الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٥٣ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٣ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ) أي : إنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك ، فإذا رأى المجرمون النار ، تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها ؛ ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم ، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه ، عذاب ناجز .
( ولم يجدوا عنها مصرفا ) أي : ليس لهم طريق يعدل بهم عنها ولا بد لهم منها .
قال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن دراج عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الكافر يرى جهنم ، فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة " وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة ، كما لم يعمل في الدنيا ، وإن الكافر ليرى جهنم ، ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة " .
القول في تأويل قوله : ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ ) يقول: وعاين المشركون النار يومئذ ( فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ) يقول: فعلموا أنهم داخلوها.
كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : ( فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ) قال: علموا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " إنَّ الكافرَ يَرَى جَهَنَّمَ فَيَظُنُّ أنَّها مُوَاقعَتُهُ منْ مَسيرَةِ أرْبَعينَ سَنَة ".
وقوله: ( وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ) يقول: ولم يجدوا عن النار التي رأوا معدلا يعدلون عنها إليه.
يقول: لم يجدوا من مواقعتها بدّا، لأن الله قد حتم عليهم ذلك ، ومن المصرف بمعنى المعدل قول أبي كبير الهذليّ: أزُهَـيْرُ هَـلْ عَـنْ شَيْبَةٍ مِنْ مَصْرِفِ أمْ لا خُـــلُودَ لبـــاذِلٍ مُتَكَــلِّفِ (5) ------------------------ الهوامش: (5) البيت لأبي كبير الهذلي ، وهو في القسم الثاني من ديوان الهذليين طبعة دار الكتب ص 104 مطلع قصيدة له .
وهو من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن : 1 : 407 ) قال في تفسير قوله تعالى : " ولم يجدوا عنها مصرفا" : أي معدلا .
وقال أبو كبر الهذلي : أزهير .
.
.
إلخ البيت .
قوله تعالى : ورأى المجرمون النار رأى أصله رأي ; قلبت الياء ألفا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها ; ولهذا زعم الكوفيون أن رأى يكتب بالياء ، وتابعهم على هذا القول بعض البصريين .
فأما البصريون الحذاق ، منهم محمد بن يزيد فإنهم يكتبونه بالألف .
قال النحاس : سمعت علي ابن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكل ما كان من ذوات الياء إلا بالألف ، ولا فرق بين ذوات الياء وبين ذوات الواو في الخط ، كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ ، ولو وجب أن يكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن يكتب ذوات الواو بالواو ، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون رمى بالياء ورماه بالألف ، فإن كانت العلة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء ، ثم يكتبون ضحا جمع ضحوة ، وكسا جمع [ ص: 380 ] كسوة ، وهما من ذوات الواو بالياء ، وهذا ما لا يحصل ولا يثبت على أصل .فظنوا أنهم مواقعوها فظنوا هنا بمعنى اليقين والعلم كما قال :فقلت لهم ظنوا بألفي مدججأي أيقنوا ; وقد تقدم .
قال ابن عباس : أيقنوا أنهم مواقعوها .
وقيل : رأوها من مكان بعيد فتوهموا أنهم مواقعوها ، وظنوا أنها تأخذهم في الحال .
وفي الخبر : إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة .
والمواقعة ملابسة الشيء بشدة .
وعن علقمة أنه قرأ " فظنوا أنهم ملافوها " أي مجتمعون فيها ، واللفف الجمع .ولم يجدوا عنها مصرفا أي مهربا لإحاطتها بهم من كل جانب .
وقال القتبي : معدلا ينصرفون إليه .
وقيل : ملجأ يلجئون إليه ، والمعنى واحد .
وقيل : ولم تجد الأصنام مصرفا للنار عن المشركين .
أي: لما كان يوم القيامة وحصل من الحساب ما حصل، وتميز كل فريق من الخلق بأعمالهم، وحقت كلمة العذاب على المجرمين، فرأوا جهنم قبل دخولها، فانزعجوا واشتد قلقهم لظنهم أنهم مواقعوها، وهذا الظن قال المفسرون: إنه بمعنى اليقين، فأيقنوا أنهم داخلوها { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } أي: معدلا يعدلون إليه، ولا شافع لهم من دون إذنه، وفي هذا من التخويف والترهيب، ما ترعد له الأفئدة والقلوب.
( ورأى المجرمون النار ) أي المشركون ( فظنوا ) أيقنوا ( أنهم مواقعوها ) داخلوها وواقعون فيها ( ولم يجدوا عنها مصرفا ) معدلا لأنها أحاطت بهم من كل جانب .
«ورأى المجرمون النار فظنوا» أي أيقنوا «أنهم مواقعوها» أي واقعون فيها «ولم يجدوا عنها مَصرفا» معدلاً.
وشاهد المجرمون النار، فأيقنوا أنهم واقعون فيها لا محالة، ولم يجدوا عنها معدلا للانصراف عنها إلى غيرها.
وقال - سبحانه - ( ورأى المجرمون ) فوضع المظهر موضع المضمر ، لتسجيل الإِجرام عليهم ، ولزيادة الذم لهم .وقد ذكر - سبحانه - هنا أن المجرمين يرون النار ، وذكر فى آية أخرى أنها تراهم - أيضا - قال - تعالى - : ( إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً )
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لها وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا: كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء، فالله تعالى ذكر هذه القصة هاهنا تنبيهاً على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء ﴾ فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر، وذكر القاضي وجهاً آخر فقال: إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر هاهنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء، لا جرم قدم قصته في هذه الآية إتماماً لذلك الغرض ثم قال القاضي: وهذه القصة وإن كان تعالى قد كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة.
المسألة الثانية: أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه: الأول: أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً ﴾ ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن ﴾ .
والثاني: أن الجن سموا جناً للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن.
الثالث: أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير.
والقول الثاني: أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم.
والقول الثالث: قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير.
وهذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلاً في هذه الآية وهو قوله: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة.
بقي أن يقال: إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر، وأيضاً لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم، وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه، فلهذا السبب ذكروا فيه وجوهاً.
الأول: قال الفراء: ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته.
والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة: يهوين في نجد وغور غائرا *** فواسقا عن قصدها جوائرا الثاني: حكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه قال: لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق، فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال: فسق عن أمر ربه.
الثالث: قال قطرب: فسق عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل العير قال تعالى: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم، فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم، إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم فلما علمتم أن إبليس عدو لكم فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة.
هذا هو تقرير الكلام.
فإن قيل: إن هذا الكلام لا يتم إلا بإثبات مقدمات.
فأولها: إثبات إبليس.
وثانيها: إثبات ذرية إبليس.
وثالثها: إثبات عداوة بين إبليس وذريته وبين أولاد آدم.
ورابعها: أن هذا القول الذي قاله أولئك الكفار اقتدوا فيه بإبليس.
وكل هذه المقدمات الأربعة لا سبيل إلى إثباتها إلا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
فالجاهل بصدق النبي جاهل بها.
إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبياً صادقاً أو ما عرفوا ذلك؟
فإن عرفوا كونه نبياً صادقاً قبلوا قوله في كل ما يقوله فكلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول انتهو عنه، وحينئذ فلا حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه نبياً جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ولم يعرفوا صحتها فحينئذ لا يكون في إيرادها عليهم فائدة والجواب أن المشركين كانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها وعلموا أن إبليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه، فإذا أوردنا عليهم هذه القصة كان ذلك زاجراً لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع.
المسألة الثانية: قال الجبائي في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر إبليس أقل من ضرر الله عليهما فكيف يوبخهم بقوله: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ !؟
تعالى الله عنه علواً كبيراً.
بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل الضرر كله من الله.
والجواب: المعارضة بالداعي والعلم.
المسألة الثالثة: إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء المسلمين أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله، لأن الداعي لهم إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة وإظهار العجب.
فهذا يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعي فهو متبع لإبليس حتى أن من كان غرضه في إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو مقتد بإبليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال تعالى: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ أي بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله به فأطاعه بدل طاعته، ثم قال: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ إلى من يعود؟
فيه وجوه: أحدها: وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذي اتخذتموهم أولياء خلق السموات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: ﴿ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم والدليل عليه قوله: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ أي وما كنت متخذهم فوضع الظاهر موضع المضمر بياناً لإضلالهم وقوله: ﴿ عَضُداً ﴾ أي أعواناً.
وثانيها: وهو أقرب عندي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟
ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة، فلم تقدم عليها والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.
وفي هذه الآية المذكورة الأقرب هو ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ والمراد بالظالمين أولئك الكفار.
وثالثها: أن يكون المراد من قوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة.
فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ وما كنت بالفتح، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم.
وقرأ علي رضوان الله عليه: ﴿ مُتَّخِذَ المضلين ﴾ بالتنوين على الأصل.
وقرأ الحسن: ﴿ عَضُداً ﴾ بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى العين، وقرئ: ﴿ عَضُداً ﴾ بالفتح وسكون الضاد ﴿ وعضداً ﴾ بضمتين ﴿ وعضداً ﴾ بفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه، واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء اقتداء بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ حمزة: (نقول) بالنون عطفاً على قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ ﴾ و ﴿ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ و ﴿ مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض ﴾ ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ والباقون قرأوا بالياء.
البحث الثاني: واذكر يوم نقول عطفاً على قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا ﴾ .
البحث الثالث: المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله لهم: ﴿ نَادُواْ شُرَكَائِىَ ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم شركاء لي حيث أهلتموهم للعبادة، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ أي لم يجيبوهم إلى ما دعوهم إليه ولم يدفعوا عنهم ضرراً وما أوصلوا إليهم نفعاً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: الموبق المهلك من وبق يبق وبوقاً ووبقاً.
إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون مصدراً كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال: إن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادي في جهنم.
الوجه الثاني: قال الحسن: (موبقاً) أي عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها هلاك.
ومنه قوله: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً.
الوجه الثالث: قال الفراء البين المواصلة أي جعلنا مواصلتهم في الدنيا هلاكاً في يوم القيامة.
الوجه الرابع: الموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً يهلك فيه الساري لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ثم قال تعالى: ﴿ وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ وفي هذا الظن قولان: الأول: أن الظن هاهنا بمعنى العلم واليقين.
والثاني: وهو الأقرب أن المعنى أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة، لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها.
كما قال: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ وقوله: ﴿ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ أي مخالطوها فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾ أي لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة تسوقهم إليها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يِقُولُ ﴾ بالياء والنون.
وإضافة الشركاء إليه على زعمهم: توبيخاً لهم وأراد الجنّ والموبق: المهلك، من وبق يبق وبوقاً، ووبق يوبق وبقاً: إذا هلك.
وأوبقه غيره.
ويجوز أن يكون مصدراً كالمورد والموعد، يعني: وجعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركاً يهلكون فيه جميعاً.
وعن الحسن ﴿ مَّوْبِقاً ﴾ عداوة.
والمعنى: عداوة هي في شدتها هلاك، كقوله لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً.
وقال الفراء: البين الوصل أي: وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.
ويجوز أن يريد الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم، وبالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم أمداً بعيداً تهلك فيه الأشواط لفرط بعده؛ لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ﴿ فَظَنُّواْ ﴾ فأيقنوا ﴿ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ مخالطوها واقعون فيها ﴿ مَصْرِفًا ﴾ معدلاً.
قال: أَزُهَيْرَ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِنْ مَصْرِفِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا ﴾ فَأيْقَنُوا.
﴿ أنَّهم مُواقِعُوها ﴾ مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها.
﴿ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا ﴾ انْصِرافًا أوْ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ.
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ مِن كُلِّ جِنْسٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ.
﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ ﴾ يَتَأتّى مِنهُ الجَدَلُ.
﴿ جَدَلا ﴾ خُصُومَةً بِالباطِلِ وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ.
<div class="verse-tafsir"
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)
{وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ} فَأيقنوا {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} أي مخالطوها واقعون فيها {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا} عن النار {مَصْرِفًا} معدلاً
﴿ ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ ﴾ وضَعَ المُظْهَرَ في مَقامِ المُضْمَرِ تَصْرِيحًا بِإجْرامِهِمْ وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.
وجاءَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّ الكافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ مِن مَسِيرِ أرْبَعِينَ سَنَةً».
﴿ فَظَنُّوا ﴾ أيْ: عَلِمُوا كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ، وهو الظّاهِرُ مِن حالِهِمْ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ واسْتَغاثَتِهِمْ بِشُرَكائِهِمْ وعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لَهم وجَعَلَ المَوْبِقَ بَيْنَهم.
وقِيلَ: الظَّنُّ عَلى ظاهِرِهِ وهم لَمْ يَتَيَقَّنُوا ﴿ أنَّهم مُواقِعُوها ﴾ أيْ: مُخالِطُوها واقِعُونَ فِيها لِعَدَمِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِيها، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْها مِن بَعِيدٍ كَما سَمِعْتَ في الحَدِيثِ ظَنُّوا أنَّها تَخْطِفُهم في الحالِ فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ مَوْضُوعٌ لِلْحالِ فالمُتَيَقَّنُ أصْلُ الدُّخُولِ والمَظْنُونُ الدُّخُولُ حالًا وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: «مُلاقُوها» وكَذَلِكَ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ، واخْتِيرَ جَعْلَها تَفْسِيرًا لِمُخالَفَتِها سَوادَ المُصْحَفِ، وعَنْ عَلْقَمَةِ أنَّهُ قَرَأ «مُلافُّوها» بِالفاءِ مُشَدَّدَةً مِن لَفَّ الشَّيْءَ ﴿ ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا ﴾ أيْ: مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْها.
قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ: أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِن مَصْرِفِ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ فَهُوَ اسْمُ مَكانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانِ، وكَذا جَوَّزَ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أيِ انْصِرافًا، وفي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّهُ سَهْوٌ؛ فَإنَّهُ جَعَلَ مَفْعِلَ بِكَسْرِ العَيْنِ مَصْدَرًا مِن صَحِيحِ مُضارِعِهِ يَفْعِلُ بِالكَسْرِ وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ مَصْدَرَهُ مَفْتُوحُ العَيْنِ لا غَيْرُ، واسْمُ زَمانِهِ ومَكانِهِ مَكْسُورُها، نَعَمْ إنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ مَقْبُولٌ في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «مَصْرَفًا» بِفَتْحِ الرّاءِ <div class="verse-tafsir"
ثم قال: مَّا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي ما استعنت بهم على خلق السموات والأرض، يعني: إبليس وذريته وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ، أي ولا استعنت بهم على خلق أنفسهم.
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ، أي ما كنت أتخذ الذين يضلون الناس عونا يعني: الشياطين، عَضُداً وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ، أي لعبده الأوثان وهو يوم القيامة نادُوا شُرَكائِيَ أي: ادعوا آلهتكم، الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في الدنيا أنهم لي شركاء، ليمنعوكم مني من عذابي فَدَعَوْهُمْ، يعني: الآلهة، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ أي لم يجيبوهم.
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال مجاهد: وادٍ في جهنم، وهكذا قال مقاتل، وقال القتبي: أي مهلكاً بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أَوبقته ذنوبه ويقال: موعداً، وقال الزجاج: وجعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي وجعلنا بينهم وبين شركائهم الذين أضلوهم مَوْبِقاً أي مهلكاً.
قرأ حمزة ويوم نَّقُولُ بالنون وقرأ الباقون بالياء.
ثمّ قال: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، أي رآها المشركون من مكان بعيد، فَظَنُّوا أي علموا واستيقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي داخلوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً أي معدلاً ولا ملجأً ولا مفراً يرجعون إليه.
قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا، أي بيّنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، أي من كل وجه ونوع ليتعظوا فلم يتعظوا، ويقال: بينا من كل وجه يحتاجون إليه.
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا من أمر الباطل، يعني: من أمر البعث مثل أبيّ بن خلف وأصحابه.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا يحيى بن محمد الصاعد قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا الحجاج بن دينار قال، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله : «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ» .
والدليل على أن الإنسان أراد به الكافر، ما قال في سياق الآية وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ ...
الآية.
<div class="verse-tafsir"
الْكِتابُ اسم جنس يراد به كُتُب النَّاس التي أحصتها الحَفَظة لواحدٍ واحدٍ، ويحتمل أن يكون الموضوع كتاباً واحداً حاضراً، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ قالت فرقة: إبليسُ لم يكُنْ من الملائكَةِ، بل هو من الجِنِّ، وهم الشياطينُ المخلوقون من مَارِجٍ من نارٍ، وجميعُ الملائكة إنما خلقوا من نورٍ، واختلَفَتْ هذه الفرقةُ، فقال بعضهم: إِبليس من الجنِّ، وهو أولهم وبَدْأَتُهم، كآدمَ من الإِنس، وقالت فرقة: بل كان إِبليس وقبيلُهْ جِنًّا، لكن جميع الشياطين اليَوْمَ من ذريته، فهو كُنوح في الإنس، واحتجُّوا بهذه الآية.
وقوله: فَفَسَقَ معناه فخرج عن أمر ربِّه وطاعته.
وقوله عزَّ وجلَّ: أَفَتَتَّخِذُونَهُ يريد: أَفتَتَّخِذُونَ إِبليس.
وقوله: وَذُرِّيَّتَهُ: ظاهر اللفظ يقتضي المُوَسْوِسين من الشياطين، الذين يأمْرُون بالمنْكَر، ويحملون على الأباطيل.
وقوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أي: بدل ولايةِ اللَّه عزَّ وجلَّ بولاية إِبليس وذريته، وذلك هو التعوُّض من الحقّ بالباطل.
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)
وقوله سبحانه: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: الضمير في أَشْهَدْتُهُمْ عائدٌ على الكُفَّار، وعلى النَّاس بالجملة/ فتتضمَّن الآية الرَّدَّ على طوائف من المنجِّمِين وأهْل الطبائعِ والمتحكِّمين من الأطبَّاء، وسواهم مِنْ كل من يتخرَّص في هذه الأشياء، وقيل: عائدٌ على ذرية إِبليس، فالآية على هذا تتضمَّن تحقيرَهُم، والقولُ الأول أعظم فائدةً، وأقول: إنَّ الغرض أولاً بالآية هُمْ إِبليس وذريته، وبهذا الوجْه يتَّجه الردُّ على الطوائف المذكورة، وعلى الكُهَّان والعربِ المصدِّقين لهم، والمعظِّمين للجنِّ، حين يقولون: أعُوذُ بِعَزِيز هذا الوَادِي، إِذ الجميع من هذه الفِرَقِ متعلِّقون بإِبليس وذريته، وهم أضلُّ الجميع، فهم المرادُ الأول ب الْمُضِلِّينَ، وتندرج هذه الطوائفُ في معناهم، وقرأ الجمهور «١» : «ومَا كُنْتُ» ، وقرأ أبو جعفر «٢» والجحْدَرِيُّ والحسن، بخلافٍ «وَمَا كُنْت» ، «والعَضُد» : استعارة للمعين والمؤازر، وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ أي: على جهة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ نادُوا شُرَكائِيَ ﴾ أضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِ عَلى زَعْمِهِمْ، والمُرادُ: نادَوْهم لِدَفْعِ العَذابِ عَنْكم أوِ الشَّفاعَةِ لَكُمْ، ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: زَعَمْتُمُوهم شُرَكاءَ، ﴿ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: لَمْ يُجِيبُوهُمْ، ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ والشُّرَكاءُ.
والثّانِي: أهْلُ الهُدى وأهْلُ الضَّلالَةِ.
وَفِي مَعْنى ﴿ مَوْبِقًا ﴾ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مُهْلِكًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَهْلِكًا بَيْنَهم وبَيْنَ آَلِهَتِهِمْ في جَهَنَّمَ، ومِنهُ يُقالُ: أوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ؛ [ أيْ: أهْلَكَتْهُ ] .
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جَعَلْنا بَيْنَهم مِنَ العَذابِ ما يُوبِقُهم؛ أيْ: يُهْلِكُهُمْ، فالمَوْبِقُ: المَهْلِكُ، يُقالُ: وبَقَ، يَيْبَقُ، ويابَقَ، وبَقًا، ووَبَقَ، يَبِقُ، وُبُوقًا، فَهو وابِقٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مَوْبِقًا؛ أيْ: مَهْلِكًا لَهم في الآَخِرَةِ، فالبَيْنُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى التَّواصُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ عَلى قِراءَةِ مَن ضَمَّ النُّونَ.
والثّانِي: أنَّ المَوْبِقَ: وادٍ عَمِيقٌ يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ أهْلِ الضَّلالَةِ وأهْلِ الهُدى، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو.
والثّالِثُ: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ومُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى المَوْبِقَ: العَدَواةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهُ المَحْبِسُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ المَوْعِدُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: " مَوْبِقًا "، ولَمْ يُقَلْ: ( مُوبِقًا ) بِضَمِّ المِيمِ؛ إذْ كانَ مَعْناهُ: عَذابًا مُوبِقًا ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَحْبِسٍ في النّارِ، والأسْماءُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ، فَيَعْلَمُ أنَّ ( مَوْبِقًا ) مَفْعِلَ، مِن أوْبَقَهُ اللَّهُ: إذا أهْلَكَهُ، فَتَنْفَتِحُ المِيمُ كَما تَنْفَتِحُ في ( مَوْعِدٍ، ومَوْلِدٍ، ومَحْتَدٍ )، إذا سَمَّيْتَ الشُّخُوصَ بِهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ ﴾ ؛ أيْ: عايَنُوها وهي تَتَغَيَّظُ حَنَقًا عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: الكُفّارُ.
﴿ فَظَنُّوا ﴾ ؛ أيْ: أيْقَنُوا ﴿ أنَّهم مُواقِعُوها ﴾ ؛ أيْ: داخِلُوها، ومَعْنى المُواقَعَةِ: مُلابَسَةُ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ.
﴿ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا ﴾ ؛ أيْ: مَعْدِلًا، والمَصْرِفُ: المَوْضِعُ الَّذِي يُصَرَفُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّها أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهَرَبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا ﴾ ﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عنها مَصْرِفًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ الضَمِيرُ في "أشْهَدْتُهُمْ" عائِدٌ عَلى الكَفّارِ، وعَلى الناسِ بِالجُمْلَةِ، فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ الرَدَّ عَلى طَوائِفَ مِنَ المُنَجِّمِينَ وأهَّلِ الطَبائِعِ والمُتَحَكِّمِينَ مِنَ الأطِبّاءِ وسِواهم مِن كُلِّ مُتَخَرِّصٍ في هَذِهِ الأشْياءِ.
وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتَ الفَقِيهَ أبا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعاذِ المَهْدَوِيِّ بِالمَهْدِيَّةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الحَقِّ الصَقَلِّيِّ يَقُولُ هَذا القَوْلَ، ويَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها رادَّةٌ عَلى هَذِهِ الطَوائِفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ هَذا بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ.
وقِيلَ: الضَمِيرُ في "أشْهَدْتُهُمْ" عائِدٌ عَلى ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ، فَهَذِهِ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَهم.
والقَوْلُ الأوَّلُ أعْظَمُ فائِدَةً، وأقُولُ: إنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ أوَّلًا بِالآيَةِ هم إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وبِهَذا الوَجْهِ يَتَّجِهُ الرَدُّ عَلى الطَوائِفِ المَذْكُورَةِ، وعَلى الكُهّانِ والعَرَبِ المُصَدِّقِينَ لَهم والمُعَظِّمِينَ لِلْجِنِّ حِينَ يَقُولُونَ: أعُوذِ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي، إذِ الجَمِيعُ مِن هَذِهِ الفِرَقِ مُتَعَلِّقُونَ بِإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وهم أضَلُّوا الجَمِيعَ، فَهُمُ المُرادُ الأوَّلُ بِالمُضِلِّينَ، وتَنْدَرِجُ هَذِهِ الطَوائِفُ في مَعْناهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أشَهَدْتُهُمْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعَوْفُ العَقِيلِيِّ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيِّ: "أشْهَدْناهُمْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما كُنْتُ" وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ-: "وَما كُنْتَ"، والصِفَةُ بِـ "المُضِلِّينَ" تَتَرَتَّبُ في الطَوائِفِ المَذْكُورَةِ، وفي ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ.
و"العَضُدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْمُعِينِ والمُؤازِرِ، وهو تَشْبِيهٌ بِعَضُدِ الإنْسانِ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَضُدًا" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الضادِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والحَسَنُ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الضَحاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "عُضْدًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَضَدًا" بِفَتْحِ العَيْنِ والضادِ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُ هَذا لَمْ يُقْرَأْ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ ﴾ ، الآيَةُ وعِيدٌ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ طَلْحَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: "نَقُولُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالياءِ، أيْ: "يَقُولُ" اللهُ تَعالى لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ مِنَ الدُنْيا سِواهُ: ﴿ نادُوا شُرَكائِيَ ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: "شُرَكائِيَ"، أيْ: عَلى دَعْواكم أيُّها المُشْرِكُونَ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: "شُرَكائِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "شُرَكائِي" بِهَمْزَةٍ، فَمِنهم مَن حَقَّقَها، ومِنهم مَن خَفَّفَها، و"الزَعْمُ" إنَّما هو مُسْتَعْمَلٌ أبَدًا في غَيْرِ اليَقِينِ، بَلْ أغْلَبُهُ في الكَذِبِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ، وأرْفَعُ مَواضِعِهِ أنْ تُسْتَعْمَلَ "زَعَمَ" بِمَعْنى "أخْبَرَ" حَيْثُ تُلْقِي عُهْدَةَ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ، كَما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: "زَعَمَ الخَلِيلُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، كَأنَّ فَكْرَةَ الكُفّارِ ونَظَرَهم في أنَّ تِلْكَ الجَماداتِ لا تُغْنِي شَيْئًا ولا تَنْفَعُ هي بِمَنزِلَةِ الدُعاءِ وتَرَكِ الإجابَةِ، والأوَّلُ أبْيَنُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَوْبِقًا" قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْرِي بِدَمٍ وصَدِيدٍ، قالَ أنَسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَحْجِزُ بَيْنَ أهْلِ النارِ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: "بَيْنَهُمْ" ظَرْفٌ.
وقالَ الحَسَنٌ: "مَوْبِقًا": عَداوَةً، و"بَيْنَهُمْ" -عَلى هَذا- ظَرْفٌ.
وبَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ يَرى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَهُمْ" يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ في الدُنْيا، وأمّا التَأْوِيلُ الأوَّلُ فالضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "مَوْبِقًا" مَعْناهُ: مُهْلِكًا، بِمَنزِلَةِ: مَوْضِعٍ، وهو مِن قَوْلِكَ: وبَقَ الرَجُلُ وأوبَقَهُ غَيْرُهُ إذا أهْلَكَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "بَيْنَهُمْ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والأظْهَرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ اسْمًا بِمَعْنى: وجَعَلَنا تَواصَهم أمْرًا مُهْلِكًا لَهُمْ، ويَكُونُ "بَيْنَهُمْ" مَفْعُولًا أوَّلًا لِـ "جَعَلْنا".
وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنِ "المَوْبِقِ" بِالوَعِيدِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ عن رُؤْيَةِ المُجْرِمِينَ النارَ، ومُعايَنَتِهِمْ لَها، ووُقُوعِ العِلْمِ لَهم بِأنَّهم مُباشِرُوها، وأطْلَقُ الناسِ أنَّ "الظَنَّ" هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ قالَ تَعالى بَدَّلَ "ظَنُّوا": "أيْقَنُوا" لَكانَ الكَلامُ مُتَّسِقًا عَلى مُبالَغَةِ فِيهِ، ولَكِنَّ العِبارَةَ بِالظَنِّ لا تَجِيءُ أبَدًا في مَوْضِعِ يَقِينٍ تامٍّ قَدْ نالَهُ الحِسُّ، بَلْ أعْظَمُ دَرَجاتِهِ أنْ يَجِيءَ في مَوْضِعِ عِلْمٍ مُتَحَقِّقٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَظْنُونُ، وإلّا فَما يَقَعُ ويُحَسُّ لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ العِبارَةُ عنهُ بِالظَنِّ، وتَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ، وتَأمَّلْ قَوْلَ دُرَيْدٍ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ.
وَقَرَأ الأعْمَشُ: "فَظَنُّوا أنَّهم مُلاقُوها"، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَكى أبُو عَمْرُو الدانِي عن عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "مُلافُّوها" بِالفاءِ مُشَدَّدَةً، مَن لَفَّفْتُ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: "إنَّ الكافِرَ لِيَرى جَهَنَّمَ ويَظُنَّ أنَّها مُواقِعَتُهُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً".
و"المَصْرِفُ": المَعْدِلُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: أزُهَيْرُ هَلْ عن شَيْبَةَ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِانْصِرافِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: ولَقَدْ خَوَّفْنا ورَجَّيْنا وبالَغْنا في البَيانِ، وهَذا كُلُّهُ بِتَمْثِيلٍ وتَقْرِيبٍ لِلْأذْهانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ لَهُ نَفْعٌ في الغَرَضِ المَقْصُودِ بِهِمْ وهو الهِدايَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ خَبَرٌ مُقْتَضَبٌ في ضِمْنِهِ: فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ تَصْرِيفُ الأمْثالِ، بَلْ هم قَوْمٌ مُنْحَرِفُونَ يُجادِلُونَ بِالباطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "الإنْسانُ" يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو النَضْرُ بْنُ الحارِثِ، وقِيلَ: ابْنُ الزِبَعْرٍيِّ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَدْ نامَ عن صَلاةِ اللَيْلِ فَأيْقَظَهُ وعاتَبَهُ، فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: إنَّما نَفْسِي بِيَدِ اللهِ، ونَحْوَ هَذا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وهو يَضْرِبُ خَدَّهُ بِيَدِهِ ويَقُولُ: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ .» فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الآيَةَ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الناسِ، و"الجَدَلُ": الخِصامُ والمُدافَعَةُ بِالقَوْلِ، فالإنْسانُ أكْثَرُ جَدَلًا مِن كُلِّ ما يُجادِلُ مِن مَلائِكَةٍ وجِنٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ إنْ فُرِضَ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ تَعْلِيمُ تَفَجُّعٍ مّا عَلى الناسِ، ويَتَبَيَّنُ فِيما بَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ [الكهف: 52]، أي جعلنا الموبق ورآه المجرمون، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للدلالة على ما يفيده المجرمون من تلبسهم بما استحقوا به عذاب النار.
وكذلك عُبر ب (النار) في مقام الإضمار للموبق للدلالة على أن المَوبق هو النار فهو شبيه بعطف البيان.
والظن مستعمل هنا في معنى التحقق وهو من استعمالاته.
ولعل اختياره هنا ضرب من التهكم بهم؛ بأنهم رجحوا أن تلك النار أعدت لأجلهم في حين أنهم موقنون بذلك.
والمواقعة: مفاعلة من الوقوع، وهو الحصول لقصد المبالغة، أي واقعون فيها وقوع الشيء الحاصل في موقع يتطلبه فكأنه يقع هو فيه.
والمصرف: مكان الصرف، أي التخلص والمجاوزة.
وفي الكلام إيجاز، تقديره: وحاولوا الانقلاب أو الانصراف فلم يجدوا عنها مصرفاً، أي مخلصاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَجْلِسًا، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: مَهْلِكًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، قالَ الشّاعِرُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ أعْمالِي الَّتِي سَلَفَتْ مِن عَثْرَةٍ إنْ تُؤاخِذْنِي بِها أبِقُ أيْ أهْلِكُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ مِن كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ قالَ الفَرّاءُ: جَعَلَ تَواصُلَهم في الدُّنْيا مَهْلِكًا في الآخِرَةِ.
الثّالِثُ: مَوْعِدًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الرّابِعُ: عَداوَةً، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
السّادِسُ: أنَّهُ وادٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، حَكاهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم عايَنُوا في المَحْشَرِ.
الثّانِي: أنَّهم عَلِمُوا بِها عِنْدَ العَرْضِ.
﴿ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أمَّلُوا العَفْوَ قَبْلَ دُخُولِها فَلِذَلِكَ ظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها الثّانِي: عَلِمُوا أنَّهم مُواقِعُوها لِأنَّهم قَدْ حَصَلُوا في دارِ اليَقِينِ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ العِلْمِ بِالظَّنِّ لِأنَّ الظَّنَّ مُقَدِّمَةُ العِلْمِ.
﴿ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَلْجَأً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ وَفِي المُرادِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَمْ يَجِدِ المُشْرِكُونَ عَنِ النّارِ مَصْرِفًا.
الثّانِي: ولَمْ تَجِدِ الأصْنامُ مَصْرِفًا لِلنّارِ عَنِ المُشْرِكِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فظنوا أنهم مواقعوها ﴾ قال: علموا.
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينصب الكافر يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا، وأن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة والله أعلم» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم، «عن علي رضي الله عنه: أن النبي- صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال:ألا تصليان فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا.
وانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته بضرب فخذه ويقول: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ قال: الجدل الخصومة، خصومة القوم لآنبيائهم، وردهم عليهم ما جاؤوا به، وكل شيء في القرآن من ذكر الجدل، فهو من ذلك الوجه، فيما يخاصمونهم من دينهم، يردون عليهم ما جاؤوا به، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد المشركين) (١) ﴿ فَظَنُّوا ﴾ ، قال ابن عباس، ومجاهد: (تيقنوا) (٢) وقال السدي: (استيقنوا) (٣) وهو قول جميع المفسرين (٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ﴾ قال ابن عباس: (أنهم واردوها) (٥) (٦) (٧) ومعنى المواقعة في اللغة: ملابسة الشيء بشدة، يقال: واقَعَهُ مُوَاقَعَةً، وأَوْقَعَ به إِيْقاعاً، ومنه: وقائع الحروب، وتَوَقَعَ أي: ترقب وقعة شيء، ومن هذا يقال للجماع: الوِقَاع؛ لأنه يلابسه بدفع وشدة (٨) ﴿ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد قد أحاطت بهم من كل جانب، فلم يقدروا على الهرب ولا على الرجوع عنها) (٩) (١٠) قال أبو كبير الهذلي (١١) أزهير هل عن شيبةٍ من مَصْرِفِ والمصرف في هذه الآية: موضع، وليس بمعنى المصدر، ولو كان مصدرًا كان مفتوح الراء.
(١) ذكره الطبري في "جامع البيان" 15/ 265 بدون نسبة، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 181، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 303.
(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "المحرر الوجيز" 2/ 336، "الكشاف والبيان" 3/ 391 أ، "الكشاف" 2/ 489، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "البحر المحيط" 6/ 137.
(٣) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "بحر == العلوم" 2/ 303، "معالم التنزيل" 5/ 181، "لباب التأويل" 4/ 218، "إرشاد العقل السليم" 5/ 229.
(٤) "الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "بحر العلوم" 2/ 303، "معالم التنزيل" 5/ 181.
(٥) ذكر نحوه بلا نسبة السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 303، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 317.
(٦) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 390 أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 303.
(٧) "الكشف والبيان" 3/ 390 أ.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (وقع) 4/ 3935، "مقاييس اللغة" (وقع) 6/ 133، "القاموس المحيط" (وقع) (826)، "الصحاح" (وقع) 3/ 1301، "لسان العرب" (وقع) 8/ 4895.
(٩) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 181، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "لباب التأويل" 4/ 218.
(١٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 295، "تهذيب اللغة" (صرف) 2/ 2007،== "القاموس المحيط" (صرف) ص 772، "الصحاح" (صرف) 4/ 1385، "لسان العرب" (صرف) 8/ 2435 (١١) هذا صدر بيت لأبي كبير الهذلي.
وعجزه: أم لا خلود لباذل متكلف انظر: "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1084، "جامع البيان" 15/ 266، "النكت والعيون" 3/ 317، "البحر المحيط" 6/ 138، "الدر المصون" 7/ 510، "مجاز القرآن" 1/ 407، "لسان العرب" (صرف) 8/ 2435.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ الضمير للشياطين على وجه التحقير لهم أو للكفار أو لجميع الخلق، فيكون فيه ردّ على المنجمين وأهل الطبائع وسائر الطوائف المتخرصة ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ أي معيناً ومعنى المضلين: الذين يضلون العباد وذلك يقوّي أن المراد الشياطين ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ﴾ يقول هذا للكفار على وجه التوبيخ لهم، وأضاف تعالى الشركاء إلى نفسه على زعمهم، وقد بين هذا بقوله: الذين زعمتم ﴿ مَّوْبِقاً ﴾ أي مهلكاً، وهو اسم موضع أو مصدر من: وبق الرجل إذا هلك، وقد قيل: إنه واد من أودية جهنم، والضمير في بينهم للمشركين وشركائهم ﴿ فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ الظن هنا بمعنى اليقين ﴿ مَصْرِفاً ﴾ أي معدلاً ينصرفون إليه ﴿ جَدَلاً ﴾ أي مخاصمة ومدافعة بالقول ويقتضي سياق الكلام ذم الجدل، وسببها فيما قيل مجالة النضر بن الحارث، على أن الإنسان هنا يراد به الجنس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.
الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.
ما أشهدناهم يزيد.
الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.
الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.
الباقون بكسر القاف وفتح الباء.
﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.
الباقون بضم الميم وفتح اللام.
الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .
التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.
ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.
يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.
والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.
ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.
قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.
وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.
والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أي أطفالاً.
وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ .
وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.
وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.
أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.
﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.
والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.
﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.
ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.
وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.
قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.
وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.
وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.
وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.
وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.
والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.
وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.
عن رسول الله : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟
فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.
ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.
قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.
وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.
ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.
ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .
وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.
ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.
والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.
إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.
قال الجبائي.
في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.
فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.
ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.
وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.
وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.
ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.
قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".
وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.
وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.
وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.
وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.
قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.
ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.
وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".
وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.
قال أهل البرهان: قوله في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.
ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.
وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.
والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.
ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.
وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.
ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.
قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.
قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.
﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.
وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.
وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.
وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.
ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله .
والموعد يوم بدر.
وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.
أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.
وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.
ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.
﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.
التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.
﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.
﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .
والله أعلم.
(م).
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ ﴾ .
ذكر الله - عز وجل -: قصة آدم وإبليس في غير موضع من القرآن على الزيادة والنقصان؛ وإنما ذكر كذلك وكرّر لما كذلك كان في الكتب المتقدمة مكرراً معاداً؛ فذكر في القرآن على ما كان في تلك الكتب؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد حيث علموا أنه كان لا يعرف الكتب المتقدمة.
أو أن ما كرره لحاجات كانت لهم ولفوائد تكون في التكرار؛ ليكون لهم عظة وتنبيهاً في كل وقت وكل حال، وقد يكرّر الشيء ويعاد على التذكير والتنبيه، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: سمي من الجن؛ لأنه كان من الجان الذين يعملون في الجنان؛ فنسب إليهم.
وقال بعضهم: إن من الملائكة قبيلة يقال لها: الجن، فكان إبليس منها؛ فنسب إليها.
وقال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة قط طرفة عين؛ ولكنه من الجنّ، كما قال الله فهو أصل الجن، وهو أول من عصى ربه من الجن، [و] إن آدم هو أصل الإنس، وهو أبوهم؛ فعلى ذلك إبليس أبو الجنّ.
وقال بعضهم: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، أي: صار من الجنّ، وكذلك قالوا: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار من الكافرين.
وقال بعضهم: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، أي: كان في علم الله في الأزل أنه يكون من الجنّ، وكان في علم الله في الأزل أنه يكون من الكافرين وقت عصيانه ربه وإبائه السجود لآدم.
وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ .
قيل: عتا وعصى، وأصل الفسق: الخروج، أي: خرج عن أمر ربّه، وكذلك قال القتبي: ففسق، أي: خرج عن طاعته، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد بقوله: ﴿ مِن دُونِي ﴾ نفسه؛ فكأنه قال: أفتتخذونه وذريته أربابا وآلهة من دوني وهم لكم [عدو]، وليسوا بآلهة ولا أرباب؛ فكيف يجوز أن يتخذ العدو ربا وإلها؟!
والثاني: أنه أراد بقوله: ﴿ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي ﴾ ، أي: من دون أوليائي؛ فكأنه قال: أفتتخذونه وذريته أولياء من دون أوليائي، وهم لكم عدو، أي: كيف تتخذون الأعداء أولياء، وتتركون من هم لكم أولياء ولا تتخذونهم أولياء؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ ، أي: بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم أن عبدوا إبليس وأطاعوه؛ فبئس ذلك لهم بدلا.
أو أن يكون قوله: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ ، أي: ما اتخذوا أعداءهم أولياء بدلا عن أوليائه أو بدلا عن ألوهيته وربوبيته.
وقوله: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: قال هذا لمشركي العرب: حيث قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام التي عبدوها: إنها آلهة وإنها شركاؤه، فيقول: ما أشهدتهم خلق الملائكة وخلق الأرض ولا خلق أنفسهم، ولا كان لهم كتاب، ولا آمنوا برسول؛ فكيف عرفوا ما قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة وشركاؤه؟!
وأسباب العلم والمعارف هذا: إما المشاهدة وإما الرسل، فإذا لم يكن لهم واحد مما ذكرنا؛ فكيف عرفوا ربهم؟!
وبم علموا ما قالوا في الله من الولد والشركاء؟!
وإلى هذا يذهب الحسن.
ومنهم من قال: لاتخاذهم إبليس وذريته أولياء وأربابا، وهو صلة ما قال: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ...
﴾ الآية، وفيه وجوه من التأويل: يقول: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: ما استحضرتهم خلق أنفسهم؛ لأنهم لم يكونوا في ذلك الوقت، ولا خلق السماوات والأرض؛ لأنه خلقهما ولم يكونوا - أيضاً - شيئاً.
أو ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ ما أعلمتهم تدبير خلق السماوات والأرض، ولا تدبير خلق أنفسهم؛ فكيف قالوا ما قالوا في الله من الدعاوى؟!
والثالث: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ أي: ما استعنت بهم في خلق السماوات والأرض، ولا في خلق أنفسهم؛ فكيف أشركوا في ألوهيتي وربوبيتي، وما استعنت بهم في ذلك.
والله أعلم.
وقد استدل كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن خلق الشيء هو غير ذلك الشيء لأنه قال: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، وقد شهدوا السماوات والأرض، وشهدوا أنفسهم حتى قال لهم: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ ثم أخبر أنه لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم؛ دل أن خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم - غير السماوات والأرض وغير أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ : عن الإيمان والهدى أعوانا لديني.
والثاني: وما كنت متخذ المضلين عبادي بنصر ديني، أو بعون أوليائي.
وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ الذين أضلوا بني آدم عونا فيما خلقت من خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم، وهو إبليس وذريته.
أو ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ : أولياء، إنما اتخذتهم أعداء، وما كنت لأولي المضلين عضدا على أوليائي؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ونحوه، وكله قريب بعضه من بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ .
قال ﴿ شُرَكَآئِيَ ﴾ ؛ على زعمهم، وإلا: لم يكن لله شركاء.
﴿ فَدَعَوْهُمْ ﴾ .
يعني: دعوا الأصنام التي عبدوها.
﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: لم يجيبوهم في وقت، وقد أجابوهم في وقت آخر، وهو ما قالوا: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴾ ، ولكن قوله: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ ؛ لما كانوا يعبدونها في الدنيا، وإنما كانوا يعبدونها طمعا أن يكونوا لهم شفعاء وأنصارا؛ كقولهم ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ ﴾ فيكون قوله: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ : ما طمعوا هم بعبادتهم الأصنام: من الشفاعة، والنصرة، ودفع ما حل بهم عنهم، والمنع عن عذاب الله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ﴾ .
أي: بين أولئك وبين الأصنام، ﴿ مَّوْبِقاً ﴾ ، قال بعضهم: مهلكا.
وقال بعضهم: الموبق: الذي يفرق بينهم وبين آلهتهم في جهنم.
وقال بعضهم: نهر فيها.
وقال بعضهم: جعلنا وصلهم في الدنيا الذي كان بين المشركين وبين الأصنام موبقاً، أي: مهلكا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ .
أي: علموا وأيقنوا أنهم داخلوها.
﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً ﴾ .
أي: لم تقدر الأصنام التي عبدوها أن تصرف النار عنهم: قال أبو عبيدة: ﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً ﴾ ، أي: معدلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ قد ذكرناه وبيّناه في غير موضع، وقوله: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: من كل صفة؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ ، أي: الصفات العليا.
والثاني: المثل: هو الشبيه؛ كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
فإن كان التأويل: الشبيه؛ فكأنه يقول - والله أعلم - ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ ، أي: بينا ﴿ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ من كل ما بهم حاجة إلى معرفة ما غاب عنهم؛ جعل لهم شبيها مما شاهدوا أو عرفوا ليعرفوا به ما غاب عنهم.
وإن كان تأويل المثل: الصفة، فكأنه يقول - والله أعلم -: ولقد بيّنا في هذا القرآن من كل ما يؤتى وما يتقى صفة: يعرفون بها ما لهم وما عليهم، [و] ما يأتون وما يتقون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ ﴾ يعني: الكافر ﴿ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ ، أي: جدالا؛ كقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ ، أي: وكان جوهر الإنسان أكثر جدلا من غيرهم من الجواهر؛ لأن الجن لما عرض عليهم القرآن والآيات قبلوها على غير مجادلة ذكرت؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً...
﴾ الآية [الجن: 1]، وكذلك الملائكة لم يذكر منهم الجدال ولا المحاجة في ذلك.
وقد ظهر [في] جوهر الإنسان المجادلات والمحاجات في الآيات والحجج، من ذلك قوله: ﴿ هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ...
﴾ الآية [آل عمران: 66]، وقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ ، وأمثال هذا؛ لذا احتيج إلى إنزال كثرة الآيات والحجج؛ لكثرة ما ظهرت منهم المجادلة.
وفيه الإذن بالمجادلة والمحاجة في الدين على الوصف الذي ذكر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وعاين المشركون النار، فأيقنوا تمام اليقين أنهم واقعون فيها, ولم يجدوا عنها مكانًا ينصرفون إليه.
من فوائد الآيات على العبد الإكثار من الباقيات الصالحات، وهي كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة.
على العبد تذكر أهوال القيامة، والعمل لهذا اليوم حتى ينجو من أهواله، وينعم بجنة الله ورضوانه.
كَرَّم الله تعالى أبانا آدم والجنس البشري بأجمعه بأمره الملائكة أن تسجد له في بدء الخليقة سجود تحية وتكريم.
في الآيات الحث على اتخاذ الشيطان عدوًّا.
<div class="verse-tafsir" id="91.0k52o"