الآية ٤٥ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٤٥ من سورة الكهف

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَـٰحُ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( واضرب ) يا محمد للناس ( مثل الحياة الدنيا ) في زوالها وفنائها وانقضائها ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) أي : ما فيها من الحب ، فشب وحسن ، وعلاه الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله ( فأصبح هشيما ) يابسا ( تذروه الرياح ) أي : تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) أي : هو قادر على هذه الحال ، وهذه الحال ، وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما في سورة " يونس " : ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ) الآية [ يونس : 24 ] ، وقال في سورة " الزمر " : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) [ الزمر : 21 ] ، وقال في سورة " الحديد " : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) [ الحديد : 20 ] .

وفي الحديث الصحيح : " الدنيا حلوة خضرة "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) يقول عزّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واضرب لحياة هؤلاء المستكبرين الذين قالوا لك: اطرد عنك هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ، إذا نحن جئناك الدنيا منهم مثلا يقول: شبها( كَمَاءٍ أَنـزلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ) يقول: كمطر أنـزلناه من السماء ( فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ) يقول: فاختلط بالماء نبات الأرض ( فَأَصْبَحَ هَشِيمًا ) يقول: فأصبح نبات الأرض يابسا متفتتا( تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ) يقول تطيره الرياح وتفرّقه ، يقال منه: ذَرَته الريح تَذْروه ذَرْوًا، وذَرتْه ذَرْيا، وأذرته تذْرِيهِ إذراء ، كما قال الشاعر: فَقُلْــتُ لَــهُ صَـوّبْ ولا تُجْهِدَنَّـهُ فَيُـذْرِكَ مِـنْ أُخْـرَى القَطـاةِ فَتزْلَقِ (7) يقال: أذريت الرجل عن الدابة والبعير: إذا ألقيته عنه.

وقوله: (وكان الله على كل شيء مقتدرا) يقول: وكان الله على تخريب جنة هذا القائل حين دخل جنته: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وإهلاك أموال ذي الأَمْوَالِ الباخلين بها عن حقوقها، وإزالة دنيا الكافرين به عنهم، وغير ذلك مما يشاء قادر، لا يعجزه شيء أراده، ولا يعْييه أمر أراده.

يقول: فلا يفخر ذو الأموال بكثرة أمواله، ولا يستكبر على غيره بها، ولا يغترنّ أهل الدنيا بدنياهم، فإنما مَثَلُها مثل هذا النبات الذي حَسُن استواؤه بالمطر، فلم يكن إلا رَيْثَ أن انقطع عنه الماء، فتناهى نهايته، عاد يابسا تذروه الرياح، فاسدا، تنبو عنه أعين الناظرين ، ولكن ليعمل للباقي الذي لا يفنى، والدائم الذي لا يبيد ولا يتغير.

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) البيت من شواهد النحويين ، على أن ثبوت ألف " أنا " في الوصل عند غير بني تميم لا يكون إلا في ضرورة الشعر .

( خزانة الأدب للبغدادي 2 : 390 ) ثم قال : قال ابن جني في شرح تصريف المازني : أما الألف في " أنا " في الوقف فزائدة ، ليست بأصل ؛ ألا ترى أنك تقول في الوصل : أن زيد ، كما قال تعالى : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ تكتب بألف بعد النون ، وليست الألف في اللفظ ، وإنما كتبت على الوقف ، فصار سقوط الألف في الوصل ، كسقوط الهاء التي تلحق في الوقف لبيان الحركة في الوصل وبينت الحركة بالألف كما بينت بالهاء ، لأن الهاء مجاورة للألف .

ا هـ .

و " حميدا " بدل من الياء في اعرفوني ، يروى مصغرا ومكبرا .

وفي الصحاح : " جميعا في موضع " حميدا " .

وتذريت السنام : علوته .

ونسب ياقوت هذا البيت في حاشية الصحاح إلى حميد بن بحدل ، شاعر .

وهو حميد بن حريث بن بحدل ، من بني كلب بن وبرة ، ينتهي نسبه إلى قضاعة .

وهو شاعر إسلامي ، كانت عمته ميسون بنت بحدل ، أم يزيد بن معاوية .

(2) البيت لعمرو بن كلثوم فارس تغلب وسيدها ، من معلقته المشهورة ، ورواية الشطر الأول منه في شرح التبريزي والزوزني وجمهرة أشعار العرب طبع القاهرة : " تركنا الخيل عاكفة عليه " .

قال الزوزني : الصفون : جمع صافن .

وقد صفن الفرس يصفن صفونا : إذا قام على ثلاث ، وثنى سنبكه الرابع .

يقول : قتلناه ، وحبسنا خيلنا عليه ، وقد قلدناها أعنتها في حال صفونها عنده .

والبيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 403 ) قال : " أو يصبح ماؤها غورا " أي غائرا .

وللعرب قد تصف الفاعل بمصدره ، وكذلك الاثنين والجمع ، على لفظ المصدر قال عمرو بن كلثوم " تظل جياده نوحا عليه " .

.

.

البيت : أي نائحات .

(3) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 404 ) قال بعد الشاهد السابق : وقال باك يبكي هشام بن المغيرة : " هريقي .

.

.

البيت " قال خفقه لعله هشام بن عقبة بن عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي .

ا هـ .

والشاهد فيه كالشاهد في البيت الذي قبله ، يريد بقوله " نوحا " .

نائحات ، وهذا في المصدر كثير .

وضباع مرخم ضباعة : اسم امرأة .

(4) البيت للعجاج من أرجوزة له مطولة ( أراجيز العرب للسيد محمد توفيق البكري طبعة القاهرة سنة 1346 ص 184 ) وقبله : * يحـــوذهن ولــه حــوذي * * خـوف الخـلاص وهـو أجنبي * * كمــا يحــوذ الفئـة الكـمي * وقال في شرحه : ويحوذ : يسوق ويطرد .

وله حوذي : أي له ما يطردهن به .

والكمي : الشجاع .

وأجنبي : أي مجانب لهن ، متخوف ، ولا يمكنهن من نفسه .

ا هـ .

و ( في اللسان : حوذ ) حاذ الإبل يحوذها : إذا حازها وجمعها ليسوقها .

وحاذه يحوذه حوذا : غلبه ، وحاذ الحمار أتنه : إذا استولى عليها وجمعها ، وكذلك حازها ، والفئة : الفرقة والجماعة من الناس في الأصل ، والطائفة التي تقيم وراء الجيش ، فإن كل عليهم خوف أو هزيمة التجئوا إليهم .

(5) لعل كلمة " بطول " هذه مقحمة من قلم الناسخ ، وأن الأصل ، لا الباطل ألوهيته .

.

.

ألخ .

(6) سقط من قلم الناسخ القراءة الثانية ، وهي : عقبا ، بضم العين والقاف .

(7) البيت لامرئ القيس بن حجر ( مختار الشعر الجاهلي طبعة مصطفى البابي الحلبي بشرح مصطفى السقا ص 125 ) قال في شرحه : فيدرك : يصرعك ويلقك ؛ يقال : أذريت الشيء عن الشيء : إذا والقطاة : مقعد الرديف.

يقول : قلت للغلام : صواب الفرس نحو القصد ، وخذ عفوه ، ولا تحمله على سرعة العدو ، فيلقيك من آخر القطاة .

ويروى : من أعلى القطاة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا قوله تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك [ ص: 368 ] طرد فقراء المؤمنين مثل الحياة الدنيا ، أي شبهها .كماء أنزلناه من السماء فاختلط به أي بالماء .نبات الأرض حتى استوى .

وقيل : إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء ; لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر .

وقد تقدم هذا المعنى في " يونس " مبينا .

وقالت الحكماء : إنما شبه - تعالى - الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع ، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد ، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا ، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى ، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها ، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا ، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا ، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر .

وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له رجل : يا رسول الله ، إني أريد أن أكون من الفائزين ; قال : ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يطغي .

وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه .فأصبح أي النبات .هشيما أي متكسرا من اليبس متفتتا ، يعني بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه .

والهشم : كسر الشيء اليابس .

والهشيم من النبات اليابس المتكسر ، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء .

ومنه قولهم : ما فلان إلا هشيمة كرم ; إذا كان سمحا .

ورجل هشيم : ضعيف البدن .

وتهشم عليه فلان إذا تعطف .

واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه .

ويقال : هشم الثريد ; ومنه سمي هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو ، وفيه يقول عبد الله بن الزبعرى :عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافوكان سبب ذلك أن قريشا أصابتهم سنون ذهبن بالأموال فخرج هاشم إلى الشام فأمر بخبز كثير فخبز له ، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة ، وهشم ذلك الخبز ، يعني كسره وثرده ، ونحر تلك الإبل ، ثم أمر الطهاة فطبخوا ، ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة ; فكان ذلك أول الحباء بعد السنة التي أصابتهم ; فسمي بذلك هاشما .تذروه الرياح أي تفرقه ; قاله أبو عبيدة .

ابن قتيبة : تنسفه .

ابن كيسان : تذهب به وتجيء .

ابن عباس : تديره ; والمعنى متقارب .

وقرأ طلحة بن مصرف " تذريه الريح " .

قال الكسائي : وفي قراءة [ ص: 369 ] عبد الله " تذريه " .

يقال : ذرته الريح تذروه ذروا و [ تذريه ] ذريا وأذرته تذريه إذراء إذا طارت به .

وحكى الفراء : أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته .

وأنشد سيبويه والفراء :فقلت له صوب ولا تجهدنه فيذرك من أخرى القطاة فتزلققوله تعالى : وكان الله على كل شيء مقتدرا من الإنشاء والإفناء والإحياء ، سبحانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا، ولمن قام بوراثته بعده تبعا: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار.

وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيما تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالح، أو سيئ أعماله، هنالك يعض الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العود إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات، فالعاقل الجازم الموفق، يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه: قدري أنك قد مت، ولا بد أن تموتي، فأي: الحالتين تختارين؟

الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل، لدار أكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؟

فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واضرب لهم ) يا محمد أي : لقومك ( مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ) يعني المطر ( فاختلط به نبات الأرض ) خرج منه كل لون وزهرة ( فأصبح ) عن قريب ( هشيما ) يابسا قال ابن عباس وقال الضحاك : كسيرا والهشيم : ما يبس وتفتت من النباتات فأصبح هشيما ( تذروه الرياح ) قال ابن عباس : تثيره الرياح وقال أبو عبيدة : تفرقه .

وقال القتيبي : تنسفه ( وكان الله على كل شيء مقتدرا ) قادرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واضرب» صير «لهم» لقومك «مثل الحياة الدنيا» مفعول أول «كماء» مفعول ثان «أنزلناه من السماء فاختلط به» تكاثف بسبب نزول الماء «نبات الأرض» أو امتزج الماء بالنبات فَرَوِيَ وَحَسُن «فأصبح» صار النبات «هشيما» يابسا متفرقة أجزاؤه «تذروه» تنثره وتفرقه «الرياح» فتذهب به، المعنى: شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الرياح وفي قراءة الريح «وكان الله على كل شيء مقتدرا» قادرا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واضرب أيها الرسول للناس -وبخاصة ذوو الكِبْر منهم - صفة الدنيا التي اغترُّوا بها في بهجتها وسرعة زوالها، فهي كماء أنزله الله من السماء فخرج به النبات بإذنه، وصار مُخْضرًّا، وما هي إلا مدة يسيرة حتى صار هذا النبات يابسًا متكسرًا تنسفه الرياح إلى كل جهة.

وكان الله على كل شيء مقتدرًا، أي: ذا قدرة عظيمة على كل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال الإِمام الرازى : " اعلم أن المقصود : اضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا ، وقلة بقائها .

والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين .

.

" .والمعنى .

واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما يشبه هذه الحياة الدنيا فى حسنها ونضارتها ، ثم فى سرعة زوال هذا الحسن والنضارة ، لكى لا يركنوا إليها ، ولا يجعلوها أكبر همهم ، ومنتهى آمالهم .وقوله : ( كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء .

.

) بيان للمثل الذى شبه الله - تعالى - به الحياة الدنيا أى : مثلها فى ازدهارها ثم فى زوال هذا الازدهار ، كهيئة أو كصفة ماء أنزلناه بقدرتنا من السماء ، فى الوقت الذى نريد إنزاله فيه .( فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ) والاختلاط والخلط : امتزاج شيئين فأكثر بعضهما ببعض .أى : كماء أنزلناه من السماء ، فاختلط وامتزج بهذا الماء نبات الأرض ، فارتوى منه وصار قويا بهيجا يعجب الناظرين إليه .وفى التعبير بقوله : ( فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ) دون قوله : فاختلط بنبات الأرض إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء ، وإلى أنه السبب الأساسى فى ظهور هذا النبات ، وفى بلوغه قوته ونضارته .وقوله : ( فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح ) بيان لما صار إليه هذا النبات من يبوسته وتفتته ، بعد اخضراره وشدته وحسنه .قال القرطبى ما ملخصه : ( هشيما ) أى متكسرا متفتتا ، يعنى بانقطاع الماء عنه ، فحذف ذلك إيجازا لدلالة الكلام عليه ، والهشم ، كسر الشئ اليابس .

والهشيم من النبات : اليابس المتكسر .

.

ورجل هشيم : ضعيف البدن .و ( تذروه الرياح ) أى تفرقه وتنفسه .

.

يقال : ذرت الريح الشئ تذروه ذروا ، إذا طارت به وأذهبته .أى : فأصبح النبات بعد اخضراره ، يابسا متفتتا ، تفرقه الرياح وتنسفه وتذهب به حيث شاءت وكيف شاءت .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا فى حسنها وجمال رونقها ، ثم فى سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك ، بحال النبات الذى نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه ، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت .والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - فاختلط .

فأصبح .

.

يزيد الأسلوب القرآنى جمالا وبلاغة ، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التى استمر فيها النبات نضرا جميلا ، ثم صار هشيما تذروه الرياح .وهكذا الحياة تبدو للمتشبثين بها ، جميلة عزيزة ، ولكنها سرعان ما تفارقهم ويفارقونها ، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ، ( وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ) أى : وكان الله - تعالى - وما زال - على كل شئ من الأشياء التى من جملتها الإِنشاء والإِفناء؛ كامل القدرة ، لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء .وقد ذكر - سبحانه - ما يشبه هذه الآية فى سور كثيرة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود: اضرب مثلاً آخر يدل على حقارة الدنيا وقلة بقائها والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين فقال: ﴿ واضرب لَهُم ﴾ أي لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين: ﴿ مَثَلُ الحياة الدنيا ﴾ ثم ذكر المثل فقال: ﴿ كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ﴾ وحينئذ يربو ذلك النبات ويهتز ويحسن منظره كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ  ﴾ ثم إذا انقطع ذلك مدة جف ذلك النبات وصار هشيماً، وهو النبت المتكسر المتفتت.

ومنه قوله: هشمت أنفه وهشمت الثريد.

وأنشد: عمرو الذي هشم الثريد لأهله *** ورجال مكة مسنتون عجاف وإذا صار النبات كذلك طيرته الرياح وذهبت بتلك الأجزاء إلى سائر الجوانب: ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيء مُّقْتَدِرًا ﴾ بتكوينه أولاً وتنميته وسطاً وإبطاله آخراً وأحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلاً قليلاً ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الهلاك والفناء؛ ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.

والباء في قوله: ﴿ فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ﴾ فيه وجوه: الأول: التقدير فاختلط بعض أنواع النبات بسائر الأنواع بسبب هذا الماء وذلك لأن عند نزول المطر يقوي النبات ويختلط بعضه بالبعض ويشتبك بعضه بالبعض ويصير في المنظر في غاية الحسن والزينة.

والثاني: فاختلط ذلك الماء بالنبات واختلط ذلك النبات بالماء حتى روى ورف رفيفاً.

وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منها بصفة صاحبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ﴾ فالتفّ بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً.

وقيل: نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روي ورف رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنبات الأرض.

ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه.

والهشيم: ما تهشم وتحطم، الواحدة هشيمة.

وقرئ ﴿ تذروه الريح ﴾ وعن ابن عباس: تذريه الرياح، من أذرى: شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات يكون أخضر وارفاً ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيْء ﴾ من الإنشاء والإفناء ﴿ مُّقْتَدِرًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ واذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُ الحَياةَ الدُّنْيا في زَهْرَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها أوْ صِفَتِها الغَرِيبَةِ.

﴿ كَماءٍ ﴾ هي كَماءٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ (اضْرِبْ) عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صَيِّرَ.

﴿ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ فالتَفَّتْ بِسَبَبِهِ وخالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا مِن كَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ، أوْ نَجَعَ في النَّباتِ حَتّى رَوى ورَفَّ وعَلى هَذا كانَ حَقُّهُ فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ صاحِبِهِ عَكَسَ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَتِهِ.

﴿ فَأصْبَحَ هَشِيمًا ﴾ مَهْشُومًا مَكْسُورًا.

﴿ تَذْرُوهُ الرِّياحُ ﴾ تُفَرِّقُهُ، وقُرِئَ « تُذْرِيهِ» مِن أذْرى والمُشَبَّهُ بِهِ لَيْسَ الماءَ ولا حالَهُ بَلِ الكَيْفِيَّةُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ، وهي حالُ النَّباتِ المُنْبَتِ بِالماءِ يَكُونُ أخْضَرَ وارِفًا ثُمَّ هَشِيمًا تُطَيِّرُهُ الرِّياحُ فَيَصِيرُ كَأنْ لَمْ يَكُنْ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الإنْشاءِ والإفْناءِ.

﴿ مُقْتَدِرًا ﴾ قادِرًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)

{واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاء أنزلناه

من السماء} أي هو كما أنزلناه {فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض} فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً أو أثر في النبات الماء فاختلط به حتى روى {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا} يابساً متكسراً الواحدة هشيمة {تَذْرُوهُ الرياح} تنسفه وتطيره الريح حمزة وعلي {وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء} من الإنشاء والإفناء {مُّقْتَدِرًا} قادراً شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والإفناء بحال النبات يكون اخضر ثم يهج فتطيره الريح كأن لم يكن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيِ اذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُها في زَهْرَتِها ونَضارَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها لِئَلّا يَغْتَرُّوا بِها ولا يُضْرِبُوا عَنِ الآخِرَةِ صَفْحًا بِالمَرَّةِ أوِ اذْكُرْ لَهم صِفَتَها العَجِيبَةَ الَّتِي هي في الغَرابَةِ كالمَثَلِ وبَيِّنْها لَهم.

﴿ كَماءٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المَثَلِ؛ أيْ: هي ﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ﴾ وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِ «اضْرِبْ» عَلى أنَّهُ بِمَعْنى صَيِّرْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الكافَ تَنْبُو عَنْهُ إلّا أنْ تَكُونَ مُقْحَمَةً.

ورُدَّ بِأنَّهُ مِمّا لا وجْهَ لِأنَّ المَعْنى صَيِّرِ المَثَلَ هَذا اللَّفْظَ فالمَثَلُ بِمَعْنى الكَلامِ الواقِعِ فِيهِ التَّمَثُّلُ.

وقالَ الحُوفِيُّ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ضَرْبًا كَماءٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

﴿ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ أيْ: فاشْتَبَكَ وخالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا لِكَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ سَقْيِ الماءِ إيّاهُ أوِ المُرادُ فَدَخَلَ الماءُ في النَّباتِ حَتّى رُوِيَ ورَفَّ، وكانَ الظّاهِرُ في هَذا المَعْنى فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ لِأنَّ المَعْرُوفَ في عُرْفِ اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ دُخُولُ الباءِ عَلى الكَثِيرِ الغَيْرِ الطّارِئِ وإنْ صَدَقَ بِحَسْبِ الوَضْعِ عَلى كُلٍّ مِنَ المُتَداخِلَيْنِ أنَّهُ مُخْتَلِطٌ ومُخْتَلَطٌ بِهِ إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ الماءِ حَتّى كَأنَّهُ الأصْلُ الكَثِيرُ، فَفي الكَلامِ قَلْبٌ مَقْبُولٌ ﴿ فَأصْبَحَ ﴾ ذَلِكَ النَّباتُ المُلْتَفُّ إثْرَ بَهْجَتِهِ ونَضارَتِهِ ﴿ هَشِيمًا ﴾ أيْ: يابِسًا مُتَفَتِّتًا، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقِيلَ: جَمْعُ هَشِيمَةٍ وأصْبَحَ بِمَعْنى صارَ فَلا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الخَبَرِ بِالصَّباحِ كَما في قَوْلِهِ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا وقِيلَ: هي عَلى ظاهِرِها مُفِيدَةٌ لِتَقْيِيدِ الخَبَرِ بِذَلِكَ لِأنَّ الآفاتِ السَّماوِيَّةَ أكْثَرُ ما تَطْرُقُ لَيْلًا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِكَوْنِهِ هَشِيمًا لِآفَةٍ سَماوِيَّةٍ بَلِ المُرادُ بَيانُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ بَعْدَ النَّضارَةِ مِنَ اليُبْسِ والتَّفَتُّتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى ﴾ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى ﴾ ﴿ تَذْرُوهُ الرِّياحُ ﴾ أيْ: تُفَرِّقُهُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ الأخْفَشُ: تَرْفَعُهُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: تَجِيءُ بِهِ وتَذْهَبُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «تُذْرِيهِ» مِن أذْرى رُباعِيًّا وهو لُغَةٌ في ذَرى وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ والأعْمَشُ وطِلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وابْنُ مُحَيْصِنٍ وخَلَفٌ وابْنُ عِيسى وابْنُ جَرِيرٍ: «تَذْرُوهُ الرِّيحُ» بِالإفْرادِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ نَفْسَ الماءِ بَلْ هو الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ وهي حالُ النَّباتِ المُنْبَتِ بِالماءِ يَكُونُ أخْضَرَ مُهْتَزًّا ثُمَّ يَصِيرُ يابِسًا تُطَيِّرُهُ الرِّياحُ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وعَبَّرَ بِالفاءِ في الآيَةِ لِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ زَوالِهِ وصَيْرُورَتِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَيْسَتْ فَصِيحِيَّةً، وقِيلَ: هي فَصِيحِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ فَزَّها ومَكَثَ مُدَّةً فَأصْبَحَ هَشِيمًا ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْشاءُ والإفْناءُ ﴿ مُقْتَدِرًا ﴾ كامِلَ القُدْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي جنداً وقوماً وأعواناً يمنعونه من عذاب الله.

وَما كانَ مُنْتَصِراً، أي ممتنعاً هو بنفسه.

قرأ حمزة والكسائي وَلَمْ يَكُن بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث وقال الزجاج: لو قال نصره، لجاز وإنما ينصره على المعنى، أي أقواماً ينصرونه.

هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ، أي عند ذلك وهو يوم القيامة، يعني: السلطان والحكم لله الحق لا ينازعه أحد في ملكه يومئذٍ، وهذا كقوله: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: 19] .

فمن قرأ الْحَقِّ بكسر القاف جعله نعتاً لله ومن قرأ بالضم جعله نعتاً للولاية.

قرأ حمزة هُنالِكَ الْوَلايَةُ بكسر الواو وضم القاف، وقرأ الباقون الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ الْوَلايَةُ بنصب الواو وكسر القاف، وقال بعضهم: الْوَلايَةُ بالكسر والنصب لغتان، وقيل: بالكسر مصدر الوالي، يقال: والي بين الولاية، وبالنصب مصدر الولي بين الولاية.

هُوَ خَيْرٌ ثَواباً، أي خير من أثاب العبد وَخَيْرٌ عُقْباً، أي خير من أعقب.

قرأ حمزة وعاصم عُقْباً بجزم القاف، وقرأ الباقون بضم القاف، ومعناهما واحد وهو العاقبة.

فبيّن الله تعالى حال الأخوين في الدنيا وبيّن حالهما في الآخرة في سورة الصافات في قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: 51] إلى قوله: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات: 55] .

ثم قال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي للمشركين، شبه ما في الدنيا من الزينة والزهرة.

كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، وهو المطر.

فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، أي اختلط الماء بالنبات، لأن الماء إذا دخل في الأرض ينبت به النبات، فكأنه اختلط به، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ.

وفي الآية مضمر، ومعناه: فاختلط الماء بنبات الأرض فنبت وحسن، حتى إذا بلغ أرسل الله آفة فأيبسته فصار هشيماً، أي صار يابساً متكسراً بعد حسنه.

قال القتبي: وأَصْلُهُ من هشمت الشيء إذا كسرته، ومنه سمي الرجل هاشماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، أَي ذرته الرياح كالرماد ولم يبق منه شيء، فكذلك الدنيا في فنائها وزوالها تهلك إذا جاءت الآخرة وما فيها من الزهرة.

وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، أي قادراً من البعث وغيره.

قرأ حمزة والكسائي: الريح بلفظ الوحدان، وقرأ الباقون الرِّياحُ بلفظ الجماعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الدارُ خُوَاءً ممدوداً: / أقْوَتْ وكذلك إِذا سقطَتْ، ومنه قوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: ٥٢] أي: خاليةً، ويقال: ساقطة كما قال: فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [الحج: ٤٥] أي ساقطة على سقوفها.

انتهى وهو تفسيرٌ بارعٌ، وبه أقولُ، وقد تقدَّم إِيضاحُ هذا المعنى في «سورة البقرة» .

وقوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً قال بعض المفسِّرين: هي حكايةٌ عن مقالة هذا الكافِرِ في الآخرة، ويحتملُ أن يكون قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلولِ المُصيبة، ويكون فيها زَجْرٌ لكَفَرة قريشٍ وغيرهم، «والفئة» : الجماعة التي يُلْجأُ إِلى نَصْرها.

وقوله سبحانه: هُنالِكَ يحتمل أنْ تكون ظرفاً لقوله: مُنْتَصِراً ويحتمل أن يكون الْوَلايَةُ مبتدأ، وهُنالِكَ: خبره، وقرأ حمزة «١» والكسائيُّ: «الوِلاَيَةُ- بكسر الواو-، وهي بمعنى الرِّيَاسَة ونحوه، وقرأ الباقون: «الوَلاَيَة» - بفتح الواو- وهي بمعنى المُوَالاَة والصِّلة ونحوه، وقرأ أبو عمرو «٢» والكَسائيُّ: «الْحَقُّ» بالرفع على النعت ل «الولايةُ» وقرأ الباقون بالخفضِ على النعت لِلَّهِ عزَّ وجلَّ، وقرأ الجمهور: «عُقُباً» - بضم العين والقاف- وقرأ حمزة وعاصم- بسكون «٣» القاف- والعقب- والعقب: بمعنى العاقبة.

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨)

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا يريد حياة الإنسان، كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ

، أي: فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب النماءِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً أصبح عبارة عن صيرورته إِلى ذلك، و «الهَشِيم» المتفتِّت من يابس العُشْب، وتَذْرُوهُ بمعنى تفرِّقه، فمعنى هذا المَثَل تشبيهُ حالِ المَرْء في حياته ومالِهِ وعزَّته وبَطَره، بالنَّبات الذي له خُضْرة ونَضْرة عن الماءِ النازل، ثم يعودُ بعد ذلك هشيماً، ويصير إِلى عُدْم، فمن كان له عَمَلٌ صالح يبقى في الآخرةِ، فهو الفَائِزُ.

وقوله سبحانه: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا لفظه الخبر، لكنْ معه قرينة الصِّفة للمال والبنين لأنه في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّر أمْرَ الدنيا وبيَّنه فكأنه يقول: المال والبنون زينةُ هذه الحياة الدنيا المحقّرة، فلا تتبعوها نفوسكم، والجمهور أنّ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ.

هي الكلماتُ المذكورُ فضْلُها في الأحاديث: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» ، وقد جاء ذلك مصرّحا به من لفظ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «وَهُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالحَاتُ» .

وقوله سبحانه: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا أي: صاحبها ينتظرُ الثَّواب، وينبسطُ أمله، فهو خَيْرٌ من حال ذي المَالِ والبنينَ، دون عَمَلٍ صالحٍ، وعن أبي سعيد الخدريِّ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» قيلَ: وَمَا هُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قالَ: «التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ وَالحَمْدُ للَّهِ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة/ إِلاَّ باللَّه» «١» رواه النسائيُّ وابنُ حِبَّان في «صحيحه» انتهى من «السلاح» .

وفي «صحيح مسلم» عن سمرة بن جندب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أحَبُّ الكَلاَمِ إِلى اللَّهِ تَعَالى أَرْبَعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبُرُ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» «٢» وفي «صحيح مُسْلِم» ، عن أبي مالِكٍ الأشعريِّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «الطُّهوُرُ شَطْرُ الإِيمَانِ والحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن أو تَمُلأُ مَا بَيْنَ السموات والأَرْضِ ...

» «٣» الحديث انتهى.

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وروى مالكٌ عن سعيد بن المسيَّب، أنَّ الباقيات الصالحات قولُ العبْدِ: اللَّهُ أكْبَرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلا اللَّه، ولا حَوْلَ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ؛ أيْ: في سُرْعَةِ نَفادِها وذَهابِها، وقِيلَ: في تَصَرُّفِ أحْوالِها، إذْ مَعَ كُلِّ فَرْحَةٍ تَرِحَةٍ، وهَذا مُفَسَّرٌ في سُورَةِ ( يُونُسَ: ٢٤ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ فَأصْبَحَ هَشِيمًا ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: الهَشِيمُ: كُلُّ شَيْءٍ كانَ رَطْبًا فَيَبِسَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الهَشِيمُ: النَّباتُ الجافُّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الهَشِيمُ مِنَ النَّبْتِ: المُتَفَتِّتُ، وأصْلُهُ مَن هَشَّمْتُ الشَّيْءَ: إذا كَسَرْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ هاشِمًا.

و ﴿ تَذْرُوهُ الرِّياحُ ﴾ تَنْسِفُهُ.

وقَرَأ أُبَيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( تُذْرِيهِ ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وهاءٌ مَكْسُورَةٌ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ التّاءَ.

والمُقْتَدِرُ: مُفْتَعِلٌ، مِن قَدَرْتُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الإنْشاءِ والإفْناءِ، ﴿ مُقْتَدِرًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا ﴾ ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاخْتَلَطَ بِهِ ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ  ﴾ ، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ اللهُ ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ.

وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.

فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم.

وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ  مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا ﴾ ، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ الآيَةُ.

التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا.

وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها.

"وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ.

ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.

وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.

والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ.

وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم.

﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،» ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان أعظم حائل بين المشركين وبين النظر في أدلة الإسلام انهماكهم في الإقبال على الحياة الزائلة ونعيمها، والغرور الذي غر طغاة أهل الشرك وصرفهم عن إعمال عقولهم في فهم أدلة التوحيد والبعث كما قال تعالى: ﴿ وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا ﴾ [المزمل: 11]، وقال: ﴿ أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾ [القلم: 14 15].

وكانوا يحسبون هذا العالم غير آيل إلى الفناء ﴿ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ [الجاثية: 24].

وما كان أحد الرجلين اللذين تقدمت قصتهما إلا واحداً من المشركين إذ قال: ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ [الكهف: 36].

فأمر الله رسوله بأن يضرب لهم مثل الحياة الدنيا التي غرتهم بهجتها.

والحياة الدنيا: تطلق على مدة بقاء الأنواع الحية على الأرض وبقاء الأرض على حالتها.

فإطلاق اسم الحياة الدنيا} على تلك المدة لأنها مدة الحياة الناقصة غير الأبدية لأنها مقدر زوالها، فهي دُنيا.

وتطلق الحياة الدنيا على مدة حياة الأفراد، أي حياة كل أحد.

ووصفُها ب (الدنيا) بمعنى القريبة، أي الحاضرة غير المنتظرة، كنى عن الحضور بالقرب، والوصف للاحتراز عن الحياة الآخرة وهي الحياة بعد الموت.

والكاف في قوله: ﴿ كماء ﴾ في محل الحال من (الحياة) المضاف إليه (مثل).

أي اضرب لهم مثلاً لها حال أنها كماء أنزلناه.

وهذا المثل منطبق على الحياة الدنيا بإطلاقيها، فهما مرادان منه.

وضمير ﴿ لهم ﴾ عائد إلى المشركين كما دل عليه تناسق ضمائر الجمع الآتية في قوله: ﴿ وحشرناهم فلم نغادر منهم وعرضوا بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا ﴾ [الكهف: 47 48].

واختلاط النبات: وفرته والتفاف بعضه ببعض من قوة الخِصب والازدهار.

والباء في قوله: (به) باء السببية.

والضمير عائد إلى (ماءٍ) أي فاختلط النبات بسبب الماء، أي اختلط بعض النبات ببعض.

وليست البَاء لتعدية فعل اختلط} إلى المفعول لعدم وضوح المعنى عليه، وفي ذكر الأرض بعد ذكر السماء محسن الطباق.

و (أصبح) مستعملة بمعنى صار، وهو استعمال شائع.

والهشيم: اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول، أي مَهْشوماً محطماً.

والهَشْم: الكسر والتفتيت.

و ﴿ تذروه الرياح ﴾ أي تفرقه في الهواء.

والذرو: الرمي في الهواء.

شبهت حالة هذا العالم بما فيه بحالة الروضة تبقى زماناً بَهِجة خَضِرة ثم يصير نبتُها بعد حين إلى اضمحلال.

ووجه الشبه: المصير من حال حسن إلى حال سَيّء.

وهذا تشبيه معقول بمحسوس لأن الحالة المشبهة معقولة إذ لم ير الناس بوادر تَقلص بهجة الحياة، وأيضاً شبهت هيئة إقبال نعيم الدنيا في الحياة مع الشباب والجِدة وزخرف العيش لأهله، ثم تَقلصُ ذلك وزوال نفعه ثم انقراضُه أشتاتاً بهيئة إقبال الغيث منبت الزرع ونشأتِه عنه ونضارتهِ ووفرتهِ ثم أخذهِ في الانتقاص وانعدام التمتع به ثم تطَايره أشتاتاً في الهواء، تشبيهاً لمركب محسوس بمركب محسوس ووجه الشبه كما علمت.

وجملة ﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ جملة معترضة في آخر الكلام.

موقعها التذكير بقدرة الله تعالى على خلق الأشياء وأضدادها، وجعل أوائلها مفضية إلى أواخرها، وترتيبه أسباب الفناء على أسباب البقاء، وذلك اقتدار عجيب.

وقد أفيد ذلك على أكمل وجه بالعموم الذي في قوله: ﴿ على كل شيء ﴾ وهو بذلك العموم أشبه التذييل.

والمقتدر: القوي القدرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الماءَ اخْتَلَطَ بِالنَّباتِ حِينَ اسْتَوى.

الثّانِي: أنَّ النَّباتَ اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حِينِ نَزَلَ عَلَيْهِ الماءُ حَتّى نَما.

﴿ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ ﴾ يَعْنِي بِامْتِناعِ الماءِ عَنْهُ، فَحَذَفَ ذَلِكَ إيجازًا لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والهَشِيمُ ما تَفَتَّتَ بَعْدَ اليُبْسِ مِن أوْراقِ الشَّجَرِ والزَّرْعِ، قالَ الشّاعِرُ: فَأصْبَحَتْ نَيِّمًا أجْسادُهم يُشَبِّهُها مَن رَآها الهَشِيما واخْتُلِفَ في المَقْصُودِ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلدُّنْيا لِيَدُلَّ بِهِ عَلى زَوالِها بَعْدَ حُسْنِها وابْتِهاجِها: الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ضَرَبَهُ مَثَلًا لِأحْوالِ أهْلِ الدُّنْيا أنَّ مَعَ كُلِّ نِعْمَةٍ نِقْمَةً ومَعَ كُلِّ فَرْحَةٍ تَرْحَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ لِأنَّ في المالِ جَمالًا ونَفْعًا وفي البَنِينَ قُوَّةً ودَفْعًا فَصارا زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا.

﴿ والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّها الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: هي الكَلامُ الطَّيِّبُ.

وَهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وقالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

الرّابِعُ: هو قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ هي الباقِياتُ الصّالِحاتُ» .

وفي ﴿ الصّالِحاتُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الصّالِحِينَ لِأنَّ الصّالِحَ هو فاعِلُ الصَّلاحِ.

الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى النّافِعاتِ فَعَبَّرَ عَنِ المَنفَعَةِ بِالصَّلاحِ لِأنَّ المَنفَعَةَ مَصْلَحَةٌ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (لَمّا عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ أُرِيتُ إبْراهِيمَ فَقالَ: مُرْ أُمَّتَكَ أنْ يُكْثِرُوا مِن غِراسِ الجَنَّةِ فَإنَّ تُرْبَتَها طَيِّبَةٌ وأرْضَها واسِعَةٌ، فَقُلْتٌ وما غِراسُ الجَنَّةِ؟

قالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ)» .

﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿ وَخَيْرٌ أمَلا ﴾ يَعْنِي عِنْدَ نَفْسِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَخَيْرٌ أمَلا ﴾ يَعْنِي أصْدَقُ أمَلًا؛ لِأنَّ مِنَ الأمَلِ كَواذِبَ وهَذا أمَلٌ لا يَكْذِبُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الحسبان العذاب.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حسباناً من السماء ﴾ قال: ناراً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: بقية معشر صبت عليهم ** شآبيب من الحسبان شهب وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ حسباناً من السماء ﴾ قال: ناراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ قال: مثل الجزر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حسباناً من السماء ﴾ قال: عذاباً ﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أي قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء ﴿ أو يصبح ماؤها غوراً ﴾ أي ذاهباً قد غار في الأرض ﴿ وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه ﴾ قال يصفق ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ متلهفاً على ما فاته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ صعيداً زلقاً ﴾ قال: الصعيد الأملس، والزلق التي ليس فيها نبات ﴿ وأحيط بثمره ﴾ قال: بثمر الجنتين فأهلكت ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ يقول: ندامة عليها ﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ قال: قلب أسفلها أعلاها.

وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في قوله: ﴿ أحيط بثمره ﴾ قال: أحاط به أمر الله فهلك.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولم تكن له فئة ﴾ قال: عشيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم تكن له فئة ﴾ قال: عشيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم تكن له فئة ﴾ أي جند يعينونه ﴿ من دون الله وما كان منتصراً ﴾ أي ممتنعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مبشر بن عبيد قال: ﴿ الولاية ﴾ الدين والولاية ما أتولى.

وأخرج الحاكم وصححه، عن صهيب أن- النبي صلى الله عليه وسلم- لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس: (يريد لقومك) (١) ﴿ كَمَاءٍ ﴾ الكاف في محل الرفع لخبر ابتداء محذوف، أي: هو كماء يعني: مثل الحياة الدنيا (٢) ﴿ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ يعني: المطر (٣) ﴿ فَاخْتَلَطَ ﴾ فالتف واجتمع به، بذلك الماء أي: بسببه؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالماء (٤) وقال أبو إسحاق: (تأويله أنه نجع في النبات حتى خالطه، فأخذ النبات زخرفه) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ أي: النبات ﴿ هَشِيمًا ﴾ معنى الهَشْم في اللغة: الكسر، والهَاشِم: الذي يَهْشِم الخبز ويكسره في الثريد، وبه سمي هَاشِم، والهَشِيم: ما تَكَسَّر وتَهَشَّم وتَحَطَّم من يَبَسِ النبات (٦) وقال المفسرون في الهشيم: (أنه الكسير المتفتت) (٧) وقوله تعالى: ﴿ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ الذَّرُّ حمل الريح الشيء ثم تثيره، يقال: ذَرَتْه الريح، تَذْرُوه، وتَذْرِيه، وبه قرأ عبد الله: (تَذْرِيه الرياح) (٨) (٩) قال المفسرون: (تَرْفعه وتُفْرقه وتنسفه) (١٠) ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ  ﴾ الآية.

وقد شرحناها هناك.

قال أبو إسحاق: (أعلم الله أن الحياة الدنيا زائلة، وأن مثلها هذا المثل) (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرً ﴾ أي: على كل شيء من الإنشاء والإفناء قادرًا، أنشأ النبات ولم يكن، ثم أفناه.

قال الحسن: (كان الله على كل شيء مقتدرًا أن يكونه قبل كونه) (١٢) (١٣) ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا  ﴾ .

(١) ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 174 بدون نسبة، وكذلك القرطبي 10/ 411.

(٢) "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 400 "المحرر الوجيز" 9/ 319، "الدر المصون" 7/ 500.

(٣) "جامع البيان" 15/ 264، "معالم التنزيل" 5/ 174.

(٤) "المحرر الوجيز" 9/ 319، "النكت والعيون" 3/ 309، "القرطبي" 10/ 412.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (هشم) 4/ 3763، "مقاييس اللغة" (هشم) 6/ 53، "القاموس المحيط" (هشم) 1170،"الصحاح" (هشم) 4/ 2058.

(٧) "جامع البيان" 15/ 252، "معالم التنزيل" 5/ 174، "المحرر الوجيز" 9/ 325، "النكت والعيون" 3/ 309.

(٨) "المحرر الوجيز" 9/ 320، "الكشاف" 2/ 392، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 413، "البحر المحيط" 6/ 133.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (ذرا) 2/ 1272، "لسان العرب" (ذرا) 3/ 1491.

(١٠) "معالم التنزيل" 5/ 174، "المحرر الوجيز" 320/ 9، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 95، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 413.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاختلط ﴾ الباء سببية، والمعنى: صار به النبات مختلطاً: أي ملتفاً بعضه ببعض من شدة تكاثفه ﴿ فَأَصْبَحَ هَشِيماً ﴾ أي متفتتاً، وأصبح هنا بمعنى صار ﴿ تَذْرُوهُ الرياح ﴾ أي تفرقه ومعنى المثل: تشبيه الدنيا في سرعة فنائها بالزرع في فنائه بعد خضرته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.

وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.

الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.

الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.

﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.

الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.

﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .

التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه  أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.

ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه  ﴾ نهى رسول الله  في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين  ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.

ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.

وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.

ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.

وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.

وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.

ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.

وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.

وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.

فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه  لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.

ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت  للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.

وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.

وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب  ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".

والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.

وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.

وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.

وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية  ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء  ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ عن النبي  " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.

قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.

وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.

ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.

وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".

ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.

ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.

و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.

وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة  ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً  ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.

قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.

والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.

ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.

والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين  ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.

ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.

ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.

وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله  ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.

أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.

﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.

وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.

﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.

ولو قيل: "آتتا".

على المعنى لجاز.

والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.

﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.

وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.

وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.

والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.

والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.

وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.

ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله  ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.

قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج  ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.

﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.

قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي  ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.

وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.

وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.

وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.

ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.

ولعل السر في تخصيص الله  في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.

وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.

قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.

قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.

وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.

استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.

وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.

والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".

وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.

ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.

وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.

وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.

﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.

وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".

ثم أخبر  عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم  ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.

﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.

وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.

وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.

﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.

ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.

وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله  ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.

ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.

وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.

وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.

والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.

تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.

﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.

ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.

وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.

وقيل: هن الصلوات الخمس.

وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.

وقيل: الطيب من القول.

والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.

التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.

﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه  جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.

وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.

﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.

﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ ﴾ .

اختلف أهل التأويل في ضرب هذا المثل: قال بعضهم: ضرب هذا لمشركي العرب؛ لأنهم ينكرون فناء الدنيا وهلاكها؛ لأنها لا تبيد أبداً، فيقول: إن الذي يعاينون من فناء ما ذكر من النبات وغيره وهلاكه - هو جزء منها؛ فإذا احتمل جزء منها الفناء والهلاك؛ فعلى ذلك الكل.

وقال بعضهم: وجه ضرب هذا المثل، وهو أن أهل الدنيا وطلابها إذا ظفروا بالدنيا وطمعوا الانتفاع بها والاستمتاع بها، كما طمع الزراع الظفر بذلك الزرع، والوصول إلى الانتفاع به، ثم حيل بينهم وبين الانتفاع بالزرع والوصول إلى مقصودهم فعلى ذلك الدنيا يحال بين أهلها وطالبيها وبنيها.

وقال بعضهم: وجه ضرب مثل الدنيا بما ذكر من النبات - للتزيين والتحسين لأهلها والتعجيب لهم؛ لأنها تتزين وتحسن لأهلها كالنبات الذي ذكر أنه يعجب أهلها ويتزين لهم ثم يفسد ويصير مواتا؛ فعلى ذلك الدنيا، وهو ما ذكر في آية آخرى: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ...

 ﴾ الآية: هكذا وما فيها كله مشوب بالآفات والفساد.

في هذا المثل وجوه من الحكمة والدلالة.

أحدهما: العظة والاعتبار للمتفكرين والمعتبرين، والحجة على المعنادين والمكابرين: في إنكارهم حدث العالم ومحدثه، وإنكارهم فناء العالم، وإنكارهم البعث.

أمّا حدث العالم؛ لما عاينوا حدوث أشياء منه واحدا بعد واحد؛ فعلى ذلك الكل، وأراهم أيضاً فناء أشياء منها حتى لم يبق لها أثر، ثم حدث مثلها، فإذا ظهر هذا في بعض منها؛ فكذلك الكل؛ فإذا ظهر حدوثه وفناؤه لا بد من قاصد يحدثها.

وفيه دلالة البعث بما أراهم [أنه] يجدد ويحدث هذه الأنزال والأشجار والنبات وغيره والعود على ما كان بعد فنائه؛ فعلى ذلك إعادة العالم الذي هو المقصود في إنشاء تلك الأشياء، وذلك أولى بالإعادة من غيرهم من الأشياء؛ إذ هم المقصودون في خلق غيرهم من الأشياء.

وبعد، فإنهم قد اتفقوا على أن خلق الشيء وفناءه للهلاك خاصّة من غير مقصود وعاقبة - عبث ليس بحكمة، فلو لم يكن بعث ولا إعادة لم يكن في خلقه إياهم حكمة؛ لأنه يحصل خلقه للفناء والهلاك خاصّة.

وفي قوله: ﴿ كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ...

﴾ الآية دلالة علمه وتدبيره وقدرته؛ لأنه أخبر أنه ينزل من السماء ماء يختلط به نبات الأرض، والماء من طبعه إفساد النبات إذا اختلط به فإذا لم يفسده ولكن أحياه بالاختلاط - دل أن في الماء معنى به يحيا النبات لا يعلم ذلك غيره، دل أنه عالم بذاته.

والتدبير هو ما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما؛ دل أن ذلك كان بواحد عليم مدبر قادر بذاته.

وأن من قدر على ما ذكر من الإحداث والإفناء - قادر على الإعادة والبعث، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحَ هَشِيماً ﴾ .

قيل: كسيراً مكسوراً.

﴿ تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ﴾ .

هو مفتعل من (قدرت).

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ ﴾ كأن هذا ذكر على مقصود الناس: أن من كان قصده في الدنيا: كثرة المال والبنين، فهو زينة الحياة الدنيا، وهو الفاني والذاهب على ما ذكر، ومن كان مقصوده في هذه الدنيا الخيرات والآخرة - فهي الباقيات أبداً.

ثم اختلف في ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ ﴾ : قال بعضهم: هو قوله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله؛ والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ وعلى ذلك روى في بعض الأخبار عن نبي الله  : "أَلا وَإِنَّ سُبْحَانَ الله والحَمْدُ لله، ولا إِلَهَ إِلا الله، والله أَكْبَرُ هُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" وفي بعض الأخبار أنه قال لأصحابه: "خُذُوا جُنَّتَكُمْ، قَالُوا مِنْ عَدُوٍّ حَصَرَنَا؟

قَالَ: خُذُوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَقُولُوا: سُبْحَانَ الله، والحمدُ لله وَلا إِلَهَ إِلا الله، والله أَكْبَرُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بالله؛ فَإِنَّهُنَّ المُقَدِّماتُ المُؤَخِّراتُ البَاقِياتُ الصَّالِحَاتُ" وفي بعض الأخبار لأبي الدرداء: "خُذْهُنَّ قَبل أَنْ يُحَال بَينكَ وبينهنَّ؛ فإنهنَّ الباقياتُ الصالحاتُ، وَهُنَّ كنز من كنوز الجنة؛ قال: وما هي يا رسول الله؟

فذكر: سبحان الله ..." إلى آخره.

فإن ثبتت هذه الأخبار فهي الأصل لا يجوز غيره.

وقال بعضهم: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس، وهو قول ابن عباس وغيره، فأيهما كان، ففيه معنى الآخر، وإن كل واحد منهما يجمع جميع أنواع الخيرات والعبادات في الحقيقة؛ لأن "سبحان الله" هو تنزيه الرب عن كل آفة وعيب، و "الحمد لله" هو الثناء له بكل نعمة وصلت منه إلى الخلق؛ وجعله مستحقّاً للحمد والثناء له دون من سواه، وإن "لا إله إلا الله": هو لا معبود سواه، وألاَّ يستحق العبادة غيره، و "الله أكبر": هو الإجلال عن كل ما قيل فيه ونفي كل معاني الخلق عنه، و "لا حول ولا قوة إلا بالله": هو التبري، وقطع الطمع عمن دونه وتفويض الأمور بكليتها إليه والتسليم له؛ فكل حرف من هذه الحروف يجمع في الحقيقة كل أنواع العبادات والخيرات لما ذكرنا، وكذلك الصلوات - أيضاً - تجمع كل أنواع العبادات؛ لأنه يستعمل كل جارحة من جوارحه فيها في كل حال منها؛ فهي تجمع جميع العبادات.

والأصل في قوله: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ ﴾ أنها كل الخيرات والطاعات؛ لأن الله -  - ذكر ووصف الحق بالبقاء والثبات في غير آي من القرآن، ووصف الباطل بالبطلان والتلاشي والذهاب؛ من ذلك قوله: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الرعد: 17]، وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً...

﴾ الآية [إبراهيم: 24]، وأمثاله؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ ﴾ هي باقية.

﴿ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾ .

أي: خير ما يأملون.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَأَصْبَحَ هَشِيماً ﴾ أي: يابساً بالياً.

وقال القتبي ومنه سمي الرجل: هاشما.

وقال أبو عوسجة: ﴿ تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ ﴾ ، أي: تطير به.

وقال القتبي، أي: تنسفه؛ كقوله: ﴿ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  ﴾ .

وعن ابن عباس قال ﴿ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً ﴾ ، أي: خير ما يثاب الناس عليه ﴿ وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾ ، أي: خير ما يأمل الناس عن أعمالهم يوم القيامة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واضرب -أيها الرسول- للمُغْتَرِّين بالدنيا مثلًا، فمثلها في زوالها وسرعة انقضائها مثل ماء مطر أنزلناه من السماء , فنبت بهذا الماء نبات الأرض وأَيْنَع، فأصبح هذا النبات متكسرًا متفتتًا، تحمل الرياح أجزاءه إلى نواح أخرى، فتعود الأرض كما كانت، وكان الله على كلّ شيء مقتدرًا، لا يعجزه شيء، فيحيي ما شاء، ويفني ما شاء.

من فوائد الآيات على المؤمن ألا يستكين أمام عزة الغني الكافر، وعليه نصحه وإرشاده إلى الإيمان بالله، والإقرار بوحدانيته، وشكر نعمه وأفضاله عليه.

ينبغي لكل من أعجبه شيء من ماله أو ولده أن يضيف النعمة إلى مُولِيها ومُسْدِيها بأن يقول: ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ ..

إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا.

جواز الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.A96N5"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل