الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٩٢ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٢ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى ( أو تسقط السماء كما زعمت ) أي : أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتهي ، وتدلى أطرافها ، فعجل ذلك في الدنيا ، وأسقطها كسفا [ أي : قطعا ، كقولهم : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) الآية [ الأنفال : 32 ] ، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا : ( أسقط علينا كسفا ] من السماء إن كنت من الصادقين ) [ الشعراء : 187 ] .
فعاقبهم الرب بعذاب يوم الظلة ، إنه كان عذاب يوم عظيم .
وأما نبي الرحمة ، ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين ، فسأل إنظارهم وتأجيلهم ، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا .
وكذلك وقع ، فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى " عبد الله بن أبي أمية " الذي تبع النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قال ، أسلم إسلاما تاما ، وأناب إلى الله عز وجل .
اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( كِسَفا ) فقرأته عامّة قرّاء الكوفة والبصرة بسكون السين، بمعنى: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، وذلك أن الكِسف في كلام العرب: جمع كِسْفة، وهو جمع الكثير من العدد للجنس، كما تجمع السِّدْرة بسِدْر، والتمر بتمر، فحُكي عن العرب سماعا: أعطني كِسفة من هذا الثوب: أي قطعة منه، يقال منه: جاءنا بثريد كسف: أي قطع خبز ، وقد يحتمل إذا قرئ كذلك " كِسْفا " بسكون السين أن يكون مرادا به المصدر من كسف (4) .
فأما الكِسَف بفتح السين، فإنه جمع ما بين الثلاث إلى العشر، يقال: كِسَفة واحدة، وثلاث كِسَف، وكذلك إلى العشر ، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة وبعض الكوفيين ( كِسَفا ) بفتح السين بمعنى: جمع الكِسْفة الواحدة من الثلاث إلى العشر، يعني بذلك قِطَعا : ما بين الثلاث إلى العشر.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بسكون السين، لأن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، لم يقصدوا في مسألتهم إياه ذلك أن يكون بحدّ معلوم من القطع، إنما سألوا أن يُسقط عليهم من السماء قِطَعا، وبذلك جاء التأويل أيضا عن أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( كِسْفا ) قال: السماء جميعا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قوله ( كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ) قال: مرّة واحدة، والتي في الروم وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا قال: قطعا، قال ابن جريج : كسفا لقول الله إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ) قال: أي قطعا.
حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( كِسَفًا ) يقول: قطعا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( كِسَفا ) قال: قطعا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ) يعني قِطَعا.
القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا .
يقول تعالى ذكره عن قيل المشركين لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم: أو تأتي بالله يا محمد والملائكة قبيلا.
واختلف أهل التأويل في معنى القبيل في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: حتى يأتي الله والملائكة كلَّ قبيلة منا قبيلة قبيلة، فيعاينونهم.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا ) قال: على حدتنا، كلّ قبيلة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا ) قال: قبائل على حدتها كلّ قبيلة.
وقال آخرون: معنى ذلك: أو تأتي بالله والملائكة عيانا نقابلهم مقابلة، فنعاينهم معاينة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا ) نعاينهم معاينة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا ) فنعاينهم.
ووجَّهه بعض أهل العربية إلى أنه بمعنى الكفيل من قولهم: هو قَبِيلُ فلان بما لفلان عليه وزعيمه.
وأشبه الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قاله قتادة من أنه بمعنى المعاينة، من قولهم: قابلت فلانا مقابلة ، وفلان قبيل فلان، بمعنى قبالته، كما قال الشاعر: نُصَــالِحُكُمْ حــتى تَبُـوءُوا بِمِثْلِهـا كصَرْخَــةِ حُــبْلَى يَسَّـرَتْها قَبِيلُهـا (5) يعني قابِلَتها.
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: إذا وصفوا بتقدير فعيل من قولهم قابلت ونحوها، جعلوا لفظ صفة الاثنين والجميع من المؤنث والمذكر على لفظ واحد، نحو قولهم: هذه قبيلي، وهما قبيلي، وهم قبيلي، وهن قبيلي.
-------------------- الهوامش : (4) مصدر الفعل كسف يكسف (كضرب يضرب) هو الكسف، بفتح الكاف وسكون السين (اللسان).
(5) البيت للأعشى ميمون بن قيس (ديوانه طبع القاهرة بشرحالدكتور محمد حسين ص 177) وهو من قصيدة عدتها 18 بيتا.
والشاهد هو ال 17فيها.
وقبله: فــــإنّي ورَبِّ السَّاجدِيِنعَشِـــيَّةً وَمَـا صَـكَّ نـاقُوسَ النَّصَارَى أبيلُها والقصيدة قالها في الحرب التي كانت بينه وبين الحرقتين، يعاتب بني مرثد وبني جحدر، وفي رواية الشاهد: "أصالحكم" بالهمزة بدل النون.
يقول: لن أصالحكم حتى تبوءوا بمثل جنايتكم وبغيكم، وتصرخوا صرخة الحبلى حين تعينها القابلة في المخاض.
"وقبولها" في موضع: قبيلها.
والأبيل الراهب.
وتبوءا.ويسرتها: سهلت ولادتها وأعانتها فيها.
والقبول: المرأة التي تستقبل الولد عند الولادة.
وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة (1: 390) عند قوله تعالى: (والملائكة قبيلا) مجازه مقابلة، أي: معاينة.
وقال: نصــالحكم حــتى تبـوءوا بمثلهـا كصرخــة حــبلى بشـرتها قبيلهـا أي قابلتها.
فإذا وصفوا بتقدير "فعيل" من قولهم "قابلت" ونحوها، جعلوا لفظ صفة الاثنين والجميع، من المذكر والمؤنث، على لفظ واحد، نحو قولك: هي قبيلي، وهما قبيلي، وكذلك هن قبيلي.
اهـ .
وفي (لسان العرب: قبل): والقبيل والقبول القابلة.
المحكم: قبلت القابلة الولد قبالا: أخذته من الوالدة، وهي قابلة المرأة وقبولها وقبيلها، قال الأعشى: أصــالحكم حــتى تبـوءوا بمثلهـا كصرخــة حـبلى أسـلمتها قبيلهـا ويروى: قبلوها.
أي يئست منها.
أو تسقط السماء قراءة العامة .
وقرأ مجاهد " أو يسقط السماء " على إسناد الفعل إلى السماء .
كسفا قطعا ، عن ابن عباس وغيره .
والكسف ( بفتح السين ) جمع كسفة ، وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم .
الباقون كسفا بإسكان السين .
قال الأخفش : من قرأ كسفا من السماء جعله [ ص: 297 ] واحدا ، ومن قرأ كسفا جعله جمعا .
قال المهدوي : ومن أسكن السين جاز أن يكون جمع كسفة وجاز أن يكون مصدرا ، من كسفت الشيء إذا غطيته .
فكأنهم قالوا : أسقطها طبقا علينا .
وقال الجوهري .
الكسفة القطعة من الشيء ; يقال : أعطني كسفة من ثوبك ، والجمع كسف وكسف .
ويقال : الكسفة واحد .أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أي معاينة ; عن قتادة وابن جريج .
وقال الضحاك وابن عباس : كفيلا .
قال مقاتل : شهيدا .
مجاهد : هو جمع القبيلة ; أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة .
وقيل : ضمناء يضمنون لنا إتيانك به .
{ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } أي: قطعًا من العذاب، { أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا } أي: جميعًا، أو مقابلة ومعاينة، يشهدون لك بما جئت به.
( أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ) قرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح السين أي : قطعا وهي جمع " كسفة " وهي : القطعة والجانب مثل : كسرة وكسر .
وقرأ الآخرون بسكون السين على التوحيد وجمعه أكساف وكسوف أي : تسقطها طبقا [ واحدا ] وقيل : أراد جانبها علينا وقيل : معناه أيضا القطع وهي جمع التكسير مثل سدرة وسدر في ( الشعراء وسبأ ) ( كسفا ) بالفتح حفص وفي الروم ساكنة أبو جعفر وابن عامر .
( أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ) قال ابن عباس : كفيلا أي : يكفلون بما تقول وقال الضحاك : ضامنا وقال مجاهد : هو جمع القبيلة أي : بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة [ وقال قتادة : عيانا أي : تراهم القابلة ] أي معاينة [ وقال الفراء : هو من قول العرب لقيت فلانا قبيلا ، وقبيلا أي : معاينة ] .
واعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل : القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبهها والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا فرد الله عليهم سؤالهم .
«أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا» قطعا «أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً» مقابلة وعيانا فنراهم.
أو تسقط السماء علينا قطعًا كما زَعَمْتَ، أو تأتي لنا بالله وملائكته، فنشاهدهم مقابلة وعِيانًا.
وقوله - عز وجل - : ( أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً .
.
.
) اقتراح ثالث من مقترحاتهم الفاسدة .ولفظ ( كسفا ) أى : قطعًا جمع كسفة - بكسر الكاف وسكون الشين ، يقال : كسفت الثوب أى : قطعته وهو حال من السماء ، والكاف فى قوله : ( كما ) صفة لموصوف محذوف .والمعنى : أو تسقط أنت علينا السماء إسقاطا مماثلاً لما هددتنا به ، من أن فى قدرة ربك - عز وجل - أن ينزل علينا عذابًا متقطعًا من السماء .ولعلهم يعنون بذلك قوله - تعالى - : ( أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ السمآء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء .
.
.
) وقيل : يعنون بذلك ، أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء ، فعجل لنا ذلك فى الدنيا ، وأسقطها علينا ، كما حكى عنهم القرآن ذلك فى قوله - تعالى - ( وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ .
.
.
) فهم يتعجلون العذاب ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، يرجو لهم من الله - تعالى - الرحمة والهداية وتأخير العذاب عنهم ، لعله - سبحانه - أن يخرج من أصلابهم من يخلص له العبادة والطاعة .وقوله - تعالى - ( أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً ) تسجيل لمطلب رابع من مطالبهم القبيحة .قال الآلوسى : ( قبيلا ) أى : مقابلاً ، كالعشير والمعاشر ، وأرادوا - كما جاء عن ابن عباس - عِيانًا .وهذا كقولهم : ( لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا ) وفى رواية أخرى عنه وعن الضحاك تفسير القبيل بالكفيل ، أى : كفيلا بما تدعيه .
يعنون شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته .وهو على الوجهين حال من لفظ الجلالة .
.
وعن مجاهد : القبيل الجماعة كالقبيلة ، فيكون حالاً من الملائكة - أى : أو تأتى بالله وبالملائكة قبيلة قبيلة .
اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزاً وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم فحينئذ تم الدليل على كونه نبياً صادقاً لأنا نقول إن محمداً ادعى النبوة وظهر المعجزة على وفق دعواه وكل من كان كذلك فهو نبي صادق، فهذا يدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق وليس من شرط كونه نبياً صادقاً تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها لأنا لو فتحنا هذا الباب للزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى الرسول بمعجز اقترحوا عليه معجزاً آخر ولا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنده عناد المعاندين وتغلب الجاهلين لأنه تعالى حكى عن الكفار أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ستة أنواع من المعجزات القاهرة كما حكى عن ابن عباس أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهم جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لننتفع فيها وفجر لنا فيها ينبوعاً أي نهراً وعيوناً نزرع فيها فقال لا أقدر عليه، فقال قائل منهم أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً فقال لا أقدر عليه، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا فقال لا أقدر عليه، فقيل له أما تستطيع أن تأتي قومك بما يسألونك فقال لا أستطيع، قالوا فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أي قطعاً بالعذاب وقوله كما زعمت إشارة إلى قوله: ﴿ إِذَا السماء انشقت ﴾ ، ﴿ إِذَا السماء انفطرت ﴾ فقال عبد الله بن أمية المخزومي وأمه عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والذي يحلف به لا أومن بك حتى تشد سلماً فتصعد فيه ونحن ننظر إليك فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة ثم بعد ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لا فهذا شرح هذه القصة كما رواها ابن عباس.
المسألة الثانية: اعلم أنهم اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعاً من المعجزات أولها: قولهم: ﴿ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي تفجر بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة واختاره أبو حاتم قال لأن الينبوع واحد والباقون بالتشديد واختاره أبو عبيدة ولم يختلفوا في الثانية مشددة لأجل الأنهار، لأنها جمع يقال فجرت الماء فجراً وفجرته تفجيراً، فمن ثقل أراد به كثرة الأشجار من الينبوع وهو وإن كان واحداً فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقل كما تقول ضرب زيد إذا كثر الضرب منه فيكثر فعله وإن كان الفاعل واحداً ومن خفف فلأن الينبوع واحد، وقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ ، يعني: عيناً ينبع الماء منه، تقول نبع الماء ينبع نبعاً ونبوعاً ونبعاً ذكره الفراء، قال القوم أزل عنا جبال مكة، وفجر لنا الينبوع ليسهل علينا أمر الزراعة والحراثة.
وثانيها: قولهم: ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الأنهار خلالها تَفْجِيرًا ﴾ والتقدير كأنهم قالوا هب أنك لا تفجر هذه الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.
وثالثها: قولهم: ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر كسفاً بفتح السين هاهنا وفي سائر القرآن بسكونها، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم هاهنا، وفي الروم بفتح السين، وفي باقي القرآن بسكونها؛ وقرأ حفص في سائر القرآن بالفتح إلا في الروم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي في الروم بفتح السين، وفي سائر القرآن بسكون السين، قال الواحدي رحمه الله ﴿ كسفاً ﴾ ، فيه وجهان من القراءة سكون السين وفتحها، قال أبو زيد يقال: كسفت الثوب أكسفه كسفاً إذا قطعته قطعاً، وقال الليث: الكسف، قطع العرقوب، والكسفة: القطعة، وقال الفراء: سمعت أعرابياً يقول لبزاز: أعطني كسفة: يريد قطعة، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوهاً، أحدها: قال الفراء أن يكون جمع كسفة مثل: دمنة ودمن وسدرة وسدر.
وثانيها: قال أبو علي: إذا كان المصدر الكسف، فالكسف الشيء المقطوع كما تقول في الطحن والطبخ السقي، ويؤكد هذا قوله: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مّنَ السماء ساقطا ﴾ .
وثالثها: قال الزجاج: من قرأ: ﴿ كسفاً ﴾ كأنه قال أو يسقطها طبقاً علينا واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته، وأما فتح السين فهو جمع كسفة مثل قطعة وقطع وسدرة وسدر، وهو نصب على الحال في القراءتين جميعاً كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ كَمَا زَعَمْتَ ﴾ فيه وجوه: الأول: قال عكرمة كما زعمت يا محمد أنك نبي فأسقط السماء علينا.
والثاني: قال آخرون كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.
الثالث: يمكن أن يكون المراد ما ذكره الله تعالى في هذه السورة في قوله: ﴿ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ﴾ فقيل اجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب وأسقطها علينا.
ورابعها: قولهم: ﴿ أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً ﴾ وفي لفظ القبيل وجوه: الأول: القبيل بمعنى المقابل كالعشير بمعنى المعاشر، وهذا القول منهم يدل على جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المقابلة ويقرب منه قوله: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيء قُبُلاً ﴾ .
والقول الثاني: ما قاله ابن عباس يريد فوجاً بعد فوج.
قال الليث وكل جند من الجن والإنس قبيل وذكرنا ذلك في قوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ﴾ .
القول الثالث: إن قوله: ﴿ قبيلاً ﴾ معناه هاهنا ضامناً وكفيلاً، قال الزجاج: يقال قبلت به أقبل كقولك كفلت به أكفل، وعلى هذا القول فهو واحد أريد به الجمع كقوله تعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ﴾ .
والقول الرابع: قال أبو علي معناه المعاينة والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا ﴾ .
وخامسها: قولهم: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد الله: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن ذَهَبَ ﴾ قال الزجاج: الزخرف الزينة يدل عليه قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت ﴾ أي أخذت كمال زينتها ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.
وسادسها: قولهم: ﴿ أَوْ ترقى فِي السماء ﴾ قال الفراء: يقال رقيت وأنا أرقى رقي ورقيا وأنشد: أنت الذي كلفتني رقي الدرج *** على الكلال والمشيب والعرج وقوله: ﴿ في السماء ﴾ أي في معارج السماء فحذف المضاف، يقال رقي السلم ورقي الدرجة ثم قالوا: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ ﴾ أي لن نؤمن لأجل رقيك: ﴿ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا مّنَ السماء ﴾ فيه تصديقك قال عبد الله بن أمية: لن نؤمن حتى تضع على السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول.
ولما حكى الله تعالى عن الكفار اقتراح هذه المعجزات قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ﴾ وفيه مباحث: المبحث الأول: أنه تعالى حكى من قول الكفار قولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ سبحان رَبّى ﴾ وكل ذلك كلام القوم وإنا لا نجد بين تلك الكلمات وبين سائر آيات القرآن تفاوتاً في النظم فصح بهذا صحة ما قاله الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا.
والجواب: أن هذا القرآن قليل لا يظهر فيه التفاوت بين مراتب الفصاحة والبلاغة فزال هذا السؤال.
البحث الثاني: هذه الآيات من أدل الدلائل على أن المجيء والذهاب على الله محال لأن كلمة سبحان للتنزيه عما لا ينبغي، وقوله: ﴿ سبحان ربي ﴾ تنزيه لله تعالى عن شيء لا يليق به أو نسب إليه مما تقدم ذكره وليس فيما تقدم ذكره شيء لا يليق بالله إلا قولهم أو ﴿ تأتي بالله ﴾ فدل هذا على أن قوله: ﴿ سبحان رَبّى ﴾ تنزيه لله عن الإتيان والمجيء وذلك يدل على فساد قول المشبهة في أن الله تعالى يجيء ويذهب، فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى عن أن يتحكم عليه المتحكمون في اقتراح الأشياء؟
قلنا القوم لم يتحكموا على الله، وإنما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً صادقاً فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات فالقوم تحكموا على الرسول وما تحكموا على الله فلا يليق حمل قوله: ﴿ سبحان رَبّى ﴾ على هذا المعنى فوجب حمله على قولهم أو تأتي بالله.
البحث الثالث: تقرير هذا الجواب أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء أو طلبتم مني أن أطلب من الله تعالى إظهارها على يدي لتدل على كوني رسولاً حقاً من عند الله.
والأول باطل لأني بشر والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء والثاني أيضاً باطل لأني قد أتيتكم بمعجزة واحدة وهي القرآن والدلالة على كونها معجزة فطلب هذه المعجزات طلب لما لا حاجة إليه ولا ضرورة فكأن طلبها يجري مجرى التعنت والتحكم وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله فسقط هذا السؤال فثبت أن قوله: ﴿ قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ﴾ جواب كاف في هذا الباب، وحاصل الكلام أنه سبحانه بين بقوله: ﴿ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ﴾ كونهم على الضلال في الإلهيات، وفي النبوات.
