الآية ١٠٠ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١٠٠ من سورة الكهف

وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضًا ١٠٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٠ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٠ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عما يفعله بالكفار يوم القيامة : إنه يعرض عليهم جهنم ، أي : يبرزها لهم ويظهرها ، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها ، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم .

وفي صحيح مسلم ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله ( وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ) يقول: وأبرزنا جهنم يوم ينفخ في الصور، فأظهرناها للكافرين بالله، حتى يروها ويعاينوها كهيئة السراب ، ولو جعل الفعل لها قيل: أعرضت إذا استبانت.

كما قال عمرو بن كلثوم: وأعْــرَضَتِ اليَمامَــةُ واشْـمَخَرَّتْ كأسْـــياف بـــأيْدي مُصْلِتِينــا (2) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأوْيل..

*ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال : ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، قال: يقوم الخلق لله إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله عزّ وجلّ للخلق فما يلقاه أحد من الخلائق كان يعبد من دون الله شيئا إلا وهو مرفوع له يتبعه، قال: فيلقى اليهود فيقول : من تعبدون؟

قال: فيقولون: نعبد عُزَيرا، قال: فيقول: هل يسركم الماء؟

فيقولون نعم، فيريهم جهنم وهي كهيئة سراب، ثم قرأ ( وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ) ثم يلقى النصارى فيقول: من تعبدون؟

فيقولون: نعبد المسيح، فيقول: هل يسركم الماء، فيقولون نعم، قال: فيريهم جهنم وهي كهيئه السراب، ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله شيئا، ثم قرأ عبد الله وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي أبرزناها لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كما قال تعالى: { وبرزت الجحيم للغاوين ْ} أي: عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم، وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها، وحميمها، وزمهريرها، وليذوقوا من العقاب، ما تبكم له القلوب، وتصم الآذان، وهذا آثار أعمالهم، وجزاء أفعالهم، فإنهم في الدنيا .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وعرضنا ) أبرزنا ( جهنم يومئذ للكافرين عرضا ) حتى يشاهدوها عيانا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعرضنا» قربنا «جهنم يومئذ للكافرين عرضا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وعرضنا جهنم للكافرين، وأبرزناها لهم لنريهم سوء عاقبتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما أعده للكافرين من عذاب يوم القيامة فقال : ( وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) وقوله : ( وعرضنا ) .

.

أى : أظهرنا وأبرزنا يقال : عرض القائد جنده إذا أظهرهم ليشاهدهم الناس .أى : جمعنا الخلائق يوم البعث والنشور جمعا تاما كاملا .

وأبرزنا وأظهرنا جهنم فى هذا اليوم للكافرين إبرازا هائلا فظيعا ، حيث يرونها ويشاهدونها بدون لبس أو خفاء ، فيصيبهم ما يصيبهم من رعب وفزع عند مشاهدتها .وتخصيص العرب بهم ، مع أن غيرهم - أيضا - يراها ، لأنها ما عرضت إلا من أجلهم ، ومن أجل أمثالهم ممن فسقوا عن أمر ربهم .ويرى بعضهم أن اللام فى ( للكافرين ) بمعنى على ، لأن العرض يتعدى بها ، قال - تعالى - : ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار .

.

) وقال - سبحانه - : ( النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً .

.

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الضمير في قوله بعضهم عائد إلى: ﴿ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ فيه وجوه: الأول: أن يوم السد ماج بعضهم في بعض خلفه لما منعوا من الخروج.

الثاني: أن عند الخروج يموج بعضهم في بعض قيل إنهم حين يخرجون من وراء السد يموجون مزدحمين في البلاد يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويأكلون لحوم الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله عليهم حيوانات فتدخل آذانهم فيموتون.

والقول الثالث: أن المراد من قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ يوم القيامة وكل ذلك محتمل إلا أن الأقرب أن المراد الوقت الذي جعل الله ذلك السد دكاً فعنده ماج بعضهم في بعض وبعده نفخ في الصور وصار ذلك من آيات القيامة، والكلام في الصور قد تقدم وسيجيء من بعد، وأما عرض جهنم وإبرازه حتى يصير مكشوفاً بأهواله فذلك يجري مجرى عقاب الكفار لما يتداخلهم من الغم العظيم، وبين تعالى أنه يكشفه للكافرين الذين عموا وصموا، أما العمى فهو المراد من قوله: ﴿ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِى ﴾ والمراد منه شدة انصرافهم عن قبول الحق، وأما الصمم فهو المراد من قوله: ﴿ وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ يعني أن حالتهم أعظم من الصمم لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء زالت عنهم تلك الاستطاعة واحتج الأصحاب بقوله: ﴿ وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ على أن الاستطاعة مع الفعل وذلك لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا، قال القاضي: المراد منه نفرتهم عن سماع ذلك الكلام واستثقالهم إياه كقول الرجل: لا أستطيع النظر إلى فلان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ ﴾ وبرّزناها لهم فرأوها وشاهدوها ﴿ عَن ذِكْرِى ﴾ عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم.

أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها، ونحوه ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ [البقرة: 18] .

﴿ وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ يعني وكانوا صماً عنه، إلاّ أنه أبلغ؛ لأنّ الأصمّ قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ﴾ وجَعَلْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ حِينَ يَخْرُجُونَ مِمّا وراءَ السَّدِّ يَمُوجُونَ في بَعْضٍ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ، أوْ يَمُوجُ بَعْضُ الخَلْقِ في بَعْضٍ فَيَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ إنْسُهم وجِنُّهم حَيارى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ لِقِيامِ السّاعَةِ.

﴿ فَجَمَعْناهم جَمْعًا ﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.

﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا ﴾ وأبْرَزْناها وأظْهَرْناها لَهم.

﴿ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ﴾ عَنْ آياتِي الَّتِي يُنْظَرُ إلَيْها فَأُذْكَرُ بِالتَّوْحِيدِ والتَّعْظِيمِ.

﴿ وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ اسْتِماعًا لِذَكَرِي وكَلامِي لِإفْراطِ صَمَمِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ كَأنَّهم أُصِمَّتْ مَسامِعُهم بِالكُلِّيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ للكافرين عَرْضاً} وأظهرناها لهم فرأوها وشاهدوها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعَرَضْنا جَهَنَّمَ ﴾ أظْهَرْناها وأبْرَزْناها (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ جَمَعْنا الخَلائِقَ كافَّةً (لِلْكافِرِينَ) مِنهم حَيْثُ جَعَلْناها بِحَيْثُ يَرَوْنَها ويَسْمَعُونَ لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا (عَرْضًا) أيْ عَرْضًا فَظِيعًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

وتَخْصِيصُ العَرْضِ بِهِمْ مَعَ أنَّها بِمَرْأًى مِن أهْلِ الجَمْعِ قاطِبَةً لِأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ خاصَّةً <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فلما فرغ ذو القرنين من بناء السد: قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي، أي هذا السد رحمة من ربي عليكم.

فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي يقول: إذا جاء أجل ربي، جَعَلَهُ دَكَّاءَ يعني كسراً.

قرأ أهل الكوفة دَكَّاءَ بالمد، وقرأ الباقون بالتنوين قال القتبي: جَعَلَهُ دَكًّا أي ألصقه بالأرض.

وقرأ الباقون بالتنوين دَكّاً إذا لم يكن لها سنام.

وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا، أي صدقاً وكائناً بخروجهم.

ثمّ قال: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، أي يجول في بعض وراء السد، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ قال أبو عبيدة: تنفخ الأرواح في الصور، وقال عامة المفسرين: يعني: ينفخ إسرافيل في الصور، وهذا موافق لما روي عن رسول الله  أنه قال: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَقَمَهُ وحنا جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ وَيَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ فِيهِ» ؟

فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً، أي يوم القيامة نجمع يأجوج ومأجوج وجميع الخلق.

وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، أي: كشفنا الغطاء عنها قبل دخولهم جهنم.

لِلْكافِرِينَ عَرْضاً، أي: كشفاً ويكون المصدر لتأكيد الكلام.

ثم نعت الكافرين فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ، أي أعين الكافرين فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي، أي في عمى عن التوحيد والقرآن فلم يؤمنوا.

وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي استماعاً إلى النبيّ  من بغضه وعداوته.

قوله تعالى: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ، يعني: أن يعبدوا غيري، ومعناه: لا يحسبن الكافرون بأن يتخذوا أولياء يعبدون معي شيئاً، لأن المشركين كانوا يدعون بعض المؤمنين إلى الشرك، وهذا كقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] ، ويقال: ومعناه أفيظن الذين كفروا أن يعبدوا عبادي، يعني: الملائكة وعزيراً والمسيح، مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ يعني: أرباباً؟

ومعناه: يظنون أنهم لو اتخذوهم أرباباً تنفعهم عبادتهم ويفوتون من عذابي.

ثم بيّن عذابهم فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا، أي منزلاً.

روي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بجزم السين وضم الباء ومعناه: أيكفيهم مني ومن طاعتي أن يتخذوا عبادى من دوني أولياء فحسبهم جهنم إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا أي منزلا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لغيره، والصُّورِ في قول الجمهور وظاهر الأحاديثِ الصِّحَاحِ: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل للقيامة «١» .

وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤)

وقوله سبحانه: وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً معناه/ أبرزناها لَهُمْ لتجمعهم وتحطِّمهم، ثم أكَّد بالمصدر عبارةً عن شدَّة الحال.

وقوله: أَعْيُنُهُمْ كنايةٌ عن البصائر، والمعنى: الذين كانَتْ فِكَرُهم بينها، وبَيْن ذكري والنَّظَرِ في شَرْعِي- حجابٌ، وعليها غطاءٌ وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً يريد لإِعراضهم ونِفارهم عن دعوة الحق، وقرأ الجمهور «٢» ، «أفَحِسِبَ الَّذِين كَفَرُوا» - بكسر السين- بمعنى «أظَنُّوا» وقرأ علي بن أبي طالب «٣» وغيره وابنُ كَثِير، بخلافٍ عنه:

«أَفَحَسْبُ» بسكون السين وضمِّ الباء، بمعنى «أَكافِيهِمْ ومنتهى غرضهم» ، وفي مصحف ابن مسعود «٤» : «أَفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» وهذه حجة لقراءة الجمهور.

وقوله: أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي قال جمهور المفسِّرين: يريد كلَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه كالملائكة وعزير وعيسى، والمعنى: أن الأمر ليس كما ظَنُّوا، بل ليس لهم من ولاية هؤلاءِ المذكُورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعا وأَعْتَدْنا معناه: يَسَّرنا، و «النُّزُل» موضع النزول، و «النُّزُل» أيضاً: ما يُقدَّم للضْيفِ أو القادم من الطَّعام عند نزوله، ويحتملُ أنْ يريد بالآية هذا المعنى: أنَّ المعدَّ لهؤلاء بَدَلَ النُّزُلِ جهنَّم، والآية تحتملُ الوجهِينِ، ثم قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ.

ثُمَّ في المُرادِ بِـ ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمَ انْقَضى أمْرُ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن ورائِهِ مُخْتَلِطِينَ لِكَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: ماجُوا مُتَعَجِّبِينَ مِنَ السَّدِّ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمَ يُخْرَجُونَ مِنَ السَّدِّ، تُرِكُوا يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ.

والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ الخَلائِقِ؛ الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُونَ حَيارى.

فَعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، المُرادُ بِاليَوْمِ المَذْكُورِ: يَوْمُ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ ﴾ هَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ﴿ الصُّورِ ﴾ في ( الأنْعامِ: ٧٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ ﴾ ؛ أيْ: أظْهَرْناها لَهم حَتّى شاهَدُوها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهُمْ ﴾ ، يَعْنِي: أعْيُنَ قُلُوبِهِمْ ﴿ " في غِطاءٍ ﴾ "؛ أيْ: في غَفْلَةٍ ﴿ عَنْ ذِكْرِي ﴾ ؛ أيْ: عَنْ تَوْحِيدِي والإيمانِ بِي وبِكِتابِي، ﴿ وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ هَذا لِعَداوَتِهِمْ وعِنادِهِمْ، وكَراهَتِهِمْ ما يُنْذَرُونَ بِهِ، كَما تَقُولُ لِمَن يَكْرَهُ قَوْلَكَ: ما تَقْدِرُ أنْ تَسْمَعَ كَلامِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ ﴿ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا ﴾ ﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إيتُونِي" بِمَعْنى: جِيئُونِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "آتَوْنِي" بِمَعْنى: أعْطَوْنِي، وهَذا كُلُّهُ مُتَقارِبٌ، إنَّما هو اسْتِدْعاءٌ إلى المُناوَلَةِ لا اسْتِدْعاءُ العَطِيَّةِ والهِبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ ارْتَبَطَ مِن قَوْلِهِ إنَّهُ لا يَأْخُذُ مِنهُمُ الخَرْجَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اسْتِدْعاءُ المُناوَلَةِ وأعْمالُ القُوَّةِ، و"إيتُونِي" أشْبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ  ﴾ ، ونَصْبُ "الزُبُرَ" عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ.

حُذِفَ الجارِ فَنُصِبَ الفِعْلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُبَرَ" بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وكُلُّ ذَلِكَ جَمْعٌ "زُبْرَةٍ"، وهي القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنهُ.

والمَعْنى: فَرَصَفَهُ وبَناهُ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَدَفَيْنِ، فاخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ساوى"، وقَرَأ قَتادَةُ: "سَوّى"، و"الصَدَفانِ": الجَبَلانِ المُتَناوِحانِ، ولا يُقالُ لِلْواحِدِ: صَدَفٌ، وإنَّما يُقالُ "صَدَفانِ" لِاثْنَيْنِ أحَدُهُما يُصادِفُ الآخَرَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "الصَدَفَيْنِ" بِفَتْحِ الصادِ وشَدِّها، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرُو: "الصُدُفَيْنِ" بِضَمِّ الصادِّ والدالِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والحَسَنُ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "الصُدْفَيْنِ" بِضَمِّ الصادِ وسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "بَيْنَ الصَدْفَيْنِ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ الدالِ.

وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى واحِدٍ، هُما الجانِبانِ المُتَناوِحانِ، وقِيلَ: "الصَدَفانِ": السَطْحانِ الأعْلَيانِ مِنَ الجَبَلَيْنِ، وهَذا نَحْوٌ مِنَ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ انْفُخُوا ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِوَضْعِ طاقَةٍ مِنَ الزُبُرِ والحِجارَةِ، ثُمَّ يُوقَدُ عَلَيْها حَتّى تُحْمى، ثُمَّ يُؤْتى بِالنُحاسِ المُذابِ أوِ الرَصاصِ أو بِالحَدِيدِ -بِحَسَبِ الخِلافِ في "القِطْرِ"- فَيُفْرِغُهُ عَلى تِلْكَ الطاقَةِ المُنَضَّدَةِ، فَإذا التَأمَ واشْتَدَّ اسْتَأْنَفَ رَصْفَ طاقَةٍ أُخْرى إلى أنِ اسْتَوى العَمَلُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَحابَةِ: "بِقُطْرٍ أُفْرِغْ عَلَيْهِ".

وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "القِطْرُ": النُحاسُ المُذابُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ «عن رَسُولِ اللهِ  ، جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي رَأيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَ: كَيْفَ رَأيْتُهُ؟

قالَ: رَأيْتُهُ كالبُرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ صَفْراءُ، وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ، وطَرِيقَةٌ سَوْداءُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : قَدْ رَأيْتُهُ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: "القِطْرُ": الرَصاصُ المُذابُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ" القِطْرُ": الحَدِيدُ الذائِبُ.

وهو مُشْتَقٌّ مِن قَطَرَ يَقْطُرُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: " فَمًا اسْتَطاعُوا" لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَما اسْطاعُوا" بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ الطاءِ، وقَرَأتْ فَرِقْةٌ بِشَدِّ الطاءِ، وفِيها تَكَلُّفٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الساكِنِينَ.

و"يَظْهَرُوهُ" مَعْناهُ: يَعْلُوهُ بِصُعُودِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في المُوَطَّإ: "والشَمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ".

﴿ وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ لِبُعْدِ عَرْضِهِ وقُوَّتِهِ، ولا سَبِيلَ سِوى هَذَيْنَ، إمّا ارْتِقاءٌ وإمّا نَقْبٌ.

ورُوِيَ أنَّ في طُولِهِ ما بَيْنَ طَرَفَيِ الجَبَلَيْنِ مِائَةُ فَرْسَخٍ وعَرَضُهُ خَمْسُونَ فَرْسَخًا، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا ثُبُوتَ لَهُ إذْ لا غايَةَ لِلتَّخَرُّصِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: "انْفُخُوا" أيْ بِالأكْوارِ.

وقَوْلُهُ: "اسْطاعُوا" بِتَخْفِيفِ الطاءِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، قِيلَ: هي لُغَةٌ بِمَعْنى: اسْتَطاعُوا، وقِيلَ: اسْتَطاعُوا بِعَيْنِهِ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ حَتّى حَذْفَ بَعْضُهم مِنهُ التاءَ فَقالَ: اسْطاعُ، وحَذَفَ بَعْضُهُمُ الطاءَ فَقالَ: اسْتاعَ يَسْتَيِعُ، بِمَعْنى اسْتَطاعَ يَسْتَطِيعُ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فَما اسِطّاعُوا" بِتَشْدِيدِ الطاءِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: هي غَيْرُ جائِزَةٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَما اسْتَطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي ﴾ الآيَةُ.

القائِلُ هو ذُو القَرْنَيْنِ، وأشارَ بِهَذا إلى الرَدْمِ والقُوَّةِ عَلَيْهِ والِانْتِفاعِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ".

و"الوَعْدُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وقْتَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عُمَرَ: "دَكًّا" مَصْدَرُ دَكَّ يَدُكُّ إذا هَدَمَ ورَضَّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "دَكّاءَ" بِالمَدِّ، وهَذا عَلى التَشْبِيهِ بِالناقَةِ الدَكّاءِ، هي الَّتِي لا سَنامَ لَها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: جَعْلُهُ مِثْلَ دَكّاءَ، وأمّا النَصْبُ في "دَكًّا" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِـ "جَعَلَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَعَلَ" بِمَعْنى خَلَقَ ويُنْصَبُ "دَكًّا" عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ أيْضًا النَصْبُ في قِراءَةِ مِن مَدٍّ يُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ.

والضَمِيرُ في "تَرَكْنا" لِلَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: "يَوْمَئِذٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهُ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَعْضَهُمْ" عَلى ذَلِكَ -لِجَمِيعِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "يَوْمَئِذٍ" يَوْمَ كَمالِ السَدِّ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَعْضَهُمْ" لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، واسْتِعارَةُ "المَوْجِ" لَهم عِبارَةٌ عَنِ الحَيْرَةِ وتَرَدُّدِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ كالوالِهِينَ مِن هَمًّ وخَوْفٍ، فَشَبَّهَهم بِمَوْجِ البَحْرِ الَّذِي يَضْطَرِبُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا احْتِمالَ لِغَيْرِهِ، فَمَن تَأوَّلَ الآيَةَ كُلَّها في يَوْمِ القِيامَةِ اتَّسَقَ تَأْوِيلُهُ، ومَن تَأوَّلَ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَمُوجُ في بَعْضٍ ﴾ في أمْرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تَأوَّلَ القَوْلَ: "وَتَرَكْناهم يَمُوجُونَ" دَأبا عَلى مَرِّ الدَهْرِ وَتَناسُلِ القُرُونِ بَيْنَهُمِ وقِيامِهِمْ، ثُمَّ نُفِخَ في الصُورِ فَيَجْتَمِعُونَ، و"الصُوَرُ": في قَوْلِ الجُمْهُورِ وظاهِرِ الأحادِيثِ الصِحاحِ هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفَخُ فِيهِ لِلْقِيامَةِ، وفي الحَدِيثِ: قالَ رَسُولُ اللهِ  أنَّهُ قالَ: « "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَطَ القَرْنَ وحَنّا الجَبْهَةَ وأصْغى بِالأُذُنِ مَتى يُؤْمَرُ"، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ، وعَلى اللهِ تَوَكَّلْنا، ولَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ مِنى ما أجَّلُوا ذَلِكَ القَرْنَ"،» وأمّا "النَفَخاتُ" فَأسْنَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "الصُوَرُ قَرْنٌ عَظِيمٌ يَنْفُخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانِيَةُ نَفْخَةُ الصَعْقِ، والثالِثَةُ نَفْخَةُ القِيامِ"،» وقالَ بَعْضُ الناسِ: "النَفَخاتُ" اثْنَتانِ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهي نَفْخَةُ الصَعْقِ، ثُمَّ الأُخْرى الَّتِي هي لِلْقِيامِ.

ومَلَكُ الصُورِ هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُورُ جَمْعُ صُورَةٍ، فَكَأنَّهُ أرادَ صُوَرَ البَشَرِ والحَيَوانِ نُفِخَ فِيها الرُوحُ.

والأوَّلُ أبْيَنُ وأكْثَرُ في الشَرِيعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ ﴾ مَعْناهُ: أبْرَزْناها لَهم لِتَجْمَعَهم وتُحَطِّمَهُمْ، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ عِبارَةً عن شِدَّةِ الحالِ، ورَوى الطَبَرِيُّ في هَذا حَدِيثًا مُضَمِّنُهُ أنَّ النارَ تُرْفَعُ لِلْيَهُودِ والنَصارى كَأنَّها السَرابُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ لَكَمَ في الماءِ حاجَةٌ؟

فَيَقُولُونَ: نَعِمَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ ﴾ الترك: حقيقته مفارقة شيء شيئاً كان بقربه، ويطلق مجازاً على جعل الشيء بحالة مخالفة لحالة سابقة تمثيلاً لحال إلفائه على حالة، ثم تغييرها بحال من كان قرب شيء ثم ذهب عنه، وإنما يكون هذا المجاز مقيداً بحالة كان عليها مفعول تَرك، فيفيد أن ذلك آخر العهد، وذلك يستتبع أنه يدوم على ذلك الحال الذي تركه عليها بالقرينة.

والجملة عطف على الجملة التي قبلها ابتداء من قوله ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين، ﴾ فهذه الجملة لذكر صنع الله تعالى في هذه القصة الثالثة من قصص ذي القرنين إذ ألهمه دفع فساد ياجوج وماجوج، بمنزلة جملة ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ في القصة الأولى، وجملة ﴿ كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً ﴾ فجاء أسلوب حكاية هذه القصص الثلاث على نسق واحد.

و ﴿ يومئذ ﴾ هو يوم إتمام بناء السد المستفاد من قوله ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ الآية.

و ﴿ يَمُوج ﴾ يضطرب تشبيهاً بموج البحر.

وجملة ﴿ يَمُوج ﴾ حال من ﴿ بعضهم ﴾ أو مفعول ثان ل ﴿ تَرَكنا ﴾ على تأويله ب (جعلنا)، أي جعلنا ياجوج وماجوج يومئذ مضطربين بينهم فصار فسادهم قاصراً عليهم ودفع عن غيرهم: والنار تأكل نفسها *** إن لم تجد ما تأكله لأنهم إذا لم يجدوا ما اعتادوه من غزو الأمم المجاورة لهم رجع قويهم على ضعيفهم بالاعتداء.

﴿ وَنُفِخَ فِى الصور فجمعناهم جَمْعاً ﴾ ﴿ للهلله للهوَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ للكافرين عَرْضاً * الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ .

تخلصٌ من أغراض الاعتبار بما في القصة من إقامة المصالح في الدنيا على أيدي من اختاره الله لإقامتها من خاصة أوليائه، إلى غرض التذكير بالموعظة بأحوال الآخرة، وهو تخلص يؤذن بتشبيه حال تموجهم بحال تموج الناس في المحشر، تذكيراً للسامعين بأمر الحشر وتقريباً بحصوله في خيال المشركين.

فإن القادر على جمع أمة كاملة وراء هذا السد، بفعل من يسره لذلك من خلقه، هو الأقدر على جمع الأمم في الحشر بقدرته، لأنّ متعلقات القدرة في عالم الآخرة أعجب.

وقد تقدّم أن من أهم أغراض هذه السورة إثبات البعث.

واستعمل الماضي موضع المضارع تنبيهاً على تحقيق وقوعه.

والنفخ في الصور تمثيلية مكنية تشبيهاً لحال الدّاعي المطاع وحال المدعو الكثير العدد السريع الإجابة، بحال الجند الذين ينفذون أمر القائد بالنفير فينفخون في بوق النفير، وبحال بقية الجند حين يسمعون بوق النفير فيسرعون إلى الخروج.

على أنه يجوز أن يكون الصور من مخلوقات الآخرة.

والحالة الممثلة حالة غريبة لا يعلم تفصيلها إلا الله تعالى.

وتأكيد فعلي ﴿ جمعناهم ﴾ و ﴿ عرضنا ﴾ بمصدريهما لتحقق أنه جمع حقيقي وعرض حقيقي ليسا من المجاز، وفي تنكير الجمع والعرض تهويل.

ونعت الكافرين ب ﴿ الذين كانت أعينهم في غطاء ﴾ للتنبيه على أن مضمون الصلة هو سبب عرض جهنم لهم، أي الذين عرفوا بذلك في الدنيا.

والغطاء: مستعار لِعدم الانتفاع بدلالة البصر على تفرد الله بالإلهية.

وحرف (من) للظرفية المجازية، وهي تَمكُّن الغطاء من أعينهم بحيث كأنها محوية للغطاء.

و (عن) للمجاوزة، أي عن النظر فيما يحصل به ذكري.

ونفي استطاعتهم السمع أنهم لشدة كفرهم لا تطاوعهم نفوسهم للاستماع.

وحذف مفعول ﴿ سمعا ﴾ لدلالة قوله ﴿ عن ذكري ﴾ عليه.

والتقدير: سمعاً لآياتي، فنفي الاستطاعة مستعمل في نفي الرغبة وفي الإعراض كقوله ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ﴾ [فصلت: 5].

وعرَض جهنم مستعمل في إبرازها حين يشرفون عليها وقد سيقوا إليها فيعلمون أنها المهيئة لهم، فشبه ذلك بالعرض تهكماً بهم، لأنّ العرض هو إظهار ما فيه رغبة وشهوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّلالَ كالمُغَطِّي لِأعْيُنِهِمْ عَنْ تَذَكُّرِ الِانْتِقامِ.

الثّانِي: أنَّهم غَفَلُوا عَنِ الِاعْتِبارِ بِقُدْرَتِهِ المُوجِبَةِ لِذِكْرِهِ.

﴿ وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالسَّمْعِ ها هُنا العَقْلُ، ومَعْناهُ لا يَعْقِلُونَ.

الثّانِي: أنَّهُ مَعْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ في سَمْعِ الآذانِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَطِيعُونَهُ اسْتِثْقالًا.

الثّانِي: مَقْتًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النُّزُلَ الطَّعامُ، فَجَعَلَ جَهَنَّمَ طَعامًا لَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ المَنزِلُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ قال أما من ظلم ﴾ قال: من أشرك.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فسوف نعذبه ﴾ قال: القتل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان عذابه أن يجعلهم في بقر من صفر، ثم توقد تحتهم النار حتى يتقطعوا فيها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن مسروق رضي الله عنه في قوله: ﴿ فله جزاء الحسنى ﴾ قال: الحسنى له جزاء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ قال: معروفاً.

والله تعالى أعلم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن جريج في قوله: ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ الآية.

قال: حدثت عن الحسن عن سمرة بن جندب...

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ﴿ لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ أنها لم يبن فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس» .

وأخرج الطيالسي والبزار في أماليه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ قال: أرضهم لا تحتمل البناء، فإذا طلعت الشمس تغور في المياه، فإذا غابت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم.

ثم قال الحسن: هذا حديث سمرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أنهم بأرض لا يثبت لهم فيها شيء، فهم إذا طلعت دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل في الآية قال: ليست لهم أكناف، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، ولأحدهم أذنان يفترش واحدة ويلبس الأخرى.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وجدها تطلع على قوم ﴾ الآية.

قال: يقال لهم الزنج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: تطلع على قوم حمر قصار، مساكنهم الغيران، فيلقى لهم سمك أكثر معيشتهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بما لديه خبراً ﴾ قال: علماً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قال: الجبلين، أرمينية وأذربيجان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ قال: الترك.

وأخرج سعيد بن منصور عن تميم بن جذيم، أنه كان يقرأ ﴿ لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن مسعود قال: «أتينا نبي الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو في قبة آدم له، فخرج إلينا فحمد الله ثم قال: أبشركم أنكم ربع أهل الجنة.

فقلنا: نعم يا رسول الله؟

فقال: أبشركم أنكم ثلث أهل الجنة.

فقلنا: نعم يا نبي الله؟

قال: والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، إن مثلكم في سائر الأمم كمثل شعرة بيضاء في جنب ثور أسود، أو شعرة سوداء في جنب ثور أبيض، إن بعدكم يأجوج ومأجوج، إن الرجل منهم ليترك بعده من الذرية ألفاً فما زاد، وأن وراءهم ثلاث أمم: منسك وتاويل وتاريس لا يعلم عدتهم إلا الله» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق البكالي، عن عبدالله بن عمر قال: إن الله جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الملائكة، وجزء واحد الجن والإنس.

وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذي يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء واحد لرسالاته ولخزائنه وما يشاء من أمره.

وجزأ الإنس والجن عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، والإنس جزء واحد فلا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة.

وجزأ الإنس عشرة أجزاء، تسعة منهم يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس والسماء ذات الحبك.

قال: السماء السابعة والحرم بحيالة العرش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية، أن يأجوج ومأجوج يزيدون على الإنس الضعفين، وأن الجن يزيدون على الإنس الضعفين، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.

وأخرج عبد الرزاق ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الله جزأ الإنس عشرة أجزاء، تسعة منهم يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: صوّرت الدنيا على خمس صور، على صورة الطير برأسه والصدر والجناحين والذنب، فالمدينة ومكة واليمن الرأس، والصدر مصر والشام، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمة يقال لها واق، وخلف واق أمة يقال وقواق، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

والجناح الأيسر السند وخلف السند الهند، وخلف الهند أمة يقال لها ناسك، وخلف ذلك أمة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشر ما في الطير الذنب.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عبدة بن أبي لبابة، أن الدنيا سبعة أقاليم: فيأجوج ومأجوج في ستة أقاليم، وسائر الناس في إقليم واحد.

وأخرج ابن جرير عن وهب بن جابر الحيواني قال: سألت عبدالله بن عمرو عن يأجوج ومأجوج: أمن آدم هم؟

قال: نعم، ومن بعدهم ثلاث أمم لا يعلم عددهم إلا الله، تاويل وتاريس ومنسك.

وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن عمرو قال: يأجوج ومأجوج لهم أنهار يلقون ما شاؤوا، ونساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن حسان بن عطية قال: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة لا تشبه واحدة منهم الأخرى، ولا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن كعب قال: خلق يأجوج ومأجوج ثلاث أصناف، صنف أجسامهم كالأرز، وصنف أربعة أذرع طول وأربعة أذرع عرض، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى يأكلون مشائم نسائهم.

وأخرج ابن المنذر عن خالد الأشج قال: إن بني آدم وبني إبليس ثلاثة أثلاث: فثلثان بنو إبليس وثلث بنو آدم، وبنو آدم ثلاثة أثلاث: ثلثان يأجوج ومأجوج، وثلث سائر الناس.

والناس بعد ثلاث أثلاث، ثلث الأندلس وثلث الحبشة وثلث سائر الناس العرب والعجم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، فسد ذو القرنين على إحدى وعشرين قبيلة وترك قبيلة، وهم الأتراك.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب، أنه سئل عن الترك فقال: هم سيارة ليس لهم أصل، هم من يأجوج ومأجوج، لكنهم خرجوا يغيرون على الناس فجاء ذو القرنين فسدّ بينهم وبين قومهم، فذهبوا سيارة في الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن حسان بن عطية قال: إن يأجوج ومأجوج خمس وعشرون أمة، ليس منها أمة تشبه الأخرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي المثنى الأملوكي قال: إن الله ذرأ لجهنم يأجوج ومأجوج، لم يكن فيهم صديق قط ولا يكون أبداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة عن عبدالله بن سلام قال: ما مات رجل من يأجوج ومأجوج إلا ترك ألف ذرية لصلبه فصاعداً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن يأجوج ومأجوج شبر وشبران، وأطوالهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل وتاريس ومنسك» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر قال: الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء واحد سائر الناس.

وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق عمرو بن أوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عدي وابن عساكر وابن النجار، عن حذيفة قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج فقال: يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة بأربعمائة أمة...

لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كل قد حمل السلاح.

قلت: يا رسول الله، صفهم لنا.

قال: هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز.

قلت: وما الأرز؟

قال: شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء الذين لا يقوم لهم ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» .

وأخرج نعيم بن حماد في الفتن وابن مردويه بسند واه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وولد إبليس» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي بكر النسفي، «أن رجلاً قال: يا رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج.

قال: انعته لي.

قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة سوداء.

قال: قد رأيته» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه غداً ولا يستثني.

فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله بخروجهم على الناس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه إن شاء الله- ويستثني- فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسوة وعلواً.

فيبعث الله عليهم نغفاً في أعناقهم فيهلكون» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالذي نفس محمد بيده، إن دواب الأرض لتَسْمَن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم» .

وأخرج البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله...

ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وحلق- قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: نعم، إذا كثر الخبث» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وعقد بيده تسعين» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب الأرجاني في قوله: ﴿ إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ﴾ قال: كان فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ قال: أجراً عظيماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ما صنع الله فهو السد، وما صنع السد الناس فهو السد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ما مكني فيه ربي خير ﴾ قال: الذي أعطاني ربي هو خير من الذي تبذلون لي من الخراج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أجعل بينكم وبينهم ردماً ﴾ قال: هو كأشد الحجاب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ زبر الحديد ﴾ قال: قطع الحديد.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال: أخبرني عن قوله: ﴿ زبر الحديد ﴾ قال: قطع الحديد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه وهو يقول: تلظى عليهم حين شد حميمها ** بزبر الحديد والحجارة شاجر وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بين الصدفين ﴾ قال: الجبلين.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي، أنه كان يقرأ ﴿ بين الصدفين ﴾ بفتحتين، قال: يعني بين الجبلين.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن، أنه كان يقرأ ﴿ بين الصدفين ﴾ بضمتين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بين الصدفين ﴾ قال: رأس الجبلين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قطراً ﴾ قال: النحاس.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ قطراً ﴾ قال: نحاساً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ قال: نحاسا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ قال: نحاسا ليلزم بعضه بعضاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ قال: ما استطاعوا أن يرتقوه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ يقول: أن يعلوه ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ قال: من أسفله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ قال: جعله طريقاً كما كان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ قال: لا أدري الجبلين يعني به أم ما بينهما.

وأخرج سعيد بن منصور عن الربيع بن خيثم، أنه كان يقرأ ﴿ جعله دكاء ﴾ ممدوداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قال علي بن أبي طالب، إن يأجوج ومأجوج خلف السد، لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف لصلبه، وهم يغدون كل يوم على السد فيلحسونه وقد جعلوه مثل قشر البيض، فيقولون: نرجع غداً ونفتحه، فيصبحون وقد عاد إلى ما كان عليه قبل أن يلحس، فلا يزالون كذلك حتى يولد فيهم مولود مسلم، فإذا غدوا يلحسون قال لهم: قولوا بسم الله، فإذا قالوا بسم الله فأرادوا أن يرجعوا حين يمسون، فيقولون: نرجع غداً فنفتحه.

فيصبحون وقد عاد إلى ما كان عليه فيقول: قولوا إن شاء الله.

فيقولون: إن شاء الله.

فيصبحون وهو مثل قشر البيض فينقبونه فيخرجون منه على الناس، فيخرج أول من يخرج منهم سبعون ألفاً عليهم التيجان، ثم يخرجون من بعد ذلك أفواجاً فيأتون على النهر مثل نهركم هذا- يعني الفرات- فيشربونه حتى لا يبقى منه شيء، ثم يجيء الفوج منهم حتى ينتهوا إليه فيقولون: لقد كان هاهنا ماء مرة، وذلك قول الله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ والدكّ، التراب ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن كعب قال: إن يأجوج ومأجوج ينقرون السد بمناقرهم، حتى إذا كادوا أن يخرقوه قالوا: نرجع إليه غداً فنفرغ منه، فيرجعون إليه وقد عاد كما كان، فيرجعون فهم كذلك، وإذا بلغ الأمر ألقي على بعض ألسنتهم يقولون: نأتي إن شاء الله غداً، فنفرغ منه فيأتونه وهو كما هو فيخرقونه فيخرجون، فيأتي أولهم على البحيرة فيشربون ما كان فيها من ماء، ويأتي أوسطهم عليها فيلحسون ما كان فيها من الطين، ويأتي آخرهم عليها فيقولون: قد كان هاهنا مرة ماء.

فيرمون بسهامهم نحو السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا من في الأرض وظهرنا على من في السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم فيقول: اللهم لا طاقة لنا بهم ولا يد، فاكفناهم بما شئت.

فيبعث الله عليهم دوداً يقال له النغف، فيأخذهم في أقفائهم فيقتلهم حتى تنتن الأرض من ريحهم، ثم يبعث الله عليهم طيراً فتنقل أبدانهم إلى البحر، ويرسل الله إليهم السماء أربعين يوماً فينبت الأرض، حتى أن الرمانة لتشبع أهل البيت.

وأخرج ابن المنذر عن كعب قال: عرض أسكفة يأجوج ومأجوج التي تفتح لهم أربعة وعشرون ذراعاً تحفيها حوافر خيلهم، والعليا اثنا عشر ذراعاً تحفيها أسنة رماحهم.

وأخرج ابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: إذا خرج يأجوج ومأجوج، كان عيسى ابن مريم في ثلثمائة من المسلمين في قصر بالشام، يشتد عليهم أمرهم فيدعون الله أن يهلكهم فيسلط عليهم النغف فتنتن الأرض منهم، فيدعون الله أن يطهر الأرض منهم فيرسل الله مطراً فيسيل منهم إلى البحر، ثم يخصب الناس حتى أن العنقود يشبع منه أهل البيت.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه، عن عبدالله بن عمرو قال: يأجوج ومأجوج يمر أولهم بنهر مثل دجلة، ويمر آخرهم فيقول: قد كان في هذا النهر مرة ماء، ولا يموت رجل إلا ترك ألفاً من ذريته فصاعداً، ومن بعدهم ثلاثة أمم ما يعلم عدتهم إلا الله: تاريس وتاويل وناسك أو منسك.

وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن عساكر، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السد قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا...

فستخرقونه غداً.

قال: فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله، قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله- واستثنى- فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس فيسقون المياه، وينفر الناس منهم فيرمون سهامهم في السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا في السماء قسوة وعلوّاً، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم فيهلكهم.

قال: والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم» .

وأخرج الحاكم وصحه عن حذيفة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران أحدهما نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض فإن أدركه أحد منكم فليغمض ويشرب من الذي يراه ناراً فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر فإنه الفتنة، واعلموا أنه مكتوب بين عينيه(كافر)يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة، إنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيق، وكل أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وأنه يقتل من المسلمين ثلثا ويهزم ثلثا ويبقى ثلث ويجن عليهم الليل فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا إخوانكم في مرضاة ربكم؟

من كان عنده فضل طعام فليغدُ به على أخيه، وصلّوا حتى ينفجر الفجر، وعجلوا الصلاة، ثم أقبلوا على عدوكم.

فلما قاموا يصلون، نزل عيسى ابن مريم أمامهم فصلى بهم، فلما انصرف قال: هكذا فرّجوا بيني وبين عدو الله فيذوب، وسلط الله عليهم من المسلمين فيقتلونهم، حتى أن الشجر والحجر لينادي: يا عبدالله، يا عبد الرحمن...

يا مسلم، هذا يهودي فاقتله.

فيقتلهم الله ويُنْصر المسلمون فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية، فبينما هم كذلك أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيء آخرهم وقد انتشفوه ولم يدعوا فيه قطرة فيقولون: ظهرنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثر ماء.

فيجيء نبي الله وأصحابه وراءه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها(لد)فيقولون: ظهرنا على من في الأرض، فتعالوا نقاتل من في السماء، فيدعو الله نبيه عند ذلك فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحهم المسلمين فيدعو عيسى، فيرسل الله عليهم ريحاً فتقذفهم في البحر أجمعين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزاهرية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مقفل المسلمين من الملاحم دمشق، ومقفلهم من الدجال بيت المقدس، ومقفلهم من يأجوج ومأجوج بيت الطور على الناس» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: ذلك حين يخرجون على الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: هذا أول يوم القيامة، ثم ينفخ في الصور على أثر ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: الجن والإنس يموج بعضهم في بعض.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن هرون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: إذا ماج الجن والإنس بعضهم في بعض، قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض، ثم يظعن يميناً وشمالاً حتى ينتهي إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض فيقول: ما من محيص، فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كأنه شواظ، فأخذ عليه هو وذريته.

فبينما هو كذلك إذ هجم على النار فخرج إليه خازن من خزان النار فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟

ألم تكن في الجنان؟

فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله افترض عليّ عبادةً لعبدتُه عبادة لم يعبده أحد من خلقه.

فيقول: إن الله قد فرض عليك فريضة.

فيقول: ما هي؟

فيقول: يأمرك أن تدخل النار.

فيتلكأ عليه فيقول به وبذريته بجناحه فيقذفهم في النار، فتزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ ﴾ الآية.

قال الفراء: (أبرزناها حتى نظر إليها الكفار) (١) وقال أبو إسحاق: (تأويل ﴿ عَرَضْنَا ﴾ أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها ورأوها) (٢) (٣) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 160.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 313.

(٣) عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (31): ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ ﴾ الضمير في تركنا لله عز وجل، ويومئذ يحتمل أن يريد به يوم القيامة، لأنه قد تقدم ذكره فالضمير في قوله بعضهم على هذا لجميع الناس، أو يريد بقوله يومئذ يوم كمال السد، والضمير في قوله: بعضهم على هذا ليأجوج ومأجوج، والأول أرجح لقوله بعد ذلك: ونفخ في الصور فيتصل الكلام ويموج عبارة عن اختلاطهم واضطرابهم ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور ﴾ الصور هو القرن الذي ينفخ فيه يوم القيامة حسبما جاء في الحديث، ينفخ فيه إسرافيل نفختين إحداهما للصعق والأخرى للقيام من القبور ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ ﴾ أي أظهرناها ﴿ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ ﴾ عبارة عن عمى بصائرهم وقلوبهم، وكذلك لا يستطيعون سمعاً ﴿ أَفَحَسِبَ الذين كفروا أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دوني أَوْلِيَآءَ ﴾ يعني أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكي عنهم أنهم يقولون أنت ولينا من دونهم، والعباد هنا من عُبد مع الله ممن لا يريد ذلك؛ كالملائكة وعيسى ابن مريم ﴿ أَعْتَدْنَا ﴾ أي يسرنا ﴿ نُزُلاً ﴾ ما ييسر للضيف والقادم عند نزوله، والمعنى أن جهنم لهم بدل النزل كما أن الجنة نزل في قوله: ﴿ كانت لهم جنات الفردوس نزلا ﴾ ويحتمل أن يكون النزل موضع النزول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.

﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.

يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.

﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.

الآخرون بضمها.

﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.

﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.

والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.

الآخرون بفتح الصاد والدال.

﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.

وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.

وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.

وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.

يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.

قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.

فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.

قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.

والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.

وروي عن النبي  أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.

وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.

ويروى الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.

وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.

وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.

ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وعن علي  : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.

وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟

فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.

قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.

وقيل: كان نبياً لقوله  : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.

وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.

قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله  وأنزل فيه وحياً.

والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.

والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.

ثم إنه  شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.

"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله  على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .

فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.

وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟

فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.

أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.

روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.

ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.

وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.

حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.

فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.

وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.

فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.

وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.

الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.

الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.

الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.

ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.

وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.

فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.

وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.

وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.

سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟

وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.

وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.

وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.

ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.

أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.

وقيل: يأكلون لحومهم.

وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.

وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.

وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم  ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.

وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.

قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.

من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.

ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.

﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.

وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.

يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.

وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.

وعن رسول الله  أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟

قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: قد والله رأيته.

قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه  صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.

﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.

ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.

ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.

ثم شرع  في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.

ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.

ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.

وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.

وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.

ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.

ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.

وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.

وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.

ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟

وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.

والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.

ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.

قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.

وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي  أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة  ﴾ وروي عنه  أن منهم أهل حروراء.

وعن مجاهد: أهل الكتاب.

والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.

وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.

وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.

وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.

والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.

عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.

وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.

وعن النبي  : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.

نبه على كمال حال القرآن.

والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".

والمدد والمداد واحد.

يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً  ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً  ﴾ فنزلت هذه الآية.

يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.

قالت الأشاعرة: إن كلام الله  واحد.

واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله  .

وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله  .

وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.

وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.

قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.

أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه  أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.

ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .

وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.

واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.

"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله  : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .

وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.

قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.

والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.

قال في الكشاف: عن رسول الله  : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.

ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه  : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.

﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله  فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.

﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.

﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يجول بعضهم في بعض.

ثم يحتمل قوله: ﴿ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ ، عند السدّ الذي بناه ذو القرنين، يموجون عنده في فتح ذلك السدّ، أو يذكر هذا لكثرتهم وازدحامهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً ﴾ ظاهره على الماضي، والمراد منه: المستقبل، أي: ينفخ في الصور فيجمعهم جمعاً، ومثل هذا كثير في القرآن يذكر الماضي بحرف المستقبل، والمستقبل بحرف الماضي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً ﴾ .

يحتمل: أن يكون عرضها عليهم قبل أن يدخلوا فيها، كقوله: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ .

ويشبه أن يكون العرض كناية عن التعذيب بها بعد ما أدخلوا فيها كقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم في غير موضع أن ظلمة الكفر تستر وتحجب نور القلب، ونور كل حاسّة من حواسّه من السمع والبصر والفؤاد وغيره؛ إذ لكل حاسّة من هذه الحواس نور وضياء في سريتها ألا تبصر ولا تسمع الحق والحجة إلا بنورين جميعاً: نور الظاهر، ونور السرية والباطن.

فالكفر يستر ويغطي ذلك النور، فجعل لا يبصر الحق ولا ينظر العبر، ولا يتفكر ولا يتجلى له الحق بنور الظاهر.

وللإيمان نور وضياء، يبصر به، ويسمع، ويرفع له غطاء كل شيء حتى يتجلى له الحق، ويعرف به حسن [كل حسن] وقبح كل قبيح، فهو كما يرى الإنسان الشيء بنور بصره وبنور الهدى، فإذا ذهب أحدهما صار بحيث لا يبصر ولا يرى شيئاً؛ فعلى ذلك إنما يعرف الشيء، ويظهر له حقيقته بنورين: بنور القلب وبنور الحواس، فإذا غطى ظلمة الكفر نور القلب، صار لا يبصر شيئاً، ولا يعتبر، ولا يسمع، ولا ينطق بالحق، والإيمان ينور ذلك ويضيء، فجعل يبصر كل شيء، ويتجلى له الحق من الباطل، وعرفوا الآيات من التمويهات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ ، فيه وجهان من الدلالة: أحدهما: أنه نفى عنهم استطاعة السمع، وقد كان لهم السمع؛ فدل أن الاستطاعة التي هي استطاعة الفعل تقترن بالفعل، لا تتقدم ولا تتأخر.

والثاني: فيه دلالة أن هنالك استطاعة، هم يستفيدون بها وعد الله ويستوجبونه؛ فضيّعوها باشتغالهم بغيرها حيث عوتبوا واستوجبوا ذلك العتاب والتوبيخ بالتضييع الذي كان منهم.

فلو لم يكن [كذلك لم يكن] للعتاب والتوبيخ الذي عوتبوا ووبخوا معنى.

قال قوم: إنما نفى عنهم ذلك للاستثقال الذي كان منهم.

وقد يقال مثله على المجاز؛ للاستثقال دون الحقيقة، يقول الرجل لآخر: ما استطيع أن أنظر إليك لكذا، وهو ناظر إليه، لكن قد ذكرنا: أنه على الوجه الذي قال: لا أستطيع أن أنظر إليك وهو ناظر إليه، غير مستطيع النظر إليه وهو نظر رحمة وشفقة.

وقال بعضهم: هو على الطبع، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: إنما نفى ذلك عنهم؛ لما لم ينتفعوا به، كما نفى عنهم السمع والبصر والنطق؛ لما لم ينتفعوا به، ليس على أنهم لم يكن لهم تلك الحواس، فعلى ذلك ما نفى عنهم من الاستطاعة لما لم ينتفعوا بها، ليس على أنها ليست قبل، هكذا نفى عنهم ذلك لما عموا وصموا عن ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ ﴾ \[قيل فيه بوجوه\]: [الأول:] قال بعضهم: تأويله: أفحسب الذين عبدوا في الدنيا الملائكة والرسل واتخذوهم من دوني أولياء أن يكونوا لهم أولياء في الآخرة، ويتولون شفاعتهم يشفعون لهم وينصرون، كلا لن يصيروا لهم أولياء، كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ .

والثاني: ﴿ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي ﴾ المخلصين ﴿ دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ ﴾ ويتولونهم، أي: لا يقدرون على أن يتخذوا أولياء من دوني، وقد كانوا يدعون المؤمنين إلى دينهم، والتولي لهم، وهو ما قال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ  ﴾ .

والثالث: ﴿ أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ أن ما عبدوا واتخذوا ﴿ مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ ﴾ أني أمرتهم بذلك أو أذنت لهم حيث قالوا: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ونحوه، كلا إنه [ما] أمرهم بذلك أو أذن لهم في ذلك.

ومن قرأ: ﴿ أَفَحَسِبُ ﴾ على الجزم فهو على إسقاط ألف الاستفهام، يعني: فحسب الذين كفروا، فهو يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: فحسب الذين كفروا واتخذوا عبادي من دوني أولياء ما أعتدنا لهم من جهنم، كقوله: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا...

﴾ الآية [المجادلة: 8].

والثاني: أحسب الذين كفروا ما اتخذوا من دوني أولياء، أي: أما كفاهم ذلك وما حان لأن يرجعوا إلى عبادتي وألوهيتي، وقد أقمت لهم الآيات والحجج على ذلك.

والثالث: حسب لهم من الذل ما اتخذوا من دوني أولياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً ﴾ .

قال بعضهم: نزلاً هو النزول وهو من النزول.

وقال بعضهم: هو المنزل والإنزال، أي: يأكلون فيها النار؛ يكون مأكلهم ومشربهم من النار.

قال القتبي: النزل ما يقدم للضيف ولأهل العسكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يشبه أن يكون هذا خرج على مقابلة قول كان من رؤساء الكفرة وجواب لهم، وهو أن الرؤساء منهم كانوا يوسعون الدنيا على بعض أتباعهم ويحسنون إليهم، ثم صار أولئك الأتباع أتباعاً لرسول الله ودخلوا في دينه فضاقت عليهم الدنيا، وذهبت المنافع التي كانت لهم منهم، فعيرهم بذلك أولئك الكفرة، ووبخوهم على ما اختاروا من الدين أنه لو كان حقّاً لاتسع عليهم، [في] الدنيا كما اتسع علينا وعليهم ما داموا على ديننا، أو كلاماً نحو هذا، فأجابهم الله بذلك، فقال: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً...

﴾ الآية.

ويحتمل: أن يكون على الابتداء في أهل الصوامع منهم والرهبان الذين اعتزلوا النساء، وحبسوا أنفسهم لعبادة الأصنام والأوثان، وجهدوها فيها، وحملوا على أنفسهم الشدائد والمشقة، فأخبر - عز وجل - أن هؤلاء أخسرهم أعمالاً وأضلهم سعياً من الذين طلبوا الدنيا والرّياسة فيها، ولم يفعلوا ما فعل هؤلاء وإن كانوا في الكفر سواء.

والأخسر: هو الوصف بالخسران والنهاية والغاية، وجائز أن يستعمل (أفعل) في موضع (فعل)، هذا في اللغة غير ممتنع، فيكون تأويله: قل هل ننبئكم بالخاسرين أعمالاً، كقوله: الله أكبر، أي: كبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ ضَلَّ ﴾ : أي: ذلوا لعبادتهم التي عبدوا تلك الأوثان والأصنام، وخذلوا أنفسهم بذلك، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدنْيَا وَٱلآخِرَة  ﴾ : أذلوا أنفسهم في الدنيا بعبادتهم الأصنام.

والثاني: ﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ الذي سعوا في الدنيا بعبادتهم الأصنام في الآخرة؛ لأنهم قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، ونحوه، فَضلَّ ما أمَّلوا في الآخرة بسعيهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ وهم يحسبون بعبادتهم الأصنام التي عبدوها أنهم يحسنون بما أنفقوا على أولئك ووسعوا أنهم يحسنون صنعاً، أي: خيراً أو معروفاً، أي: ليس لهم ذلك بصنع للخير، وفيه دلالة أنهم يؤاخذون بفعلهم الذي فعلوا، وإن جهلوا الحق، وهكذا قولنا: إن من فعل فعلاً وهو جاهل، فإنه يؤاخذ به بعد أن يكون له سبيل الوصول إلى الحق بالطلب أو بالتعلم، حيث هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

ثم أخبر من هم؟

فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ : حججه وبراهينه.

وقال الحسن: دينه، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.

وقوله: ﴿ وَلِقَائِهِ ﴾ البعث أو المصير إليه، وهو مذكور أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾ .

أي: لا نقيم لهم وزناً، وهو ما قال - عز وجل -: { ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُم  ﴾ فإذا لم تربح لهم [كانت] حسرات عليهم.

وقوله: ﴿ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ  ﴾ ، هذا يدل أن قوله: ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾ ، قد يقام عليهم الوزن.

ثم أخبر - عز وجل - عن جزائهم؛ فقال: ﴿ ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأظهرنا جهنم للكافرين إظهارًا لا لبس معه ليشاهدوها عيانا.

<div class="verse-tafsir" id="91.jbzMy"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله