الآية ٧٧ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٧٧ من سورة الكهف

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًۭا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًۭا ٧٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 206 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٧ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٧ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عنهما : إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين ( حتى إذا أتيا أهل قرية ) روى ابن جرير عن ابن سيرين أنها الأيلة وفي الحديث : " حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما " أي بخلاء ( فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ) إسناد الإرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة ، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل .

والانقضاض هو : السقوط .

وقوله : ( فأقامه ) أي : فرده إلى حالة الاستقامة وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ، ودعمه حتى رد ميله .

وهذا خارق فعند ذلك قال موسى له ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) أي : لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) يقول تعالى ذكره: فانطلق موسى والعالم ( حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ) من الطعام فلم يطعموهما واستضافاهم ( فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) يقول: وجدا في القرية حائطا يريد أن يسقط ويقع ، يقال منه: انقضت الدار: إذا انهدمت وسقطت ، ومنه انقضاض الكوكب، وذلك سقوطه وزواله عن مكانه ، ومنه قول ذي الرُّمة: فانْقَضَّ كالكَوْكَبِ الدُّرّي مُنْصَلِتا (1) وقد رُوي عن يحيى بن يعمر أنه قرأ ذلك: ( يُريدُ أنْ يَنْقاضَّ ).

وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب إذا قرئ ذلك كذلك في معناه، فقال بعض أهل البصرة منهم: مجاز ينقاضّ: أي ينقلع من أصله ، ويتصدّع، بمنـزلة قولهم: قد انقاضت السنّ: أي تصدّعت، وتصدّعت من أصلها، يقال: فراق كقيض السنّ: أي لا يجتمع أهله.

وقال بعض أهل الكوفة (2) منهم: الانقياض: الشقّ في طول الحائط في طيّ البئر وفي سنّ الرجل، يقال: قد انقاضت سنه: إذا انشقَّت طولا.

وقيل: إن القرية التي استطعم أهلها موسى وصاحبه، فأبوا أن يضيفوهما: الأيلة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني الحسين بن محمد الذراع، قال: ثنا عمران بن المعتمر صاحب الكرابيسي، قال: ثنا حماد أبو صالح، عن محمد بن سيرين، قال: انتابوا الأيلة، فإنه قلّ من يأتيها فيرجع منها خائبا، وهي الأرض التي أبوا أن يضيفوهما ، وهي أبعد أرض الله من السماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ) وتلا إلى قوله ( لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) شرّ القرى التي لا تُضِيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه.

واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قول الله عز وجل ( يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) فقال بعض أهل البصرة: ليس للحائط إرادة ولا للمَوَات، ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة فهو إرادته وهذا كقول العرب في غيره: يُريــدُ الـرُّمحُ صَـدْرَ أبـي بَـرَاءٍ وَيَــرْغَبُ عَـنْ دِمـاءِ بَنِـي عُقَيْـلِ (3) وقال آخر منهم: إنما كلم القوم بما يعقلون ، قال: وذلك لما دنا من الانقضاض، جاز أن يقول: يريد أن ينقض، قال: ومثله تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ وقولهم: إني لأكاد أطير من الفرح، وأنت لم تقرب من ذلك، ولم تهمْ به، ولكن لعظيم الأمر عندك ، وقال بعض الكوفيين منهم: من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط ، قال: ومثله من قول العرب قول الشاعر: إنَّ دهْــرًا يَلُــفُّ شَــمْلِي بِجُـمْلٍ لَزَمــــانٌ يَهُـــمُّ بالإحْســـانِ (4) وقول الآخر: يَشْـكُو إلـيَّ جَـمَلِي طُـولَ السُّـرَى صَــبْرًا جَــمِيلا فَكِلانــا مُبْتَـلى (5) قال: والجمل لم يشك، إنما تكلم به على أنه لو تكلم لقال ذلك ، قال: وكذلك قول عنترة: وازْوَرَّ مِــنْ وَقْــعِ القَنــا بِلَبانِـهِ وشَــكا إلــيَّ بعَــبْرَةٍ وَتحَمْحُــمِ (6) قال: ومنه قول الله عز وجل: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ والغضب لا يسكت، وإنما يسكت صاحبه.

وإنما معناه: سكن.

وقوله: فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ إنما يعزم أهله ، وقال آخر منهم: هذا من أفصح كلام العرب، وقال: إنما إرادة الجدار: ميله، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم " لا تَرَاءى نارَاهُما " وإنما هو أن تكون ناران كلّ واحدة من صاحبتها بموضع لو قام فيه إنسان رأى الأخرى في القُرب ، قال: وهو كقول الله عز وجل في الأصنام: وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال: والعرب تقول: داري تنظر إلى دار فلان، تعني: قرب ما بينهما ، واستشهد بقول ذي الرُّمَّة في وصفه حوضا أو منـزلا دارسا: قَدْ كادَ أوْ قَدْ هَمَّ بالبُيُودِ (7) قال: فجعله يهمّ، وإنما معناه: أنه قد تغير للبلى ، والذي نقول به في ذلك أن الله عزّ ذكره بلطفه، جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم، ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم، مما لا تحسُّه أبصارهم، وقد عقلت العرب معنى القائل: فــي مَهْمَــةٍ قَلِقَـتْ بِـهِ هاماتُهَـا قَلَــقَ الفُئُــوسِ إذَا أرَدْنَ نُصُــولا (8) وفهمت أن الفئوس لا توصف بما يوصف به بنو آدم من ضمائر الصدور مع وصفها إياهما بأنها تريد ، وعلمت ما يريد القائل بقوله: كمِثْـلِ هَيْـلِ النَّقـا طـافَ المُشاةُ بِهِ يَنْهـالُ حِينـا ويَنْهَـاهُ الـثَّرَى حِينـا (9) وإنما لم يرد أن الثرى نطق، ولكنه أراد به أنه تلبَّد بالندى، فمنعه من الإنهيال، فكان منعه إياه من ذلك كالنهي من ذوي المنطق فلا ينهال.

وكذلك قوله: ( جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) قد علمت أن معناه: قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب جل ثناؤه بالقرآن من أنـزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضل فيه ذوو الجهالة والغبا.

وقوله: (فَأَقَامَهُ) ذكر عن ابن عباس أنه قال: هدمه ثم قعد يبنيه.

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

وقال آخرون في ذلك ما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) قال: رفع الجدار بيده فاستقام.

والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إن الله عزّ ذكره أخبر أن صاحب موسى وموسى وجدا جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه صاحب موسى، بمعنى: عَدَل ميله حتى عاد مستويا.

وجائز أن يكون كان ذلك بإصلاح بعد هدم ، وجائز أن يكون كان برفع منه له بيده، فاستوى بقدرة الله، وزال عنه مَيْلُه بلطفه، ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر للعذر قاطع بأي ذلك كان من أيّ.

وقوله: ( قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) يقول: قال موسى لصاحبه: لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامتك أجرا، فقال بعضهم: إنما عَنَى موسى بالأجر الذي قال له ( لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) القِرى: أي حتى يَقْرُونا، فإنهم قد أبوا أن يضيِّفونا.

وقال آخرون: بل عنى بذلك العِوَض والجزاء على إقامته الحائط المائل.

واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والكوفة ( لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) على التوجيه منهم له إلى أنه لافتعلت من الأخذ ، وقرأ ذلك بعض أهل البصرة ( لَوْ شَئِتَ لَتَخِذْتَ ) بتخفيف التاء وكسر الخاء، وأصله: لافتعلت، غير أنهم جعلوا التاء كأنهم من أصل الكلمة، ولأن الكلام عندهم في فعل ويفعل من ذلك: تخِذ فلان كذا يَتْخَذُه تَخْذا، وهي لغة فيما ذكر لهُذَيل ، وقال بعض الشعراء: وَقَـدْ تَخِـذَتْ رِجْلِي لَدَى جَنْبِ غَرْزِها نَسـيِفا كـأفحُوصِ القَطـاةِ المُطَـرِّقِ (10) والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني أختار قراءته بتشديد التاء على لافتعلت، لأنها أفصح اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما على ألسن العرب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا فيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : حتى إذا أتيا أهل قرية في صحيح مسلم عن أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لئاما ; فطافا في المجالس ف استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض يقول : مائل قال : فأقامه الخضر بيده قال له موسى : قوم أتيناهم [ ص: 398 ] فلم يضيفونا ، ولم يطعمونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما .الثانية : واختلف العلماء في القرية فقيل : هي أبلة ; قاله قتادة ، وكذلك قال محمد بن سيرين ، وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء وقيل : أنطاكية وقيل : بجزيرة الأندلس ; روي ذلك عن أبي هريرة وغيره ، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء وقالت فرقة : هي باجروان وهي بناحية أذربيجان وحكى السهيلي وقال : إنها برقة .

الثعلبي : هي قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة ، وإليها تنسب النصارى ; وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى والله أعلم بحقيقة ذلك .الثالثة : كان موسى - عليه السلام - حين سقى لبنتي شعيب أحوج منه حين أتى القرية مع الخضر ; ولم يسأل قوتا بل سقى ابتداء ، وفي القرية سأل القوت ; وفي ذلك للعلماء انفصالات كثيرة ; منها أن موسى كان في حديث مدين منفردا وفي قصة الخضر تبعا لغيره .قلت : وعلى هذا المعنى يتمشى قوله في أول الآية لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا فأصابه الجوع مراعاة لصاحبه يوشع ; والله أعلم .وقيل : لما كان هذا سفر تأديب وكل إلى تكلف المشقة ، وكان ذلك سفر هجرة فوكل إلى العون والنصرة بالقوت .الرابعة : في هذه الآية دليل على سؤال القوت ، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد جوعه خلافا لجهال المتصوفة والاستطعام سؤال الطعام ، والمراد به هنا سؤال الضيافة .

بدليل قوله : فأبوا أن يضيفوهما فاستحق أهل القرية لذلك أن يذموا ، وينسبوا إلى اللؤم والبخل ، كما وصفهم بذلك نبينا - عليه الصلاة والسلام - قال قتادة في هذه الآية : شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه .

ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة ، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة ، وهذا هو الأليق بحال الأنبياء ، ومنصب الفضلاء والأولياء وقد تقدم القول في الضيافة في " هود " والحمد لله .ويعفو الله عن الحريري حيث استخف في هذه الآية وتمجن ، وأتى بخطل من القول [ ص: 399 ] وزل ; فاستدل بها على الكدية والإلحاح فيها ، وأن ذلك ليس بمعيب على فاعله ، ولا منقصة عليه ; فقال :وإن رددت فما في الرد منقصة عليك قد رد موسى قبل والخضرقلت : وهذا لعب بالدين ، وانسلال عن احترام النبيين ، وهي شنشنة أدبية ، وهفوة سخافية ; ويرحم الله السلف الصالح ، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح ، فقالوا : مهما كنت لاعبا بشيء فإياك أن تلعب بدينك .الخامسة : قوله تعالى : جدارا الجدار والجدر بمعنى واحد ; وفي الخبر : ( حتى يبلغ الماء الجدر ) .

ومكان جدير بني حواليه جدار ، وأصله الرفع وأجدرت الشجرة طلعت ; ومنه الجدري .السادسة : قوله تعالى : يريد أن ينقض أي قرب أن يسقط ، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله : ( مائل ) فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن ، وهو مذهب الجمهور .

وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة ، أي لو كان مكانهما إنسان لكان متمثلا لذلك الفعل ، وهذا في كلام العرب وأشعارها كثير ; فمن ذلك قول الأعشى :أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتلفأضاف النهي إلى الطعن .

ومن ذلك قول الآخر :يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيلوقال آخر :إن دهرا يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان[ ص: 400 ] وقال آخر :في مهمه فلقت به هاماتها فلق الفؤوس إذا أردن نصولاأي ثبوتا في الأرض ; من قولهم : نصل السيف إذا ثبت في الرمية ; فشبه وقع السيوف على رءوسهم بوقع الفؤوس في الأرض فإن الفأس يقع فيها ويثبت لا يكاد يخرج .

وقال حسان بن ثابت :لو أن اللؤم ينسب كان عبدا قبيح الوجه أعور من ثقيفوقال عنترة :فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحموقد فسر هذا المعنى بقوله :لو كان يدري ما المحاورة اشتكىوهذا في هذا المعنى كثير جدا ومنه قول الناس : إن داري تنظر إلى دار فلان وفي الحديث : اشتكت النار إلى ربها وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن ، منهم أبو إسحاق الإسفراييني وأبو بكر محمد بن داود الأصبهاني وغيرهما ، فإن كلام الله - عز وجل - وكلام رسوله حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين ; لأنه يقص الحق كما أخبر الله - تعالى - في كتابه ،ومما احتجوا به أن قالوا : لو خاطبنا الله - تعالى - بالمجاز لزم وصفه بأنه متجوز أيضا ، فإن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة ، وهو على الله - تعالى - محال ; قال الله - تعالى - : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون وقال - تعالى - : وتقول هل من مزيد وقال - تعالى - : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وقال - تعالى - : تدعو من أدبر وتولى و اشتكت النار إلى ربها واحتجت النار [ ص: 401 ] والجنة وما كان مثلها حقيقة ، وأن خالقها الذي أنطق كل شيء أنطقها .

وفي صحيح مسلم من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه .

هذا في الآخرة .وأما في الدنيا ; ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنسان وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده قال أبو عيسى : وفي الباب عن أبي هريرة ، وهذا حديث حسن غريب .السادسة : قوله تعالى : فأقامه قيل : هدمه ثم قعد يبنيه .فقال موسى للخضر : قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا لأنه فعل يستحق أجرا ، وذكر أبو بكر الأنباري عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ " فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه " قال أبو بكر : وهذا الحديث إن صح سنده فهو جار من الرسول - عليه الصلاة والسلام - مجرى التفسير للقرآن ، وأن بعض الناقلين أدخل تفسير قرآن في موضع فسرى أن ذلك قرآن نقص من مصحف عثمان ; على ما قاله بعض الطاعنين ، وقال سعيد بن جبير : مسحه بيده وأقامه فقام ، وهذا القول هو الصحيح ، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بل والأولياء ، وفي بعض الأخبار : إن سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن ، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع ، وعرضه خمسون ذراعا ، فأقامه الخضر - عليه السلام - أي سواه بيده فاستقام ; قاله الثعلبي في كتاب العرائس : فقال موسى للخضر لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي طعاما تأكله ; ففي هذا دليل على كرامات الأولياء ، وكذلك ما وصف من أحوال الخضر - عليه السلام - في هذا الباب كلها أمور خارقة للعادة ; هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي .وقوله - تعالى - : وما فعلته عن أمري يدل علي نبوته وأنه يوحى إليه بالتكليف والأحكام ، كما أوحي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير أنه ليس برسول ; والله أعلم .[ ص: 402 ] الثامنة : واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحت جدار مائل يخاف سقوطه ، بل يسرع في المشي إذا كان مارا عليه ; لأن في حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا مر أحدكم بطربال مائل فليسرع المشي .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام : كان أبو عبيدة يقول : الطربال شبيه بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصومعة ; والبناء المرتفع ; قال جرير :ألوى بها شذب العروق مشذب فكأنما وكنت على طرباليقال منه : وكن يكن إذا جلس ، وفي الصحاح : الطربال القطعة العالية من الجدار ، والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل ، وطرابيل الشام صوامعها .

ويقال : طربل بوله إذا مده إلى فوق .التاسعة : كرامات الأولياء ثابتة ، على ما دلت عليه الأخبار الثابتة ، والآيات المتواترة ، ولا ينكرها إلا المتبدع الجاحد ، أو الفاسق الحائد ; فالآيات ما أخبر الله - تعالى - في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف ، والصيفية في الشتاء - على ما تقدم - وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت ، وهي ليست بنبية ; على الخلاف ويدل عليها ما ظهر على يد الخضر - عليه السلام - من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار .

قال بعض العلماء : ولا يجوز أن يقال كان نبيا ; لأن إثبات النبوة لا يجوز بأخبار الآحاد ، لا سيما وقد روي من طريق التواتر - من غير أن يحتمل تأويلا - بإجماع الأمة قوله - عليه الصلاة والسلام - : لا نبي بعدي وقال - تعالى - : وخاتم النبيين والخضر وإلياس جميعا باقيان مع هذه الكرامة ، فوجب أن يكونا غير نبيين ، لأنهما لو كانا نبيين لوجب أن يكون بعد نبينا - عليه الصلاة والسلام - نبي ، إلا ما قامت الدلالة في حديث عيسى أنه ينزل بعده .قلت : الخضر كان نبيا - على ما تقدم - وليس بعد نبينا - عليه الصلاة والسلام - نبي ، أي يدعي النبوة بعده أبدا ; والله أعلم .العاشرة : اختلف الناس هل يجوز أن يعلم الولي أنه ولي أم لا ؟

على قولين : [ أحدهما ] أنه لا يجوز ; وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بعين خوف المكر ، لأنه لا يأمن أن يكون مكرا واستدراجا له ; وقد حكي عن السري أنه كان يقول : لو أن رجلا دخل بستانا فكلمه من [ ص: 403 ] رأس كل شجرة طير بلسان فصيح : السلام عليك يا ولي الله فلو لم يخف أن يكون ذلك مكرا لكان ممكورا به ; ولأنه لو علم أنه ولي لزال عنه الخوف ، وحصل له الأمن .

ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة ، كما قال - عز وجل - : تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ولأن الولي من كان مختوما له بالسعادة ، والعواقب مستورة ولا يدري أحد ما يختم له به ; ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - : إنما الأعمال بالخواتيم .

[ القول الثاني ] أنه يجوز للولي أن يعلم أنه ولي ; ألا ترى أن النبي - عليه الصلاة والسلام - يجوز أن يعلم أنه ولي ، ولا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم أنه ولي الله - تعالى - ، فجاز أن يعلم ذلك .

وقد أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - من حال العشرة من أصحابه أنهم من أهل الجنة ، ثم لم يكن في ذلك زوال خوفهم ، بل كانوا أكثر تعظيما لله - سبحانه وتعالى - ، وأشد خوفا وهيبة ; فإذا جاز للعشرة ذلك ولم يخرجهم عن الخوف فكذلك غيرهم .

وكان الشبلي يقول : أنا أمان هذا الجانب ; فلما مات ودفن عبر الديلم دجلة ذلك اليوم ، واستولوا على بغداد ، ويقول الناس : مصيبتان موت الشبلي وعبور الديلم .

ولا يقال : إنه يحتمل أن يكون ذلك استدراجا لأنه لو جاز ذلك لجاز ألا يعرف النبي أنه نبي وولي الله ، لجواز أن يكون ذلك استدراجا ، فلما لم يجز ذلك لأن فيه إبطال المعجزات لم يجز هذا ، لأن فيه إبطال الكرامات .

وما روي من ظهور الكرامات على يدي بلعام وانسلاخه عن الدين بعدها لقوله : فانسلخ منها فليس في الآية أنه كان وليا ثم انسلخت عنه الولاية .

وما نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم ; والله أعلم .والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شرطها الاستتار ، والمعجزة من شرطها الإظهار .

وقيل : الكرامة ما تظهر من غير دعوى والمعجزة ما تظهر عند دعوى الأنبياء فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك .

وقد تقدم في مقدمة الكتاب شرائط المعجزة ، والحمد لله - تعالى - وحده لا شريك له .

وأما الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت الكرامات ، فمن ذلك ما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة رهط سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة وهي بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا إليهم قريبا من مائتي راجل كلهم رام ، فاقتصوا [ ص: 404 ] آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة ، فقالوا : هذا تمر يثرب ; فاقتصوا آثارهم ، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد ، وأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا فأعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا ; فقال عاصم بن ثابت أمير السرية : أما فوالله لا أنزل اليوم في ذمة الكافر ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فرموا بالنبل فقتلواعاصما في سبعة ، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق ، وهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخر ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم ، فقال الرجل الثالث : هذا أول الغدر والله لا أصحبكم ; إن لي في هؤلاء لأسوة - يريد القتلى - فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه ; فانطلقوا بخبيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ، فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرا ; فأخبر عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته ، فأخذ ابن لي وأنا غافلة حتى أتاه ، قالت : فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي ; فقال : أتخشين أن أقتله ؟

ما كنت لأفعل ذلك .

قالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ; والله لقد وجدته يوما يأكل قطف عنب في يده ، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر ; وكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله - تعالى - خبيبا ; فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب : دعوني أركع ركعتين ; فتركوه فركع ركعتين ثم قال : لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت ; ثم قال : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ; ثم قال :ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان لله مصرعيوذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزعفقتله بنو الحارث ، وكان خبيب هو الذي سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا ; فاستجاب الله - تعالى - لعاصم يوم أصيب ; فأخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه خبرهم وما أصيبوا .

وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرفونه ، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر ; فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم ، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا .

وقال ابن إسحاق في هذه القصة : وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد ، وقد كانت نذرت حين أصاب ابنيها بأحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعهم الدبر ، فلما حالت بينه وبينهم قالوا : دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه ، فبعث الله - تعالى - الوادي فاحتمل عاصما فذهب ، وقد كان عاصم أعطى الله - تعالى - عهدا ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته ، فمنعه الله - تعالى - بعد وفاته مما امتنع منه في حياته .

وعن عمرو بن [ ص: 405 ] أمية الضمري : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه عينا وحده فقال : جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون فأطلقته ، فوقع في الأرض ، ثم اقتحمت فانتبذت قليلا ، ثم التفت فكأنما ابتلعته الأرض .

وفي رواية أخرى زيادة : فلم نذكر لخبيب رمة حتى الساعة ; ذكره البيهقي .الحادية عشرة : ولا ينكر أن يكون للولي مال وضيعة يصون بها ماله وعياله ، وحسبك بالصحابة وأموالهم مع ولايتهم وفضلهم ، وهم الحجة على غيرهم .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته فقال يا عبد الله ما اسمك قال فلان الاسم الذي سمعه في السحابة فقال له يا عبد الله لم سألتني عن اسمي قال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه وفي رواية وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل .قلت : وهذا الحديث لا يناقضه قوله - عليه الصلاة والسلام - : لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا خرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال فيه حديث حسن ; فإنه محمول على من اتخذها مستكثرا أو متنعما ومتمتعا بزهرتها ، وأما من اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال ، وهي من أفضل الأموال ; قال - عليه الصلاة والسلام - : نعم المال الصالح للرجل الصالح .

وقد أكثر الناس في كرامات الأولياء وما ذكرناه فيه كفاية ; والله الموفق للهداية .الثانية عشرة : قوله - تعالى - : لاتخذت عليه أجرا فيه دليل على صحة جواز الإجارة ، وهي سنة الأنبياء والأولياء على ما يأتي بيانه في سورة " القصص " إن شاء الله - تعالى - .

وقرأ الجمهور لاتخذت وأبو عمرو " لتخذت " وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة ، وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ ، مثل قولك : تبع واتبع ، وتقى واتقى وأدغم بعض القراء الذال [ ص: 406 ] في التاء ، ولم يدغمها بعضهم وفي حديث أبي بن كعب : ( لو شئت لأوتيت أجرا ) وهذه صدرت من موسى سؤالا على جهة العرض لا الاعتراض .فعند ذلك قال له الخضر هذا فراق بيني وبينك بحكم ما شرطت على نفسك .

وتكريره بيني وبينك وعدوله عن بيننا لمعنى التأكيد .

قال سيبويه : كما يقال أخزى الله الكاذب مني ومنك ; أي منا .

وقال ابن عباس : وكان قول موسى في السفينة والغلام لله ، وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب شيء من الدنيا ، فكان سبب الفراق .

وقال وهب بن منبه : كان ذلك الجدار جدارا طوله في السماء مائة ذراع .الثالثة عشرة : سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا تأويل الشيء مآله أي قال له : إني أخبرك لم فعلت ما فعلت .

وقيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر : إنها حجة على موسى وعجبا له وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة نودي : يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحا في اليم فلما أنكر أمر الغلام قيل له : أين إنكارك هذا من وكزك القبطي وقضائك عليه فلما أنكر إقامة الجدار نودي : أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ْ} أي: استضافاهم، فلم يضيفوهما { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ْ} أي: قد عاب واستهدم { فَأَقَامَهُ ْ} الخضر أي: بناه وأعاده جديدا.

فقال له موسى: { لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ْ} أي: أهل هذه القرية، لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرة، وأنت تقدر عليها؟.

فحينئذ لم يف موسى عليه السلام بما قال، واستعذر الخضر منه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ) قال ابن عباس : يعني : " أنطاكية " وقال ابن سيرين : هي " الأبلة " وهي أبعد الأرض من السماء وقيل : " برقة " .

وعن أبي هريرة : بلدة بالأندلس ( استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ) قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : " حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما " .

وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافوهم فلم يضيفوهما .

قال قتادة : شر القرى التي لا تضيف الضيف .

وروي عن أبي هريرة قال : أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم .

قوله تعالى : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ) أي يسقط وهذا من مجاز كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه : قرب ودنا من السقوط كما تقول العرب : داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها .

( فأقامه ) أي سواه وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الخضر بيده فأقامه .

وقال سعيد بن جبير : مسح الجدار بيده فاستقام وروي عن ابن عباس : هدمه ثم قعد يبنيه وقال السدي : بل طينا وجعل يبني الحائط .

( قال ) موسى ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : " لتخذت " بتخفيف التاء وكسر الخاء وقرأ الآخرون : " لتخذت " بتشديد التاء وفتح الخاء وهما لغتان مثل اتبع وتبع ( عليه ) يعني على إصلاح الجدار ( أجرا ) يعني جعلا معناه : إنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على عملك أجرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية» هي أنطاكية «استطعما أهلها» طلبا منهم الطعام بضيافة «فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا» ارتفاعه مائة ذراع «يريد أن ينقضَّ» أي يقرب أن يسقط لميلانه «فأقامه» الخضر بيده «قال» له موسى «لو شئت لاتخذت» وفي قراءة لتخذت «عليه أجرا» جُعْلاً حيث لم يضيفونا مع حاجتنا إلى الطعام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فذهب موسى والخَضِر حتى أتيا أهل قرية، فطلبا منهم طعامًا على سبيل الضيافة، فامتنع أهل القرية عن ضيافتهما، فوجدا فيها حائطًا مائلا يوشك أن يسقط، فعدَّل الخَضِر مَيْلَه حتى صار مستويًا، قال له موسى: لو شئت لأخذت على هذا العمل أجرًا تصرفه في تحصيل طعامنا حيث لم يضيفونا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تسوق لنا السورة الكريمة الحادث الثالث والأخير فى تلك القصة الزاخرة بالمفاجآت والعجائب فتقول : ( فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً .

.

.

)أى : فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام - يتابعان سيرهما .

حتى إذا أتيا أهل قرية قيل هى " أنطاكية " ، وقيل : هى قرية بأرض الروم .( استطعما أهلها ) والاستطعام : سؤال الطعام .

والمراد به هنا سؤال الضيافة لأنه هو المناسب لمقام موسى والخضر - عليهما السلام - ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك : ( فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا ) يشهد له .أى : فأبى وامتنع أهل تلك القرية عن قبول ضيافتهما بخلا منهم وشحا .وقوله - تعالى - ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ) معطوف على ( أتيا ) أى : وبعد أن امتنع أهل القرية عن استضافتهما ، تجولا فيها ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً ) أى : بناء مرتفعا ( يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ) أى : ينهدم ويسقط ( فأقامه ) أى الخضر بأن سواه وأعاد إليه اعتداله ، أو بأن نقضه وأخذ فى بنائه من جديد .وهنا لم يتمالك موسى - عليه السلام - مشاعره ، لأنه وجد نفسه أمام حالة متناقضة ، قوم بخلاء أشحاء لا يستحقون العون .

.

ورجل يتعب نفسه فى إقامة حائط مائل لهم .

.

هلا طلب منهم أجرا على هذا العمل الشاق ، خصوصا وهما جائعان لا يجدان مأوى لهما فى تلك القرية!لذا بادر موسى - عليه السلام - ليقول للخضر : ( لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) .أى : هلا طلبت أجرا من هؤلاء البخلاء على هذا العمل ، حتى تنتفع به .

وأنت تعلم أننا جائعان وهم لم يقدموا لنا حق الضيافة .فالجملة الكريمة تحريض من موسى للخضر على أخذ الأجر على عمله ، ولوم له على ترك هذا الأجر مع أنهما فى أشد الحاجة إليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تلك القرية هي أنطاكية وقيل هي الأيلة وهاهنا سؤالات: الأول: إن الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدم عليه موسى وذلك العالم لأن موسى كان من عادته عرض الحاجة وطلب الطعام ألا ترى أنه تعالى حكى عنه أنه قال في قصة موسى عند ورود ماء مدين: ﴿ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  ﴾ .

الجواب: أن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما وجب ذلك عند خوف الضرر الشديد.

السؤال الثاني: لم قال: ﴿ حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعما أَهْلَهَا ﴾ وكان من الواجب أن يقال استطعما منهم، والجواب أن التكرير قد يكون للتأكيد كقول الشاعر: ليت الغراب غداة ينعب دائما *** كان الغراب مقطع الأوداج السؤال الثالث: إن الضيافة من المندوبات فتركها ترك للمندوب وذلك أمر غير منكر فكيف يجوز من موسى عليه السلام مع علو منصبه أنه غضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: ﴿ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى ﴾ وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلاً عن كليم الله.

الجواب: أما قوله الضيافة من المندوبات قلنا: قد تكون من المندوبات، وقد تكون من الواجبات بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل لهلك وإذا كان التقدير ما ذكرناه لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل يوماً، فإن قالوا: ما بلغ في الجوع إلى حد الهلاك بدليل أنه قال: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ وكان يطلب على إصلاح ذلك الجدار أجرة، ولو كان قد بلغ في الجوع إلى حد الهلاك لما قدر على ذلك العمل فكيف يصح منه طلب الأجرة قلنا لعل ذلك الجوع كان شديداً إلا أنه ما بلغ حد الهلاك، ثم قال تعالى: ﴿ فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: يضيفوهما يقال ضافه إذا كان له ضيفاً، وحقيقته مال إليه من ضاف السهم عن الغرض.

ونظيره: زاره من الإزورار، وأضافه وضيفه أنزله، وجعله ضيفه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أهل قرية لئاماً.

البحث الثاني: رأيت في كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب وقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاءاً حتى تصير القراءة هكذا: فأتوا أن يضيفوهما.

أي أتوا لأن يضيفوهما، أي كان إتيان أهل تلك القرية إليهما لأجل الضيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنا هذا اللؤم فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله»، وذلك يوجب القدح في الإلهية.

فعلمنا أن تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية، ثم قال تعالى: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ أي فرأيا في القرية حائطاً مائلاً، فإن قيل كيف يجوز وصف الجدار بالإرادة مع أن الإرادة من صفات الأحياء قلنا هذا اللفظ ورد على سبيل الاستعارة، وله نظائر في الشعر قال: يريد الرمح صدر أبي براء *** ويرغب عن دماء بني عقيل وأنشد الفراء: إن دهراً يلف شملي بجمعل *** لزمان يهم بالإحسان وقال الراعي: في مهمة فلقت به هاماتها *** فلق الفؤوس إذا أردن نصولا ونظيره من القرآن قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ وقوله: ﴿ أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ وقوله: ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ وقوله: ﴿ أَن يَنقَضَّ ﴾ يقال انقض إذا أسرع سقوطه من انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته.

وقيل: انقض فعل من النقض كأحمر من الحمرة، وقرئ أن ينقض من النقض، وأن ينقاض من انقاضت العين إذا انشقت طولاً، وأما قوله: ﴿ فَأَقَامَهُ ﴾ قيل نقضه ثم بناه، وقيل: أقامه بيده، وقيل: مسحه بيده فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته، واعلم أن ذلك العالم لما فعل ذلك.

وكانت الحالة حالة اضطرار وافتقار إلى الطعام فلأجل تلك الضرورة نسي موسى ما قاله من قوله: ﴿ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى ﴾ فلا جرم قال: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي طلبت على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم وتحصيل سائر المهمات، وقرئ: ﴿ لتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ والتاء تخذت أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه كقولنا اتبع من قولنا تبع، واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذا الكلام قال العالم: ﴿ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴾ وهاهنا سؤالات.

السؤال الأول: قوله: هذه إشارة إلى ماذا؟

والجواب من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام قد شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالاً آخر يحصل الفراق حيث قال: ﴿ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى ﴾ فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم وقال: ﴿ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴾ أي هذا الفراق الموعود.

الثاني: أن يكون قوله هذا إشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض هو سبب الفراق.

السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴾ ؟

الجواب: معناه هذا فراق حصل بيني وبينك، فأضيف المصدر إلى الظرف، حكى القفال عن بعض أهل العربية أن البين هو الوصل لقوله تعالى: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ فكان المعنى هذا فراق بيننا، أي اتصالنا، كقول القائل: أخزى الله الكاذب مني ومنك، أي أحدنا هكذا قاله الزجاج، ثم قال العالم لموسى عليه السلام: ﴿ سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاثة، وأصل التأويل راجع إلى قولهم آل الأمر إلى كذا أي صار إليه، فإذا قيل: ما تأويله فالمعنى ما مصيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَهْلَ قََرْيَةٍ ﴾ هي إنطاكية.

وقيل: الأبلة، وهي أبعد أرض الله من السماء ﴿ أَن يُضَيّفُوهُمَا ﴾ .

وقرئ: ﴿ يضيفوهما ﴾ يقال: ضافه إذا كان له ضيفاً.

وحقيقته: مال إليه، من ضاف السهم عن الغرض، ونظيره: زاره من الازورار.

وأضافه وضيفه: أنزله وجعله ضيفه وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كانوا أهل قرية لئاماً» وقيل: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حقه ﴿ يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير الهمّ والعزم لذلك.

قال الراعي: فِي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ بِهِ هَامَاتُهَا ** قَلَقَ الْفُئُوسِ إذَا أَرَدْنَ نُصُولاَ وقال: يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاء ** وَيَعْدِلُ عَنْ دِمَارِ بَنِي عَقِيلٍ وقال حسان: إنَّ دَهْراً يَلِفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ ** لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالإحْسَانِ وسمعت من يقول: عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ.

وإذا كان القول والنطق والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ذلك مستعار للجماد ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟

قال: إذَا قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ تَقُولُ سِنِّي لِلنَّوَاةِ طِنِّي لاَ يَنْطقُ اللَّهْوُ حَتَّى يَنْطِقَ العُودُ وَشَكا إلَيَّ بَعْبرَةٍ وَتَحَمْحُمِ فَإنْ يَكُ ظَنِّي صَادِقاً وَهْوَ صَادِقِي ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ [الأعراف: 154] : تَمَرَّدَ مَارِدٌ وَعَزَّ الأَبْلَقُ ولبعضهم: يَأْبَى عَلَى أَجْفَانِهِ إغْفَاءَه ** هَمٌّ إذَا انْقَادِ الْهُمُومُ تَمَرَّدَا أَبَتِ الرَّوَادِفُ وَالثُّدِيُّ لِقُمْصِهَا ** مَسَّ الْبُطُونِ وَأَنْ تَمَسَّ ظُهُورَا ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [فصلت: 11] ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم، كان يجعل الضمير للخضر؛ لأنّ ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم، أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة، فتمحل ليردّه إلى ما هو عنده أصحّ وأفصح، وعنده أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز.

وانقض: إذا أسرع سقوطه، من انقضاض الطائر وهو انفعل، مطاوع قضضته.

وقيل: افعلّ من النقض، كاحمرّ من الحمرة.

وقرئ: ﴿ أن ينقض ﴾ من النقض، ﴿ وأن ينقاص ﴾ من انقاصت السن إذا انشقت طولاً، قال ذو الرمّة: .........

مِنْقَاصٌ وَمُنْكَثِبُ بالصاد غير معجمة ﴿ فَأَقَامَهُ ﴾ قيل: أقامه بيده.

وقيل: مسحه بيده فقام واستوى.

وقيل: أقامه بعمود عمده به.

وقيل: نقضه وبناه.

وقيل: كان طول الجدار في السماء مائة ذراع، كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، ولقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدا مواسياً، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ وطلبت على عملك جعلاً حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرئ: ﴿ لتخذت ﴾ ، والتاء في تخذ، أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه، كاتبع من تبع، وليس من الأخذ في شيء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ قَرْيَةِ أنْطاكِيَّةَ وقِيلَ أبَلَةَ البَصْرَةِ.

وقِيلَ باجِرْوانُ أرْمِينِيَّةَ.

﴿ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما ﴾ وقُرِئَ ﴿ يُضَيِّفُوهُما ﴾ مِن أضافَهُ يُقالُ ضافَهُ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفًا وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلْمَيْلِ يُقالُ ضافَ السَّهْمُ عَنِ الغَرَضِ إذا مالَ.

﴿ فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ يُدانِي أنْ يَسْقُطَ فاسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْمُشارَفَةِ كَما اسْتُعِيرَ لَها الهَمُّ والعَزْمُ قالَ: يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ.

.

.

ويَعْدِلُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ وَقالَ: إنَّ دَهْرًا يَلُمُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ.

.

.

∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ وانْقَضَّ انْفَعَلَ مَن قَضَضْتُهُ إذا كَسَرْتُهُ، ومِنهُ انْقِضاضُ الطَّيْرِ والكَواكِبِ لِهَوِيِّهِ، أوْ أفْعَلَ مِنَ النَّقْضِ.

وَقُرِئَ « أنْ يَنْقَضَّ» و « أنْ يَنْقاصَّ» بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ مَنِ انْقاصَتِ السِّنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا.

﴿ فَأقامَهُ ﴾ بِعِمارَتِهِ أوْ بِعَمُودٍ عَمَدَهُ بِهِ، وقِيلَ مَسَحَهُ بِيَدِهِ فَقامَ.

وقِيلَ نَقَضَهُ وبَناهُ.

﴿ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ تَحْرِيضًا عَلى أخْذِ الجَعْلِ لِيَنْتَعِشا بِهِ، أوْ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ فُضُولٌ لِما في ﴿ لَوْ ﴾ مِنَ النَّفْيِ كَأنَّهُ لَمّا رَأى الحِرْمانَ ومَساسَ الحاجَةِ واشْتِغالَهُ بِما لا يَعْنِيهِ لَمْ يَتَمالَكْ نَفْسَهُ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ مِن تَخِذَ كاتَّبَعَ مِن تَبِعَ ولَيْسَ مِنَ الأخْذِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والبَصْرِيّانِ « لَتَخِذْتَ» أيْ لَأخَذَتْ وأظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ الدّالَ وأدْغَمَهُ الباقُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} هي انطاكية أو الأبلة وهي أبعد أرض الله من السماء {استطعما أَهْلَهَا} استضافاً {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا} ضيفه أنزله وجعله ضيفه قال عليه السلام كانوا أهل قرية لئاماً وقيل شر القرى التي تبخل بالقرى {فوجدا فيها}

الكهف (٨١ - ٧٧)

في القرية {جِدَاراً} طوله مائة ذراع {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} يكاد يسقط استعيرت الإرادة للمداناة والمشارقة كما استعير الهم العزم لذلك {فَأَقَامَهُ} بيده أو مسحه بيده فقام واستوى أو نقضه وبناه كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة فلم يجدا مواسياً فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رآى من الحرمان ومساس الحاجة أن {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي لطلبت على عملك جعلا حتى تستدفع به الضرورة لتخذت بتخفيف التاء وكسر الخاء وإدغام الذال بصري وبإظهارها مكي وبتشديد التاء وفتح الخاء وإظهار الذال حفص وبتشديد التاء وفتح الخاء وإدغام الذال في

التاء غيرهم والتاء في تخذ أصل كما في تبع واتخذا افتعل منه كاتبع من تبع وليس من الأخذ في شيء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّها أنْطاكِيَةُ وحَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنْهُ أنَّها بَرْقَةُ وهي كَما في القامُوسِ اسْمٌ لِمَواضِعَ، وفي المَواهِبِ أنَّها قَرْيَةٌ بِأرْضِ الرُّومِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها باجَرْوانُ وهي أيْضًا اسْمٌ لِمُتَعَدِّدٍ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِها قَرْيَةٌ بِنَواحِي أرْمِينِيَّةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّها الأُبُلَّةُ بِهَمْزَةٍ وباءٍ مُوَحَّدَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يُقالُ لَها ناصِرَةُ وإلَيْها تُنْسَبُ النَّصارى قالَ في مَجْمَعِ البَيانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ في الجَزِيرَةِ الخَضْراءِ مِن أرْضِ الأنْدَلُسِ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ: والخِلافُ هُنا كالخِلافِ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ ولا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنهُ، وفي الحَدِيثِ: أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا (اسْتَطْعَما أهْلَها) في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وجَوابُ إذا (قالَ) الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وسَلَكَ بِذَلِكَ نَحْوَ ما سَلَكَ في القِصَّةِ الثّانِيَةِ مِن جَعْلِ الِاعْتِراضِ عُمْدَةَ الكَلامِ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي ذَكَرَها هُناكَ شَيْخُ الإسْلامِ، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ والآتِي مُسْتَأْنَفٌ نَظِيرَ ما في القِصَّةِ الأُولى، والوَصْفِيَّةُ مُخْتارُ المُحَقِّقِينَ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وهاهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وقَدْ نَظَّمَهُ الصَّلاحُ الصَّفَدِيُّ ورَفَعَهُ إلى الإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ فَقالَ: أسَيِّدَنا قاضِيَ القُضاةِ ومَن إذا بَدا وجْهُهُ اسْتَحى لَهُ القَمَرانِ ومَن كَفُّهُ يَوْمَ النَّدى ويَراعُهُ ∗∗∗ عَلى طِرْسِهِ بَحْرانِ يَلْتَقِيانِ ومَن إنْ دَجَتْ في المُشْكِلاتِ مَسائِلُ ∗∗∗ جَلاها بِفِكْرٍ دائِمِ اللَّمَعانِ رَأيْتَ كِتابَ اللَّهِ أعْظَمَ مُعْجِزٍ ∗∗∗ لِأفْضَلِ مَن يُهْدى بِهِ الثَّقَلانِ ومِن جُمْلَةِ الإعْجازِ كَوْنُ اخْتِصارِهِ ∗∗∗ بِإيجازِ ألْفاظٍ وبَسْطِ مَعانِي ولَكِنَّنِي في الكَهْفِ أبْصَرْتُ آيَةً ∗∗∗ بِها الفِكْرُ في طُولِ الزَّمانِ عَنانِي وما هي إلّا اسْتَطْعَما أهْلَها فَقَدْ ∗∗∗ نَرى اسْتَطْعَماهم مِثْلَهُ بِبَيانِ فَما الحِكْمَةُ الغَرّاءُ في وضْعِ ظاهِرٍ ∗∗∗ مَكانَ ضَمِيرٍ إنَّ ذاكَ لَشانِ فَأرْشِدْ عَلى عاداتِ فَضْلِكَ حَيْرَتِي ∗∗∗ فَما لِي إلى هَذا الكَلامِ يَدانِ فَأجابَ السُّبْكِيُّ بِأنَّ جُمْلَةَ (اسْتَطْعَما) مُحْتَمَلَةٌ لِأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِقَرْيَةٍ، وأنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِأهْلِ وأنْ تَكُونَ جَوابَ إذا ولا احْتِمالَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ الأوَّلَ مُتَعَيِّنٌ مَعْنًى وأنَّ الثّانِيَ والثّالِثَ وإنِ احْتَمَلَتْهُما الآيَةُ بَعِيدانِ عَنْ مَغْزاها، أما الثّالِثُ فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ المَقْصُودِ الإخْبارَ بِالِاسْتِطْعامِ عِنْدَ الإتْيانِ، وأنَّ ذَلِكَ تَمامُ مَعْنى الكَلامِ، ويَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ مُعْظَمُ قَصْدِهِما أوْ هو طَلَبُ الطَّعامِ مَعَ أنَّ القَصْدَ هو ما أرادَ رَبُّكَ مِمّا قَصَّ بَعْدُ وإظْهارُ الأمْرِ العَجِيبِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ العِنايَةُ بِشَرْحِ حالِ الأهْلِ مِن حَيْثُ هم هم ولا يَكُونُ لِلْقَرْيَةِ أثَرٌ في ذَلِكَ ونَحْنُ نَجِدُ بَقِيَّةَ الكَلامِ مُشِيرًا إلَيْها نَفْسِها فَيَتَعَيَّنُ الأوَّلُ ويَجِبُ فِيهِ (اسْتَطْعَما أهْلَها) ولا يَجُوزُ اسْتَطْعَماهم أصْلًا لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ عَنْ ضَمِيرِ المَوْصُوفِ.

وعَلى هَذا يُفْهَمُ مِن مَجْمُوعِ الآياتِ أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ما فَعَلَ في قَرْيَةٍ مَذْمُومٍ أهْلُها وقَدْ تَقَدَّمَ مِنهم سُوءُ صَنِيعٍ مِنَ الآباءِ عَنْ حَقِّ الضَّيْفِ مَعَ طَلَبِهِ ولِلْبِقاعِ تَأْثِيرٌ في الطِّباعِ ولَمْ يَهِمْ فِيها مَعَ أنَّها حَرِيَّةٌ بِالإفْسادِ والإضاعَةِ بَلْ باشَرَ الإصْلاحَ لِمُجَرَّدِ الطّاعَةِ ولَمْ يَعْبَأْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِفِعْلِ أهْلِها اللِّئامِ، ويَنْضافُ إلى ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ أنَّ الأهْلَ الثّانِيَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا هُمُ الأوَّلُونَ أوْ غَيْرُهم أوْ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، والغالِبُ أنَّ مَن أتى قَرْيَةً لا يَجِدُ جُمْلَةَ أهْلِها دُفْعَةً بَلْ يَقَعُ بَصَرُهُ أوَّلًا عَلى البَعْضِ ثُمَّ قَدْ يَسْتَقْرِيهِمْ فَلَعَلَّ هَذَيْنَ العَبْدَيْنِ الصّالِحَيْنِ لَمّا أتَيا قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُما اسْتِقْراءَ الجَمِيعِ عَلى التَّدْرِيجِ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ كَمالُ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ وعَدَمُ مُؤاخَذَتِهِ تَعالى بِسُوءِ صَنِيعِ بَعْضِ عِبادِهِ، ولَوْ قِيلَ اسْتَطْعَماهم تَعَيَّنَ إرادَةُ الأوَّلِينَ فَأتى بِالظّاهِرِ إشْعارًا بِتَأْكِيدِ العُمُومِ فِيهِ وأنَّهُما لَمْ يَتْرُكا أحَدًا مِن أهْلِها حَتّى اسْتَطْعَماهُ وأبى، ومَعَ ذَلِكَ قُوبِلُوا بِأحْسَنِ الجَزاءِ، فانْظُرْ إلى هَذِهِ الأسْرارِ كَيْفَ احْتَجَبَتْ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ تَحْتَ الأسْتارِ حَتّى أنَّ بَعْضَهم لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ، وبَعْضَهُمُ ادَّعى أنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ، وآخِرُ زَعَمَ ما لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حَتّى سَمِعْتُ عَنْ شَخْصٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ العُدُولَ عَنِ اسْتَطْعَماهم لِأنَّ اجْتِماعَ الضَّمِيرَيْنِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ مُسْتَثْقَلٌ وهو قَوْلٌ يُحْكى لِيُرَدَّ فَإنَّ القُرْآنَ والكَلامَ الفَصِيحَ مَمْلُوءٌ مِن ذَلِكَ ومِنهُ ما يَأْتِي في الآيَةِ، ومِن تَمامِ الكَلامِ فِيما ذُكِرَ أنَّ اسْتَطْعَما إنْ جُعِلَ جَوابًا فَهو مُتَأخِّرٌ عَنِ الإتْيانِ وإذا جُعِلَ صِفَةً احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ قَدِ اتَّفَقَ قَبْلَ هَذِهِ المَرَّةِ، وذُكِرَ تَعْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُما عَلى عَدَمِ الإتْيانِ لِقَصْدِ الخَيْرِ فَهَذا ما فَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ، والشِّعْرُ يَضِيقُ عَنِ الجَوابِ وقَدْ قُلْتُ: لِأسْرارِ آياتِ الكِتابِ مَعانِي ∗∗∗ تَدُقُّ فَلا تَبْدُو لِكُلِّ مُعانِي وفِيها لِمُرْتاضٍ لَبِيبٍ عَجائِبُ ∗∗∗ سَنا بَرْقِها يَعْنُو لَهُ القَمَرانِ إذا بارِقٌ مِنها لِقَلْبِي قَدْ بَدا ∗∗∗ هَمَمْتُ قَرِيرَ العَيْنِ بِالطَّيَرانِ سُرُورًا وإبْهاجًا وُصُولًا عَلى العُلا ∗∗∗ كَأنِّي عَلا فَوْقَ السِّماكِ مَكانِي فَما المُلْكُ والأقْرانُ ما البِيضُ ما القَنا ∗∗∗ وعِنْدِي وُجُوهٌ أسْفَرَتْ بِتَهانِي وهاتِيكَ مِنها قَدْ أبَحْتُكَ سِرَّها ∗∗∗ فَشُكْرًا لِمَن أوْلاكَ حُسْنَ بَيانِي أرى اسْتَطْعَما وصْفًا عَلى قَرْيَةٍ جَرى ∗∗∗ ولَيْسَ لَها والنَّحْوُ كالمِيزانِ صِناعَتُهُ تَقْضِي بِأنَّ اسْتِتارَ ما ∗∗∗ يَعُودُ عَلَيْهِ لَيْسَ في الإمْكانِ ولَيْسَ جَوابًا لا ولا صَفَّ أهْلِها ∗∗∗ فَلا وجْهَ لِلْإضْمارِ والكِتْمانِ وهَذِي ثَلاثٌ ما سِواها بِمُمْكِنٍ ∗∗∗ تَعَيَّنَ مِنها واحِدٌ فَسَبانِي ورُضْتُ بِها فِكْرِي إلى أنْ تَمَخَّضَتْ ∗∗∗ بِهِ زُبْدَةُ الأحْقابِ مُنْذُ زَمانِ وإنَّ حَياتِي في تَمَوُّجِ أبْحُرٍ ∗∗∗ مِنَ العِلْمِ في قَلْبِي يَمُدُّ لِسانِي إلى آخِرِ ما تَحَمَّسَ بِهِ، وفِيهِ مِنَ المُناقَشَةِ ما فِيهِ.

وقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهم بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ يُمْكِنُ أنْ يُؤْتى بِتَرْكِيبٍ أخْصَرَ مِمّا ذُكِرَ بِأنْ يُقالَ: فَلَمّا أتَيا قَرْيَةً اسْتَطْعَما أهْلَها فَما الدّاعِي إلى ذِكْرِ الأهْلِ أوَّلًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ جِيءَ بِالأهْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم قَصَدُوا بِالإتْيانِ في قَرْيَتِهِمْ وسَألُوا فَمَنَعُوا ولا شَكَّ أنَّ هَذا أبْلَغُ في اللُّؤْمِ وأبْعَدُ عَنْ صُدُورِ جَمِيلٍ في حَقِّ أحَدٍ مِنهم فَيَكُونُ صُدُورُ ما صَدَرَ مِنَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَرِيبًا جِدًّا، لا يُقالُ: لِيَكُنِ التَّرْكِيبُ كَذَلِكَ ولْيَكُنْ عَلى الإرادَةِ الأهْلَ تَقْدِيرًا أوْ تَجَوُّزًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ الإتْيانَ يُنْسَبُ لِلْمَكانِ كَأتَيْتُ عَرَفاتَ ولِمَن فِيهِ كَأتَيْتُ أهْلَ بَغْدادَ فَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ كانَ فِيهِ تَفْوِيتًا ( لِلْمَقْصُودِ، ولَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ لِامْتِناعِ سُؤالِ نَفْسِ القَرْيَةِ عادَةً، واخْتارَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَلِيٌّ المَوْصِلِيُّ في جَوابِ الصَّفَدِيِّ أنَّ تَكْرارَ الأهْلِ والعُدُولَ عَنِ اسْتَطْعَماهم إلى (اسْتَطْعَما أهْلَها) لِلتَّحْقِيرِ وهو أحَدُ نِكاتِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ وبَسَطَ الكَلامَ في ذَلِكَ نَثْرًا وقالَ نَظْمًا: سَألْتُ لِماذا اسْتَطْعَما أهْلَها أتى ∗∗∗ عَنِ اسْتَطْعَماهم إنَّ ذاكَ لَشانِ وفِيهِ اخْتِصارٌ لَيْسَ ثَمَّ ولَمْ تَقِفْ ∗∗∗ عَلى سَبَبِ الرُّجْحانِ مُنْذُ زَمانِ فَهاكَ جَوابًا رافِعًا لِنِقابِهِ ∗∗∗ يَصِيرُ بِهِ المَعْنى كَرَأْيِ عِيانِ إذا ما اسْتَوى الحالانِ في الحُكْمِ رُجِّحَ ∗∗∗ الضَّمِيرُ وأمّا حِينَ يَخْتَلِفانِ بِأنْ كانَ في التَّصْرِيحِ إظْهارُ حِكْمَةٍ ∗∗∗ كَرِفْعَةِ شَأْنٍ أوْ حَقارَةِ جانِي كَمِثْلِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَقُولُ ذا ∗∗∗ وما نَحْنُ فِيهِ صَرَّحُوا بِأمانِ وهَذا عَلى الإيجازِ والبَسْطِ جاءَ في ∗∗∗ جَوابِي مَنثُورًا بِحُسْنِ بَيانِ وذَكَرَ في النَّثْرِ وجْهًا آخَرَ لِلْعُدُولِ وهو ما نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ ورَدَّهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا النَّيْسابُورِيُّ وهو لَعَمْرِي كَما قالَ السُّبْكِيُّ، ويُؤَوَّلُ إلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ الإظْهارَ لِلتَّحْقِيرِ قَوْلُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ المَقْصُودِ مِنهُ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ وهو وجْهٌ وجِيهٌ عِنْدَ كُلِّ نَبِيهٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الآيَةَ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الفَصِيحِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الأهْلَيْنِ مُتَغايِرانِ، فَلِذا جِيءَ بِهِما مَعًا، وقَوْلُهُمْ: إذا أُعِيدَ المَذْكُورُ أوَّلًا مَعْرِفَةً كانَ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ غَيْرَ مُطَّرِدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ المُرادَ بِالأهْلِ الأوَّلِ البَعْضُ إذْ في ابْتِداءِ دُخُولِ القَرْيَةِ لا يَتَأتّى عادَةً إتْيانُ جَمِيعِ أهْلِها لا سِيَّما عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّ دُخُولَهُما كانَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وبِالأهْلِ الثّانِي الجَمِيعُ لِما ورَدَ أنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ كانا يَمْشِيانِ عَلى مَجالِسِ أُولَئِكَ القَوْمِ يَسْتَطْعِمانِهِمْ فَلَوْ جِيءَ بِالضَّمِيرِ لَفُهِمَ أنَّهُما اسْتَطْعَما البَعْضَ، وعَكَسَ بَعْضُهُمُ الأمْرَ فَقالَ: المُرادُ بِالأهْلِ الأوَّلِ الجَمِيعُ ومَعْنى إتْيانِهِمُ الوُصُولُ إلَيْهِمْ والحُلُولُ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو نَظِيرُ إتْيانِ البَلَدِ وهو ظاهِرٌ في الوُصُولِ إلى بَعْضٍ مِنهُ والحُلُولِ فِيهِ، وبِالأهْلِ الثّانِي البَعْضُ إذْ سُؤالُ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن كِبارِ أهْلِ القَرْيَةِ وصِغارِهِمْ وذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ وأغْنِيائِهِمْ وفُقَرائِهِمْ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا، والخَبَرُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَعَلَّهُ ظاهِرٌ في أنَّهُما اسْتَطْعَما الرِّجالَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ أنَّهُ قالَ: أطْعَمَتْهُما امْرَأةٌ مِن بَرْبَرٍ بَعْدَ أنْ طَلَبا مِنَ الرِّجالِ فَلَمْ يُطْعِمُوهُما، فَدَعَيا لِنِسائِهِمْ ولَعَنا رِجالَهم، فَلِذا جِيءَ بِالظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الرِّسالَةِ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِما أنَّ فِيهِما مُخالَفَةً لِما هو الغالِبُ في إعادَةِ الأوَّلِ مَعْرِفَةً، وعَلى الثّانِي أنَّهُ لَيْسَ في المُغايَرَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ فائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِها، ولا يُورَدُ هَذا عَلى الأوَّلِ لِأنَّ فائِدَةَ المُغايَرَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ كَما لا يَخْفى.

واخْتارَ بَعْضُهم عَلى القَوْلِ بِالتَّأْكِيدِ أنَّ المُرادَ بِالأهْلِ في المَوْضِعَيْنِ الَّذِينَ يُتَوَقَّعُ مِن ظاهِرِ حالِهِمْ حُصُولُ الغَرَضِ مِنهم ويَحْصُلُ اليَأْسُ مِن غَيْرِهِمْ بِاليَأْسِ مِنهم مِنَ المُقِيمِينَ المُتَوَطِّنِينَ في القَرْيَةِ، ومَن لَمْ يُحَكِّمِ العادَةَ يَقُولُ: إنَّهُما عَلَيْهِما السَّلامُ أتَوُا الجَمِيعَ وسَألُوهم لِما أنَّهُما عَلى ما قِيلَ قَدْ مَسَّتْهُما الحاجَةُ ﴿ فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو رَزِينٍ وأبُو مُحَيْصِنٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ المُفَضَّلِ وأبانَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإضافَةِ يُقالُ: ضافَهُ إذا كانَ لَهُ ضَيْفًا، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ وجَعَلَهُ ضَيْفًا، وحَقِيقَةُ ضافَ مالَ مِن ضافَ السَّهْمُ عَنِ الهَدَفِ يَضِيفُ، ويُقالُ أضافَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ وتَضَيَّفَتْ إذا مالَتْ، ونَظِيرُهُ زارَّهُ مِنَ الِازْوِرارِ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالإباءِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَزِيدِ لُؤْمِ القَوْمِ لِأنَّهُ كَما قالَ الرّاغِبُ شِدَّةُ الِامْتِناعِ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: فَلَمْ يُضِيفُوهُما مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ فَإنَّهُ دُونَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ في الدَّلالَةِ عَلى ذَمِّهِمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ الِاسْتِطْعامَ كانَ طَلَبًا لِلطَّعامِ عَلى وجْهِ الضِّيافَةِ بِأنْ يَكُونا قَدْ قالا: إنّا غَرِيبانِ فَضَيِّفُونا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما ﴾ دُونَ فَأبَوْا أنْ يُطْعِمُوهُما مَعَ اقْتِضاءِ ظاهِرِ ﴿ اسْتَطْعَما أهْلَها ﴾ إيّاهُ، وإنَّما عَبَّرَ بِاسْتِطْعَما دُونَ اسْتَضافا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ جُلَّ قَصْدِهِما الطَّعامُ دُونَ المَيْلِ بِهِما إلى مَنزِلٍ وإيوائِهِما إلى مَحَلٍّ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في ﴿ فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما ﴾ مِنَ التَّشْنِيعِ ما لَيْسَ في أبَوْا أنْ يُطْعِمُوهُما؛ لِأنَّ الكَرِيمَ قَدْ يَرُدُّ السّائِلَ المُسْتَطْعِمَ ولا يُعابُ كَما إذا رَدَّ غَرِيبًا اسْتَضافَهُ بَلْ لا يَكادُ يَرُدُّ الضَّيْفَ إلّا لَئِيمٌ، ومِن أعْظَمِ هِجاءِ العَرَبِ فُلانٌ يَطْرُدُ الضَّيْفَ، وعَنْ قَتادَةَ شَرُّ القُرى الَّتِي لا يُضافُ فِيها الضَّيْفُ ولا يُعْرَفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقُّهُ.

وقالَ زَيْنُ الدِّينِ المُوصِلِيُّ: إنَّما خَصَّ سُبْحانَهُ الِاسْتِطْعامَ بِمُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ والضِّيافَةَ بِالأهْلِ لِأنَّ الِاسْتِطْعامَ وظِيفَةُ السّائِلِ والضِّيافَةَ وظِيفَةُ المَسْؤُولِ؛ لِأنَّ العُرْفَ يَقْضِي بِذَلِكَ فَيَدْعُو المُقِيمَ القادِمَ إلى مَنزِلِهِ يَسْألُهُ ويَحْمِلُهُ إلَيْهِ انْتَهى، وهو كَما تَرى.

ومِمّا يَضْحَكُ مِنهُ العُقَلاءُ ما نَقَلَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ لَمّا سَمِعُوا نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ اسْتَحْيَوْا وأتَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ  بِحِمْلٍ مِن ذَهَبٍ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَشْتَرِي بِهَذا الذَّهَبِ أنْ تَجْعَلَ الباءَ مِن (أبَوْا) تاءً، فَأبى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ»، وبَعْضُهم يَحْكِي وُقُوعَ هَذِهِ القِصَّةِ في زَمَنِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولا أصْلَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَلى فَرْضِ الصِّحَّةِ يُعْلَمُ مِنهُ قِلَّةُ عُقُولِ أهْلِ القَرْيَةِ في الإسْلامِ كَما عُلِمَ لُؤْمُهم مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ مِن قَبْلُ (فَوَجَدا) عَطْفٌ كَما قالَ السُّبْكِيُّ عَلى ﴿ فِيها جِدارًا ﴾ رُوِيَ أنَّهُما التَجَآ إلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدا مَأْوًى وكانَتْ لَيْلَتُهُما لَيْلَةً بارِدَةً، وكانَ عَلى شارِعِ الطَّرِيقِ ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ أيْ يَسْقُطَ وماضِيهِ انْقَضَّ عَلى وزْنِ انْفَعَلَ نَحْوَ انْجَرَّ والنُّونُ زائِدَةٌ لِأنَّهُ مِن قَضَضْتُهُ بِمَعْنى كَسَرْتُهُ لَكِنْ لَمّا كانَ المُنْكَسِرُ يَتَساقَطُ قِيلَ الِانْقِضاضُ السُّقُوطُ، والمَشْهُورُ أنَّهُ السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ كانْقِضاضِ الكَوْكَبِ والطَّيْرِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو مِنَ القَضَّةِ وهي الحَصى الصِّغارِ، ومِنهُ طَعامٌ قَضَضٌ إذا كانَ في حَصًى، فَعَلى هَذا المَعْنى يُرِيدُ أنْ يَتَفَتَّتَ فَيَصِيرَ حَصًى انْتَهى.

وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في الإيضاحِ أنَّ وزْنَهُ أفْعَلُ مِنَ النَّقْضِ كَأحْمَرَ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: هو غَلَطٌ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ.

والنُّونُ عَلى هَذا أصْلِيَّةٌ، والمُرادُ مِن إرادَةِ السُّقُوطِ قُرْبُهُ مِن ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ تَسَبُّبِ إرادَةِ السُّقُوطِ لِقُرْبِهِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِأنْ يُشَبَّهَ قُرْبَ السُّقُوطِ بِالإرادَةِ لِما فِيهِما مِنَ المَيْلِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وقَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ إسْنادُ ما يَكُونُ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ إلى غَيْرِهِمْ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَعْدِلُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلٍ وقَوْلُ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ ∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ وقَوْلُ الآخَرِ: أبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمْصِها ∗∗∗ مَسَّ البُطُونِ وأنْ تَمَسَّ ظُهُورًا وقَوْلُ أبِي نُواسِ: فاسْتَنْطَقَ العُودَ قَدْ طالَ السُّكُوتُ بِهِ ∗∗∗ لا يَنْطِقُ اللَّهْوُ حَتّى يَنْطِقَ العُودُ إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً حَتّى قِيلَ: إنَّ مَن لَهُ أدْنى اطِّلاعٍ عَلى كَلامِ العَرَبِ لا يَحْتاجُ إلى شاهِدٍ عَلى هَذا المَطْلَبِ.

ونَقَلَ بَعْضُ أهْلِ أُصُولِ الفِقْهِ عَنْ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ داوُدَ الأصْبَهانِيِّ أنَّهُ يُنْكِرُ وُقُوعَ المَجازِ في القُرْآنِ فَيُؤَوِّلُ الآيَةَ بِأنَّ الضَّمِيرَ في يُرِيدُ لِلْخَضِرِ أوْ لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الجِدارَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِ حَياةً وإرادَةً والكُلُّ تَكَلُّفٌ وتَعَسُّفٌ تُغْسَلُ بِهِ بَلاغَةُ الكَلامِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: لَعَلَّ النَّقْلَ لا يَصِحُّ عَنِ الرَّجُلِ وكَيْفَ يَقُولُ ذَلِكَ وهو أحَدُ الأُدَباءِ الشُّعَراءِ الفُحُولِ المُجِيدِينَ في النَّظْمِ والنَّثْرِ، وقَرَأ أُبَيٌّ ( يُنْقَضُ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ والضّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةِ الأعْمَشِ ( يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ ) كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنِ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ اللّامِ وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وعِكْرِمَةُ وخُلَيْدُ بْنُ سَعْدٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( يَنْقاصَ ) بِالصّادِ المُهْمَلَةِ مَعَ الألْفِ، ووَزْنُهُ يَنْفَعِلُ اللّازِمُ مِن قَصْتُهِ فانْقاصَ إذا كَسَرْتَهُ فانْكَسَرَ، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: تَقُولُ العَرَبُ: انْقاصَتِ السِّنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرَ وحْشٍ: يَغْشى الكِناسَ بِرَوْقَيْهِ ويَهْدِمُهُ ∗∗∗ مِن هائِلِ الرَّمْلِ مُنْقاصٌ ومُنْكَثِبُ وفِي الصَّحّاحِ قَيْصُ السِّنِّ سُقُوطُها مِن أصْلِها وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ: فِراقٌ كَقَيْصِ السِّنِّ فالصَّبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وحُبُورُ وقالَ الأُمَوِيُّ: انْقاصَتِ البَرُّ انْهارَتْ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: المُنْقاصُ المُنْقَعِرُ، والمُنْقاضُ بِالضّادِ المُعْجَمَةِ المُنْشَقِّ طُولًا، وقالَ أبُو عَمْرٍو: هَما بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَرَأ الزَّهْرِيُّ ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ، والمَشْهُورُ تَفْسِيرُهُ بَيْنَهَدِمُ.

وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنَّ المَشْهُورَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ يَنْقاصُ بِالمُهْمَلَةِ (فَأقامَهُ) مَسَحَهُ بِيَدِهِ فَقامَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ إنَّهُ هو الصَّحِيحُ وهو أشْبَهُ بِأحْوالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِما بَعْدُ إذْ لا يَسْتَحِقُّ بِمِثْلِهِ الأجْرَ، ورُدَّ بِأنَّ عَدَمَ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولا يَضُرُّهُ سُهُولَتُهُ عَلى الفاعِلِ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ عَمَدَهُ بِهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: سَوّاهُ بِالشَّيْدِ، وقِيلَ هَدَمَهُ وقَعَدَ يَبْنِيهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قَرَأ ( فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَهَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ» ) وكانَ طُولُ هَذا الجِدارِ إلى السَّماءِ عَلى ما نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مِائَةَ ذِراعٍ، ونَقَلَ السُّفَيْرِيُّ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّهُ كانَ سُمْكُهُ مِائَتَيْ ذِراعٍ بِذِراعِ تِلْكَ القَرْيَةِ وكانَ طُولُهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ خَمْسَمِائَةِ ذِراعٍ وكانَ عَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا وكانَ النّاسُ يَمُرُّونَ تَحْتَهُ عَلى خَوْفٍ مِنهُ (قالَ) مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ تَحْرِيضًا لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَثًّا عَلى أخْذِ الجُعْلِ والأُجْرَةِ عَلى ما فَعَلَهُ لِيَحْصُلَ لَهُما بِذَلِكَ الِانْتِعاشُ والتَّقْوى بِالمَعاشِ فَهو سُؤالٌ لَهُ: لِمَ لَمْ يَأْخُذِ الأُجْرَةَ؟

واعْتِراضٌ عَلى تَرْكِ الأخْذِ فالمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ إذْ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِفِعْلِهِ، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَثًّا وإنَّما قالَهُ تَعْرِيضًا بِأنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ فُضُولٌ وتَبَرُّعٌ بِما لَمْ يُطْلَبْ مِنهُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ ولا اسْتِحْقاقٍ لِمَن فُعِلَ لَهُ مَعَ كَمالِ الِاحْتِياجِ إلى خِلافِهِ، وكانَ الكَلِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى الحِرْمانَ ومَساسَ الحاجَةِ والِاشْتِغالَ بِما لا يَعْنِي لَمْ يَتَمالَكِ الصَّبْرَ فاعْتَرَضَ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ فالتّاءُ الأُولى أصْلِيَّةٌ والثّانِيَةُ تاءُ الِافْتِعالِ أُدْغِمَتْ فِيها الأُولى، ومادَّتُهُ تَخَذَ لا أخَذَ وإنْ كانَ بِمَعْناهُ؛ لِأنَّ فاءَ الكَلِمَةِ لا تُبَدَّلُ إذا كانَتْ هَمْزَةً أوْ ياءً مُبْدَلَةً مِنها، ولِذا قِيلَ إنَّ ايْتَزَرَ خَطَأٌ أوْ شاذٌّ وهَذا شائِعٌ في فَصِيحِ الكَلامِ، وأيْضًا إبْدالُها في الِافْتِعالِ لَوْ سُلِّمَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِمْ تَخِذَ وجْهٌ وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ غَيْرُهم: إنَّهُ الِاتِّخاذُ افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ ولا يَسْلَمُ ما تَقَدَّمَ، ويَقُولُ: المَدَّةُ العارِضَةُ تُبْدَلُ تاءً أيْضًا، ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ هُنا أجْرَوْهُ مَجْرى الأصْلِيِّ وقالُوا: تَخِذَ ثُلاثِيًّا جَرْيًا عَلَيْهِ وهَذا كَما قالُوا: تَقِيَ مِنِ اتَّقى.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو بِحُرِّيَّةَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ واليَزِيدِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ( لَتَّخَذْتُ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ أيْ لَأخَذْتُ، وأظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ الذّالَ وأدْغَمَها باقِي السَّبْعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ الخضر: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وقد زاد هنا لَكَ للتأكيد، قيل: لأنه قد سبق منه الزجر مرة.

قالَ موسى: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي، يعني: إن طلبت صحبتك فلا تتابعني وقد قرئ فلا تصحبني أبدا.

قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً يقول: قد أعذرت فيما بيني وبينك في الصحبة.

فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: وهي أنطاكية، اسْتَطْعَما أَهْلَها، أي: استضافاً، قال بعضهم: سألاهم، وقال بعضهم: لم يسألاهم، ولكن كان نزولهما بين ظهرانيهم بمنزلة السؤال منهما.

فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، يعني: لم يطعموهما.

فَوَجَدا فِيها جِداراً يعني: في تلك القرية.

يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ وهذا كلام مجاز، لأن الجدار لا يكون له إرادة، ومعناه: كاد أن يسقط، فَأَقامَهُ يعني: سواه الخضر.

قالَ موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، أي جعلاً خبزاً تأكله.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو لَتَخِذْتُ بغير ألف وكسر الخاء، والباقون لَاتَّخَذْتَ ومعناهما واحد.

وقرأ نافع مِن لَّدُنّى بنصب اللام وضم الدال وتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو مِنْ لَدُنِّي بتشديد النون وهي اللغة المعروفة، والأول لغة لبعض العرب.

واختلف الروايات عن عاصم.

قالَ الخضر: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، أي هذا شرط الفراق بيني وبينك، وأنت حكمت على نفسك.

سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ، أي بتفسير مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً، أي تعلم ما رأيتني أصنع فأنكرت لتعرف أهلها وتأويله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفي رواية: «واللَّهِ، مَا عِلْمِي وعِلْمُكَ في جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كما أَخَذَ/ هَذَا الطَّائِرُ بِمنْقَارِهِ من البَحْر» ، وفي رواية: «مَا عِلْمي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلاَئِقِ في عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هذا العُصْفُورُ منقاره» «١» .

قال «٢» ع: وهذا التشبيهُ فيه تجوُّز إِذ لا يوجد في المحْسُوسَات أقوى في القِلَّة من نقطة بالإِضافة إلى البحر، فكأنها لا شَيْءَ، ولم يتعرَّض الخَضِرُ لتحرير موازَنَةٍ بين المِثَال وبَيْنَ عِلْم اللَّه تعالى، إِذ علمه سبحانه غير متناهٍ، ونُقَطُ البحر متناهيةٌ، ثم خَرَجَ من السفينة، فبينما هما يَمْشِيَانِ على السَّاحل، إذ أبصر الخضرُ غُلاَماً يَلْعَبُ مع الغْلمَان، فأخذ الخَضِرُ رَأْسَهُ بيده، فاقتلعه فَقَتَلَهُ، فقال له موسى: أقتلت نفساً زاكية.

قال «٣» ع: قيل: كان هذا الغلامُ لم يبْلُغ الحُلْم، فلهذا قال موسى: نَفْساً زاكية، وقالت فرقة: بل كان بالغاً.

وقوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ يقتضي أنه لو كان عَنْ قَتْلِ نفْسٍ، لم يكن به بأْسٌ، وهذا يدلُّ على كِبَرِ الغلامِ، وإِلا فلو كان لم يحتلم، لم يجبْ قتله بَنَفْس ولا بغير نفْس.

ت:

وهذا إِذا كان شَرْعُهم كَشَرْعنا، وقد يكونُ شرعهم أنَّ النفْسَ بالنفْسِ عموماً في البالغ وغيره، وفي العَمْد والخطأ فلا يلزم من الآية ما ذَكَرَ.

وقوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً معناه: شيئاً ينكر.

قال ع «٤» : ونصف القرآن بِعَدِّ الحروف.

انتهى إلى النون من قوله: نُكْراً.

وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)

قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قال: وهذه أشدُّ من الأولى- قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قال:

مائل، فقال الخَضِرُ بيده هكذا، فأقامه، فقال موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يطعمونا، ولم يضيّفونا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: أجراً نأكله «١» - «قال هذا فراق بيني وبينك» إِلى قوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرَهِمَا» «٢» قال سعيد: فكان ابن عباس يَقْرأُ: «وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سفينة [صالحة] غصبا» ، وكان يقرأ: «وأَمَّا الغُلاَمُ [فَكَانَ كَافِراً] وكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ» ، وفي رواية للبخاريِّ: يزعمون عن غَيْر سعيدِ بْنِ جُبَيْر أنَّ اسم المَلِكِ: هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ، والغلام المقتولُ اسمه يزعمون حَيْسُورُ، ويقال: جَيْسُورَ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، فأردتُّ إِذا هِيَ مَرَّتْ به أنْ يَدَعَها لِعَيْبها «٣» ، فإِذا جَاوَزُوا أصْلَحُوها، فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سَدُّوها بقَارُورة، ومنهم من يقول بالقار، كان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، وكان كافراً، فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً أنْ يحملهما حبُّه على أنْ يتابعاه على دينه، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً لقوله: «أقتلْتَ نفساً زاكية» ، وَأَقْرَبَ رُحْماً هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خَضِر، وزعم غير سعيد أنهما أُبْدلا جاريةً، وأما داوُدُ بن أبي عاصِمٍ، فقال عن غير واحدٍ: إنها جاريةٌ.

انتهى لفظُ البخاريِّ.

ت: وقد تحرَّينا/ في هذا المختصر بحَمْد اللَّه التحقيقَ فيما علَّقناه جُهْد الاستطاعة، واللَّه المستعان، وهو المسئول أن ينفع به بجُوده وكَرَمِهِ.

قال ع «٤» : ويشبه أنْ تكون هذه القصَّة أيضاً أصلاً للآجال في الأحكام التي هي

ثَلاَثَةٌ، وأيام التلوم ثلاثةٌ، فتأمَّله.

وقوله سبحانه: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما وفي الحديث: «أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ عَلَى مَجَالِسِ أُولَئِكَ القَومِ يَسْتَطْعمَانِهِمْ» .

قال ع «١» : وهذه عبرة مصرِّحة بهوان الدنيا على اللَّه عزَّ وجلَّ.

ص:

وقوله: فِراقُ بَيْنِي الجمهور «٢» بإضافة «فراق» ، أبو البقاء، تفريقُ وَصْلِنا، وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ «فِراقٌ» بالتنوين «٣» ، أبو البقاء و «بَيْنَ» : منصوبٌ على الظرف انتهى.

قال «٤» ع: ووَراءَهُمْ هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعًى بها الزمانُ، وذلك أنَّ الحادث المقدَّم الوُجُودِ هو الأمامُ، والذي يأتي بَعْدُ هو الوَرَاء، وتأمَّل هذه الألفاظ في مواضِعِها حيْثُ وردَتْ تجدها تَطَّرد، ومِن قرأ «٥» :

«أَمامَهُمْ» ، أراد في المكان.

قال «٦» ع: وفي الحديث، «أنَّ هَذَا الغُلاَمَ طُبِعَ يَوْمَ طُبعَ كافِراً» ، والضمير في «خشينا» للخضِرِ، قال الداوديُّ: قوله: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما، أي: علمنا انتهى.

«والزَكَاةُ» شرف الخُلُق والوقارُ والسكينةُ المنطويةُ على خَيْرٍ ونيَّة، «والرُّحْم» الرحمة، وروي عن ابن جُرَيْج، أنهما بُدِّلا غلاماً مسْلِماً «٧» ، وروي عنه أنهما بُدِّلا جاريةً، وحكى النَّقَّاش أنها وَلَدَتْ هي وَذُرِّيَّتُها سبعين نبيًّا، وذكره المهدويُّ عن ابن عباس «٨» ، وهذا بعيدٌ، ولا تُعْرَف كثرة الأنبياءِ إِلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكُنْ فيهم، واختلف النَّاسُ في هذا الكنز المذكور هنا، فقال ابن عباس: كان عِلْماً في صُحُف مدفونةٍ «٩» ، وقال عمر مولى غَفْرَة: كان لَوْحاً من ذَهَبٍ قد كُتِبَ فيه: «عجباً للموقِنِ بالرِّزْقِ كيف يَتْعَبُ، وعجباً للموقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ، وعجباً للموقِنِ بالمَوْتِ كيف يَفُرَحُ» ، وروي نحو هذا مما هو في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَسْألْنِي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَلا تَسْألْنِي ) ساكِنَةَ اللّامِ.

وقَرَأ نافِعٌ: ( فَلا تَسْألْنِي ) مَفْتُوحَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ الدّاجُونِيِّ: ( فَلا تَسْألْنِ عَنْ شَيْءٍ ) بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِن غَيْرِ ياءٍ والنُّونُ مَكْسُورَةٌ، والمَعْنى: لا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمّا أفْعَلُهُ، ﴿ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا الَّذِي أُبَيِّنُهُ لَكَ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ قَدْ غابَ عَنْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَرَقَها ﴾ ؛ أيْ: شَقَّها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: قَلَعَ مِنها لَوْحًا، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَحَشاها مُوسى بِثَوْبِهِ، وأنْكَرَ عَلَيْهِ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( لِتُغْرِقَ ) بِالتّاءِ ( أهْلَها ) بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( لِيَغْرَقَ ) بِالياءِ ( أهْلُها ) بِرَفْعِ اللّامِ.

﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مُنْكَرًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ.

والثّانِي: عَجَبًا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: داهِيَةٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ﴾ في هَذا النِّسْيانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَسِيَ، رَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ  " «أنَّ الأُولى كانَتْ نِسْيانًا مِن مُوسى» " .

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّهُ مِن مَعارِيضِ الكَلامِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى التَّرْكِ، فالمَعْنى: لا تُؤاخِذْنِي بِما تَرَكْتَهُ مِمّا عاهَدْتُكَ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُرْهِقْنِي ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تُعَجِّلْنِي.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: لا تَغُشَّنِي.

قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْطَلَقا ﴾ يَعْنِي: مُوسى والخَضِرَ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: يُحْتَمَلُ أنَّ يُوشَعَ تَأخَّرَ عَنْهُما؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اثْنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّهُ تَبِعٌ لِمُوسى، فاقْتَصَرَ عَلى حُكْمِ المَتْبُوعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا ﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الغُلامِ، هَلْ كانَ بالِغًا أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ شابًّا قَدْ قَبَضَ عَلى لِحْيَتِهِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واحْتَجَّ بِأنَّ غَيْرَ البالِغِ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلَ.

وقَدْ يُسَمّى الرَّجُلُ غُلامًا، قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ تَمْدَحُ الحَجّاجَ: [ شَفاها مِن الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ] غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها وَفِي صِفَةِ قَتْلِهِ لَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اقْتَلَعَ رَأْسَهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في حَدِيثِ أُبَيٍّ.

والثّانِي: كَسَرَ عُنُقَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أضْجَعَهُ وذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً ) قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿ زَكِيَّةً ﴾ ) بِغَيْرِ ألِفٍ والياءُ مُشَدَّدَةٌ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالألِفٍ مِن غَيْرِ تَشْدِيدٍ.

قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما بِمَنزِلَةِ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها التّائِبَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الزَّكِيَّةُ: التّائِبَةُ، [ وبِهِ ] قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها المُسْلِمَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّها الزَّكِيَّةُ النّامِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القَوِيمَةُ في تَرْكِيبِها.

والخامِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والسّادِسُ: أنَّ الزَّكِيَّةَ: البَرِيئَةُ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ ما يُوجِبُ قَتْلَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الزّاكِيَةِ والزَّكِيَّةِ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ: الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ، والزَّكِيَّةُ: الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: الزّاكِيَةُ في البَدَنِ، والزَّكِيَّةُ في الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ ؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ، ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُكْرًا ) خَفِيفَةً في كُلِّ القُرْآَنِ، إلّا قَوْلُهُ: ﴿ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ  ﴾ ، وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا ( إلى شَيْءٍ نُكُرٍ ) .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( نُكُرًا ) و( إلى شَيْءٍ نُكْرٍ ) مُثْقَلٍ.

والمُخَفَّفُ إنَّما هو مِنَ المُثَقَّلِ، كالعُنْقِ والعُنُقِ، والنُّكْرِ والنُّكُرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: لَقَدْ أتَيْتَ شَيْئًا نُكُرًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكُرٍ، فَلَمّا حَذَفَ الباءَ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ نُكْرًا.

و ﴿ نُكْرًا ﴾ أقَلُّ مُنْكَرًا من قَوْلِهِ: ﴿ إمْرًا ﴾ ؛ لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرُ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ " ﴾ .

إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ لَكَ " هاهُنا واخْتَزَلَهُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي قَبْلَهُ ؟

فالجَوابُ: أنَّ إثْباتَهُ لِلتَّوْكِيدِ واخْتِزالَهُ لِوُضُوحِ المَعْنى، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ عِنْدَ الفُصَحاءِ.

تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: اتَّقِ اللَّهَ، وقَدْ قُلْتُ لَكَ: يا فُلانُ اتَّقِ اللَّهَ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ: قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آَلَ المُصْطَلِقِ ∗∗∗ وقُلْتُ يا هَذا أطِعْنِي وانْطَلِقْ فَقَوْلُهُ: يا هَذا، تَوْكِيدٌ لا يَخْتَلُّ الكَلامُ بِسُقُوطِهِ.

وسَمِعْتُ الشَّيْخَ أبا مُحَمَّدٍ الخَشّابَ يَقُولُ: وقَّرَهُ في الأوَّلِ، فَلَمْ يُواجِهْهُ بِكافِ الخِطابِ، فَلَمّا خالَفَ في الثّانِي واجَهَهُ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ ﴾ ؛ أيْ: سُؤالُ تَوْبِيخٍ وإنْكارٍ، ﴿ بَعْدَها ﴾ ؛ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿ فَلا تُصاحِبْنِي ﴾ وقَرَأ كَذَلِكَ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهِيِكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، والأعْرَجُ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُ: إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ: ( فَلا تَصْحَبْنِي ) بِفَتْحِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، والأعْمَشُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم شَدَّدُوا النُّونَ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ: ( تَصْحَبُنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الصّادِ والباءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ، يُقالُ: قَدْ أصْحَبُ المُهْرَ: إذا انْقادَ.

والثّانِي: لا تَصْحَبْنِي عِلْمًا مِن عِلْمِكَ.

﴿ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( مِن لَدُنِّي ) مُثَقَّلٌ.

وقَرَأ نافِعٌ: ( مِن لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ مَعَ تَخْفِيفِ النُّونِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( مِن لَدْنِي ) بِفَتْحِ اللّامِ مَعَ تَسْكِينِ الدّالِ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وتَسْكِينِ الدّالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وَأجْوَدُها تَشْدِيدُ النُّونِ؛ لِأنَّ أصْلَ ( لَدُنْ ) الإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيَسْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: مِن لَدُنْ زَيْدٍ، فَتَسْكُنُ النُّونُ ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ فَتَقُولُ: مِن لَدُنِّي، كَما تَقُولُ: عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي.

فَأمّا إسْكانُ دالِ ( لَدْنِي ) فَإنَّهم أسْكَنُوها، كَما تَقُولُ في عَضُدِ: عَضْدِ، فَيَحْذِفُونَ الضَّمَّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إنَّكَ قَدْ أُعْذِرْتَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ، يَعْنِي: أنَّكَ قَدْ أخْبَرْتَنِي أنِّي لا أسْتَطِيعُ مَعَكَ صَبْرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأُبُلَّةُ، قالَهُ ابْنُ سَيْرَيْنِ.

والثّالِثُ: باجَرُوانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَطْعَما أهْلَها ﴾ ؛ أيْ: سَألاهُمُ الضِّيافَةَ، ﴿ فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما ﴾ رَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِضَمِّ الياءِ الأُولى وكَسْرِ الضّادِ وتَخْفِيفِ الياءِ الثّانِيَةِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الياءَ [ الأُولى ] .

وقَرَأ الباقُونَ: ( يُضَيِّفُوهُما ) بِفَتْحِ الضّادِ وتَشْدِيدِ الياءِ الثّانِيَةِ وكَسْرِها.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿ يُضَيِّفُوهُما ﴾ : يُنْزِلُوهُما مَنزِلَ الأضْيافِ، يُقالُ: ضِفْتُ أنا، وأضافَنِي الَّذِي يُنْزِلُنِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ: إذا نَزَلْتُ عَلَيْهِ، وأضَفْتُهُ: إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَيْتُهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: [ يُقالُ ]: ضَيَّفَتُ الرَّجُلَ: إذا أنْزَلْتُهُ مَنزِلَةَ الأضْيافِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وأضَفْتُهُ: أنْزَلْتُهُ، وضِفْتُهُ: نَزَلْتُ عَلَيْهِ.

ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللهِ  ، قالَ: " كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَجَدا فِيها جِدارًا ﴾ ؛ أيْ: حائِطًا.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: وجَمْعُهُ جُدُرٌ، والجُدُرُ: أصْلُ الحائِطِ.

ومِنهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرُ: " «ثُمَّ دَعِ الماءَ يَرْجِعُ إلى الجَدْرِ» "، والجَيْدَرُ: القَصِيرُ.

قَوْل تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ: ( يَنْقاضُ ) بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ وضادٍ مُعْجَمَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيُّ: ( يَنْقاصُ ) بِألِفٍ ومَدَّةٍ وصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، وكُلُّهُ بِلا تَشْدِيدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَعْنى يَنْقُضُ: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويَنْقاصُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَتْ سِنُّهُ: إذا انْشَقَّتْ.

قالَ ابْنُ مُقْسِمٍ: انْقاصَتْ سِنُّهُ، وانْقاضَتْ - بِالصّادِّ والضّادِ -عَلى مَعْنًى واحِدٍ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ نُسِبَتِ الإرادَةُ إلى ما لا يَعْقِلُ ؟

فالجَوابُ: أنَّ هَذا عَلى وجْهِ المَجازِ تَشْبِيهًا بِمَن يَعْقِلُ، ويُرِيدُ: لِأنَّ هَيْأتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلْوُقُوعِ قَدْ ظَهَرَتْ كَما يَظْهَرُ مِن أفْعالِ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوَصَفَ بِالإرادَةِ؛ إذْ كانَتْ الصُّورَتانِ واحِدَةً، وقَدْ أضافَتِ العَرَبُ الأفْعالَ إلى ما لا يَعْقِلُ تَجُوُّزًا، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ  ﴾ ، والغَضَبُ لا يَسْكُتُ، وإنَّما يَسْكُتُ صاحِبُهُ، وقالَ: ﴿ فَإذا عَزَمَ الأمْرُ  ﴾ ، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ: إنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمَلٍ ∗∗∗ لِزَمانٍ يَهُمُّ بِالإحْسانِ وَقالَ آَخَرُ: يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ وَقالَ آَخَرُ: ضَحِكُوا والدَّهْرُ عَنْهم ساكِتٌ ∗∗∗ ثُمَّ أبْكاهم دَمًا لَمّا نَطَقَ وَقالَ آَخَرُ: يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ [ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى ] وَهَذا كَثِيرٌ في أشْعارِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأقامَهُ ﴾ ؛ أيْ: سَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا.

وَفِي كَيْفِيَّةٍ ما فَعَلَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَفَعَهُ بِيَدِهِ فَقامَ.

والثّانِي: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( لَتَخِذْتَ ) بِكَسْرِ الخاءِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُدْغِمُ الذّالَ، وابْنُ كَثِيرٍ يُظْهِرُها.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( لاتَّخَذْتَ ) وكُلُّهم أدْغَمُوا، إلّا حَفْصًا عَنْ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لَمْ يُدْغِمْ مِثْلُ ابْنِ كَثِيرٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَخِذَ يَتَّخِذُ في مَعْنى: اتَّخَذَ يَتَّخِذُ.

وإنَّما قالَ لَهُ هَذا؛ لِأنَّهم لَمْ يُضَيِّفُوهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ، ﴿ هَذا ﴾ يَعْنِي: الإنْكارَ عَلَيَّ، ﴿ فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ ؛ أيْ: هو المُفَرَّقُ بَيْنَنا.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: هَذا فِراقٌ بَيْنِنا؛ أيْ: فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَوْكِيدًا، ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( هَذا فِراقٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( بَيْنِي وبَيْنَكَ ) بِنَصْبِ النُّونِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ قَوْلُ مُوسى في السَّفِينَةِ والغُلامِ لِرَبِّهِ، وكانَ قَوْلُهُ في الجِدارِ لِنَفْسِهِ، لِطَلَبِ شَيْءٍ مِن الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾ ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ ﴿ قالَ إنْ سَألْتُكَ عن شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا ﴾ ﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ ﴿ قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ "انْطَلَقا" في مَوْضِعِ نُزُولِهِما مِنَ السَفِينَةِ، فَمَرّا بِغِلْمانٍ يَلْعَبُونَ، فَعَمَدَ الخِضْرُ إلى غُلامٍ حَسَنِ الهَيْئَةِ وضِيءٍ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ، ويُقالُ: رَضَّها بِحَجَرٍ، ويُقالُ: ذَبَحَهُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: كانَ الغُلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمِ، ولِذَلِكَ قالَ مُوسى: "زَكِيَّةً"، أيْ: لَمْ تُذْنِبْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ غُلامًا شابًّا، والعَرَبُ تُبْقِي عَلى الشابِّ اسْمَ الغُلامِ، ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ: غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها وَهَذا في صِفَةِ الحُجّاجِ.

وفي الخَبَرِ أنَّ هَذا الغُلامَ كانَ يُفْسِدُ في الأرْضِ ويُقْسِمُ لِأبَوَيْهِ ما فَعَلَ فَيُقْسِمانِ عَلى قَسَمِهِ ويَحْمِيانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والجُمْهُورُ: "زاكِيَةً" وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، والجَحْدَرِيُّ: "زَكِيَّةً"، والمَعْنى واحِدٌ، وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى الفَرْقِ، ولَيْسَ بِبَيِّنٍ وقَوْلُهُ: ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ لَوْ كانَ عن قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى كِبَرِ الغُلامِ؛ وإلّا فَلَوْ كانَ لَمْ يَحْتَلِمْ لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِنَفْسٍ ولا بِغَيْرِ نَفْسٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُكْرًا"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، ومَعْناهُ: شَيْئًا يُنْكَرُ.

واخْتَلَفَ الناسُ أيُّهُما أبْلَغُ؟

قَوْلُهُ: "إمْرًا" أو قَوْلُهُ: "نُكْرًا" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا قَتْلٌ بَيِّنٌ وهُنالِكَ مُتَرَقَّبٌ، و"نُكْرًا" أبْلَغُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا قَتْلُ واحِدٍ وذَلِكَ قَتْلُ جَماعَةٍ، فَـ "إمْرًا" أبْلَغُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعِنْدِي أنَّهُما لِمَعْنَيَيْنِ: قَوْلُهُ: "إمْرًا" أفْظَعُ وأهْوَلُ مِن حَيْثُ هو مُتَوَقَّعٌ عَظِيمٌ، و"نُكْرًا" أبْيَنُ في الفَسادِ لِأنَّ مَكْرُوهَهُ قَدْ وقَعَ.

"وَنِصْفُ القُرْآنِ بَعْدَ الحَرْفِ "ن" أو يَنْتَهِي إلى النُونِ مِن قَوْلِهِ: "نُكْرًا".".

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ ﴾ فِيهِ زَجْرٌ وإغْلاظٌ لَيْسَ في قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا  ﴾ ، وقَوْلُهُ: "بَعْدَها" يُرِيدُ: بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، فَأعادَ الضَمِيرَ عَلَيْها وإنْ كانَتْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ مِن حَيْثُ كانَتْ في ضِمْنِ القَوْلِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلا تُصاحِبُنِي"، ورَواها أُبَيٌّ عَنِ النَبِيِّ  ، وقَرَأ عِيسى، ويَعْقُوبُ: "فَلا تَصْحَبْنِي"، وقَرَأ عِيسى أيْضًا: "فَلا تُصْحِبُنِي" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الحاءِ، ورَواها سَهْلٌ عن أبِي عَمْرُو، والمَعْنى: فَلا تُصْحِبُنِي عِلْمَكَ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "فَلا تَصْحَبَنِّي" بِفَتْحِ التاءِ والباءِ وشَدِّ النُونِ.

وقَوْلُهُ: "قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا"، أيْ: قَدْ أعْذَرْتُ إلَيَّ وبَلَغْتَ إلى العُذْرِ مِن قِبَلِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُشْبِهُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ أصْلًا لِلْآجالِ في الأحْكامِ الَّتِي هي ثَلاثَةُ أيّامٍ، وأيّامُ التَلَوُّمِ ثَلاثَةٌ، فَتَأمَّلْهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مِن لَّدُنِّي" بِفَتْحِ اللامِ وضَمِّ الدالِّ وشَدَّ النُونِ، وهي "لَدُنِ" اتَّصَلَتْ بِها نُونُ الكِنايَةِ الَّتِي في "ضَرَبَنِي" ونَحْوَهُ، فَوَقَعَ الإدْغامُ، وهي قِراءَةُ النَبِيِّ  ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: "مِن لَدُنِي" كالأُولى إلّا أنَّ النُونَ مُخَفَّفَةٌ، فَهي "لَدُنَ" اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ الَّتِي في "غُلامِي" وكُسِرِ ما قَبْلَ الياءِ كَما كُسِرَ في هَذِهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "مِن لَدْنِي" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ الدالِ وتَخْفِيفِ النُونِ، وهي تَخْفِيفٌ "لَدُنِي" الَّتِي ذَكَرْناها قَبْلَ هَذِهِ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ: "مِن لُدْنِي" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الدالِ، قالَ مُجاهِدٌ: وهي غَلَطٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَغْلِيطُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ الرِوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَهي صَحِيحَةٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "مِن لَدْنِي" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ الدالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُذْرا"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعِيسى: "عُذُرا" بِضَمِّ الدالِّ، وحَكى الدانِي أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَبِيِّ  "عُذْرِي" بِكَسْرِ الراءِ وياءٍ بَعْدَها، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا دَعا لِأحَدٍ بَدَأ بِنَفْسِهِ، فَقالَ يَوْمًا: "رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنا، وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ عَلى صاحِبِهِ لَرَأى العَجَبَ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿ فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا ﴾ "».

وَفِي البُخارِيِّ عَنِ النَبِيِّ  : « "يَرْحَمُ اللهُ مُوسى، لَوَدِدْنا أنَّهُ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما".» ورُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ هَذِهِ الأمْثِلَةَ الَّتِي وقَعَتْ لِمُوسى مَعَ الخِضْرِ حُجَّةً عَلى مُوسى وعَجَبًا لَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أنْكَرَ أمْرَ خَرْقِ السَفِينَةِ نُودِيَ: يا مُوسى أيْنَ كانَ تَدْبِيرُكَ هَذا وأنْتَ في التابُوتِ مَطْرُوحًا في اليَمِّ؟

فَلَمّا أنْكَرَ أمْرَ الغُلامِ قِيلَ لَهُ: أيْنَ إنْكارُكَ هَذا مِن وكْرِكَ لِلْقِبْطِيِّ وقَضائِكَ عَلَيْهِ؟

فَلَمّا أنْكَرَ إقامَةَ الجِدارِ نُودِيَ: أيْنَ هَذا مِن رَفْعِكَ حَجَرِ البِئْرِ لِبَناتِ شُعَيْبٍ دُونَ أجْرٍ؟

وقَوْلُهُ: "فانْطَلَقا"، يُرِيدُ: انْطَلَقَ الخِضْرُ ومُوسى يَمْشِيانِ لِارْتِيادِ الخِضْرِ أمْرًا يَنْفُذُ فِيهِ ما عِنْدَهُ مِن عِلْمِ اللهِ تَعالى، فَمَرّا بِقَرْيَةٍ فَطَلَبا مِن أهْلِها أنْ يُطْعِمُوهُما فَأبَوْا.

وفي الحَدِيثِ أنَّهُما كانا يَمْشِيانِ عَلى مَجالِسِ أُولَئِكَ القَوْمِ يَسْتَطْعِمانِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِهَوانِ الدُنْيا عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْيَةِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينِ: هي الأُبُلَّةُ، وهي أبْخَلُ قَرْيَةٍ وأبْعَدُها مِنَ السَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أنْطاكِيَةُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بُرْقَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِجَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ، رُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرُهُ، ويُذْكَرُ أنَّها الجَزِيرَةُ الخَضْراءُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أبُو حُورانِ، وهي بِناحِيَةِ أذْرَبِيجانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ الخِلافِ في أيِّ ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ كانَتْ قِصَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واللهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةٍ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُضَيِّفُوهُما" بِفَتْحِ الضادِ وشَدِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يُضِيِّفُوهُما" بِكَسْرِ الضادِ وسُكُونِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والزُبَيْرِ، وأبِي رَزِينٍ.

و"الضَيْفُ" مَأْخُوذٌ مِن: ضافَ إلى المَكانِ إذا مالَ إلَيْهِ، ومِنهُ الإضافَةُ وهي إمالَةُ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَأبَوْا أنْ يُطْعِمُوهُما".

وقَوْلُهُ تَعالى في الجِدارِ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ اسْتِعارَةٌ، وجَمِيعُ الأفْعالِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ لِلْحَيِّ الناطِقِ مَتى أُسْنِدَتْ إلى جَمادٍ أو بَهِيمَةٍ فَإنَّما هي اسْتِعارَةٌ، أيْ: لَوْ كانَ مَكانَ الجَمادِ إنْسانٌ لَكانَ مُمْتَثِلًا لِذَلِكَ الفِعْلِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: هَلْ تَنْتَهُونَ؟

ولا يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفُتُلُ فَأسْنَدَ النَهْيَ إلى الطَعْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يُرِيدُ الرُمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عن دِماءِ بَنِي عُقَيْلِ وَمِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ: وشَكا إلَيَّ بِعِبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ وفَسَّرَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: لَوْ كانَ يَدْرِي ما المُحاوَرَةُ اشْتَكى...

البَيْتُ.

ومِنهُ قَوْلُ الناسِ: "دارِي تَنْظُرُ إلى دارِ فُلانٍ"، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا تَراءى نارُهُما"» وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْقَضُّ"، أيْ: يَسْقُطُ.

«وَقَرَأ النَبِيُّ  -فِيما رُوِيَ عنهُ- "أنْ يُنْقَضَ" بِضَمِّ المِيمِ وتَخْفِيفِ الضادِ،» وهي قِراءَةُ أُبَيِّ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعِكْرِمَةُ: "أنْ يَنْقاصَ" بِالصادِّ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، بِمَعْنى: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: انْقاصَ الجِدارُ وطَيُّ البِئْرِ، وانْقاصَتِ السِنُّ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، وقِيلَ: إذا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ كانَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فِراقٌ كَقَيْصِ السِنِّ فالصَبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ ويُرْوى: عِبْرَةٌ وحُبُورُ؛ بِالباءِ والحاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: "فَأقامَهُ" -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَدَمَهُ وقَعَدَ يَبْنِيهِ، ووَقَعَ هَذا في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ ؛ لِأنَّهُ فَعْلٌ يَسْتَحِقُّ أجْرًا.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَلْ مَسَحَهُ بِيَدِهِ وأقامَهُ فَقامَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ في هَذا حَدِيثٌ، وهو الأشْبَهُ بِأفْعالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

فَقالَ مُوسى لِلْخِضْرِ: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ أيْ: طَعامًا نَأْكُلُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لاتَّخَذْتَ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "لَتَخِذْتُ"، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأدْغَمَ بَعْضُ القُرّاءِ الذالَ في التاءِ، ولَمْ يُدْغِمْها بَعْضُهُمْ، ومِن قَوْلِهِمْ: "تَخِذَ" قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جَنْبِ غَرْزِها ∗∗∗ ∗∗∗ نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرَّقِ وَفِي حَرْفِ أُبَيِّ: "لَوْ شِئْتُ لَأُوتِيتَ عَلَيْهِ أجْرًا".

ثُمَّ قالَ الخِضْرُ لِمُوسى بِحَسَبِ شَرْطِهِما: ﴿ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ ، واشْتَرَطَ الخِضْرُ، وأعْطاهُ مُوسى ألّا يَقَعَ سُؤالٌ عن شَيْءٍ، والسُؤالُ أقَلُّ وُجُوهِ الِاعْتِراضاتِ، فالإنْكارُ والتَخْطِئَةُ أعْظَمُ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ سُؤالًا- فَفي ضِمْنِهِ الإنْكارُ لِفِعْلِهِ والقَوْلُ بِتَصْوِيبِ أخْذِ الأجْرَ، وفي ذَلِكَ تَخْطِئَةُ تَرْكِ الأجْرِ، وأمّا فَصْلُهُ وتَكْرِيرُهُ ﴿ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ وعُدُولُهُ عن "بَيْنِنا" فَلِمَعْنى التَأْكِيدِ، والسِينُ في قَوْلِهِ: "سَأُنَبِّئُكَ" مُفَرِّقَةٌ بَيْنَ المُحاوَرَتَيْنِ والصُحْبَتَيْنِ، ومُؤْذِنَةٌ بِأنَّ الأُولى قَدِ انْقَطَعَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نظم قوله ﴿ فانطَلَقا حَتَّى إذا أَتَيَا أهْلَ قَرْيةٍ استَطْعَمَا أهْلَهَا ﴾ كنظم نظيريه السابقين.

والاستطعام: طلب الطعام.

وموقع جملة ﴿ استَطْعَمَا أَهْلَهَا ﴾ كموقع جملة (خرقها) وجملة (فقتله)، فهو متعلق (إذَا).

وإظهار لفظ ﴿ أَهْلَهَا ﴾ دون الإتيان بضميرهم بأن يقال: استطعماهم، لزيادة التصريح، تشنيعاً بهم في لؤمهم، إذ أبوا أن يضيفوهما.

وذلك لؤم، لأنّ الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليه السلام وهي من المواساة المتبعة عند الناس.

ويقوم بها من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة، أو من أعدّ نفسه لذلك من كرام القبيلة؛ فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك القرية.

وقد أورد الصفدي على الشيخ تقي الدين السبكي سؤالاً عن نكتة هذا الإظهار في أبيات.

وأجابه السبكي جواباً طويلاً نثراً ونظماً بما لا يقنع، وقد ذكرهما الآلوسي.

وفي الآية دليل على إباحة طلب الطعام لعابر السبيل لأنه شَرْع من قبلنا، وحكاه القرآن ولم يرد ما ينسخه.

ودلّ لَوْم موسى الخضرَ، على أن لم يأخذ أجر إقامة الحائط على صاحبه من أهل القرية، على أنه أراد مقابلة حرمانهم لحق الضيافة بحرمانهم من إقامة الجدار في قريتهم.

وفي الآية مشروعية ضيافة عابر السبيل إذا نزل بأحد من الحيّ أو القرية.

وفي حديث «الموطأ» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرِم ضيفَه جائزَتَه يومٌ وليلة (أي يُتحفه ويبالغ في بره) وضيافته ثلاثة أيام (أي إطعامٌ وإيواء بما حضر من غير تكلّف كما يتكلف في أول ليلة) فما كان بعد ذلك فهو صدقة ".

واختلف الفقهاء في وجوبها فقال الجمهور: الضيافة من مكارم الأخلاق، وهي مستحبة وليست بواجبة.

وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي.

وقال سحنون: الضيافة على أهل القُرى والأحياء، ونسب إلى مالك.

قال سحنون: أما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافرون.

وقال الشافعي ومحمد بن عبد الحكم من المالكية: الضيافة حق على أهل الحضر والبوادي.

وقال الليث وأحمد: الضيافة فرض يوماً وليلة.

ويقال: ضَيّفه وأضافه، إذا قام بضيافته، فهو مضيّف بالتشديد.

ومُضيف بالتخفيف، والمتعرض للضيافة: ضَائف ومُتَضيّف، يقال: ضِفته وتضيّفته، إذا نزل به ومال إليه.

والجدار: الحائط المبني.

ومعنى ﴿ يُرِيدُ أن يَنقَضَّ ﴾ أشرف على الانقضاض، أي السقوط، أي يكاد يسقط، وذلك بأن مال، فعبر عن إشرافه على الانقضاض بإرادة الانقضاض على طريقة الاستعارة المصرحة التبعية بتشبيه قرب انقضاضه بإرادة من يعقل فعلَ شيء فهو يوشك أن يفعله حيث أراده، لأن الإرادة طلب النفس حصول شيء وميل القلب إليه.

وإقامة الجدار: تسوية مَيله، وكانت إقامته بفعل خارق للعادة بأن أشار إليه بيده كالذي يسوي شيئاً ليّناً كما ورد في بعض الآثار.

وقول موسى: ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرَاً ﴾ لَوْم، أي كان في مكنتك أن تجعل لنفسك أجراً على إقامة الجدار تأخذه ممن يملكه من أهل القرية ولا تقيمه مجاناً لأنهم لم يقوموا بحق الضيافة ونحن بحاجة إلى ما ننفقه على أنفسنا، وفيه إشارة إلى أن نفقة الأتباع على المتبوع.

وهذا اللوم يتضمن سؤالاً عن سبب ترك المشارطة على إقامة الجدار عند الحاجة إلى الأجر، وليس هو لوماً على مجرد إقامته مجاناً، لأن ذلك من فعل الخير وهو غير ملوم.

وقرأ الجمهور {لاتّخذتَ بهمزة وصل بعد اللام وبتشديد المثناة الفوقية على أنه ماضي (اتخذ).

وقرأ ابن كثير، وأبو عَمرو، ويعقوب لتَخِذْتَ بدون همزة على أنه ماضي (تَخِذ) المفتتح بتاء فوقية على أنه ماضي (تخذ) أوله فوقية، وهو من باب علم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها ﴾ اخْتُلِفَ في هَذِهِ القَرْيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها أنْطاكِيَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّها الأُبُلَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها باجِرْوانُ بِأرْمِينِيَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما ﴾ يُقالُ أضَفْتَ الرَّجُلَ إذا نَزَلَ عَلَيْكَ فَأنْتَ مُضِيفٌ.

وَضِفْتَ الرَّجُلَ إذا نَزَلْتَ عَلَيْهِ فَأنْتَ ضَيْفٌ.

وَكانَ الطَّلَبُ مِنهُما الفاقَةُ عُذْرًا فِيهِما.

والمَنعُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ لِشُحٍّ أثِمُوا بِهِ.

﴿ فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ أيْ كادَ أنْ يَنْقَضَّ; ذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَ في التّالِي، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ وَمَعْنى يَنْقَضُّ يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، ويُناقِضُ يَنْشَقُّ طُولًا.

وَقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ يُرِيدُ أنْ يَنْقُصَ بِالصّادِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، مِنَ النُّقْصانِ.

﴿ فَأقامَهُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أقامَ الجِدارَ بِيَدِهِ فاسْتَقامَ، وأصْلُ الجَدْرِ الظُّهُورُ ومِنهُ الجُدَرِيُّ لِظُهُورِهِ.

وَعَجِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدِ ﴿ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما ﴾ فَأقامَ لَهُمُ الجِدارَ فَـ قالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ قَتادَةُ: شَرُّ القُرى لا تُضِيفُ الضَّيْفَ ولا تَعْرِفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا الَّذِي قُلْتَهُ ﴿ فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ الثّانِي: هَذا الوَقْتُ ﴿ فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ ﴾ ﴿ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَمْ تَسْتَطِعْ عَلى المُشاهَدَةِ لَهُ صَبْرًا.

الثّانِي: لَمْ تَسْتَطِعْ عَلى الإمْساكِ عَنِ السُّؤالِ عَنْهُ صَبْرًا.

فَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (رَحِمَ اللَّهُ مُوسى لَوْ صَبَرَ لاقْتَبِسَ مِنهُ ألْفَ بابٍ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن عساكر من طريق ابن سمعان، عن مجاهد قال: كان ابن عباس يقول في هذه الآية ﴿ وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ﴾ يقول: لا أنفك ولا أزال ﴿ حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ يقول: ملتقى البحرين ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ يقول: أو أمضي سبعين خريفاً ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ يقول: بين البحرين ﴿ نسيا حوتهما ﴾ يقول: ذهب منهما وأخطأهما، وكان حوتاً مليحاً معهما يحملانه فوثب من المكتل إلى الماء فكان ﴿ سبيله في البحر سرباً ﴾ فأنسى الشيطان فتى موسى أن يذكره، وكان فتى موسى يوشع بن نون ﴿ واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ يقول: موسى عجب من أثر الحوت ودوراته التي غار فيها ﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ قول موسى: فذاك حيث أخبرت أني أجد الخضر حيث يفارقني الحوت ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ يقول: اتبع موسى ويوشع أثر الحوت في البحر وهم راجعان على ساحل البحر ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ يقول: فوجدا خضراً ﴿ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً ﴾ قال الله تعالى: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ [ يوسف: 76] فصحب موسى الخضر وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدوّ الله!...

حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟

فقال: أنا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن لي عبداً بمجمع البحرين وهو أعلم منك.

قال موسى: يا رب، كيف لي به؟

قال: تأخذ معك حوتاً تجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَم.

فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال: فكان للحوت سرباً، ولموسى ولفتاه عجباً.

فقال موسى ﴿ ذلك ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصاً ﴾ قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش.

قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش.

قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟

قال: أنا موسى.

قال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نَعَم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلَمُهُ أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه.

فقال موسى ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ فقال له الخضر ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا ﴾ يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلَهَا؟.

﴿ لقد جئت شيئاً إمْرَا ﴾ فقال: ﴿ ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسياناً، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى: ﴿ أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ قال: وهذه أشد من الأولى ﴿ قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ قال: مائل، فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ فقال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما» .

قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ ﴿ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ وكان يقرأ ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر، عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني.

قلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل.

قال: كذب عدوّ الله، حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟

قال: لا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى.

قيل: بلى.

قال: أي رب، فأين؟

قال: بمجمع البحرين.

قال: أي رب، اجعل لي علماً أعلم به ذلك.

قال: خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت.

قال: ما كلفت كثيراً.

قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه.

حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.

وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر.

قال موسى ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر، مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام...

من أنت؟

قال: أنا موسى.

قال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نعم.

قال: فما شأنك؟

قال: جئت لتعلمني مما علمت رشداً.

قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟

إن لي علماً لا ينبغي أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أعلمه.

فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر.

حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتداً.

قال موسى ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمْراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ كانت الأولى نسياناً والوسطى والثالثة عمداً ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ﴾ ووجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿ أقتلت نفساً زكية ﴾ لم تعمل الحنث.

قال ابن عباس قرأها: ﴿ زكية ﴾ زاكية مسلمة، كقولك: غلاماً زكياً.

﴿ فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه ﴾ قال: بيده هكذا، ورفع يده فاستقام ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ قال: أجراً تأكله ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ قرأها ابن عباس ﴿ وكان أمامهم ملك ﴾ يزعمون مدد بن ندد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور ﴿ ملك يأخذ كل سفينة ﴾ صالحة ﴿ غصباً ﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول سدوها بالقار ﴿ فكان أبواه مؤمنين ﴾ وكان كافراً ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً ﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر.

وزعم غير سعيد أنهما أُبْدِلا جارية» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده، فقال القوم: إن نوفاً الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل، فكان ابن عباس متكئاً فاستوى جالساً فقال: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، لرأى من صاحبه عجباً» .

قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبياً من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: «رحمة الله علينا وعلى صالح، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد، ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم، إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني.

فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزوّد حوتاً مالحاً فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزوّد حوتاً مالحاً فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته.

فأنساه الشيطان، فانطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به، فقال موسى: ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال فتاه: يا نبي الله ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ﴾ أن أحدثك ﴿ وما أَنْسَانِيهُ إلا الشيطان ﴾ ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ ﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ فرجعا ﴿ على آثارهما قصصاً ﴾ يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه، فرفع رأسه فقال له: من أنت؟

قال: موسى.

قال: من موسى؟

قال: موسى بني إسرائيل.

قال: فما لك؟

قال: أخبرت أن عندك علماً فأردت أن أصحبك ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ ﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ ﴿ قال كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ قال: قد أمرت أن أفعله ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة ﴾ فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها ﴿ لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ فانطلقا، حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه، فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال: ﴿ أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى أتيا أهل قرية ﴾ وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه ﴾ قال له موسى مما نزل به من الجهد ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها.

وأما الغلام، فإنه كان طبع يوم طبع كافراً، وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئاً لأرهقهما طغياناً وكفراً، فأراد ربك أن يبدلهما ﴿ خيراً منه زكاة وأقرب رحماً ﴾ فوقع أبوه على أمه فعلقت خيراً منه زكاة وأقرب رحماً» .

وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس- وعنده نفر من أهل الكتاب- فقال بعضهم: إن نوفاً يزعم عن أبي بن كعب، أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف...

حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني.

قال: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، فنعت له مكانه فأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك.

فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، ماء الحياة من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي.

فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ فانطلقا ﴿ فلما جاوزا قال ﴾ موسى ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال الفتى وذكر ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسىعليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك؟

إن كان لك في قومك لشغل؟

قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً.

﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وكان رجلاً يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى.

قال: ﴿ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ أي أن ما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم؟

﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ وإن رأيت ما يخالفني ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها، أخرج منقاراً له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى- ورأى أمراً أفظع به- ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ أي بما تركت من عهدك ﴿ ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية، فإذا غلمان يلعبون...

فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه، فأخذ بيده وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، فرآى موسى عليه السلام أمراً فظيعاً لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له...

﴿ قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس ﴾ أي صغيرة ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً ﴾ أي قد عذرت في شأني ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر، فقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا، واستضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة؟

ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عملك.

﴿ قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ﴾ صالحة ﴿ غصباً ﴾ - في قراءة أبي بن كعب ﴿ كل سفينة صالحة ﴾ وإنما عيبها لطرده عنها فَسَلِمَتْ منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً.

فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً.

وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علماً» .

وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام موسى خطيباً لبني إسرائيل فأبلغ في الخطبة، وعرض في نفسه أن أحداً لم يؤت من العلم ما أوتي، وعَلِمَ الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: «يا موسى، إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك.

قال: فادللني عليه حتى أتعلم منه.

قال: يدلك عليه بعض زادك» .

فقال لفتاه يوشع ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً ﴾ قال: فكان فيما تزوداه حوت مملوح وكانا يصيبان منه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل على ساحل البحر فأصاب الحوت ندى الماء فتحرك في المكتل فقلب المكتل وأسرب في البحر، فلما جاوز أحضر الغداء فقال: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ فذكر الفتى ﴿ قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ فذكر موسى ما كان عهد إليه، إنه يدلك عليه بعض زادك.

﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ أي هذه حاجتنا ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل، فأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر العرب ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمت رشداً ﴾ فأقر له بالعلم ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ يقول: حتى أكون أنا أحدث ذلك لك ﴿ فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلَهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً ﴾ على ساحل البحر في غلمان يلعبون، فعهد إلى أجودهم وأصبحهم ﴿ فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ .

قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاستحى نبي الله موسى عند ذلك فقال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلَهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ قال: وهي في قراءة أبي بن كعب ﴿ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ فأردت أن أعيبها حتى لا يأخذها الملك، فإذا جاوزوا الملك رقعوها فانتفعوا بها وبقيت لهم ﴿ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ قال: فجاء طائر هذه الحمرة فبلغ فجعل بغمس منقاره في البحر، فقال له: يا موسى، ما يقول هذا الطائر؟

قال: لا أدري.

قال: هذا يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا كما أنقص بمنقاري من جميع ما في هذا البحر» .

وأخرج الروياني وابن عساكر من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينما موسى عليه السلام يذكر بني إسرائيل، إذ حدث نفسه أنه ليس أحد من الناس أعلم منه، فأوحى الله إليه: «إني قد علمت ما حدثت به نفسك، فإن من عبادي رجلاً أعلم منك...

يكون على ساحل البحر فأته فتعلم منه واعلم أن الآية الدالة لك على مكانه زادك الذي تزوّد به، فأينما فقدته فهناك مكانه» .

ثم خرج موسى وفتاه قد حملا حوتاً مالحاً في مكتل وخرجا يمشيان لا يجدان لغوبا ولا عنتاً، حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضر، فمضى موسى وجلس فتاه فشرب منها فوثب الحوت من المكتل حتى وقع في الطين، ثم جرى فيه حتى وقع في البحر.

فذلك قوله تعالى: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ فانطلق حتى لحق موسى، فلما لحقه أدركه العياء فجلس وقال لفتاه ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: ففقد الحوت فقال: ﴿ إني نسيت الحوت ﴾ الآية.

يعني فتى موسى ﴿ اتخذ سبيله في البحر عجباً قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ إلى ﴿ قصَصَا ﴾ فانتهيا إلى الصخرة فأطاف بها موسى فلم ير شيئاً، ثم صعد فإذا على ظهرها رجل متلفف بكسائه نائم، فسلم عليه موسى، فرفع رأسه فقال: أنى السلام بهذا المكان...

من أنت؟

قال: موسى بني إسرائيل.

قال: فما كان لك في قومك شغل عني؟

قال: إني أمرت بك.

فقال الخضر: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ ﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ﴾ الآية.

﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر، فإذا قوم قد ركبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر ركبوا معهم، فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضر حديدة كانت معه فخرق بها السفينة ﴿ قال أخرقتها لتغرق أَهْلَهَا ﴾ الآية.

﴿ قال ألم أقل ﴾ الآية.

﴿ قال لا تؤاخذني ﴾ الآية.

﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ فوجدا صبياناً يلعبون يريدون القرية، فأخذ الخضر غلاماً منهم وهو أحسنهم وألطفهم فقتله قال له موسى: ﴿ أقتلت نفساً زكية ﴾ الآية.

﴿ قال ألم أقل لَكَ ﴾ الآية.

﴿ قال إن سألتك ﴾ الآية.

فانطلقا حتى انتهيا إلى قرية لئام وبهما جهد فاستطعموهم فلم يطعموهم، فرأى الجدار مائلاً فمسحه الخضر بيده فاستوى، فقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا، لو سألتهم عليه أجراً أعطوك فنتعشى به ﴿ قال هذا فراق بيني وبينك ﴾ قال: فأخذ موسى بثوبه فقال: أنشدك الصحبة، إلا أخبرتني عن تأويل ما رأيت؟

قال: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ الآية.

خرقتها لأعيبها فلم تؤخذ فأصلحها أهلها فامتنعوا بها، وأما الغلام، فإن الله جعله كافراً وكان أبواه مؤمنين، فلو عاش لأرهقهما ﴿ طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه بمصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل الله: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [ إبراهيم: 5] فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعم، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض وقال: كلم الله موسى نبيكم تكليماً واصطفاني لنفسه وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم من كل شيء سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرون اليوم.

فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا عرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: فهل على الأرض أعلم منك يا نبي الله؟

قال: لا.

فبعث الله جبريل إلى موسى فقال: إن الله يقول: «وما يدريك أين أضع علمي؟...

بلى على ساحل البحر رجل أعلم» .

قال ابن عباس: هو الخضر.

فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى الله إليه: أن ائت البحر فإنك تجد على ساحل البحر حوتاً ميتاً فخذه فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وذهب منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب.

فلما طال صعود موسى ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت: ﴿ قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ لك.

قال الفتى.

لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا، فأعجب ذلك فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلّم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام...

وأنى يكون هذا السلام بهذا الأرض...

ومن أنت؟

قال: أنا موسى.

فقال له الخضر: أصاحب بني إسرائيل؟

فرحب به وقال: ما جاء بك؟

قال: جئتك ﴿ على أن تعلمني مما علمت رشداً قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ يقول: لا تطيق ذلك.

قال موسى: ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ فانطلق به وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه.

فذلك قوله: ﴿ حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب وابن عساكر من طريق هرون بن عنترة، عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه فقال: «رب، أي عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأي عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأيّ عبادك أعلم؟

قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى.

قال: وقد كان حدث موسى نفسه أنه ليس أحد أعلم منه.

قال: رب، فهل أحد أعلم مني؟

قال: نعم.

قال: فأين هو؟

قيل له: عند الصخرة التي عندها العين» .

فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني.

قال: إنك لن تطيق صحبتي.

قال: بلى.

قال: فإن صحبتني ﴿ فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في البحر مكان أكثر ماء منه.

قال: وبعث الله الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ بمنقاره من الماء؟

قال: ما أقل ما رزأ...

قال: فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء.

وذكر تمام الحديث في خرق السفينة وقتل الغلام وإصلاح الجدار، فكان قول موسى في الجدار لنفسه شيئاً من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز وجل.

وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال.

وأخرج البخاري وأحمد والترمذي وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي الخضر خضراً؛ لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن مجاهد قال: إنما سمي الخضر، لأنه إذا صلى اخضر ما حوله.

وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: حدثنا أصحابنا أن آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني، إن الله سينزل على أهل الأرض عذاباً، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوني وادفنوني بأرض الشام.

فكان جسده معهم، فلما بعث الله نوحاً ضم ذلك الجسد وأرسل الله الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زماناً، فجاء نوح حتى نزل وأوصى بنيه الثلاثة- وهم سام وحام ويافث- أن يذهبوا بجسده إلى الغار الذي أمرهم أن يدفنوه به.

فقالوا: الأرض وحشية لا أنيس بها ولا نهتدي لطريق، ولكن كفّ حتى يعظم الناس ويكثروا.

فقال لهم نوح: إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة.

فلم يزل جسد آدم حتى جاء الخضر عليه السلام هو الذي تولى دفنه، فأنجز الله له ما وعده فهو يحيا ما شاء الله أن يحيا.

وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب: «أن الخضر عليه السلام أمه رومية وأبوه فارسي» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما لقي موسى الخضر، جاء طير فألقى منقاره في الماء، فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطائر؟

قال: وما يقول: قال: يقول: ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء» .

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي والبزار وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبزار، عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مضمن، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل.

لا إله إلا الله...

محمد رسول الله.

وأخرج الشيرازي في الألقاب عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان اللوح الذي ذكر الله تعالى في كتابه ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ حجراً منقوراً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعلم أن القدر حق كيف يحزن؟!.

..

وعجباً لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح؟!...

وعجباً لمن يرى الدنيا وغرورها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟!

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وأخرج الخرائطي في قمع الحرص وابن عساكر من طريق أبي حازم، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعرف الموت كيف يفرح...

وعجباً لمن يعرف النار كيف يضحك...

وعجباً لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها...؟!

وعجباً لمن أيقن بالقضاء والقدر كيف ينصب في طلب الرزق...

وعجباً لمن يؤمن بالحساب كيف يعمل الخطايا...

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وأخرج ابن مردويه عن علي، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمداً رسول الله، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن...

عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح...

عجبت لمن تفكر في تقلب الليل والنهار ويأمن فجأتهما حالاً فحالاً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: ما كان ذهباً ولا فضة، كان صحفاً عليها.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب في قول الله عز وجل: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: كان لوح من ذهب مكتوب فيه: لا إله الله إلا الله محمد رسول الله...

عجباً لمن يذكر أن الموت حق كيف يفرح...

!

وعجباً لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك...

!

وعجباً لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن...

!

وعجباً لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالاً بعد حال كيف يطمئن إليها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ قال: كان يؤدي الأمانات والودائع إلى أهلها.

وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ قال: حفظ الصلاح لأبيهما وما ذكر عنهما صلاحاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية.

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» .

وأخرجه ابن المبارك وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر موقوفاً.

وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قال: إن الله يخلف العبد المؤمن في ولده ثمانين عاماً.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: بينما موسى يخاطب الخضر يقول: ألست نبي بني إسرائيل؟

فقد أوتيت من العلم ما تكتفي به، وموسى يقول له: إني قد أمرت باتباعك.

والخضر يقول: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ فبينما هو يخاطبه إذ جاء عصفور فوقع على شاطئ البحر.

فنقر منه نقرة ثم طار فذهب، فقال الخضر لموسى: يا موسى، هل رأيت الطير أصاب من البحر؟

قال: نعم.

قال: ما أصبتُ أنا وأنت من العلم في علم الله، إلا بمنزلة ما أصاب هذا الطير من هذا البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ قال: حتى إنتهي.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: بحر فارس والروم، هما بحر المشرق والمغرب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: أفريقية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: طنجة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: الكر والرس، حيث يصبان في البحر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ قال: دهراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ قال: سبعين خريفاً.

وفي قوله: ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ قال: بين البحرين ﴿ نسيا حوتهما ﴾ قال: أضلاه في البحر ﴿ فاتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال: موسى يعجب من أثر الحوت ودوراته التي غاب فيها ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ قال: اتباع موسى وفتاه أثر الحوت حيث يشق البحر راجعين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نسيا حوتهما ﴾ قال: كان مملوحاً مشقوق البطن.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: أثره يابس في البحر كأنه حجر.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما انجاب ماء منذ كان الناس، غير بيت ماء الحوت دخل منه صار منجاباً كالكرة، حتى رجع إليه موسى فرأى إمساكه قال: ﴿ ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ أي، يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوت» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: جاء فرأى جناحيه في الطين حين وقع في الماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: دخل الحوت في البطحاء بعد موته حين أحياه الله، ثم اتخذ فيها سرباً حتى وصل إلى البحر.

والسرب، طريق حتى وصل إلى الماء وهي بطحاء يابسة في البر، بعدما أكل منه دهراً طويلاً وهو زاده، ثم أحياه الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أن موسى عليه السلام شق الحوت وملحه وتغدى منه وتعشى، فلما كان من الغد ﴿ قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال في قراءة أُبي ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكر له ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: أتى الحوت على عين في البحر يقال لها عين الحياة، فلما أصاب تلك العين ردّ الله إليه روحه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ قال: عودهما على بدئهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ قال: لقيا رجلاً عالماً يقال له خضر.

وأخرج ابن عساكر عن أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «شممت ليلة أسري بي رائحة طيبة فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟

قال: ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها، وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره براهب في صومعته فيطلع عليه الراهب فيعلمه الإسلام، وأخذ عليه أن لا يعلمه أحداً.

ثم إن أباه زوجه امرأة فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، وكان لا يقرب النساء، ثم زوجه أخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، ثم طلقها فأفشت عليه إحداهما وكتمت الأخرى، فخرج هارباً حتى أتى جزيرة في البحر، فرآه رجلان فأفشى عليه أحدهما وكتم الآخر.

فقيل له: ومن رآه معك؟

قال: فلان.

وكان في دينهم أن من كذب قتل، فسئل فكتم، فقتل الذي أفشى عليه ثم تزوج الكاتم عليه المرأة الماشطة، فبينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس فرعون.

فأخبرت الجارية أباها فأرسل إلى المرأة وابنيها وزوجها فأرادهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا، فقال: إني قاتلكم.

قال: أحببنا منك إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد.

فقتلهم وجعلهم في قبر واحد» .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شممت رائحة أطيب منها وقد دخلت الجنة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إنما سمي الخضر، لأنه كان إذا جلس في مكان اخْضَرّ ما حوله وكانت ثيابه خضراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آتيناه رحمة من عندنا ﴾ قال: أعطيناه الهدى والنبوة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: إنما سمي الخضر، لأنه إذا قام في مكان نبت العشب تحت رجليه حتى يغطي قدميه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ركبا في السفينة ﴾ قال: إنما كانت معبراً في ماء الكر فرسخ في فرسخ.

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ ليغرق أهلها ﴾ بالياء.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ يقول: منكراً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ يقول: منكراً.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ قال: عجباً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ قال: عظيماً.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ قال: لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية ومن طريق حماد بن زيد، عن شعيب بن الحجاب قالا: كان الخضر عبداً لا تراه الأعين، إلا من أراد الله أن يريه إياه فلم يريه من القوم إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام.

قال حماد: وكانوا يرون أن موت الفجأة من ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله: ﴿ لقيا غلاماً ﴾ قال: كان غلاماً ابن عشرين سنة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: لما قتل الخضر الغلام، ذعر موسى ذعرة منكرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: تائبة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ قتلت نفساً زكية ﴾ قال سعيد: زكية مسلمة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: لم تبلغ الخطايا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية أنه كان يقرأ ﴿ زكية ﴾ يقول: تائبة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: تائبة.

يعني صبياً لم يبلغ.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً ﴾ قال: النكر أنكر من العجب.

وأخرج أحمد عن عطاء قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن جرير قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان، ويقول في كتابه: إن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد.

قال يزيد: أنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي إلى نجدة أنك كتبت تسأل عن قتل الولدان وتقول في كتابك أن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، ولو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم من ذلك الوليد، قتلته ولكنك لا تعلم...

قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم فاعتزلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن أبي مليكة قال: سئل ابن عباس عن الولدان في الجنة قال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر.

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن مردويه، عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، ولو أدرك لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً» .

وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» .

وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها ﴾ مهموزتين.

وأخرج أبو داود والترمذي وعبدالله بن أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ من لدني عذراً ﴾ مثقلة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن السدي في قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ قال: كانت القرية تسمى باجروان كان أهلها لئاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: أتيا الإبلة وهي أبعد أرض الله من السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ : قال: هي أبرقة.

قال: وحدثني رجل أنها أنطاكية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى قال: بلغني أن المسألة للمحتاج حسنة، ألا تسمع أن موسى وصاحبه استطعما أهلها؟

وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ مشددة.

وأخرج الديلمي عن أبي بن كعب رفعه في قوله: ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ قال: كانوا أهل قرية لئاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يريد أن ينقض ﴾ قال: يسقط.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ فهدمه ثم قعد يبنيه.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأقامه ﴾ قال: رفع الجدار بيده فاستقام.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال: في حرف عبد الله ﴿ لو شئت لتخذت عليه أجراً ﴾ .

وأخرج البغوي في معجمه وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لو شئت لتخذت عليه أجراً ﴾ مخففة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن كعب القرظي قال: قال عمر بن الخطاب ورسول الله يحدثهم بهذا الحديث حتى فرغ من القصة: «يرحم الله موسى، وددنا أنه لو صبر حتى يقص علينا من حديثهما» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى- فبدأ بنفسه- لو كان صبر لقص علينا من خبره، ولكن قال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ قال: أخرقها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: ﴿ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت تقرأ في الحرف الأول ﴿ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ قال: وكان لا يأخذ إلا خيار السفن.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي الزاهرية قال: كتب عثمان ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الغلام الذي قتله الخضر جيسور.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: في حرف أبي ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فخشينا ﴾ قال: فأشفقنا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: هي في مصحف عبد الله ﴿ فخاف ربك أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ قال: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر في الآية قال: لو بقي كان فيه بوارهما واستئصالهما.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قتادة قال: قال مطرف بن الشخير: إنا لنعلم أنهما قد فرحا به يوم ولد وحزنا عليه يوم قتل، ولو عاش لكان فيه هلاكهما.

فرضي رجل بما قسم الله له، فإن قضاء الله للمؤمن خير من قضائه لنفسه، وقضاء الله لك فيما تكره خير من قضائه لك فيما تحب.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ خيراً منه زكاة ﴾ قال: إسلاماً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله: ﴿ خيراً منه زكاة ﴾ قال: ديناً ﴿ وأقرب رحماً ﴾ قال: مودة.

فأبدلا جارية ولدت نبياً.

وأخرج ابن المنذر من طريق بسطام بن جميل، عن عمر بن يوسف في الآية قال: أبدلهما جارية مكان الغلام ولدت نبيين.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: كان كنز لمن قبلنا وحرم علينا، وحرمت الغنيمة على ما كان قبلنا وأحلت لنا، فلا تعجبن للرجل يقول: ما شأن الكنز أحل لمن قبلنا وحرم علينا؟

فإن الله يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء، وهي السنن والفرائض...

تحل لأمة وتحرم على أخرى.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم، عن خيثمة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: طوبى لذرية مؤمن، ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده.

وتلا خيثمة ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: إن الله يصلح بالعبد الصالح القبيل من الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق شيبة، عن سليمان بن سليم بن سلمة قال: مكتوب في التوراة «إن الله ليحفظ القرن إلى القرن إلى سبعة قرون، وإن الله يهلك القرن إلى القرن إلى سبعة قرون» .

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: إن الرب تبارك وتعالى قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: «إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت وليس لبركتي ناهية، وإذا عصيت غضبت ولعنتي تبلغ السابع من الولد» .

وأخرج أحمد عن وهب قال: يقول الله: «اتقوا غضبي فإن غضبي يدرك إلى ثلاثة آباء، وأحبوا رضاي فإن رضاي يدرك في الأمة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ قال: كان عبداً مأموراً مضى لأمر الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: قال موسى لفتاه يوشع بن نون ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ فاصطادا حوتاً فاتخذاه زاداً وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها، فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت، ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ يعني جهداً في السير.

قال الفتى لموسى: ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ .

قال: فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب، أن موسى دعا ربه فسأله ومعه ماء عذب في سقاء، فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجراً أبيض أجوف، فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف: هل يرى ذلك الرجل؟

حتى كاد يسيء الظن، ثم رآه فقال: السلام عليك يا خضر.

قال: عليك السلام يا موسى.

قال: من حدثك أني أنا موسى...

قال: حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر.

قال: إني أريد أن أصحبك ﴿ على أن تعلمني مما علمت رشداً ﴾ وأنه تقدم إليه فنصحه فقال: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا، فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ إن عجلت عليّ في ثلاث فذلك حين أفارقك.

فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة، فناداهم خضر: يا أصحاب السفينة، هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم، وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالاً في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصاً فلا تحملهم.

فقال صاحب السفينة: إني أرى رجالاً على وجوههم النور، لأحملنهم.

فقال الخضر: بكم حملت هؤلاء؟

كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف.

فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض- وقد أمر صاحب القرية: إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس بها عيب فائتوني بها- وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيباً لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء، وإن موسى امتلأ غضباً ﴿ قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر، فقال: أردت هلاكهم فتعلّم أنك أول هالك: فجعل موسى كلما ازداد غضباً استقر البحر، وكلما سكن كان البحر كالدهر، وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك؟

وإن الخضر أقبل عليه ﴿ قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ فلما انتهوا إلى القرية قال خضر: ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق، وأن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال: إنما أردت الذي هو خير لك، فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت.

ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب، عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله ﴿ قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس ﴾ إلى قوله: ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وإن خضراً أقبل عليه فقال: قد وفيت لك بما جعلت على نفسي ﴿ هذا فراق بيني وبينك ﴾ ﴿ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ﴾ فكان لا يغضب أحداً إلا دعا عليه وعلى أبويه، فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيراً منه وأبرّ بوالديه ﴿ وأقرب رحماً ﴾ .

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ﴾ فسمعنا أن ذلك الكنز كان علماً فورثا ذلك العلم.

وأخرج ابن جرير من طريق الحسن بن عمارة عن أبيه قال: قيل لابن عباس: لم نسمع- يعني موسى- يذكر من حديث فتاه وقد كان معه.

فقال ابن عباس: فيما يذكر من حديث الفتى قال: شرب الفتى من الماء فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة.

وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه.

قال ابن كثير الحسن متروك وأبوه غير معروف.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن يوسف بن أسباط قال: بلغني أن الخضر قال لموسى لما أراد أن يفارقه: يا موسى، تعلم العلم لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به.

وبلغني أن موسى قال للخضر: ادع لي.

فقال الخضر: يسر الله عليك طاعته.

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: قال الخضر لموسى حين لقيه: يا موسى، انزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، والزم بيتك وابك على خطيئتك.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر، عن أبي عبد الله- أظنه الملطي- قال: أراد موسى أن يفارق الخضر، فقال له موسى: أوصني.

قال: كن نفّاعاً ولا تكن ضراراً، كن بشاشاً ولا تكن غضباناً، ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تُعَيِّرُ امرأً بخطيئته وابك على خطيئتك يا ابن عمران.

وأخرج ابن عساكر عن وهب، أن الخضر قال لموسى: يا موسى، إن الناس يعذبون في الدنيا على قدر همومهم.

وأخرج العقيلي عن كعب قال: الخضر على منبر بين البحر الأعلى والبحر الأسفل، وقد أمرت دواب البحر أن تسمع له وتطيع وتعرض عليه الأرواح غدوة وعشية.

وأخرج ابن شاهين عن خصيف قال: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في السماء عيسى وإدريس.

وإثنان في الأرض، الخضر وإلياس.

فأما الخضر، فإنه في البحر.

وأما صاحبه فإنه في البر.

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: بينا أنا أطوف، إذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا مَنْ لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك، قلت: يا عبد الله، أعد الكلام.

قال: وسمعته؟

قلت: نعم.

قال: والذي نفس الخضر بيده:- وكان هو الخضر- لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة، إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج وعدد المطر وورق الشجر.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية، عن كعب الأحبار قال: إن الخضر بن عاميل ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ الهند- وهو بحر الصين- فقال لأصحابه: يا أصحابي، أدلوني.

فدلوه في البحر أياماً وليالي ثم صعد، فقالوا له: يا خضر، ما رأيت؟

فلقد أكرمك الله وحفظ لك نفسك في لجة هذا البحر.

فقال: استقبلني ملك من الملائكة فقال لي: أيها الآدمي الخطاء إلى أين؟

ومن أين؟

فقلت: إني أردت أن أنظر عمق هذا البحر.

فقال لي: كيف وقد أهوى رجل من زمان داود عليه السلام لم يبلغ ثلث قعره حتى الساعة، وذلك منذ ثلثمائة سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن بقية قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت أن آخر كلمة أوصى بها الخضر موسى حين فارقه: إياك أن تعير مسيئاً بإساءته فتبتلى.

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أسامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «ألا أحدثكم عن الخضر؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل، أبصره رجل مكاتب فقال: تصدق عليّ بارك الله فيك.

فقال الخضر: آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه.

فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي، فإني نظرت السماحة في وجهك ووجدت البركة عندك.

فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني.

فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟!

قال: نعم.

الحق أقول، لقد سألتني بأمر عظيم: أما أني لا أخيبك بوجه ربي تعالى.

فقدّمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء.

فقال له: إنك إنما ابتعتني التماس خير عندي، فأوصني أعمل بعمل.

قال: أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير ضعيف.

قال: ليس يشق عليّ قال: فقم فانقل هذه الحجارة.

وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فخرج الرجل لبعض حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة، فقال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه، ثم عرض للرجل سفرة فقال: إني احتسبتك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة.

قال: فأوصني بعمل.

قال: إني أكره أن أشق عليك.

قال: ليس يشق عليّ قال: فاضرب من اللبن لنبني حتى أقدم عليك، فمر الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه، فقال: أسألك بوجه الله، ما سبيلك وما أمرك؟

فقال: سألتني بوجه الله ووجه الله أوقعني في العبودية، أنا الخضر الذي سمعت به...

سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله فأمكنته من نفسي فباعني.

فأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر، وقف يوم القيامة جلدة ولا لحم له ولا عظم ليتقصع.

فقال الرجل: آمنت بالله!...

شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم.

فقال: لا بأس، أحسنت وأتقنت.

فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أخيّرك فأخلي سبيلك.

فقال: أحب أن تخلي سبيلي أعبد ربي.

فخلّى سبيله فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن الحجاج بن فرافصة، أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد الله بن عمر، فكان أحدهما يكثر الحلف، فبينما هو كذلك إذ مرّ عليهما رجل فقام عليهما فقال للذي يكثر الحلف: مه يا عبد الله، اتق الله ولا تكثر الحلف فإنه لا يزيد في رزقك ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف.

قال: امض لما يعنيك.

قال: ذا مما يعنيني- قالها ثلاث مرات وردّ عليه قوله- فلما أراد أن ينصرف قال: اعلم أن من آية الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، ولا يكن في قولك فضل على فضلك.

ثم انصرف فقال عبد الله بن عمر: الحقه فاستكتبه هذه الكلمات.

فقال: يا عبد الله، اكتبني هذه الكلمات يرحمك الله.

فقال الرجل: ما يقدر الله من أمر يكن فأعادهن عليه حتى حفظهن ثم شهده حتى وضع إحدى رجليه في المسجد، فما أدري أرض لفظته أو سماء اقتلعته، قال: كأنهم يرونه الخضر أو إلياس عليه السلام.

وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده بسندٍ واهٍ، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الخضر في البحر واليسع في البر، يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجان ويعتمران كل عام ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي رواد قال: إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل.

وأخرج العقيلي والدارقطني في الأفراد وابن عساكر، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله» .

قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات، أمنه الله من الغرق والحرق والسرق ومن الشياطين والسلطان والحية والعقرب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ هي: أنطاكية (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ﴾ روى أبي بن كعب أن النبي -  - قال: "كانوا أهل القرية لئام" (٤) (٥) ومنه: (قوله -  - في النهي عن الصلاة: "إذا أضفت الشمس للغروب") (٦) قال أبو عبيد: (ومنه سمي الضَّيف ضيفًا، يقال: ضِفْت فلانًا إذا ملت إليه، وأضفته: إذا أَمَلْتَه إليك) (٧) (٨) (٩) وقال أبو الهيثم: (هما عندنا بمعنى واحد) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارً ﴾ هو الجَدْرُ، والجِدَارُ، ومنه الحديث: "حتى يبلغ الماء الجَدْرُ" (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ الإرادة في صفة الجِدَار مجاز على جميع أهل المعاني، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل (١٤) قال الفراء: (وذلك من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط) (١٥) ﴿ ولَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ اَلأَمْرُ  ﴾ ، يريد: أن إضافة السكوت إلى الغضب، والعزم إلى الأمر، كإضافة الإرادة إلى الجدار.

وقال الكسائي: (قوله للجدار: ﴿ يُرِيدُ ﴾ من أفصح كلام العرب، وإنما إرادة الجدار ميله) (١٦) قال أبو عبيد: (وهذا كقوله -  -: "لا تتراءى ناراهما") (١٧) (١٨) وقال ابن قتيبة: (الجدار إذا أشرف على الانهيار يقال فيه: جدار يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، وأياما يقال فقد جعل فاعلا، ولا يوصل إلى هذا المعنى إلا بمثل هذه الألفاظ.

قال: والعرب تقول بأرض بني فلان شجر قد صاح، إذا طال وتبين للناظر بطوله جعلوه كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته) (١٩) (٢٠) وأنشد الفراء (٢١) إنَّ دهرًا يلف شملي بجملٍ ...

لزمان يهم بالإحسان وأنشد أبو عبيد لذي الرمة، يذكر حوضًا دارسًا قد كان (٢٢) ...

قد هم بالبيود ومثل هذا كثير مستفيض في كلامهم.

وقال أبو إسحاق: (الجدار لا يريد إرادة حقيقية، إلا أن هيئته في التهيؤ للسقوط قد ظهرت، كما تظهر أفعال المريدين القاصدين، فوصف بالإرادة إذا كانت الصورتان واحدة) (٢٣) (٢٤) في مهمة فلقت به هاماتها ...

فلق الفؤوس إذا أردن نصولا وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ معنى الانقضاض: السقوط بسرعة يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه ليسقط علي شيء.

وقال الليث؛ (يقال: قضضنا عليهم الخيل فانقضت عليهم أي: أوقعنا عليهم فوقعت، وأنشد (٢٥) قضوا غضابًا عليك الخيل من كثبٍ وهذا قول مجاهد في هذه الآية: (يريد أن يسقط) (٢٦) وقال آخرون: (معنى ﴿ يَنْقَضَّ ﴾ ينكسر، يقال: قضضت الشيء إذا كسرته ودققته، ومنه قيل للحَصَى الصغار: قضض (٢٧) ﴿ يَنْقَضَّ ﴾ فقالوا (ينكسر ويسقط)، وذكرهما ابن قتيبة (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ فَأَقَامَهُ ﴾ روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي -  - قال: (انتهى إلى جدار مائل فدفعه بيده فقام) (٢٩) وقال مجاهد: (مسحه بكفه حتى استوى) (٣٠) ومعنى أقامه: سواه، وذلك أن قوله: ﴿ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ معناه: مال، كأنه قال: فوجدا جدارًا قد مال فأقامه.

فقال موسى: ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذتَ عَلَيْهِ ﴾ أي: على إقامته وإصلاحه ﴿ أَجرًا ﴾ قال الفراء: (لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر) (٣١) وقال أبو إسحاق: (وذلك أنهما لما نزلا القرية لم يضيفهما أهلها، فقال موسى: لو شئت لأخذت أجرة إقامتك هذا الحائط) (٣٢) وروى هارون.

بن عنترة (٣٣) (٣٤) وقراءة العامة: ﴿ لَتَّخَذْتَ ﴾ ، افتعلت من الأخذ.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لَتَخِذْتَ (٣٥) (٣٦) قال الليث: (يقال: اتَّخذ فلان يتَّخِذ اتِّخاذًا، ويقال: تَخِذَ يتخذ تخذًا، وتَخِذْتُ مالاً كسبتُه، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية) (٣٧) (٣٨) وحكى (٣٩) (٤٠) (٤١) قال أبو علي الفارسي: (وتأويله على أمرين أحدهما: أنه اتخذ فأبدل السين من التاء الأولى.

والآخر: أنه استفعل من تخذ فحذف التاء التي هي فاء من تخذت) (٤٢) (٤٣) وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ...

نسيفًا كأفحوص القطاة المطرَّق فحصل من هذا أن تَخِذ لغة بمعنى اتخذ، وأصله: اتخذ، على ما قال الفراء، كأنهم لما رأوا التاء في اتخذ ظنوها أصلية فقالوا في الثلاثي: تخذ، كما قالوا: اتقى من يتقي (٤٤) قال أبو إسحاق: (وأصل تَخِذْتُ: أخَذْتُ) (٤٥) (٤٦) وقال ابن الأنباري: (العرب تجعل تَخَذَ وتَخِذَ مستغنيا عما سقط منه، قائمًا بنفسه، جاريًا مجرى طعم أطعم، وعلمت أعلم، وبنوا يقنت على أيقنت، واتقى على يتقى، فلم يغيروا شيئًا من ماضيه ولا مستقبله ليجرى مجرى ما الساقط مظهر معه، وهو بالأفعال، وهذا لافتنانهم وإسباغ مبانيهم في لغاتهم) (٤٧) وقال أبو العباس: (الاختيار لاتخذت؛ لأنه هو أصل الحرف يعرى من الحذف واللبس، قال: والقراءة الأخرى من لغة معروفة) (٤٨) (١) أنطاكية: بالفتح: السكون قصبة العوصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير، قيل إن أول من بناها وسكها: أنطاكية بنت الروم بن اليقن بن سآم بن نوح -  -، وقيل إن أول من بناها: أنطيغونيا في السنة السادسة من موت الإسكندر ولم يتمها، فأتمها بعد سلوقوس، وقيل غير ذلك، وفتحها أبو عبيدة بن الجراح سار إليها من حلب، وألزم أهلها بالجزية.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 266.

(٢) "معالم التنزيل" 5/ 192، "المحرر الوجيز" 9/ 270 ذكره بدون نسبة، "زاد المسير" 5/ 175.

(٣) "جامع البيان" 15/ 288، "معالم التنزيل" 5/ 192، " المحرر الوجيز" 9/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 24.

(٤) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (ضاف) 3/ 2080، "القاموس المحيط" (الضيف) ص 830، "مقاييس اللغة" (ضيف) 3/ 380، "الصحاح" (ضيف) 4/ 1392.

(٦) أخرجه أبو داود في الجنائز، باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها 3/ 531، والترمذي في الجنائز، باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها 3/ 348، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الجنائز، باب الساعات التي نهى عن إقبار الموتى فيهن 4/ 62، وابن ماجه في الجنائز، باب == ما جاء في الأوقات التي لا يصلى فيها على الميت ولا يدفن 1/ 486، والإمام أحمد 4/ 152، وأورده الألباني في "إرواء الغليل" 2/ 2368 وقال: صحيح.

(٧) "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 22، "تهذيب اللغة" (ضاف) 3/ 2080.

(٨) رجاء بن أبي سلمة مهران أبو المقدام الفلسطيني، نزل البصرة ثم تحول إلى الشام، روى عن: عمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب، والزهري، وغيرهم، وروى عنه: ابن عون، وابن عبلة، وبشر بن المفضل وغيرهم وثقه العلماء، وكان من أفاضل أهل زمانه، توفي رحمه الله سنة 61 هـ ، وله من العمر سبعين سنة.

انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 503، "الكشاف" 1/ 308، "حلية الأولياء" 6/ 92، "تهذيب الكمال" 9/ 161، "تهذيب التهذيب" 3/ 231 (٩) "تهذيب اللغة": (ضاف) 3/ 2081، "لسان العرب" (ضيف) 5/ 2625.

(١٠) "تهذيب اللغة": (ضاف) 3/ 2081.

(١١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 155.

(١٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: الصلح، باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبي حكم عليه 3/ 171، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الفضائل، باب: وجوب إتباعه -  - 4/ 1829، وأبو داود في "سننه" كتاب: الأقضية أبواب: من القضاء == 4/ 51، والترمذي في "جامعه" كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء 3/ 644، والنسائي في "سننه" كتاب: آداب القضاة باب: الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان 8/ 173، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 5.

(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" (جدر) 1/ 557، "مقاييس اللغة" (جدر) 1/ 431، "القاموس المحيط" (الجدار) ص 362،"الصحاح" (جدر) 2/ 609.

(١٤) "النكت والعيون" 3/ 175، "المحرر الوجيز" 9/ 371، "الكشاف" 2/ 398، "البحر المحيط" 6/ 151.

وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن، قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 179: وزعم من لا علم عنده: أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها، لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الإنقضاض وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة، مع أنه من الأساليب العربية إطلاق في الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 156.

(١٦) ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 398، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 25، "البحر المحيط" 6/ 151.

(١٧) أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب: الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود 3/ 104، والترمذي في "جامعه"، كتاب: السير، باب: ما جاء كراهية المقام بين أظهر المشركين 4/ 132، والنسائي في كتاب: القسامة، باب: القود بغير حديدة 8/ 26، والطبراني في "المعجم الكبير" 1/ 109، والحاكم في "المستدرك" 2/ 141، وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في "مسنده" 4/ 365، والطبري في "جامعه" 15/ 290، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 432، وقال عنه الألباني في "إرواء الغليل" 5/ 29: صحيح.

(١٨) "جامع البيان" 15/ 290.

(١٩) "تأويل مشكل القرآن" ص 132.

(٢٠) البيت للحارثي.= انظر: "مجاز القرآن" 1/ 410، "جامع البيان" 15/ 289، "النكت والعيون" 3/ 331، "الكشاف" 2/ 398، القرطبي 1/ 168، "لسان العرب" (رود) 3/ 1772.

(٢١) البيت ينسب لحسان بن ثابت -  -.

الشَّمل: الاجتماع يقال: جمع الله شملك، وجمع الله شملهم أي: ما تشتت من أمرهم.

والجُمل: جماعة الشيء، وأجمل الشيء: جمعه عن تفرقه.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 156، "جامع البيان" 15/ 289، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب، "الكشاف" 2/ 368، "زاد المسير" 5/ 123، "روح المعاني" 16/ 6، "تهذيب اللغة" (دهر) 2/ 1240، "لسان العرب" (دهر) 3/ 1439.

(٢٢) هذا شطر من بيت لذي الرمة يقول فيه: من عطن قد هم بالبيود ...

طلاوة من جائل مطرود بيد: باد الشيء يبيد بيودًا: إذا انقطع وذهب، وباد يبيد إذا هلك.

انظر: "ديوان شعر ذي الرمة" (160)، "جامع البيان" 15/ 290.

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 306، وقال الطبري 15/ 187: والذكره نقول به في == ذلك: أن الله عز ذكره بلطفه جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم مما لا تحسه أبصارهم، وقد علمت أن معناه قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب -جَلَّ ثناؤه- بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه وقد عقلوا ما عني به، وإن استعجم عن فهمه ذو البلادة والعمى، وضل فيه ذو الجهالة والغبا.

(٢٤) البيت لعبيد بن حصين النميري الراعي.

انظر: "ديوانه" ص 128، "جامع البيان" 15/ 290، "الكشاف" 2/ 398، "القرطبي" 11/ 26، "التفسير الكبير" 21/ 157، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 306، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 39، "لسان العرب" (رود) 3/ 1772.

(٢٥) لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة.

انظر: "تهذيب اللغة" (قض) 3/ 2982، "لسان العرب" (قضض) 6/ 3161.

(٢٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة، انظر: "جامع البيان" 15/ 290، "بحر العلوم" 2/ 308،"المحرر الوجيز" 9/ 374، "معالم التنزيل" 5/ 193، "الكشاف" 2/ 494، "زاد المسير" 5/ 176.

(٢٧) "تهذيب اللغة" (قض) 3/ 2982، "القاموس المحيط" (قضض) ص 652، "الصحاح" (قض) 3/ 1102.

(٢٨) "تفسير غريب القرآن" ص 269، "النكت والعيون" 3/ 175، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 25.

(٢٩) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.

(٣٠) ذكر نحوه البغوي 5/ 193 ونسبه لسعيد بن جبير، وكذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 374، والقرطبي 11/ 27، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 429.

(٣١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 156.

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 306.

(٣٣) هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن بن أبي وكيع الكوفي، تابعي ثقة، روى عن أبيه، وعبد الرحمن بن الأسود، وسعيد بن جبير، ومحارب ابن دثار، وروى عنه: ابنه عبد الملك، وعمر بن مرة، وسفيان الثوري وغيرهم، وثقه أكثر العلماء، توفي رحمه الله من 142 هـ.

انظر: "الثقات" لابن حبان 7/ 582، "الكاشف" 3/ 214، "الجرح والتعديل" 9/ 92، "تهذيب التهذيب" 11/ 10، "ميزان الاعتدال" 4/ 284.

(٣٤) "زاد المسير" 5/ 178، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 33، "البحر المحيط" 6/ 153، "روح المعاني" 16/ 8.

(٣٥) قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (لتَّخذْتَ) وكلهم أدغم إلا ما روى حفص من عاصم فإنه لم يدغم.

وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: (لَتَخِذْتَ) بكسر الخاء، وكان أبو عمرو يدغم الذال، وابن كثير يظهرها.

انظر: "السبعة" ص 396، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 163، "التبصرة" ص 250، "العنوان في القراءات" ص 24، "النشر" 2/ 314.

(٣٦) "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 130، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37.

(٣٧) "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 130، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37، "تاج العروس" (أخذ) 5/ 345.

(٣٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 156.

(٣٩) في (ص): (حلي)، وهو تصحيف.

(٤٠) "تاج العروس" (أخذ) 5/ 345، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37.

(٤١) "الكتاب" لسيبويه 4/ 483.

(٤٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 163.

(٤٣) البيت للممزق العبدي، واسمه: شأس بن نهار.

غرزها: الغرز للناقة مثل الحزام للفرس، والنسيف: أثر ركض الرجل بجنبي البعير.

والأفحوص: المبيض، والمطرق: وصف للقطاة إذا حان خروج بيضها.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 163، "الخصائص" 2/ 287، "الأصمعيات" ص 65، "الحيوان" 2/ 298، "مجالس العلماء" للزجاجي ص 333، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 993، "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3562، "لسان العرب" (فحص) 6/ 3356.

(٤٤) "إملاء ما من به الرحمن" ص 403، "سر صناعة الإعراب" 1/ 198.

(٤٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 307.

(٤٦) "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 992.

(٤٧) ذكر نحوه بلا نسبة "سر صناعة الإعراب" 1/ 98، "البحر المحيط" 6/ 152.

(٤٨) ذكر نحوه "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 130، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ قيل: هي أنطاكية، وقيل برقة.

وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس ويذكر أنها الجزيرة الخضراء ولك على قول أن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة ﴿ استطعمآ أَهْلَهَا ﴾ أي طلبا منهم طعاماً ﴿ جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ أن يسقط وإسناده الإرادة إلى الجدار مجاز، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، وحقيقته أنه قارب أن ينقضّ ووزن ينقضّ ينفعل وقيل: يفعلّ بالتشديد كيحمرّ ﴿ فَأَقَامَهُ ﴾ قيل: إنه هدمه ثم بناه وقيل مسحه بيده وأقامه فقام ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي قال موسى للخضر: لو شئت لاتخذت عليه أجراً أي طعاماً نأكله ﴿ قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ﴾ إنما قال له هذا لأجل شرطه في قوله: «إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني» على أن قوله: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ ليس بسؤال ولكن في ضمنه أمر بأخذ الأجرة عليه لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام، والبين هنا ليس بظرف وإنما معناه الوصلة والقرب، وقال الزمخشري: الأصل هذا فراق بيني وبينك بتنوين فراق ونصب بيني على الظرفية، ثم أضيف المصدر إلى الظرف والإشارة بقوله هذا إلى السؤال الثالث، الذي أوجب الفراق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنسانيه ﴾ بضم الهاء حفص والمفضل، وقرأ عليّ بالإمالة مع كسر الهاء: ﴿ نبغي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب، وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.

الباقون بحذف الياء في الحالين اتباعاً لخط المصحف.

﴿ رشداً ﴾ بفتحتين: أبو عمرو ويعقوب.

بضمتين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ رشداً ﴾ بضم الراء وسكون الشين.

﴿ معي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ ستجدني إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ فلا تسألني ﴾ بنون التأكيد الثقيلة وإثبات الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

بحذف الياء: ابن مجاهد عن ابن ذكوان والأحسن إثباتها لأنه شاذ عن أهل الشام.

الآخرون بنون الوقاية وحذف الياء.

﴿ ليغرق أهلها ﴾ بياء الغيبة وفتحها مع فتح الراء ورفع الأهل: حمزة وعلي وخلق.

الباقون بتاء الخطاب مضمومة وكسر الراء من الإغراق وبنصب الأهل ﴿ زاكية ﴾ على "فاعله": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب.

الآخرون ﴿ زكية ﴾ على "فعيلة" ﴿ نكراً ﴾ بضمتين حيث كان: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وبان ذكوان وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ فلا تصحبني ﴾ من الصحبة: روح وزيد.

الآخرون من المصاحبة.

﴿ من لدني ﴾ خفيفاً: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد والمفضل.

﴿ يضيفوهما ﴾ من الإضافة: المفضل ﴿ لتخذت ﴾ من التخذ مدغماً: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ ابن كثير بالإظهار.

الباقون: ﴿ لاتخذت ﴾ من الاتخاذ.

وقرأ حفص والمفضل والأعشى والبرجمي مظهراً ﴿ يبدلهما ﴾ من التبديل وكذلك في سورة التحريم ونون والقلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الآخرون من الإبدال ﴿ رحماً ﴾ بضمتين: ابن عامر ويزيد وعباس وسهل ويعقوب.

الباقون بسكون الحاء.

الوقوف: ﴿ حقباً ﴾ ه ﴿ سرباً ﴾ ه ﴿ غداءنا ﴾ ز لانقطاع النظم مع صدق اتصال المعنى ﴿ نصباً ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ ز لتمام استفهام التعجب مع اتحاد الكلام وكون الواو حالاً ﴿ أن أذكره ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال في البحر وقفة.

قيل: عليه تم كلام يوشع ثم ابتدأ موسى فقال عجباً أي أعجب لذلك عجباً والوصل أجوز أي سبيلاً عجباً أو اتخاذاً ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ نبغ ﴾ قف قد قيل: لتمام قول أحدهما وابتداء فعلهما والوجه الوصل لعطف اللفظ وسرعة الرجوع على الفور ﴿ قصصاً ﴾ ه لا لاتصال النظم واتحاد الحال ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة لأن حتى إذا للابتداء ﴿ حرقها ﴾ ط ﴿ أهلها ﴾ ج لانقطاع النظم واتحاد القائل ﴿ إمراً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ عسراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة لما مر ﴿ فقتله ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ لغير نفس ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ فلا تصاحبني ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عذراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة ﴿ فأقامه ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ غصباً ﴾ ه ﴿ وكفراً ﴾ ، ج للعطف مع الآية ﴿ رحماً ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لما قلنا ﴿ من ربك ﴾ ج ﴿ عن أمري ﴾ ط ﴿ صبراً ﴾ ، لانقطاع القصة.

التفسير: هذه قصة أوردها الله  لتعين على المقاصد السابقة مع كونها مستقلة في الإفادة، أما نفعها في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا: إن أخبركم محمد عنها فهو نبي وإلا فلا، فذكر الله  قصة موسى والخضر تنبيهاً على أن النبي لا يلزم أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار.

وأما نفعها في الرد على كفار قريش حين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى  مع كثرة علمه وعلو منصبه واستجمام موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر وتواضع له لأجل طلب العلم فدل ذلك على أن التواضع خير من التكبر.

وأكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران صاحب التوارة والمعجزات.

وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يعقوب وهو قد كان نبياً قبل موسى بن عمران.

فقال ابن عباس: كذب عدو الله.

واحتج الأكثرون على صحة قولهم بأن موسى حيث أطلق في القرآن أريد به موسى بن عمران، فلو كان المراد ههنا شخصاً آخر لوجب تعريفه بحيث يتميز عن المشهور.

حجة الأقلين - وإليه ذهب جمهور اليهود - أن موسى بن عمران بعد أن خصه الله  بالمعجزات الظاهرة التي لم يتفق لمن قبله مثلها، يبعد أن يؤمر بالتعلم والاستفادة.

وأجيب بأن العالم الكامل في أكثر العلوم قد يجهل بعض المسائل فيحتاج في تعلمها إلى من يختص بعلمها.

أما فتى موسى فالأكثر على أنه يوشع بن نون، ويروى هذا القول عن سعد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي  .

وقيل: هو أخو يوشع وكان مصاحباً لموسى في السفر.

وعن الحسن: إنه أراد عبده ويؤيده ما روي أنه  قال: "ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي" .

قال أهل السير: إن موسى لما ظهر على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله فقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له: قد علمنا هذا فأيّ الناس أعلم؟

قال: أنا.

فعتب الله حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبد لي بمجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر  في أيام أفريدون قبل موسى  وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر.

وبقي إلى أيام موسى.

ويروى أن موسى سأل ربه أيّ عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأيّ عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأي عبادك أعلم؟

الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على الهوى أو تردّه عن ردى.

فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادلني عليه.

قال: أعلم منك الخضر.

قال: فأين أطلبه؟

قال: على الساحل عند الصخرة.

قال: يا رب كيف لي به؟

قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك.

فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان فرقد موسى  فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى  فقال: وأنى بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا.

فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر.

قلت: وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم الله غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.

ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار الله: ﴿ لا أبرح ﴾ بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله: ﴿ حتى أبلغ ﴾ غاية مضروبة فلا بد لها من ذي غاية.

فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ، وجوز أن يكون المعنى لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن ﴿ حتى أبلغ ﴾ هو الخبر، وحذف المضاف وهو السير وأقيم المضاف إليه - وهو ياء المتكلم - مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وجوز أيضاً أن يكون لا أبرح، بمعنى لا أزول من برح المكان، والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ ﴿ مجمع البحرين ﴾ يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس  ﴾ .

وقيل: أراد طنجة، وقيل أفريقية.

ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر لأنهما بحر العلم، وهذا مع غرابته مستبشع جداً لأن البحرين إذا كان هو موسى  فكيف يصح أن يقول: ﴿ حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ إذ يؤل حاصل المعنى إلى قولنا حتى أبلغ مكاناً يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ أسير زماناً طويلاً.

قال جار الله: الحقب بالضم ثمانون سنة.

ويقال: أكثر من ذلك.

وقيل: إنه  أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى: لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضي دهراً طويلاً حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى  بأنه وطن تحمل التعب الشديد إلى أن يلقاه، وفيه تنبيه على شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر، ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال.

﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ قال جمهور المفسرين: الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه لقاء الخضر.

ولا بد للبين من فائدة، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما امتد من البحرين طولاً.

والإضافة بمعنى "في" أي مجمعاً في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب  أولى منه بكلام موسى، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان يجتمعان هناك.

ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي وعد اجتماع شملهما هناك، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد التأكيد كقولهم "جد جده".

وهذه الوجوه مما لم أجدها في التفاسير، فإن كان صواباً فمن الله وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ نسيا حوتهما ﴾ لأنه  جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكن الخضر قيل: إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملوحة فطفرت وسارت.

وقيل: إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء.

وقيل: انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر.

ونسيان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة كانت أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها، هو أن يوشع كان قد تعود مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده.

وقيل: إن موسى  لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيهاً لموسى  ، على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على قلوب عباده.

وانتصاب قوله: ﴿ سرباً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلاً سرباً وهو بيت في الأرض، وذلك أن الله  أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوت فيه معجزة لموسى  وللخضر.

وقيل: السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سرباً إلا أنه أقيم قوله: ﴿ واتخذ سبيله ﴾ مقام "سرب" ﴿ فلما جاوزا ﴾ أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة ﴿ قال موسى لفتاه آتنا غداءنا ﴾ وهو ما يؤكل بالغداة ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ تعباً وجوعاً.

قال المفسرون: قوله ﴿ من سفرنا هذا ﴾ إشارة إلى سيرهما وراء الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك.

قال الفتى متعجباً ﴿ أرأيت ﴾ ومفعوله محذوف لدلالة قوله: ﴿ فإني نسيت الحوت ﴾ عليه كأنه قال: أرأيت ما دهاني ووقع لي.

﴿ إذ أوينا إلى الصخرة ﴾ قيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت ﴿ فإني نسيت الحوت ﴾ عليها ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال: ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان ﴾ و ﴿ أن أذكره ﴾ بدل الاشتمال من الهاء ﴿ في أنسانيه ﴾ أي وما أنساني ذكره قال الكعبي: لو كان النسيان بخلق الله وإرادته لكان إسناد ذلك إلى الله  أولى من إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر.

قال القاضي: المراد بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر، لأن ذلك لا يصلح أن يكون إلا من قبل الله  .

قال أهل البرهان: لما كان اتخاذ الحوت سبيله في البحر عقيب النسيان ذكر أوّلاً فاتخذ بالفاء، ولما حيل بينهما ثانياً بجملة معترضة هي قوله: ﴿ وما أنسانيه ﴾ زال معنى التعقيب وبقي العطف المجرد فقال: ﴿ واتخذ سبيله ﴾ بالواو.

وانتصاب ﴿ عجباً ﴾ كما مر في ﴿ سرباً ﴾ .

قال  : "كان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً" ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ يعني اتخاذ الحوت السبيل في البحر ﴿ ما كان ينبغي ﴾ أي إنه الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب ﴿ فارتدا على آثارهما ﴾ فرجعا على طريقهما المسلوك ﴿ قصصاً ﴾ مصدر لأنه بمعنى الارتداد على الأثر يتبعان آثارهما اتباعاً، أو هو مصدر في موضع الحال أي رجعا على الطريق الذي جاءا منه مقتصين ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ الأكثرون على أن ذك العبد كان نبياً لأنه  وصفه بقوله: ﴿ آتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة هي الوحي والنبوّة بدليل قوله: ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك  ﴾ وقوله: ﴿ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك  ﴾ ومنع أن كل رحمة نبوة قالوا: وصفه بقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا علماً ﴾ والعلم المختص به  هو الوحي والإخبار بالغيوب.

وأيضاً آخر القصة ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ أي عرفته وفعلته بأمر الله وذلك مستلزم للوحي.

وروي أن موسى  لما وصل إليه قال: السلام عليك.

فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل.

فقال: من عرّفك هذا؟

قال: الذي بعثك إلي.

والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية.

والتحقيق فيه إذا ضعفت القوى الحسية والخيالية بواسطة الرياضة قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية على جواهر العقل، ويفيض عليه من عالم الأرواح أنوار يستعد بسببها لملاحظة أسرار الملكوت ومطالعة عالم اللاهوت.

والأكثرون أيضاً على أن ذلك العبد هو الخضر سمي بذلك لأنه كان لا يقف موقفاً إلا اخضر ذلك الموقف.

وقال الجبائي: روي أن الخضر إنما بعث بعد موسى  من بني إسرائيل.

فإن صحت الرواية لم يكن ذلك العبد هو الخضر لأنه بعث بعده، وبتقدير كونه معاصراً له فإنه أظهر الترفع على موسى حين قال: ﴿ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ وأن موسى أظهر التواضع له حين قال ﴿ ولا أعصي لك أمراً ﴾ مع أنه كان مبعوثاً إلى كافة بني إسرائيل، والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي.

وإن لم تكن الرواية صحيحة بأن الخضر لا يكون من بني إسرائيل لم يجز أن يكون الخضر أفضل من موسى  لأنه  قال لبني إسرائيل ﴿ وأني فضلتكم على العالمين  ﴾ وأجيب بأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها.

قال العلماء: إن موسى راعى مع الخضر في قوله: ﴿ هل أتبعك ﴾ أنواعاً من الأدب منها: أنه جعل نفسه تبعاً له مطلقاً، وفيه أن المتعلم يجب عليه الخدمة وتسليم النفس والإتيان بمثل أفعال الأستاذ وأقواله على جهة التبعية لا الاستقلال، فإن المتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير، ولهذا لسنا متبعين لليهود في قولنا "لا إله إلا الله" لأنا نقول كلمة التوحيد لأجل أنهم قالوها بل لقيام الدليل على قولها، ولكنا متابعون في الصلوات الخمس للنبي  لأنا نأتي بها لأجل أنه أتى بها.

ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية.

ومنها أنه قال: ﴿ على أن تعلمني مما علمت ﴾ وفيه إقرار على أستاذه بالعلم، وفيه أنه لم يطلب منه إلا بعض علمه ولم يطلب.

منه أن يجعله مساوياً له في العلم كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءاً من أجزاء ماله لأكله، وفيه اعتراف بأن ذلك العلم علمه الله  وإلا سمي فاعله، وفيه إشعار بأن إنعامه عليه في هذا التعليم شبيه بإنعام الله عليه فيه ومن هنا قيل: أن عبد من علمني حرفاً.

ومنها أن الخضر عرف أنه نبي صاحب المعجزات المشهورة، ثم إنه مع هذه المناصب العلية والمراتب السنية لم يطلب منه المال والجاه وإنما طلب التعليم فقال: ﴿ على أن تعلمني ﴾ فدل ذلك على أنه لا كمال فوق كمال العلم، وأنه لا يحسن صرف الهمة إلا إلى تحصيله.

وفيه أن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان حرصه على زيادتها أوفر.

ومنها أنه قال ﴿ رشداً ﴾ وهو يصلح أن يكون مفعولاً لـ ﴿ تعلمني ﴾ و ﴿ علمت ﴾ أي علماً ذا رشد أرشد به في ديني، وفيه تعظيم لما سيعلمه فإن الإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل حصل الضلال.

ثم إنه  حكى عن الخضر أنه قال: ﴿ لن تستطيع معي صبراً ﴾ نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد لعلمه بأنه يتولى أموراً هي في الظاهر منكرة، والرجل الصالح لا سيما النبي الذي يحكم بظواهر الأمور شرعاً قلما يتمالك أن يصبر عليها.

و ﴿ خبراً ﴾ تمييز أي لم يحط به.

خبرك، أو هو مصدر لكونه في معنى الإحاطة.

استدلت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة لا تحصل فيه الفعل وإلا لكانت الاستطاعة عل الصبر حاصلة قبل الصبر، فيكون قول الخضر بنفي الاستطاعة كذباً.

وكذا قوله: ﴿ وكيف تصبر ﴾ لأنه استفهام في معنى الإنكار أي لا تصبر ألبتة.

أجاب الجبائي بأنه أراد بنفي الاستطاعة أن يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه.

يقال في العرف: إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً وأن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ولهذا ﴿ قال ﴾ له موسى ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى ﴾ أي ستجدني غير عاص ﴿ لك أمراً ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ولا أعصي ﴾ جملة مستأنفة معطوفة على مثلها أي ستجدني ولا أعصي.

قال أهل السنة.

في قوله: ﴿ إن شاء الله ﴾ بطريق الشك والصبر مأمور به دليل على أنه  قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه.

قالت المعتزلة.

إنما ذكره بطريق الأدب.

وأجيب بأن هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب، وإن فسد فأيّ أدب في ذكر الكلام الباطل.

قالت الأصوليون: في قوله: ﴿ ولا أعصي لك أمراً ﴾ دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب، لأن تارك الأمر عاص.

بهذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله: ﴿ ومن يعصى الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ قال المحققون: في قوله الخضر تغليظ وتجهيل، وفي قول موسى تحمل وتواضع، فدل ذلك على أن المعلم إن رأى التغليظ على المتعلم فيما يعتقده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره وعلى المتعلم أن يتلقاه بالبشر والطلاقة.

ثم قال: ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني ﴾ شرط على موسى  في اتباعه أن لا يسأل عما خفي عليه وجه صحته حتى يكون الخضر هو المبتدىء بتعليمه إياه بإخباره عن وجه الحكمة فيه ﴿ فانطلقا ﴾ على ساحل البحر يطلبان السفينة، فما ركباها يروى أن أهلها قالوا: هما من اللصوص وأمروهما بالخروج فمنعهم صاحب السفينة وقال: أرى وجوه الأنبياء.

وقيل: عرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة، فلما حصلوا في اللجة أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء.

وقيل: خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ويقول: ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ أتيت شيئاً عظيماً.

يقال: أمر الأمر إذا عظم.

ويقال في الشيء العجيب الذي يعرف له شبيه إنه أمر إمر.

احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى  اعترض على الخضر بعد توكيد العهود والمواثيق وذلك ذنب.

وأجيب بأنه لم يقل ذلك اعتراضاً وتوبيخاً ولكنه أحب أن يقف على حكمة ذلك الأمر الخارج عن العبادة، أو أنه خالف الشرط بناء على النسيان ولهذا ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ ولا مؤاخذة على الناسي.

و"ما" موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي بالذي نسيت وبشيء نسيته وبنسياني.

وجوز في الكشاف أن لا يكون ناسياً في الحقيقة ولكنه أوهم بقوله: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ أنه قد نسي لبسط عذره في الاعتراض على المعلم وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض.

وجوز أيضاً أن يكون النسيان بمعنى الترك أي بما تركت من وصيتك أول مرة ﴿ ولا ترهقني ﴾ ولا تغشني ﴿ من أمري عسراً ﴾ وأراد بأمره أمر المتابعة أي يسر عليّ متابعتك بالإغضاء وترك المناقشة.

وإنما قال في هذه القصة ﴿ خرقها ﴾ بغير "فاء" لأنه جعله جزاء للشرط، وفي قصة الغلام جعل ﴿ فقتله ﴾ من جملة الشرط معطوفاً عليه بفاء التعقيب، لأن القتل يعقب لقاء الغلام ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ومنه قولهم "رأي الشيخ خير من مشهد الغلام" وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق.

وليس في القرآن أنهما كيف لقياه، وهل كان يلعب مع جمع من الغلمان، أو كان منفرداً، وهل كان مسلماً أو كان كافراً، وهل كان بالغاً أو كان صغيراً واسم الغلام بالصغير أليق، إلا أن ﴿ بغير نفس ﴾ بالبالغ لأن الصبي لا يقتل قصاصاً.

وعن ابن عباس أن نجدة الحروري الخارجي كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله  عن قتل الولدان؟

فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل.

قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة.

وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت.

ويجوز أن يكون وصفها بالزكاء لأنه لم يرها أذنبت فهي طاهرة عنده.

قيل: النكر أقل من الأمر لأن قتل نفس واحدة أهو من إغراق أهل السفينة.

وقيل: النكر أشد لأن ذلك كان خرقاً تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه.

وأيضاً الأمر العجيب والعجب يستعمل في الخير والشر.

والنكر ما تنكره العقول فهو شر، وظاهر الآية يدل على أن موسى استبعد أن تقتل النفس إلا بالنفس وليس كذلك لأنه قد يحل القتل بسائر الأسباب، ولعله اعتبر السبب الأغلب والأقوى واختلفوا في كيفية قتله فقيل: فتل عنقه.

وقيل: ضرب برأسه الحائط.

وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين.

ثم إنه  حكى عن الخضر أنه ما زاد على أن أذكره ما عاهد عليه فقال: ﴿ ألم أقل لك ﴾ وإنما زاد ههنا لك لأن الإنكار أكثر وموجب العتاب أقوى.

وقيل: أكد التقرير الثاني بقوله ﴿ لك ﴾ كما تقول لمن توبخه لك أقول وإياك أعني.

وقيل: بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول فعند هذا ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها ﴾ بعد هذه الكرة أو المسألة ﴿ لا تصاحبني ﴾ نهاه عن المصاحبة حينئذ مع حرصه على التعلم لظهور عذره كما قال: ﴿ قد بلغت من لدني عذراً ﴾ وهذا كلام نادم شديد الندامة جره المقال، واضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف.

عن رسول الله  : " رحم الله أخي كموسى استحيا فقال ذلك" ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ هي أنطاكية: وقيل: الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء.

﴿ استطعما أهلها ﴾ وكان حق الإيجاز أن يقال: "استطعماهم" فوضع الظاهر موضع المضمر للتأكيد كقوله: ليت الغراب غداة ينعب بيننا *** كان الغراب مقطع الأوداج وأيضاً لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ لما فيه من الكلفة والبشاعة والاستطالة ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ يقال: أضافه وضيفه إذا أنزله وجعله ضيفه، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل إلى المضيف.

عن النبي  : "كانوا أهل قرية لئاماً." قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه.

وأيضاً الضيافة من المندوبات وترك المندوب غير منكر، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك عهد صاحبه.

وقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته.

ولقائل أن يقول: لو كان قد بلغ الجوع إلى حدّ الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار.

ولمجيب أن يقول: إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى.

وقيل: أقامه بعمود عمده به.

وقيل: نقضه وبناه.

وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ذراع.

قال أهل الاعتبار: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حق.

ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤا إلى رسول الله  بحمل الذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء أي "فأتوا أن يضيفوهما" فامتنع رسول الله  عن ذلك.

قوله: ﴿ يريد أن ينقض ﴾ معناه يسرع سقوطه من انقض الطائر إذا هوى في طيرانه.

يقال: قضضته فانقض، ويحتمل أن يكون "افعل" من النقض كاحمرّ من الحمرة، فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول.

واستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة تشبيهاً للجماد بالأحياء نظيره ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب  ﴾ ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ .

ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى من الحرمان ومسيس الحاجة ﴿ قال ﴾ لصاحبه ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ لطلبت على عملك جعلاً حتى نستدفع به الضرورة.

واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ على الأصح ﴿ قال ﴾ الخضر مشيراً إلى الفراق المتصور في قوله: ﴿ فلا تصاحبني ﴾ أو مشيراً إلى السؤال والاعتراض ﴿ هذا فراق بيني ﴾ الإضافة بمعنى في أي فراق أو سبب فراق في بيني ﴿ وبينك ﴾ وحكى القفال أن البين ههنا بمعنى الوصل.

ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ قيل: كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة ﴿ يعملون في البحر ﴾ وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ وهو مسمى بجلندي والوراء ههنا بمعنى الأمام وقد مر في قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ  ﴾ وقيل: أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة ﴿ يأخذ كل سفينة ﴾ أي غير معيبة ﴿ غصباً ﴾ ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية والتخريق، وإن كان تصرفاً في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعاً زائداً لم يكن به بأس.

ولعل مثل هذا التصرف كان جائزاً في تلك الشريعة، أو لعله كان من مخصوصات النبي  .

قال جار الله.

قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور به.

وأيضاً خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كون السفينة للمساكين فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في قولك "زيد ظني مقيم" في أنه يتعلق بالطرفين ﴿ وأما الغلام ﴾ فقد قيل: إنه كان بالغاً قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد كما قال: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ .

يقال: رهقة أي غشيه وأرهقه إياه.

وقيل: إنه كان صبياً إلا أنه  علم من حاله أنه لو صار بالغاً صدرت عنه هذه المفاسد، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا تأكد الظن بالوحي.

وقيل: أراد فخفنا أن يغشى الوالدين طغياناً عليهما وكفراً بنعمتهما بعقوقه، أو خفنا أن يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر.

وجوزوا أن يكون قوله: ﴿ فخشينا ﴾ من كلام الله  أي كرهنا كراهة من خاف سوء عاقبة أمر فغيره.

والزكاة الطهارة والنقاء من الذنوب وكأنه بإزاء قول موسى نفساً زاكية.

والرحم الرحمة والعطف بمعنى الإشفاق على الأبوين.

يروى أنهما ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم.

ويروى أنها ولدت سبعين نبياً.

وقيل: أبدلهما ابناً مؤمناً.

وقيل: اسم الغلام المقتول الحيسون وفي نسخة الحسين.

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين ﴾ .

قيل: اسمهما أصرم وصريم.

وقوله: ﴿ في المدينة ﴾ بعد قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ فيه دلالة على أن القرية لا تنافي المدينة ومعنى الاجتماع والإقامة مراعى فيهما.

أما الكنز فقيل: هو المال لقوله: ﴿ ويستخرجا ﴾ ولأن المفهوم منه عند إطلاقه هو المال.

وقيل: صحف فيها علم لقوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ ودفن المال لا يليق بأهل الصلاح.

وعورض بقول قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا.

وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا.

وجمع بعضهم بين الأمرين فقال: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وفي قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء.

عن جعفر بن محمد  : كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء، وذكر من صلاح أبيهما ان الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة.

قالت العلماء: الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالماً به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط و ﴿ رحمة من ربك ﴾ مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله.

سؤال: لم قال في الأول: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ وفي الثاني: ﴿ فأردنا ﴾ وفي الثالث ﴿ فأراد ربك ﴾ ؟

الجواب: لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى الله  ، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التدبيل فجمع بين الأمرين.

ويمكن أن يقال: إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من الله، ويحتمل أن يقال: الوحدة في الأول على الأصل، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء بالمؤيدين بالعلوم الدينية، والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع ﴿ تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا، وأصل تسطع تستطيع كما في قوله: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ﴾ إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف.

وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال.

عن رسول الله  : "رحم الله أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب" التأويل: ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميراً والآخر مأموراً، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق.

ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا.

﴿ فلما جاوزا ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة الشيخ ظاناً أن مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ.

هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن أدركته العناية الأزلية ورد إليه صدق الإرادة فيقول: الرفيق التوفيق.

﴿ آتنا غداءنا ﴾ وهو همة الشيخ وبركة صحبته ﴿ لقد لقينا في سفرنا هذا ﴾ الذي جاوزنا صحبة الشيخ ﴿ نصباً ﴾ فقال رفيقه ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة ﴾ صخرة النفس وتسويلها ﴿ فإني نسيت ﴾ حوت القلب {قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ حراً من رق غيرنا.

وفي قوله: ﴿ وعلمناه من لدنّا علماً ﴾ إشارة إلى أنه  أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية، وقد ذهب موسى إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علماً يمكن تعلمه، فبين علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتنافٍ فلهذا قال الخضر: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وفي إظهار المسائل الثلاثة إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء، وإذا تأمل العاقل السالك في قول موسى: ﴿ هل أتبعك ﴾ الخ في قول الخضر.

﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني ﴾ الخ.

وجد أصول الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد وللشيخ مودعة فيها، وفي تفصيلها طول وقد أشرنا في التفسير إلى طرف منها، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب "آداب المريدين" للشيخ المحقق أبي النجيب السهروردي تغمده الله بغفرانه ﴿ حتى إذا ركبا في السفينة ﴾ هي سفينة الشريعة ﴿ خرقها ﴾ بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب، ومثل هذا قد يفعله كثير من المحققين طرداً للعوام وحذراً من التباهي والعجب ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها ﴾ في أودية الضلال إذا اقتدوا بك ﴿ حتى إذا لقيا غلاماً ﴾ هو النفس الأمارة ﴿ فقتله ﴾ بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ هي الجسد وهم القوى الإنسانية من الحواس وغيرها ﴿ استطعما أهلها ﴾ بطلب أفاعليها التي تختص بها ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها ﴿ فوجدا فيها جداراً ﴾ هو التعلق الحائل بين النفس الناطقة وبين عالم المجردات ﴿ يريد أن ينقض ﴾ بقطع العلاقة ﴿ فأقامه ﴾ بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل: نفسك مطيتك فارفق بها.

﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ ثواباً جزيلاً أي لو شئت لصبرت على شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف.

﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ هم العوام الذين ﴿ يعملون في ﴾ بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك حتى يصلوا إلى ملوك تحت أطمار ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ في الظاهر لتسلطهم بالإخلاص في البواطن ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ هو الشيطان ﴿ يأخذ كل سفينة ﴾ عبادة ﴿ غصباً ﴾ لأن كل عبادة تخلو عن الانكسار والذل والخشوع فإنها للشيطان لا للرحمن ﴿ وأما الغلام فكان أبواه ﴾ وهما القلب والروح ﴿ مؤمنين فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة ﴾ هو النفس المطمئنة ﴿ وأقرب رحماً ﴾ أي نسبة إلى الأبوين.

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين ﴾ هما النفس المطمئنة والملهمة ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ هو حصول الكمالات النظرية والعملية ﴿ وكان أبوهما ﴾ وهو العقل المفارق ﴿ صالحاً ﴾ كاملاً بالفعل فلهذا ادخر لأجلهما ما ادخر ﴿ فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما ﴾ بتربية الشيخ وإرشاده على سبيل الرفق والمداراة ﴿ ويستخرجا ﴾ ما كان كامناً فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ .

هذا الكلام يخرج على وجهين: يخرج على الإنكار عليه، أي: خرقتها؛ لتغرق أهلها، أو لتعيبها، أو لماذا هذا الخرق؟

استفهام لولا قوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾ .

فإن كان على الأول على الإنكار عليه والردّ - فقوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾ : ظاهر، أي: جئت شيئاً عظيماً شديداً.

وإن كان على الاستفهام، فهو على الإضمار؛ كأنه قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟!

فلئن خرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً إمرا عظيماً شديداً؛ وإن كان التأويل على الإنكار - فهو كما يقال لمن يبني بناء ثم يترك الإنفاق عليه في عمارته: بنيت لتخرب أو لتهدم، وكما يقال لمن زرع زرعاً، ثم ترك سقيه: زرعت لتفسده، ونحوه، وإن كان لم يبن لذلك، ولم يزرع لما ذكر، ولكن لما كذلك يصير في العاقبة إذا ترك سقيه أو عمارة ما بنى.

فإن قيل: كيف قال له موسى: ﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ ، وبعد لم يعلم أن ذلك الخرق مغرق أهلها، وقد يجوز أن يكون غير مغرق؟!

قيل: إنما أخبر عما يئول الأمر في العاقبة، والظاهر من الخرق أن يغرق في الآخرة، وهو كما ذكرنا من أمر البناء والزرع: بنيت لتخرب، وزرعت لتفسد، وإن لم يكن بناؤه وزراعته لذلك، فعلى ذلك قول موسى لصاحبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ .

هذه الآية [ترد] على المعتزلة؛ لأنه قال له: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ : دل أنه كان يحتاج إلى استطاعة تقارن الفعل لا تتقدم الفعل فيكون بها الفعل، وإلا قد كانت له أسباب لو لم يؤثر غيرها لاستطاع الصبر معه؛ دل أن استطاعة الفعل [لا تتقدم على الفعل] ولكن تقارنه.

وقال الحسن: إنما يقال هذا؛ للاستثقال كما يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إليك بغضا، وهو ناظر إليه، لكن يقال ذلك على الاستثقال والبغض ليس على حقيقة نفي الاستطاعة؛ فعلى ذلك الأوّل، فيقال له هو كما يقال: لا أستطيع أن أنظر إليك نظر الرحمة، فهو وإن كان ناظراً إليه لما ذكر - فهو غير ناظر إليه نظر رحمة وشفقة؛ فهما سواء وهو ما يقوله، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ﴾ .

يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحدها: على التعريض من الكلام، أي: لا تؤاخذني بما لو نسيت؛ كقول إبراهيم حيث قال: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ  فَقَالَ إِنِّي...

 ﴾ ، ونحوه، أي: سأسقم.

والثاني: على حقيقة النسيان؛ نسي قوله: ﴿ فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ ﴾ بعدها؛ لما رأى من المناكير في الظاهر، وهكذا كانت عادة الأنبياء أنهم إذا رأوا منكرا لا يملكون أنفسهم حزناً وغضباً على ما رأوا فلا ينكر أن يكون نسي ما قال له.

وقال بعضهم: على التضييع والترك، فهو يخرج على الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ﴾ .

قال بعضهم: لا تكلفني من أمري ما يعسر عليّ.

وقال بعضهم: الإرهاق: هو الشدة والتعب.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُرْهِقْنِي ﴾ ، أي: لا تغشني عسراً.

وقوله: ﴿ فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ .

يحتمل هذا الكلام - أيضاً - وجهين: على الإنكار، والردّ عليه.

والثاني: على الاستفهام والسؤال على ما ذكرنا في الأول: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس؟

أو بحق؟

أو لماذا؟

أو على الإنكار والردّ على ما رأى في الظاهر قتل نفس ولم يعرف الوجه الذي به يجب القتل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً ﴾ .

هو على ما ذكرنا على الإنكار ظاهر، وعلى الاستفهام والسؤال على الإضمار: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس فلئن فعلت لقد جئت شيئاً نكراً، أي: منكراً: ثم اختلف في قوله: ﴿ نُّكْراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ نُّكْراً ﴾ : أكبر من قوله: ﴿ إِمْراً ﴾ لأن فيه مباشرة القتل وإهلاك النفس بغير نفس؛ فهو أكبر وليس في نفس الخرق إهلاك، وإنما هو سبب الإهلاك، وقد يجوز ألا يهلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِمْراً ﴾ أكبر من قوله: ﴿ نُّكْراً ﴾ ؛ لأن فيه إهلاك جماعة، وهاهنا إهلاك واحد، فهو دون الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ .

ما ذكرنا في الأوّل.

وقوله: ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً ﴾ .

في ترك المصاحبة عذر؛ لما قلت لي: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ، ولم أصبر.

وقوله: ﴿ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ ﴾ .

سمّى: قرية، وهي كانت مدينة؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ ﴾ ؛ دل أنها كانت مدينة، والعرب قد تسمي المدينة: قرية.

وقوله: ﴿ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ .

قال الحسن: كان ذلك الجدار بهيئة عند الناظر أنه يسقط.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ الإرادة: صفة كل فاعل له حقيقة الفعل، أو ليس له حقيقة الفعل، بعد أن يضاف إليه الفعل، ألا ترى أنه يقال للجدار: سقط، وإن كان في الحقيقة يسقط.

وعندنا أنه: إنما يقال ذلك لقرب الحال، وعند الإشراف على الهلاك والسقوط؛ ألا ترى أنّ الرجل يقول: إن أردت أن أموت، وأردت أن أهلك، وأردت أن أسقط، وهو لا يريد الموت ولا السقوط؛ ولكنه يذكر ذلك لإشرافه على الهلاك وقرب الحال إليه، ليس على حقيقة الإرادة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ ، أي: شرف وقرب على حال السقوط، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ .

هذا القول من موسى يحتمل وجهين: أحدهما: قال: ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ ؛ لشدة حاجته إلى الطعام؛ لئلا يقع لهما حاجة إلى أهل تلك البلدة؛ إذ قد وقع لهما إليهم حاجة؛ حيث قال: استطعما من أهلها مرة فلم يطعموهما؛ فأراد أن يأخذ على ذلك أجراً؛ لئلا يقع لهما حاجة إليهم ثانياً.

والثاني: قال له ذلك، لما لم ير أهل تلك البلدة أهلا ليصنع إليهم المعروف؛ لما رأى فيهم من البخل والضنة في الطعام؛ حيث استطعماهم فلم يطعموهما؛ بخلا منهم وضنة، والله أعلم.

وذكر في بعض القصّة أن الجدار الذي أقامه صاحب موسى كان طوله خمسمائة ذراع، وقامته مائتي ذراع، وعرضه أربعين ذراعاً، أو نحوه تحته طريق القوم، لكن لا حاجة لنا إلى معرفة ذلك؛ إنما الحاجة إلى ما فيه من أنواع الحكمة والفوائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ .

أي: سأنبئك بيان ما قلت لك: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ، ثم بين وفسره له؛ فقال: ﴿ أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ .

أي: أجعلها معيبة.

[و]قوله: ﴿ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ ﴾ : ذكر في بعض الحروف: (وكان أمامهم ملك).

﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾ .

فعلى ذلك التأويل فيه ﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ ، أي: أجعلها معيبة، لئلا يأخذها ذلك الملك غصبا؛ إذ كان لا يأخذ إلا سفينة صالحة صحيحة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ﴾ .

اختلف في سن ذلك الغلام: قال بعضهم: كان ذلك الغلام كبيراً بالغاً، والعرب قد تسمّي الرجل البالغ الذي لم يلتح بعد - أولم تستو لحيته - غلاماً؛ لقربه بوقت البلوغ، ولذلك قال له موسى: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ ، والصغير مما لا يقتل إذا قتل نفسا بغير حق؛ فلو كان صغيراً لم يكن لقول موسى: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ \[معنى\]، وهو كما روي عن رسول الله  حيث قال: "إِنَّ أَيْمَانَكُم تحقنُ دِماءكم إذا ظهر منهم الدَّم وكقوله: لولا الأَيْمَانُ لَكَان لِي وَلَهَا شَأْنٌ" إذا ظهر منها الزنا، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ : لو كانت محتملة القتل بالنفس، والله أعلم.

ثم اختلف في سبب قتل ذلك الغلام: قال بعضهم: قتله؛ لكفره، كان كافرا، وكذلك في حرف أبيّ بن كعب: (وأمّا الغلام فكان كافراً)؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ : دل هذا أنّه كان بالغاً كافراً؛ إذ لو لم يكن كافراً لم يلحق والديه منه الطغيان والكفر.

وقال بعضهم: إنما قتله؛ لأنه كان لصّاً قاطع طريق؛ يقطع الطريق على الناس ويأخذ أموالهم.

وعلى قول من يقول: إنه كان صغيراً، قتله؛ لأنه علم أنه لو بلغ كان كافراً، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك السبب الذي قتله - حاجة، ولا أنه كان صغيرا أو كبيرا؛ لأنه أخبر أنه إنما قتله بأمر الله لا من تلقاء نفسه؛ حيث قال: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ ، ولكن إنما فعلته بأمر الله، ولله أن يأمر عبداً من عباده بقتل الصغير على ما له أن يميته وعلى ما يأمر ملك الموت بقبض أرواح الخلق؛ فعلى ذلك له أن يميته على يدي آخر، وأن يقبض روحه؛ إذ له الخلق والأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .

ليس هو الخوف، ولكن العلم، أي: علمنا أنه يرهقهما طغياناً وكفرا، وكذلك ذكر في حرف أبيّ.

فإن قيل: كيف احتج على قتله وإهلاكه بما علم أنه يلحق أبويه منه الطغيان والكفر، وقد ترك، إبليس وجنوده يعيشون إلى آخر الدهر، على علم منه أنهم يحملون الناس على الطغيان والكفر، ويرهقونهم أنواع المعاصي والفواحش؟!

وكذلك هؤلاء الظلمة الذين لا يكون منهم إلا كل شر وجور على الناس ثم تركهم على علم منه بما يكون منهم؟!

فما معنى الاحتجاج في قتله وإهلاكه بما ذكر من إرهاق الطغيان والكفر بالوالدين؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن الله -  - قد يمتحن البشر بمعان وعلل وأشياء، تحملهم تلك المعاني والأشياء على الرغبة والحث فيما امتحنهم، وإن كان له الامتحان لا على تلك المعاني والعلل، نحو ما امتحنهم بأنواع العبادات والطاعات بثواب وجزاء ذكر لهم فيها لو فعلوا، وإن كان له الامتحان بذلك على غير ثواب ولا جزاء، وكذلك العقوبات وغير ذلك من المحن؛ فعلى ذلك الأول.

والثاني: ذكر هذا لتطيب به أنفسهم؛ إحساناً منه إليهم، وإنعاماً عليهم؛ إذ له أن يميتهم صغاراً وكباراً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ...

﴾ الآية [الشورى: 27]، وقد وسع على كثير من الخلق، وكذلك قوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33]، وقد جعل لكثير من الخلق ذلك، لكن هذا لما له أن يفعل ذلك للكل، فمن لم يفعل ذلك له إنما لم يفعل إحساناً منه وإفضالا؛ فعلى ذلك الأول إنما ذكر ما ذكر إحساناً منه وإفضالا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ .

قال بعضهم ﴿ خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً ﴾ ، أي: صلاحاً، ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ : أي: أوصل رحما وأبرّ لوالديه.

وقال بعضهم: ﴿ خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً ﴾ ، أي: عملا، ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ ، أي: أحسن منه برّاً لوالديه.

قال أبو عوسجة: ﴿ رُحْماً ﴾ ، من الرحم والقرابة.

وقال القتبي: ﴿ رُحْماً ﴾ ، أي: رحمة وعطفا.

وذكر أنهما قد أعطيا خيراً منه، أي: خيراً من القتيل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا ﴾ .

اختلف في ذلك الكنز: قال بعضهم: كان ذلك الكنز مالا كنزه أبوهما.

قال ابن عباس: حفظ؛ لصلاح أبيهما، ما ذكر منهما صلاح.

وقال بعضهم: كان ذلك الكنز مصحفاً فيها علم.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل على أن يكون علماً؛ لأن العلم ممّا يعلمه العلماء ويشترك الناس فيه؛ فلا يحتمل أن يحفظ ذلك لهما دون الناس؛ فإن ثبت وحفظ ما روي في الخبر فهو مال وعلم.

وروي عن ابن مالك قال: قال رسول الله  : "كَانَ تَحْتَ الجِدَارِ الَّذِي قال الله فِي كِتَابِه ﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا ﴾ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ: بِسْمِ الله الرحمن الرحيم، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوتِ كيفَ يفرح وَعَجِبْتُ لمن أَيْقَنَ بالقدر كيفَ يحزَنُ؟!

[و]عَجِبتُ لمن أَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا؟!

لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فإن حفظ هذا عن رسول الله ففيه مال وعلم؛ لأن اللوح من الذهب مما يكثر ويعظم قدره، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .

أي: نعمة من ربك وإحساناً عليهما؛ إذ كان [له] ألا يحفظ ذلك لهما، ولا يوصله إليهما على ما لم يعط لكثير من اليتامى والمساكين شيئاً من ذلك، لكن ذلك منه إليهما فضل وإنعام ورحمة عليهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه أخبر عن أمر الله فعل ما فعل، لا عن أمر نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ .

أي: تأويل ما قلت لك في بدء الأمر: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ، ثم لا يحتمل أن يكون موسى حيث أمر بالذهاب إلى ذلك الرجل والاتباع له والصحبة معه؛ ليتعلم منه العلم، فلم يستفد منه إلا علم ما أنكر عليه، وسبب حل ذلك له؛ إذ كان ذلك بإنكار ما أنكر عليه من الأفعال التي هي في الظاهر منكرة، لكن جائز أن يكون استفاد منه علوماً كثيرة سوى ذلك، لكنه لم يذكر لنا ذلك، والله أعلم.

وقول أهل التأويل: اسم الغلام الذي قتله صاحب موسى "خشنوذ"، أو لا أدري ماذا؟

ووالداه: اسمهما كذا، لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة أساميهم حاجة، وكذا اسم الغلامين اليتيمين صاحبي الجدار: أصرم وصريم، ولا أدري ماذا؟

[و] لا حاجة بنا إلى ذلك.

وقولهم: كان صاحب موسى خضرا، وأنه إنما سمى: خضراً؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت؛ فذلك - أيضاً - مما لا يعلم إلا بالخبر عن الوحي - وحي السماء - فلا نقول فيه إلا قدر ما ذكره الكتاب؛ فإنه يخرج ذكره مخرج الشهادة على الله من غير حصول النفع لنا في ذلك عمل أو غيره، وليس في الكتاب إلا ذكر عبد من عبادنا، وذكر الغلام، وذكر الفتى، وذكر غلامين يتيمين في المدينة، وأمثاله يقال ما فيه ولا يزاد على ذلك؛ مخافة الشهادة على الله بالكذب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فسارا حتى إذا جاءا أهل قرية طلبا من أهلها طعامًا, فامتنع أهل القرية من إطعامهما، وتأدية حق الضيافة إليهما، فوجدا في القرية حائطًا مائلًا قارب أن يسقط وينهدم، فسواه الخَضِر حتى استقام، فقال موسى  للخَضِر: لو شئت اتخاذ أجر على إصلاحه لاتخذته؛ لحاجتنا إليه بعد امتناعهم من ضيافتنا.

<div class="verse-tafsir" id="91.b74KA"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله