الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٨٨ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 100 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٨ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم ، فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله ، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه ، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا ، فإن هذا أمر لا يستطاع ، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق ، الذي لا نظير له ، ولا مثال له ، ولا عديل له ؟
!
وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد [ بن جبير ] أو عكرمة ، عن ابن عباس : إن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود ، جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له : إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به ، فأنزل الله هذه الآية .
وفي هذا نظر ؛ لأن هذه السورة مكية ، وسياقها كله مع قريش ، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة .
فالله أعلم .
يقول جلّ ثناؤه: قل يا محمد للذين قالوا لك: إنا نأتي بمثل هذا القرآن: لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثله، لا يأتون أبدا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض عونا وظهيرا.
وذُكِر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب قوم من اليهود جادلوه في القرآن، وسألوه أن يأتيهم بآية غيره شاهدة له على نبوّته، لأن مثل هذا القرآن بهم قُدرة على أن يأتوا به.
ذكر الرواية بذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير ، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان وعمر بن أضا (1) وبحري بن عمرو، وعزيز بن أبي عزيز، وسلام بن مِشْكم، فقالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئتنا به حقّ من عند الله عزّ وجلّ ، فإنا لا نراه متناسقا كما تناسق التوراة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما وَالله إِنَّكُمْ لَتَعْرِفُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الله تَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَكُمْ، وَلَو اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ على أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ما جاءُوا بِهِ ، فقال عند ذلك، وهم جميعا: فِنْحاص، وعبد الله بن صُورِيا، وكِنانة بن أبي الحُقيق، وأشيع، وكعب بن أسد، وسموءَل بن زيد، وجبل بن عمرو: يا محمد ما يعلِّمك هذا إنس ولا جان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :أما وَالله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الله تَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدكمْ في التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ ، فقالوا: يا محمد ، إن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما شاء، ويقدر منه على ما أراد، فأنـزل علينا كتابا تقرؤه ونعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنـزل الله عزّ وجلّ فيهم وفيما قالوا( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) .
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ( لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ )....
إلى قوله ( وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) قال: معينا، قال: يقول: لو برزت الجنّ وأعانهم الإنس، فتظاهروا لم يأتوا بمثل هذا القرآن.
وقوله عزّ وجلّ( لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) رفع، وهو جواب لقوله " لئن "، لأن العرب إذا أجابت لئن بلا رفعوا ما بعدها، لأن " لئن " كاليمين وجواب اليمين بلا مرفوع، وربما جزم لأن التي يجاب بها زيدت عليه لام، كما قال الأعشى: لَئِـنْ مُنِيـتَ بِنـا عَـنْ غِـبِّ مَعْرَكَةٍ لا تُلْفنــا عَـنْ دِمـاءِ القَـوْمِ نَنْتَفِـلُ (2) -------------------------- الهوامش : (1) قد بين ابن إسحاق في السيرة أسماء الأعداء من يهود، ولم أجد بينهم من اسمه عمر بن أصان الذي جاء في الأصل، ولعله نعمان ابن أضا، من بني قينقاع (انظر السيرة طبعة الحلبي 2: 161).
(2) هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص 63) من قصيدته التي مطلعها: "ودع هريرة" وعدتها 66 بيتا، وبيت الشاهد هو ال 63 قالها ليزيد بن مسهر، أبي ثابت الشيباني، يقول: إنا لا نمل القتال، ولو قدر لك أن تبتلى بنا في أعقاب معركة قد خضناها، لوجدت فينا قوة على قتال جدير، ولم ترنا نحيد عن الخوض في الدماء مرة أخرى.
ومحل الشاهد فيه أن قول الله (لا يأتون بمثله) جواب للقسم المتقدم عليه في قوله تعالى (لئن اجتمعت) ولم يؤكد فعل الجواب بالنون، لأنه مسبوق بالنفي "لا"..
ومثله في قول الأعشى؛: "لا تلفنا" الذي لم يؤكد بالنون مع أنه جواب القسم "لئن منيت"، وامتنع التوكيد لوجود النفي في الجواب.
قوله تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراأي عونا ونصيرا ; مثلما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه .
نزلت حين قال الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا ; فأكذبهم الله - تعالى - .
وقد مضى القول في إعجاز القرآن في أول الكتاب والحمد لله .
و " لا يأتون " جواب القسم في لئن وقد يجزم على إرادة الشرط .
قال الشاعر :[ ص: 294 ]لئن كان ما حدثته اليوم صادقا أقم في نهار القيظ للشمس باديا
وهذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، على صحة ما جاء به الرسول وصدقه، حيث تحدى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله، ولو تعاونوا كلهم على ذلك لم يقدروا عليه.
ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي أعدائه المكذبين به، متوفرة على رد ما جاء به بأي: وجه كان، وهم أهل اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهل وتمكن من ذلك لفعلوه.
فعلم بذلك، أنهم أذعنوا غاية الإذعان، طوعًا وكرهًا، وعجزوا عن معارضته.
وكيف يقدر المخلوق من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الذي ليس له علم ولا قدرة ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب الأرض والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادًا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله.
فكما أنه ليس أحد من المخلوقين مماثلاً لله في أوصافه فكلامه من أوصافه، التي لا يماثله فيها أحد، فليس كمثله شيء، في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله تبارك وتعالى.
فتبًا لمن اشتبه عليه كلام الخالق بكلام المخلوق، وزعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم افتراه على الله واختلقه من نفسه.
قوله جل وعلا ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ) لا يقدرون على ذلك ( ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) عونا ومظاهرا .
نزلت حين قال الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله
(قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) في الفصاحة والبلاغة.
(لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) معينا نزل ردا لقولهم "" ولو نشاء لقلنا مثل هذا "".
قل: لو اتفقت الإنس والجن على محاولة الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز لا يستطيعون الإتيان به، ولو تعاونوا وتظاهروا على ذلك.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال - تعالى - : ( قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا - كما حكى الله عنهم - ( لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذا ) قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز : والله لئن اجتمعت الإِنس والجن ، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، الذى أنزله الله - تعالى - من عنده على قلبى .
.
لا يستطيعون ذلك .
ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ومعينًا ومناصرًا ، فى تحقيق ما يتمنونه من الإِتيان بمثله .وخص - سبحانه - ( الإِنس والجن ) بالذكرن لأن المنكر كون القرآن من عند الله ، من جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة - مثلاً - ، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولأن التحدى إنما هو للإِنس والجن الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم ، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم .وقال - سبحانه - : ( لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) فأظهر فى مقام الإِضمار ، ولم يكتف بأن يقول : لا يأتون به ، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلاً معينًا ، وللإِشعار بأن المقصود نفى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية ، سواء أكانت فى بلاغته ، أم فى حسن نظمه ، أم فى إخباره عن المغيبات ، أم فى غير ذلك من وجوه إعجازه .وقوله : ( وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) معطوف على مقدر ، أى : لا يستطيعون الإِتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض ، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضًا .والمقصود أنهم لا يستطيعون الإِتيان بمثله على أية حال من الأحوال؛ وبأية صورة من الصور ، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة ، انتفى من باب الأولى الإِتيان بمثله مع عدمهما .
وقوله : ( لبعض ) متعلق بقوله ( ظهيرا ) .ولقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإِتيان بعشر سور من مثله ، بل بسورة واحدة من مثله .قال - تعالى - : ( أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) وقال - سبحانه - : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ بالغنا في بيان إعجاز القرآن، وللناس فيه قولان منهم من قال: القرآن معجز في نفسه، ومنهم من قال إنه ليس في نفسه معجزاً إلا أنه تعالى لما صرف دواعيهم عن الإثبات بمعارضته مع أن تلك الدواعي كانت قوية كانت هذه الصرفة معجزة والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول القرآن في نفسه إما أن يكون معجزاً أو لا يكون فإن كان معجزاً فقد حصل المطلوب، وإن لم يكن معجزاً بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان بهذه المعارضة وما كان لهم عنها صارف ومانع.
وعلى هذا التقدير كان الإتيان بمعارضته واجباً لازماً فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة يكون نقضاً للعادة فيكون معجزاً فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول هب أنه قد ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف عرفتم عجز الجن عن معارضته؟
وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال إن هذا الكلام نظم الجن ألقوه على محمد صلى الله عليه وسلم وخصوه به على سبيل السعي في إضلال الخلق فعلى هذا إنما تعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم إذا عرفتم أن محمداً صادق في قوله أنه ليس من كلام الجن بل هو من كلام الله تعالى فحينئذ يلزم الدور وليس لأحد أن يقول كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجن لأنا نقول إن هذه الآية دلت على وقوع التحدي مع الجن، وإنما يحسن هذا التحدي لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمر كذلك كان الاحتمال المذكور قائماً.
أجاب العلماء عن الأول بأن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً وعن الثاني أن ذلك لو وقع لوجب في حكمة الله أن يظهر ذلك التلبيس وحيث لم يظهر ذلك دل على عدمه وعلى أنه تعالى قد أجاب عن هذا السؤال بالأجوبة الشافية الكافية في آخر سورة الشعراء في قوله: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ وقد شرحنا هذه الأجوبة هناك فلا فائدة في الإعادة.
المسألة الثالثة: قالت المعتزلة الآية دالة على أن القرآن مخلوق لأن التحدي بالقديم وهذه المسألة قد ذكرناها أيضاً بالاستقصاء في سورة البقرة فلا فائدة في الإعادة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ يَأْتُونَ ﴾ جواب قسم محذوف، ولولا اللام الموطئة، لجاز أن يكون جواباً للشرط، كقوله: يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَا لِي وَلاَ حَرِمُ أن الشرط وقع ماضياً، أي: لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان لعجزوا عن الإتيان بمثله، والعجب من النوابت ومن زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم بأنه معجز، وإنما يكون العجز حيث تكون القدرة، فيقال: الله قادر على خلق الأجسام والعباد عاجزون عنه.
وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة، ولا مدخل لها فيه كثاني القديم، فلا يقال للفاعل.
قد عجز عنه، ولا هو معجز، ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز.
لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا أن يكابروا فيقولوا هو قادر على المحال، فإن رأس مالهم المكابرة وقلب الحقائق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى.
﴿ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ وفِيهِمُ العَرَبُ العَرْباءُ وأرْبابُ البَيانِ وأهْلُ التَّحْقِيقِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْلا هي لَكانَ جَوابُ الشَّرْطِ بِلا جَزْمٍ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ.
.
.
يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ ﴿ وَلَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ ولَوْ تَظاهَرُوا عَلى الإتْيانِ بِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المَلائِكَةَ لِأنَّ إتْيانَهم بِمِثْلِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، ولِأنَّهم كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ .
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ كَرَّرْنا بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ زِيادَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ.
﴿ لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَها في الأنْفُسِ.
﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ إلّا جُحُودًا، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا لِأنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالنَّفْيِ.
<div class="verse-tafsir"
{قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يأتوا بمثل هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيرا} معينا ولا يأتون جواب قسم محذوف ولولا اللام الموطئة لجاز أن يكون جواباً للشرط كقوله ...
يقول لا غائب مالي ولا حرم ...
لأن الشرط وقع ماضياً أي لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه لعجزوا عن الإتيان بمثله
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ ﴾ أيِ اتَّفَقُوا ﴿ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ ﴾ المَنعُوتِ بِما لا تُدْرِكُهُ العُقُولُ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مِنَ البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى، وتَخْصِيصُ الثَّقَلَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المُنْكِرَ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِنهُما لا مَن غَيْرِهِما، والتَّحَدِّي إنَّما كانَ مَعَهُما، وإنْ كانَ النَّبِيُّ مَبْعُوثًا إلى المَلَكِ كَما هو مَبْعُوثٌ إلَيْهِما لا لِأنَّ غَيْرَهُما قادِرٌ عَلى المُعارَضَةِ؛ فَإنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى فَرْضِ تَصَدِّيهِمْ لَها وحاشاهم إذْ هم مَعْصُومُونَ لا يَفْعَلُونَ إلّا ما يُؤْمَرُونَ عاجِزُونَ كَغَيْرِهِمْ ﴿ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ أيْ: هَذا القُرْآنُ وأُوثِرَ الإظْهارُ عَلى إيرادِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَثَلِ المَذْكُورِ احْتِرازًا عَنْ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ لَهُ مَثَلًا مُعَيَّنًا وإيذانًا بِأنَّ المُرادَ نَفِيُ الإتْيانِ بِمِثْلٍ ما؛ أيْ: لا يَأْتُونَ بِكَلامٍ مُماثِلٍ لَهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ وفِيهِمُ العَرَبُ العُرَباءُ أرْبابُ البَراعَةِ والبَيانِ، وقِيلَ: المُرادُ تَعْجِيزُ الإنْسِ وذَكَرَ الجِنَّ مُبالَغَةً في تَعْجِيزِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ ومَعَهُمُ الجِنُّ القادِرُونَ عَلى الأفْعالِ المُسْتَغْرَبَةِ فَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وحْدَهم أعْجَزُ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الجِنِّ ما يَشْمَلُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الجِنِّ عَلى المَلائِكَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ نَعَمْ الأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في غَيْرِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ لا يَنْبَغِي إدْراجُهم إذْ لا يُلائِمُهُ حِينَئِذٍ ﴿ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ مِمَّنْ أُسْنِدَ إلَيْهِمُ الفِعْلُ، وجُمْلَةُ: «لا يَأْتُونَ» جَوابُ القَسَمِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، وسادٌّ مَسَدَّ جَزاءِ الشَّرْطِ ولَوْلاها لَكانَ ﴿ لا يَأْتُونَ ﴾ جَزاءَ الشَّرْطِ، وإنْ كانَ مَرْفُوعًا بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا يَجُوزُ الرَّفْعُ في الجَوابِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِيَ ولا حَرِمُ لِأنَّ أداةَ الشَّرْطِ إذا لَمْ تُؤَثِّرُ في الشَّرْطِ ظاهِرًا مَعَ قُرْبِهِ جازَ أنْ لا تُؤَثِّرَ في الجَوابِ مَعَ بُعْدِهِ، وهَذا القَوْلُ خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ومَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والمُبَرِّدِ كَما فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ اللّامِ جَعْلُ المَذْكُورِ جَوابَ الشَّرْطِ خِلافًا لِلْفَرّاءِ، وأمّا قَوْلُ الأعْشى: لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ ∗∗∗ لا تُلْفِنا عَنْ دِماءِ الخَلْقِ نَنْتَفِلُ فاللّامُ لَيْسَتِ المُوَطِّئَةَ بَلْ هي زائِدَةٌ عَلى ما قِيلَ فافْهَمْ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ بِالِاجْتِماعِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ مُطْلَقَ الِاتِّفاقِ عَلى ذَلِكَ سَواءٌ كانَ التَّصَدِّي لِلْمُعارَضَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الِانْفِرادِ أوْ مِنَ المَجْمُوعِ بِأنَّ يَتَألَّبُوا عَلى تَلْفِيقِ كَلامٍ واحِدٍ بِتَلاحُقِ الأفْكارِ وتَعاضُدِ الأنْظارِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ أيْ: مُعِينًا في تَحْقِيقِ ما يَتَوَخَّوْنَهُ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، ولَوْ كانَ...
إلَخْ.
وهي في مَوْضِعِ الحالِ كالجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، والمَعْنى: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ ولَوْ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ المُنافِيَةِ لِعَدَمِ الإتْيانِ بِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِها وفِيهِ رَدٌّ لِلْيَهُودِ أوْ قُرَيْشٍ في زَعْمِهِمُ الإتْيانُ بِمِثْلِهِ.
فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ طائِفَةً مِنَ الأوَّلِينَ قالُوا: أخْبِرْنا يا مُحَمَّدُ بِهَذا الحَقِّ الَّذِي جِئْتَ بِهِ أحَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَإنّا لا نَراهُ مُتَناسِقًا كَتَناسُقِ التَّوْراةِ فَقالَ لَهُمْ: «أما واللَّهِ إنَّكم لَتَعْرِفُونَهُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
قالُوا: إنّا نَجِيئُكَ بِمِثْلِ ما تَأْتِي بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».
وفِي رِوايَةٍ: «أنَّ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ قالُوا لَهُ : جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَحْنُ نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِهِ فَنَزَلَتْ».
ولَعَلَّ مُرادَهم بِهَذِهِ الآيَةِ الغَرِيبَةِ ما تَضَمَّنَهُ الآياتُ بَعْدُ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ إلَخْ وحِينَئِذٍ قِيلَ: يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الآياتِ الأُخَرِ رَدٌّ لِجَمِيعِ ما عَنَوْهُ بِهَذا الكَلامِ إلّا أنَّهُ ابْتَدَأ بِرَدِّ قَوْلِهِمْ: نَحْنُ نَقْدِرُ إلَخِ اهْتِمامًا بِهِ فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَنشَأُ طَلَبِهِمُ الآيَةَ الغَرِيبَةَ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ حَسْمَ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ في رَوْمِ تَبْدِيلِ بَعْضِ آياتِهِ بِبَعْضٍ ولا مَساغَ لِكَوْنِها تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ كَما قِيلَ لَكِنْ لا لِما قِيلَ مِن أنَّ الإتْيانَ بِمِثْلِهِ أصْعَبُ مِنَ اسْتِرْدادِ عَيْنِهِ ونَفْيُ الشَّيْءِ إنَّما يُقَرِّرُهُ نَفْيُ ما دُونَهُ دُونَ نَفْيِ ما فَوْقَهُ لِأنَّ أصْعَبِيَّةَ الِاسْتِرْدادِ بِغَيْرِ أمْرِهِ تَعالى مِنَ الإتْيانِ المَذْكُورِ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، بَلْ لِأنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لَيْسَتْ مَسُوقَةً إلى النَّبِيِّ بَلْ إلى المُكابِرِينَ مِن قَبْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ في وجْهِ التَّقْرِيرِ: أنَّ عَدَمَ قُدْرَةِ الثَّقَلَيْنِ عَلى رَدِّهِ بَعْدَ إذْهابِهِ مُساوٍ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى مِثْلِهِ لِأنَّ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِعَدَمِ وُصُولِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا رَدُّهُ بِمِثْلِهِ فَصَرَّحَ بِنَفْيِهِ تَقْرِيرًا لَهُ مِنَ النَّظَرِ وعَدَمِ الجَدْوى، هَذا واسْتَدَلَّ صاحِبُ الكَشّافِ بِإعْجازِ القُرْآنِ عَلى حُدُوثِهِ؛ إذْ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا فَلا يَكُونُ مُعْجِزًا كالمُحالِ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا نِزاعَ في حُدُوثِ النَّظْمِ وإنْ تَحاشى أهْلُ السُّنَّةِ مِن إطْلاقِ المَخْلُوقِ عَلَيْهِ لِلْإيهامِ وهو المُعْجِزُ إنَّما النِّزاعُ في المُعَبِّرِ بِهَذِهِ العِبارَةِ المُعْجِزَةِ وهو المُسَمّى بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ فَهو اسْتِدْلالٌ لا يَنْفَعُهُ، وذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ المُنَيِّرِ.
وقالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: الجَوابُ مَنعُ المُلازَمَةِ إذْ مُصَحِّحُ المَقْدُورِيَّةِ الإمْكانُ وهو حاصِلٌ لا الحُدُوثُ، وأيْضًا المُعْجِزُ لَفْظُهُ ولا يُقالُ بِقِدَمِهِ والقَدِيمُ كَلامُ النَّفْسِ ولا يُقالُ بِإعْجازِهِ، وأيْضًا سَلَّمْنا أنَّ القَدِيمَ لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى عَيْنِهِ لَكِنْ لِمَ لا يُقْدَرُ عَلى مِثْلِهِ، واخْتارَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ هَذا الأخِيرَ في الجَوابِ، وقَدْ ذَكَرْنا في المُقَدِّماتِ مِنَ الكَلامِ ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَقامِ فَتَدَبَّرْ، واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الإنْعامِ ومُسَدِّدُ الأفْهامِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، من القرآن من قلبك ويقال: لَئِنْ شِئْنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر.
ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا، أي لا تجد من تتوكل عليه في ردّ شيء منه، ويقال: ثم لا تجد لك مانعاً يمنعني من ذلك.
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، يعني: لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين.
وروى أبو حازم، عن أبي هريرة أنه قال: «سيؤتى على كتاب الله، فيرفع إلى السماء فلا تصبح على الأرض من آية من القرآن، وينزع من قلوب الرجال فيصبحون ولا يدرون ما هو» ، وروي عن ابن مسعود أنه قال: «يصبح الناس كالبهائم» .
ثم قرأ: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الآية.
ثم قال: إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً، أي بالنبوة والإسلام.
قوله عز وجل: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، أي بمثل هذا القرآن على نظمه وإيجازه ونسقه مع كثير مما ضمن فيه من الأحكام والحدود وفنونها.
ويقال: مثل هذا القرآن من تعريه عن التناقض مع كثرة الأقاصيص والأخبار.
ويقال: عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، لأن فيه علم ما كان وعلم ما يكون، ولا يعرف ذلك إلاَّ بالوحي.
ويقال: بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، لأنه كلام منثور لا على وجه الشعر، لأن تحت كل كلمة معاني كثيرة.
وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً، أي معيناً.
<div class="verse-tafsir"
عليك قال الداوديّ: وما روي عن ابن مسعود من أنه سَيُنْزَعُ القرآنُ من الصدور، وتُرْفَعُ المصاحف «١» لا يَصِحُّ وإِنما قال سبحانه: وَلَئِنْ شِئْنا فلم يشأ سبحانه، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ» «٢» قال البخاريُّ: وهم أهل العِلْم، ولا يكون العلم مع فقد القرآن.
انتهى كلام الداوديّ، وهو حَسَن جدًّا، وقد جاء في الصحيح ما هو أبْيَنُ من هذا، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْتَزِعُ العِلْمَ انْتِزَاعاً ولَكِنْ يقبض العلم بقبض العلماء ...
«٣» ، الحديث.
وقوله سبحانه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ...
الآية: سببُ هذه الآية أنَّ جماعة من قريش قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ جِئْتَنَا بآيةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هذا القرآن، فإِنا نَقْدِرُ نَحنُ عَلَى المَجِيءِ بمثله، فنزلَتْ هذه الآية المصرِّحة بالتعجيز لجميع الخلائق.
قال ص: واللام في لَئِنِ اجْتَمَعَتِ اللام الموطِّئة للقسم، وهي الداخلة على الشرطِ، كقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا [الحشر: ١٢] وَلَئِنْ قُوتِلُوا [الحشر: ١٢] والجوابُ بعدُ للقَسَمِ لتقدُّمه، إِذا لم يسبق ذو خبره لا للشرطِ، هذا مذهبُ البصريِّين خلافاً للفراء في إجازته الأَمرين، إِلا أنَّ الأكثر أنْ يجيء جواب قَسَمٍ، «والظهير» المعين.
/ قال ع «٤» : وفهمت العرب الفصحاء بُخُلوصِ فهمها في مَيْزِ الكلامِ وَدُرْبتها به
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَكْذِيبٌ لِلنَّضِرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، والمَثَلُ الَّذِي طُلِبَ مِنهُمْ: كَلامٌ لَهُ نَظْمٌ كَنَظْمِ القُرْآَنِ في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ.
والظَّهِيرُ: المُعِينُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُوحِ قُلِ الرُوحِ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِن العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في "يَسْألُونَكَ" قِيلَ: هو لِلْيَهُودِ وأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، «وَرَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ، فَمَرَّ عَلى حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ - ويُرْوى عَلى خَرِبٍ- وإذا فِيهِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَإنْ أجابَ فِيهِ عَرَفْتُمْ أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّهُ كانَ عِنْدَهم في التَوْراةِ أنِ الرَوْحَ مِمّا انْفَرَدَ اللهُ بِعِلْمِهِ، ولا يُطْلِعُ عَلَيْهِ أحَدًا مِن عِبادِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألُوهُ لِئَلّا يَأْتِي فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي -واللهُ أعْلَمُ- مِن أنَّهُ لا يُفَسِّرُهُ فَتَقْوى الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في نُبُوَّتِهِ، قالَ: فَسَألُوهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ مُتَوَكِّئًا عَلى عَسِيبٍ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمُ الآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: نَسْألُ عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- أهْلَ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ، فَأرْسَلُوا إلَيْهِمْ إلى المَدِينَةِ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ اليَهُودُ: جَرِّبُوا بِثَلاثِ مَسائِلَ، سَلُوهُ عن أهْلِ الكَهْفِ وعن ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُوحِ، فَإنَّ فَسِرَّ الثَلاثَةَ فَهو كَذّابٌ، وإنَّ سَكْتَ عَنِ الرُوحِ فَهو نَبِيٌّ، فَسَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ الرُوحِ، فَيُرْوى أنَّ النَبِيَّ قالَ لَهُمْ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِهِ"، ولَمْ يَقِلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فاسْتَمْسَكَ الوَحْيُ عنهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُعاتَبَةً عَلى وعْدِهِ لَهم دُونَ اسْتِثْناءٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الرُوحِ المَسْؤُولِ عنهُ، أيُّ رُوحٍ هُوَ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: وقَعَ السُؤالُ عَنِ الرُوحِ الَّتِي في الأشْخاصِ الحَيَوانِيَّةِ، ما هِيَ؟
فالرُوحُ اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وهَذا هو الصَوابُ، وهو المُشْكِلُ الَّذِي لا تَفْسِيرَ لَهُ.
وقالَ قَتادَةُ: الرُوحُ المَسْؤُولُ عنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَكْتُمُهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وجْهٍ في كُلِّ وجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ لِسانٍ، لِكُلِّ لِسانٍ سَبْعُونَ ألْفَ لُغَةٍ، يُسَبِّحُ اللهَ سُبْحانَهُ بِكُلِّ تِلْكَ اللُغاتِ، فَيُخْلَقُ مِن كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ المَلائِكَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.
وما أظُنُّ هَذا القَوْلَ يَصِحُّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرُوحُ القُرْآنُ، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُفَسِّرَةٌ، والأوَّلُ أظْهَرُها وأصْوَبُها.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" اسْمُ جِنْسٍ لِلْأُمُورِ، أيِ: الرَوْحُ مِن جُمْلَةِ أُمُورِ اللهِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، فَهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، والثانِي أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيِ: الرَوْحُ مِمّا أمَرَ اللهُ تَعالى أمْرًا بِالكَوْنِ فَكانَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "وَما أُوتُوا"، ورَواها ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما أُوتِيتُمْ".
واخْتُلِفَ فِيمَن خُوطِبَ بِذَلِكَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السائِلُونَ فَقَطْ، تَرْجَمَ الطَبَرِيُّ بِذَلِكَ، ثُمَّ أدْخَلَ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عن قَتادَةُ أنَّهُمُ اليَهُودُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ اليَهُودُ بِجُمْلَتِهِمْ، وعَلى هَذا هي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: العالَمُ كُلُّهُ، وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى لَهُ: ﴿ قُلِ الرُوحُ ﴾ إنَّما هو أمْرٌ بِالقَوْلِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ إذْ كَذَلِكَ هي أقْوالُهُ كُلُّها، وعَلى ذَلِكَ تَمَّتِ الآيَةُ مِن مُخاطَبَةِ الكُلِّ.
ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَعالى لِلنَّبِيِّ ولِجَمِيعِ الناسِ.
ويَتَّصِفُ ما عِنْدَ جَمِيعِ الناسِ مِنَ العِلْمِ بِالقِلَّةِ بِإضافَتِهِ إلى عِلْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي عِنْدَنا مِن عِلْمِها طَرَفٌ يَسِيرٌ جِدًّا، كَما قالَ الخَضْرُ عَلَيْهِ السَلامُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلائِقِ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ"، وأرادَ الخَضْرُ عِلْمَ اللهِ بِهَذِهِ المَوْجُوداتِ الَّتِي عِنْدَ البَشَرِ مِن عِلْمِها طَرَفٌ يَسِيرٌ جِدًّا نِسْبَةً إلى ما يَخْفى عنهُمْ، نِسْبَةَ النُقْطَةِ إلى البَحْرِ، وأمّا عِلْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى الإطْلاقِ فَغَيْرُ مُتَناهٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَجَوُّزُ في قَوْلِ الخَضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ: "كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ"، أيْ: إنّا لا يَنْقُصُ عِلْمُنا شَيْئًا مِن عِلْمِ اللهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ مَثَّلَ بِنَقْرَةِ العُصْفُورِ في عَدَمِ النَقْصِ؛ إذْ نَقْصُهُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَكَأنَّهُ مَعْدُومٌ، فَهَذا احْتِمالٌ، ولَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ لِرَسُولِ اللهِ : كَيْفَ لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا وقَدْ أُوتِينا التَوْراةَ وهي الحِكْمَةُ، ومَن أُوتِيَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا؟
فَعارَضَهم رَسُولُ اللهِ بِعِلْمِ اللهِ فَغُلِبُوا، وقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللهِ في بَعْضِ الأحادِيثِ بِقَوْلِهِ: "كُلًّا".
يَعْنِي أنَّ المُرادَ بِـ "أُوتِيتُمْ" جَمِيعَ العالِمِ، وذَلِكَ أنَّ يَهُودَ قالَتْ لَهُ: أنَحْنُ عَنَيْتَ أمْ قَوْمَكَ؟
فَقالَ: "كُلًّا"، وفي هَذا المَعْنى نَزَلَتْ: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ ، حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةَ، فِيها شِدَّةٌ عَلى النَبِيِّ ، وهي عِتابٌ عَلى قَوْلِهِ: "غَدًا أُعْلِمُكُمْ"، فَأُمِرَ بِأنْ يَقُولَ: إنِ الرُوحَ مِن أمْرِ رَبِّي، فَيُذْعِنُ بِالتَسْلِيمِ لِلَّهِ في أنَّهُ يُعْلِمُ بِما شاءَ، ويُمْسِكُ عن عِبادِهِ ما شاءَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: وما أُوتِيتُمْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ وجَمِيعُ الخَلائِقِ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، فاللهُ تَعالى يُعْلِمُ مَن عِلْمِهِ بِما شاءَ، ويَدَعُ ما شاءَ، ولَئِنْ شاءَ لَذَهَبَ بِالوَحْيِ الَّذِي أتاكَ، ثُمَّ لا ناصِرَ لَكَ مِنهُ، فَلَيْسَ بِعَظِيمٍ ألّا تَجِيءَ بِتَفْسِيرٍ في الرُوحِ الَّذِي أرْدَتْ تَفْسِيرَهُ لِلنّاسِ ووَعَدَتْهم بِذَلِكَ.
ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَتَخْرُجُ رِيحٌ حَمْراءُ مِن قِبَلِ الشامِ فَتُزِيلُ القُرْآنَ مِنَ المَصاحِفِ ومِنَ الصُدُورِ، وتَذْهَبُ بِهِ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أرادَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِتِلاوَةِ الآيَةِ أنْ يُبْدِيَ أنَّ الأمْرَ جائِزُ الوُقُوعِ لِيَظْهَرَ مِصْداقُ خَبَرِهِ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأمْرِ في الِانْتِصارِ أوِ المُخاصَمَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن وُجُودِ النَفْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا رَحْمَةً" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ يُمْسِكُ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ يُخَصِّصُ تَخْصِيصًا ما، ولَيْسَ كالمُتَّصِلِ؛ لِأنَّ المُتَّصِلَ يُخَصِّصُ مِنَ الجِنْسِ أوِ الجُمْلَةِ، والمُنْقَطِعَ يُخَصِّصُ أجْنَبِيًّا مِن ذَلِكَ، ولا يُنْكِرُ وُقُوعَ المُنْقَطِعِ في القُرْآنِ إلّا أعْجَمِيٌّ، وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ خُوَيْزٍ مِقْدادٍ.
ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كِبَرَ فَضْلِهِ في اخْتِصاصِهِ بِالنُبُوَّةِ، وحِمايَتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ ﴾ الآيَةَ.
سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ قالَتْ لِرَسُولِ اللهِ : يا مُحَمَّدُ.
جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِ هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُصَرِّحَةُ بِالتَعْجِيزِ، المُعْلِمَةُ بِأنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ إنْسًا وجِنًّا لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
والعَجْزُ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في النَظْمِ والرَصْفِ لِمَعانِيهِ، وعِلَّةُ ذَلِكَ الإحاطَةُ الَّتِي لا يَتَّصِفُ بِها إلّا اللهُ تَعالى.
والبَشَرُ مُقَصِّرٌ ضَرُورَةً بِالجَهْلِ والنِسْيانِ والغَفْلَةِ وأنْواعِ النَقْصِ، فَإنَّ نَظْمَ كَلِمَةٍ خَفِيٌّ عنهُ -لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنا- ألْيَقُ الكَلامِ بِها في المَعْنى، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ في صَدْرِ هَذا الدِيوانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتُونَ ﴾ بِمِثْلِهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"لا" مُتَلَقِّيَةٌ قَسَمًا، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَئِنِ" مُؤَذِّنَهٌ غَيْرُ لازِمَةٍ، قَدْ تُحْذَفُ أحْيانًا، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ اللامُ مُؤَكِّدَةً فَقَطْ، ويَجِيءُ الفِعْلُ المَنفِيُّ مَجْزُومًا، وهَذا اعْتِمادٌ عَلى الشَرْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْمَشِ: لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عن غَبِّ مَعْرَكَةٍ ∗∗∗ لا تُلْفِنا عن دِماءِ القَوْمِ نَنْتَقِلُ و"الظَهِيرُ": المُعِينُ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ الآيَةَ.
فالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفَهِمَتِ العَرَبُ بِخُلُوصِ فَهْمِها في مَيْزِ الكَلامِ ودُرْبَتِها بِهِ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ ولا كُلُّ مَن خالَطَتْهُ حَضارَةٌ، فَفَهِمُوا العَجْزَ عنهُ ضَرُورَةً ومُشاهَدَةً، وعَلِمَهُ الناسُ بَعْدَهُمُ اسْتِدْلالًا ونَظَرًا، ولِكُلٍّ حَصَلَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ، لَكِنْ لَيْسَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وهَذا كَما عَلِمَتِ الصَحابَةُ شَرْعَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأعْمالَهُ مُشاهَدَةً عِلْمَ ضَرُورَةٍ، وعَلِمْنا نَحْنُ المُتَواتِرَ مِن ذَلِكَ بِنَقْلِ التَواتُرِ، فَحَصَلَ لِلْجَمِيعِ القَطْعُ، لَكِنَّ في مَرْتَبَتَيْنِ، وفَهِمَ إعْجازَ القُرْآنِ أرْبابُ الفَصاحَةِ الَّذِينَ لَهم غَرائِبُ في مَيْزِ الكَلامِ.
ألا تَرى إلى فَهْمِ الفَرَزْدَقِ شِعْرَ جَرِيرٍ في شِعْرِ ذِي الرُمَّةِ في قَوْلِهِ: يَعُدُّ الناسِبُونَ إلى تَمِيمٍ.
الأبْياتَ كُلَّها.
وألا تَرى قِصَّةَ جَرِيرٍ في نَوادِرِهِ مَعَ الفَرَزْدَقِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: عَلامَ تَلَفَّتِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ: تَلَفَّتُ أنَّها تَحْتَ ابْنِ قَيْنٍ.
وألا تَرى إلى قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ"؟
وألا تَرى إلى اسْتِدْلالِ الآخَرِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ ﴾ ، فَقالَ: إنَّ الزِيارَةَ تَقْتَضِي الِانْصِرافَ.
ومِنهُ عِلْمُ بَشّارٍ بِقَوْلِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في شِعْرِ الأعْشى: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ.
وَمِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْأصْمَعِيِّ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يُقْسِمَ؟
ومِن فَهْمِهِمْ أنَّهم بِبَدائِهِهِمْ يَأْتُونَ بِكَلِمَةٍ مَنثُورَةٍ تَفْضُلُ المُنَقَّحَ مِنَ الشِعْرِ، وأمْثِلَةُ ذَلِكَ مَحْفُوظَةٌ، ومِن ذَلِكَ أجْوِبَتُهُمُ المُسْكِتَةُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بَراعَتِهِمْ في الفَصاحَةِ وكَوْنِهِمْ فِيها النِهايَةَ، كَما كانَ السِحْرُ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والطِبُّ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهم مَعَ هَذِهِ الأفْهامِ أقَرُّوا بِالعَجْزِ، ولَجَأ المُحادُّ مِنهم إلى السَيْفِ، ورَضِيَ بِالقَتْلِ والسِباءِ وكَشْفِ الحُرَمِ، وهو كانَ يَجِدُ المَندُوحَةَ عن ذَلِكَ بِالمُعارَضَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ التَحَدِّي بِالعَشْرِ السُورِ، والتَحَدِّي بِالسُورَةِ، إنَّما وقَعَ كُلُّهُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في النُظُمِ خاصَّةً، وقَيَّدَ العَشْرَ بِالِافْتِراءِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى، فَدَعاهم بِعَقِبِ ذِكْرِ ذَلِكَ إلى الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرِياتٍ، ولَمْ يَذْكُرِ الِافْتِراءَ في السُورَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ عنهم ذِكْرُ ذَلِكَ قَبْلُ، بَلْ قالَ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ ، عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ ذِكْرُ السُورَةِ مَعَ ذِكْرِهِمُ الِافْتِراءَ في سُورَةِ هُودٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في هَذا المَوْضِعِ - فَقِيلَ: دُعُوا إلى السُورَةِ المُماثِلَةِ في النَظْمِ والغُيُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ، وكانَ ذَلِكَ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، فَلَمّا عَسُرَ عَلَيْهِمْ خُفِّفَ بِالدَعْوَةِ إلى المُفْتَرَياتِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَنْحَلُّ عِنْدَ تَحْصِيلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف للزيادة في الامتنان.
وهو استئناف بياني لمضمون جملة ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً ﴾ [الإسراء: 87].
وافتتاحه ب (قل) للاهتمام به.
وهذا تنويه بشرف القرآن فكان هذا التنويه امتناناً على الذين آمنوا به وهم الذين كان لهم شفاء ورحمة، وتحدياً بالعجز على الإتيان بمثله للذين أعرضوا عنه وهم الذين لا يزيدهم إلا خساراً.
واللام موطئة للقسم.
وجملة لا يأتون بمثله} جواب القسم المحذوف.
وجرد الجواب من اللام الغالب اقترانها بجواب القسم كراهية اجتماع لامين: لام القسم، ولام النافية.
ومعنى الاجتماع: الاتفاق واتحاد الرأي، أي لو تواردت عقول الإنس والجن على أن يأتي كل واحد منهم بمثل هذا القرآن لما أتوا بمثله.
فهو اجتماع الرأي لا اجتماع التعاون، كما تدل عليه المبالغة في قوله بعده: ﴿ ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ﴾ .
وذكر الجن مع الإنس لقصد التعميم، كما يقال: «لو اجتمع أهل السماوات والأرض»، وأيضاً لأن المتحدِّين بإعجاز القرآن كانوا يزعمون أن الجن يقدرون على الأعمال العظيمة.
والمراد بالمماثلة للقرآن: المماثلة في مجموع الفصاحة والبلاغة والمعاني والآداب والشرائع، وهي نواحي إعجاز القرآن اللفظي والعلمي.
وجملة ﴿ لا يأتون ﴾ جواب القسم الموطَأ له باللام.
وجواب (إن) الشرطيّة محذوف دل عليه جواب القسم.
وجملة ﴿ ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ﴾ في موقع الحال من ضمير ﴿ لا يأتون ﴾ .
و (لو) وصلية، وهي تفيد أن ما بعدها مظنة أن لا يشمله ما قبلها.
وقد تقدم معناها عند قوله: ﴿ ولو افتدى به ﴾ قي سورة [آل عمران: 91].
والظهير: المعين.
والمعنى: ولو تعاون الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله فكيف بهم إذا حاولوا ذلك متفرقين.
وفائدة هذه الجملة تأكيد معنى الاجتماع المدلول بقوله: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن} أنه اجتماع تظافر على عمل واحد ومقصد واحد.
وهذه الآية مفحمة للمشركين في التحدي بإعجاز القرآن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأذْهَبْناهُ مِنَ الصُّدُورِ والكُتُبِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: لَأذْهَبْناهُ بِقَبْضِكَ إلَيْنا حَتّى لا يَنْزِلَ عَلَيْكَ.
﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ لا تَجِدُ مَن يَتَوَكَّلُ في رَدِّهِ إلَيْكَ، وهو تَأْوِيلُ مَن قالَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ.
الثّانِي: لا تَجِدُ مَن يَمْنَعُنا مِنكَ، وهو تَأْوِيلُ مَن قالَ بِالوَجْهِ الثّانِي.
﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ لَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أبْقاكَ لَهُ وأبْقاهُ عَلَيْكَ.
﴿ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَزِيلًا لِكَثْرَتِهِ.
الثّانِي: جَلِيلًا لِعَظِيمِ خَطَرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان ونعيمان بن أُصَي ومجزئ بن عمر وسلام بن مشكم فقالوا: يا محمد، هذا الذي جئت به حق من عند الله؟
فانا لا نراه متناسقاً كما تتناسق التوراة.
فقال لهم: أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله قالوا: انا نجيئك بمثل ما تأتي به.
فأنزل الله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن...
﴾ الآية.
قال: يقول: لو برزت الجن وأعانهم الإنس فتظاهروا، لم يأتوا بمثل هذا القرآن.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا ﴾ الآية.
هذا احتجاج من الله تعالى عليهم بالمعجزة، أعلمهم -وهم أهل البيان وتأليف الكلام- عجزهم عن الإتيان بمثل ما أتى به الرسول - - وإن تعاونوا عليه، قال المفسرون: هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال: ﴿ لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا ﴾ (١) وقال مقاتل: إن نبيّ الله - - تحداهم أولاً فقال: ﴿ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ﴾ ، فعجزوا عن ذلك، فتحداهم وقال: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ ، فعجزوا، فآيسهم الله تعالى عن معارضته بمثل ما أتى به في هذه الآية (٢) قال أهل المعاني: والمثل الذي طُلب منهم في التحدي كلام له نظم كنظم القرآن في أعلى طبقات البلاغة، إذا قُوبل به ظهر أنه في تلك المنزلة، كما يكون بين الشعراء من معارضة القصيدة بالقصيدة؛ كمعارضة علقمة (٣) (٤) ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ في سورة البقرة [[آية: [23].]].
وقوله تعالى: ﴿ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ هذا جواب (لئن) بالرفع (٥) قال الفراء: والعرب إذا أجابت (لئن) بـ (لا) جعلوا ما بعد (لا) رفعًا، لأن (لئن) كاليمين، وجواب اليمين بـ (لا) مرفوعٌ، وربما جزم الشاعر بـ (لئن) وجوابها؛ لأن (لئن): (إن) التي يجازى بها زيدت عليها لام، وأنشد للأعشى: لئن مُنِيْتَ بنا عن غِبّ معركة ...
لا تُلْفِنا من دماء القوم ننتَفِلُ (٦) فجزم الجواب بـ (لا) (٧) قال: وأنشدني الكسائي (٨) لَئِنْ تَكُ قد ضَاقتْ عليكم بلادُكُم ...
لَيَعْلَمْ ربي (٩) (١٠) (١١) فجزم بلئن (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ الظهير: المعين المظاهر لك، وهو فعيل بمعنى المظاهر.
قال ابن عباس: يريد معينًا (١٣) (١) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 120 ب، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 84.
(٢) "تفسير مقاتل" 1/ 219 أ، بنحوه.
(٣) علقمة بن عَبَدَة بن النعمان، شاعر جاهلي من بني تميم، لقب بالفحل لأنه خلف على امرأة امرئ القيس لما حكمت له بأنه أشعر منه، فطلقها، عدّه الجمحي في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية، وله قصيدة طويلة في معارضة امرئ القيس.
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 137، و"الشعر والشعراء" ص 125، و"الأغاني" 21/ 205، و"المنتخب في محاسن أشعار العرب" 1/ 17، و"الخزانة" 3/ 282.
(٤) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 517، بنحوه.
(٥) قال الطوسي 6/ 517: وإنما رفعه لأنه غلب جواب القسم على جواب (إن) لوقوعه في صدر الكلام.
(٦) "ديوانه" ص 149 وفيه: لم تلفنا، وورد في "تفسير الطبري" 15/ 159، و"الطوسي" 6/ 517، و"ابن عطية" 9/ 186، و"اللسان" (نفل) 8/ 4510، و"تفسير أبي حيان" 6/ 78، و"الدر المصون" 7/ 407، و"الخزانة" 11/ 329، وورد بلا نسبة في: "شرح ابن عقيل" 4/ 45، و"شرح الأشموني" 4/ 69، (منيت): ابتليت، ننتفل، الانتفال: التبرؤ، يقال: انتفل من الشيء تبرأ منه.
(٧) وكان حقه الرفع لا تلفينا بإثبات الياء، جوابًا للقسم المتقدم على الشرط، لكنه جزمه بحذفها لأنه جعله جوابًا للشرط بإنْ ولم يُجِب القسم، بل حذفه لدلالة جواب الشرط عليه.
انظر: "شرح ابن عقيل" 4/ 45.
(٨) البيت للكميت بن معروف.
(٩) ساقطة من (د).
(١٠) ورد في "الخزانة" 10/ 68، 11/ 331 وفيه: بيوتكم، وواسع، وورد بلا نسبة في: "الدر المصون" 2/ 46، و"شرح التصريح" 2/ 254، و"شرح الأشموني" 3/ 397، 4/ 72.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 131، بتصرف واختصار.
(١٢) يقول السمين: ولا يحذف جواب الشرط إلا وفعله ماضٍ، وقد يكون مضارعًا.
وهنا قد حذف للضرورة -كما قال البغدادي- لأن القياس يقتضي أن يقول: لئن كانت.
وأن يقول في الجواب؛ ليعْلَمنّ.
انظر: "الدر المصون" 2/ 46،و"شرح التصريح" 2/ 254، و"شرح الأشموني" 4/ 72 ، و"الخزانة" 10/ 68 ، 11/ 351.
(١٣) لم أقف عليه منسوبًا إليه، وأخرجه "الطبري" 15/ 159، عن ابن جريج، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 193، وبلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 283.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ عجز الخلف عن الإتيان بمثله لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة والمعاني العجيبة التي لم يكن الناس يعلمونها، ولا يصلون إليها، ثم جاءت فيه على الكمال، وقال أكثر الناس: إنهم عجزوا عنه لفصاحته وحسن نظمه.
ووجوه إعجازه كثيرة قد ذكرنا في غير هذا منها خمسة عشر وجهاً ﴿ ظَهِيراً ﴾ أي معيناً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.
الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".
حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.
الباقون بفتحتين كرمى.
الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.
عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟
فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.
فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.
فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.
وقال عمر: أما ترون رسول الله أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.
وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.
وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.
وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.
فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.
وعن سعيد بن جبير أنه كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.
قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.
فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.
والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.
وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.
قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.
وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.
والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.
وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.
والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.
واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.
والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي .
وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.
وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.
وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله عقيب ذلك.
ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.
ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.
واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.
وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.
وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .
ثم بين أن عادته جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.
وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.
وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.
وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.
وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.
وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.
وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.
قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.
وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.
وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.
قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.
قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.
وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.
وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.
الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.
وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.
والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.
ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.
وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.
وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.
فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.
ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.
فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.
والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.
ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.
قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.
وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.
فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.
ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.
ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.
فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.
وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.
وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".
ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي .
زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.
ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.
ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.
وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.
ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.
فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.
وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.
وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له .
قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.
قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.
﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.
وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.
وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.
وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.
وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.
وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.
يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.
ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.
عن ابن مسعود أن النبي دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.
صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.
فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.
فحمله رسول الله حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.
وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.
وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .
ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.
ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.
وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.
وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.
والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.
ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.
وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.
﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.
والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.
﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.
ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.
فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.
فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.
ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله ، وإذا كانت معرفة الله .
ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟
وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي وما يعلم الروح.
ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.
ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.
وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.
وقوله : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.
وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.
ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.
وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.
ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.
وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.
قال : ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا ﴾ أي فعلنا.
وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.
ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.
ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.
وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.
وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ ونقل عن علي أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.
وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.
وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟
فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.
وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.
واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!
ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.
أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.
والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.
أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.
فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.
ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.
ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.
وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.
قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.
ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.
ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.
والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.
وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.
وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.
وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.
فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.
فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.
وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.
وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.
ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.
وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.
والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.
قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.
واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.
ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.
فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟
وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟
فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.
ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.
على أنه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله .
قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.
وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.
ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.
﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.
قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.
وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.
وقد أوحاها الله إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.
التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.
﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.
وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.
﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.
ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.
﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.
ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.
وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ .
"روي أن رجلاً جاء إلى النبي يعرض حاجة فقال : ما تريد؟
فقال: مرافقتك في الجنة.
فقال : أو غير ذلك؟
فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.
فقال النبي : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.
والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.
فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي .
فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.
ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.
وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".
وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.
ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.
وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.
وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ : فيشبه أن يكون النعمة التي ذكر هو محمد؛ لما ذكرنا أنهم كانوا في حيرة وعمى لا يجدون السبيل إلى دين الله، ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ فذلك الإعراض الذي ذكروا، والله أعلم، فبعث الله محمداً ليدعوهم إلى دين الله ويبين سبيله، فذلك منه نعمة عظيمة أعرضوا عنها وتباعدوا عنها.
ويشبه أن يكون ما قاله أهل التأويل إنه إذا وسع عليه الرزق والعيش أعرض عن الدعاء له وتباعد بجانبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ ، أي: يائساً من الخير ألا يعود إليه أصلاً، وهكذا كانت عادتهم أنهم [كانوا] يخلصون الدعاء له إذا مسّهم سوء وأصابتهم شدة، ويكفرون به إذا تجلى ذلك عنهم وانكشف، كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 65].
﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ...
﴾ الآية.
وأمثاله، وكان الناس كلهم فرقاً أربعة: منهم من كان مذهبهم ما ذكرنا: أنهم كانوا يخلصون له الدعاء في حال الشدة ويكفرون في حال الرخاء.
ومنهم من كان يؤمن به في حال الرخاء والنعمة ويكفر به في حال الشدة، كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ الآية [الحج: 11].
وهم أهل النفاق.
ومنهم من يكفر به في الأحوال كلها كقوله: [...].
والفرقة الرابعة هم أهل الإسلام يؤمنون به في حال الرخاء وحال الشدّة في الأحوال كلها، على هذا كانوا في الأصل، وعلى هذا يجيء أن يكون قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ من الأصنام، كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ فيكون إياسهم من الأصنام التي عبدوها.
لكن أهل التأويل صرفوا إلى ما ذكرنا من الإياس عن الخير من [أن يعود إليهم.
وقوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ : لسنا نعلم إزاء أي سبب كان هنالك حتى قال: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ؛ إذ إنه يجوز أن يقال هذا بلا سبب كان منهم، لكن يشبه أن يكون] قال هذا على الإياس من إيمانهم لما لم يزدهم دعاؤه إياهم وكثرة تلاوة آياته عليهم وإقامة حججه عليهم - إلا عناداً وإنكاراً، فقال عند ذلك: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ، أي: على دينه وطريقته، كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، فهو كله على الإياس عن أن يؤمنوا به ويقبلوا دينه، ثم قال: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً ﴾ ، أي: ربكم أعلم بمن منا على الهدى، ومن ليس.
أو [من] منا أهدى سبيلاً نحن أو أنتم؟
وقال أبو عوسجة: الشاكلة: الحاضرة أي: على ناحيته.
وقال القتبي: شاكلته، أي: على خليقته [وطبيعته].
وقال قطرب: على طريقته، وكأن هذا أشبه.
وقال بعضهم: على نيته.
وقيل: على دينه ومذهبه.
وقيل: على جديلته ومنهاجه، وكله يرجع إلى واحد.
ويشبه أن يكون: أي: كل يعمل بما هو الشبيه به وما هو يشبهه؛ لأن الشكل هو ما يشبه الشيء، يقال: هذا شكل هذا، وقوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ على قول من يقول على خليقة خلق عليها؛ لأنه خلق على علم منه أنه يختارها ويؤثرها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ قيل: ذاهباً باطلاً، لا يجدي لأهله نفعاً؛ لأنه يتلاشى ولا يبقى، والحق يجدي لأهله نفعاً ويبقى، وعلى ذلك ضرب الله مثل الحق بالشيء الذي يبقى، وضرب مثل الباطل بالشيء الذي لا يبقى ولا يثبت؛ فقال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقد ذكرناه في موضعه: ضرب مثل الباطل بالزبد وهو يتلاشى، لا ينتفع به؛ فعلى ذلك الباطل، وضرب مثل الحق بالماء، وهو يبقى في الأرض، وينفع الناس، وضرب مثل الباطل - أيضاً - بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار بقوله: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 26]، وضرب مثل الحق بالشجرة الطيبة الثابتة في الأرض ذات قرار وثبات بقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
فهو على ما وصفها: الحق ثابت باق وله قرار ينفع أهله، والباطل يرى ثم يتلاشى ولا بقاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ : اختلف فيه: قال أبو بكر الأصم: الروح: القرآن هاهنا، كقوله: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ...
﴾ الآية [الشورى: 52].
﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من تدبير ربي، ما لو اجتمع الخلائق ما قدروا على مثله.
فإن قيل: كيف سألوا عن القرآن، وهم لم يقروا بالقرآن؟
فقال: سمّوه: قرآناً وروحاً على ما عنده - أعني: عند رسول الله - كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ ﴾ وهم لم يكونوا أقروا أنّه رسول، ولكن سمّوه: رسولاً؛ لما [أنه] عند نفسه وزعمه رسول، أي: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول يأكل الطعام؟
فعلى ذلك قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ﴾ وهو الذي به حياة الأبدان من هلاك الضلال، أي: من تمسك به نجا من هلاك الضلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: بأمر ربي ينزل.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من خلق ربي، وهما واحد.
وقال بعضهم: الروح: هو الملك وإنما سألوه عنه، كقوله: ﴿ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا ﴾ : يعني: الملك.
وقال بعضهم: إنما سألوا عن الروح المعروف الذي به حياة الأبدان، لكنه لم يجبهم، فوكل أمره إلى الله لما لا يدركون ذلك لو بين لهم وأمثاله.
وروى عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه كان ينهى عن الخوض في الكلام، ويحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث سألوه عن الروح، فلم يجبهم، ولكن فوض أمره إلى الله، وما سئل من الأحكام إلا وقد بين لهم كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...
﴾ الآية [البقرة: 219]، و ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ...
﴾ الآية [الأنفال: 1]، و ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ﴾ ، ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ، مثل هذا ما سئل عن شيء من الأحكام إلا وقد أجابهم وبين لهم بياناً شافياً، وقال هاهنا: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ .
وقال جعفر بن حرب: إن الله قد أمر بالتكلم في الكلام بقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم...
﴾ الآية [النحل: 125]، وقال: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ...
﴾ الآية [الكهف: 22].
ونحوه، فكيف نهى عن الخوض في الكلام؟
لكن أبا يوسف إنما نهى عن الخوض في الكلام الذي لا يدرك ولا يزيد الخوض فيه إلا حيرة وضلالاً نحو ما روى عن نبي الله أنه قال: "تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق" لأنه لا يدرك، فالتفكر فيما لا يدرك لا يزيد إلا عمى وحيرة وتيهاً، وأمّا الخوض في الذي يدرك ويعقل فإنه لم ينه عن مثله.
وأصله: ما ذكرنا من إباحة التكلم في الدين والخوض في الكلام في كثير من الآيات من ذلك قوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...
﴾ الآية [النحل: 125].
ونحوه.
قال الشيخ - رحمه الله -: أو لا نفسر الروح ما هو؟
لما لا يعلم ما أرادوا بالروح وهم قد علموا ما أرادوا.
أو علم رسول الله ما سألوا، وإنما سألوا ذلك عما في كتبهم؛ ليعلموا صدقه فيما يدعي من الرسالة؛ لما علموا أن غير الرسول لا يعلم ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي به مصالحكم وما جاءكم إلا قليلاً.
وقال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي أنشأه والعلم الذي عنده إلا قليلاً، وهو هكذا: أنا لم نؤت من العلم إلا علم ظواهر الأشياء وباديها، لم نؤت علم بواطن الأشياء وحقائقها، وذلك أنا نعلم أن البصر يبصر، والسمع يسمع، واللسان ينطق، واليد تقبض وتأخذ، والرجل تمشي، والعقل يدرك، لكن لا نعلم المعنى الذي جعل فيه به يسمع وبه يبصر وبه ينطق وبه يأخذ وبه يمشي وبه يدرك، وكذلك نعرف هذه الحيوانات التي نشاهدها ونعايشها بأن هذا حمار، وهذا ثور، وهذا كذا، ولكن لا نعرف المعنى الذي [به] صار هذا حماراً، أو هذا ثوراً، وكذلك كل جواهر وأجناس، فلا نعرف من العلوم التي أنشأها الله إلا القليل منها - ظواهرها - وأما الحقائق فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ من يقول بأن الروح الذي سألوه عنه هو الوحي والقرآن الذي أنزل عليه يحتج بهذه الآية، وبقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ لما خرج ذكرها على أثر سؤال الروح، فدلّ أنه ما ذكرنا، وقد ضل بهذه الآية فريقان: الحشوية، والمعتزلة.
أمّا الحشوية فإنهم يقولون: إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل به موصوفاً، وإنه لا يزايله، ثم [إنهم] يقولون: القرآن في المصاحف بعينه وهو في الأرض وفي القلوب، فقولهم مناقض؛ لأنه إذا كان صفته لا هو ولا غيره، لا يجوز أن يكون في المصاحف بعينه أو في الأرض أو في القلوب.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: أمّا الذي في المصاحف هذا ما يفهم به ذلك أو ما يوافق به ذاك - أعني: القرآن - ويقال: هذا حكاية عن ذلك.
وأما المعتزلة: فإنهم ينكرون خلق أفعال العباد، ثم يقولون: إن القرآن مخلوق؛ فعلى زعمهم يكون القرآن والكلام ما يكتب ويثبت ويمحى، وذلك فعل العباد، ثم يقولون: أفعالهم غير مخلوقة؛ فذلك تناقض في القول بيِّن.
وعلى قولنا: ما ذكر من الذهاب والمجيء كله على المجاز، أي: الموافقة لا على الحقيقة، كما يقال: سمعت كلام فلان وقول فلان، وكتبت حديث فلان ونحوه؛ فذلك كله على المجاز لا على التحقيق؛ لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا كلامه ولا حديثه، ولكن يسمع صوتاً يفهم به قوله وكلامه وحديثه، فعلى ذلك الأول يذهب بالذي يسمع ويكتب، فأما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك.
وبعد: فإنه قد أضيف المجيء إلى الذي لا يعرف منه ذلك، ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أن يكون صلة قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ حتى لا يظفر به، وإلا كان رسول الله يعلم أنه لو شاء لذهب بالذي أوحى إليه وقادر عليه وله رفعه، وكذلك يعرف هذا كل مؤمن.
وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر المنة والرحمة، أي: له أن يرفع هذا الذي أوحى إليه؛ ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة، وكذلك الوحي إليه في الابتداء وبعثه رسولاً إليهم فضلاً واختصاصاً لا استحقاقاً منه واستيجاباً، كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه اختصاصاً منه وفضلاً، لا استحقاقاً منه؛ فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل منه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما قالوا: إنه لا يختار الله أحداً لرسالته ونبوته إلا من كان مستحقّاً لها ومستوجباً لذلك، وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولاً، وبفضله ورحمته أبقاها وتركها بعدما أوحى إليه وأرسله رسوله.
والثاني: فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين، حيث أوعد لهم برفع ما أوحى إليه [وأرسله] وإذهابه إياه، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما أوعد؛ إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة، ثم لا شك أن إبقاء النبوة وترك ما أوحى إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوّاً عن ذلك، دلّ أنه قد يفعل ما ليس لهم بأصلح لهم في الدين.
وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولاً ولا أوحى إليه وحياً؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم، لكان خلقه إياهم عبثاً ليتركهم سدى؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ولا أوحى؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ﴾ : وقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .
أي: إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفضله - أيضاً - في إبقاء ذلك كبيراً.
وفيه أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ؛ حيث قال: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أخبر أنه لو شاء، لذهب بالمحفوظ في القلب وينسيه؛ دلّ أن له قدرة في فعل العبد.
وفي قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ وجه آخر من الحكمة؛ وهو أن يعلم المؤمنون: أن الفضل كله من الله؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلاً ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجرى على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ثم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه، وقوله: بمثله، أي: به، كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أي: ليس كهو شيء؛ إذ لا مثل له؛ فدلّ أن قوله: ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه وعاينوه؛ فلئلا يقدروا على إتيانه ابتداء قبل أن نظروا فيه وعرفوا مثاله - أشدّ وأبعد؛ إذ نظم الشيء وتصوره بعدما عاينوا الأشياء والصّور أهون وأيسر من تصويرها ونظمها قبل أن يعاينوها ويشاهدوها.
وجائز أن يستدل بهذه الآية على أنه كان مبعوثاً إلى الإنس والجن جميعاً حيث قال: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن مبعوثاً إلى الفريقين جميعاً لم يكن لذكرهما معنى وفائدة.
وفيه دلالة: أن في الجن من لسانه لسان العرب؛ إذ لو لم يكن [كذلك، لم يكن] لذكر أولئك [معنى] ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ، أي: الإنس مع الجن، أو هؤلاء مع هؤلاء، ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: إنما ذكر هذا لقولهم: إنه سحر وإنما يعلمه بشر [النحل: 103] وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ وقولهم: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ \[المؤمنون: 38\]، ومثله، يقول: إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا من هذين، من الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه.
والدلالة على أنهم عجزوا عن ذلك، ولم يطمع أحد منهم ذلك إلا سفيه أظهر الله سفهه وكذبه في القرآن؛ حيث قال: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ لم يسأل التوفيق إن كان هو حقّاً، ولكن سأل العذاب؛ دلّ أنه كان سفيهاً، فآية السفه: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم ارتاب فيه وشك بقوله: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ﴾ وإلا لم يطمع ولم يخطر ببال أحد من الخلائق التكلف لذلك، دلّ أنه آية معجزة من الله .
ثم اختلف في قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ .
قيل: مثل نظمه ورصفه.
وقيل: مثل حقه وصدقه.
ويحتمل مثل حججه وبراهينه.
ويحتمل مثل علمه وحكمته.
ويحتمل مثل إحكامه وإتقانه.
يحتمل قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ هذه الوجوه الخمسة التي ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ بِمِثْلِهِ ﴾ يحتمل ما ذكرنا؛ أي: بالذي رفع وذهب به؛ على التأويل الذي جعلناه صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ الذي ذهب به ورفع ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون على إتيانه.
وإن كان على الابتداء، فهو على المثل؛ أي: لا يقدرون على أن يأتوا بمثله، على ما لم يقدروا عليه بعدما قرع سمعهم هذا فلو كان في وسعهم هذا لفعلوا؛ ليخرج قولهم صدقاً وقول الرسول كذباً، فإذا لم يفعلوا ذلك، ولم يتكلفوا؛ دل أنهم عرفوا أن ذلك من الله وأنه آية معجزة خارجة عن وسعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ .
أي: بيّنا، وتحتمل ضربنا، وتحتمل فرقنا للناس: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: ذكرنا للناس مثلاً على أثر مثل، ومثلاً بعد مثل ما لو تفكروا فيه، وتأمّلوا لعرفوا صدق رسول الله وكذب أنفسهم وسفههم، ولعرفوا الحق من الباطل والمحق من المبطل، ولكن لم يتفكروا فيه ولم يتأمّلوا وعاندوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .
لا يريد كل الأمثال، ولكن ما ذكرنا من كل مثل لو تأملوا فيه، وتفكروا، لكان لهم معتبراً.
وفي قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، يكون ما ذكر من تصريف الأمثال وضربها للناس من وجوه ثلاثة: أحدها: ضرب المثل لهذه الأمة من شهد رسول الله ، وغيره من مكذّبهم ومصدّقهم بالأمم الماضية ماذا حلَّ بهم بالمكذبين منهم رسل الله من نقمته وعذابه، وقدر أخبر أن تلك سنته في المكذبين منهم، وذكر أن سنته تلك لا تحول، ولا تبدل، [وهو قوله: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ ، و ﴿ تَحْوِيلاً ﴾ ، فهي لا تبدل، ولا تحول فكانت لأولئك معجلة ولهذه الأمة مؤخرة] وهي غير محوّلة ولا مبدّلة لواحدة من الأمم.
والثاني: يحتمل تصريف الأمثال هو ما بين لهم، وذكر ما به صلاح معاشهم ومعادهم، وصلاح دينهم ودنياهم ما لو تأمّلوا فيه وتفكروا، أدركوا ذلك.
والثالث: يكون تصريف الأمثال التي ذكر دعاءه إلى دين الله وسبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
إلى هذه الوجوه الثلاثة يصرف جميع ما ذكر من الأمثال في القرآن والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ﴾ يحتمل أبي أكثر الناس إلا كفوراً بالأمثال التي ضربها في القرآن، وصرفها لهم.
أو يقول: فأبى أكثر الناس إلا كفوراً بنعم الله في صرف الشكر إلى غيره، أو كفوراً في وحدانية الله وألوهيته.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول-: لئن اجتمع الإنس والجن كلهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن المنزل عليك في بلاغته، وحسن نظمه، وجزالته، لن يأتوا به أبدًا ولو كان بعضهم لبعض معينًا ونصيرًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.eVM3o"