الآية ٥٥ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٥٥ من سورة الكهف

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّهُمْ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلًۭا ٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٥ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٥ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه ، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات [ والآثار ] والدلالات الواضحات ، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا ، كما قال أولئك لنبيهم : ( فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين ) [ الشعراء : 187 ] ، وآخرون قالوا : ( ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ) [ العنكبوت : 29 ] ، وقالت قريش : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) [ الأنفال : 32 ] ، ( وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ) [ الحجر : 7 ، 6 ] إلى غير ذلك [ من الآيات الدالة على ذلك ] .

ثم قال : ( إلا أن تأتيهم سنة الأولين ) من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم ، ( أو يأتيهم العذاب قبلا ) أي : يرونه عيانا مواجهة [ ومقابلة ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا (55) يقول عزّ ذكره: وما منع هؤلاء المشركين يا محمد الإيمان بالله إذ جاءهم الهدى بيان الله: وعلموا صحة ما تدعوهم إليه وحقيقته، والاستغفار مما هم عليه مقيمون من شركهم، إلا مجيئهم سنتنا في أمثالهم من الأمم المكذبة رسلها قبلهم، أو إتيانهم العذاب قُبلا.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: أو يأتيهم العذاب فجأة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا ) قال فجأة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقال آخرون: معناه: أو يأتيهم العذاب عيانا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا ) قال: قبلا معاينة ذلك القبل.

وقد اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة ذات عدد ( أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا ) بضم القاف والباء، بمعنى أنه يأتيهم من العذاب ألوان وضروب، ووجهوا القُبُل إلى جمع قبيل، كما يُجمع القتيل القُتُل، والجديد الجُدُد ، وقرأ جماعة أخرى: " أو يَأتِيَهُمُ العَذَابُ قِبَلا " بكسر القاف وفتع الباء،.

بمعنى أو يأتيهم العذاب عيانا من قولهم: كلمته قِبَلا.

وقد بيَّنت القول في ذلك في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى أي القرآن والإسلام ومحمد - عليه الصلاة والسلام -ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أي سنتنا في إهلاكهم أي ما منعهم عن الإيمان إلا حكمي عليهم بذلك ; ولو حكمت عليهم بالإيمان آمنوا .

وسنة [ ص: 382 ] الأولين عادة الأولين في عذاب الاستئصال .

وقيل : المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين فحذف .

وسنة الأولين معاينة العذاب ، فطلب المشركون ذلك ، وقالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية .أو يأتيهم العذاب قبلا نصب على الحال ، ومعناه عيانا قاله ابن عباس .

وقال الكلبي : هو السيف يوم بدر .

وقال مقاتل : فجأة وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي قبلا بضمتين أرادوا به أصناف العذاب كله ، جمع قبيل نحو سبيل وسبل .

النحاس : ومذهب الفراء أن قبلا جمع قبيل أي متفرقا يتلو بعضه بعضا .

ويجوز عنده أن يكون المعنى عيانا .

وقال الأعرج : وكانت قراءته قبلا معناه جميعا وقال أبو عمرو : وكانت قراءته قبلا ومعناه عيانا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ما منع الناس من الإيمان، والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق، بين الهدى والضلال، والحق والباطل، قد وصل إليهم، وقامت عليهم حجة الله، فلم يمنعهم عدم البيان، بل منعهم الظلم والعدوان، عن الإيمان، فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله، وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا، عوجلوا بالعذاب، أو يرون العذاب قد أقبل عليهم، ورأوه مقابلة ومعاينة، أي: فليخافوا من ذلك، وليتوبوا من كفرهم، قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ) القرآن والإسلام والبيان من الله عز وجل وقيل : إنه الرسول صلى الله عليه وسلم .

( ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين ) يعني سنتنا في إهلاكهم إن لم يؤمنوا .

وقيل : إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين من معاينة العذاب كما قالوا : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ( الأنفال - 32 ) .

( أو يأتيهم العذاب قبلا ) قال ابن عباس : أي : عيانا من المقابلة .

وقال مجاهد : فجأة ، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة : ( قبلا ) بضم القاف والباء ، جمع قبيل أي : أصناف العذاب نوعا نوعا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما منع الناس» أي كفار مكة «أن يؤمنوا» مفعول ثان «إذ جاءهم الهدى» القرآن «ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين» فاعل أي سنتنا فيهم وهي الإهلاك المقدر عليهم «أو يأتيهم العذاب قبلاً» مقابلة وعيناً، وهو القتل يوم بدر وفي قراءة بضمتين جمع قبيل أي أنواعا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما منع الناس من الإيمان -حين جاءهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومعه القرآن-، واستغفار ربهم طالبين عفوه عنهم، إلا تحدِّيهم للرسول، وطلبهم أن تصيبهم سنة الله في إهلاك السابقين عليهم، أو يصيبهم عذاب الله عِيانًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - الأسباب التى منعت بعض الناس من الإِيمان فقال : ( وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً ) .والمراد بالناس : كفار مكة ومن حذا حذوهم فى الشرك والضلال والمراد بسنة الأولين : ما أنزله - سبحانه - بالأمم السابقة من عذاب بسبب إصرارها على الكفر والجحود .والمعنى : وما منع الكفار من الإِيمان وقت أن جاءهم الهدى عن طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم ومن أن يستغفروا ربهم من ذنوبهم ، إلا ما سبق فى علمنا ، من أنهم لا يؤمنون ، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين ، أى : سنتنا فى إهلاكهم بعذاب الاستئصال بسبب إصرارهم على كفرهم .ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف ، و " أن " وما بعدها فى قوله ( إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ ) فى تأويل فاعل الفعل ( منع ) .والمعنى : وما منع الناس من الإيمان والاستغفار وقت مجئ الهدى إليهم ، إلا طلب إتيان سنة الأولين ، كأن يقولوا - كما حكى الله - تعالى - عن بعضهم : ( فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء إِن كُنتَ مِنَ الصادقين ) فسنة الأولين أنهم طلبوا من أنبيائهم تعجيل العذاب ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .وقوله : ( أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً ) بيان لعذاب آخر ينتظرونه .وكلمة ( قُبُلا ) قرأها عاصم والكسائى وحمزة - بضم القاف والباء - على أنها جمع قبيل وهو النوع فيكون المعنى : أو يأتيهم العذاب على صنوف وأنواع مختلفة ، ومن جهات متعددة يتلو بعضها بعضا .وقرأها الباقون : ( قِبَلا ) - بكسر القاف وفتح الباء - بمعنى عيانا ومواجهة .والمعنى : أو يأتيهم العذاب عيانا وجهارا ، وأصله من المقابلة ، لأن المتقابلين يعاين ويشاهد كل منهما الآخر .وهى على القراءتين منصوبة على الحالية من العذاب .فحاصل معنى الآية الكريمة أن هؤلاء الجاحدين لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا حين نزول العذاب الدنيوى بهم وهو ما اقتضته سنة الله - تعالى - فى أمثالهم ، أو حين نزول أصناف العذاب بهم فى الآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أولئك الكفرة لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم وبين تعالى بالوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبهتهم باطلة وذكر فيه المثلين المتقدمين، قال بعده: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرءان لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ ﴾ وهو إشارة إلى ما سبق والتصريف يقتضي التكرير والأمر كذلك لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوه كثيرة ومع تلك الجوابات الشافية والأمثلة المطابقة فهؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة فقال وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل وانتصاب قوله جدلاً على التمييز قال بعض المحققين والآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام جادلوهم في الدين حتى صاروا هم مجادلين لأن المجادلة لا تحصل إلا من الطرفين وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل، ثم قال: ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قالت المعتزلة: الآية دالة على أنه لم يوجد ما يمنع من الإقدام على الإيمان وذلك يدل على فساد قول من يقول إنه حصل المانع.

قال أصحابنا: العلم بأنه لا يؤمن مضاد لوجود الإيمان.

فإذا كان ذلك العلم قائماً كان المانع قائماً.

وأيضاً حصول الداعي إلى الكفر قائم وإلا لما وجب لأن الفعل الاختياري بدون الداعي محال، ووجود الداعي إلى الكفر مانع من حصول الإيمان.

وإذا ثبت هذا ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة.

البحث الثاني: المعنى أنه لما جاءهم الهدى وهو الدليل الدال على صحة الإسلام، وثبت أنه لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة والتخلية حاصلة.

والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على الإيمان ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الاولين ﴾ وهو عذاب الاستئصال ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً ﴾ قرأ حمزة وعاصم والكسائي قبلاً بضم القاف والباء جميعاً وهو جمع قبيل بمعنى ضروب من العذاب تتواصل مع كونهم أحياء وقيل مقابلة وعياناً والباقون قبلاً بكسر القاف وفتح الباء أي عياناً أيضاً، وروى صاحب الكشاف قبلاً بفتحتين أي مستقبلاً.

والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال فيهلكوا، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا، واعلم أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا على هذين الشرطين، لأن العاقل لا يرضى بحصول هذين الأمرين إلا أن حالهم شبيه بحال من وقف العمل على هذين الشرطين.

ثم بين تعالى أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين مع هذه الأحوال أنه يوجد من الكفار المجادلة بالباطل لغرض دحض الحق.

وهذا يدل على أن الأنبياء كانوا يجادلونهم لما بينا أن المجادلة إنما تحصل من الجانبين وبين تعالى أيضاً أنهم اتخذوا آيات الله وهي القرآن وإنذارات الأنبياء هزواً وكل ذلك يدل على استيلاء الجهل والقسوة.

قال النحويون ما في قوله: ﴿ وَمَا أُنْذِرُواْ ﴾ يجوز أن تكون موصولة ويكون العائد من الصلة محذوفاً ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إنذارهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أن ﴾ الأولى نصب.

والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس ﴾ الإيمان والاستغفار ﴿ إِلا ﴾ انتظار ﴿ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين ﴾ وهي الإهلاك ﴿ أَوْ ﴾ انتظار أن ﴿ يَأْتِيهِمُ العذاب ﴾ يعني عذاب الآخرة ﴿ قُبُلاً ﴾ عياناً.

وقرئ: ﴿ قِبَلا ﴾ أنواعاً: جمع قبيل.

و ﴿ قَبَلا ﴾ ، بفتحتين: مستقبلاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا ﴾ مِنَ الإيمانِ.

﴿ إذْ جاءَهُمُ الهُدى ﴾ وهو الرَّسُولُ الدّاعِي والقُرْآنُ المُبِينُ.

﴿ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ ﴾ ومِنَ الِاسْتِغْفارِ مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ إلّا طَلَبُ أوِ انْتِظارُ أوْ تَقْدِيرُ أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ، وهي الِاسْتِئْصالُ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ ﴾ عَذابُ الآخِرَةِ.

﴿ قُبُلا ﴾ عَيانًا.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ (قُبُلًا) بِضَمَّتَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ أوْ جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى أنْواعٍ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ وهو أيْضًا لُغَةٌ يُقالُ لَقِيتُهُ مُقابَلَةً وقَبَلًا وقُبُلًا وقَبَلِيًّا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ ﴿ العَذابُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى} أي سببه وهو الكتاب والرسول {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب} أن الأولى نصب والثانية رفع وقبلها مضاف محذوف تقديره وما منع الناس الإيمان والاستغفار انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك أو انتظار أن يأتيهم العذاب أي عذاب الآخرة {قُبُلاً} كوفي أي أنواعاً جمع قبيل الباقون قِبلا أي عياناً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما مَنَعَ النّاسَ ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ حُكِيَتْ أباطِيلُهُمْ، وما نافِيَةٌ.

وزَعَمَ بَعْضُهم وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانِ أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ مَنَعَهم ﴿ أنْ يُؤْمِنُوا ﴾ أيْ مِن إيمانِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وتَرْكِ ما هم فِيهِ مِنَ الإشْراكِ ﴿ إذْ جاءَهُمُ الهُدى ﴾ أيِ القُرْآنُ العَظِيمُ الهادِي إلى الإيمانِ بِما فِيهِ مِن فُنُونِ المَعانِي المُوجِبَةِ لَهُ أوِ الرَّسُولِ  ، وإطْلاقِ الهُدى عَلى كُلٍّ لِلْمُبالَغَةِ ﴿ ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَمّا فَرَطَ مِنهم مِن أنْواعِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُجادَلَتُهُمُ الحَقَّ بِالباطِلِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا بَعْدَ الإيمانِ التَّعْمِيمُ عَلى ما قِيلَ.

واسْتَدَلَّ بِهِ مَن زَعَمَ أنَّ الإيمانَ إذا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الِاسْتِغْفارُ لا يَجُبُّ ما قَبْلَهُ وهو خِلافُ ما اقْتَضَتْهُ الظَّواهِرُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا شَكَّ أنَّ الإيمانَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ أكْمَلُ مِنَ الإيمانِ وحْدَهُ، فَذُكِرَ مَعَهُ لِتُفِيدَ الآيَةُ ما مَنَعَهم مِنَ الِاتِّصافِ بِأكْمَلِ ما يُرادُ مِنهُمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ذُكِرَ الِاسْتِغْفارُ بَعْدَ الإيمانِ لِتَأْكِيدِ أنَّ المُرادَ مِنهُ الإيمانُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ نِفاقٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا إيمانًا حَقِيقِيًّا ﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ وهم مِن أهْلِكَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وإضافَةُ السُّنَّةِ إلَيْهِمْ قِيلَ: لِكَوْنِها جارِيَةً عَلَيْهِمْ وهي في الحَقِيقَةِ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، والمُرادُ بِها الإهْلاكُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وإذا فُسِّرَتِ السُّنَّةُ بِالهَلاكِ لَمْ تَحْتَجْ لِما ذُكِرَ، وأنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ وهو فاعِلُ ﴿ مَنَعَ ﴾ والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: ما مَنَعَهم مِن ذَلِكَ إلّا طَلَبُ الهَلاكِ في الدُّنْيا؛ قالَهُ الزَّجّاجُ، وجَوَّزَ صاحِبُ الفَيْنانِ تَقْدِيرَ «انْتِظارُ»؛ أيْ: ما مَنَعَهم إلّا انْتِظارُ الهَلاكِ، وقَدَّرَ الواحِدِيُّ «تَقْدِيرُ» أيْ: ما مَنَعَهم إلّا تَقْدِيرُ اللَّهِ تَعالى إتْيانَ الهَلاكِ عَلَيْهِمْ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، ويَأْباهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَوْنُ السُّورَةِ مَكِّيَّةً إلّا ما اسْتُثْنِيَ، والدّاعِي لِتَقْدِيرِ المُضافِ أنَّهُ لَوْ كانَ المانِعُ مِن إيمانِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ نَفْسَ إتْيانِ الهَلاكِ كانُوا مَعْذُورِينَ وأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ المُعَدَّ لِلْكُفّارِ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا ﴾ مُنْتَظَرٌ قَطْعًا، يَمِيلُ لِأنَّ زَمانَ إتْيانِ العَذابِ مُتَأخِّرٌ عَنِ الزَّمانِ الَّذِي اعْتُبِرَ لِإيمانِهِمْ واسْتِغْفارِهِمْ فَلا يَتَأتّى ما نَعَيْتَهُ مِنهُما.

واعْتُرِضَ تَقْدِيرُ الطَّلَبِ بِأنَّ طَلَبَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ وهو لِمَنعِهِمْ عَنِ الإيمانِ، فَلَوْ كانَ مَنعُهم لِلطَّلَبِ لَزِمَ الدَّوْرُ.

ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ بِالطَّلَبِ سَبَبُهُ؛ وهو تَعَنُّتُهم وعِنادُهُمُ الَّذِي جَعَلَهم طالِبِينَ لِلْعَذابِ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ ﴾ إلَخْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِمْ مَن يُنْكِرُ حَقِيَةَ الإسْلامِ كَما أنَّ فِيهِمُ المُعانِدَ، ولا يَظْهَرُ وجْهُ كَوْنِ الطَّلَبِ ناشِئًا عَنْ إنْكارِ الحَقِّيَّةِ وكَذا لا يَظْهَرُ كَوْنُهُ ناشِئًا عَنِ العِنادِ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الطَّلَبِ مُسْتَمِرٌّ فَلا يَكُونُ الطَّلَبُ مانِعًا.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُتَقَدِّمَ عَلى الطَّلَبِ هو عَدَمُ الإيمانِ السّابِقِ ولَيْسَ الطَّلَبُ بِمانِعٍ مِنهُ بَلْ هو مانِعٌ مِمّا تَحَقَّقَ بَعْدُ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الطَّلَبِ الطَّلَبُ الصُّورِيُّ اللِّسانِيُّ لا الحَقِيقِيُّ القَلْبِيُّ؛ فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ لا يَطْلُبُ الهَلاكَ والعَذابَ طَلَبًا حَقِيقِيًّا قَلْبِيًّا، ومِنَ الطَّلَبِ الصُّورِيِّ مَنشَؤُهُ وما هو دَلِيلٌ عَلَيْهِ وهو تَكْذِيبُ النَّبِيِّ  بِما أوْعَدَ بِهِ مِنَ العَذابِ والهَلاكِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي أمَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا تَكْذِيبُهم إيّاهُ بِما أوْعَدَهُ عَلى تَرْكِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.

وقِيلَ: الحَقُّ أنَّ الآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ الطَّلَبِ مِن قَوْلِكَ لِمَن يَعْصِيكَ: أنْتَ تُرِيدُ أنْ أضْرِبَكَ وهو عَلى تَنْزِيلِ الِاسْتِحْقاقِ مَنزِلَةَ الطَّلَبِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَهم مِن ذَلِكَ إلّا اسْتِحْقاقُ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ أوِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ والِاتِّصافَ بِالكُفْرِ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ فَيَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الِاسْتِحْقاقُ مانِعًا مِنهُ انْعَكَسَ أمْرُ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ فَيَلْزَمُ اتِّصافُ الواحِدِ بِالشَّخْصِ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ وأنَّهُ باطِلٌ، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِ عَدَمِ الإيمانِ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقاقِ في الحَقِيقَةِ وإنَّما هو سَبَبٌ صُورِيٌّ والسَّبَبُ الحَقِيقِيُّ سُوءُ اسْتِعْداداتِهِمْ وخَباثَةُ ماهِيّاتِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ، وهَذا كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقاقِ كَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِلِاتِّصافِ بِالكُفْرِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: هو مانِعٌ مِنَ الإيمانِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ الطَّلَبِ الطَّلَبُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ وإنَّ مَآلَ الآيَةِ: ما مَنَعَهم مِن ذَلِكَ إلّا اسْتِعْداداتُهم وطَلَبُ ماهِيّاتِهِمْ لِضِدِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ طَلَبَ اسْتِعْداداتِهِمْ لِلْهَلاكِ أوِ العَذابِ المُتَرَتِّبِ عَلى الضِّدِّ اسْتِعْدادٌ لِلضِّدِّ وطَلَبٌ لَهُ، ورُبَّما يُقالُ بِناءً عَلى هَذا: إنَّ المَفْهُومَ مِنَ الآياتِ أنَّ الكُفّارَ لَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ يُنَبِّهُهم مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ يَحْتَجُّونَ لَوْ عُذِّبُوا بِعَدَمِ إتْيانِهِ فَيَقُولُونَ: مَنَعَنا مِنَ الإيمانِ أنَّهُ لَمْ يَأْتِنا رَسُولٌ ومَآلُهُ: مَنَعَنا مِن ذَلِكَ الغَفْلَةُ ولا يَجِدُونَ حُجَّةً أبْلَغَ مِن ذَلِكَ وأنْفَعَ في الخَلاصِ، وأمّا سُوءُ الِاسْتِعْدادِ وخَباثَةُ الذّاتِ فَبِمَراحِلَ مِن أنْ يَحْتَجُّوا بِهِ ويَجْعَلُوهُ مانِعًا فَلا بُعْدَ في أنْ يُقَدَّرَ الطَّلَبُ ويُرادَ مِنهُ ظاهِرُهُ وتَكُونَ الآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ: ولا عَيْبَ فِيهِمُ ∗∗∗ البَيْتَ.

والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهم مانِعٌ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ  يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً لَهم أصْلًا كَأنَّهُ قِيلَ: لا مانِعَ لَهم مِن أنْ يُؤْمِنُوا أوْ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم ولا حُجَّةَ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ الَّذِي بَلَّغَ ما بَلَّغَ مِنَ الهُدى إلّا طَلَبُ ما أُوعِدُوا بِهِ مِن إتْيانِ الهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ أوِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ عَلى فَرْضِ تَحَقُّقِهِ مِنهم لا يَصْلُحُ لِلْمانِعِيَّةِ والحُجِّيَّةِ لَمْ يَبْقَ مانِعٌ وحُجَّةٌ عِنْدِهِمْ أصْلًا.

انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا يَرِدُ عَلَيْهِ بَعِيدٌ، وإنْكارُ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ، والأوْلى تَقْدِيرُ التَّقْدِيرِ وهو مانِعٌ بِلا شُبْهَةٍ إلّا أنَّ القائِلِينَ بِالِاسْتِعْدادِ حَسْبَما تَعْلَمُ يَجْعَلُونَ مَنشَأهُ الِاسْتِعْدادَ، وفي مَعْناهُ تَقْدِيرُ الإرادَةِ؛ أيْ: إرادَتُهُ تَعالى وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ، ودَفَعَ التَّنافِيَ بَيْنَ الحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن هَذِهِ الآيَةِ والحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا ﴾ بِأنَّ الحَصْرَ الأوَّلَ في المانِعِ الحَقِيقِيِّ؛ فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى هي المانِعَةُ عَلى الحَقِيقَةِ والثّانِي في المانِعِ العادِيِّ وهو اسْتِغْرابُ بَعْثِ بَشَرٍ رَسُولٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا اسْتِغْرابُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الإسْراءِ ما يَنْفَعُكَ في الجَمْعِ بَيْنَ الحَصْرَيْنِ فَتَذَكَّرْ فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ.

وادَّعى الإمامُ تَعَدُّدَ المَوانِعِ، وأنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ فِقْدانُ نَوْعٍ مِنها فَقالَ: قالَ الأصْحابُ: إنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُضادٌّ لِوُجُودِ إيمانِهِمْ، فَإذًَا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ قائِمًا كانَ المانِعُ قائِمًا، وأيْضًا حُصُولُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ قائِمٌ وإلّا لَما حَصَلَ لِأنَّ حُصُولَ الفِعْلِ الِاخْتِيارِيِّ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، ووُجُودَ الدّاعِي إلى الكُفْرِ مانِعٌ مِن حُصُولِ الإيمانِ فَلا بُدَّ أنْ يُقالَ: المُرادُ فِقْدانُ المَوانِعِ المَحْسُوسَةِ انْتَهى فَلْيُتَأمَّلْ فِيهِ.

والقُبُلُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَبِيلٍ وهو النَّوْعُ؛ أيْ: أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ أنْواعًا وألْوانًا أوْ هو بِمَعْنى قِبَلًا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ كَما قَرَأ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ؛ أيْ: عِيانًا فَإنَّ أبا عُبَيْدَةَ حَكاهُما مَعًا بِهَذا المَعْنى، وأصْلُهُ بِمَعْنى المُقابَلَةِ فَإذا دَلَّ عَلى المُعايَنَةِ، ونَصَبَهُ عَلى الحالِ، فَإنْ كانَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ فَمَعْناهُ: مُعايِنِينَ بِكَسْرِ الياءِ أوْ بِفَتْحِها أوْ مُعايَنِينَ لِلنّاسِ لِيُفْتَضَحُوا، وإنْ كانَ مِنَ العَذابِ فَمَعْناهُ مُعايَنًا لَهم أوْ لِلنّاسِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: «قِبْلًا» بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الباءِ وهو كَما في البَحْرِ تَخْفِيفُ قُبُلٍ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ.

وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُرِئَ: «قَبَلًا» بِفَتْحَتَيْنِ؛ أيْ: مُسْتَقْبَلًا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ غَزْوانَ عَنْ طَلْحَةَ: «قَبِيلًا» بِقافٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ؛ أيْ: عِيانًا ومُقابَلَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا يقول: لم يمنع المشركون أن يصدقوا.

إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى، يعني: الرسول والكتاب والدلائل والحجج، قوله: وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ، أي وما منعهم من الاستغفار والرجوع عن شركهم، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، أي عذاب الأمم الخالية.

أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا، أي عياناً بالسيف.

قرأ عاصم وحمزة والكسائي قُبُلًا بضم القاف والباء، وقرأ الباقون بكسر القاف ونصب الباء.

فمن قرأ بالضم فهو بمعنى: فعل من قبل، أي مما يقابلهم، ويجوز أن يكون جمع قبيل، هو أن يأتيهم العذاب أنواعاً، ومن قرأ بالكسر معناه: عيانا.

وقال: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي للمؤمنين بالجنة، وَمُنْذِرِينَ أي للكافرين بالنار وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ أي يخاصموا بالباطل لِيُدْحِضُوا بِهِ أي ليزيلوا ويذهبوا به الْحَقَّ ومنه يقال: حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ، إذا زالت عن المحجّة وقال مقاتل: لِيُدْحِضُوا بِهِ أي ليبطلوا به الحقَّ، يعني: القرآن والإسلام، يعني: يريدون أن يفعلوا إن قدروا عليه.

وَاتَّخَذُوا آياتِي، يعني: القرآن وَما أُنْذِرُوا، أي وما خوفوا به هُزُواً أي سخرية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الاستغاثة بهم، واختلف في قوله: مَوْبِقاً، فقال ابن عباس: معناه مهلكاً «١» ، وقال عبد اللَّه بن عمر وأنس بن مالك ومجاهد: مَوْبِقاً هو وادٍ في جهنَّم يجري بدَمٍ وصديدٍ «٢» .

قال أنس: يحجز بين أهل النار وبَيْن المؤمنين «٣» .

وقوله سبحانه: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي: مباشروها، وأطلق الناس أنَّ الظنَّ هنا بمعنى اليقين.

قال ع «٤» : والعبارة بالظَّنِّ لا تجيء أبداً في موضع يقينٍ تامِّ قد قَالَهُ الحَسَن «٥» بل أعظم درجاته أن يجيء، في موضع متحقِّق، لكنه لم يقع ذلك المظْنُونُ، والاَّ فمذْ يقع ويُحَسُّ لا يكادُ توجَدُ في كلامِ العربِ العبارةُ عنه بالظَّنِّ، وتأمَّل هذه الآية، وتأمَّل كلام العرب، وروي أبو سعيد الخدريّ، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ الكَافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ، ويَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» «٦» ، و «المَصْرِف» : المَعْدِل والمَرَاغ، وهو مأخوذ من الانصرافِ من شيء إلى شيء.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في ( بَنِي إسْرائِيلَ: ٤١ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ جِدالُهُ في القُرْآَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وكانَ جِدالُهُ في البَعْثِ حِينَ أتى بِعَظْمٍ قَدْ رُمَّ، فَقالَ: أيَقْدِرُ اللَّهُ عَلى إعادَةِ هَذا ؟

قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ يُجادِلُ، والإنْسانُ أكْثَرُ هَذِهِ الأشْياءِ جَدَلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ﴿ إذْ جاءَهُمُ الهُدى ﴾ وهو مُحَمَّدٌ  والقُرْآَنُ والإسْلامُ، ﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ وهو أنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ إلّا طَلَبُ أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: وما مَنَعَ الشَّيْطانُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا لِأنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ؛ أيْ: مَنَعَهم رُشْدَهم لِكَيْ يَقَعَ العَذابُ بِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: ما مَنَعَهم إلّا أنِّي قَدْ قَدَّرْتُ عَلَيْهِمُ العَذابَ.

وهَذِهِ الآَيَةُ فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " أوْ " هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى الواوِ.

والثّانِي: أنَّها لِوُقُوعِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ؛ إذْ لا فائِدَةَ في بَيانِهِ.

والثّالِثُ: أنَّها دَخَلَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: أنَّ بَعْضَهم يَقَعُ بِهِ هَذا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ قَدْ أسْلَفْنا بَيانَها في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُبُلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( قِبَلًا ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُبُلًا ) بِضَمِّ القافِ والباءِ.

وقَدْ بَيَّنّا عِلَّةَ القِراءَتَيْنِ في ( الأنْعامِ: ١١١) .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ( قَبَلًا ) بِفَتْحِ القافِ مِن غَيْرِ ياءٍ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ: اسْتِئْنافًا.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المُرادُ بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ: العَذابُ، فَما فائِدَةُ التَّكْرارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ أفادَتْ عَذابًا مُبْهَمًا يُمْكِنُ أنْ يَتَراخى وقْتُهُ وتَخْتَلِفَ أنْواعُهُ، وإتْيانُ العَذابِ قُبُلًا أفادَ القَتْلَ يَوْمَ بَدْرٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: ﴿ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ : عَذابُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ﴿ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا ﴾ ؛ أيْ: عَيانًا قَتْلًا بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مَنَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا ﴾ ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴾ ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عنها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَأسُّفٍ عَلَيْهِمْ، وتَنْبِيهٍ عَلى فَسادِ حالِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا المَنعَ لَمْ يَكُنْ بِقَصْدٍ مِنهم أنْ يَمْتَنِعُوا لِيَجِيئَهُمُ العَذابُ، وإنَّما امْتَنَعُوا هم مَعَ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم مُصِيبُونَ، لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ يَسُوقُهم إلى هَذا، فَكَأنَّ حالَهم يَقْتَضِي التَأسُّفَ عَلَيْهِمْ، و"الناسُ" يُرادُ بِهِ كُفّارُ عَصْرِ رَسُولِ اللهِ  الَّذِينَ تَوَلَّوْا دَفْعَ الشَرِيعَةِ وتَكْذِيبَها و"الهُدى" هو شَرْعُ اللهِ تَعالى، والبَيانُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، و"الِاسْتِغْفارُ" هُنا طَلَبُ المَغْفِرَةِ عَلى فارِطِ الذَنْبِ كُفْرًا وغَيْرَهُ.

و ﴿ سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ هي عَذابُ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ مِنَ الغَرَقِ والصَيْحَةِ والظُلَّةِ والرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا ﴾ ، أيْ: مُقابِلَةً عِيانًا، والمَعْنى عَذابًا غَيْرَ المَعْهُودِ، فَتَظْهَرُ فائِدَةُ التَقْسِيمِ، وكَذَلِكَ صَدَقَ هَذا الوَعِيدُ في بَدْرٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "قُبُلًا" مَعْناهُ: فَجْأةً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "قِبَلا" بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "قُبُلا" بِضَمِّ القافِ والباءِ، ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "قِبَلَ"؛ لِأنَّ أبا عِيسى حَكاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المُقابَلَةِ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "قُبَيْلٍ"، أيْ: يَجِيئُهُمُ العَذابُ أنْواعًا وألْوانًا.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ أيْضًا: "قُبْلا" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ ﴾ الآيَةُ.

كَأنَّهُ لَمّا تَفَجَّعَ عَلَيْهِمْ وعَلى ضَلالِهِمْ ومَصِيرِهِمْ بِآرائِهِمْ إلى الخَسارِ، قالَ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا، والرُسُلُ لَمْ نَبْعَثْهم لِيُجادِلُوا، ولا لِتُتَمَنّى عَلَيْهِمُ الِاقْتِراحاتُ، وإنَّما بَعَثْناهم مُبَشِّرِينَ مَن آمَنَ بِالجَنَّةِ، ومُنْذِرِينَ مَن كَفَرَ بِالنارِ.

و"يُدْحِضُوا" مَعْناهُ: يَزْهَقُوا، والدَحْضُ: الطِينُ الَّذِي يُزْلَقُ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَدِيتُ ونَجّى اليَشْكُرِيَّ جِذارُهُ ∗∗∗ وحادَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَحْضِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَوَعُّدٌ.

و"الآياتُ" تَجْمَعُ آياتِ القُرْآنِ والعَلاماتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴾ يُرِيدُ: مِنَ عَذابِ الآخِرَةِ، والتَقْدِيرُ: وما أُنْذِرُوهُ، فَحَذَفَ الضَمِيرَ.

و"الهُزْءُ": السَخْرُ والِاسْتِخْفافُ، كَقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ"، وقَوْلُهُمْ: "لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، وهَذا مِن أفْصَحِ التَقْرِيرِ، أنْ يُوقَّفَ المَرْءُ عَلى ما لا جَوابَ لَهُ فِيهِ إلّا الَّذِي يُرِيدُ خَصْمُهُ، فالمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ هَذِهِ صَفَتُهُ، أنْ يُعْرِضَ عَنِ الآياتِ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلَيْها بِالتَذْكِيرِ، ويَنْسى ويَطَّرَحُ كَبائِرَهُ الَّتِي أسْلَفَها، هَذِهِ غايَةُ الإهْمالِ.

ونَسَبُ السَيِّئاتِ إلى اليَدَيْنِ مِن حَيْثُ كانَتِ اليَدانِ آلَةَ التَكَسُّبِ في الأُمُورِ الجِرْمِيَّةِ، فَجُعِلَتْ كَذَلِكَ في المَعانِي اسْتِعارَةٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم وعن فِعْلِهِ بِهِمْ جَزاءً عَلى اعْتِراضِهِمْ وتَكَسُّبِهِمِ القَبِيحَ بِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً، وهي جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِلافُ الساتِرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا وما أشْبَهَهُ مِنَ الخَتْمِ والطَبْعِ ونَحْوَهُ، هَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ؟

والحَقِيقَةُ في هَذا غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ، والتَجَوُّزُ أيْضًا فَصِيحٌ، أيْ: لِما كانَتْ هَذِهِ المَعانِي مانِعَةً في الأجْسامِ وحائِلَةً اسْتُعِيرَتْ لِلْقُلُوبِ الَّتِي قَدْ أنْساها اللهُ تَعالى وأقْصاها عَنِ الخَيْرِ.

وأمّا "الوَقْرُ في الآذانِ" فاسْتِعارَةٌ بَيِّنَةٌ لِأنَّ الكَفَرَةَ يَسْمَعُونَ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ سَماعًا تامًّا، ولَكِنْ لَمّا كانُوا لا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِيهِمْ إلّا كَما يُؤَثِّرُ في الَّذِي بِهِ وقْرٌ فَلا يَسْمَعُ، شُبِّهُوا بِهِ، وكَذَلِكَ العَمى والصَمَمِ والبُكْمِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ، وإنَّما الخِلافُ في أوصافِ القَلْبِ، هَلْ هي حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ؟

و"الوَقْرُ": الثِقَلُ في السَمْعِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم وإنْ دُعُوا إلى الهُدى فَإنَّهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا، وهَذا يَخْرُجُ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا اللَفْظُ العامُ يُرادُ بِهِ الخاصُّ مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولا يَهْتَدِي أبَدًا، ويَخْرُجُ عَنِ العُمُومِ كُلُّ مَن قَضى اللهُ بِهُداهُ في ثانِي حالٍ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ: وإنْ تَدَعُهم إلى الهُدى جَمِيعًا فَلَنْ يُؤْمِنُوا جَمِيعًا أبَدًا، أيْ: أنَّهم رُبَّما آمَنَ مِنهُمُ الأفْرادُ، ويَضْطَرُّنا إلى أحَدِ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ أنّا نَجْدُ المُخْبِرَ عنهم بِهَذا الخَبَرِ قَدْ آمَنَ مِنهم واهْتَدى كَثِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ﴾ [الكهف: 54] الخ.

ومعناها متصل تمام الاتصال بمعنى الجملة التي قبلها بحيث لو عطفت عليها بفاء التفريع لكان ذلك مقتضى الظاهر وتعتبر جملة ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ [الكهف: 54] معترضة بينهما لولا أن في جعل هذه الجملة مستقلة بالعطف اهتماماً بمضمونها في ذاته، بحيث يعدّ تفريعه على مضمون التي قبلها يحيد به عن الموقع الجدير هُو به في نفوس السامعين إذ أريد أن يكون حقيقة مقررة في النفوس.

ولهذه الخصوصية فيما أرى عُدل في هذه الجملة عن الإضمار إلى الإظهار بقوله: وما منع الناس } وبقوله: ﴿ إذ جاءهم الهدى ﴾ دون أن يقول: وما منعهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى قصداً لاستقلال الجملة بذاتها غير مستعانة بغيرها، فتكون فائدة مستقلة تسْتأهل توجه العقول إلى وعيها لذاتها لا لأنها فرع على غيرها.

على أن عموم ﴿ الناس ﴾ هنا أشمل من عموم لفظ ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ [الكهف: 54] فإن ذلك يعم الناس الذين يسمعون القرآن في أزمان ما بعد نزول تلك الآية، وهذا يعم الناس كلهم الذين امتنعوا من الإيمان بالله.

وكذلك عموم لفظ الهدى} يشمل هدى القرآن وما قبله من الكتب الإلهية وأقوال الأنبياء كلها، فكانت هذه الجملة قياساً تمثيلياً بشواهد التاريخ وأحوال تلقي الأمم دعوات رسلهم.

فالمعنى: ما منع هؤلاء المشركين من الإيمان بالقرآن شيء يَمنع مثلُه، ولكنهم كالأمم الذين قبلهم الذين جاءهم الهدى بأنواعه من كتب وآيات وإرشاد إلى الخير.

والمرد ب ﴿ الأولين ﴾ السابقون من الأمم في الضلال والعناد.

ويجوز أن يراد بهم الآباء، أي سنة آبائهم، أي طريقتهم ودينهم، ولكل أمة أمةٌ سبقتها.

و ﴿ أن تأتيهم ﴾ استثناء مفرغ هو فاعل ﴿ وما منع ﴾ .

«ولن يؤمنوا» منصوب على نزع الخافض، أي من أن يؤمنوا.

ومعنى ﴿ تأتيهم سنة الأولين ﴾ تحل فيهم وتعتريهم، أي تُلقى في نفوسهم وتسول إليهم.

والمعنى: أنهم يُشبهون خلق من كانوا قبلهم من أهل الضلال ويقلدونهم، كما قال تعالى: ﴿ أتواصوا به بل هم قوم طاغون ﴾ [الذاريات: 53].

وسنة الأولين: طريقتهم في الكفر.

وإضافة (سنة) إليهم تشبه إضافة المصدر إلى فاعله، أي السنة التي سَنّها الأولون.

وإسناد مَنْعهم من الإيمان إلى إتيان سنة الأولين استعارة.

والمعنى: ما منع الناس أن يؤمنوا إلا الذي منع الأولين قبلهم من عادة العناد والطغيان وطريقتهم في تكذيب الرسل والاستخفاف بهم.

وذكر الاستغفار هنا بعد ذكر الإيمان تلقين إياهم بأن يبادروا بالإقلاع عن الكفر وأن يتوبوا إلى الله من تكذيب النبي ومكابرته.

و (أو) هي التي بمعنى (إلى)، وانتصاب فعل يأتيهم العذاب } (بأن) مضمرة بعد (أو).

و(أو) متصلة المعنى بفعل ﴿ منع ﴾ ، أي منعهم تقليدُ سنة الأولين من الإيمان إلى أن يأتيهم العذاب كما أتى الأولين.

هذا ما بدا لي في تفسير هذه الآية وأراه أليق بموقع هاته الآية من التي قبلها.

فأما جميع المفسرين فقد تأولوا الآية على خلاف هذا على كلمة واحدة فجعلوا المراد بالناس عينَ المراد بهم في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ﴾ [الكهف: 54]، أي ما منع المشركين من الإيمان بالله ورسوله.

وجعلوا المراد بالهدى عين المراد بالقرآن، وحملوا سنة الأولين على معنى سنة الله في الأولين، أي الأمم المكذبين الماضين، أي فإضافة ﴿ سنة ﴾ إلى ﴿ الأولين ﴾ مِثل إضافة المصدر إلى مفعوله، وهي عادة الله فيهم، أي يعذبهم عذاب الاستيصال.

وجعلوا إسناد المنع من الإيمان إلى إتيان سنة الأولين، بتقدير مضاف، أي انتظار أن تأتيهم سنة الله في الأولين، أي ويكون الكلام تهكماً وتعريضاً بالتهديد بحلول العذاب بالمشركين، أي لا يؤمنون إلا عند نزول عذاب الاستيصال، أي على معنى قوله تعالى: ﴿ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا ﴾ [يونس: 102].

وجعلوا قوله: أو يأتيهم العذاب قبلاً } قسيماً لقوله: ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ ، فحرف (أو) للتقسيم، وفعل ﴿ يأتيهم ﴾ منصوب بالعطف على فعل ﴿ أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ بالاستيصال المفاجئ أو يأتيهم العذاب مواجهاً لهم.

وجعلوا ﴿ قِبلاً ﴾ حالاً من ﴿ العذاب ﴾ ، أي مقابلاً.

قال الكلبي: وهو عذاب السيف يوم بدر.

ولعله يريد أنه عذاب مقابلةٍ وجهاً لوجه، أي عذاب الجلاد بالسيوف.

ومعناه: أن المُشركين منهم من ذاق عذاب السيف في غزوات المسلمين، ومنهم من مات فهو يرى عذاب الآخرة.

وعلى هذا التفسير الذي سلكوه ينسلخ من الآية معنى التذييل، وتُقصر على معنى التهديد.

والإتيان: مجاز في الحصول في المستقبل، لوجود (أن) المصدرية التي تخلص المضارع للاستقبال، وهو استقبال نسبي فلكل أمة استقبال سنة من قبلها.

والسنة: العادة المألوفة في حال من الأحوال.

وإسناد منعهم الإيمان إلى إتيان سنة الأولين أو إتيان العذاب إسناد مجاز عقلي.

والمراد: ما منعهم إلا سبب إتيان سنة الأولين لهم أو إتيان العذاب.

وسبب ذلك هو التكبر والمكابرة والتمسك بالضلال، أي أنه لا يوجد مانع يمنعهم الإيمان يخولهم المعذرة به ولكنهم جروا على سنن من قبلهم من الضلال.

وهذا كناية عن انتفاء إيمانهم إلى أن يحل بهم أحد العذابين.

وفي هذه الكناية تهديد وإنذار وتحذير وحث على المبادرة بالاستغفار من الكفر.

وهو في معنى قوله تعالى: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ﴾ [يونس: 96 97].

وقِبَلاً } حال من العذاب.

وهو بكسر القاف وفتح الباء في قراءة الجمهور بمعنى المقابل الظاهر.

وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين وهو جمع قبيل، أي يأتيهم العذاب أنواعاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما مَنَعَ النّاسُ أنْفُسَهم أنْ يُؤْمِنُوا.

الثّانِي: ما مَنَعَ الشَّيْطانُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا.

وَفي هَذا الهُدى وجْهانِ: أحَدُهُما: حُجَجُ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ووُجُوبِ طاعَتِهِ.

الثّانِي: رَسُولُ اللَّهِ  المَبْعُوثُ لِهِدايَةِ الخَلْقِ.

﴿ إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ عادَةُ الأوَّلِينَ في عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

﴿ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ قُبُلا ﴾ بِضَمِّ القافِ والباءِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُجاهٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلٍ مَعْناهُ ضُرُوبُ العَذابِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ: مِن أمامِهِمْ مُسْتَقْبِلًا لَهم فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ هَوْلُ مُشاهَدَتِهِ.

وَقَرَأ الباقُونَ قِبَلًا بِكَسْرِ القافِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُقابَلَةً.

الثّانِي: مُعايَنَةً.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِعَذابٍ مِنَ السَّماءِ، لا مِن قِبَلِ المَخْلُوقِينَ؛ لِأنَّهُ يَعُمُّ ولا يُبْقِي فَهو أشَدُّ وأعْظَمُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِيُذْهِبُوا بِهِ الحَقَّ، ويُزِيلُوهُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: لِيُبْطِلُوا بِهِ القُرْآنَ ويُبَدِّلُوهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: لِيُهْلِكُوا بِهِ الحَقَّ.

والدّاحِضُ الهالِكُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّحْضِ وهو المَوْضِعُ المُزْلِقُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ خُفٌّ ولا حافِرٌ ولا قَدَمٌ، قالَ الشّاعِرُ: رَدَيْتُ ونَجّى اليَشْكُرِيَّ حِذارُهُ وحادَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ ﴿ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الآيَةَ البُرْهانُ، وما أُنْذِرُوا القُرْآنُ.

الثّانِي: الآياتُ القُرْآنُ وما أُنْذِرُوا النّاسُ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ هُزُوًا ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَعِبًا.

الثّانِي: باطِلًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأوّلين ﴾ قال: عقوبة الأولين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه قرأ ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: قبائل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: فجأة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة أنه قرأ ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ أي عياناً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش في قوله: ﴿ قبلاً ﴾ قال: جهاراً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: مقابلهم فينظرون إليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ونسي ما قدمت يداه ﴾ أي نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بما كسبوا ﴾ يقول: بما علموا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ بل لهم موعد ﴾ قال: الموعد يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لن يجدوا من دونه موئلاً ﴾ قال: ملجأ.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لن يجدوا من دونه موئلاً ﴾ قال: مجوزاً.

وفي قوله: ﴿ وجعلنا لمهلكهم موعداً ﴾ قال: أجلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن العباس بن عزوان أسنده في قوله: ﴿ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً ﴾ قال: قضى الله العقوبة حين عصي، ثم أخرها حتى جاء أجلها، ثم أرسلها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد أهل مكة) (١) ﴿ أَنْ يُؤْمِنُوا ﴾ أي: الإيمان ﴿ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى ﴾ محمد -  - جاءهم من الله بالرشاد والبيان (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ ﴾ عطف على أن يؤمنوا.

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾ قال صاحب النظم: ( ﴿ سُنَّةُ اَلأَوَّلِينَ ﴾ أنهم إذا تمردوا ولم يؤمنوا أن يعذبوا ويهلكوا) (٤) يقول: فقدرت على هؤلاء العذاب أي: لم أقدر عليهم الإيمان، فذلك الذي يمنعهم من الإيمان؛ لأني قد قدرت عليهم الإهلاك وهو سنة الأولين (٥) وقال أبو إسحاق: (المعنى إلاَّ طلب أن تأتيهم سنة الأولين، وسنة الأولين أنهم عاينوا العذاب فطلب المشركون ذلك ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ  ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ﴾ قال ابن عباس والكلبي: (يريد قتل المؤمنين إياهم ببدر) (٧) ﴿ قبُلًا ﴾ : عيانًا أي: مقابلة.

قرأ أهل الكوفة: قُبُلاً (٨) (٩) (١٠) (١١) (١) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.

انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 339، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "روح المعاني" 15/ 300.

(٢) "معالم التنزيل" 5/ 182، "فتح القدير" 3/ 422.

(٣) عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (94): ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴾ .

(٤) لم أقف عليه.

ويشهد لهذا عدد من الآيات التي تحققت فيها سنته سبحانه في إهلاك من كفر وصد عن سبيله فعم قوم نوح الغرق، وأهلكت عاد الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقلبت على اللوطية ديارهم فجعل الله عاليها سافلها قال سبحانه == في سورة العنكبوت الآية رقم (40): ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ .

(٥) ويشهد لهذا عدد من الآيات في كتاب الله، يقول -سبحانه وتعالى- في سورة يونس الآية (96، 97): ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.

وقوله تعالى في سورة يونس الآية (101): ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 296.

(٧) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "معالم التنزيل" 5/ 182 بمعناه، "المحرر الوجيز" 9/ 340، "الكشاف" 2/ 294، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 469.

وذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 6 ونسبه لابن عباس والكلبي.

(٨) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: (قِبَلاً) بكسر القاف.

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (قُبُلاً) بضم القاف.

انظر: "السبعة" ص 393، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 152، "المبسوط في القراءات" 236، "التبصرة" ص 249، "النشر" 2/ 311.

(٩) "جامع البيان" 15/ 267، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 153، "لسان العرب" (قبل) 6/ 3520.

(١٠) عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (92): ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ﴾ .

(١١) عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم (111): ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا ﴾ الآية: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن يأتيهم سنة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب يعني عذاب الآخرة، ومعنى ﴿ قبلا ﴾ معاينة وقرئ بضمتين وهو جمع قبيل: أي أنواعاً من العذاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.

ما أشهدناهم يزيد.

الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.

الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.

الباقون بكسر القاف وفتح الباء.

﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.

الباقون بضم الميم وفتح اللام.

الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .

التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.

ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله  إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً  ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت  ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.

يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.

والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.

ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.

قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه  في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه  شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.

والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي أطفالاً.

وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف  ﴾ .

وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.

وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.

أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.

﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.

والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.

﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.

ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.

وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.

قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.

وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.

وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.

وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.

وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.

والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.

وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.

عن رسول الله  : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟

فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.

ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه  عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.

قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.

وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.

ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.

ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.

وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .

وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.

ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.

والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد  نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.

إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.

قال الجبائي.

في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد  هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.

فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.

ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.

وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.

وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.

ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول  والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.

قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا  ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".

وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.

وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.

وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.

وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.

قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً  ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.

ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.

وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".

وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.

قال أهل البرهان: قوله  في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى  ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد  إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.

ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.

وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً  ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه  ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب  ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود  ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.

والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.

ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.

وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.

ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.

قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا  ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.

قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.

﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.

وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها  ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.

وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم  ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.

وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.

ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله  .

والموعد يوم بدر.

وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله  تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.

أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.

وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.

ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.

﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.

التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.

﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.

﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي  "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .

والله أعلم.

(م).

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أي: لم يمنع الناس أن يؤمنوا إلا التعنت والعناد؛ لأنه قد أكثر عليهم من الحجج والآيات ما لم يعاندوا ولا كابروا؛ لالتزامهم الإيمان بها والتصديق، لكن الذي منعهم عن الإيمان ما ذكرنا من عنادهم وتعنتهم.

﴿ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

وسنة الأولين: الاستئصال والإهلاك؛ فيقول: لا يؤمنون إلا في ذلك، والإيمان لا ينفعهم في ذلك الوقت؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً ﴾ .

أي: عياناً وجهراً.

قال أبو عبيدة: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً ﴾ ، أي: مقابلة، وقبلا: استئنافا.

وقال مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ : فجأة، وقال: قبيلا.

قال أبو عوسجة: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: مواجهة، وكذلك قبيلا.

وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: مقابلة وعيانا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ .

أي: لم نرسلهم إلا بما يوجب لهم البشارة والنذارة إنما أرسلوا للأمر والنهي ليأمروا الناس بالطاعة - طاعة الله - وينهوهم عن معاصيه؛ لهذا أرسلوا، فالبشارة لمن اتبع أمرهم وانتهى ما نهوا عنه، والنذارة لمن ارتكب ما نهوا عنه؛ فيكون البشارة للمتبعين لهم في أمرهم والنذارة للمرتكبين المنهي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ : ما نسبوه إلى السحر والكهانة والإفك وغيره، به يجادلونه؛ وهو باطل.

أو أن يكونوا عرفوا أن ما يجادلونهم به ويحاجونهم باطل، وأن ما يدعوهم [إليه] الرسول حق وصدق ونور، لكن يعاندونه ويجادلونه، وعندهم [أنهم] على باطل، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ...

 ﴾ الآية: عرفوا أنه نور لكنهم عاندوه في المجادلة والمحاجة بالباطل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ .

أي: ليبطلوا به الحق.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً ﴾ .

قال بعضهم: آياته: الشمس والقمر وغيره، ﴿ وَمَآ أُنْذِرُواْ ﴾ : ما أنذر به الرسل، هو القرآن.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً ﴾ : القرآن والحجج التي أقامها وما أمروا به غير القرآن، هي المواعيد - هزوا.

وقال [أصحاب] هذا التأويل: تأويل الأول باطل لا يصح؛ لأنه قال على أثره: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ ، يقول: هذا يدل أنه أراد بالآيات ما ذكرنا من الحجج والبراهين، لا ما ذكر.

وجائز أنهم إذا لم يعملوا بآياته ولم يستعملوها نسبهم إلى الهزء بها والسخرية، وإن لم يهزءوا بها، وهو ما سماهم: عميا وبكما وصما؛ لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولم يستعملوها فيما جعلت له، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك؛ فإذا كان فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم يحتمل مجادلتهم إياهم: ما قالوا: هذا سحر، وكهانة، وإنه إفك، وشعر، ونحوه.

أو أن يكون مجادلتهم قولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ ، وأشباه ذلك من المجادلات التي كانت بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: وعظ بالآيات التي نزلت بمكة بمكذبي الرسل من الأمم الماضية؛ فيكون تأويله، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن وعظ بآيات ربّه فأعرض عنها ما لو اتعظ بما وعظ كان به نجاته.

أو أن يكون تذكيره بآيات ربه، وهو ما أقام من حججه وبراهينه على توحيده ورسالة الرسول، فلم يقبلها ولم يصدقها، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن لم يتعظ بما ذكر من الآيات والحجج ولم يقبلها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ : يحتمل الإعراض في الآية، أي: لم يقبلها، ولم يكترث إليها، ولم ينظر فيها، أو أعرض عنها بعد ما عرفها أنها آيات وحجج؛ تعنتاً وعناداً.

وقوله: ﴿ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ .

يحتمل؛ أي: نسي من الخيانة والشرك.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ موصولا بالأول، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممّن وعظ، وجعل له سبيل للتخلص والنجاة مما قدمت يداه، فلم يتعظ به؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ .

إن الكفر مظلم إذا أتى به إنسان يستر على نور القلب وعلى نور كل جارحة منه، والإيمان منير ينير القلب، وينير كل جارحة منه وعضو، وهو ما ذكرنا في غير موضع: أن الإنسان إنما يبصر بنورين ظاهرين: بنور نفسه، وبنور ذلك الشيء، فإذا ذهب أحدهما، ذهب الانتفاع بالآخر، والإيمان ما ذكرنا: أنه منير، وفي القلب نور، فإذا اجتمع النوران معاً - فعند ذلك انتفع به، فجعل يفقه ويعقل الشيء بنور القلب وبنور الإيمان، وكذلك كل جارحة منه، الأذن والبصر واللسان، جعل يبصر الحق به، ويعتبر به، ويستمع الحق والصواب.

والكفر مظلم يمنع ويستر على نور الجوارح؛ فجعل لا يبصر، ولا يعتبر، ولا يستمع، ولا يتكلم بالحق، وهو ما ذكرنا: أن الإنسان إنما يبصر الشيء بنور العين وبنور الهواء؛ فإذا ذهب أحدهما صار لا يبصر شيئاً؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.

وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه لا يخلو الكفر من أن يكون مظلماً قبيحاً ذميماً بنفسه أو بالله  .

فإن قيل: صار كذلك.

قيل: لئن جاز ذا جاز حدوث الأشياء بنفسها؛ إذ لا فرق بين أن يكون الشيء مظلماً قبيحاً ذميماً بنفسه وبين أن تكون الأشياء بأنفسها على ما كانت، فإن بطل [كونه] بنفسه مظلماً قبيحاً ثبت أن الله هو الذي جعله مظلماً قبيحاً، وهو ما نقول نحن: إن الله خلق فعل الكفر من الكافر مظلماً قبيحاً، وخلق فعل الإيمان من المؤمن منيراً حسناً، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .

هذا في قوم مخصوصين علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، وإلا لا يحتمل في جميع الكفار؛ إذ من الكفار من قد آمن.

وقال الحسن: هو في القوم الذين جعل على قلوبهم الغطاء والطبع، إذ من قوله: إن للكفر حدا إذا بلغ الكافر ذلك الحد طبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.

وقال بعضهم: هو في قوم عادتهم العناد والمكابرة وتكذيب الآيات والحجج؛ فأخبر أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لعنادهم، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .

يحتمل على وجهين: أحدهما: ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ حيث ستر عليهم ولم يعاقبهم وقت عصيانهم، و ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ يقبل توبتهم إذا تابوا.

والثاني: ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ إذا استغفروا أو تابوا، و ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ يرحمهم ويتجاوز عنهم ما سبق لهم من الذنوب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ﴾ في الدنيا.

﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ : قال الحسن: جعل الله لكل أمة يهلكون - لهلاكهم - موعداً وأجلا [كقوله]: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ  ﴾ ، وجعل موعد هذه الأمة الساعة؛ وهو قوله: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ  ﴾ .

قال بعض أهل العلم: أهلك الله كل أمة كذبت رسولها؛ لتتعظ الأمة التي تأتي بعدها، وجعل هلاك أمة محمد بالساعة؛ لأنه ليس بعدها أمة تتعظ به.

وقوله: ﴿ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾ .

قيل: ملجأ.

وقال القتبي: لا وئلت نفسك، أي: لا نجت، ويقال: وأل فلان إلى كذا، أي: لجأ.

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ﴾ .

فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يجعلون المهلك هالكاً قبل أجله، وقد أخبر لمهلكهم موعداً لا يتقدم ولا يتأخر طرفة عين.

وفي قوله: ﴿ قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ : ذكر تقديم اليد، وإن لم يكن لليد صنع في ذلك؛ لما في العرف الظاهر: أنه إنما يقدم ويؤخر باليد، وكذلك ما ذكر من الكسب: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ؛ لأنه في الشاهد إنما يكتسب باليد ونحوه، فهو يرد على أصحاب الظواهر: أن الخطاب على مخرج الظاهر؛ حيث لم يفهم من ذكر اليد هاهنا اليد نفسها؛ ولكن فهم غير اليد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما حال بين الكفار المعاندين وبين الإيمان بما جاء به محمد  من ربه، بينهم وبين طلب المغفرة من الله لذنوبهم نَقْص البيان، فقد ضُرِبت لهم الأمثلة في القرآن، وجاءتهم الحجج الواضحة، وإنما منعهم طلبهم -بتعَنُّت- إيقاع عذاب الأمم السابقة عليهم، ومعاينة العذاب الذي وعدوا به.

<div class="verse-tafsir" id="91.j52GZ"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد