحوه.
إن ذلك كله فاسد خيال؛ أنه كان لا يحوم حول أصنامهم في حال صغره، ولا رأوه دنا منها؛ حتى لم يطمعوا ذلك منه ما دام صغيراً؛ فكيف طمعوا ذلك الاستسلام لها بعد ما أوحي إليه وصار رسولاً؟!
وكذلك ما ذكروا أنهم طلبوا منه أن يطرد بعض الذين اتبعوه - عنه؛ ليكونوا هم أتباعه؛ فهم أن يفعل ذلك فنزل: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ ، لكن ذلك كله فاسد خيال، لا يحتمل ما توهموا فيه؛ لأنهم لم يعرفوه حق معرفته، وإلا لو عرفوه حقيقة المعرفة ما توهموا فيه شيئاً من ذلك، وبالله التوفيق والمعونة.
ثم قوله: ﴿ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾ .
قد ذكرنا أن عادتهم ذلك إلا أن الله عصمه عن ذلك.
ثم قوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ : فظاهر الآية يرد جميع ما قال أهل التأويل في هذه الآية؛ لأنه يقول: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ﴾ : أخبر أنه قد ثبته؛ فلم يركن؛ لأنه أخبر أنه قد ثبته؛ فلم يكد أن يركن إليهم.
وقال: ﴿ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ : سمي ذلك: شيئاً يسيراً، ولو كان ما قال أولئك لكان شيئاً كبيراً عظيماً، بل يبلغ الكفر؛ دلّ أنه لم يكن ما ذكروا، وقال: ﴿ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ﴾ ، و (كاد): هو حرف بمعنى: قارب، أي: قارب أن يركن؛ كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ ، أي: قارب أن يتفطرن، وليس فيه أنه ركن إليهم؛ فقولهم فاسد للوجوه التي ذكرنا [أحدها: أنه ذكر]، ﴿ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ : وما قالوا: كبير عظيم يخاف أن يبلغ الكفر.
والثاني: قال ﴿ كِدتَّ ﴾ ، وهو حرف تقارب.
والثالث: ذكر على الشرط: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ ؛ فلم يركن لما ثبته، وهو ما قال إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ ، وما ذكرنا في قصّة يوسف: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ : ليس فيه أنه هم، ولا فيه أنه ركن؛ لأنه خرج على الشرط.
وقال الحسن في قوله: ﴿ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: هممت، لكنه هم به هم خطر خطره إبليس.
وكذلك قال في قصّة يوسف: همت به همّ عزم، وهم بها هم خطر.
وقال غيره: أرادوا منه أن يجعل لهم مجلساً على حدة؛ ليسلموا، فهمّ به أن يفعل ذلك؛ لحرصه على إسلامهم، وإشفاقاً عليهم، فمثل هذا يجوز الفعل إلا أن الرسل لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئاً، وإن صغر، إلا بإذن من الله - - ألا ترى أن يونس - - لما خرج من عند قومه مغاضباً عليهم بغير إذن منه - عاتبه ربه بذلك معاتبة عظيمة؛ حيث قال: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ، ومثل هذا لو فعله غيره من دونهم كان ممدوحاً محموداً في ذلك؛ فهذا يدل أن الأنبياء لم يكن لهم صنع شيء وإن قل إلا بإذن من الله، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ﴾ : أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ ﴾ ، أي: مثل الحياة.
وغيره قال: ﴿ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ ﴾ : عذاب الدنيا، ﴿ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ﴾ : عذاب الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾ ، قيل: مانعاً.
وقيل: ناصراً ينصرك، وشافعاً يشفعك [إلينا]، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا ﴾ : قال الحسن: قوله: ﴿ لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ ، أي: كادوا ليقتلونك، وليخرجوك منها بالقتل، وقد كانوا هموا قتله، لكن الله عصمه عن ذلك؛ بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ : هكذا كان سنة الله في الأمم الخالية أنهم إذا قتلوا نبيهم: لم يلبثوا بعده إلا قليلاً حتى أهلكوا.
وقال بعضهم: هو على الإخراج نفسه، إلا أن الله أخرجه إخراج هجرة إلى المدينة لما سبق من رحمته وفضله ألا يهلك هذه الأمة إهلاك استئصال؛ فلو كانوا هم أخرجوه - لاستوجبوا به الإهلاك؛ لما كان من سنته في الأولين إهلاكهم إذا أخرجوا رسولهم من بينهم.
وقال بعضهم: على حقيقة الإخراج منهم: أخرجوا رسول الله من بينهم، وفعلوا ذلك؛ فلم يلبثوا بعده إلا قليلاً، حتى أهلكهم الله بالقتل يوم بدر وغيره، وهو ما قال: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ : ففيه دلالة أنهم أخرجوه، وأنهم أهلكوا بذلك، وكذلك كانت سنة الله في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك.
وقال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ ، أي: ليستنزلونك من أرض المدينة؛ حيث نزل بالمدينة؛ قالت له اليهود: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء والرسل إنما أرض الأنبياء والرسل أرض الشام؛ فإن كنت نبيّاً رسولاً فاخرج إليها فخرج الرسول متوجهاً إلى الشام، فعسكر على رأس أميال؛ لينتاب إليه أصحابه؛ فنزل به جبريل بهذه الآية، لكن ذكرنا أن هذا وأمثاله لا يحتمل؛ لأنه لا يجوز أن يخرج رسول الله من أرض المدينة إلى أرض الشام بقول أولئك اليهود، من غير أن كان من الله إذن له في ذلك، هذا لا يحتمل ولا يتوهم منه ذلك، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ ، أي: كادوا أن يفتنونك بالمكر والكيد والخديعة لك؛ ليستفزونك من الأرض، لا أنهم كانوا يطمعون أن يفتنوه ويضلوه عن الذي أوحي إليه على التصريح والإفصاح؛ ولكن على جهة المكر به والخديعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا ﴾ : على قول الحسن: السنة في الأمم الذين قبله: أنهم إذا قتلوا الرسول أهلكوا أو عذبوا.
وعلى قول بعضهم: السنة فيهم: أنهم إذا أخرجوا الرسول من بينهم؛ على علم منه: أنهم لا يؤمنون، بعده الإهلاك.
وعلى قول بعضهم: على الإخراج نفسه، وهؤلاء قد أخرجوا رسولهم من بينهم بقوله: ﴿ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ...
﴾ الآية [التوبة: 40].
وقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ ، لكنهم عذبوا تعذيب رحمة وإهلاك رحمة، لا إهلاك استئصال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ﴾ .
أي: لعذابنا تحويلاً.
<div class="verse-tafsir"
ولولا أن مننا عليك بالتثبيت على الحق لقد أوشكت أن تميل إليهم بعض المَيْل، فتوافقهم فيما اقترحوه عليك؛ لقوة خداعهم وشدّة احتيالهم مع فرط حرصك على إيمانهم، لكن عصمناك من الميل إليهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.9Wrm2"