الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٤٧ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٧ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة ، وما يكون فيه من الأمور العظام ، كما قال تعالى : ( يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا ) [ الطور : 9 ، 10 ] أي : تذهب من أماكنها وتزول ، كما قال تعالى : ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) [ النمل : 88 ] ، وقال تعالى : ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) [ القارعة : 5 ] وقال : ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) [ طه : 105 - 107 ] يقول تعالى : إنه تذهب الجبال ، وتتساوى المهاد ، وتبقى الأرض ( قاعا صفصفا ) أي : سطحا مستويا لا عوج فيه ( ولا أمتا ) أي : لا وادي ولا جبل ؛ ولهذا قال تعالى : ( وترى الأرض بارزة ) [ أي بادية ظاهرة ، ليس فيها معلم لأحد ولا مكان يواري أحدا ، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية .
قال مجاهد ، وقتادة : ( وترى الأرض بارزة ) ] لا خمر فيها ولا غيابة .
قال قتادة : لا بناء ولا شجر .
وقوله : ( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) أي : وجمعناهم ؛ الأولين منهم والآخرين ، فلم نترك منهم أحدا ، لا صغيرا ولا كبيرا ، كما قال : ( قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ) [ الواقعة : 50 ، 49 ] ، وقال : ( ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ) [ هود : 103 ] ،
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) يقول تعالى ذكره: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) عن الأرض، فنبسُّها بَسًّا، ونجعلها هباء منبثا(وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً) ظاهرة: وظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو بروزها.
وبنحو ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً) قال: لا خَمْرَ فيها ولا غيابة ولا بناء، ولا حجر فيها.
حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً) ليس عليها بناء ولا شجر.
وقيل: معنى ذلك: وترى الأرض بارزا أهلها الذين كانوا في بطنها، فصاروا على ظهرها.
وقوله (وَحَشَرْنَاهُمْ) يقول: جمعناهم إلى موقف الحساب (فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) ، يقول: فلم نترك، ولم نبق منهم تحت الأرض أحدا، يقال منه: ما غادرت من القوم أحدا، وما أغدرت منهم أحدا، ومن أغدرت قول الراجز: هَـلْ لـكِ والعـارِضُ مِنـكِ عـائِضُ فــي هَجْمَـةٍ يُغْـدِرُ مِنْهـا القـابِضُ (1)
قوله تعالى : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا قوله تعالى : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة قال بعض النحويين : التقدير والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسير الجبال .
قال النحاس : وهذا غلط من أجل الواو وقيل : المعنى واذكر يوم نسير الجبال ، أي نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض ، ونسيرها كما نسير السحاب ; كما قال في آية أخرى وهي تمر مر السحاب .
ثم تكسر فتعود إلى الأرض ; كما قال : وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا .
وقرأ ابن كثير والحسن وأبو عمرو وابن عامر " ويوم تسير " بتاء مضمومة وفتح الياء .
و " الجبال " رفعا على الفعل المجهول .
وقرأ ابن محيصن ومجاهد " ويوم تسير الجبال " بفتح التاء مخففا من سار .
[ ص: 372 ] " الجبال " رفعا .
دليل قراءة أبي عمرو وإذا الجبال سيرت .
ودليل قراءة ابن محيصن وتسير الجبال سيرا .
واختار أبو عبيد القراءة الأولى نسير بالنون لقوله وحشرناهم .
ومعنى " بارزة " ظاهرة ، وليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان ; أي قد اجتثت ثمارها وقلعت جبالها ، وهدم بنيانها ; فهي بارزة ظاهرة .
وعلى هذا القول أهل التفسير .
وقيل : وترى الأرض بارزة أي برز ما فيها من الكنوز والأموات ; كما قال وألقت ما فيها وتخلت وقال وأخرجت الأرض أثقالها وهذا قول عطاء .وحشرناهم أي إلى الموقف .فلم نغادر منهم أحدا أي لم نترك ; يقال : غادرت كذا أي تركته .
قال عنترة :غادرته متعفرا أوصاله والقوم بين مجرح ومجدلأي تركته .
والمغادرة الترك ; ومنه الغدر ; لأنه ترك الوفاء .
وإنما سمي الغدير من الماء غديرا لأن الماء ذهب وتركه .
ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها .
يقول : حشرنا برهم وفاجرهم وجنهم وإنسهم .
يخبر تعالى عن حال يوم القيامة، وما فيه من الأهوال المقلقة، والشدائد المزعجة فقال: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ } أي: يزيلها عن أماكنها، يجعلها كثيبا، ثم يجعلها كالعهن المنفوش، ثم تضمحل وتتلاشى، وتكون هباء منبثا، وتبرز الأرض فتصير قاعا صفصفا، لا عوج فيه ولا أمتا، ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض، فلا يغادر منهم أحدا، بل يجمع الأولين والآخرين، من بطون الفلوات، وقعور البحار، ويجمعهم بعدما تفرقوا، ويعيدهم بعد ما تمزقوا، خلقا جديدا
قوله عز وجل : ( ويوم نسير الجبال ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : " تسير " بالتاء وفتح الياء ( الجبال ) رفع دليله : قوله تعالى : " وإذا الجبال سيرت " ( التكوير - 3 ) .
وقرأ الآخرون بالنون وكسر الياء " الجبال " نصب وتسيير الجبال : نقلها من مكان إلى مكان .
( وترى الأرض بارزة ) أي : ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا نبات كما قال : " فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " ( طه - 107 ) .
قال عطاء : هو بروز ما في باطنها من الموتى وغيرهم فترى باطن الأرض ظاهرا .
( وحشرناهم ) جميعا إلى الموقف والحساب ( فلم نغادر منهم ) أي : نترك منهم ( أحدا )
«و» اذكر «يوم تُسَيَّرُ الجبالُ» نذهب بها عن وجه الأرض فتصير هباء منبثا وفي قراءة بالنون وكسر الياء ونصب الجبال «وترى الأرض بارزة» ظاهرة ليس عليها شيء من جبل ولا غيره «وحشرناهم» المؤمنين والكافرين «فلم نغادر» نترك «منهم أحدا».
واذكر لهم يوم نُزيل الجبال عن أماكنها، وتبصر الأرض ظاهرة، ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من المخلوقات، وجمعنا الأولين والآخِرين لموقف الحساب، فلم نترك منهم أحدًا.
والظرف فى قوله : - تعالى - ( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال ) منصوب بفعل محذوف تقديره : " اذكر " .والمراد بتسيير الجبال : اقتلاعها من أماكنها ، وصيرورتها كالعهن المنفوش .أى : واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، أهوال يوم القيامة ، يوم نقتلع الجبال من أماكنها ، ونذهب بها حيث شئنا ، ونجعلها فى الجو كالسحاب ، كما قال - سبحانه - : ( وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب ) وكما قال - عز وجل - : ( وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً ) وقوله : ( وَتَرَى الأرض بَارِزَةً .
.
) بيان لحالة ثانية من أهوال يوم القيامة .أى : وترى - أيها المخاطب - الأرض ظاهرة للأعين دون أن يسترها شئ من جبل ، أو شجر ، أو بنيان .يقال : برز الشئ برزوا ، أى : خرج إلى البراز - بفتح الباء - أى : الفضاء وظهر بعد الخفاء .قال - تعالى - : ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة ) ثم بين - سبحانه - حالة ثالثة من أهوال يوم القيامة فقال : ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ) .أى : وحشرنا الخلائق جميعا ، بأن جمعناهم فى المكان المحدد لجمعهم ، دون أن نترك منهم أحدا ، بل أخرجناهم جميعا من قبورهم لنحاسبهم على أعمالهم .والفعل ( نغادر ) من المغادرة بمعنى الترك ، ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء والأمانة وسمى الغدير من الماء غديرا ، لأن السيل ذهب وتركه .
اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب لقوله: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ على وجوه: أحدها: أنه يكون التقدير واذكر لهم: ﴿ يَوْمٍ نُسَيّرُ الجبال ﴾ عطفاً على قوله: ﴿ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا ﴾ .
الثاني: أنه يكون التقدير: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ حصل كذا وكذا يقال لهم: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ لأن القول مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم: هذا في هذا الموضع.
الثالث: أن يكون التقدير ﴿ خَيْرٌ أَمَلاً ﴾ في ﴿ يَوْمٍ نُسَيّرُ الجبال ﴾ والأول أظهر.
إذا عرفت هذا فنقول: إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعاً.
النوع الأول: قوله: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتباراً بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الجبال سُيّرَتْ ﴾ والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه (تعالى و) الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتباراً بقوله: ﴿ وحشرناهم فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾ والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله سبحانه.
ونقل صاحب الكشاف قراءة أخرى وهي تسير الجبال بإسناد تسير إلى الجبال.
البحث الثاني: قوله: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: ﴿ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا ﴾ ولقوله: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنۢبَثًّا ﴾ والنوع الثاني: من أحوال القيامة قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض بَارِزَةً ﴾ وفي تفسيره وجوه: أحدها: أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات، ولا شيء من الجبال، ولا شيء من الأشجار، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها، وهو المراد من قوله: ﴿ لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً ﴾ .
وثانيها: أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ وقوله: ﴿ وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا ﴾ وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ .
وثالثها: أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار، فلما أفنى الله تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة.
والنوع الثالث: من أحوال القيامة قوله: ﴿ وحشرناهم فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾ والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحداً، أي لم نترك من الأولين والآخرين أحداً إلا وجمعناهم لذلك اليوم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ومعنى لم نغادر لم نترك، يقال: غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ترك الوفاء، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول، ومنه سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها.
ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم، فقال: ﴿ وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الصف وجوه: أحدها: أنه تعرض الخلق كلهم على الله صفاً واحداً ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضاً، قال القفال: ويشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز، ومنه اشتق الصفصف للصحراء.
وثانيها: لا يبعد أن يكون الخلق صفوفاً يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفاً صفوفاً كقوله: ﴿ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ أي أطفالاً.
وثالثها: صفاً أي قياماً، كما قال تعالى: ﴿ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ ﴾ قالوا قياماً.
المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً ﴾ يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفاً، وكذلك قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضاً عليه، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم، ثم قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه، لأنهم خلقوا صغاراً ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا * فرادى كَمَا خلقناكم أول مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بئاياتنا وَقَالَ لأَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ - إلى قوله- ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا ﴾ أي كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق، ثم قال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ والمراد أنه يوضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، والمراد الجنس وهو صحف الأعمال: ﴿ فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة وخائفين من ظهور ذلك لأهل الموقف فيفتضحون، وبالجملة يحصل لهم خوف العقاب من الحق وخوف الفضيحة عند الخلق ويقولون يا ويلتنا ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات: ﴿ مَّالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ وهي عبارة عن الإحطاة بمعنى لا يترك شيئاً من المعاصي سواء كانت أو كبيرة إلا وهي مذكورة في هذا الكتاب ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة: ﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ إلا ضبطها وحصرها، قال بعض العلماء: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر.
لأن تلك الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر فاحترزوا من الصغائر جداً: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا ﴾ في الصحف عتيداً أو جزاء ما عملوا: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ معناه أنه لا يكتب عليه ما لم يفعل، ولا يزيد في عقابه المستحق، ولا يعذب أحداً بجرم غيره، بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الجبائي: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في مسائل: أحدها: أنه لو عذب عباده من غير فعل صدر منهم لكان ظالماً.
وثانيها: أنه لا يعذب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها: بطلان قولهم لله أن يفعل ما يشاء ويعذب من غير جرم لأن الخلق خلقه إذ لو كان كذلك لما كان لنفي الظلم عنه معنى لأن بتقدير أنه إذا فعل أي شيء أراد لم يكن ظلماً منه لم يكن لقوله إنه لا يظلم فائدة فيقال له.
أما الجواب عن الأولين فهو المعارضة بالعلم والداعي، وأما الجواب عن هذا الثالث فهو أنه تعالى قال: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ﴾ ولم يدل هذا على أن اتخاذ الولد صحيح عليه فكذا هاهنا.
المسألة الثانية: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة يوسف، وأيوب، وسليمان.
فيدعو بالمملوك ويقول له: ما شغلك عني فيقول جعلتني عبداً للآدمي فلم تفرغني، فيدعو يوسف عليه السلام، ويقول: كان هذا عبداً مثلك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار، ثم يدعو بالمبتلي فإذا قال شغلتني بالبلاء دعا بأيوب عليه السلام فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع ما آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان عليه السلام فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر ما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك ويؤمر به إلى النار».
وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه كيف عمل به».
المسألة الثالثة: دلت الآية على إثبات صغائر وكبائر في الذنوب، وهذا متفق عليه بين المسلمين إلا أنهم اختلفوا في تفسيره فقالت المعتزلة: الكبيرة ما يزيد عقابه على ثواب فاعله، والصغيرة ما ينقص عقابه عن ثواب فاعله، واعلم أن هذا الحد إنما يصح لو ثبت أن الفعل يوجب ثواباً وعقاباً وذلك عندنا باطل لوجوه كثيرة ذكرناها في سورة البقرة، في إبطال القول بالإحباط والتكفير بل الحق عندنا أن الطاعات محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكل ما كان أقوى في كونه جهلاً بالله كان أعظم في كونه كبيرة، وكل ما كان أقوى في كونه إضراراً بالغير كان أكثر في كونه ذنباً أو معصية فهذا هو الضبط.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ تسير ﴾ من سيرت، ونسير من سيرنا ﴿ وتسير ﴾ من سارت، أي: تسير في الجو.
أو يذهب بها، بأن تجعل هباء منبثاً.
وقرئ: ﴿ وترَى الأرض ﴾ على البناء للمفعول ﴿ بَارِزَةً ﴾ ليس عليها ما يسيرها مما كان عليها ﴿ وحشرناهم ﴾ وجمعناهم إلى الموقف.
وقرئ: ﴿ فلم نغادر ﴾ بالنون والياء، يقال: غادره وأغدره إذا تركه.
ومنه الغدر.
ترك الوفاء.
والغدير: ما غادره السيل.
وشبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان ﴿ صَفَّا ﴾ مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ أي قلنا لهم: لقد جئتمونا.
وهذا المضمر هو عامل النصب في يوم نسير.
ويجوز أن ينصب بإضمار اذكر.
والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم ﴿ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وقيل: جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أوّلاً، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى ﴾ [الأنعام: 94] .
فإن قلت: لم جيء بحشرناهم ماضياً بعد نسير وترى؟
قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك ﴿ مَّوْعِدًا ﴾ وقتاً لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ واذْكُرْ يَوْمَ نَقْلَعُها ونُسَيِّرُها في الجَوِّ، أوْ نَذْهَبُ بِها فَنَجْعَلُها هَباءً مُنْبَثًّا.
ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أيِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ويَوْمَ القِيامَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وقُرِئَ « تَسِيرُ» مِن سارَتْ.
﴿ وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ بادِيَةً بَرَزَتْ مِن تَحْتِ الجِبالِ لَيْسَ عَلَيْها ما يَسْتُرُها، وقُرِئَ « وتُرى» عَلى بِناءِ المَفْعُولِ.
﴿ وَحَشَرْناهُمْ ﴾ وجَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ، ومَجِيئُهُ ماضِيًا بَعْدَ ﴿ نُسَيِّرُ ﴾ ﴿ وَتَرى ﴾ لِتَحَقُّقِ الحَشْرِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَشْرَهم قَبْلَ التَّسْيِيرِ لِيُعايِنُوا ويُشاهِدُوا ما وعَدَ لَهم، وعَلى هَذا تَكُونُ الواوُ لِلْحالِ بِإضْمارِ قَدْ.
﴿ فَلَمْ نُغادِرْ ﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ.
﴿ مِنهم أحَدًا ﴾ يُقالُ غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ ومِنهُ الغَدْرُ لِتَرْكِ الوَفاءِ والغَدِيرُ لِما غادَرَهُ السَّيْلُ، وقُرِئَ بِالياءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَيَوْمَ} واذكر يوم {نُسَيّرُ الجبال} تُسيَّر الجبال مكي وشامي وأبو عمرو أي تسير في الجو أو يذهب بها بأن تجعل هباء منثوراً منبثاً {وَتَرَى الأرض بَارِزَةً} ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار {وحشرناهم} أي الموتى {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أحدا} أي فلم نترك غدارة أي تركه ومنه الغدر ترك الوفاء والغدير ما غادره السيل
﴿ ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ مَنصُوبٌ بِ «اذْكُرْ» مُضْمَرًا؛ أيِ: اذْكُرْ يَوْمَ نَقْلَعُ الجِبالَ مِن أماكِنِها ونُسَيِّرُها في الجَوِّ كالسَّحابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ ، وقِيلَ: نُسَيِّرُ أجْزاءَها بَعْدَ أنْ يَجْعَلَها هَباءً مُنْبَثًّا، والكَلامُ عَلى هَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُ التَّسْيِيرُ مَجازًا عَنِ الإذْهابِ والإفْناءِ بِذِكْرِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبَّبِ؛ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ نَذْهَبُ بِها ونَنْسِفُها نَسْفًا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ ﴿ فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ﴾ واعْتُرِضَ كِلا الأمْرَيْنِ بِأنَّ صَيْرُورَةَ الجِبالِ هَباءً مُنْبَثًّا وإذْهابَها بَعْدَ تَسْيِيرِها فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أخْذًا مِنَ الآياتِ أنَّهُ أوَّلًا تَنْفَصِلُ الجِبالُ عَنِ الأرْضِ وتُسَيَّرُ في الجَوِّ ثُمَّ تَسْقُطُ فَتَصِيرُ كَثِيبًا مَهِيلًا، ثُمَّ هَباءً مُنْبَثًّا، والظّاهِرُ هُنا أوَّلُ أحْوالِ الجِبالِ ولا مُقْتَضًى لِلصَّرْفِ عَنِ الظّاهِرِ، ثُمَّ المُرادُ بِذِكْرِ ذَلِكَ تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ ما فِيهِ مِنَ الدَّواهِي الَّتِي هي أعْظَمُ مِن ثالِثَةِ الأثافِيِّ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ كَوْنَ ( يَوْمَ ) ظَرْفًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( قَدْ جِئْتُمُونا ) إلَخْ؛ أيْ: قُلْنا يَوْمَ كَذا: لَقَدْ جِئْتُمُونا، وفِيهِ ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ، وغَيْرُ واحِدٍ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( عِنْدَ رَبِّكَ ) فَهو مَعْمُولُ ( خَيْرٌ ) أيِ الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ويَوْمَ القِيامَةِ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن «عِنْدَ رَبِّكَ» في حُكْمِهِ تَعالى كَما قِيلَ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ وشِبْلٌ وقَتادَةُ وعِيسى والزُّهْرِيُّ وحُمَيْدٌ وطَلْحَةُ واليَزِيدِيُّ والزُّبَيْرِيُّ عَنْ رِجالِهِ عَنْ يَعْقُوبَ: «تُسَيَّرُ الجِبالُ» بِرَفْعِ الجِبالِ وبِناءِ تُسَيَّرُ بِالتّاءِ ثالِثَةِ الحُرُوفِ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ الإسْنادِ إلى الفاعِلِ لِتَعَيُّنِهِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ جاءَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ بَدَلَ التّاءِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: سُيِّرَتِ الجِبالُ بِالماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الجِبالِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «تَسِيرُ الجِبالُ» بِالمُضارِعِ المُفْتَتَحِ بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَوْقُ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ ورَفْعِ الجِبالِ.
﴿ وتَرى الأرْضَ ﴾ خِطابٌ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ؛ أيْ: وتَرى جَمِيعَ جَوانِبِ الأرْضِ ﴿ بارِزَةً ﴾ بادِيَةً ظاهِرَةً، أمّا ظُهُورُ ما كانَ مِنها تَحْتَ الجِبالِ فَظاهِرٌ، وأمّا ما عَداهُ فَكانَتِ الجِبالُ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاظِرِ قَبْلَ ذَلِكَ أوْ تَراها بارِزَةً لِذَهابِ جَمِيعِ ما عَلَيْها مِنَ الجِبالِ والبِحارِ والعُمْرانِ والأشْجارِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى زَوالِ الجِبالِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ زَوالُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الأوْلى، وقِيلَ: إسْنادُ البُرُوزِ إلى الأرْضِ مَجازٌ، والمُرادُ: تَرى أهْلَ الأرْضِ بارِزِينَ مِن بَطْنِها وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَرَأ عِيسى: «وتُرى الأرْضُ» بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الأرْضِ ﴿ وحَشَرْناهُمْ ﴾ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ أوْبٍ بَعْدَ أنْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ ولَمْ يُذْكَرْ لِظُهُورِ إرادَتِهِ، وعَلى ما قِيلَ يَكُونُ ذَلِكَ مَذْكُورًا، وإيثارُ الماضِي بَعْدَ «نُسَيِّرُ» و«تَرى» لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الحَشْرِ المُتَفَرِّعِ عَلى البَعْثِ الَّذِي يُنْكِرُهُ المُنْكِرُونَ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الجَزاءِ وكَذا الكَلامُ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مَنفِيًّا ومُوجَبًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَشْرَهم قَبْلَ التَّسْيِيرِ والبُرُوزِ لِيُعايِنُوا تِلْكَ الأهْوالَ والعَظائِمَ كَأنَّهُ قِيلَ: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ اه.
واعْتُرِضَ بِأنَّ في بَعْضِ الآياتِ مَعَ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّسْيِيرَ والبُرُوزَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وفَسادِ نِظامِ العالَمِ والحَشْرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ الآيَةِ عَلى مَعْنى: وحَشَرْناهم قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِئَلّا تُخالِفَ غَيْرَها فَلْيُتَأمَّلْ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ التَّعْبِيرَ بِالماضِي عَلى الأوَّلِ مَجازٌ، وعَلى هَذا حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ المُضِيَّ والِاسْتِقْبالَ بِالنَّظَرِ إلى الحُكْمِ المُقارَنِ لَهُ لا بِالنِّسْبَةِ لِزَمانِ التَّكَلُّمِ، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ كَما في الكَشْفِ وغَيْرِهِ تَحْتَمِلُ العَطْفَ والحالِيَّةَ مِن فاعِلِ ﴿ نُسَيِّرُ ﴾ .
وقالَ أبُو حَيّانَ: الأُولى جَعْلُها حالًا عَلى هَذا القَوْلِ، وأوْجَبَهُ بَعْضُهم وعَلَّلَهُ بِأنَّها لَوْ كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَكُنْ مَضى بِالنِّسْبَةِ إلى التَّسْيِيرِ والبُرُوزِ بَلْ إلى زَمانِ التَّكَلُّمِ فَيَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُهُ أنَّ صِيَغَ الأفْعالِ مَوْضُوعَةٌ لِأزْمِنَةِ التَّكَلُّمِ إذا كانَتْ مُطْلَقَةً فَإذا جُعِلَتْ قُيُودًا لِما يَدُلُّ عَلى زَمانٍ كانَ مُضِيُّها وغَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِهِ اه.
ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والحَقُّ عَدَمُ الوُجُوبِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الجُمَلَ الَّتِي ظاهِرُها التَّعاطُفُ يَجُوزُ فِيها التَّوافُقُ والتَّخالُفُ في الزَّمانِ، فَإذا كانَ في الواقِعِ كَذَلِكَ فَلا خَفاءَ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا بُدَّ لِلْعُدُولِ مِن وجْهٍ، فَإنْ كانَ أحَدُهُما قَيْدًا لِلْآخَرِ وهو ماضٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَهو حَقِيقَةٌ ووَجْهُهُ ما ذُكِرَ ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً حِينَئِذٍ، فَإنْ عُطِفَتْ وجُعِلَ المُضِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِأحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ فَلا مانِعَ مِنهُ وهَلْ هو حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، والَّذِي يَحْكُمُ بِهِ الإنْصافُ اخْتِيارُ قَوْلِ أبِي حَيّانَ مِن أوْلَوِيَّةِ الحالِيَّةِ عَلى ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ لا وجْهَ لَهُ، وحِينَئِذٍ يُقَدَّرُ قَدْ عِنْدَ الأكْثَرِينَ؛ أيْ: وقَدْ حَشَرْناهم ﴿ فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا ﴾ أيْ: لَمْ نَتْرُكْ، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ ومِنهُ الغَدْرُ الَّذِي هو تَرْكُ الوَفاءِ، والغَدِيرُ الَّذِي هو ماءٌ يَتْرُكُهُ السَّيْلُ في الأرْضِ.
وقُرِئَ: «يُغادِرُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ.
وقَرَأ قَتادَةُ: «تُغادِرُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأرْضِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ ﴾ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ لِلْقُدْرَةِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ أوْ بِفَتْحِ الدّالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «أحَدٌ» عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ: «نُغْدِرْ» بِضَمِّ النُّونِ وإسْكانِ الغَيْنِ وكَسْرِ الدّالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي غروراً لا يبقى كما لا يبقى الهشيم حين ذرته الريح، وإنما يبقى في الآخرة.
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ، أي الصلوات الخمس، هكذا روي عن أبي الهيثم ومسروق.
وقال مسروق: الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي الخمس صلوات، وهي الحسنات يذهبن السيئات، وكذلك قال ابن أبي مليكة.
وروى سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد في قوله وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ قال: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» .
وروي عن رسول الله أنه خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ وَقَالَ خُذُوا جُنَّتكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ، قَالَ: لاَ بَلْ مِنَ النَّارِ.
قَالُوا: وَمَا جُنَّتُنَا مِنَ النَّارِ؟
قال: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أَكْبَرُ» .
ويقال: كل طاعة يبقى ثوابها، فهي الباقيات الصالحات: الصلاة، والصدقة، والتسبيح، وجميع الطاعات.
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا، أي خير من هذه الزينة والغرور عند الله تعالى، وخير ما يثبت الله العبد، وَخَيْرٌ أَمَلًا أي خير ما يوصل العبد الصلاة والتسبيح، أي: أفضل رجاء مما يرجو الكافر، لأن ثواب الكافر النار ومرجعه إلى النار.
وقال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ، أي نزيلها عن وجه الأرض ونسيرها كما نسير السحاب كقوله: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: 88] .
وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً، أي ظاهرة من تحت الجبال، ويقال: بارِزَةً أي خالية مما فيها من الكنوز والأموات، كما قال: وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ [الانشقاق: 4] .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وَيَوْمَ تسيّر الجبال بالتاء مع الضمة ونصب الياء وضم اللام، على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: نُسَيِّرُ بالنون ونصب اللام، كما قال: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً، أي لم نترك منهم أحداً ولا نخلف منهم أحدا.
عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ، يقول: جميعا، كقوله: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا [طه: 64] ، أي جميعاً.
يقول الله تعالى ذكره: قَدْ جِئْتُمُونا فرادى عراة حفاةً، ما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بلا أهل ولا مال.
لْ زَعَمْتُمْ ، أي قد قلتم في الدنيا: لَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ، أي لن نبعثكم في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
الدارُ خُوَاءً ممدوداً: / أقْوَتْ وكذلك إِذا سقطَتْ، ومنه قوله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: ٥٢] أي: خاليةً، ويقال: ساقطة كما قال: فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [الحج: ٤٥] أي ساقطة على سقوفها.
انتهى وهو تفسيرٌ بارعٌ، وبه أقولُ، وقد تقدَّم إِيضاحُ هذا المعنى في «سورة البقرة» .
وقوله: يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً قال بعض المفسِّرين: هي حكايةٌ عن مقالة هذا الكافِرِ في الآخرة، ويحتملُ أن يكون قالها في الدنيا على جهة التوبة بعد حلولِ المُصيبة، ويكون فيها زَجْرٌ لكَفَرة قريشٍ وغيرهم، «والفئة» : الجماعة التي يُلْجأُ إِلى نَصْرها.
وقوله سبحانه: هُنالِكَ يحتمل أنْ تكون ظرفاً لقوله: مُنْتَصِراً ويحتمل أن يكون الْوَلايَةُ مبتدأ، وهُنالِكَ: خبره، وقرأ حمزة «١» والكسائيُّ: «الوِلاَيَةُ- بكسر الواو-، وهي بمعنى الرِّيَاسَة ونحوه، وقرأ الباقون: «الوَلاَيَة» - بفتح الواو- وهي بمعنى المُوَالاَة والصِّلة ونحوه، وقرأ أبو عمرو «٢» والكَسائيُّ: «الْحَقُّ» بالرفع على النعت ل «الولايةُ» وقرأ الباقون بالخفضِ على النعت لِلَّهِ عزَّ وجلَّ، وقرأ الجمهور: «عُقُباً» - بضم العين والقاف- وقرأ حمزة وعاصم- بسكون «٣» القاف- والعقب- والعقب: بمعنى العاقبة.
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨)
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا يريد حياة الإنسان، كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
، أي: فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب النماءِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً أصبح عبارة عن صيرورته إِلى ذلك، و «الهَشِيم» المتفتِّت من يابس العُشْب، وتَذْرُوهُ بمعنى تفرِّقه، فمعنى هذا المَثَل تشبيهُ حالِ المَرْء في حياته ومالِهِ وعزَّته وبَطَره، بالنَّبات الذي له خُضْرة ونَضْرة عن الماءِ النازل، ثم يعودُ بعد ذلك هشيماً، ويصير إِلى عُدْم، فمن كان له عَمَلٌ صالح يبقى في الآخرةِ، فهو الفَائِزُ.
وقوله سبحانه: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا لفظه الخبر، لكنْ معه قرينة الصِّفة للمال والبنين لأنه في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّر أمْرَ الدنيا وبيَّنه فكأنه يقول: المال والبنون زينةُ هذه الحياة الدنيا المحقّرة، فلا تتبعوها نفوسكم، والجمهور أنّ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ.
هي الكلماتُ المذكورُ فضْلُها في الأحاديث: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» ، وقد جاء ذلك مصرّحا به من لفظ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «وَهُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالحَاتُ» .
وقوله سبحانه: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا أي: صاحبها ينتظرُ الثَّواب، وينبسطُ أمله، فهو خَيْرٌ من حال ذي المَالِ والبنينَ، دون عَمَلٍ صالحٍ، وعن أبي سعيد الخدريِّ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ» قيلَ: وَمَا هُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قالَ: «التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ وَالحَمْدُ للَّهِ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة/ إِلاَّ باللَّه» «١» رواه النسائيُّ وابنُ حِبَّان في «صحيحه» انتهى من «السلاح» .
وفي «صحيح مسلم» عن سمرة بن جندب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أحَبُّ الكَلاَمِ إِلى اللَّهِ تَعَالى أَرْبَعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبُرُ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» «٢» وفي «صحيح مُسْلِم» ، عن أبي مالِكٍ الأشعريِّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «الطُّهوُرُ شَطْرُ الإِيمَانِ والحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن أو تَمُلأُ مَا بَيْنَ السموات والأَرْضِ ...
» «٣» الحديث انتهى.
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وروى مالكٌ عن سعيد بن المسيَّب، أنَّ الباقيات الصالحات قولُ العبْدِ: اللَّهُ أكْبَرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلا اللَّه، ولا حَوْلَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( ويَوْمَ تُسَيَّرُ ) بِالتّاءِ ( الجِبالُ ) رَفَعًا.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ ( الجِبالَ ) نَصْبًا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَوْمَ تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ السِّينِ وتَسْكِينِ الياءِ ( الجِبالُ ) بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ وَيَوْمَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرُ يَوْمٍ تَسِيرُ الجِبالُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسِيرُ الجِبالُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، كَما يَسِيرُ السَّحابُ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُكْسَرُ فَتَكُونُ في الأرْضِ كَما خَرَجَتْ مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: ( وتُرى الأرْضُ بارِزَةً ) بِرَفْعِ التّاءِ والضّادِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ ضادَ ( الأرْضِ ) .
وَفِي مَعْنى ﴿ بارِزَةً ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [ ظاهِرَةٌ ] فَلَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن جَبَلٍ، أوْ شَجَرٍ، أوْ بِناءٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: بارِزًا أهْلُها مِن بَطْنِها، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَشَرْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ﴿ فَلَمْ نُغادِرْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: فَلَمْ نَخْلُفْ، يُقالُ: غادَرْتُ كَذا: إذا خَلَّفْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ماءٌ تُخَلِّفُهُ السُّيُولُ.
ورَوى أبانُ: ( فَلَمْ تُغادِرْ ) بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ﴾ إنْ قِيلَ: هَذا أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَكَيْفَ عَبَّرَ [ عَنْهُ ] بِالماضِي ؟
فالجَوابُ: أنَّ ما قَدْ عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ يَجْرِي مَجْرى المُعايِنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ .
وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ صَفًّا ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ مَصْفُوفِينَ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صُفُوفًا، فَنابَ الواحِدُ عَنِ الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ .
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِ اللَّهِ مِنهم أحَدٌ، فَكانُوا كالصَّفِّ الَّذِي تَسْهُلُ الإحاطَةُ بِجُمْلَتِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ ( فَيُقالُ لَهم ) .
وَفِي المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُلُّ.
والثّانِي: الكُفّارُ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عامًّا والمَعْنى خاصًّا.
وقَوْلُهُ: ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ مُفَسَّرٌ في ( الأنْعامِ: ٩٤ ) .
وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ ﴾ خِطابُ الكُفّارِ خاصَّةً، والمَعْنى: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا ﴿ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي سُطِرَ فِيهِ ما تَعْمَلُ الخَلائِقُ قَبْلَ وُجُودِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الحِسابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وضَعَ كِتابَ أعْمالِ العِبادِ في أيْدِيهِمْ، فَعَلى هَذا الكِتابِ اسْمٌ جِنْسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: [ هُمُ ] الكافِرُونَ.
وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ذُكِرَ في القُرْآَنِ، فالمُرادُ بِهِ: الكافِرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: خائِفِينَ ﴿ مِمّا فِيهِ ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ﴿ وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا ﴾ هَذا قَوْلُ كُلِّ واقِعٍ في هَلَكَةٍ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ هَذا عَلى ظاهِرِهِ في صَغِيرِ الأُمُورِ وكَبِيرِها، وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ.
وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ صَغائِرُ الذُّنُوبِ وكَبائِرُها، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ الضَّحِكُ والتَّبَسُّمُ مُجْرَّدَهُما مِنَ الذُّنُوبِ، وإنَّما المُرادُ أنَّ التَّبَسُّمَ مِن صِغارِ الأفْعالِ، والضَّحِكَ فِعْلٌ كَبِيرٌ، وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ والِاسْتِهْزاءُ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَنْبًا مِنَ الذُّنُوبِ لِمَقْصُودِ فاعِلِهِ، لا لِنَفْسِهِ.
ومَعْنى ﴿ أحْصاها ﴾ : عَدَّها وأثْبَتَها، والمَعْنى: وُجِدَتْ مُحْصاةً.
﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ ؛ أيْ: مَكْتُوبًا مُثْبَتًا في الكِتابِ.
وقِيلَ: رَأوْا جَزاءَهُ حاضِرًا.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: الصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أنَّ صَغائِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وُعِدُوا العَفْوَ عَنْها إذا اجْتَنَبُوا الكَبائِرَ، إنَّما يُعْفى عَنْها في الآَخِرَةِ بَعْدَ أنْ يَراها صاحِبُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: لا تَنْقُصُ حَسَناتُ المُؤْمِنِ ولا يُزادُ في سَيِّئاتِ الكافِرِ.
وقِيلَ: إنْ كانَ لِلْكافِرِ فِعْلُ خَيْرٍ، كَعِتْقِ رَقَبَةٍ وصَدَقَةٍ، خُفِّفَ عَنْهُ بِهِ مِن عَذابِهِ، وإنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ أخَذَ اللَّهُ مِنَ المُسْلِمِ فَصارَ الحَقُّ لِلَّهِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمْرَ نَبِيَّهُ أنْ يَذْكُرَ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ قِصَّةَ إبْلِيسَ وما أُورِثَهُ الكِبْرُ، فَقالَ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ﴾ ؛ أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ حَقِيقَةً لِهَذا النَّصِّ، واحْتَجَّ قائِلُوا هَذا بِأنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً - ولَيْسَ لِلْمَلائِكَةِ ذُرِّيَّةٌ - وأنَّهُ كَفَرَ، والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ، فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿ مِنَ الجِنِّ ﴾ ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن قَبِيلٍ مِنَ المَلائِكَةِ، يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٤ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، تَقُولُ العَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها: إذا خَرَجَتْ مِنهُ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ فِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو الحَقُّ عِنْدَنا.
والثّالِثُ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّ أمْرِ رَبِّهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قُطْرُبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي ﴾ ؛ [ أيْ ]: تُوالُونَهم بِالِاسْتِجابَةِ لَهم.
قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: ذُرِّيَّتُهُ: أوْلادُهُ، وهم يَتَوالَدُونَ كَما يَتَوالَدُ بَنُو آَدَمَ.
قالَ مُجاهِدٌ: ذُرِّيَّتُهُ: الشَّياطِينُ، ومِن ذُرِّيَّتِهِ زَلَنْبُورُ صاحِبُ رايَةِ إبْلِيسَ بِكُلِّ سُوقٍ وثَبْرٍ، وهو صاحِبُ المَصائِبِ، والأعْوَرُ صاحِبُ الرِّياءِ، ومِسْوَطٌ صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيَطْرَحُها عَلى أفْواهِ النّاسِ فَلا يُوجَدُ لَها أصْلٌ، وداسِمٌ صاحِبُ الإنْسانِ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ ولَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَهو يَأْكُلُ مَعَهُ إذا أكَلَ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ الإنْسانِ في كِبْرٍ فَلا تَرْجُهُ، وإنْ كانَتْ في شَهْوَةٍ فارْجُهُ، فَإنَّ مَعْصِيَةَ إبْلِيسَ كانَتْ بِالكِبْرِ، ومَعْصِيَةُ آَدَمَ بِالشَّهْوَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِئْسَ الِاتِّخاذُ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا.
والثّانِي: بِئْسَ الشَّيْطانُ.
والثّالِثُ: بِئْسَ الشَّيْطانُ والذُّرِّيَّةُ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: ( ما أشْهَدْناهم ) بِالنُّونِ والألِفِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.
والرّابِعُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، والمَعْنى: إنِّي لَمْ أُشاوِرْهم في خَلْقِهِنَّ، وفي هَذا بَيانٌ لِلْغَناءِ عَنِ الأعْوانِ وإظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: ما أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، ولا اسْتَعَنْتُ بِبَعْضِهِمْ عَلى إيجادِ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ ﴾ \[ يَعْنِي: الشَّياطِينَ \]، ﴿ عَضُدًا ﴾ ؛ أيْ: أنْصارًا وأعْوانًا.
والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في مَعْنى العَوْنِ؛ لِأنَّهُ قِوامُ [ اليَدِ ] .
قالَ الزَّجّاجُ: والِاعْتِضادُ: التَّقَوِّي وطَلَبُ المَعُونَةِ، يُقالُ: اعْتَضَدْتُ بِفُلانٍ؛ أيِ: اسْتَعَنْتُ بِهِ.
وَفِي ما نَفى اتِّخاذُهم عَضُدًا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوِلاياتِ، والمَعْنى: ما كُنْتُ لِأُولِيَ المُضِلِّينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: ( وما كُنْتُ ) بِفَتْحِ التّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِياحُ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا ﴾ ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ يُرِيدُ حَياةَ الإنْسانِ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نِعَمٍ وثَرْوَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ ﴾ يُرِيدُ: هي كَماءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ فاخْتَلَطَ بِهِ ﴾ أيْ: فاخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، فالباءُ في "بِهِ" باءُ السَبَبِ؛ فَـ "أصْبَحَ" عِبارَةٌ عن صَيْرُورَتِهِ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهُ أرادَ اخْتِصاصًا بِوَقْتِ الصَباحِ، وهَذا كَقَوْلِ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلَ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا و"الهَشِيمُ": المُتَفَتِّتُ مِن يابِسِ العُشْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ ﴾ ، ومِنهُ: هَشَّمَ الثَرِيدَ، و"تَذْرُوهُ" بِمَعْنى: تُفَرِّقُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تُذْرِيهِ"، والمَعْنى: تَقْلَعُهُ وتُرْمِي بِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْرُوهُ الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والنَخْعِيِّ، والأعْمَشِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ اللهُ ﴾ عِبارَةٌ لِلْإنْسانِ عن أنَّ الأمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الإنْسانِ هَكَذا كانَ إذْ كانَ، إذْ نَفْسُهُ حاكِمَةٌ بِذَلِكَ في حالِ غَفْلَةٍ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى صَحِيحٌ.
وقالَ الحَسَنُ: "كانَ" إخْبارٌ عَنِ الحالِ قَبْلَ إيجادِ المَوْجُوداتِ، أيْ إنَّ القُدْرَةَ كانَتْ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأشْياءِ المُقَدَّرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا المُحالاتُ وغَيْرُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُوصَفُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْها، ولا بالعَجْزِ عنها، وهَذا عَلى تَسْمِيَةِ المُحالِ شَيْئًا، مِن حَيْثُ هو مَعْقُولٌ لا واقِعٌ، وقَدْ جاءَ أنَّ زَلْزَلَةَ الساعَةِ شَيْءٌ.
فَمَعْنى هَذا المِثال تَشْبِيهُ حالِ المَرْءِ في حَيّاتِهِ ومالِهِ وعِزَّتِهِ وزَهْوِهِ وبَطَرِهِ بِالنَباتِ الَّذِي لَهُ خُضْرَةٌ ونَضْرَةٌ عَنِ المَطَرِ النازِلِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ هَشِيمًا، ويَصِيرُ إلى عَدَمٍ، فَمَن كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ يَبْقى في الآخِرَةِ فَهو الفائِزُ، فَكَأنَّ الحَياةَ بِمَثابَةِ الماءِ، والخُضْرَةَ، والنَضارَةَ بِمَنزِلَةِ النَعِيمِ والعِزَّةِ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ، لَكِنْ مَعَهُ قَرِينَةُ الضَعَةِ لِلْمالِ والبَنِينِ؛ لِأنَّهُ في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّرَ أمْرَ الدُنْيا وبَيَّنَهُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ في هَذِهِ: إنَّما المالُ والبَنُونُ زِينَةُ هَذِهِ الحَياةِ المُحَقَّرَةِ، فَلا تُتْبِعُوها أنْفُسَكم.
وقَوْلُهُ: "زِينَةُ" مَصْدَرٌ، وقَدْ أخْبَرَ بِهِ عن أشْخاصٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: مَقَرُّ زِينَةِ الحَياةِ، وإمّا أنْ يَضَعَ المالَ والبَنِينَ بِمَنزِلَةِ الغِنى والكَثْرَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "الباقِياتِ الصالِحاتِ" -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ، عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلِ: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هي الكَلِماتُ المَأْثُورُ فَضْلُها: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ اللهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهَ، واللهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.
ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ: « "أكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصالِحاتِ"،» وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ هي الباقِياتُ الصالِحاتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الباقِياتُ الصالِحاتُ: كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ مِن قَوْلٍ أو فِعْلٍ يَبْقى لِلْآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِكُلِّ الأقْوامِ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ بِالعُمُومِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا ﴾ ، أيْ: صاحِبُها يَنْتَظِرُ الثَوابَ ويَنْبَسِطُ أمَلُهُ عَلى خَيْرٍ مِن حالِ ذِي المالِ والبَنِينَ دُونَ عَمَلٍ صالِحٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ الآيَةُ.
التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا أفْصَحُ ما يَتَأوَّلُ في هَذا هُنا.
وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، وابْنُ مَصْرِفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نُسَيِّرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وشِبْلُ، وقَتادَةُ، وعِيسى: "تُسَيِّرُ" بِالتاءِ، وفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ "الجِبالُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُسَيِّرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ والثانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ مُشَدَّدَةٌ "الجِبالُ" رَفَعًا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَسِيرُ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَكْسُورَةٍ، أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى "الجِبالِ"، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَيَوْمَ سُيِّرَتِ الجِبالُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "بارِزَةً"، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ الأرْضَ لِذَهابِ الجِبالِ والظِرابِ والشَجَرِ، بَرَزَتْ وانْكَشَفَتْ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بُرُوزَ أهْلِها، والمَحْشُورِينَ مِن سُكّانِ بَطْنِها.
"وَحَشَرْناهُمْ" أيْ أقَمْناهم مِن قُبُورِهِمْ وجَمَعْناهم لِعُرْضَةِ القِيامَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُغادِرُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "تُغادِرُ" عَلى الإسْنادِ إلى القُدْرَةِ أو إلى الأرْضِ.
ورَوى أبانُ بْنُ زَيْدٍ عن عاصِمٍ: "يُغادِرُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الدالِّ "أحَدٌ" بِالرَفْعِ.
وقَرَأ الضَحاكُ: "فَلَمْ نُغْدِرْ" بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الدالِّ وسُكُونِ الغَيْنِ.
والمُغادَرَةُ: التُرْكُ، ومِنهُ: غَدِيرُ الماءِ، وهو ما تَرَكَهُ السَيْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "صَفًّا" إفْرادٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَمْعِ، أيْ: صُفُوفًا، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ: « "يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ صُفُوفًا يُسْمِعُهُمُ الداعِي ويَنْفُدُهُمُ البَصَرُ"» الحَدِيثُ.
وفي حَدِيثٍ آخَرَ: « "أهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنها ثَمانُونَ صَفًّا".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ، مُقاوَلَةٌ لِلْكُفّارِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، ومُضَمَّنُها التَقْرِيعُ والتَوْبِيخُ، والمُؤْمِنُونَ المُعْتَقِدُونَ في الدُنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَكُونُ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لَهم بِوَجْهٍ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ القَوْلُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لِلْكَفَرَةِ مِنهم.
﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"،» ﴿ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 45].
فلفظ (يومَ) منصوب بفعل مضمر، تقديره: اذكر، كما هو متعارف في أمثاله.
فبعد أن بين لهم تعرض ما هم فيه من نعيم إلى الزوال على وجه الموعظة، أعقبه بالتذكير بما بعد ذلك الزوال بتصوير حال البعث وما يترقبهم فيه من العقاب على كفرهم به، وذلك مقابلة لضده المذكور في قوله: ﴿ والباقيات الصالحات خير ﴾ [الكهف: 46].
ويجوز أن يكون الظرف متعلقاً بمحذوف غير فعل (اذكر) يدل عليه مقام الوعيد مثل: يَرون أمراً مفظعاً أو عظيماً أو نحو ذلك مما تذهب إلى تقديره نفس السامع.
ويقدر المحذوف متأخراً عن الظرف وما اتصل به لقصد تهويل اليوم وما فيه.
ولا يجوز أن يكون الظرف متعلقاً بفعل القول المقدر عند قوله: لقد جئتمونا} إذ لا يناسب موقعَ عطف هذه الجملة على التي قبلها، ولا وجه معه لتقديم الظرف على عامله.
وتسيير الجبال: نقلها من مواضعها بزلزال أرضي عظيم، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ وإذا الجبال سيرت ﴾ [التكوير: 3] وقوله تعالى: ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ﴾ [النّمل: 88].
وقيل: أطلق التسيير على تناثر أجزائها.
فالمراد: ويوم نسير كل جبل من الجبال، فيكون كقوله: ﴿ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ﴾ [القارعة: 5] وقوله: ﴿ وبست الجبال بساً فكانت هباءً منبثاً ﴾ [الواقعة: 5 6] وقوله: ﴿ وسيرت الجبال فكانت سراباً ﴾ [النبأ: 20].
والسبب واحد، والكيفيتان متلازمتان، وهو من أحوال انقراض نظام هذا العالم، وإقبال عالم الحياة الخالدة والبعث.
وقرأ الجمهور نسير } بنون العظمة.
وقرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو ﴿ ويوم تُسيّر الجبال ﴾ بمثناة فوقية ببناء الفعل إلى المجهول ورفع ﴿ الجبال ﴾ .
والخطاب في قوله: ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لغير معين.
والمعنى: ويرى الرائي، كقول طرفة: ترى جُثْوَتَيْن من تراب عليهما *** صفائحُ صمٌّ من صَفيح مُنَضد وهو نظير قوله: ﴿ فترى المجرمين مشفقين مما فيه ﴾ [الكهف: 49].
والبارزة: الظاهرة، أي الظاهر سطحها، إذ ليس عليها شيء يستر وجهها من شجر ونبات أو حيوان، كقوله تعالى: ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ [النازعات: 14].
وجملة وحشرناهم } في موضع الحال من ضمير ﴿ تُسير ﴾ على قراءة من قرأ بنون العظمة، أو من الفاعل المنوي الذي يقتضيه بناء الفعل للنائب على قراءة من قرأ ويجوز أن نجعل جملة وحشرناهم } معطوفة على جملة ﴿ نسير الجبال ﴾ على تأويله ب (نحشرهم) بأن أطلق الفعل الماضي على المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه.
والمغادرة: إبقاء شيء وتركه من تعلق فعل به، وضمائر الغيبة في ﴿ حشرناهم ﴾ و ﴿ منهم ﴾ ﴿ وعُرضوا ﴾ عائدة إلى ما عاد إليه ضمير الغيبة في قوله: ﴿ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ﴾ [الكهف: 45].
وعَرض الشيء: إحضاره ليُرى حاله وما يحتاجه.
ومنه عرض الجيش على الأمير ليرى حالهم وعدتهم.
وفي الحديث «عُرضت عليّ لأمم» وهو هنا مستعار لإحضارهم حيث يعلمون أنهم سيتلقون ما يأمر الله به في شأنهم.
والصف: جماعة يقفون واحداً حذو واحد بحيث يبدو جميعهم لا يحجب أحد منهم أحداً.
وأصله مصدر (صفهم) إذا أوقفهم، أطلق على المصفوف.
وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال من واو ﴿ عُرضوا ﴾ .
وتلك الحالة إيذان بأنهم أحضروا بحالة الجناة الذين لا يخفى منهم أحد إيقاعاً للرعب في قولبهم.
وجملة ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وحشرناهم ﴾ ، فهي في موضع الحال من الضمير المنصوب في ﴿ حشرناهم ﴾ ، أي حشرناهم وقد عرضوا تنبيهاً على سرعة عرضهم في حين حشرهم.
وعدل عن الإضمار إلى التعريف بالإضافة في قوله: ﴿ على ربك ﴾ دون أن يقال (علينا) لتضمن الإضافة تنويهاً بشأن المضاف إليه بأن في هذا العرض وما فيه من التهديد نصيباً من الانتصار للمخاطب إذ كذبوه حين أخبرهم وأنذرهم بالبعث.
وجملة ﴿ لقد جئتمونا ﴾ مقولٌ لقول محذوف دل عليه أن الجملة خطاب للمعروضين فتعين تقدير القول، وهذه الجملة في محل الحال.
والتقدير: قائلين لهم لقد جئتمونا.
وذلك بإسماعهم هذا الكلام من جانب الله تعالى وهم يعلمون أنه من جانب الله تعالى.
والخطاب في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ موجه إلى معاد ضمير ﴿ عُرضوا ﴾ .
والخبر في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ مستعمل في التهديد والتغليظ والتنديم على إنكارهم البعث.
والمجيء: مجاز في الحضور، شبهوا حين موتهم بالغائبين وشبهت حياتهم بعد الموت بمجيء الغائب.
وقوله: ﴿ كما خلقناكم أول مرة ﴾ واقع موقع المفعول المطلق المفيد للمشابهة، أي جئتمونا مجيئاً كخلقكم أول مرة.
فالخلق الثاني أشبه الخلق الأول، أي فهذا خلق ثاننٍ.
و(ما) مصدرية، أي كخلقنا إياكم المرة الأولى، قال تعالى: ﴿ أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15].
والمقصود التعريض بخطئهم في إنكارهم البعث.
والإضراب في قوله: بل زعمتم ألن نجعل لكم موعداً} انتقال من التهديد وما معه من التعريض بالتغليط إلى التصريح بالتغليط في قالب الإنكار؛ فالخبر مستعمل في التغليط مجازاً وليس مستعملاً في إفادة مدلوله الأصلي.
والزعم: الاعتقاد المخطئ، أو الخبر المعرَّض للكذب.
والموعد أصله: وقت الوعد بشيء أو مكان الوعد.
وهو هنا الزمن الموعود به الحياة بعد الموت.
والمعنى: أنكم اعتقدتم باطلاً أن لا يكون لكم موعد للبعث بعدا لموت أبداً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُسَيِّرُها مِنَ السَّيْرِ حَتّى تَنْتَقِلَ عَنْ مَكانِها لِما فِيهِ مِن ظُهُورِ الآيَةِ وعِظَمِ الِاعْتِبارِ.
الثّانِي: يُسَيِّرُها أيْ يُقَلِّلُها حَتّى يَصِيرَ كَثِيرُها قَلِيلًا يَسِيرًا.
الثّالِثُ: بِأنْ يَجْعَلَها هَباءً مَنثُورًا.
﴿ وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُرُوزُ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ بِخُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ.
الثّانِي: أنَّها فَضاءٌ لا يَسْتُرُها جَبَلٌ ولا نَباتٌ.
﴿ وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ.
أحَدُها: يَعْنِي فَلَمْ نُخَلِّفْ مِنهم أحَدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ ومِنهُ سُمِّيَ الغَدِيرُ لِأنَّهُ ما تُخَلِّفُهُ السُّيُولُ.
الثّانِي: فَلَمْ نَسْتَخْلِفْ مِنهم أحَدًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ﴾ قِيلَ إنَّهم يُعْرَضُونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ كالصُّفُوفِ في الصَّلاةِ، وقِيلَ إنَّهم يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا، فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَما يَحْتَشِمُونَ يَوْمَئِذٍ؟
فَقالَ النَّبِيُّ : « ( ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ )» [عَبَسَ: ٣٧] .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها كُتُبُ الأعْمالِ في أيْدِي العِبادِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ وُضِعَ الحِسابُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، فَعَبَّرَ عَنِ الحِسابِ بِالكِتابِ لِأنَّهم يُحاسَبُونَ عَلى أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ.
﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ﴾ لِأنَّهُ أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ.
﴿ وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ وفي الصَّغِيرَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الضَّحِكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها صَغائِرُ الذُّنُوبِ الَّتِي تُغْفَرُ بِاجْتِنابِ كَبائِرِها.
وَأمّا الكَبِيرَةُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما جاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ.
الثّانِي: ما قُرِنَ بِالوَعِيدِ والحَدِّ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّ الصَّغِيرَةَ الشَّهْوَةُ، والكَبِيرَةَ العَمَلُ.
قالَ قَتادَةُ: اشْتَكى القَوْمُ الإحْصاءَ وما اشْتَكى أحَدٌ ظُلْمًا، وإيّاكم والمُحَقَّراتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإنَّها تَجْتَمِعُ عَلى صاحِبِها حَتّى تُهْلِكَهُ.
﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: ووَجَدُوا إحْصاءَ ما عَمِلُوا حاضِرًا في الكِتابِ.
الثّانِي: ووَجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا عاجِلًا في القِيامَةِ.
﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ يَعْنِي مِن طائِعٍ في نُقْصانِ ثَوابِهِ، أوْ عاصٍ في زِيادَةِ عِقابِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم والخطيب، عن سفيان الثوري قال: كان يقال إنما سمي المال، لأنه يميل بالناس، وإنما سميت الدنيا لأنها دنت.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عياض بن عقبة أنه مات له ابن يقال له يحيى، فلما نزل في قبره قال له رجل: والله إن كان لسيد الجيش فاحتسبه.
فقال: وما يمنعني أن أحتسبه؟
وكان أمس من زينة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب قال: ﴿ المال والبنون ﴾ حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والباقيات الصالحات ﴾ قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله.
والله أكبر.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:استكثروا من الباقيات الصالحات قيل: وما هن يا رسول الله؟
قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن مردويه، عن النعمان بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وأن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر من الباقيات الصالحات» .
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الصغير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:خذوا جنتكم قيل: يا رسول الله أمن عدوّ قد حضر قال: لا.
بل جنتكم من النار قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات محسنات وهن الباقيات الصالحات» .
وأخرج الطبراني وابن شاهين في الترغيب في الذكر وابن مردويه، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله هن الباقيات الصالحات وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها وهن من كنوز الجنة» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشجرة يابسة، فتناول عوداً من أعوادها فتناثر كل ورق عليها فقال: والذي نفسي بيده، إن قائلاً يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لتتناثر الذنوب عن قائلها، كما يتناثر الورق عن هذه الشجرة» قال الله في كتابه: هن ﴿ الباقيات الصالحات ﴾ .
وأخرج أحمد، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سمرة بن جندب: ما من الكلام شيء أحب إلى الله من الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر هن أربع فلا تكثر علي لا يضرك بأيهن بدأت.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، والعدوّ، أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن الباقيات الصالحات» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا جنتكم من النار، قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن المقدمات، وإنهن المؤخرات، وهن المنجيات، وهن الباقيات الصالحات» .
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن مردويه، «عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه خذوا جنتكم مرتين، أو ثلاثاً، قالوا: من عدوّ حضر؟
قال: بل من النار.
قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن يجئن يوم القيامة مقدمات ومحسنات ومعقبات وهن الباقيات الصالحات» .
وأخرج ابن مردويه، عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الباقيات الصالحات من قال: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يثبطكم الليل فلم تقوموه، وعجزتم عن النهار، فلم تصوموه، وبخلتم بالمال فلم تعطوه، وجبنتم عن العدوّ فلم تقاتلوه.
فأكثروا من سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن الباقيات الصالحات» .
وأخرج الطبراني، «عن سعد بن جنادة قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم فأسلمت وعلمني ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ إذا زلزلت ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقال: هن الباقيات الصالحات» .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر، عن عثمان بن عفان أنه سئل عن ﴿ الباقيات الصالحات ﴾ قال: هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير عن ابن عمر أنه سئل عن ﴿ الباقيات الصالحات ﴾ قال: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: ﴿ والباقيات الصالحات ﴾ قال: هي ذكر الله، لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله وأستغفر الله وصلى الله على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة والصيام والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، عن سعيد بن المسيب قال: كنا عند سعد بن أبي وقاص، فسكت سكتة فقال: لقد قلت في سكتتي هذه خيراً مما سقى النيل والفرات.
قلنا له: وما قلت؟
قال: قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ والباقيات الصالحات ﴾ قال: الكلام الطيب.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، أو لا يحب أحدكم أن لا يزال عند الرحمن شيء يذكر به» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبدالله بن أبي أوفى قال: «أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه لا يستطيع أن يأخذ من القرآن شيئاً، وسأله شيئاً يجزئ من القرآن؟
فقال له:قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم، عن موسى بن طلحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمات إذا قالهن العبد وضعهن ملك في جناحه، ثم عرج بهن فلا يمر على ملأ من الملائكة إلا صلوا عليهن، وعلى قائلهن، حتى يوضعن بين يدي الرحمن، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله وسبحان الله أبرئه عن السوء» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن البصري قال: رأى رجل في المنام، أن منادياً نادى في السماء، أيها الناس خذوا سلاح فزعكم، فعمد الناس وأخذوا السلاح حتى إن الرجل ليجيء وما معه عصا، فنادى مناد من السماء ليس هذا سلاح فزعكم، فقال رجل من الأرض ما سلاح فزعنا؟
فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ من أتصدق بعددها دنانير» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمرو قال: لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ من أن أحمل على عدتها من خيل بأرسانها.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أبي هريرة قال: من قال من قبل نفسه الحمد لله رب العالمين كتب الله له ثلاثين حسنة، ومحا عنه ثلاثين سيئة، ومن قال: الله أكبر، كتب الله له بها عشرين حسنة، ومحا عنه بها عشرين سيئة، ومن قال: لا إله إلا الله، كتب الله له عشرين حسنة، ومحا عنه بها عشرين سيئة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه قال: في قوله: ﴿ والباقيات الصالحات ﴾ ﴿ والحسنات يذهبن السيئات ﴾ الصلوات الخمس.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ والباقيات الصالحات ﴾ قال: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن قتادة أنه سئل، عن ﴿ الباقيات الصالحات ﴾ فقال: كل ما أريد به وجه الله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ قال: خير جزاء من جزاء المشركين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وخير أملاً ﴾ قال: إن لكل عامل أملاً يؤمله، وإن المؤمن خير الناس أملاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ قال: لا عمران فيها ولا علامة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ قال: ليس عليها بناء ولا شجرة.
وأخرج ابن منده في التوحيد، عن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ينادي يوم القيامة يا عبادي، أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين، أحضروا حجتكم ويسروا جواباً، فإنكم مسؤولون مُحَاسَبُون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ ﴾ قال الزجاج: (هو منصوب على معنى واذكر، ثم قال: ويجوز أن يكون نصبه على معنى: خير يوم تسير الجبال، أي: خير في القيامة) (١) ﴿ وَيَوْمَ ﴾ الواو (٢) وقوله تعالى: ﴿ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ ﴾ معنى التسيير: جعل الشيء يسير، وقال الكلبي: (تُسير الجبال عن وجه الأرض، كما تُسير السحاب في الدنيا، ثم تكسر فتعود في الأرض) (٣) ﴿ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) ﴾ وقرئ: ﴿ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ ﴾ علي بناء الفعل للفاعل (٤) ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ ﴾ ، وحجة القراءة الأولى قوله: ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾ ، فبني الفعل للمفعول به.
وقوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ قال ابن عباس: (يريد لا جبل ولا بناء ولا شجر ولا ماء) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال أهل المعاني: (لا شيء يسترها، يحشر الناس فيكونون كلهم في صعيد واحد، يرى بعضهم بعضًا) (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ يقول: أبرزنا أهلها من بطنها) (١٣) والقول الأول هو الأولى (١٤) واستكره بأن يجعل برز بمعنى: أبرز، فقد قال ابن هانئ (١٥) (١٦) قال: (يقال: بَرَزْته بَرَز، بمعنى: أبرزته) (١٧) ويكون معنى الآية على هذا: وترى الأرض مبرزة ما فيها، كما قال: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ .
وهذه لغة شاذة لا يفسر بها كتاب الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ ﴾ أي: المؤمنين والكافرين، وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة.
﴿ فَلَمْ نُغَادِرْ ﴾ أي: لم نترك ولم نخلف، يقال: غَادَرَه وأغدره إذا تركه، ومنه الغدر، لأنه ترك الوفاء، والغدير: الماء الذي غادره السيل والمطر (١٨) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 292.
(٢) "مشكل إعراب القرآن" 1/ 443، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 279.
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" 3/ 311 بدون نسبة، وكذلك القرطبي في "تفسيره" 10/ 416.
(٤) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (ويوم تُسير الجبالُ) بالتاء، ورفع الجبال.
وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (ويوم نُسير الجبالَ) بالنون، ونصب الجبال.
انظر: "السبعة" ص 393، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 151، "التبصرة" ص 249، "العنوان" 123، "النشر" 2/ 311.
(٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب بدون نسبة.
(٦) قال الأزهري في "تهذيب اللغة" (خَمَر) 1/ 1100: الوهدة: خَمر، والأكمة: خَمر، والجبل: خَمر، والشجر: خَمر، وكل ما خلفك فهو خمر.
وانظر: "القاموس المحيط" (الخمر) 387، "الصحاح" (خمر) 2/ 650.
(٧) "جامع البيان" 15/ 257، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 98، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 465، "تفسير مجاهد" 1/ 377.
(٨) ذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 302.
(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 145، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 292.
(١٠) "جامع البيان" 15/ 257، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 98، "الدر المنثور" 4/ 411.
(١١) "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "معالم التنزيل" 5/ 176، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 417.
(١٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 15/ 257، "الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "النكت والعيون" 3/ 311، "لباب التأويل" 4/ 215، "الجامع حكام القرآن" 10/ 417.
(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 146.
(١٤) وهذا هو الراجح -والله أعلم- وما عليه جمهور المفسرين، فهي ظاهرة وليس عليه ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، أي: قد اجتثت ثمارها وقلعت جبالها وهدم نيانها فهي بارزة ظاهرة.
انظر: "جامع البيان" 15/ 167، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 416، "أضواء البيان" 4/ 111.
(١٥) محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي الأندلسي، أبو القاسم، يتصل نسبة بالمهلب بن أبي صفرة، أشهر المغاربة على الإطلاق، وقد عاصر المتنبي، وولد بإشبيلية ورحل إلى المنصورية بقرب قيروان مدة قصيرة، ثم رحل إلى مصر، وقتل غيلة برقة سنة 362 هـ وله ديوان مطبوع.
انظر: "وفيات الأعيان" 2/ 4، "النجوم الزاهرة" 4/ 67، "شذرات الذهب" 3/ 41، "الأعلام" 7/ 130.
(١٦) هذا عجز بيت للبيد.
وصدره: == أو مذهب جدد على ألواحه المَبْرُوز: المكتوب المنشور، من أبرز الكتاب إذا أخرجه ونشره.
المخْتُوم: الذي لم ينشر.
انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 151، "تهذيب اللغة" (برز) 1/ 310، "لسان العرب" (برز) 1/ 255.
(١٧) "تهذيب اللغة" (برز) 1/ 310.
(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" (غدر) 3/ 2638، "القاموس المحيط" (غدر) ص 448، "الصحاح" (غدر) 2/ 766.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المال والبنون ﴾ الآية: هذا من الجمع بين شيئين في خبر واحد، وذلك من أدوات البيان، وقرئ زينتا بالتثنية لأنه خبر عن اثنين، وأما قراءة الجمهور فأفردت فيه الزينة لأنها مصدر ﴿ والباقيات الصالحات ﴾ هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذا قول الجمهور، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل الصلوات الخمس، وقيل: الأعمال الصالحات على الإطلاق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.
الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.
ما أشهدناهم يزيد.
الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.
الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.
الباقون بكسر القاف وفتح الباء.
﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.
الباقون بضم الميم وفتح اللام.
الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .
التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.
ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.
يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.
والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.
ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.
قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.
وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.
والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أي أطفالاً.
وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ .
وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.
وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.
أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.
﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.
والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.
﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.
ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.
وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.
قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.
وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.
وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.
وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.
وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.
والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.
وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.
عن رسول الله : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟
فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.
ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.
قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.
وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.
ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.
ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .
وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.
ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.
والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.
إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.
قال الجبائي.
في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.
فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.
ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.
وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.
وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.
ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.
قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".
وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.
وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.
وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.
وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.
قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.
ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.
وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".
وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.
قال أهل البرهان: قوله في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.
ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.
وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.
والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.
ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.
وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.
ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.
قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.
قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.
﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.
وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.
وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.
وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.
ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله .
والموعد يوم بدر.
وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.
أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.
وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.
ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.
﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.
التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.
﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.
﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .
والله أعلم.
(م).
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ .
يذكرهم - عز وجل - عن شدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه حيث سار أثبت شيء رأوا في الدنيا، وتكسر أصلب شيء رأوا في الدنيا، وهو الجبال؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه.
وقال في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ ، وأمثاله يذكرهم عن شدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه؛ حيث صار أثبت شيء في الدنيا وأشده - على الوصف الذي ذكره، وبدون هذه الأهوال والأفزاع التي ذكر - لا تقوم أنفس البشر في الدنيا؛ فقيامها لمثل هذه الأهوال التي ذكر أحرى ألا تقوم؛ ألا ترى أن موسى - - كان أشد الناس وأقوى البشر، ثم لم تقم نفسه؛ لاندكاك الجبل حتى صعق إلا أن الله حكم أن لا هلاك يومئذ بعدما أحياهم، وإلا كانت أنفسهم لا تقوم بدون ما ذكر من الأهوال.
ثم ما ذكر من أحوال الجبال يكون ذلك في اختلاف الأحوال والأوقات: يكون في ابتداء ذلك اليوم ما ذكر أنها تسير وأنهم يرونها جامدة، وهي ليست بجامدة، ثم تصير كثيباً مهيلا، ثم تصير كالعهن المنقوش في وقت، ثم تصير هباء منثوراً تكون على الأحوال التي ذكر، على اختلاف الأحوال والأوقات، على قدر الشدة والهول، والله أعلم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ ، لشدة ذلك اليوم تتراءى كأنها جامدة، وهي تمر مرّ السحاب، وقد يتراءى في الشاهد مثله؛ للهول والفزع.
والثاني: تتراءى، أي: لازدحام الجبل واجتماعها، وقد يتراءى في الشاهد: السائر كالجامد والساكن؛ للكثرة والازدحام؛ نحو عسكر عظيم يسير يراه الناظر إليه كأنه ساكن لا يسير؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم يحتمل أن يكون هذه الأهوال التي ذكر لأهل الكفر والعصاة منهم، وأما أهل الإيمان والإحسان يكونون في أمن وعاقبة من تلك الأهوال؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ...
﴾ الآية [فصلت: 30].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ .
أي: ظاهرة ليس عليها بناء ولا شجر ولا جبال ولا حجر ولا شيء تصير مستوية - على ما ذكرنا - ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ ، أي: يكون أهلها بارزين له؛ كقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾ .
أي: نجمعهم جميعاً؛ كقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ وقوله - عز وجل - ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً ﴾ .
قال بعضهم: عرضوا على ربك جميعاً.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ ﴾ للحساب.
وقال بعضهم: يعرضون على مقامهم، أي: يعرض كل فريق على مقامه، أي: يبعث؛ كقوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ .
ويحتمل معنى العرض عليه في ذلك اليوم، وإن كانوا في جميع الأحوال والأوقات في الدنيا والآخرة معروضين عليه عالم بأحوالهم؛ لما يقرون له جميعاً يومئذ منكرهم ومقرهم - بالعرض والقيامة، كقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ، ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، والأمر في جميع الأوقات لله، وكذلك هم بارزون له في جميع الأحوال، لكنّه خصّ ذلك اليوم بالإضافة إليه بما يقرون له جميعاً في ذلك اليوم بالألوهية له والملك، ويعرفون حقيقته؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً: [الأول] يحتمل لقد جئتمونا بالإجابة والإقرار لنا كما أجاب خلقتكم في أول خلقنا إياها في الدنيا.
والثاني: لقد جئتمونا كما قلنا في الدنيا: إنكم تبعثون، وتحشرون، وتقوم لكم الساعة.
والثالث: ما قاله أهل التأويل: لقد جئتمونا فرادى بلا أنصار ينصرونكم، ولا أعوان يعينونكم على ما كنتم في الابتداء.
وقال بعضهم: كما خرجتم من بطون أمهاتكم عراة وحفاة ليس معكم مال يمانعكم ولا أنصار تناصركم، وهو ما قال: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ...
﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً ﴾ .
هذا يدل أن تلك الأهوال التي ذكر إنما تكون للعصاة، ومن أنكر البعث؛ حيث قال: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً ﴾ يعني: القيامة.
وهذا يدل أن الأهوال والأفزاع التي ذكر في الآية الأولى تكون للعصاة والفسقة من خلقه دون المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .
قيل: الحساب، ويحتمل: الكتاب الذي كتبته الملائكة، وضع ذلك الكتاب في أيديهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ﴾ .
أي: خائفين وجلين وقال بعضهم: لما نظروا في الكتاب فرأوا من أعمالهم الخبيثة فيه عند ذلك خافوا مما فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ .
من الأعمال السيئة.
﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ ، أي: حفظها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الحسنات والسيئات إلا أحصاها.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ ، أي: لا يترك شيئاً ممّا يجزى به الإنسان وما لا يجزى به ﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ ، أي: حفظها.
﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ ﴾ ، في الدنيا، ﴿ حَاضِراً ﴾ ، في الآخرة، محفوظاً غير فائت عنه شيء ولا غائب عنه.
وقال بعضهم: إنما هو قول الملك يقول لهم ذلك، كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، أي: حفيظ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾ .
أي: يجزى كلا على قدر عمله، لا يزيد على قدر عمله ولا ينقص عنه، أي: لا ينقص المؤمن من حسناته، والكافر لا يترك له سيئة، الظلم: هو في الشاهد وضع الشيء غير موضعه.
يقول: لا يظلم ربّك أحداً، أي: لا يكون بما يجزى كلا على علمه ظالماً واضعاً شيئاً غير موضعه.
<div class="verse-tafsir"
واذكر يوم نُزيل الجبال من مواطنها، وترى الأرض ظاهرة لزوال ما عليها من جبال وشجر وبناء، وجمعنا جميع المخلوقات، فلم نترك منهم أحدًا إلا بعثناه.
<div class="verse-tafsir" id="91.LnOZo"