الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٨٩ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 88 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٩ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) أي : بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة ، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطناه ، ومع هذا ( فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) أي : جحودا وردا للصواب .
يقول ذكره: ولقد بيَّنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل ، احتجاجا بذلك كله عليهم، وتذكيرا لهم، وتنبيها على الحقّ ليتبعوه ويعملوا به ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ) يقول: فأبى أكثر الناس إلا جحودا للحقّ، وإنكارا لحجج الله وأدلته.
قوله تعالى : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا قوله تعالى : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل أي وجهنا القول فيه بكل مثل يجب به الاعتبار ; من الآيات والعبر والترغيب والترهيب ، والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين ، والجنة والنار والقيامة .فأبى أكثر الناس إلا كفورا يريد أهل مكة ، بين لهم الحق وفتح لهم وأمهلهم حتى تبين لهم أنه الحق ، فأبوا إلا الكفر وقت تبين الحق .
قال المهدوي : ولا حجة للقدري في قولهم : لا يقال أبى إلا لمن أبى فعل ما هو قادر عليه ; لأن الكافر وإن كان غير قادر على الإيمان بحكم الله عليه بالإعراض عنه وطبعه على قلبه ، فقد كان قادرا وقت الفسحة والمهلة على طلب الحق وتمييزه من الباطل .
يقول تعالى: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } أي: نوعنا فيه المواعظ والأمثال، وثنينا فيه المعاني التي يضطر إليها العباد، لأجل أن يتذكروا ويتقوا، فلم يتذكر إلا القليل منهم، الذين سبقت لهم من الله سابقة السعادة، وأعانهم الله بتوفيقه، وأما أكثر الناس فأبوا إلا كفورًا لهذه النعمة التي هي أكبر من جميع النعم، وجعلوا يتعنتون عليه [باقتراح] آيات غير آياته، يخترعونها من تلقاء أنفسهم الظالمة الجاهلة.
قوله عز وجل : ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد وغيرها ( فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) جحودا .
«ولقد صرفنا» بينا «للناس في هذا القرآن من كل مثل» صفة لمحذوف أي مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا «فأبى أكثر الناس» أي أهل مكة «إلا كفورا» جحودا للحق.
ولقد بيَّنَّا ونَوَّعنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ينبغي الاعتبار به؛ احتجاجًا بذلك عليهم؛ ليتبعوه ويعملوا به، فأبى أكثر الناس إلا جحودًا للحق وإنكارًا لحجج الله وأدلته.
وهذا الكلام يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه وقع التحدي بكل القرآن كما في هذه الآية، ووقع التحدي أيضاً بعشر سور منه كما في قوله تعالى: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ ووقع التحدي بالسورة الواحدة كما في قوله تعالى: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ ووقع التحدي بكلام من سورة واحدة كما في قوله: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ ﴾ فقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه التحدي كما شرحناه، ثم أنهم مع ظهور عجزهم في جميع هذه المراتب بقوا مصرين على كفرهم.
وثانيها: أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ ﴾ أنا أخبرناهم بأن الذين بقوا مصرين على الكفر مثل قوم نوح وعاد وثمود كيف ابتلاهم بأنواع البلاء وشرحنا هذه الطريقة مراراً وأطواراً ثم إن هؤلاء الأقوام يعني أهل مكة لم ينتفعوا بهذا البيان بل بقوا مصرين على الكفر.
وثالثها: أن يكون المراد أنه تعالى ذكر دلائل التوحيد ونفي الشركاء والأضداد في هذا القرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوة والمعاد مراراً وأطواراً، وأجاب عنها ثم أردفها بذكر الدلائل القاطعة على صحة النبوة والمعاد، ثم إن هؤلاء الكفار لم ينتفعوا بسماعها بل بقوا مصرين على الشرك وإنكار النبوة.
يريد (أبى) أكثر أهل مكة ﴿ إِلاَّ كُفُورًا ﴾ أي جحودا للحق، وذلك أنهم أنكروا ما لا حاجة إلى إظهاره، فإن قيل كيف جاز: ﴿ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا ﴾ ولا يجوز أن يقال ضربت إلا زيداً، قلنا لفظ أبى يفيد النفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ ردّدنا وكرّرنا ﴿ مِن كُلّ مَثَلٍ ﴾ من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه.
والكفور: الجحود.
فإن قلت: كيف جاز ﴿ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا ﴾ ولم يجز ضربت إلا زيداً؟
قلت: لأن أبى متأوّل بالنفي، كأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفورا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وكَمالِ المَعْنى.
﴿ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ وفِيهِمُ العَرَبُ العَرْباءُ وأرْبابُ البَيانِ وأهْلُ التَّحْقِيقِ، وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْلا هي لَكانَ جَوابُ الشَّرْطِ بِلا جَزْمٍ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألَةٍ.
.
.
يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ ﴿ وَلَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ ولَوْ تَظاهَرُوا عَلى الإتْيانِ بِهِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المَلائِكَةَ لِأنَّ إتْيانَهم بِمِثْلِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، ولِأنَّهم كانُوا وسائِطَ في إتْيانِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ .
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ كَرَّرْنا بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ زِيادَةً في التَّقْرِيرِ والبَيانِ.
﴿ لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى هو كالمَثَلِ في غَرابَتِهِ ووُقُوعِهِ مَوْقِعَها في الأنْفُسِ.
﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ إلّا جُحُودًا، وإنَّما جازَ ذَلِكَ ولَمْ يَجُزْ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا لِأنَّهُ مُتَأوَّلٌ بِالنَّفْيِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} رددنا وكررنا {لِلنَّاسِ فِي هذا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه {فأبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} جحوداً وإنما جاز فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ولم يجز ضربت إلا زيداً لأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفوراً ولما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر ولزمتهم الحجة وغلبوا اقترحوا الآيات فعل المبهوت المحجوج المتحير
﴿ ولَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ كَرَّرْنا ورَدَّدْنا عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ تُوجِبُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ ورُسُوخٍ ﴿ لِلنّاسِ ﴾ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ كَما هو الظّاهِرُ ﴿ فِي هَذا القُرْآنِ ﴾ المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ مِن كُلِّ مَعْنًى بَدِيعٍ هو في الحُسْنِ والغَرابَةِ واسْتِجْلابِ النُّفُوسِ كالمَثَلِ، ومَفْعُولُ ﴿ صَرَّفْنا ﴾ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَحْذُوفٌ؛ أيِ البَيانَ وقَدَّرَهُ البَيِّناتِ والعِبَرَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ سَيْفَ خَطِيبٍ، فَ «كُلِّ» هو المَفْعُولُ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ لِأنَّهم يُجَوِّزُونَ زِيادَةَ مِن في الإيجابِ دُونَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ.
وقَرَأ الحَسَنُ: «صَرَفْنا» بِتَخْفِيفِ الرّاءِ وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أبْلَغُ.
وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ فَعَلْنا ذَلِكَ لِلنّاسِ لِيُذْعِنُوا ويَتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ أيْ: جُحُودًا وفُسِّرَ بِهِ لِثُبُوتِ الصِّدْقِ بِأصْلِ الإعْجازِ، والمُرادُ بِالنّاسِ المَذْكُورُونَ أوَّلًا وأُوثِرَ الإظْهارُ عَلى الإضْمارِ تَأْكِيدًا وتَوْضِيحًا، والمُرادُ بِالأكْثَرِ قِيلَ: مَن كانَ في عَهْدِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.
واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ بِدَلِيلِ أنَّ الضَّمائِرَ الآتِيَةَ لَهُمْ، ونُصِبَ ﴿ كُفُورًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ أبى والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وصَحَّ ذَلِكَ هُنا مَعَ أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِتَقَدُّمِ النَّفْيِ فَلا يَصِحُّ ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا؛ لِأنَّ أبى قَرِيبٌ مِن مَعْنى النَّفْيِ فَهو مُؤَوَّلٌ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ما قَبِلَ أكْثَرُهم إلّا كُفُورًا، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في أبَوُا الإيمانَ؛ لِأنَّ فِيهِ زِيادَةً عَلى أنَّهم لَمْ يَرْضَوْا بِخَصْلَةٍ سِوى الكُفْرِ مِنَ الإيمانِ والتَّوَقُّفِ في الأمْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ وأنَّهم بالَغُوا في عَدَمِ الرِّضا حَتّى بَلَغُوا مَرْتَبَةَ الإباءِ، وإنَّما لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ في الإثْباتِ لِفَسادِ المَعْنى؛ إذْ لا قَرِينَةَ عَلى تَقْدِيرِ أمْرٍ خاصٍّ والعُمُومُ لا يَصِحُّ إذْ لا يُمْكِنُ في المِثالِ أنْ تَضْرِبَ كُلَّ أحَدٍ إلّا زَيْدًا فَإنْ صَحَّ العُمُومُ في مِثالٍ جازَ التَّفْرِيغُ في غَيْرِ تَأْوِيلٍ بِنَفْيٍ فَيَجُوزُ صَلَّيْتُ إلّا يَوْمَ كَذا؛ إذْ يَجُوزُ أنَّ تُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ غَيْرَهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ أبَوْا كُلَّ شَيْءٍ فِيما اقْتَرَحُوهُ إلّا كُفُورًا.
<div class="verse-tafsir"
قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، أي بيّنا للناس منه من كل لون: من الحلال والحرام، والأحكام والحدود، والوعد والوعيد.
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً، أي ثباتاً على الكفر، ويقال: أبوا عن الشكر إِلَّا كُفُوراً، أي كفرانا مكان الشكر، ويقال: لم يقبلوه.
قوله عز وجل: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي لن نصدقك، وهو عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه، قالوا للنبي : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ.
حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أي عيوناً.
قرأ أهل الكوفة، عاصم وحمزة والكسائي تَفْجُرَ بنصب التاء وجزم الفاء وضم الجيم مع التخفيف، وقرأ الباقون: تَفْجُرَ بضم التاء، ونصب الفاء مع التشديد.
وقال أبو عبيدة: هذا أحب إليّ، لأنهم اتفقوا في الذي بعده، ولا فرق بينهما في اللغة.
فمن قرأ بالتشديد فللتكثير والمبالغة، كما يقال: قتلوا تقتيلا للمبالغة.
ثم قال: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ، أي بستان مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، أي الكروم.
فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ، أي تشقق الأنهار خِلالَها، وسطها.
تَفْجِيراً، أي تشقيقاً.
أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أي قطعاً.
قرأ ابن عامر وعاصم ونافع كِسَفاً بنصب السين، وقرأ الباقون بالجزم ومعناهما واحد، أي: تسقط علينا طبقاً، واشتقاقه من كسفت الشيء، إذا غطيته.
ومن قرأ بالنصب، جعلها جمع كسفة وهي القطعة أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أي ضمينا وكفيلا، والقبيل: الكفيل.
ويقال: من المقابلة، أي معاينا شهيداً، يشهدون لك بأنك نبي الله.
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أي من ذهب.
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، أي تصعد إلى السماء.
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ، أي لصعودك.
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ.
روى أسباط، عن السدي أنه قال: لما فتح رسول الله مكة، جاءه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أمية المخزومي أخو أم سلمة، فأبى أن يبايعهما، فقالت أم سلمة: ما بال أخي يكون أشقى الناس بك يا رسول الله وابن عمك؟
فقال: «أمَّا ابْنُ عَمِّي، فَإنَّهَ كَانَ يَهْجُونا، وأمَّا أَخُوكِ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِي حَتَّى أَرْقَى السَّمَاءِ، وَلَوْ رَقِيتُ إلَى السَّمَاءِ لَنْ يُؤْمِنَ حَتَّى آتِيَهُ بِكِتَابٍ يَقْرَؤُهُ» .
ثم دعاهما، فقبل منهما وبايعهما (١) قال الله تعالى: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا، فإني لا أقدر على ما تسألوني.
قرأ ابن كثير وابن عامر قال سبحان على وجه الحكاية، وقرأ الباقون: قُلْ سُبْحانَ على وجه الأمر.
(١) عزاه السيوطي 5/ 339 إلى سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حامد.
<div class="verse-tafsir"
عليك قال الداوديّ: وما روي عن ابن مسعود من أنه سَيُنْزَعُ القرآنُ من الصدور، وتُرْفَعُ المصاحف «١» لا يَصِحُّ وإِنما قال سبحانه: وَلَئِنْ شِئْنا فلم يشأ سبحانه، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ» «٢» قال البخاريُّ: وهم أهل العِلْم، ولا يكون العلم مع فقد القرآن.
انتهى كلام الداوديّ، وهو حَسَن جدًّا، وقد جاء في الصحيح ما هو أبْيَنُ من هذا، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْتَزِعُ العِلْمَ انْتِزَاعاً ولَكِنْ يقبض العلم بقبض العلماء ...
«٣» ، الحديث.
وقوله سبحانه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ...
الآية: سببُ هذه الآية أنَّ جماعة من قريش قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ جِئْتَنَا بآيةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هذا القرآن، فإِنا نَقْدِرُ نَحنُ عَلَى المَجِيءِ بمثله، فنزلَتْ هذه الآية المصرِّحة بالتعجيز لجميع الخلائق.
قال ص: واللام في لَئِنِ اجْتَمَعَتِ اللام الموطِّئة للقسم، وهي الداخلة على الشرطِ، كقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا [الحشر: ١٢] وَلَئِنْ قُوتِلُوا [الحشر: ١٢] والجوابُ بعدُ للقَسَمِ لتقدُّمه، إِذا لم يسبق ذو خبره لا للشرطِ، هذا مذهبُ البصريِّين خلافاً للفراء في إجازته الأَمرين، إِلا أنَّ الأكثر أنْ يجيء جواب قَسَمٍ، «والظهير» المعين.
/ قال ع «٤» : وفهمت العرب الفصحاء بُخُلوصِ فهمها في مَيْزِ الكلامِ وَدُرْبتها به
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [ الإسْراءِ: ٤١ ]، والمَعْنى: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي يَكُونُ بِها الِاعْتِبارُ، ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ ﴿ إلا كُفُورًا ﴾ ؛ أيْ: جُحُودًا لِلْحَقِّ وإنْكارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ وما يَتْبَعُها، «أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ كَعُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَهْلٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، والنَّضِرِ بْنِ الحارِثِ في آَخَرِينَ، اجْتَمَعُوا عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذَرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ أنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِيُكَلِّمُوكَ، فَجاءَهم سَرِيعًا، وكانَ حَرِيصًا عَلى رُشْدِهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ إنّا واللَّهِ لا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ أدْخَلَ عَلى قَوْمِهِ ما أدْخَلْتَ عَلى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الآَباءَ وعِبْتَ الدِّينَ، وسَفَّهْتَ الأحْلامَ وفَرَّقْتَ الجَماعَةَ، فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا لِتَطْلُبَ مالًا، جَعَلْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما تَكُونُ بِهِ أكْثَرَنا مالًا، وإنْ كُنْتَ إنَّما تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينا سَوَّدْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كانَ هَذا الرَّئِيُ الَّذِي يَأْتِيكَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ، بِذَلْنا أمْوالَنا في طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتّى نُبْرِّئُكَ مِنهُ أوْ نُعْذَرَ فِيكَ.
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : " إنْ تَقْبَلُوا مِنِّي [ ما جِئْتُكم بِهِ ]، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآَخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكم " .
قالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا ما عَرَضْنا، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النّاسِ أحَدٌ أضْيَقَ بِلادًا ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، سَلْ لَنا رَبَّكَ يُسَيِّرُ لَنا هَذِهِ الجِبالَ الَّتِي ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ويُجْرِي لَنا أنْهارًا، ويَبْعَثُ مَن مَضى مِن آَبائِنا، ولْيَكُنْ فِيمَن يَبْعَثُ لَنا مِنهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ، فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا صَدُوقًا، فَنَسْألَهم عَمّا تَقُولُ أحَقٌّ هُو ؟
فَإنْ فَعَلْتَ صَدَّقْناكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : " ما بِهَذا بُعِثْتُ، وقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ " .
قالُوا: فَسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَلِكًا يُصَدِّقُكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وكُنُوزًا، وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ تُغْنِيكَ، قالَ: " ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا "، قالُوا: فَأسْقِطِ السَّماءَ [ عَلَيْنا ] كَما زَعَمْتَ بِأنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ، فَقالَ: " ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَتَّخِذَ إلى [ السَّماءِ ] سُلَّمًا، وتَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ، وتَأْتِي بِنُسْخَةٍ مَنشُورَةٍ مَعَكَ، ونَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ حَزِينًا لِما رَأى مِن مُباعَدَتِهِمْ إيّاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ.
.
.
﴾ الآَياتُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَفْجُرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( حَتّى تَفْجُرَ ) بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الفاءِ، وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَعَ الكَسْرَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( حَتّى تَفْجُرَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، وتَسْكِينِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مَعَ التَّخْفِيفِ.
فَمَن ثَقَّلَ أرادَ: كَثْرَةُ الِانْفِجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ.
فَأمّا اليَنْبُوعُ: فَهو عَيْنٌ يَنْبُعُ الماءُ مِنها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو يَفْعُولٌ، مِن نَبْعِ الماءِ؛ أيْ: ظَهَرَ وفارَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ ؛ أيْ: بُسْتانٌ ﴿ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ ﴾ ؛ أيْ: تَفْتَحُها وتُجْرِيها ﴿ خِلالَها ﴾ ؛ أيْ: وسَطَ تِلْكَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وحُمَيْدٌ، والجَحْدَرِيُّ: ( أوْ تَسْقُطَ ) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ القافِ، " السَّماءُ " بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِسَفًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( كِسْفًا ) بِتَسْكِينِ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، إلّا في ( الرُّومِ: ٤٨ )، فَإنَّهم حَرَّكُوا السِّينَ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْرِيكِ السِّينِ في المَوْضِعَيْنِ، وفي باقِي القُرْآَنِ بِالتَّسْكِينِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هاهُنا بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآَنِ بِتَسْكِينِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ ( كِسَفًا ) بِفَتْحِ السِّينِ، جَعَلَها جَمْعَ كَسْفَةٍ، وهِيَ: القِطْعَةُ، ومَن قَرَأ ( كِسْفًا ) بِتَسْكِينِ السِّينِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أسْقَطَها طَبَقًا عَلَيْنا، واشْتِقاقُهُ مَن كَسَفْتَ الشَّيْءَ: إذا غَطَّيْتَهُ، يَعْنُونَ: أسْقِطْها عَلَيْنا قِطْعَةً واحِدَةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن سَكَّنَ قالَ: تَأْوِيلُهُ: سَتْرًا وتَغْطِيَةً، من قَوْلِهِمْ: قَدِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غَطّاها ما يَحُولُ بَيْنَ النّاظِرِينَ إلَيْها وبَيْنَ أنْوارِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَيانًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مُقابَلَةٌ؛ أيْ: مُعايَنَةٌ، وأنْشَدَ لِلْأعْشى: نُصالِحُكم حَتّى تَبُوؤُوا بِمِثْلِها كَصَرْخَةِ حُبْلى يَسَّرَتْها قَبِيلُها أيْ: قابَلَتْها.
ويُرْوى: وجَّهَتْها، [ يَعْنِي: بَدَلَ يَسَّرَتْها ] .
والثّانِي: كَفِيلًا أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، قالَ: القَبِيلُ، والكَفِيلُ، والزَّعِيمُ، سَواءٌ؛ تَقُولُ: قَبِلْتُ، وكَفَلْتُ، وزَعَمْتُ.
والثّالِثُ: قَبِيلَةُ قَبِيلَةٍ، كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى حِدَتِها، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
فَأمّا الزُّخْرُفُ فالمُرادُ بِهِ: الذَّهَبُ.
وقَدْ شَرَحْنا أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ في ( يُونُسَ: ٢٤ )، و " تَرْقى " بِمَعْنى تَصْعَدُ، يُقالُ: رَقِيتُ أرْقى رُقِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كِتابًا مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ يُصْبِحُ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا يَقْرَؤُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُلْ ) .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفَ أهْلِ مَكَّةَ والشّامِ.
﴿ هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا ﴾ ؛ أيْ: أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ في قُوى البَشَرِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ ( قالُوا ) مِن غَيْرِ إيضاحِ الرَّدِّ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا خَصَّهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ ﴾ ، فَلَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِمْ، عَجَّزَهُمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكم بِما سَبَقَ مِنَ الآَياتِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِي، ومِن ذَلِكَ التَّحَدِّي بِمِثْلِ هَذا القُرْآَنِ، فَأمّا عَنَتُكم فَلَيْسَ في وُسْعِي، ولِأنَّهُمُ الَحُّوا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأشْياءِ، ولَمْ يَسْألُوهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ، فَرَدَّ قَوْلَهم بِكَوْنِهِ بَشَرًا، فَكَفى ذَلِكَ في الرَّدِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ ﴿ أو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا ﴾ ﴿ أو تُسْقِطَ السَماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أو تَأْتِيَ بِاللهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى فَضْلِ اللهِ في القُرْآنِ عَلى العالَمِ، وتَوْبِيخٍ لِلْكُفّارِ مِنهم عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ.
و"تَصْرِيفِ القَوْلِ" هو تَرْدِيدُ البَيانِ عَنِ المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِفَتْحِ الراءِ خَفِيفَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ بِـ "صَرَّفْنا" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ صَرَفْنا في هَذا القُرْآنِ التَنْبِيهَ والعِبَرَ مِن كُلِّ مَثَلٍ ضَرَبْناهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً زائِدَةً، التَقْدِيرُ: ولَقَدْ صَرَفْنا كُلَّ مَثَلٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِ الكَفّارِ الكُفْرَ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفي العِبارَةِ بِـ "أبى" تَغْلِيظٌ، والكُفْرُ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ هو مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى، وبِالتَكَسُّبِ والدُءُوبِ هو مِنَ الإنْسانِ.
و"كُفُورًا" مَصْدَرٌ كالخُرُوجِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ الآيَةَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى تُفَجِّرَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حَتّى تَفْجُرَ" بِفَتْحِ التاءِ وَضَمِّ الجِيمِ، وفي القُرْآنِ "فانْفَجَرَتْ"، وانْفَجَرَ مُطاوِعُ فَجَرَ، فَهَذا مِمّا يُقَوِّي القِراءَةَ الثانِيَةَ، وأمّا الأُولى فَتَقْتَضِي المُبالَغَةَ في التَفْجِيرِ.
و"اليَنْبُوعُ": الماءُ النابِعُ، وهي صِفَةُ مُبالَغَةٍ إنَّما تَقَعُ لِلْماءِ الكَثِيرِ.
وطَلَبَتْ قُرَيْشٌ هَذا مِن رَسُولِ اللهِ بِمَكَّةَ، وإيّاها عَنَوْا بِـ "الأرْضِ"، وإنَّما يُرادُ بِإطْلاقِ لِفْظَةِ الأرْضِ هُنا الأرْضُ الَّتِي يَكُونُ فِيها المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ ، فَإنَّما يُرادُ: مَن أرْضِ تَصَرُّفِهِمْ وقَطْعِهِمُ السُبُلَ ومَعاشِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا اقْتِراحُهم بِالجَنَّةِ إنَّما هو بِمَكَّةَ لِامْتِناعِ ذَلِكَ فِيها، وإلّا فَفي سائِرِ البِلادِ كانَ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ، وإنَّما طالَبُوهُ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الجَدْبِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنَّةً".
وقُرِئَ: "حَبَّةٌ" ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتُفَجِّرَ" تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ ، و"خِلالَها" ظَرْفٌ، ومَعْناهُ: أثْناءُها وفي داخِلِها.
ورُوِيَ في قَوْلِ هَذِهِ المَقالَةِ لِرَسُولِ اللهِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مُقْتَضاهُ «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والنَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وغَيْرَهم مِن مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ وساداتِها اجْتَمَعُوا فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يُمَلِّكُوهُ -إنْ أرادَ- المُلْكَ، ويَجْمَعُوا لَهُ كَثِيرًا مِنَ المالِ إنْ أرادَ الغِنى، أو يُطِبُّوهُ إنْ كانَ بِهِ داءٌ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ، فَدَعاهم رَسُولُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ إلى اللهِ، وقالَ: "إنَّما جِئْتُكم مِن عِنْدِ اللهِ بِأمْرٍ فِيهِ صَلاحُ دِينِكم ودُنْياكُمْ، فَإنْ سَمِعْتُمْ وأطَعْتُمْ فَحَسَنٌ، وإلّا صَبَرْتُ لِأمْرِ اللهِ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وبَيْنَكم بِما شاءَ"، فَقالُوا لَهُ حِينَئِذٍ: فَإنْ كانَ ما تَزْعُمُهُ حَقًّا فَفَجِّرْ يَنْبُوعًا ونُؤْمِنُ لَكَ، ولْتَكُنْ لَكَ جَنَّةٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كَلَّفُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : "هَذا كُلُّهُ إلى اللهِ، ولا يَلْزَمُنِي هَذا ولا غَيْرُهُ، وإنَّما أنا مُسْتَسْلِمٌ لِأمْرِ اللهِ تَعالى.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو مَعْنى الحَدِيثِ، وفي الألْفاظِ اخْتِلافٌ ورِواياتٌ مُتَشَعِّبَةٌ يَطُولُ سَوْقُ جَمِيعِها، فاخْتَصَرْتُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو تُسْقِطَ السَماءَ ﴾ الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: "أو تُسْقِطَ" بِضَمِّ التاءِ، "السَماءَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "أو تَسْقُطَ السَماءُ" بِرَفْعِ "السَماءِ" وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿ كَما زَعَمْتَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَلا عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كِسْفًا" بِسُكُونِ السِينِ، إلّا في الرُومِ فَإنَّهم حَرَّكُوها، ومَعْناها: قَطْعًا واحِدًا، قالَ مُجاهِدٌ: السَماءُ جَمِيعًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "كَسَفْتُ الثَوْبَ" ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، فالكِسَفُ -بِفَتْحِ السِينِ- المَصْدَرُ، والكِسَفُ: الشَيْءُ المَقْطُوعُ، قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: أو تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا طِبَقًا، واشْتِقاقُهُ مِن: كَسَفْتُ الشَيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُغَةِ "كَسَفَ" بِمَعْنى "غَطّى"، وإنَّما هو بِمَعْنى "قَطَعَ"، وكَأنَّ كُسُوفَ الشَمْسِ والقَمَرِ قَطْعٌ مِنهُما، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "كِسَفًا" بِفَتْحِ السِينِ، أيْ: قِطَعًا، جَمْعُ "كِسْفَةٍ".
وقَوْلُهُ: "قَبِيلًا" مَعْناهُ: مُقابِلَةً وعِيانًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: ضامِنًا وزَعِيمًا بِتَصْدِيقِكَ، ومِنهُ القُبالَةُ، وهي الضَمانُ، والقَبِيلُ: والمُتَقَبِّلُ الضامِنُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَوْعًا وجِنْسًا لا نَظِيرَ لَهُ عِنْدَنا.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "قُبُلًا" وهو بِمَعْنى المُقابَلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
لما تحدى الله بلغاء المشركين بالإعجاز تطاول عليهم بذكر فضائل القرآن على ما سواه من الكلام، مدمجاً في ذلك النعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بما في القرآن من كل مثَل.
وذكرت هنا ناحية من نواحي إعجازه، وهي ما اشتمل عليه من أنواع الأمثال.
وتقدم ذكر المثل عند قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما ﴾ في سورة [البقرة: 26].
ويجوز أن يراد بالمثل الحال أي من كل حال حسن من المعاني يجدر أن يمثل به ويشبه ما يزاد بيانه في نوعه.
فجملة ولقد صرفنا } معطوفة على جملة ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ مشاركة لها في حكمها المتقدم بيانه زيادة في الامتنان والتعجيز.
وتأكيدها بلام القسم وحرف التحقيق لرد أفكار المشركين أنه من عند الله، فمورد التأكيد هو فعل ﴿ صرفنا ﴾ الدال على أنه من عند الله.
والتصريف تقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ﴾ [الإسراء: 41].
وزيد في هذه الآية قيد للناس} دون الآية السابقة لأن هذه الآية واردة في مقام التحدي والإعجاز، فكان الناس مقصودين به قصداً أصلياً مؤمنهم وكافرهم بخلاف الآية المتقدمة فإنها في مقام توبيخ المشركين خاصة فكانوا معلومين كما تقدم.
ووجه تقديم أحد المتعلقين بفعل ﴿ صرفنا ﴾ على الآخر: أن ذكر الناس أهم في هذا المقام لأجل كون الكلام مسوقاً لتحديهم والحجة عليهم، وإن كان ذكر القرآن أهم بالأصالة إلا أن الاعتبارات الطارئة تُقدّم في الكلام البليغ على الاعتبارات الأصلية، أن الاعتبارات الأصلية لتقررها في النفوس تصير متعارَفة فتكون الاعتبارات الطارئة أعز منالاً.
ومن هذا باب تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر.
والأظهر كون التعريف في ﴿ الناس ﴾ للعموم كما يقتضيه قوله: ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ﴾ .
وذكر في هذه الآية متعلق التصريف بقوله: ﴿ من كل مثل ﴾ بخلاف الآية السابقة، لأن ذكر ذلك أدخل في الإعجاز، فإن كثرة أغراض الكلام أشد تعجيزاً لمن يروم معارضته عن أن يأتي بمثله، إذ قد يقدر بليغ من البلغاء على غرض من الأغراض ولا يقدر على غرض آخر، فعجزهم عن معارضة سورة من القرآن مع كثرة أغراضه عجز بيِّن من جهتين، لأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله ولو في بعض الأغراض، كما أشار إليه قوله تعالى في سورة [البقرة: 23] ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ فإن (من) للتبعيض وتنوين (مثل) للتعظيم والتشريف، أي من كل مثل شريف.
والمراد: شرفه في المقصود من التمثيل.
و (من) في قوله: من كل مثل}.
للتبعيض، و(كل) تفيد العموم، فالقرآن مشتمل على أبعاض من جميع أنواع المثل.
وحذف مفعول ﴿ أبى ﴾ للقرينة، أي أبى العمل به.
وفي قوله: ﴿ إلا كفوراً ﴾ تأكيد الشيء بما يشبه ضده، أي تأكيد في صورة النقص، لما فيه من الإطماع بأن إبايتهم غير مطردة، ثم يأتي المستثنى مؤكداً لمعنى المستثنى منه، إذ الكفور أخص من المفعول الذي حذف للقرينة.
وهو استثناء مُفرغ لما في فعل ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً ﴾ [الإسراء: 93].
والكُفور بضم الكاف المجحود، أي جحدوا بما في القرآن من هدى وعاندوا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأذْهَبْناهُ مِنَ الصُّدُورِ والكُتُبِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: لَأذْهَبْناهُ بِقَبْضِكَ إلَيْنا حَتّى لا يَنْزِلَ عَلَيْكَ.
﴿ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ لا تَجِدُ مَن يَتَوَكَّلُ في رَدِّهِ إلَيْكَ، وهو تَأْوِيلُ مَن قالَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ.
الثّانِي: لا تَجِدُ مَن يَمْنَعُنا مِنكَ، وهو تَأْوِيلُ مَن قالَ بِالوَجْهِ الثّانِي.
﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ لَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ أبْقاكَ لَهُ وأبْقاهُ عَلَيْكَ.
﴿ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَزِيلًا لِكَثْرَتِهِ.
الثّانِي: جَلِيلًا لِعَظِيمِ خَطَرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان ونعيمان بن أُصَي ومجزئ بن عمر وسلام بن مشكم فقالوا: يا محمد، هذا الذي جئت به حق من عند الله؟
فانا لا نراه متناسقاً كما تتناسق التوراة.
فقال لهم: أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله قالوا: انا نجيئك بمثل ما تأتي به.
فأنزل الله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن...
﴾ الآية.
قال: يقول: لو برزت الجن وأعانهم الإنس فتظاهروا، لم يأتوا بمثل هذا القرآن.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ ﴾ أي بَيّنا، وذكرنا الكلام في هذا في هذه السورة [[عند آية [41].]]، قال ابن عباس: وأراد بالناس أهل مكة (١) ﴿ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: من كل نوع وشِبْه، يريد من الأمثال التي يجب بها الاعتبار، ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ ﴾ قال ابن عباس: يريد أكثرَ أهلِ مكة (٢) ﴿ إِلَّا كُفُورًا ﴾ يريد جحودًا للحق وإنكارًا، وذلك أنهم أنكروا القرآن وكونه معجزة بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وهو قوله: ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ قال ابن عباس: لن نصدقك (٣) (١) انظر: "تنوير المقباس" ص 305، و"تفسير الفخر الرازي" 21/ 55، و"الألوسي" 15/ 167 بلا نسبة فيهما.
(٢) ورد بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 85، و"الفخر الرازي" 21/ 55، و"القرطبي" 10/ 327.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص 305، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 159، و"السمرقندي" 2/ 283.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ أي بينا لهم كل شيء من العلوم النافعة، والبراهين القائمة، والحجج الواضحة، وهذا يدل على إن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني والعلوم كما ذكرنا ﴿ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً ﴾ الكفور: الجحود، وانتصب بقوله أبى لأنه في معنى النفي ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً ﴾ الذين قالوا هذا القول هم أشراف قريش طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أنواعاً من خوارق العادات، وهي التي ذكرها الله في هذه الآية، وقيل: إن الذي قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم بعد ذلك والينبوع العين، قالوا له: إن مكة قليلة الماء ففجر لنا فيها عيناً من الماء ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ﴾ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء ﴾ [سبأ: 9]، وكسفاً بفتح السين جمع كسفة وهي القطعة، وقرئ بالإسكان: أي قطعاً واحداً ﴿ قَبِيلاً ﴾ قيل معناه مقابلة ومعاينة وقيل: ضامنا شاهداً بصدقك، والقبالة في اللغة: الضمان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.
الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".
حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.
الباقون بفتحتين كرمى.
الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.
عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟
فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.
فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.
فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.
وقال عمر: أما ترون رسول الله أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.
وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.
وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.
وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.
فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.
وعن سعيد بن جبير أنه كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.
قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.
فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.
والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.
وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.
قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.
وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.
والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.
وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.
والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.
واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.
والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي .
وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.
وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.
وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله عقيب ذلك.
ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.
ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.
واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.
وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.
وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .
ثم بين أن عادته جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.
وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.
وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.
وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.
وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.
وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.
وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.
قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.
وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.
وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.
قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.
قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.
وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.
وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.
الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.
وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.
والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.
ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.
وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.
وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.
فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.
ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.
فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.
والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.
ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.
قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.
وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.
فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.
ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.
ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.
فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.
وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.
وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".
ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي .
زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.
ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.
ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.
وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.
ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.
فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.
وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.
وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له .
قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.
قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.
﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.
وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.
وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.
وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.
وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.
وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.
يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.
ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.
عن ابن مسعود أن النبي دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.
صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.
فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.
فحمله رسول الله حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.
وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.
وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .
ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.
ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.
وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.
وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.
والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.
ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.
وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.
﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.
والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.
﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.
ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.
فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.
فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.
ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله ، وإذا كانت معرفة الله .
ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟
وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي وما يعلم الروح.
ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.
ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.
وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.
وقوله : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.
وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.
ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.
وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.
ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.
وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.
قال : ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا ﴾ أي فعلنا.
وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.
ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.
ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.
وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.
وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ ونقل عن علي أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.
وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.
وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟
فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.
وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.
واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!
ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.
أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.
والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.
أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.
فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.
ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.
ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.
وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.
قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.
ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.
ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.
والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.
وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.
وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.
وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.
فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.
فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.
وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.
وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.
ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.
وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.
والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.
قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.
واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.
ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.
فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟
وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟
فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.
ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.
على أنه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله .
قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.
وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.
ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.
﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.
قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.
وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.
وقد أوحاها الله إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.
التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.
﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.
وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.
﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.
ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.
﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.
ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.
وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ .
"روي أن رجلاً جاء إلى النبي يعرض حاجة فقال : ما تريد؟
فقال: مرافقتك في الجنة.
فقال : أو غير ذلك؟
فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.
فقال النبي : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.
والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.
فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي .
فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.
ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.
وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".
وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.
ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.
وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.
وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ : فيشبه أن يكون النعمة التي ذكر هو محمد؛ لما ذكرنا أنهم كانوا في حيرة وعمى لا يجدون السبيل إلى دين الله، ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ فذلك الإعراض الذي ذكروا، والله أعلم، فبعث الله محمداً ليدعوهم إلى دين الله ويبين سبيله، فذلك منه نعمة عظيمة أعرضوا عنها وتباعدوا عنها.
ويشبه أن يكون ما قاله أهل التأويل إنه إذا وسع عليه الرزق والعيش أعرض عن الدعاء له وتباعد بجانبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ ، أي: يائساً من الخير ألا يعود إليه أصلاً، وهكذا كانت عادتهم أنهم [كانوا] يخلصون الدعاء له إذا مسّهم سوء وأصابتهم شدة، ويكفرون به إذا تجلى ذلك عنهم وانكشف، كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 65].
﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ...
﴾ الآية.
وأمثاله، وكان الناس كلهم فرقاً أربعة: منهم من كان مذهبهم ما ذكرنا: أنهم كانوا يخلصون له الدعاء في حال الشدة ويكفرون في حال الرخاء.
ومنهم من كان يؤمن به في حال الرخاء والنعمة ويكفر به في حال الشدة، كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ الآية [الحج: 11].
وهم أهل النفاق.
ومنهم من يكفر به في الأحوال كلها كقوله: [...].
والفرقة الرابعة هم أهل الإسلام يؤمنون به في حال الرخاء وحال الشدّة في الأحوال كلها، على هذا كانوا في الأصل، وعلى هذا يجيء أن يكون قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ من الأصنام، كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ فيكون إياسهم من الأصنام التي عبدوها.
لكن أهل التأويل صرفوا إلى ما ذكرنا من الإياس عن الخير من [أن يعود إليهم.
وقوله : ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ : لسنا نعلم إزاء أي سبب كان هنالك حتى قال: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ؛ إذ إنه يجوز أن يقال هذا بلا سبب كان منهم، لكن يشبه أن يكون] قال هذا على الإياس من إيمانهم لما لم يزدهم دعاؤه إياهم وكثرة تلاوة آياته عليهم وإقامة حججه عليهم - إلا عناداً وإنكاراً، فقال عند ذلك: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ، أي: على دينه وطريقته، كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، فهو كله على الإياس عن أن يؤمنوا به ويقبلوا دينه، ثم قال: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً ﴾ ، أي: ربكم أعلم بمن منا على الهدى، ومن ليس.
أو [من] منا أهدى سبيلاً نحن أو أنتم؟
وقال أبو عوسجة: الشاكلة: الحاضرة أي: على ناحيته.
وقال القتبي: شاكلته، أي: على خليقته [وطبيعته].
وقال قطرب: على طريقته، وكأن هذا أشبه.
وقال بعضهم: على نيته.
وقيل: على دينه ومذهبه.
وقيل: على جديلته ومنهاجه، وكله يرجع إلى واحد.
ويشبه أن يكون: أي: كل يعمل بما هو الشبيه به وما هو يشبهه؛ لأن الشكل هو ما يشبه الشيء، يقال: هذا شكل هذا، وقوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ على قول من يقول على خليقة خلق عليها؛ لأنه خلق على علم منه أنه يختارها ويؤثرها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ قيل: ذاهباً باطلاً، لا يجدي لأهله نفعاً؛ لأنه يتلاشى ولا يبقى، والحق يجدي لأهله نفعاً ويبقى، وعلى ذلك ضرب الله مثل الحق بالشيء الذي يبقى، وضرب مثل الباطل بالشيء الذي لا يبقى ولا يثبت؛ فقال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وقد ذكرناه في موضعه: ضرب مثل الباطل بالزبد وهو يتلاشى، لا ينتفع به؛ فعلى ذلك الباطل، وضرب مثل الحق بالماء، وهو يبقى في الأرض، وينفع الناس، وضرب مثل الباطل - أيضاً - بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار بقوله: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 26]، وضرب مثل الحق بالشجرة الطيبة الثابتة في الأرض ذات قرار وثبات بقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
فهو على ما وصفها: الحق ثابت باق وله قرار ينفع أهله، والباطل يرى ثم يتلاشى ولا بقاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ : اختلف فيه: قال أبو بكر الأصم: الروح: القرآن هاهنا، كقوله: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ...
﴾ الآية [الشورى: 52].
﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من تدبير ربي، ما لو اجتمع الخلائق ما قدروا على مثله.
فإن قيل: كيف سألوا عن القرآن، وهم لم يقروا بالقرآن؟
فقال: سمّوه: قرآناً وروحاً على ما عنده - أعني: عند رسول الله - كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ ﴾ وهم لم يكونوا أقروا أنّه رسول، ولكن سمّوه: رسولاً؛ لما [أنه] عند نفسه وزعمه رسول، أي: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول يأكل الطعام؟
فعلى ذلك قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ﴾ وهو الذي به حياة الأبدان من هلاك الضلال، أي: من تمسك به نجا من هلاك الضلال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: بأمر ربي ينزل.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من خلق ربي، وهما واحد.
وقال بعضهم: الروح: هو الملك وإنما سألوه عنه، كقوله: ﴿ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا ﴾ : يعني: الملك.
وقال بعضهم: إنما سألوا عن الروح المعروف الذي به حياة الأبدان، لكنه لم يجبهم، فوكل أمره إلى الله لما لا يدركون ذلك لو بين لهم وأمثاله.
وروى عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه كان ينهى عن الخوض في الكلام، ويحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث سألوه عن الروح، فلم يجبهم، ولكن فوض أمره إلى الله، وما سئل من الأحكام إلا وقد بين لهم كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...
﴾ الآية [البقرة: 219]، و ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ...
﴾ الآية [الأنفال: 1]، و ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ ﴾ ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ﴾ ، ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ، مثل هذا ما سئل عن شيء من الأحكام إلا وقد أجابهم وبين لهم بياناً شافياً، وقال هاهنا: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ .
وقال جعفر بن حرب: إن الله قد أمر بالتكلم في الكلام بقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم...
﴾ الآية [النحل: 125]، وقال: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ...
﴾ الآية [الكهف: 22].
ونحوه، فكيف نهى عن الخوض في الكلام؟
لكن أبا يوسف إنما نهى عن الخوض في الكلام الذي لا يدرك ولا يزيد الخوض فيه إلا حيرة وضلالاً نحو ما روى عن نبي الله أنه قال: "تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق" لأنه لا يدرك، فالتفكر فيما لا يدرك لا يزيد إلا عمى وحيرة وتيهاً، وأمّا الخوض في الذي يدرك ويعقل فإنه لم ينه عن مثله.
وأصله: ما ذكرنا من إباحة التكلم في الدين والخوض في الكلام في كثير من الآيات من ذلك قوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...
﴾ الآية [النحل: 125].
ونحوه.
قال الشيخ - رحمه الله -: أو لا نفسر الروح ما هو؟
لما لا يعلم ما أرادوا بالروح وهم قد علموا ما أرادوا.
أو علم رسول الله ما سألوا، وإنما سألوا ذلك عما في كتبهم؛ ليعلموا صدقه فيما يدعي من الرسالة؛ لما علموا أن غير الرسول لا يعلم ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي به مصالحكم وما جاءكم إلا قليلاً.
وقال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي أنشأه والعلم الذي عنده إلا قليلاً، وهو هكذا: أنا لم نؤت من العلم إلا علم ظواهر الأشياء وباديها، لم نؤت علم بواطن الأشياء وحقائقها، وذلك أنا نعلم أن البصر يبصر، والسمع يسمع، واللسان ينطق، واليد تقبض وتأخذ، والرجل تمشي، والعقل يدرك، لكن لا نعلم المعنى الذي جعل فيه به يسمع وبه يبصر وبه ينطق وبه يأخذ وبه يمشي وبه يدرك، وكذلك نعرف هذه الحيوانات التي نشاهدها ونعايشها بأن هذا حمار، وهذا ثور، وهذا كذا، ولكن لا نعرف المعنى الذي [به] صار هذا حماراً، أو هذا ثوراً، وكذلك كل جواهر وأجناس، فلا نعرف من العلوم التي أنشأها الله إلا القليل منها - ظواهرها - وأما الحقائق فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ من يقول بأن الروح الذي سألوه عنه هو الوحي والقرآن الذي أنزل عليه يحتج بهذه الآية، وبقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ لما خرج ذكرها على أثر سؤال الروح، فدلّ أنه ما ذكرنا، وقد ضل بهذه الآية فريقان: الحشوية، والمعتزلة.
أمّا الحشوية فإنهم يقولون: إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل به موصوفاً، وإنه لا يزايله، ثم [إنهم] يقولون: القرآن في المصاحف بعينه وهو في الأرض وفي القلوب، فقولهم مناقض؛ لأنه إذا كان صفته لا هو ولا غيره، لا يجوز أن يكون في المصاحف بعينه أو في الأرض أو في القلوب.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: أمّا الذي في المصاحف هذا ما يفهم به ذلك أو ما يوافق به ذاك - أعني: القرآن - ويقال: هذا حكاية عن ذلك.
وأما المعتزلة: فإنهم ينكرون خلق أفعال العباد، ثم يقولون: إن القرآن مخلوق؛ فعلى زعمهم يكون القرآن والكلام ما يكتب ويثبت ويمحى، وذلك فعل العباد، ثم يقولون: أفعالهم غير مخلوقة؛ فذلك تناقض في القول بيِّن.
وعلى قولنا: ما ذكر من الذهاب والمجيء كله على المجاز، أي: الموافقة لا على الحقيقة، كما يقال: سمعت كلام فلان وقول فلان، وكتبت حديث فلان ونحوه؛ فذلك كله على المجاز لا على التحقيق؛ لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا كلامه ولا حديثه، ولكن يسمع صوتاً يفهم به قوله وكلامه وحديثه، فعلى ذلك الأول يذهب بالذي يسمع ويكتب، فأما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك.
وبعد: فإنه قد أضيف المجيء إلى الذي لا يعرف منه ذلك، ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أن يكون صلة قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ حتى لا يظفر به، وإلا كان رسول الله يعلم أنه لو شاء لذهب بالذي أوحى إليه وقادر عليه وله رفعه، وكذلك يعرف هذا كل مؤمن.
وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر المنة والرحمة، أي: له أن يرفع هذا الذي أوحى إليه؛ ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة، وكذلك الوحي إليه في الابتداء وبعثه رسولاً إليهم فضلاً واختصاصاً لا استحقاقاً منه واستيجاباً، كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه اختصاصاً منه وفضلاً، لا استحقاقاً منه؛ فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل منه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما قالوا: إنه لا يختار الله أحداً لرسالته ونبوته إلا من كان مستحقّاً لها ومستوجباً لذلك، وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولاً، وبفضله ورحمته أبقاها وتركها بعدما أوحى إليه وأرسله رسوله.
والثاني: فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين، حيث أوعد لهم برفع ما أوحى إليه [وأرسله] وإذهابه إياه، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما أوعد؛ إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة، ثم لا شك أن إبقاء النبوة وترك ما أوحى إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوّاً عن ذلك، دلّ أنه قد يفعل ما ليس لهم بأصلح لهم في الدين.
وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولاً ولا أوحى إليه وحياً؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم، لكان خلقه إياهم عبثاً ليتركهم سدى؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ولا أوحى؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ﴾ : وقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .
أي: إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفضله - أيضاً - في إبقاء ذلك كبيراً.
وفيه أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ؛ حيث قال: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أخبر أنه لو شاء، لذهب بالمحفوظ في القلب وينسيه؛ دلّ أن له قدرة في فعل العبد.
وفي قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ وجه آخر من الحكمة؛ وهو أن يعلم المؤمنون: أن الفضل كله من الله؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلاً ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجرى على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ثم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه، وقوله: بمثله، أي: به، كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أي: ليس كهو شيء؛ إذ لا مثل له؛ فدلّ أن قوله: ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه وعاينوه؛ فلئلا يقدروا على إتيانه ابتداء قبل أن نظروا فيه وعرفوا مثاله - أشدّ وأبعد؛ إذ نظم الشيء وتصوره بعدما عاينوا الأشياء والصّور أهون وأيسر من تصويرها ونظمها قبل أن يعاينوها ويشاهدوها.
وجائز أن يستدل بهذه الآية على أنه كان مبعوثاً إلى الإنس والجن جميعاً حيث قال: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن مبعوثاً إلى الفريقين جميعاً لم يكن لذكرهما معنى وفائدة.
وفيه دلالة: أن في الجن من لسانه لسان العرب؛ إذ لو لم يكن [كذلك، لم يكن] لذكر أولئك [معنى] ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ، أي: الإنس مع الجن، أو هؤلاء مع هؤلاء، ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .
وقال بعض أهل التأويل: إنما ذكر هذا لقولهم: إنه سحر وإنما يعلمه بشر [النحل: 103] وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ وقولهم: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ \[المؤمنون: 38\]، ومثله، يقول: إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا من هذين، من الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه.
والدلالة على أنهم عجزوا عن ذلك، ولم يطمع أحد منهم ذلك إلا سفيه أظهر الله سفهه وكذبه في القرآن؛ حيث قال: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ لم يسأل التوفيق إن كان هو حقّاً، ولكن سأل العذاب؛ دلّ أنه كان سفيهاً، فآية السفه: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ثم ارتاب فيه وشك بقوله: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ﴾ وإلا لم يطمع ولم يخطر ببال أحد من الخلائق التكلف لذلك، دلّ أنه آية معجزة من الله .
ثم اختلف في قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ .
قيل: مثل نظمه ورصفه.
وقيل: مثل حقه وصدقه.
ويحتمل مثل حججه وبراهينه.
ويحتمل مثل علمه وحكمته.
ويحتمل مثل إحكامه وإتقانه.
يحتمل قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ هذه الوجوه الخمسة التي ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ بِمِثْلِهِ ﴾ يحتمل ما ذكرنا؛ أي: بالذي رفع وذهب به؛ على التأويل الذي جعلناه صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ الذي ذهب به ورفع ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون على إتيانه.
وإن كان على الابتداء، فهو على المثل؛ أي: لا يقدرون على أن يأتوا بمثله، على ما لم يقدروا عليه بعدما قرع سمعهم هذا فلو كان في وسعهم هذا لفعلوا؛ ليخرج قولهم صدقاً وقول الرسول كذباً، فإذا لم يفعلوا ذلك، ولم يتكلفوا؛ دل أنهم عرفوا أن ذلك من الله وأنه آية معجزة خارجة عن وسعهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ .
أي: بيّنا، وتحتمل ضربنا، وتحتمل فرقنا للناس: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: ذكرنا للناس مثلاً على أثر مثل، ومثلاً بعد مثل ما لو تفكروا فيه، وتأمّلوا لعرفوا صدق رسول الله وكذب أنفسهم وسفههم، ولعرفوا الحق من الباطل والمحق من المبطل، ولكن لم يتفكروا فيه ولم يتأمّلوا وعاندوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .
لا يريد كل الأمثال، ولكن ما ذكرنا من كل مثل لو تأملوا فيه، وتفكروا، لكان لهم معتبراً.
وفي قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، يكون ما ذكر من تصريف الأمثال وضربها للناس من وجوه ثلاثة: أحدها: ضرب المثل لهذه الأمة من شهد رسول الله ، وغيره من مكذّبهم ومصدّقهم بالأمم الماضية ماذا حلَّ بهم بالمكذبين منهم رسل الله من نقمته وعذابه، وقدر أخبر أن تلك سنته في المكذبين منهم، وذكر أن سنته تلك لا تحول، ولا تبدل، [وهو قوله: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ ، و ﴿ تَحْوِيلاً ﴾ ، فهي لا تبدل، ولا تحول فكانت لأولئك معجلة ولهذه الأمة مؤخرة] وهي غير محوّلة ولا مبدّلة لواحدة من الأمم.
والثاني: يحتمل تصريف الأمثال هو ما بين لهم، وذكر ما به صلاح معاشهم ومعادهم، وصلاح دينهم ودنياهم ما لو تأمّلوا فيه وتفكروا، أدركوا ذلك.
والثالث: يكون تصريف الأمثال التي ذكر دعاءه إلى دين الله وسبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .
إلى هذه الوجوه الثلاثة يصرف جميع ما ذكر من الأمثال في القرآن والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ﴾ يحتمل أبي أكثر الناس إلا كفوراً بالأمثال التي ضربها في القرآن، وصرفها لهم.
أو يقول: فأبى أكثر الناس إلا كفوراً بنعم الله في صرف الشكر إلى غيره، أو كفوراً في وحدانية الله وألوهيته.
<div class="verse-tafsir"
ولقد بيَّنَا للناس في هذا القرآن، ونوّعنا فيه من كل ما يُعْتَبر به من المواعظ والعبر والأوامر والنواهي والقصص رجاء أن يؤمنوا، فأبى معظم الناس إلا جحودًا وإنكارًا لهذا القرآن.
<div class="verse-tafsir" id="91.KdkqL"