أما في الإلهيات فيدل على ضلالهم قوله: ﴿ سبحان ربي ﴾ أي سبحانه عن أن يكون له إتيان ومجيء وذهاب وأما في النبوات فيدل على ضلالهم قوله: ﴿ هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ﴾ وتقريره ما ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات ولزمتهم الحجة وغلبوا، أخذوا يتعللون باقتراح الآيات: فعل المبهوت المحجوج المتعثر في أذيال الحيرة، فقالوا: لن نؤمن لك حتى...
وحتى ﴿ تَفْجُرَ ﴾ تفتح.
وقرئ ﴿ تفجر ﴾ بالتخفيف ﴿ مّنَ الأرض ﴾ يعنون أرض مكة ﴿ يَنْبُوعًا ﴾ عيناً غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع: (يفعول) من نبع الماء، كيعبوب من عب الماء ﴿ كَمَا زَعَمْتَ ﴾ يعنون قول الله تعالى ﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء ﴾ [سبأ: 9] وقرئ (كسفاً)، بسكون السين جمع كسفة، كسدرة وسدر وبفتحة ﴿ قَبِيلاً ﴾ كفيلاً بما تقول شاهداً بصحته.
والمعنى: أو تأتي بالله قبيلاً، وبالملائكة قبيلاً، كقوله: ......
كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدِي ** بَرِيًّا............
فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ أو مقابلاً، كالعشير بمعنى المعاشر، ونحوه ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة أَوْ نرى رَبَّنَا ﴾ [الفرقان: 21] أو جماعة حالاً من الملائكة ﴿ مّن زُخْرُفٍ ﴾ من ذهب ﴿ فِى السماء ﴾ في معارج السماء، فحذف المضاف.
يقال: رقى في السلم وفي الدرجة ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ ﴾ ولن نؤمن لأجل رقيك ﴿ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا ﴾ من السماء فيه تصديقك.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال عبد الله بن أبي أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلماً.
ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول.
وما كانوا يقصدون بهذه الاقتراحات إلا العناد واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا: هذا سحر، كما قال عز وجل ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاس ﴾ [الأنعام: 7] ، ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون ﴾ [الحجر: 14] وحين أنكروا الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات وليست بدون ما اقترحوه- بل هي أعظم- لم يكن إلى تبصرتهم سبيل ﴿ قُلْ سبحان رَبّى ﴾ وقرئ: ﴿ قال سبحان ربي ﴾ أي قال الرسول.
و ﴿ سبحان ربي ﴾ تعجب من اقتراحاتهم عليه ﴿ هَلْ كُنتُ إَلاَّ ﴾ رسولاً كسائر الرسل ﴿ بَشَرًا ﴾ مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إليّ، إنما هو إلى الله فما بالكم تتخيرونها عليّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ ﴾ وهو كَقِطَعٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وقَدْ سَكَّنَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في « الرُّومِ» وابْنُ عامِرٍ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ، وأبُو بَكْرٍ ونافِعٌ في غَيْرِهِما وحَفْصٌ فِيما عَدا « الطُّورِ»، وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطَّحْنِ.
﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ كَفِيلًا بِما تَدَّعِيهِ أيْ شاهِدًا عَلى صِحَّتِهِ ضامِنًا لِدَرْكِهِ، أوْ مُقابِلًا كالعَشِيرِ بِمَعْنى المُعاشِرِ وهو حالٌ مِنَ اللَّهِ وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَتِها عَلَيْها كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبٌ أوْ جَماعَةٌ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ.
﴿ أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ ﴾ مِن ذَهَبٍ وقَدْ قُرِئَ بِهِ وأصْلُهُ الزِّينَةُ.
﴿ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ﴾ في مَعارِجِها.
﴿ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ﴾ وحْدَهُ.
﴿ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ وكانَ فِيهِ تَصْدِيقُكَ.
﴿ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي ﴾ تَعَجُّبًا مِنَ اقْتِراحاتِهِمْ أوْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِن أنْ يَأْتِيَ أوْ يَتَحَكَّمَ عَلَيْهِ أوْ يُشارِكَهُ أحَدٌ في القُدْرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: « قالَ سُبْحانَ رَبِّي» أيْ قالَ الرَّسُولُ: ﴿ هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا ﴾ كَسائِرِ النّاسِ.
﴿ رَسُولا ﴾ كَسائِرِ الرُّسُلِ وكانُوا لا يَأْتُونَ قَوْمَهم إلّا بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلى ما يُلائِمُ حالَ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ أمْرُ الآياتِ إلَيْهِمْ ولا لَهم أنْ يَتَحَكَّمُوا عَلى اللَّهِ حَتّى تَتَخَيَّرُوها عَلَيَّ هَذا هو الجَوابُ المُجْمَلُ وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَدْ ذُكِرَ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ ﴾ ، ﴿ وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} بفتح السين مدنى وعاصم أي
الإسراء (٩٢ _ ٩٦)
قطعاً يقال أعطني كسفة من هذا الثوب وبسكون السين غيرهما جمع كسفة كسدرة وسدر يعنون قوله إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً} كفيلاً بما تقول شاهداً بصحته والمعنى أو تأتي بالله قبيلا وبالملائكة قبيلا كقوله كنت منه ووالدي برياً أو مقابلاً كالعشير بمعنى المعاشر ونحوه لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا أو جماعة حالاً من الملائكة
قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم يَعْنُونَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى كَما زَعَمْتَ أنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ وسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: «يُسْقَطَ السَّماءُ» بِياءِ الغَيْبَةِ ورَفْعِ «السَّماءُ» وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: «كِسْفًا» بِسُكُونِ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في الرُّومِ، وابْنُ عامِرٍ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ، ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ في غَيْرِهِما، وحَفْصٌ فِيما عَدا الطُّورِ في قَوْلِهِ.
وفي النَّشْرِ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى إسْكانِ السِّينِ في الطُّورِ وهو إمّا مُخَفَّفٌ مِنَ المَفْتُوحِ؛ لِأنَّ السُّكُونَ مِنَ الحَرَكَةِ مُطْلَقًا كَسِدْرٍ وسَدْرٍ أوْ هو فِعْلٌ صِفَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالطَّحْنِ بِمَعْنى المَطْحُونِ أيْ شَيْئًا مَكْسُوفًا أيْ مَقْطُوعًا.
﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ أيْ: مُقابِلًا كالعَشِيرِ والمُعاشِرِ، وأرادُوا كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عِيانًا وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ والضَّحّاكِ تَفْسِيرُ القَبِيلِ بِالكَفِيلِ أيْ كَفِيلًا بِما تَدَّعِيهِ يَعْنُونَ شاهِدًا يَشْهَدُ لَكَ بِصِحَّةِ ما قُلْتَهُ وضامِنًا يَضْمَنُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وهو عَلى الوَجْهَيْنِ حالٌ مِنَ الجَلالَةِ وحالُ المَلائِكَةِ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَةِ الحالِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها، أيْ: قُبَلاءَ كَما حُذِفَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ومَن يَكُ أمْسى في المَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ فَسَّرَ قَبِيلًا بِ «مُقابَلَةً ومُعايَنَةً»، وقالَ: إنَّ العَرَبَ تُجْرِيهِ في هَذا المَعْنى مَجْرى المَصْدَرِ فَلا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ فَلا تَغْفُلْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: القَبِيلُ الجَماعَةُ كالقَبِيلَةِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ، وفي الكَشْفِ جَعَلَهُ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ لِقُرْبِ اللَّفْظِ وسَدادِ المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى تَأْتِي بِاللَّهِ تَعالى وجَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا تَأْتِي بِهِما جَماعَةً لِيَكُونَ حالًا عَلى الجَمْعِ؛ إذْ لا يُرادُ مَعْنى المَعِيَّةِ مَعَهُ تَعالى، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً عَنْهُمْ: «أوْ نَرى رَبَّنا» والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا انْتَهى، وقَرَأ الأعْرَجُ: «قِبَلًا» مِنَ المُقابَلَةِ وهَذا يُؤَيِّدُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ.
<div class="verse-tafsir"
قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، أي بيّنا للناس منه من كل لون: من الحلال والحرام، والأحكام والحدود، والوعد والوعيد.
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً، أي ثباتاً على الكفر، ويقال: أبوا عن الشكر إِلَّا كُفُوراً، أي كفرانا مكان الشكر، ويقال: لم يقبلوه.
قوله عز وجل: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي لن نصدقك، وهو عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه، قالوا للنبي : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ.
حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أي عيوناً.
قرأ أهل الكوفة، عاصم وحمزة والكسائي تَفْجُرَ بنصب التاء وجزم الفاء وضم الجيم مع التخفيف، وقرأ الباقون: تَفْجُرَ بضم التاء، ونصب الفاء مع التشديد.
وقال أبو عبيدة: هذا أحب إليّ، لأنهم اتفقوا في الذي بعده، ولا فرق بينهما في اللغة.
فمن قرأ بالتشديد فللتكثير والمبالغة، كما يقال: قتلوا تقتيلا للمبالغة.
ثم قال: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ، أي بستان مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، أي الكروم.
فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ، أي تشقق الأنهار خِلالَها، وسطها.
تَفْجِيراً، أي تشقيقاً.
أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً، أي قطعاً.
قرأ ابن عامر وعاصم ونافع كِسَفاً بنصب السين، وقرأ الباقون بالجزم ومعناهما واحد، أي: تسقط علينا طبقاً، واشتقاقه من كسفت الشيء، إذا غطيته.
ومن قرأ بالنصب، جعلها جمع كسفة وهي القطعة أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أي ضمينا وكفيلا، والقبيل: الكفيل.
ويقال: من المقابلة، أي معاينا شهيداً، يشهدون لك بأنك نبي الله.
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أي من ذهب.
أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، أي تصعد إلى السماء.
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ، أي لصعودك.
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ.
روى أسباط، عن السدي أنه قال: لما فتح رسول الله مكة، جاءه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أمية المخزومي أخو أم سلمة، فأبى أن يبايعهما، فقالت أم سلمة: ما بال أخي يكون أشقى الناس بك يا رسول الله وابن عمك؟
فقال: «أمَّا ابْنُ عَمِّي، فَإنَّهَ كَانَ يَهْجُونا، وأمَّا أَخُوكِ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِي حَتَّى أَرْقَى السَّمَاءِ، وَلَوْ رَقِيتُ إلَى السَّمَاءِ لَنْ يُؤْمِنَ حَتَّى آتِيَهُ بِكِتَابٍ يَقْرَؤُهُ» .
ثم دعاهما، فقبل منهما وبايعهما (١) قال الله تعالى: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا، فإني لا أقدر على ما تسألوني.
قرأ ابن كثير وابن عامر قال سبحان على وجه الحكاية، وقرأ الباقون: قُلْ سُبْحانَ على وجه الأمر.
(١) عزاه السيوطي 5/ 339 إلى سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حامد.
<div class="verse-tafsir"
ما لا نفهمه نَحْنُ ولا كُلُّ من خالطته حضارةٌ، ففهموا العَجْزَ عنه ضرورةً ومشاهدةً، وعلمه الناس بعدهم استدلالاً ونظراً، ولكلٍّ حصل عِلْم قطعيٌّ، لكن ليس في مرتبةٍ واحدةٍ.
وقوله سبحانه: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ...
الآية:
روي في قول هذه المقالة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حديثٌ طويلٌ، مقتضاه: أنَّ عُتْبَة وشَيْبة ابْنَيْ ربيعَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبي أميَّةَ، والنَّضْرَ بْنَ الحَارِثِ وغيرهم من مَشْيَخَةِ قريشٍ وسادَاتِها، اجتمعوا عليه، فعرَضُوا عليه أنْ يملِّكوه إِن أراد المُلْك، أو يجمعوا له كثيراً من المالِ إِن أراد الغنى ونحو هذا من الأقاويل، فدعاهم صلّى الله عليه وسلّم عند ذلك إِلى اللَّه، وقال: إِنما جئتُكُمْ بأمرٍ منَ اللَّهِ فيه صَلاحُ دنياكم ودِينِكُم، فإِن أطعتم، فَحَسَن، وإِلا صَبَرْتُ حتَّى يحكم اللَّه بيني وبينكم «١» فقالوا له حينئذٍ: فإِن كان ما تَزْعُمُ حقًّا، ففجِّر لنا من الأرض ينبوعاً ...
الحديث بطوله، «واليَنْبُوع» : الماء النابع، وخِلالَها ظرف، ومعناه أثناءها وفي داخلها.
وقوله: كَما زَعَمْتَ إِشارة إلى ما تلا عليهم قبل ذلك في قوله سبحانه: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ ...
الآية [سبأ: ٩] «والكِسَفُ» الشيء المقطوع، وقال الزجَّاج «٢» المعنى: أو تسقط السماء علينا طبقاً، وقوله: قَبِيلًا قيل: معناه مقابلةً وعياناً، وقيل: معناه ضامناً وزعيماً بتصديقك ومنه القبالة «٣» وهي الضمان، وقيل: معناه نوعاً وجنساً لا نظير له عندنا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، قال المفسِّرون: الزُّخْرُفُ الذَّهَب في هذا الموضع، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، أي: في الهواء
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [ الإسْراءِ: ٤١ ]، والمَعْنى: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي يَكُونُ بِها الِاعْتِبارُ، ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ ﴿ إلا كُفُورًا ﴾ ؛ أيْ: جُحُودًا لِلْحَقِّ وإنْكارًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ وما يَتْبَعُها، «أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ كَعُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَهْلٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، والنَّضِرِ بْنِ الحارِثِ في آَخَرِينَ، اجْتَمَعُوا عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذَرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ أنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِيُكَلِّمُوكَ، فَجاءَهم سَرِيعًا، وكانَ حَرِيصًا عَلى رُشْدِهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ إنّا واللَّهِ لا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ أدْخَلَ عَلى قَوْمِهِ ما أدْخَلْتَ عَلى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الآَباءَ وعِبْتَ الدِّينَ، وسَفَّهْتَ الأحْلامَ وفَرَّقْتَ الجَماعَةَ، فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا لِتَطْلُبَ مالًا، جَعَلْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما تَكُونُ بِهِ أكْثَرَنا مالًا، وإنْ كُنْتَ إنَّما تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينا سَوَّدْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كانَ هَذا الرَّئِيُ الَّذِي يَأْتِيكَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ، بِذَلْنا أمْوالَنا في طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتّى نُبْرِّئُكَ مِنهُ أوْ نُعْذَرَ فِيكَ.
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : " إنْ تَقْبَلُوا مِنِّي [ ما جِئْتُكم بِهِ ]، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآَخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكم " .
قالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا ما عَرَضْنا، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النّاسِ أحَدٌ أضْيَقَ بِلادًا ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، سَلْ لَنا رَبَّكَ يُسَيِّرُ لَنا هَذِهِ الجِبالَ الَّتِي ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ويُجْرِي لَنا أنْهارًا، ويَبْعَثُ مَن مَضى مِن آَبائِنا، ولْيَكُنْ فِيمَن يَبْعَثُ لَنا مِنهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ، فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا صَدُوقًا، فَنَسْألَهم عَمّا تَقُولُ أحَقٌّ هُو ؟
فَإنْ فَعَلْتَ صَدَّقْناكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : " ما بِهَذا بُعِثْتُ، وقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ " .
قالُوا: فَسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَلِكًا يُصَدِّقُكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وكُنُوزًا، وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ تُغْنِيكَ، قالَ: " ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا "، قالُوا: فَأسْقِطِ السَّماءَ [ عَلَيْنا ] كَما زَعَمْتَ بِأنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ، فَقالَ: " ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَتَّخِذَ إلى [ السَّماءِ ] سُلَّمًا، وتَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ، وتَأْتِي بِنُسْخَةٍ مَنشُورَةٍ مَعَكَ، ونَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ حَزِينًا لِما رَأى مِن مُباعَدَتِهِمْ إيّاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ.
.
.
﴾ الآَياتُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَفْجُرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( حَتّى تَفْجُرَ ) بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الفاءِ، وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَعَ الكَسْرَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( حَتّى تَفْجُرَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، وتَسْكِينِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مَعَ التَّخْفِيفِ.
فَمَن ثَقَّلَ أرادَ: كَثْرَةُ الِانْفِجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ اليَنْبُوعَ واحِدٌ.
فَأمّا اليَنْبُوعُ: فَهو عَيْنٌ يَنْبُعُ الماءُ مِنها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو يَفْعُولٌ، مِن نَبْعِ الماءِ؛ أيْ: ظَهَرَ وفارَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ ؛ أيْ: بُسْتانٌ ﴿ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ ﴾ ؛ أيْ: تَفْتَحُها وتُجْرِيها ﴿ خِلالَها ﴾ ؛ أيْ: وسَطَ تِلْكَ الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وحُمَيْدٌ، والجَحْدَرِيُّ: ( أوْ تَسْقُطَ ) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ القافِ، " السَّماءُ " بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِسَفًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( كِسْفًا ) بِتَسْكِينِ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، إلّا في ( الرُّومِ: ٤٨ )، فَإنَّهم حَرَّكُوا السِّينَ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْرِيكِ السِّينِ في المَوْضِعَيْنِ، وفي باقِي القُرْآَنِ بِالتَّسْكِينِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هاهُنا بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآَنِ بِتَسْكِينِها.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ ( كِسَفًا ) بِفَتْحِ السِّينِ، جَعَلَها جَمْعَ كَسْفَةٍ، وهِيَ: القِطْعَةُ، ومَن قَرَأ ( كِسْفًا ) بِتَسْكِينِ السِّينِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أسْقَطَها طَبَقًا عَلَيْنا، واشْتِقاقُهُ مَن كَسَفْتَ الشَّيْءَ: إذا غَطَّيْتَهُ، يَعْنُونَ: أسْقِطْها عَلَيْنا قِطْعَةً واحِدَةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن سَكَّنَ قالَ: تَأْوِيلُهُ: سَتْرًا وتَغْطِيَةً، من قَوْلِهِمْ: قَدِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غَطّاها ما يَحُولُ بَيْنَ النّاظِرِينَ إلَيْها وبَيْنَ أنْوارِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عَيانًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مُقابَلَةٌ؛ أيْ: مُعايَنَةٌ، وأنْشَدَ لِلْأعْشى: نُصالِحُكم حَتّى تَبُوؤُوا بِمِثْلِها كَصَرْخَةِ حُبْلى يَسَّرَتْها قَبِيلُها أيْ: قابَلَتْها.
ويُرْوى: وجَّهَتْها، [ يَعْنِي: بَدَلَ يَسَّرَتْها ] .
والثّانِي: كَفِيلًا أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، قالَ: القَبِيلُ، والكَفِيلُ، والزَّعِيمُ، سَواءٌ؛ تَقُولُ: قَبِلْتُ، وكَفَلْتُ، وزَعَمْتُ.
والثّالِثُ: قَبِيلَةُ قَبِيلَةٍ، كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى حِدَتِها، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
فَأمّا الزُّخْرُفُ فالمُرادُ بِهِ: الذَّهَبُ.
وقَدْ شَرَحْنا أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ في ( يُونُسَ: ٢٤ )، و " تَرْقى " بِمَعْنى تَصْعَدُ، يُقالُ: رَقِيتُ أرْقى رُقِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كِتابًا مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ يُصْبِحُ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا يَقْرَؤُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُلْ ) .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفَ أهْلِ مَكَّةَ والشّامِ.
﴿ هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا ﴾ ؛ أيْ: أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ في قُوى البَشَرِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ ( قالُوا ) مِن غَيْرِ إيضاحِ الرَّدِّ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا خَصَّهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ ﴾ ، فَلَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِمْ، عَجَّزَهُمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكم بِما سَبَقَ مِنَ الآَياتِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِي، ومِن ذَلِكَ التَّحَدِّي بِمِثْلِ هَذا القُرْآَنِ، فَأمّا عَنَتُكم فَلَيْسَ في وُسْعِي، ولِأنَّهُمُ الَحُّوا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأشْياءِ، ولَمْ يَسْألُوهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ، فَرَدَّ قَوْلَهم بِكَوْنِهِ بَشَرًا، فَكَفى ذَلِكَ في الرَّدِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ ﴿ أو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا ﴾ ﴿ أو تُسْقِطَ السَماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أو تَأْتِيَ بِاللهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَنْبِيهٍ عَلى فَضْلِ اللهِ في القُرْآنِ عَلى العالَمِ، وتَوْبِيخٍ لِلْكُفّارِ مِنهم عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ.
و"تَصْرِيفِ القَوْلِ" هو تَرْدِيدُ البَيانِ عَنِ المَعْنى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِفَتْحِ الراءِ خَفِيفَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ بِـ "صَرَّفْنا" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ صَرَفْنا في هَذا القُرْآنِ التَنْبِيهَ والعِبَرَ مِن كُلِّ مَثَلٍ ضَرَبْناهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً زائِدَةً، التَقْدِيرُ: ولَقَدْ صَرَفْنا كُلَّ مَثَلٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِ الكَفّارِ الكُفْرَ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفي العِبارَةِ بِـ "أبى" تَغْلِيظٌ، والكُفْرُ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ هو مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى، وبِالتَكَسُّبِ والدُءُوبِ هو مِنَ الإنْسانِ.
و"كُفُورًا" مَصْدَرٌ كالخُرُوجِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ﴾ الآيَةَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "حَتّى تُفَجِّرَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حَتّى تَفْجُرَ" بِفَتْحِ التاءِ وَضَمِّ الجِيمِ، وفي القُرْآنِ "فانْفَجَرَتْ"، وانْفَجَرَ مُطاوِعُ فَجَرَ، فَهَذا مِمّا يُقَوِّي القِراءَةَ الثانِيَةَ، وأمّا الأُولى فَتَقْتَضِي المُبالَغَةَ في التَفْجِيرِ.
و"اليَنْبُوعُ": الماءُ النابِعُ، وهي صِفَةُ مُبالَغَةٍ إنَّما تَقَعُ لِلْماءِ الكَثِيرِ.
وطَلَبَتْ قُرَيْشٌ هَذا مِن رَسُولِ اللهِ بِمَكَّةَ، وإيّاها عَنَوْا بِـ "الأرْضِ"، وإنَّما يُرادُ بِإطْلاقِ لِفْظَةِ الأرْضِ هُنا الأرْضُ الَّتِي يَكُونُ فِيها المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أو يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ ، فَإنَّما يُرادُ: مَن أرْضِ تَصَرُّفِهِمْ وقَطْعِهِمُ السُبُلَ ومَعاشِهِمْ، وكَذَلِكَ أيْضًا اقْتِراحُهم بِالجَنَّةِ إنَّما هو بِمَكَّةَ لِامْتِناعِ ذَلِكَ فِيها، وإلّا فَفي سائِرِ البِلادِ كانَ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ، وإنَّما طالَبُوهُ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الجَدْبِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنَّةً".
وقُرِئَ: "حَبَّةٌ" ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَتُفَجِّرَ" تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ ، و"خِلالَها" ظَرْفٌ، ومَعْناهُ: أثْناءُها وفي داخِلِها.
ورُوِيَ في قَوْلِ هَذِهِ المَقالَةِ لِرَسُولِ اللهِ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مُقْتَضاهُ «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وعَبْدَ اللهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والنَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وغَيْرَهم مِن مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ وساداتِها اجْتَمَعُوا فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يُمَلِّكُوهُ -إنْ أرادَ- المُلْكَ، ويَجْمَعُوا لَهُ كَثِيرًا مِنَ المالِ إنْ أرادَ الغِنى، أو يُطِبُّوهُ إنْ كانَ بِهِ داءٌ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ، فَدَعاهم رَسُولُ اللهِ عِنْدَ ذَلِكَ إلى اللهِ، وقالَ: "إنَّما جِئْتُكم مِن عِنْدِ اللهِ بِأمْرٍ فِيهِ صَلاحُ دِينِكم ودُنْياكُمْ، فَإنْ سَمِعْتُمْ وأطَعْتُمْ فَحَسَنٌ، وإلّا صَبَرْتُ لِأمْرِ اللهِ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنِي وبَيْنَكم بِما شاءَ"، فَقالُوا لَهُ حِينَئِذٍ: فَإنْ كانَ ما تَزْعُمُهُ حَقًّا فَفَجِّرْ يَنْبُوعًا ونُؤْمِنُ لَكَ، ولْتَكُنْ لَكَ جَنَّةٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كَلَّفُوهُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : "هَذا كُلُّهُ إلى اللهِ، ولا يَلْزَمُنِي هَذا ولا غَيْرُهُ، وإنَّما أنا مُسْتَسْلِمٌ لِأمْرِ اللهِ تَعالى.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو مَعْنى الحَدِيثِ، وفي الألْفاظِ اخْتِلافٌ ورِواياتٌ مُتَشَعِّبَةٌ يَطُولُ سَوْقُ جَمِيعِها، فاخْتَصَرْتُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو تُسْقِطَ السَماءَ ﴾ الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: "أو تُسْقِطَ" بِضَمِّ التاءِ، "السَماءَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "أو تَسْقُطَ السَماءُ" بِرَفْعِ "السَماءِ" وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿ كَما زَعَمْتَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَلا عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَماءِ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كِسْفًا" بِسُكُونِ السِينِ، إلّا في الرُومِ فَإنَّهم حَرَّكُوها، ومَعْناها: قَطْعًا واحِدًا، قالَ مُجاهِدٌ: السَماءُ جَمِيعًا، وتَقُولُ العَرَبُ: "كَسَفْتُ الثَوْبَ" ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، فالكِسَفُ -بِفَتْحِ السِينِ- المَصْدَرُ، والكِسَفُ: الشَيْءُ المَقْطُوعُ، قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: أو تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا طِبَقًا، واشْتِقاقُهُ مِن: كَسَفْتُ الشَيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُغَةِ "كَسَفَ" بِمَعْنى "غَطّى"، وإنَّما هو بِمَعْنى "قَطَعَ"، وكَأنَّ كُسُوفَ الشَمْسِ والقَمَرِ قَطْعٌ مِنهُما، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "كِسَفًا" بِفَتْحِ السِينِ، أيْ: قِطَعًا، جَمْعُ "كِسْفَةٍ".
وقَوْلُهُ: "قَبِيلًا" مَعْناهُ: مُقابِلَةً وعِيانًا، وقِيلَ: مَعْناهُ: ضامِنًا وزَعِيمًا بِتَصْدِيقِكَ، ومِنهُ القُبالَةُ، وهي الضَمانُ، والقَبِيلُ: والمُتَقَبِّلُ الضامِنُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَوْعًا وجِنْسًا لا نَظِيرَ لَهُ عِنْدَنا.
وقَرَأ الأعْرَجُ: "قُبُلًا" وهو بِمَعْنى المُقابَلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف جملة ﴿ وقالوا ﴾ على جملة ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾ [الإسراء: 89]، أي كفروا بالقرآن وطالبوا بمعجزات أخرى.
وضمير الجمع عائد إلى أكثر الناس الذين أبوا إلا كفوراً، باعتبار صدور هذا القول بينهم وهم راضون به ومتمالئون عليه متى علموه، فلا يلزم أن يكون كل واحد منهم قال هذا القول كله بل يكون بعضهم قائلاً جميعه أو بعضهم قائلاً بعضه.
ولما اشتمل قولهم على ضمائر الخطاب تعين أن بعضهم خاطب به النبي مباشرة إما في مقام واحد وإما في مقامات.
وقد ذكر ابن إسحاق: أن عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، وناساً معهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة وبعثوا إلى النبي أن يأتيهم.
فأسرع إليهم حرصاً على هداهم، فعاتبوه على تسفيه أحلامهم والطعن في دينهم.
وعرضوا عليه ما يشاء من مال أو تسويد.
وأجابهم بأنه رسول من الله إليهم لا يبتغي غير نصحهم، فلما رأوا منه الثبات انتقلوا إلى طلب بعض ما حكاه الله عنهم في هذه الآية.
وروي أن الذي سأل ما حكي بقوله تعالى: أو ترقى في السماء} إلى آخره، هو عبد الله بن أبي أمية المخزومي.
وحكى الله امتناعم عن الإيمان بحرف (لن) لمفيد للتأييد لأنهم كذلك قالوه.
والمراد بالأرض: أرض مكة، فالتعريف للعهد.
ووجه تخصيصها أن أرضها قليلة المياه بعيدة عن الجنات.
والتفجير: مصدر فجر بالتشديد مبالغة في الفَجْر، وهو الشق باتساع.
ومنه سمي فجر الصباح فجراً لأن الضوء يشق الظلمة شقاً طويلاً عريضاً، فالتفجير أشد من مطلق الفجر وهو تشقيق شديد باعتبار اتساعه.
ولذلك ناسب الينبوع هنا والنهر في قوله تعالى: ﴿ وفجرنا خلالها نهراً ﴾ [الكهف: 33] وقوله: فتفجر الأنهار } .
وقرأه الجمهور بضم التاء وتشديد الجيم على أنه مضارع (فجر) المضاعف.
وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة على أنه مضارع فجر كنصَر، فلا التفات فيها للمبالغة لأن الينبوع يدل على المقصود أو يعبر عن مختلف أقوالهم الدالة على التصميم في الامتناع.
ومعنى ﴿ لن نؤمن لك ﴾ لن نصدقك أنك رسول الله إلينا.
والإيمان: التصديق.
يقال: آمنه، أي صدقه.
وكثر أن يعدى إلى المفعول باللام، قال تعالى: ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ [يوسف: 17] وقال ﴿ فآمن له لوط ﴾ [العنكبوت: 26].
وهذه اللام من قبيل ما سماه في مغني اللبيب } لام التنبيين.
وغفل عن التمثيل لها بهذه الآية ونحوها، فإن مجرور اللام بعد فعل ﴿ نؤمن ﴾ مفعول لا التباس له بالفاعل وإنما تذكر اللام لزيادة البيان والتوكيد.
وقد يقال: إنها لدفع التباس مفعول فعل «آمن» بمعنى صدق بمفعول فعل (آمن) إذا جعله أميناً.
وتقدم قوله تعالى؛ ﴿ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه ﴾ في سورة [يونس: 83].
والينبوع: اسم للعين الكثيرة النبع التي لا ينضب ماؤها.
وصيغة يفعول صيغة مبالغة غير قياسية، والينبوع مشتقة من مادة النبع؛ غير أن الأسماء الواردة على هذه الصيغة مختلفة، فبعضها ظاهر اشتقاقه كالينبوع والينبوت، وبعضها خفي كاليعبوب للفرس الكثير الجري.
وقيل: اشتق من العَب المجازي.
ومنه أسماء معربة جاء تعريبها على وزن يفعول مثل؛ يَكْسوم اسم قائد حبشي، ويرموك اسم نهر.
وقد استقرى الحسن الصاغاني ما جاء من الكلمات في العربية على وزن يفعول في مختصر له مرتب على حروف المعجم.
وقال السيوطي في المزهر}: إن ابن دريد عقد له في «الجمهرة» باباً.
والجنة، والنخيل، والعنب، والأنهار تقدمت في قوله: ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار ﴾ في سورة [البقرة: 266].
وخصوا هذه الجنة بأن تكون له، لأن شأن الجنة أن تكون خاصة لملك واحد معين، فأروه أنهم لا يبتغون من هذا الاقتراح نفع أنفسهم ولكنهم يبتغون حصوله ولو كان لفائدة المقترح عليه.
والمقترح هو تفجير الماء في الأرض القاحلة، وإنما ذكروا وجود الجنة تمهيداً لتفجير أنهار خلالها فكأنهم قالوا: حتى تفجر لنا ينبوعاً يسقي الناس كلهم، أو تفجر أنهاراً تسقي جنة واحدة تكون تلك الجنة وأنهارها لك.
فنحن مقتنعون بحصول ذلك لا بغية الانتفاع منه.
وهذا كقولهم: أو يكون لك بيت من زخرف}.
وذكر المفعول المطلق بقوله: ﴿ تفجيراً ﴾ للدلالة على التكثير لأن ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ [الإسراء: 106]، وهو المناسب لقوله: خلالها } ، لأن الجنة تتخللها شعب النهر لسقي الأشجار.
فجمع الأنهار باعتبار تشعب ماء النهر إلى شعب عديدة.
ويدل لهذا المعنى إجماع القراء على قراءة ﴿ فتفجر ﴾ هنا بالتشديد مع اختلافهم في الذي قبله.
وهذا من لطائف معاني القراءات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي من أفانين إعجاز القرآن.
وقولهم: ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ انتقال من تحديه بخوارق فيها منافع لهم إلى تحديه بخوارق فيها مضرتهم، يريدون بذلك التوسيع عليه، أي فليأتهم بآية على ذلك ولو في مضرتهم.
وهذا حكاية لقولهم كما قالوا.
ولعلهم أرادوا به الإغراق في التعجيب من ذلك فجمعوا بين جعل الإسقاط لنفس السماء.
وعززوا تعجيبهم بالجملة المعترضة وهي ﴿ كما زعمت ﴾ إنباء بأن ذلك لا يصدق به أحد.
وعنوا به قوله تعالى: ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ﴾ [سبأ: 9] وبقوله: ﴿ وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم ﴾ [الطور: 44]، إذ هو تهديد لهم بأشراط الساعة وإشرافهم على الحساب.
وجعلوا (من) في قوله تعالى: ﴿ كسفاً من السماء ﴾ [الطور: 44] تبعيضية، أي قطعة من الأجرام السماوية، فلذلك أبوا تعدية فعل تسقط } إلى ذات السماء.
واعلم أن هذا يقتضي أن تكون هاتان الآيتان أو إحداها نزلت قبل سورة الإسراء وليس ذلك بمستبعد.
و «الكسف» بكسر الكاف وفتح السين جمع كسْفة، وهي القطعة من الشيء مثل سِدرة وسدر.
وكذلك قرأه نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر.
وقرأه الباقون بسكون السين بمعنى المفعول، أي المكسوف بمعنى المقطوع.
والزعم: القول المستبعد أو المحال.
والقبيل: الجماعة من جنس واحد.
وهو منصوب على الحال من الملائكة، أي هم قبيل خاص غير معروف، كأنهم قالوا: أو تأتي بفريق من جنس الملائكة.
والزخرف: الذهب.
وإنما عدي ﴿ ترقى في السماء ﴾ بحرف (في) الظرفية للإشارة إلى أن الرقي تدرج في السماوات كمن يصعد في المرقاة والسلم.
ثم تفننوا في الاقتراح فسألوه إن رقى أن يرسل إليهم بكتاب ينزل من السماء يقرؤونه، فيه شهادة بأنه بلغ السماء.
قيل: قائل ذلك عبد الله بن أبي أمية، قال: حتى تأتينا بكتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون لك.
ولعلهم إنما أرادوا أن ينزل عليهم من السماء كتاباً كاملاً دفعة واحدة، فيكونوا قد ألحدوا بتنجيم القرآن، توهماً بأن تنجيمه لا يناسب كونه منزلاً من عند الله لأن التنجيم عندهم يقتضي التأمل والتصنع في تأليفه، ولذلك يكثر في القرآن بيان حكمة تنجيمه.
واللام في قوله: ﴿ لرقيك ﴾ يجوز أن تكون لام التبيين.
على أن «رقيك» مفعول ﴿ نؤمن ﴾ مثل قوله: ﴿ لن نؤمن لك ﴾ فيكون ادعاء الرقي منفياً عنه التصديق حتى ينزل عليهم كتاب.
ويجوز أن تكون اللام لام العلة ومفعول ﴿ نؤمن ﴾ محذوفاً دل عليه قوله قبله: ﴿ لن نؤمن لك ﴾ .
والتقدير: لن نصدقك لأجل رقيك هي تنزل علينا كتاباً.
والمعنى: أنه لو رقى في السماء لكذبوا أعينهم حتى يرسل إليهم كتاباً يرونه نازلاً من السماء.
وهذا تورك منهم وتهكم.
ولما كان اقتراحهم اقتراح مُلاجّة وعناد أمره الله بأن يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم بكلمة ﴿ سبحان ربي ﴾ التي تستعمل في التعجب كما تقدم في طالع هذه السورة، ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصراً إضافياً، أي لستُ رباً متصرفاً أخلق ما يطلب مني، فكيف آتي بالله والملائكة وكيف أخلق في الأرض ما لم يخلق فيها.
وقرأ الجمهور ﴿ قل ﴾ بصيغة فعل الأمر.
وقرأه ابن كثير، وابن عامر ﴿ قال ﴾ بألف بعد القاف بصيغة الماضي على أنه حكاية لجواب الرسول صلى الله عليه وسلم عن قولهم: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ على طريقة الالتفات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ التَّفْجِيرُ تَشْقِيقُ الأرْضِ لِيَنْبُعَ الماءُ مِنها، ومِنهُ سُمِّيَ الفَجْرُ لِأنَّهُ يَنْشَقُّ عَنْ عَمُودِ الصُّبْحِ، ومِنهُ سُمِّيَ الفُجُورُ لِأنَّهُ شَقُّ الحَقِّ بِالخُرُوجِ إلى الفَسادِ.
اليَنْبُوعُ: العَيْنُ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: طَلَبُوا عُيُونًا بِبَلَدِهِمْ.
﴿ أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ ﴾ سَألُوا ذَلِكَ في بَلَدٍ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ.
﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ أيْ قِطَعًا.
قُرِئَ بِتَسْكِينِ السِّينِ وفَتْحِها، فَمَن قَرَأ بِالتَّسْكِينِ أرادَ السَّماءَ جَمِيعَها، ومَن فَتَحَ السِّينَ جَعَلَ المُرادَ بِهِ بَعْضَ السَّماءِ، وفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي حَيِّزًا، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مُشاهَدَةَ ما فَوْقَ السَّماءِ.
الثّانِي: يَعْنِي قِطَعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
والعَرَبُ تَقُولُ.
أعْطِنِي كِسْفَةً مِن هَذا الثَّوْبِ أيْ قِطْعَةً مِنهُ.
وَمِن هَذا الكُسُوفُ لِانْقِطاعِ النُّورِ مِنهُ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِتَغْطِيَتِهِ بِما يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِهِ.
﴿ أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي كُلَّ قَبِيلَةٍ عَلى حِدَتِها، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: يَعْنِي مُقابَلَةً، نُعايِنُهم ونَراهم، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: كَفِيلًا، والقَبِيلُ الكَفِيلُ، مِن قَوْلِهِمْ تَقَبَّلْتُ كَذا أيْ تَكَفَّلْتُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
الرّابِعُ: مُجْتَمِعِينَ، مَأْخُوذٌ مِن قَبائِلِ الرَّأْسِ لِاجْتِماعِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قَبائِلُ العَرَبِ لِاجْتِماعِها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الزُّخْرُفَ النُّقُوشُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّهُ الذَّهَبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ أكُنْ أدْرِي ما الزُّخْرُفُ حَتّى سَمِعْنا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ.
وَأصْلُهُ مِنَ الزَّخْرَفَةِ وهو تَحْسِينُ الصُّورَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ ﴾ .
والَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وأبُو سُفْيانَ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ والعاصُ بْنُ وائِلٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ونَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلا من بني عبد الدار وأبا البختري- أخا بني أسد- والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجاج السهميين، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أنهم قد بدا لهم في أمره بدء، وكان عليهم حريصاً يجب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم فقالوا: «يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذرك، وإنا والله...
ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك.
فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً؛ وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا؛ وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي- فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون...
ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا فيئكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم....
فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة؛ وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منّا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشاً منا، فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من قد مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل؟
فإن صنعت ما سألناك وصدقوك، صدقناك وعرفنا به منزلتك من عند الله، وإنه بعثك رسولاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم.
فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
قالوا: فإن لم تفعل لنا فخر لنفسك فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله أن يجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك عما نراك تبتغي- فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه- حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل....
ما أنا بالذي يسأل ربه هذا...
وما بُعثتُ إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة؛ وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فانا لن نؤمن لك إلا أن تفعل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك.
قالوا: يا محمد، قد علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك بما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمد أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا.
وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً.
فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية فقال: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك عند الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب.
فوالله ما أؤمن لك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك.
ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من متابعتهم إياه.
وأنزل عليه فيما قال له عبد الله بن أبي أمية: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك...
﴾ إلى قوله: ﴿ بشراً رسولاً ﴾ وأنزل عليه في قولهم لن نؤمن بالرحمن ﴿ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت....
﴾ [ الرعد: 30] الآية.
وأنزل عليه فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الجبال، وبعث من مضى من آبائهم الموتى ﴿ ولو أن قرآناً سيرت به الجبال....
﴾ [ الرعد: 31] الآية» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ قال: نزلت في أخي أم سلمة، عبد الله بن أبي أمية.
وأخرح ابن جرير عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ حتى تفجر لنا ﴾ خفيفة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ أي ببلدنا هذا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ قال: عيوناً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: الينبوع، هو الذي يجري من العين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ﴾ يقول: ضيعة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ قال: قطعاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً ﴾ قال: عياناً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أو يكون لك بيت من زخرف ﴾ قال: من ذهب.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو نعيم في الحلية، عن مجاهد رضي الله عنه قال: لم أكن أحسن ما الزخرف حتى سمعتها في قراءة عبد الله ﴿ أو يكون لك بيت من زخرف ﴾ قال: من ذهب.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: الزخرف، الذهب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ قال: من عند رب العالمين إلى فلان بن فلان، يصبح عند كل رجل منا صحيفة عند رأسه موضوعة يقرؤها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ ﴾ ، هذا كان فيما اقترح عليه المشركون، قالوا له: فأسقط السماء علينا، قال ابن عباس: يعنون العذاب، وهو كما زعمت (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ كِسَفًا ﴾ فيه وجهان من القراءة؛ جزم السين (٤) (٥) قال أبو زيد: يقال: كَسَفْتُ الثوبَ أكْسِفُه كَسْفُا، إذا قَطَّعته قِطَعًا (٦) وقال الليث: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوب (٧) قال الفراء: وسمعت أعرابيًّا يقول لبزاز: أعطني كِسْفة، يريد قطعة كقولك: خِرْقَة (٨) روى عمرو عن أبيه: يقال لخِرَق القميص قبل أن يُؤَلَّفَ: الكِسَف، واحدها كِسْفَة (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال أبو علي: إذا كان المصدرُ الكسْفَ، فالكسْفُ (١٣) (١٤) ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا ﴾ ، وذكر الزجاج وجهاً ثالثًا، فقال: من قرأ كِسْفًا فكأنه قال: أو تسقطها طبَقًا علينا، واشتقاقه من كَسَفْتُ الشيء إذا غَطَّيته (١٥) (١٦) قال ابن عباس في قوله: ﴿ كِسَفًا ﴾ : قطعًا (١٧) وقال مجاهد: السماء جميعًا (١٨) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ﴾ ذكروا في هذا ثلاثة أقوال: قال ابن عباس في رواية الضحاك: عيانًا (١٩) (٢٠) ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ﴾ ، وهذا القول منهم يدل على جهلهم بصفة الله؛ حيث لم يعلموا أنه لا يجوز على الله المقابلة.
القول الثاني: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: يريد فوجًا بعد فوج (٢١) قال الليث: وكل جيل من الجن والناس قبيل (٢٢) ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ ﴾ ، وهذا قول مجاهد (٢٣) القول الثالث: أن قبيلًا معناه هاهنا ضامنًا وكفيلاً، روي ذلك عن ابن عباس (٢٤) (٢٥) قال الزجاج: يقال: قَبُلْتُ به أقْبُل، كقولك: كَفُلت أكفُل (٢٦) (٢٧) دَعْها فما النَّحْوِيُ من صديقِها (٢٨) وكقوله تعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ (٢٩) ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ﴾ ، وكما اقترح ذلك غيرهم في قوله: ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، وقد مرّ (٣٠) (١) ورد في تفسيره "الوسيط" 2/ 548 بنصه تقريبًا؛ بدون ضمير الفصل وهو.
(٢) انظر: "تفسير الرازي" 21/ 57.
(٣) انظر: "تفسير الرازي" 21/ 57، و"أبي حيان" 6/ 79.
(٤) قرأ بها: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي، انظر: "السبعة" ص 385، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 382، و"علل القراءات" 1/ 329، و"الحجة للقراء" 5/ 119، و"المبسوط في القراءات" ص 231، و"التيسير" ص 141، و"النشر" 2/ 309.
(٥) قرأ بها: ابن عامر ونافع وعاصم.
انظر المصادر السابقة.
(٦) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 119، بنصه، و"تفسير الطوسي" 6/ 518، بنصه.
(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (كسف) 4/ 3143 بنصه.
(العُرْقُوب): هو العصبُ الغليظُ المُوَتَّر فوق عقبِ الإنسان، أو خلف الكعبين.
انظر: "اللسان" (عرقب) 5/ 2909، "متن اللغة" 4/ 83.
(٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 131 بتصرف يسير، وورد في "تهذيب اللغة" (كسف) 4/ 3143، بنصه.
(٩) ورد في "تهذيب اللغة " (كسف) 4/ 3143، بتصرف يسير.
(١٠) الدِّمنة: آثار الناس وما سَوَّدوا، وقيل: ما سوَّدوا من آثار البعر، والجمع: دمن، وهو البعر، ودمَّنت الماشيةُ المكانَ: بعَرت فيه وبالت.
انظر: "اللسان" (دمن) 3/ 1428.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 131، بنحوه، ورد في "تهذيب اللغة" (كسف) 4/ 3143، بنحوه، وما في التهذيب أقرب.
(١٢) لم أقف عليه.
قال القرطبي: قال الأخفش: من قرأ: كسْفًا من السماء، جعله، واحداً، ومن قرأ: كِسَفًا، جعله جمعاً.
"تفسير القرطبي" 10/ 330.
(١٣) في جميع النسخ: (والكسف) بالواو عطفًا، والصواب ما أثبته من المصدر بالفاء؛ لأنه جواب شرط قرن بالفاء.
(١٤) "الحجة للقراء" 5/ 119، بنصه.
(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 259، بنصه.
(١٦) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 120، بنحوه (١٧) أخرجه "الطبري" 15/ 161 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، ومن طريق العوفي (ضعيفة)، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 273، و"الطوسي" 6/ 519.
(١٨) "تفسير مجاهد" 1/ 370، وأخرجه "الطبري" 15/ 161 بنصه من طريقين، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 196 (١٩) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 87، أورده السيوطي "الدر المنثور" 4/ 367 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(٢٠) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 389 بلفظه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 162، بنحوه عنهما، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 194 بلفظه عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 7/ 121 أبلفظه، و"الماوردي" 3/ 273، بنحوه عنهما، و"الطوسي" 6/ 520، بنحوه عنهما.
(٢١) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 58.
(٢٢) ورد في "تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2876، بنصه.
(٢٣) "تفسير مجاهد" 1/ 370 بمعناه، أخرجه "الطبري" 15/ 162 بمعناه من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 121 أبمعناه، انظر: "زاد المسير" 5/ 88.
(٢٤) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 121 أبلفظه، انظر: "زاد المسير" 5/ 88، و"القرطبي" 10/ 331.
(٢٥) "الغريب" لابن قتيبة 1/ 262، بنحوه.
(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 259، بنصه تقريبًا.
(٢٧) ما بين المعقوفين من (ش)، (ع) وفي (أ)، (د): (فصل مفرد).
(٢٨) "ديوانه" ص 182، وورد في "جمهرة اللغة" 20/ 656، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 295، و"الأغاني" 20/ 367، و"أساس البلاغة" 2/ 11، و"شرح شواهد الإيضاح" 573، و"اللسان" (ذبح) 3/ 1486، (صدق) 4/ 2418، و"تخليص الشواهد" ص 184.
والشاهد: أنه قال من صديقها: أي من أصدقائها، فهو مفرد وقع موقع الجمع.
(٢٩) قال الواحدي -رحمه الله-: قال الفراء: وإنما وحّد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع.
(٣٠) "الحجة للقراء" 3/ 386، بنصه تقريبًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ أي بينا لهم كل شيء من العلوم النافعة، والبراهين القائمة، والحجج الواضحة، وهذا يدل على إن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني والعلوم كما ذكرنا ﴿ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً ﴾ الكفور: الجحود، وانتصب بقوله أبى لأنه في معنى النفي ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً ﴾ الذين قالوا هذا القول هم أشراف قريش طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أنواعاً من خوارق العادات، وهي التي ذكرها الله في هذه الآية، وقيل: إن الذي قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم بعد ذلك والينبوع العين، قالوا له: إن مكة قليلة الماء ففجر لنا فيها عيناً من الماء ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ﴾ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء ﴾ [سبأ: 9]، وكسفاً بفتح السين جمع كسفة وهي القطعة، وقرئ بالإسكان: أي قطعاً واحداً ﴿ قَبِيلاً ﴾ قيل معناه مقابلة ومعاينة وقيل: ضامنا شاهداً بصدقك، والقبالة في اللغة: الضمان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.
الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.
الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.
الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.
الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.
﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.
الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.
الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.
الباقون على كلمة واحدة.
الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.
وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.
﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.
التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.
قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.
فقال: لا أقدر عليه.
فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.
فقال: لا أقدر عليه.
فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.
فقال: لا أقدر عليه.
فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.
فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.
فأنزل الله هذه الآيات.
ولنشرع في تفسير اللغات.
فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.
وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.
وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.
وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.
وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.
قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.
وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.
واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.
وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.
ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.
وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.
وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله ﴾ .
قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".
وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.
﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.
يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.
والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.
قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟
وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.
ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.
فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.
ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.
وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله له على الصدق.
فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟
علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.
ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.
وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.
وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.
والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.
والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟
فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.
وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.
وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.
خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.
ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.
وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.
ثم يعيدها.
وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.
ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.
ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.
وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.
ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ أي يبعثهم.
وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.
وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.
قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.
والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.
وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.
وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.
لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.
وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.
ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.
وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.
ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.
وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.
مكان الحجر والبحر والطور.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.
فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.
أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.
وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.
وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.
قال بعد العلماء: أجابهم النبي بتسع وزاد واحدة تختص بهم.
وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .
وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.
إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.
هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.
والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.
أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.
والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .
وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.
والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.
ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.
وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.
وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.
ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.
ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ .
وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.
ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.
وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.
ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.
والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.
ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.
قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.
وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.
قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.
ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.
ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.
وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.
وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.
فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.
وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.
ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.
ثم خاطب نبيه بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.
قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.
قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.
فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.
قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.
وقال غيره.
المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.
وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.
ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.
فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.
وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.
قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.
تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.
والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.
قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .
لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.
ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".
ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.
مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.
وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.
فأمر النبي أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.
وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.
وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.
وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.
ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟
وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.
وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.
أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.
قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.
ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.
ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.
قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.
فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.
ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.
التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.
﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.
فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.
ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ...
﴾ .
إلى آخر ما ذكر من الأسئلة، يشبه أن تكون هذه الأسئلة جميعاً من فريق واحد.
ويجوز أن يكون من كل فريق سؤال، لم يكن ذلك من غيره من الفرق؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ ﴾ كان من كل فريق غير ما كان من الآخر؛ كان من اليهود: كونوا هوداً تهتدوا، ومن النصارى: كونوا نصارى تهتدوا؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأوّل كذلك.
ثم إن الذي حملهم على هذه الأسئلة المحالة الفاسدة وجوه: أحدها: سؤاله بما كان يعدهم رسول الله الجنان؛ والأنهار الجارية، والبساتين المثمرة إن هم تابوا وأجابوا، وكان يعدهم العقوبات إن تركوا إجابته من إسقاط السماء كسفاً كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ...
﴾ الآية [البقرة: 210]، سألوه ذلك استعجالاً منهم؛ على الاستهزاء، كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ ، أو أن يكون أهل الكتاب علموا مشركي العرب الذين لا كتاب لهم هذه الأسئلة الفاسدة المحالة التي عرفوا أنهم لا يجابون فيها ليسألوا رسول الله عنها، فإنه لا يجيبهم ليرى [السفلة منهم والأتباع أن لو كان رسولاً لأجابهم؛ فيتمادون في طغيانهم وضلالتهم، ويبغون عليهم ثم عليه.
أو أن يكون الرؤساء منهم والقادة سألوه عن ذلك، على علم منهم أنه لا يجيبهم؛ ليرى] أتباعهم وسفلتهم أنهم قد حاجّوا رسول الله، واعترضوا لحججه وبراهينه لئلا ينظروا إلى حججه وبراهينه؛ لتبقى لهم الرئاسة والمنافع التي كانت لهم، ولا يذهب ذلك عنهم.
ثم بين أن أسئلتهم التي سألوها سؤال تعنت عن عناد لا سؤال استرشاد، وحاجة - ما ذكر في قولهم: ﴿ أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ﴾ .
دل هذا كله أن سؤالهم إياه كله سؤال معاندة، لا سؤال استرشاد واستهداء؛ لأنه لو كانوا يسألون ما يسألون سؤال استرشاد واستهداء، لكانوا لا يسألون إسقاط السماء عليهم؛ إذ لا منفعة لهم في ذلك وإن في سؤالهم الجنة منفعة، ويذكر سفه القوم وتعنتهم وسوء معاملتهم رسول الله.
ثم الحكمة والفائدة في جعل سفههم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة؛ ليعرف المتأخرون معاملة السفهاء إذا بلوا بهم أن كيف يعاملونهم [بمثل] معاملة رسول الله؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي ﴾ أمره أن [ينزه ربّه عن أن يكون لأحد الاحتكام عليه والحكم، والذي سألوه احتكام منهم على الله.
وفي قوله: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ].
ينزه ربه عن أن يملك سواه ما سألوا من إتيان الجنة وغير ذلك مما ذكر في الآية، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ .
أي: هل كنت إلا بشراً كغيره من الرسل الذين كانوا من قبل من البشر، فلم يسألوهم بمثل الذي تسألونني أنتم من الأسئلة.
أو إن سألوا ذلك فلم يجابوا، كقوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ ، أو أن يكون قوله: ﴿ هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، أي: ليس للرسول أن يعترض على المرسل بشيء، إنما على الرسول تبليغ ما أرسل وأمر بتبليغه.
أو يقول: إني لا أملك مما تسألونني سوى تسبيح ربي وتنزيهه.
وقوله: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي ﴾ أي: تعاظم ربي، وتعالى عن أن يكون لعباده عليه احتكام أو اختيار.
وقال أبو عوسجة والقتبي: الينبوع: العين، والينابيع: جمع؛ والكسفة: القطعة، والكسف: جمع.
وقال غيره: الكِشف - بالجزم -: عذاب، وكسفاً مثل قطعاً، [قال أبو عوسجة: ﴿ قَبِيلاً ﴾ ، أي: معاينة، وقال: هو من المقابلة.
و ﴿ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ ﴾ ، أي: من زينة.
وقال أبو عوسجة: المزخرف: المزين، يقال: زخرفت البيت، أي: زينته.
﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، أي: تصعد.
﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ﴾ ، أي: لارتقائك، وهو من الارتفاع.
وقال بعضهم: ﴿ كِسَفاً ﴾ بالجزم، أي: جانبا، وكسفا: مثل: قطعا].
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أو تُسْقِط علينا السماء -كما ذكرت- قِطَعًا من العذاب، أو تجيء بالله والملائكة عيانًا حتى يشهدوا لك بصحة ما تدّعيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.lgXnp"