الآية ٨٠ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٨٠ من سورة الكهف

وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰنًۭا وَكُفْرًۭا ٨٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 162 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٠ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٠ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جيسور .

وفي الحديث عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا " .

رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، به ؛ ولهذا قال : ( فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) أي : يحملهما حبه على متابعته على الكفر .

قال قتادة : قد فرح به أبواه حين ولد ، وحزنا عليه حين قتل ، ولو بقي كان فيه هلاكهما ، فليرض امرؤ بقضاء الله ، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب .

وصح في الحديث : " لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له " .

وقال تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) [ البقرة : 216 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) يقول تعالى ذكره: وأما الغلام، فإنه كان كافرا، وكان أبواه مؤمنين، فعلمنا أنه يرهقهما : يقول: يغشيهما طغيانا، وهو الاستكبار على الله، وكفرا به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد ذُكر ذلك في بعض الحروف.

وأما الغلام فكان كافرا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ( وأمَّا الغُلامُ فكَانَ كافِرًا ) في حرف أُبيّ، وكان أبواه مؤمنين ( فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ) وكان كافرا في بعض القراءة.

وقوله: (فَخَشِينا) وهي في مصحف عبد الله: ( فَخَافَ ربُّكَ أنْ يُرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) .

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْم طُبِعَ كافِرًا ".

والخشية والخوف توجههما العرب إلى معنى الظنّ، وتوجه هذه الحروف إلى معنى العلم بالشيء الذي يُدرك من غير جهة الحسّ والعيان.

وقد بيَّنا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته.

وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى قوله (خَشِينا) في هذا الموضع: كرهنا، لأن الله لا يخشى.

وقال في بعض القراءات: فخاف ربك، قال: وهو مثل خفت الرجلين أن يعولا وهو لا يخاف من ذلك أكثر من أنه يكرهه لهما.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين جاء في صحيح الحديث : أنه طبع يوم طبع كافرا وهذا يؤيد ظاهره أنه غير بالغ ، ويحتمل أن يكون خبرا عنه مع كونه بالغا ; وقد تقدم .قوله تعالى : فخشينا أن يرهقهما قيل : هو من كلام الخضر - عليه السلام - ، وهو الذي يشهد له سياق الكلام ، وهو قول كثير من المفسرين ; أي خفنا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ، وكان الله قد أباح له الاجتهاد في قتل النفوس على هذه الجهة .

وقيل : هو من كلام الله - تعالى - وعنه عبر الخضر ; قال الطبري : معناه فعلمنا ; وكذا قال ابن عباس أي فعلمنا ، وهذا كما كنى عن العلم بالخوف في قوله إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله .

وحكي أن أبيا قرأ " فعلم ربك " وقيل : الخشية بمعنى الكراهة ; يقال : فرقت بينهما خشية أن يقتتلا ; أي كراهة ذلك .

قال ابن عطية : والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة ، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين .

وقرأ ابن مسعود " فخاف ربك " وهذا بين في الاستعارة ، وهذا نظير ما وقع في القرآن في جهة الله - تعالى - من لعل وعسى وأن جميع ما في هذا كله من ترج وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون .

ويرهقهما يجشمهما ويكلفهما ; والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه فيضلا ويتدينا بدينه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَأَمَّا الْغُلَامُ ْ} الذي قتلته { فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ْ} وكان ذلك الغلام قد قدر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه أو يحدهما على ذلك، أي: فقتلته، لاطلاعي على ذلك، سلامة لدين أبويه المؤمنين، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟\" وهو وإن كان فيه إساءة إليهما، وقطع لذريتهما، فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية، ما هو خير منه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا ) أي فعلمنا [ وفي قراءة ابن عباس : " وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين فخشينا " أي : فعلمنا ] ( أن يرهقهما ) يغشيهما وقال الكلبي : يكلفهما ( طغيانا وكفرا ) قال سعيد بن جبير : فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا» فإنه كما في حديث مسلم طبع كافرا ولو عاش لأرهقهما ذلك لمحبتهما له يتبعانه في ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأما الغلام الذي قتلته فكان في علم الله كافرًا، وكان أبوه وأمه مؤمِنَيْن، فخشينا لو بقي الغلام حيًا لَحمل والديه على الكفر والطغيان؛ لأجل محبتهما إياه أو للحاجة إليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما رد به الخضر على موسى فى اعتراضه على الحادثة الثانية فقال - تعالى - : ( وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً .

.

.

)أى : ( وأما الغلام ) الذى سبق لى أن قتلته ، واعترضت على فى قتله يا موسى ( فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ) ولم يكن هو كذلك فقد أعلمنى الله - تعالى - أنه طبع كافرا .( فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ) ، والخشية : الخوف الذى يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه .و ( يرهقهما ) من الإِرهاق وهو أن يُحمَّل الإِنسان ما لا يطيقه .أى : فخشينا لو بقى حيا هذا الغلام أن يوقع أبويه فى الطغيان والكفر ، لشدة محبتهما له ، وحرصهما على إرضائه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه المسائل الثلاثة مشتركة في شيء واحد وهو أن أحكام الأنبياء صلوات الله عليهم مبنية على الظواهر كما قال عليه السلام: «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر وذلك لأن الظاهر أنه يحرم التصرف في أموال الناس وفي أرواحهم في المسألة الأولى وفي الثانية من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف لأن تخريق السفينة تنقيص لملك الإنسان من غير سبب ظاهر، وقتل الغلام تفويت لنفس معصومة من غير سبب ظاهر، والإقدام على إقامة ذلك الجدار المائل في المسألة الثالثة تحمل التعب والمشقة من غير سبب ظاهر، وفي هذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنياً عن الأسباب الظاهرة المعلومة، بل كان ذلك الحكم مبنياً على أسباب معتبرة في نفس الأمر، وهذا يدل على أن ذلك العالم كان قد آتاه الله قوة عقلية قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور ويطلع بها على حقائق الأشياء فكانت مرتبة موسى عليه السلام في معرفة الشرائع والأحكام بناء الأمر على الظواهر وهذا العالم كانت مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائق الأمور والاطلاع على أسرارها الكامنة، فبهذا الطريق ظهر أن مرتبته في العلم كانت فوق مرتبة موسى عليه السلام.

إذا عرفت هذا فنقول: المسائل الثلاثة مبنية على حرف واحد وهو أن عند تعارض الضررين يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى؛ فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة.

أما المسألة الأولى: فلأن ذلك العالم علم أنه لو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها ذلك الملك، وفاتت منافعها عن ملاكها بالكلية فوقع التعارض بين أن يخرقها ويعيبها فتبقى مع ذلك على ملاكها، وبين أن لا يخرقها فيغصبها الملك فتفوت منافعها بالكلية على ملاكها، ولا شك أن الضرر الأول أقل فوجب تحمله لدفع الضرر الثاني الذي هو أعظمهما.

وأما المسألة الثانية: فكذلك لأن بقاء ذلك الغلام حياً كان مفسدة للوالدين في دينهم وفي دنياهم، ولعله علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسد للأبوين، فهلذا السبب أقدم على قتله.

والمسألة الثالثة: أيضاً كذلك لأن المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة ذلك الجدار ضررها أقل من سقوطه لأنه لو سقط لضاع مال تلك الأيتام.

وفيه ضرر شديد، فالحاصل أن ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على بواطن الأشياء وبالاطلاع على حقائقها كما هي عليها في أنفسها، وكان مخصوصاً ببناء الأحكام الحقيقية على تلك الأحوال الباطنة، وأما موسى عليه السلام فما كان كذلك بل كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور فلا جرم ظهر التفاوت بينهما في العلم، فإن قال قائل فحاصل الكلام أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها في نفسها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه، وموسى عليه السلام إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم فكان من الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكن له تعلمه، وهذه المسائل الثلاثة علوم لا يمكن تعلمها فما الفائدة في ذكرها وإظهارها.

والجواب: أن العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة، وأما العلم ببواطن الأشياء فإنما يمكن تحصيله بناء على تصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسدانية، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا  ﴾ ، ثم إن موسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم ليعلم موسى عليه السلام أن كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على البواطن والتطلع على حقائق الأمور.

المسألة الثانية: اعلم أن ذلك العالم أجاب عن المسألة الأولى بقوله: ﴿ أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِي البحر فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾ وفيه فوائد.

الفائدة الأولى: أن تلك السفينة كانت لأقوام محتاجين متعيشين بها في البحر والله تعالى سماهم مساكين، واعلم أن الشافعي رحمه الله احتج بهذه الآية على أن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين لأنه تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة.

الفائدة الثانية: أن مراد ذلك العالم من هذا الكلام أنه ما كان مقصودي من تخريق تلك السفينة تغريق أهلها بل مقصودي أن ذلك الملك الظالم كان يغصب السفن الخالية عن العيوب فجعلت هذه السفينة معيبة لئلا يغصبها ذلك الظالم فإن ضرر هذا التخريق أسهل من الضرر الحاصل من ذلك الغصب، فإن قيل وهل يجوز للأجنبي أن يتصرف في ملك الغير لمثل هذا الغرض، قلنا هذا مما يختلف أحواله بحسب اختلاف الشرائع فلعل هذا المعنى كان جائزاً في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فمثل هذا الحكم غير بعيد، فإنا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق ويأخذون جميع ملك الإنسان، فإن دفعنا إلى قاطع الطريق بعض ذلك المال سلم الباقي فحينئذ يحسن منا أن ندفع بعض مال ذلك الإنسان إلى قاطع الطريق ليسلم الباقي وكان هذا منا يعد إحساناً إلى ذلك المالك.

الفائدة الثالثة: أن ذلك التخريق وجب أن يكون واقعاً على وجه لا تبطل به تلك السفينة بالكلية إذ لو كان كذلك لم يكن الضرر الحاصل من غصبها أبلغ من الضرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزاً.

الفائدة الرابعة: لفظ الوراء على قوله: ﴿ وَكَانَ وَرَاءهُم ﴾ فيه قولان: الأول: أن المراد منه وكان أمامهم ملك يأخذ، هكذا قاله الفراء وتفسيره قوله تعالى: ﴿ مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ  ﴾ أي أمامهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً  ﴾ وتحقيقه أن كل ما غاب عنك فقد توارى عنك وأنت متوار عنه، فكل ما غاب عنك فهو وراءك وأمام الشيء وقدامه إذا كان غائباً عنه متوارياً عنه فلم يبعد إطلاق لفظ وراء عليه.

والقول الثاني: يحتمل أن يكون الملك كان من وراء الموضع الذي يركب منه صاحبه وكان مرجع السفينة عليه.

وأما المسألة الثانية: وهي قتل الغلام فقد أجاب العالم عنها بقوله: ﴿ وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ﴾ قيل: إن ذلك الغلام كان بالغاً وكان يقطع الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع شر الناس عنه والتعصب له وتكذيب من يرميه بشيء من المنكرات وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق.

وربما أدى ذلك الفسق إلى الكفر، وقيل: إنه كان صبياً إلا أن الله تعالى علم منه أنه لو صار بالغاً لحصلت منه هذه المفاسد، وقوله: ﴿ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً ﴾ الخشية بمعنى الخوف وغلبة الظن والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنه تولد مثل هذا الفساد منه، وقوله: ﴿ أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا ﴾ فيه قولان: الأول: أن يكون المراد أن ذلك الغلام يحمل أبويه على الطغيان والكفر كقوله: ﴿ وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً  ﴾ أي لا تحملني على عسر وضيق وذلك لأن أبويه لأجل حب ذلك الولد يحتاجان إلى الذب عنه، وربما احتاجا إلى موافقته في تلك الأفعال المنكرة.

والثاني: أن يكون المعنى أن ذلك الولد كان يعاشرهما معاشرة الطغاة الكفار، فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظن؟

قلنا: إذا تأكد ذلك الظن بوحي الله جاز ثم قال تعالى: ﴿ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زكواة ﴾ أي أردنا أن يرزقهما الله تعالى ولداً خيراً من هذا الغلام زكاة أي ديناً وصلاحاً، وقيل: إن ذكره الزكاة هاهنا على مقابلة قول موسى عليه السلام: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زكية بِغَيْرِ نَفْسٍ  ﴾ فقال العالم: أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه كما ذكرته من الزكاة، ويكون المراد من الزكاة الطهارة فكأن موسى عليه السلام قال: أقتلت نفساً طاهرة لأنها ما وصلت إلى حد البلوغ فكانت زاكية طاهرة من المعاصي فقال العالم: إن تلك النفس وإن كانت زاكية طاهرة في الحال إلا أنه تعالى علم منها أنها إذا بلغت أقدمت على الطغيان والكفر فأردنا أن يجعل لهما ولداً أعظم زكاة وطهارة منه وهو الذي يعلم الله منه أنه عند البلوغ لا يقدم على شيء من هذه المحظورات ومن قال إن ذلك الغلام كان بالغاً قال: المراد من صفة نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله ثم قال: ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ أي يكون هذا البدل أقرب عطفاً ورحمة بأبويه بأن يكون أبر بهما وأشفق عليهما والرحم الرحمة والعطف.

روي أنه ولدت لهما جارية تزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة عظيمة.

بقي من مباحث هذه الآية موضعان في القراءة.

الأول: قرأ نافع وأبو عمرو يبدلهما بفتح الباء وتشديد الدال وكذلك في التحريم: ﴿ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا ﴾ وفي القلم: ﴿ عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا ﴾ والباقون ساكنة الباء خفيفة الدال وهما لغتان أبدل يبدل وبدل يبدل.

الثاني: قراءة ابن عامر في إحدى الروايتين عن أبي عمرو رحماً بضم الحاء والباقون بسكونها وهما لغتان مثل نكر ونكر وشغل وشغل.

وأما المسألة الثالثة: وهي إقامة الجدار فقد أجاب العالم عنها بأن الداعي له إليها أنه كان تحت ذلك الجدار كنز وكان ذلك ليتيمين في تلك المدينة وكان أبوهما صالحاً ولما كان ذلك الجدار مشرفاً على السقوط ولو سقط لضاع ذلك الكنز فأراد الله إبقاء ذلك الكنز على ذينك اليتيمين رعاية لحقهما ورعاية لحق صلاح أبيهما فأمرني بإقامة ذلك الجدار رعاية لهذه المصالح، وفي الآية فوائد.

الفائدة الأولى: أنه تعالى سمى ذلك الموضع قرية حيث قال: ﴿ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ وسماه أيضاً مدينة حيث قال: ﴿ وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِي المدينة ﴾ .

الفائدة الثانية: اختلفوا في هذا الكنز فقيل: إنه كان مالاً وهذا هو الصحيح لوجهين: الأول: أن المفهوم من لفظ الكنز هو المال.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا ﴾ يدل على أن ذلك الكنز هو المال وقيل إنه كان علماً بدليل أنه قال: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا ﴾ والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال إذ كنز المال لا يليق بالصلاح بدليل قوله تعالى: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ وقيل: كان لوحاً من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

الفائدة الثالثة: قوله: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا ﴾ يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وعن جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء وعن الحسن بن علي أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله مال الغلامين؟

قال: بصلاح أبيهما قال فأبي وجدي خير منه؟

قال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون.

وذكروا أيضاً أن ذلك الأب الصالح كان الناس يضعون الودائع إليه فيردها إليهم بالسلامة، فإن قيل: اليتيمان هل عرف أحد منهما حصول الكنز تحت ذلك الجدار أو ما عرف أحد منهما؟

فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار.

وإن كان الثاني فكيف يمكنهم بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز والانتفاع به؟

الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان عالماً به ثم (إن) ذلك الوصي غاب وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السقوط ولما قرر العالم هذه الجوابات قال: ﴿ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ ﴾ يعني إنما فعلت هذه الفعال لغرض أن تظهر رحمة الله تعالى لأنها بأسرها ترجع إلى حرف واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى كما قررناه ثم قال: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ﴾ يعني ما فعلت ما رأيت من هذه الأحوال عن أمري واجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله ووحيه لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع بقي في الآية سؤال، وهو أنه قال: ﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ وقال: ﴿ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زكواة ﴾ وقال: ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ﴾ كيف اختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاث وهي كلها في قصة واحدة وفعل واحد؟

والجواب: أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه فقال: أردت أن أعيبها ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهاً على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى، لأن المتكفل بمصالح الأبناء لرعاية حق الآباء ليس إلا الله سبحانه وتعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرأ الجحدري: ﴿ وكان أبواه مؤمنان ﴾ على أن (كان) فيه ضمير الشأن ﴿ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً ﴾ فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما، وكفراً لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما شراً وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر.

أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدّا بسببه ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان وإنما خشي الخضر منه ذلك؛ لأن الله تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سرّ أمره.

وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ فخاف ربك ﴾ والمعنى: فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيره.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ فَخَشِينَا ﴾ حكاية لقول الله تعالى، بمعنى: فكرهنا، كقوله ﴿ لأهَبَ لَكِ ﴾ [مريم: 19] .

وقرئ: ﴿ يبدّلهما ﴾ بالتشديد.

والزكاة: الطهارة والنقاء من الذنوب.

والرحم: الرحمة والعطف.

وروي أنه ولدت لهما جارية نزوّجها نبيّ، فولدت نبياً هدى الله على يديه أمّة من الأمم.

وقيل ولدت سبعين نبياً.

وقيل: أبدلهما ابناً مؤمناً مثلهما.

قيل اسما الغلامين: أصرم، وصريم.

والغلام المقتول: اسمه الحسين.

واختلف في الكنز، فقيل: مال مدفون من ذهب وفضة.

وقيل: لوح من ذهب مكتوب فيه: (عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل.

وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها.

لا إله إلاّ الله محمد رسول الله).

وقيل: صحف فيها علم.

والظاهر لإطلاقه: أنه مال.

وعن قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرّم علينا، وحرّمت الغنيمة عليهم وأحّلت لنا: أراد قوله تعالى: ﴿ والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة ﴾ [التوبة: 34] .

﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا ﴾ اعتداد بصلاح أبيهما وحفظ لحقه فيهما.

وعن جعفر بن محمد الصادق: كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء.

وعن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله الغلامين؟

قال: بصلاح أبيهما.

قال: فأبي وجدّي خير منه.

فقال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون ﴿ رَحْمَةً ﴾ مفعول له.

أو مصدر منصوب بأراد ربك، لأنه في معنى رحمهما ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ ﴾ وما فعلت ما رأيت ﴿ عَنْ أَمْرِى ﴾ عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما ﴾ أنْ يُغْشِيَهُما.

﴿ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ فَيُلْحِقُهُما شَرًّا، أوْ يَقْرِنُ بِإيمانِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ فَيَجْتَمِعُ في بَيْتٍ واحِدٍ مُؤْمِنانِ وطاغٍ كافِرٌ، أوْ يُعْدِيهِما بِعِلَّتِهِ فَيَرْتَدّا بِإضْلالِهِ، أوْ بِمُمالَأتِهِ عَلى طُغْيانِهِ وكُفْرِهِ حُبًّا لَهُ.

وإنَّما خَشِيَ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّ نَجْدَةَ الحَرُورِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ كَيْفَ قَتَلَهُ وقَدْ نَهى النَّبِيُّ  عَنْ قَتْلِ الوِلْدانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ عَلِمْتَ مِن حالِ الوِلْدانِ ما عَلِمَهُ عالِمُ مُوسى فَلَكَ أنْ تَقْتُلَ.» وقُرِئَ « فَخافَ رَبَّكَ» أيْ فِكْرِهِ كَراهَةَ مَن خافَ سُوءَ عاقِبَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿ فَخَشِينا ﴾ حِكايَةَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ ﴾ أنْ يَرْزُقَهُما ولَدًا خَيْرًا مِنهُ.

﴿ زَكاةً ﴾ طَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ والأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ.

﴿ وَأقْرَبَ رُحْمًا ﴾ رَحْمَةً وعَطْفًا عَلى والِدَيْهِ.

قِيلَ وُلِدَتْ لَهُما جارِيَةٌ فَتَزَوَّجَها نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ لَهُ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ بِهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿ يُبْدِلَهُما ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وعاصِمٌ ﴿ رُحْمًا ﴾ بِالتَّخْفِيفِ، وانْتِصابُهُ عَلى التَّمْيِيزِ والعامِلُ اسْمُ التَّفْضِيلِ وكَذَلِكَ ﴿ زَكاةً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَمَّا الغلام} وكان اسمه الحسين {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طغيانا وَكُفْراً} فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ويلحق بهما شراً وبلاء أو يعد بهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه وهو من كلام الخضر وإنما خشي الخضر منه ذلك لأنه تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره وإن كان من قول الله تعالى فمعنى فخشينا فعلمنا إن عاش أن يصير سبباً لكفر والديه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأمّا الغُلامُ ﴾ الَّذِي قَتَلَهُ ﴿ فَكانَ أبَواهُ ﴾ أيْ أبُوهُ وأُمُّهُ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ واسْمُ الأبِ عَلى ما في الإتْقانِ كَأْزِيرُ والأُمُّ سَهْوا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ) والمَعْنى عَلى ذَلِكَ في قِراءَةِ السَّبْعَةِ إلّا أنَّهُ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِكُفْرِهِ إشْعارًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى الذِّكْرِ لِظُهُورِهِ واسْتَدَلَّ بِتِلْكَ القِراءَةِ مَن قالَ: إنَّ الغُلامَ كانَ بالِغًا لِأنَّ الصَّغِيرَ لا يُوصَفُ بِكُفْرٍ وإيمانٍ حَقِيقِيَّيْنِ.

وأجابَ النَّوَوِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ أنَّ القِراءَةَ شاذَّةٌ لا حُجَّةَ فِيها، الثّانِي أنَّهُ سَمّاهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ لَوْ عاشَ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ الغُلامَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا وأُوِّلَ بِنَحْوِ هَذا، وكَذا ما مَرَّ مِن خَبَرِ صاحِبِ العُرْسِ والعَرائِسِ لَكِنَّ في صِحَّتِهِ تَوَقُّفَ عِنْدِي لِأنَّهُ رُبَّما يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ عِلْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَأْوِيلِ القَتْلِ قَبْلَ الفِراقِ، وعَلى ما سَمِعْتُ مِنَ التَّأْوِيلِ لا يَرِدُ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ عَلى القَوْلِ المَنصُورِ في الأطْفالِ وهو أنَّهم مُطْلَقًا في الجَنَّةِ عَلى أنَّهُ قِيلَ الكَلامُ في غَيْرِ مَن أخْبَرَ الصّادِقَ بِأنَّهُ كافِرٌ، وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ والجَحْدَرِيُّ ( فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنانِ ) وخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ عَلى أنَّ في كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، والجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لَها، وأجازَ أبُو الفَضْلِ أنْ يَكُونَ مُؤْمِنانِ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَيَكُونَ مَنصُوبًا، وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ في كانَ ضَمِيرُ (الغُلامِ) والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ.

﴿ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما ﴾ فَخِفْنا خَوْفًا شَدِيدًا أنْ يُغْشِيَ الوالِدَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ لَوْ بَقِيَ حَيًّا ﴿ طُغْيانًا ﴾ مُجاوَزَةً لِلْحُدُودِ الإلَهِيَّةِ ﴿ وكُفْرًا ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وذَلِكَ بِأنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى مُتابَعَتِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، ولَعَلَّ عَطْفَ الكُفْرِ عَلى الطُّغْيانِ لِتَفْظِيعِ أمْرِهِ، ولَعَلَّ ذِكْرَ الطُّغْيانِ مَعَ أنَّ ظاهِرَ السِّياقِ الِاقْتِصارُ عَلى الكُفْرِ لِيَتَأتّى هَذا التَّفْظِيعُ أوْ لِيَكُونَ المَعْنى فَخَشِينا أنْ يُدَنِّسَ إيمانَهُما أوَّلًا ويُزِيلَهُ آخِرًا، ويَلْتَزِمُ عَلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ أشْنَعُ وأقْبَحُ مِن إزالَتِهِ بِدُونِ سابِقِيَّةِ تَدْنِيسٍ وفَسَّرَ بَعْضُ شُرّاحِ البُخارِيِّ الخَشْيَةَ بِالعِلْمِ فَقالَ: أيْ عَلِمْنا أنَّهُ لَوْ أدْرَكَ وبَلَغَ لَدَعا أبَوَيْهِ إلى الكُفْرِ فَيُجِيبانِهِ ويَدْخُلانِ مَعَهُ في دِينِهِ لِفَرْطِ حُبِّهِما إيّاهُ، وقِيلَ: المَعْنى خَشِينا أنْ يُغْشِيَهُما طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما عَلَيْهِ مِن تَرْبِيَتِهِما إيّاهُ وكَوْنِهِما سَبَبًا لِوُجُودِهِ بِسَبَبِ عُقُوقِهِ وسُوءِ صَنِيعِهِ فَيَلْحَقُهُما شَرٌّ وبَلاءٌ، وقِيلَ: المَعْنى خَشِينا أنْ يُغْشِيَهُما ويَقْرِنَ بِإيمانِهِما طُغْيانَهُ وكُفْرَهُ فَيَجْتَمِعُ في بَيْتٍ واحِدٍ مُؤْمِنانِ وطاغٍ كافِرٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الغُلامَ كانَ يُفْسِدُ وفي رِوايَةٍ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويُقْسِمُ لِأبَوَيْهِ أنَّهُ ما فَعَلَ فَيُقْسِمانِ عَلى قَسَمِهِ ويَحْمِيانِهِ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا، والذّاهِبُ إلى صِغَرِهِ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ولَعَلَّ الحَقَّ مَعَهُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَتِهِ، وجَوْزُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حِكايَةً لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والمُرادُ فَكَّرَ هُنا بِجَعْلِ الخَشْيَةِ مَجازًا مُرْسَلًا عَنْ لازَمَها وهو الكَراهَةُ عَلى ما قِيلَ، قالَ في الكَشْفِ: وذَلِكَ لِاتِّحادِ مُقامِ المُخاطَبَةِ كانَ سُؤالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ تَعالى والخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى يُجِيبُ عَنْهُ وفي ذَلِكَ لُطْفٌ ولَكِنَّ الظّاهِرَ هو الأوَّلُ انْتَهى، وقِيلَ: هو عَلى هَذا الِاحْتِمالِ بِتَقْدِيرِ فَقالَ اللَّهُ: خَشِينا والفاءُ مِنَ الحِكايَةِ وهو أيْضًا بَعِيدٌ ولا يَكادُ يُلائِمُ هَذا الِاحْتِمالُ الآيَةَ بَعْدُ إلّا أنْ يُجْعَلَ التَّعْبِيرُ بِالظّاهِرِ فِيها التِفاتًا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وقِراءَةِ أُبَيٍّ فَخافَ رَبُّكَ والتَّأْوِيلُ ما سَمِعْتَ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الخَوْفَ والخَشْيَةَ كالتَّرَجِّي بِلَعَلَّ ونَحْوِها الواقِعُ في كَلامِهِ تَعالى مَصْرُوفٌ إلى المُخاطِبِينَ وإلّا فاللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ.

/ 50 <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يقول: يكلفهما طُغْياناً وَكُفْراً، يقول: تمادياً وإثماً ومعصية.

فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما قرأ نافع وأبو عمرو يُبْدِلَهُما بتشديد الدال، وقرأ الباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد.

يقال: بدل وأبدل بمعنى واحد أي: يعطيهما ولداً غير هذا الولد رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ، أي أفضل.

زَكاةً، أي ولداً صالحاً.

وَأَقْرَبَ رُحْماً، أي أوصل رحماً، ويقال: رحماً.

ويقال: أقرب رحمة وعطفاً عليهما.

قال الكلبي: فولدت امرأته جارية فتزوجها نبي من الأنبياء، فهدى الله على يده أمة من الأمم.

ثمّ قال: وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ أحدهما أصرم والآخر صريم، وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما قال الكلبي: أي مالا لهما، وقال مقاتل ومجاهد: كل شيء في القرآن من كنز فهو مال غير هاهنا، فإنه الصحف التي فيها علم.

وقال الضحاك: كَنْزٌ لَهُما أي علم لهما.

قال الفقيه: حدّثني أبي بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله  : «وجد تحت الجدار الذي قال الله تعالى وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما لوح من ذهب والذهب لا يصدأ ولا ينقص مكتوب فيه بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد، رسول الله» .

روي عن ابن عباس أنه قال: «كان في اللوح خمس كلمات» ، وذكر نحوه.

قوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ذا أمانة واسمه كاشح، فحفظا بصلاح أبيها ولم يذكر منهما صلاحاً.

روي عن رسول الله  أنه قال: «إن الله تَعَالَى لَيُصْلِحُ بِصَلاَحِ الرَّجُلِ أهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَأَهْلَ الدُّوَيْرَاتِ حوله» .

فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يبلغا مبلغ الرجال، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي نعمة من ربك.

وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي من قبل نفسي ولكن الله أمرني به.

ذلِكَ تَأْوِيلُ، أي تفسير مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً.

تستطع وتسطع بمعنى واحد، يقال: اسطاع واستطاع.

قال الفقيه  : حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد الدوري قال: حدّثنا الحجاج الأعور قال: حدّثنا حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله  «إذا دعا لأحد بدأ بنفسه وقال: «رَحْمَةُ الله عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى فَلَوْ كَانَ صَبَرَ لَقَصَّ الله عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا» (١) أوصني.

فقال له الخضر: «إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ولا تعير الخطائين بخطاياهم، وابكِ على خطيئتك يا ابن عمران» .

قال مجاهد: إنما سمي الخضر خضراً، لأنه لا يكون بأرض إلا اخضرت.

(١) حديث أبي بن كعب: أخرجه البخاري (122) و (3400) و (4725) و (4727) ومسلم (2380) (171) وأبو داود (2984) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفي رواية: «واللَّهِ، مَا عِلْمِي وعِلْمُكَ في جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كما أَخَذَ/ هَذَا الطَّائِرُ بِمنْقَارِهِ من البَحْر» ، وفي رواية: «مَا عِلْمي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلاَئِقِ في عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هذا العُصْفُورُ منقاره» «١» .

قال «٢» ع: وهذا التشبيهُ فيه تجوُّز إِذ لا يوجد في المحْسُوسَات أقوى في القِلَّة من نقطة بالإِضافة إلى البحر، فكأنها لا شَيْءَ، ولم يتعرَّض الخَضِرُ لتحرير موازَنَةٍ بين المِثَال وبَيْنَ عِلْم اللَّه تعالى، إِذ علمه سبحانه غير متناهٍ، ونُقَطُ البحر متناهيةٌ، ثم خَرَجَ من السفينة، فبينما هما يَمْشِيَانِ على السَّاحل، إذ أبصر الخضرُ غُلاَماً يَلْعَبُ مع الغْلمَان، فأخذ الخَضِرُ رَأْسَهُ بيده، فاقتلعه فَقَتَلَهُ، فقال له موسى: أقتلت نفساً زاكية.

قال «٣» ع: قيل: كان هذا الغلامُ لم يبْلُغ الحُلْم، فلهذا قال موسى: نَفْساً زاكية، وقالت فرقة: بل كان بالغاً.

وقوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ يقتضي أنه لو كان عَنْ قَتْلِ نفْسٍ، لم يكن به بأْسٌ، وهذا يدلُّ على كِبَرِ الغلامِ، وإِلا فلو كان لم يحتلم، لم يجبْ قتله بَنَفْس ولا بغير نفْس.

ت:

وهذا إِذا كان شَرْعُهم كَشَرْعنا، وقد يكونُ شرعهم أنَّ النفْسَ بالنفْسِ عموماً في البالغ وغيره، وفي العَمْد والخطأ فلا يلزم من الآية ما ذَكَرَ.

وقوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً معناه: شيئاً ينكر.

قال ع «٤» : ونصف القرآن بِعَدِّ الحروف.

انتهى إلى النون من قوله: نُكْراً.

وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)

قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قال: وهذه أشدُّ من الأولى- قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قال:

مائل، فقال الخَضِرُ بيده هكذا، فأقامه، فقال موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يطعمونا، ولم يضيّفونا لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: أجراً نأكله «١» - «قال هذا فراق بيني وبينك» إِلى قوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرَهِمَا» «٢» قال سعيد: فكان ابن عباس يَقْرأُ: «وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سفينة [صالحة] غصبا» ، وكان يقرأ: «وأَمَّا الغُلاَمُ [فَكَانَ كَافِراً] وكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ» ، وفي رواية للبخاريِّ: يزعمون عن غَيْر سعيدِ بْنِ جُبَيْر أنَّ اسم المَلِكِ: هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ، والغلام المقتولُ اسمه يزعمون حَيْسُورُ، ويقال: جَيْسُورَ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، فأردتُّ إِذا هِيَ مَرَّتْ به أنْ يَدَعَها لِعَيْبها «٣» ، فإِذا جَاوَزُوا أصْلَحُوها، فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سَدُّوها بقَارُورة، ومنهم من يقول بالقار، كان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ، وكان كافراً، فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً أنْ يحملهما حبُّه على أنْ يتابعاه على دينه، فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً لقوله: «أقتلْتَ نفساً زاكية» ، وَأَقْرَبَ رُحْماً هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خَضِر، وزعم غير سعيد أنهما أُبْدلا جاريةً، وأما داوُدُ بن أبي عاصِمٍ، فقال عن غير واحدٍ: إنها جاريةٌ.

انتهى لفظُ البخاريِّ.

ت: وقد تحرَّينا/ في هذا المختصر بحَمْد اللَّه التحقيقَ فيما علَّقناه جُهْد الاستطاعة، واللَّه المستعان، وهو المسئول أن ينفع به بجُوده وكَرَمِهِ.

قال ع «٤» : ويشبه أنْ تكون هذه القصَّة أيضاً أصلاً للآجال في الأحكام التي هي

ثَلاَثَةٌ، وأيام التلوم ثلاثةٌ، فتأمَّله.

وقوله سبحانه: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما وفي الحديث: «أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ عَلَى مَجَالِسِ أُولَئِكَ القَومِ يَسْتَطْعمَانِهِمْ» .

قال ع «١» : وهذه عبرة مصرِّحة بهوان الدنيا على اللَّه عزَّ وجلَّ.

ص:

وقوله: فِراقُ بَيْنِي الجمهور «٢» بإضافة «فراق» ، أبو البقاء، تفريقُ وَصْلِنا، وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ «فِراقٌ» بالتنوين «٣» ، أبو البقاء و «بَيْنَ» : منصوبٌ على الظرف انتهى.

قال «٤» ع: ووَراءَهُمْ هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعًى بها الزمانُ، وذلك أنَّ الحادث المقدَّم الوُجُودِ هو الأمامُ، والذي يأتي بَعْدُ هو الوَرَاء، وتأمَّل هذه الألفاظ في مواضِعِها حيْثُ وردَتْ تجدها تَطَّرد، ومِن قرأ «٥» :

«أَمامَهُمْ» ، أراد في المكان.

قال «٦» ع: وفي الحديث، «أنَّ هَذَا الغُلاَمَ طُبِعَ يَوْمَ طُبعَ كافِراً» ، والضمير في «خشينا» للخضِرِ، قال الداوديُّ: قوله: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما، أي: علمنا انتهى.

«والزَكَاةُ» شرف الخُلُق والوقارُ والسكينةُ المنطويةُ على خَيْرٍ ونيَّة، «والرُّحْم» الرحمة، وروي عن ابن جُرَيْج، أنهما بُدِّلا غلاماً مسْلِماً «٧» ، وروي عنه أنهما بُدِّلا جاريةً، وحكى النَّقَّاش أنها وَلَدَتْ هي وَذُرِّيَّتُها سبعين نبيًّا، وذكره المهدويُّ عن ابن عباس «٨» ، وهذا بعيدٌ، ولا تُعْرَف كثرة الأنبياءِ إِلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكُنْ فيهم، واختلف النَّاسُ في هذا الكنز المذكور هنا، فقال ابن عباس: كان عِلْماً في صُحُف مدفونةٍ «٩» ، وقال عمر مولى غَفْرَة: كان لَوْحاً من ذَهَبٍ قد كُتِبَ فيه: «عجباً للموقِنِ بالرِّزْقِ كيف يَتْعَبُ، وعجباً للموقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ، وعجباً للموقِنِ بالمَوْتِ كيف يَفُرَحُ» ، وروي نحو هذا مما هو في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَتْ لِمَساكِينَ ﴾ في المُرادِ بِمَسْكَنَتِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ في أكْسابِهِمْ.

والثّانِي: في أبْدانِهِمْ.

وقالَ كَعْبُ: كانَتْ لِعَشْرَةِ إخْوَةٍ، خَمْسَةٌ زَمْنى، وخَمْسَةٌ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها ﴾ ؛ أيْ: أجْعَلُها ذاتَ عَيْبٍ، يَعْنِي: بِخَرْقِها، ﴿ وَكانَ وراءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أمامَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ ) .

والثّانِي: خَلْفَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ كانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْلَمُوا بِخَبَرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى الخَضِرَ خَبَرَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾ ؛ أيْ: كُلُّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ [ بْنِ كَعْبٍ ]: ( كُلُّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ ) .

قالَ الخَضِرُ: إنَّما خَرَقْتُها؛ لِأنَّ المَلِكَ إذا رَآَها مُنْخَرِقَةً تَرَكَها ورَقَّعَها أهْلُها فانْتَفَعُوا بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الغُلامُ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا ) .

ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ  أنَّهُ قالَ: " «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» " .

قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ الغُلامُ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِهِ أحَدٌ إلّا قَتَلَهُ أوْ غَصَبَهُ، فَيَدْعُو ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى أبَوَيْهِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ الغُلامُ لِصًّا، فَإذا جاءَ مَن يَطْلُبُهُ حَلَفَ أبَواهُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَشِينا ﴾ في القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ في مَعْنى الخَشْيَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا.

وقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: المَعْنى: فِعْلُنا فِعْلَ الخاشِي.

والثّانِي: الكَراهَةُ، قالَهُ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَضِرُ، فَتَكُونُ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ لِلْأمْرِ المُتَوَهِّمِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ الخَضِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأرادَ اللَّهُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى هَكَذا أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى.

ومَعْنى ﴿ يُرْهِقَهُما ﴾ : يَحْمِلُهُما عَلى الرَّهَقِ، وهو الجَهْلُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ يُرْهِقَهُما ﴾ : يُغْشِيَهُما.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبَّهُ عَلى أنْ يَدْخُلا في دِينِهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: فَرِحا بِهِ حِينَ وُلِدَ، وحَزِنا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، ولَوْ بَقِيَ كانَ فِيهِ هَلاكُهُما، فَرَضِيَ امْرُؤٌ بِقَضاءِ اللَّهِ، فَإنَّ قَضاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيما يَكْرَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِن قَضائِهِ فِيما يُحِبُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْ يُبْدِلَهُما ) بِالتَّخْفِيفِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: دِينًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَمِلا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: صَلاحًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأقْرَبَ رُحْمًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رَحِمًا ) ساكِنَةَ الحاءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( رَحِمًا ) مُثَقَّلَةً.

وعَنْ أبِي عَمْرٍو كالقِراءَتَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ: ( رَحِمًا ) بِفَتْحِ الرّاءِ وكَسْرِ الحاءِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أُوصِلُ لِلرَّحِمِ وأبِرُّ لِلْوالِدَيْنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أقْرَبُ عَطْفًا وأمَسُّ بِالقَرابَةِ.

ومَعْنى الرُّحْمِ والرُّحُمِ في اللُّغَةِ: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ: وكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ومِنها اللِّينُ والرَّحِمُ والثّانِي: أقْرَبُ أنْ يُرْحَما بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وفِيما بَدَلًا بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جارِيَةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أبْدَلَهُما بِهِ جارِيَةً ولَدَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا.

والثّانِي: غُلامٌ مُسْلِمٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ ﴾ يَعْنِي: القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ ﴾ ، قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُهُما: أصْرَمُ وصَرِيمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ ذَهَبًا وفِضَّةً، رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ  .

وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: كانَ مالًا.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ، فِيهِ مَكْتُوبٌ: عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالقَدْرِ ثُمَّ هو يَنْصِبُ، عَجَبًا لِمَن أيْقَنَ بِالنّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبًا لِمَن يُوقِنُ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ، عَجَبًا لِمَن يُؤْمِنُ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفَلُ، عَجَبًا لِمَن رَأى الدُّنْيا وتَقَلُّبَها بِأهْلِها كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْها، أنا اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنا، مُحَمَّدٌ عَبْدِي ورَسُولِي؛ وفي الشِّقِّ الآَخَرِ: أنا اللَّهُ لا إلّا إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي، خَلَقْتُ الخَيْرَ والشَّرَّ، فَطُوبى لِمَن خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، والوَيْلُ لِمَن خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وأجْرَيْتُهُ عَلى يَدَيْهِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسُمِّيَ كَنْزًا مِن جِهَةِ الذَّهَبِ، وجَعَلَ اسْمَهُ هو المُغَلَّبُ.

والثّالِثُ: كَنَزُ عِلْمٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: صُحُفٌ فِيها عِلْمٌ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: كانَ تَحْتَهُ مِثْلُ الكَنْزِ؛ لِأنَّهُ يَتَعَجَّلُ مِن نَفْعِهِ أفْضَلُ مِمّا يَنالُ مِنَ الأمْوالِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ، فَمَعْناهُ: المالُ المَدْفُونُ المُدَّخَرُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ المالُ، قِيلَ: عِنْدَهُ كَنْزُ عِلْمٍ، ولَهُ كَنْزُ فَهْمٍ، والكَنْزُ هاهُنا بِالمالِ أشْبَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الكَنْزُ كانَ مالًا، مَكْتُوبٌ فِيهِ عِلْمٌ، عَلى ما رُوِيَ، فَهو مالٌ وعِلْمٌ عَظِيمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ أبُوهُما صالِحًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حِفْظًا بِصَلاحِ أبِيهِما، ولَمْ يُذْكَرْ مِنهُما صَلاحًا.

وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: كانَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ الأبِ الصّالِحِ سَبْعَةُ آَباءٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ أبُوهُما ذا أمانَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأرادَ رَبُّكَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ( فَأرَدْتُ ) ( وأرَدْنا ) كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَنِ الخَضِرِ، أتْبَعْهُما بِما يَحْصُرُ الإرادَةَ عَلَيْهِ ويُزِيلُها عَنْ غَيْرِهِ، ويَكْشِفُ البُغْيَةَ مِنَ اللَّفْظَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ.

وإنَّما قالَ: " فَأرَدْتُ، فَأرَدْنا، فَأرادَ رَبُّكَ "؛ لِأنَّ العَرَبَ تُؤْثِرُ اخْتِلافَ الكَلامِ عَلى اتِّفاقِهِ مَعَ تَساوِي المَعانِي؛ لِأنَّهُ أعْذَبُ عَلى الألْسُنِ، وأحْسَنُ مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: قالَ لِي فَلانٌ كَذا، وأنْبَأنِي بِما كانَ، وخَبَّرَنِي بِما نالَ.

فَأمّا " الأشَدُّ " فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في مَواضِعَ [ الأنْعامِ: ١٥٢، ويُوسُفَ: ٢٢، والإسْراءِ: ٣٤ ]، ولَوْ أنَّ الخَضِرَ لَمْ يُقِمِ الحائِطَ لَنُقِضَ، وأخَذَ ذَلِكَ الكَنْزَ قَبْلَ بُلُوغِهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: رَحِمَهُما اللَّهُ بِذَلِكَ.

﴿ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ عَبْدًا مَأْمُورًا.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ تَسْطِعْ ﴾ فَإنَّ اسْتَطاعَ واسْطاعَ بِمَعْنًى واحِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا ﴾ ﴿ وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبُّكَ وما فَعَلْتُهُ عن أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الغُلامِ والخِلافُ في بُلُوغِهِ أو صِغَرِهِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ طُبِّعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، وهَذا يُؤَيَّدُ ظاهِرُهُ أنَّهُ كانَ غَيْرُ بالِغٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عنهُ مَعَ كَوْنِهِ بالِغًا، وقِيلَ: اسْمُ الغُلامِ جَيْسُورُ بِالراءِ، وقِيلَ: جَيْسُونُ بِالنُونِ، وهَذا أمْرٌ كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ.

وقَرَأ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ: "فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ"، وقَرَأ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: "فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنانِ"، فَجَعَلَها "كانَ" الَّتِي فِيها الأمْرُ والشَأْنُ.

وقَوْلُهُ: "فَخَشِينا" قِيلَ: هو في جِهَةِ الخِضْرِ، فَهَذا مُتَخَلِّصٌ، والضَمِيرُ عِنْدِي لِلْخِضْرِ وأصْحابِهِ الصالِحِينَ الَّذِينَ أهَمَّهُمُ الأمْرُ وتَكَلَّمُوا فِيهِ، وقِيلَ: هو في جِهَةِ اللهِ تَعالى وعَبَّرَ عنهُ الخِضْرُ.

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: فَعَلِمْنا، وقالَ غَيْرُهُ: فَكَرِهْنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي في تَوْجِيهِ هَذا التَأْوِيلِ -وَإنْ كانَ اللَفْظُ يُدافِعُهُ- أنَّها اسْتِعارَةٌ، أيْ: عَلى ظَنِّ المَخْلُوقِينَ والمُخاطِبِينَ لَوْ عَلِمُوا حالَهُ لَوَقَعَتْ مِنهم خَشْيَةَ الرَهَقِ لِلْأبَوَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَخافَ رَبُّكُ"، وهَذا بَيِّنٌ في الِاسْتِعارَةِ، وهَذا نَظِيرَ ما يَقَعُ في القُرْآنِ في جِهَةِ اللهِ تَعالى مِن "لَعَلَّ وعَسى"، فَإنَّ جَمِيعَ ما في هَذا كُلِّهِ مِن تَرَجٍّ وتَوَقُّعٍ وخَوْفٍ وخَشْيَةٍ إنَّما هو بِحَسَبِكم أيُّها المُخاطِبُونَ.

و"يُرْهِقَهُما" مَعْناهُ: يُحِثُّهُما ويُكَلِّفُهُما بِشِدَّةٍ، والمَعْنى أنْ يُلْقِيَهُما حُبُّهُما في اتِّباعِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْ يُبَدِّلَهُما" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ، وعاصِمٌ: "أنْ يُبَدِّلَهُما" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ.

و"الزَكاةُ": شَرَفُ الخُلُقِ والوَقارُ والسَكِينَةُ المُنْطَوِيَةُ عَلى خَيْرٍ، و"الرُحْمُ": الرَحْمَةُ، والمُرادُ -عِنْدَ فِرْقَةٍ- أيْ: يَرْحَمُهُما، وقِيلَ: أيْ: يَرْحَمانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: يا مُنَزِلَ الرُحُمِ عَلى إدْرِيسا ∗∗∗ ومُنْزِلُ اللَعْنِ عَلى إبْلِيسَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "رُحُمًا" بِضَمِّ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "رُحْما" بِسُكُونِها، واخْتُلِفَ عن أبِي عَمْرُو.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "رُبُّهُما أزْكى مِنهُ وأقْرَبَ رُحْمًا"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ "أنَّهُما بَدَّلا غُلامًا مُسْلِمًا"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ "أنَّهُما بَدَّلا جارِيَةٍ"، وحَكى النَقّاشُ أنَّها وُلِدَتْ هي وذُرِّيَّتُها سَبْعِينَ نَبِيًّا، وذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وهو بَعِيدٌ، ولا تُعْرَفُ كَثْرَةُ الأنْبِياءِ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ وهَذِهِ المَرْأةُ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ أُمَّ الغُلامِ يَوْمَ قُتِلَ كانَتْ حامِلًا بِغُلامٍ مُسْلِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ ﴾ .

هَذانَ الغُلامانِ صَغِيرانِ بِقَرِينَةِ وصَفِهِما بِاليُتْمِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ  : « "لا يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ"،» هَذا الظاهِرُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَبْقى عَلَيْهِما اليُتْمُ بَعْدَ البُلُوغِ، أيْ: كانا يَتِيمَيْنِ، عَلى مَعْنى التَشْفِيقِ عَلَيْهِما.

واخْتَلَفَ الناسُ في الكَنْزِ، فَقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: كانَ مالًا جَسِيمًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ عَلَمًا في صُحُفٍ مَدْفُونَةٍ، وقالَ عُمْرَ مَوْلى غُفْرَةَ: كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ قَدْ كَتَبَ فِيهِ: "عَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالرِزْقِ يَتْعَبُ، وعَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالحِسابِ كَيْفَ يَغْفُلُ، وعَجَبًا لِلْمُوقِنِ بِالمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ"، ورُوِيَ نَحْوَ هَذا مِمّا هو في مَعْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ أبُوهُما صالِحًا ﴾ ، ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ أنَّهُ والِدُهُما دَنْيَةً، وقِيلَ: الأبُ السابِعُ، وقِيلَ: العاشِرُ فَحُفِظا فِيهِ وإنْ لَمْ يُذْكَرا بِصَلاحٍ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَحْفَظُ الرَجُلَ الصالِحَ في ذُرِّيَّتِهِ".» وجاءَ في أنْباءِ الخِضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ في أوَّلِ قِصَّةٍ ﴿ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها  ﴾ ، وفي الثانِيَةِ ﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما ﴾ ، وفي الثالِثَةِ ﴿ فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا ﴾ ، وإنَّما انْفَرَدَ أوَّلًا في الإرادَةِ لِأنَّها لَفْظَةُ عَيْبٍ فَتَأدَّبَ بِأنَّ لَمْ يُسْنِدِ الإرادَةَ فِيها إلّا لِنَفْسِهِ، كَما تَأدَّبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ  ﴾ ، فَأسْنَدَ الفِعْلَ قَبْلَ وبَعْدَ إلى اللهِ تَعالى، وأسْنَدَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ؛ إذْ هو مَعْنى نَقْصٍ ومُصِيبَةٍ، وهَذا المَنزَعُ يُطْرَدُ في فَصاحَةِ القُرْآنِ كَثِيرًا، ألّا تَرى إلى تَقْدِيمِ فِعْلِ البَشَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، وتَقْدِيمِ فِعْلِ اللهِ تُبارِكُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا  ﴾ ، وإنَّما قالَ الخِضْرُ في الثانِيَةِ: "فَأرَدْنا" لِأنَّهُ أمَلٌ قَدْ كانَ رَواهُ هو وأصْحابُهُ الصالِحُونَ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ في مَعْنى الخَشْيَةِ عَلى الوالِدَيْنِ وتَمَنّى التَبْدِيلَ لَهُما، وإنَّما أسْنَدَ الإرادَةَ في الثالِثَةِ إلى اللهِ تَعالى لِأنَّها في أمْرٍ مُسْتَأْنِفٍ في الزَمَنِ طَوِيلٍ غَيْبٍ مِنَ الغُيُوبِ، فَحَسُنَ إفْرادُ هَذا المَوْضِعِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ الخِضْرُ قَدْ أرادَ أيْضًا ذَلِكَ الَّذِي أعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُرِيدُهُ، وهَذا تَوْجِيهُ فَصاحَةِ هَذِهِ العِبارَةِ بِحَسَبِ فَهْمِنا المُقَصِّرٍ، واللهُ أعْلَمُ.

و"الأشُدُّ": كَمالُ الخُلُقِ والعَقْلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ ذَلِكَ مِنَ السِنِينَ، فَقِيلَ: خَمْسَةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا فِيهِ ضَعْفٌ.

وقَوْلُ الخِضْرُ: ﴿ وَما فَعَلْتُهُ عن أمْرِي ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الخِضْرَ نَبِيٌّ، وقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ.

وكَذَلِكَ جُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ الخِضْرَ ماتَ، وتَقُولُ فِرْقَةٌ: إنَّهُ حَيٌّ لِأنَّهُ شَرَبَ مِن عَيْنِ الحَياةِ، وهو باقٍ في الأرْضِ، وأنَّهُ يَحُجُّ البَيْتَ وغَيْرَ هَذا، وقَدْ أطْنَبَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وذَكَرَ في كِتابِهِ أشْياءَ كَثِيرَةً عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرِهِ، كُلُّها لا تَقُومُ عَلى ساقٍ، ولَوْ كانَ الخِضْرُ عَلَيْهِ السَلامُ حَيّا يَحُجُّ لَكانَ لَهُ في مِلَّةِ الإسْلامِ ظُهُورُ، واللهُ العَلِيمُ بِتَفاصِيلِ الأشْياءِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

ومِمّا يَقْضِي بِمَوْتِ الخِضْرِ الآنَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أرَأيْتُكم لَيْلَتُكم هَذِهِ، فَإنَّهُ لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ".» وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ ﴾ أيْ مَآلُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَسْتَطِعْ"، وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "تَسْطَعُ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: كَذا نَقْرَأُ، نَتَّبِعُ المُصْحَفَ.

وانْتَزَعَ الطَبَرِيُّ مِنَ اتِّصالِ هَذِهِ القِصَّةِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهُمُ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا  ﴾ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ إنَّما جُلِبَتْ عَلى مَعْنى المَثَلِ لِلنَّبِيِّ  في قَوْمِهِ، أيْ: لا تَهْتَمُّ بِإمْلاءِ اللهِ لَهُمْ، وإجْراءِ النِعَمِ لَهم عَلى ظاهِرِها، فَإنَّ البَواطِنَ سائِرَةٌ إلى الِانْتِقامِ مِنهُمْ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو مُحْتَمَلٌ لَكِنْ بِتَعَسُّفٍ ما، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

المشار إليه بلفظ ﴿ هذا ﴾ مقدر في الذهن حاصل من اشتراط موسى على نفسه أنه إن سأله عن شيء بعد سؤاله الثاني فقد انقطعت الصحبة بينهما، أي هذا الذي حصل الآن هو فراق بيننا، كما يقال: الشرطُ أمْلَك عليك أمْ لك.

وكثيراً ما يكون المشار إليه مقدراً في الذهن كقوله تعالى: ﴿ تلك الدار الآخرة ﴾ [القصص: 83].

وإضافة ﴿ فراق ﴾ إلى ﴿ بيتي ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة.

وأصله: فراقٌ بيني، أي حاصل بيننا، أو من إضافة المصدر العامل في الظرف إلى معموله، كما يضاف المصدر إلى مفعوله.

وقد تقدم خروج (بين) عن الظرفية عند قوله تعالى: ﴿ فلما بلغا مجمع بينِهما ﴾ [الكهف: 61].

وجملة ﴿ سأُنْبِئُك ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، تقع جواباً لسؤال يهجس في خاطر موسى عليه السلام عن أسباب الأفعال التي فعلها الخضر عليه السلام وسأله عنها موسى فإنه قد وعده أن يُحدث له ذكراً مما يفعله.

والتأويل: تفسير لشيء غير واضح، وهو مشتق من الأول وهو الرجوع.

شبه تحصيل المعنى على تكلف بالرجوع إلى المكان بعد السير إليه.

وقد مضى في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير، وأيضاً عند قوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون ﴾ الخ..

من أول سورة آل عمران (7).

وفي صلة الموصول من قوله مَا لَمْ تَسْتطِع عليه صَبْراً } تعريض باللوم على الاستعجال وعدم الصبر إلى أن يأتيه إحداث الذكر حسبما وعده بقوله ﴿ فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ .

والمساكين: هنا بمعنى ضعَفاء المال الذين يرتزقون من جهدهم ويُرَق لهم لأنهم يكدحون دهرهم لتحصيل عيشهم.

فليس المراد أنهم فقراء أشدّ الفقر كما في قوله تعالى: ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ [التوبة: 60] بل المراد بتسميتهم بالفقراء أنهم يُرق لهم كما قال الحريري في المقامة الحادية والأربعين: «...

مسكين ابن آدم وأيّ مسكين».

وكان أصحاب السفينة هؤلاء عملة يأجرون سفينتهم للحمل أو للصيد.

ومعنى: ﴿ وكَانَ وَراءَهُم ملِكٌ ﴾ : هو ملك بلادهم بالمرصاد منهم ومن أمثالهم يسخّر كل سفينة يجدها غصباً، أي بدون عوض.

وكان ذلك لنقل أمور بناء أو نحوه مما يستعمله الملِك في مصالح نفسه وشهواته، كما كان الفراعنة يسخرون الناس للعمل في بناء الأهرام.

ولو كان ذلك لمصلحة عامة للأمة لجاز التسخير من كلّ بحسب حاله من الاحتياج لأنّ ذلك فرض كفاية بقدر الحاجة وبعد تحققها.

و {وراءَ اسم الجهة التي خلفَ ظهر من أضيف إليه ذلك الاسم، وهو ضد أمام وقدّام.

ويستعار (الوراء) لحال تعقب شيء شيئاً وحال ملازمة طلب شيء شيئاً بحق وحال الشيء الذي سيأتي قريباً، كلّ ذلك تشبيه بالكائن خلف شيء لا يلبث أن يتصل به كقوله تعالى: ﴿ مِن وَرَائِهِم جَهَنَّمُ ﴾ في [الجاثية: 10].

وقال لبيد: أليس ورائي أن تراختْ منيتي *** لزُوم العصا تُحنى عليها الأصابع وبعض المفسرين فسروا وَرَاءَهُم مَّلِكٌ} بمعنى أمامهم ملك، فتوهم بعض مدوني اللغة أن (وراء) من أسماء الأضداد، وأنكره الفراء وقال: لا يجوز أن تقول للذي بين يديك هو وراءك، وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي تقول: وراءك بَرد شديد، وبين يديك بَرد شديد.

يعني أنّ ذلك على المجاز.

قال الزجاج: وليس من الأضداد كما زعم بعض أهل اللّغة.

ومعنى ﴿ كلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾ أي صالحة، بقرينة قوله ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ ، وقد ذكروا في تعيين هذا الملك وسبب أخذه للسفن قصصاً وأقوالاً لم يثبت شيء منها بعينه، ولا يتعلّق به غرض في مقام العبرة.

وجملة ﴿ فَأَرَدتُّ أنْ أعِيبَهَا ﴾ متفرعة على كل من جملتي ﴿ فَكَانت لمساكين ﴾ ، و ﴿ وكَانَ وَراءَهُم ملِكٌ ﴾ ، فكان حقها التأخير عن كلتا الجملتين بحسب الظاهر، ولكنها قدمت خلافاً لمقتضى الظاهر لقصد الاهتمام والعناية بإرادة إعابة السفينة حيث كان عملاً ظاهره الإنكار وحقيقته الصلاح زيادة في تشويق موسى إلى علم تأويله، لأن كون السفينة لمساكين مما يزيد السامع تعجباً في الإقدام على خرقها.

والمعنى: فأردت أن أعيبها وقد فعلت.

وإنما لم يقل: فعبتها، ليدل على أن فعله وقع عن قصد وتأمل.

وقد تطلق الإرادة على القصد أيضاً.

وفي «اللسان» عزو ذلك إلى سيبويه.

وتصرفُ الخضر في أمر السفينة تصرف برَعي المصلحة الخاصة عن إذن من الله بالتصرف في مصالح الضعفاء إذ كان الخضر عالماً بحال الملك، أو كان الله أعلمه بوجوده حينئذ، فتصرف الخضر قائم مقام تصرف المرء في ماله بإتلاف بعضه لسلامة الباقي، فتصرفه الظاهر إفساد وفي الواقع إصلاح لأنه من ارتكاب أخف الضرين.

وهذا أمر خفي لم يطلع عليه إلاّ الخضر، فلذلك أنكره موسى.

وأما تصرفه في قتل الغلام فتصرف بوحي من الله جارٍ على قطع فساد خاص علمه الله وأعلم به الخضر بالوحي، فليس من مقام التشريع، وذلك أنّ الله علم من تركيب عقل الغلام وتفكيره أنه عقل شاذ وفكر منحرف طبع عليه بأسباب معتادة من انحراف طبع وقصور إدراك، وذلك من آثار مفضية إلى تلك النفسية وصاحبها في أنه ينشأ طاغياً كافراً.

وأراد الله اللّطف بأبويه بحفظ إيمانهما وسلامة العالَم من هذا الطاغي لطفاً أرادهُ الله خارقاً للعادة جارياً على مقتضى سبق علمه، ففي هذا مصلحة للدّين بحفظ أتباعه من الكفر، وهو مصلحة خاصة فيها حفظ الدين، ومصلحة عامة لأنه حقّ لله تعالى فهو كحكم قتل المرتد.

والزّكاة: الطهارة، مراعاة لقول موسى {أقتلت نفساً زاكية.

والرُحْم: بضم الراء وسكون الحاء: نظير الكُثْر للكثرة.

والخشية: توقع ذلك لو لم يتدارك بقتله.

وضميرا الجماعة في قوله فَخَشِيَنَا } وقوله ﴿ فَأَرَدْنَا ﴾ عائدان إلى المتكلم الواحد بإظهار أنه مشارك لغيره في الفعل.

وهذا الاستعمال يكون من التواضع لا من التعاظم لأن المقام مقام الإعلام بأنّ الله أطلعه على ذلك وأمره فناسبه التواضع فقال: ﴿ فَخَشِينَا فَأَرَدْنَا ﴾ ، ولم يقل مثله عندما قال ﴿ فَأَرَدتُ أنْ أعِيبَها ﴾ لأنّ سبب الإعابة إدراكه لمن له علم بحال تلك الأصقاع.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون ﴾ في سورة يوسف (79).

وقرأ الجمهور أنْ يُبَدِّلَهُمَا} بفتح الموحدة وتشديد الدال من التبديل.

وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف بسكون الموحدة وتخفيف الدال من الإبدال.

وأما قضية الجدار فالخضر تصرف في شأنها عن إرادة الله اللطف باليتيمين جزاء لأبيهما على صلاحه، إذ علم الله أن أباهما كان يَهمّه أمر عيشهما بعده، وكان قد أودع تحت الجدار مالاً، ولعله سأل الله أن يلهم ولديه عند بلوغ أشدهما أن يبحثا عن مدفن الكنز تحت الجدار بقصد أو بمصادفة، فلو سقط الجدار قبل بلوغهما لتناولت الأيدي مكانه بالحفر ونحوه فعثر عليه عاثر، فذلك أيضاً لطف خارق للعادة.

وقد أسند الإرادة في قصة الجدار إلى الله تعالى دون القصتين السابقتين لأن العمل فيهما كان من شأنه أن يسعى إليه كل من يقف على سرّه لأن فيهما دفع فساد عن الناس بخلاف قصة الجدار فتلك كرامة من الله لأبي الغلامين.

وقوله: ﴿ رحمةً من ربّك وما فعلتُهُ عن أمري ﴾ تصريح بما يزيل إنكار موسى عليه تصرفاته هذه بأنها رحمة ومصلحة فلا إنكار فيها بعد معرفة تأويلها.

ثم زاد بأنه فعلها عن وحي من الله لأنه لما قال ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ علم موسى أنّ ذلك بأمر من الله تعالى لأنّ النبي إنما يتصرف عن اجتهاد أو عن وَحي، فلما نفى أن يكون فعله ذلك عن أمر نفسه تعيّن أنه عن أمر الله تعالى.

وإنما أوثر نفي كون فعله عن أمر نفسه على أن يقول: وفعلته عن أمر ربّي، تكملة لكشف حيرة موسى وإنكاره، لأنه لما أنكر عليه فعلاته الثلاث كان يؤيد إنكاره بما يقتضي أنه تصرفٌ عن خطأ.

وانتصب ﴿ رحْمَةً ﴾ على المفعول لأجله فينازعه كل من (أردتُ)، و(أردنَا)، و(أراد ربّك).

وجملة ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ فَذْلَكَةٌ للجمل التي قبلها ابتداء من قوله ﴿ أمَّا السَّفِينةُ فَكَانَتْ لمساكين ﴾ ، فالإشارة بذلك إلى المذكور في الكلام السابق وهو تلخيص للمقصود كحوصلة المدرس في آخر درسه.

و ﴿ تَسْطِعْ مضارع (اسطاع) بمعنى (استطاع).

حذف تاء الاستفعال تخفيفاً لقربها من مخرج الطاء، والمخالفةُ بينه وبين قوله سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ للتفنن تجنباً لإعادة لفظ بعينه مع وجود مرادفه.

وابتدئ بأشهرهما استعمالاً وجيء بالثانية بالفعل المخفف لأنّ التخفيف أولى به لأنه إذا كرر ﴿ تَسْتَطِع ﴾ يحصل من تكريره ثقل.

وأكد الموصول الأول الواقع في قوله ﴿ سأُنَبِئُكَ بتأويل ما لم تستَطِعْ عليهِ صَبْراً ﴾ تأكيداً للتعريض باللوم على عدم الصبر.

واعلم أن قصة موسى والخضر قد اتخذتها طوائف من أهل النحل الإسلامية أصلاً بنوا عليه قواعد موهومة.

فأول ما أسسوه منها أنّ الخضر لم يكن نبيئاً وإنما كان عبداً صالحاً، وأن العِلم الذي أوتيه ليس وحياً ولكنه إلهام، وأن تصرفه الذي تصرفه في الموجودات أصل لإثبات العلوم الباطنية، وأن الخضر منحهُ الله البقاء إلى انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعاً لتلقي العلوم الباطنية، وأنه يظهر لأهل المراتب العليا من الأولياء فيفيدهم من علمه ما هم أهل لتلقّيه.

وبَنوا على ذلك أن الإلهام ضرب من ضروب الوحي، وسموه الوحي الإلهامي، وأنه يجيء على لسان ملك الإلهام، وقد فصله الشيخ محيي الدين ابن العربي في الباب الخامس والثمانين من كتابه «الفتوحات المكية»، وبيّن الفرق بينه وبين وحي الأنبياء بفروق وعلامات ذكرها منثورةً في الأبواب الثالث والسبعين، والثامن والستين بعد المائتين، والرابع والستين بعد ثلاثمائة، وجزم بأن هذا الوحي الإلهامي لا يكون مخالفاً للشريعة، وأطال في ذلك، ولا يخلو ما قاله من غموض ورموز، وقد انتصب علماء الكلام وأصول الفقه لإبطال أن يكون ما يسمى بالإلهام حجّة.

وعرفوه بأنه إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر، وأبطلوا كونه حجّة لعدم الثقة بخواطر من ليس معصوماً ولتفاوت مراتب الكشف عندهم.

وقد تعرض لها النسفي في «عقائده»، وكل ما قاله النسفي في ذلك حق، ولا يقام التشريع على أصول موهومة لا تنضبط.

والأظهر أن الخضر نبيء عليه السلام وأنه كان موحىً إليه بما أوحي، لقوله ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ ، وأنه قد انقضى خبره بعد تلك الأحوال التي قصّت في هذه السورة، وأنه قد لحقه الموت الذي يلحق البشر في أقصى غاية من الأجل يمكن أن تفرض، وأن يحمل ما يعْزى إليه من بعض الصوفية الموسومين بالصدق أنه محوك على نسج الرمز المعتاد لديهم، أو على غشاوة الخيال التي قد تخيم عليهم.

فكونوا على حذر ممن يقول: أخبرني الخَضر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وجَدَ الخَضِرُ غِلْمانًا يَلْعَبُونَ فَأخَذَ غُلامًا ظَرِيفًا فَأضْجَعَهُ وذَبَحَهُ، وقِيلَ كانَ الغُلامُ سُداسِيًّا وقِيلَ أنَّهُ أرادَ بِالسُّداسِيِّ ابْنَ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ بَلْ أرادَ أنَّ طُولَهُ سِتَّةُ أشْبارٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: وكانَ الغُلامُ لِصًّا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ قَرْيَةِ أبِيهِ وقَرْيَةِ أُمِّهِ فَيَنْصُرُهُ أهْلُ القَرْيَتَيْنِ ويَمْنَعُونَ مِنهُ.

قالَ قَتادَةُ: فَرِحَ بِهِ أبَواهُ حِينَ وُلِدَ، وحَزِنا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، ولَوْ بَقِيَ كانَ فِيهِ هَلاكُهُما.

قِيلَ كانَ اسْمُ الغُلامِ جَيْسُورَ.

قالَ مُقاتِلٌ وكانَ اسْمُ أبِيهِ كازِيرَ، واسْمُ أُمِّهِ سَهْوى.

﴿ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: عَلِمَ الخَضِرُ أنَّ الغُلامَ يُرْهِقُ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا لِأنَّ الغُلامَ كانَ كافِرًا قالَ قَتادَةُ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالخَشْيَةِ.

الثّانِي: مَعْناهُ فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا، فَعَبَّرَ عَنِ الخَوْفِ بِالخَشْيَةِ قالَ مُقاتِلٌ: في قِراءَةِ أُبَيٍّ فَخافَ رَبُّكَ والخَوْفُ ها هُنا اسْتِعارَةٌ لِانْتِفائِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: وكَرِهَ الخَضِرُ أنْ يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ بِطُغْيانِهِ وكُفْرِهِ إثْمًا وظُلْمًا فَصارَ في الخَشْيَةِ ها هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها العِلْمُ.

الثّانِي: أنَّها الخَوْفُ.

الثّالِثُ: الكَراهَةُ.

وَفي ﴿ يُرْهِقَهُما ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَكْفُلُهُما، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: يَحْمِلُهُما عَلى الرَّهَقِ وهو الجَهْدُ.

﴿ فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خَيْرًا مِنهُ إسْلامًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: خَيْرًا مِنهُ عِلْمًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: خَيْرًا مِنهُ ولَدًا.

وَكانَتْ أُمُّهُ حُبْلى فَوَلَدَتْ، وفي الَّذِي ولَدَتْهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ولَدَتْ غُلامًا صالِحًا مُسْلِمًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: ولَدَتْ جارِيَةً تَزَوَّجَها نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ.

﴿ وَأقْرَبَ رُحْمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أكْثَرَ بِرًّا بِوالِدَيْهِ مِنَ المَقْتُولِ، قالَهُ قَتادَةُ، وجَعَلَ الرَّحِمَ البِرَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: طَرِيدٌ تَلافاهُ يَزِيدُ بِرَحْمَةٍ فَلَمْ يَلْفَ مِن نَعْمائِهِ يَتَعَذَّرُ الثّانِي: أعْجَلُ نَفْعًا وتَعَطُّفًا، قالَ أبُو يُونُسَ النَّحْوِيُّ: وجَعَلَ الرَّحِمَ المَنفَعَةَ والتَّعَطُّفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ∗∗∗ ومِنها اللِّينُ والرَّحِمُ الثّالِثُ: أقْرَبُ أنْ يُرْحَما بِهِ، والرَّحِمُ الرَّحْمَةُ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ أحْنى وأرْحَمُ مِن أُمٍّ بِواحِدِها ∗∗∗ رُحْمًا وأشْجَعُ مِن ذِي لِبْدَةٍ ضارِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن عساكر من طريق ابن سمعان، عن مجاهد قال: كان ابن عباس يقول في هذه الآية ﴿ وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ﴾ يقول: لا أنفك ولا أزال ﴿ حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ يقول: ملتقى البحرين ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ يقول: أو أمضي سبعين خريفاً ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ يقول: بين البحرين ﴿ نسيا حوتهما ﴾ يقول: ذهب منهما وأخطأهما، وكان حوتاً مليحاً معهما يحملانه فوثب من المكتل إلى الماء فكان ﴿ سبيله في البحر سرباً ﴾ فأنسى الشيطان فتى موسى أن يذكره، وكان فتى موسى يوشع بن نون ﴿ واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ يقول: موسى عجب من أثر الحوت ودوراته التي غار فيها ﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ قول موسى: فذاك حيث أخبرت أني أجد الخضر حيث يفارقني الحوت ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ يقول: اتبع موسى ويوشع أثر الحوت في البحر وهم راجعان على ساحل البحر ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ يقول: فوجدا خضراً ﴿ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً ﴾ قال الله تعالى: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ [ يوسف: 76] فصحب موسى الخضر وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدوّ الله!...

حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟

فقال: أنا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن لي عبداً بمجمع البحرين وهو أعلم منك.

قال موسى: يا رب، كيف لي به؟

قال: تأخذ معك حوتاً تجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَم.

فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال: فكان للحوت سرباً، ولموسى ولفتاه عجباً.

فقال موسى ﴿ ذلك ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصاً ﴾ قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش.

قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش.

قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟

قال: أنا موسى.

قال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نَعَم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلَمُهُ أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه.

فقال موسى ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ فقال له الخضر ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا ﴾ يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلَهَا؟.

﴿ لقد جئت شيئاً إمْرَا ﴾ فقال: ﴿ ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسياناً، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى: ﴿ أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ قال: وهذه أشد من الأولى ﴿ قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ قال: مائل، فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ فقال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما» .

قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ ﴿ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ وكان يقرأ ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر، عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني.

قلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل.

قال: كذب عدوّ الله، حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟

قال: لا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى.

قيل: بلى.

قال: أي رب، فأين؟

قال: بمجمع البحرين.

قال: أي رب، اجعل لي علماً أعلم به ذلك.

قال: خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت.

قال: ما كلفت كثيراً.

قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه.

حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.

وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر.

قال موسى ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر، مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام...

من أنت؟

قال: أنا موسى.

قال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نعم.

قال: فما شأنك؟

قال: جئت لتعلمني مما علمت رشداً.

قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟

إن لي علماً لا ينبغي أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أعلمه.

فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر.

حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتداً.

قال موسى ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمْراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ كانت الأولى نسياناً والوسطى والثالثة عمداً ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ﴾ ووجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿ أقتلت نفساً زكية ﴾ لم تعمل الحنث.

قال ابن عباس قرأها: ﴿ زكية ﴾ زاكية مسلمة، كقولك: غلاماً زكياً.

﴿ فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه ﴾ قال: بيده هكذا، ورفع يده فاستقام ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ قال: أجراً تأكله ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ قرأها ابن عباس ﴿ وكان أمامهم ملك ﴾ يزعمون مدد بن ندد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور ﴿ ملك يأخذ كل سفينة ﴾ صالحة ﴿ غصباً ﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول سدوها بالقار ﴿ فكان أبواه مؤمنين ﴾ وكان كافراً ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً ﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر.

وزعم غير سعيد أنهما أُبْدِلا جارية» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده، فقال القوم: إن نوفاً الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل، فكان ابن عباس متكئاً فاستوى جالساً فقال: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، لرأى من صاحبه عجباً» .

قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبياً من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: «رحمة الله علينا وعلى صالح، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد، ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم، إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني.

فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزوّد حوتاً مالحاً فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزوّد حوتاً مالحاً فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته.

فأنساه الشيطان، فانطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به، فقال موسى: ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال فتاه: يا نبي الله ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ﴾ أن أحدثك ﴿ وما أَنْسَانِيهُ إلا الشيطان ﴾ ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ ﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ فرجعا ﴿ على آثارهما قصصاً ﴾ يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه، فرفع رأسه فقال له: من أنت؟

قال: موسى.

قال: من موسى؟

قال: موسى بني إسرائيل.

قال: فما لك؟

قال: أخبرت أن عندك علماً فأردت أن أصحبك ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ ﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ ﴿ قال كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ قال: قد أمرت أن أفعله ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة ﴾ فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها ﴿ لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ فانطلقا، حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه، فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال: ﴿ أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى أتيا أهل قرية ﴾ وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه ﴾ قال له موسى مما نزل به من الجهد ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها.

وأما الغلام، فإنه كان طبع يوم طبع كافراً، وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئاً لأرهقهما طغياناً وكفراً، فأراد ربك أن يبدلهما ﴿ خيراً منه زكاة وأقرب رحماً ﴾ فوقع أبوه على أمه فعلقت خيراً منه زكاة وأقرب رحماً» .

وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس- وعنده نفر من أهل الكتاب- فقال بعضهم: إن نوفاً يزعم عن أبي بن كعب، أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف...

حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني.

قال: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، فنعت له مكانه فأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك.

فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، ماء الحياة من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي.

فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ فانطلقا ﴿ فلما جاوزا قال ﴾ موسى ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال الفتى وذكر ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسىعليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك؟

إن كان لك في قومك لشغل؟

قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً.

﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وكان رجلاً يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى.

قال: ﴿ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ أي أن ما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم؟

﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ وإن رأيت ما يخالفني ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها، أخرج منقاراً له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى- ورأى أمراً أفظع به- ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ أي بما تركت من عهدك ﴿ ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية، فإذا غلمان يلعبون...

فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه، فأخذ بيده وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، فرآى موسى عليه السلام أمراً فظيعاً لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له...

﴿ قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس ﴾ أي صغيرة ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً ﴾ أي قد عذرت في شأني ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر، فقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا، واستضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة؟

ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عملك.

﴿ قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ﴾ صالحة ﴿ غصباً ﴾ - في قراءة أبي بن كعب ﴿ كل سفينة صالحة ﴾ وإنما عيبها لطرده عنها فَسَلِمَتْ منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً.

فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً.

وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علماً» .

وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام موسى خطيباً لبني إسرائيل فأبلغ في الخطبة، وعرض في نفسه أن أحداً لم يؤت من العلم ما أوتي، وعَلِمَ الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: «يا موسى، إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك.

قال: فادللني عليه حتى أتعلم منه.

قال: يدلك عليه بعض زادك» .

فقال لفتاه يوشع ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً ﴾ قال: فكان فيما تزوداه حوت مملوح وكانا يصيبان منه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل على ساحل البحر فأصاب الحوت ندى الماء فتحرك في المكتل فقلب المكتل وأسرب في البحر، فلما جاوز أحضر الغداء فقال: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ فذكر الفتى ﴿ قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ فذكر موسى ما كان عهد إليه، إنه يدلك عليه بعض زادك.

﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ أي هذه حاجتنا ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل، فأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر العرب ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمت رشداً ﴾ فأقر له بالعلم ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ يقول: حتى أكون أنا أحدث ذلك لك ﴿ فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلَهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً ﴾ على ساحل البحر في غلمان يلعبون، فعهد إلى أجودهم وأصبحهم ﴿ فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ .

قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاستحى نبي الله موسى عند ذلك فقال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلَهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ قال: وهي في قراءة أبي بن كعب ﴿ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ فأردت أن أعيبها حتى لا يأخذها الملك، فإذا جاوزوا الملك رقعوها فانتفعوا بها وبقيت لهم ﴿ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ قال: فجاء طائر هذه الحمرة فبلغ فجعل بغمس منقاره في البحر، فقال له: يا موسى، ما يقول هذا الطائر؟

قال: لا أدري.

قال: هذا يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا كما أنقص بمنقاري من جميع ما في هذا البحر» .

وأخرج الروياني وابن عساكر من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينما موسى عليه السلام يذكر بني إسرائيل، إذ حدث نفسه أنه ليس أحد من الناس أعلم منه، فأوحى الله إليه: «إني قد علمت ما حدثت به نفسك، فإن من عبادي رجلاً أعلم منك...

يكون على ساحل البحر فأته فتعلم منه واعلم أن الآية الدالة لك على مكانه زادك الذي تزوّد به، فأينما فقدته فهناك مكانه» .

ثم خرج موسى وفتاه قد حملا حوتاً مالحاً في مكتل وخرجا يمشيان لا يجدان لغوبا ولا عنتاً، حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضر، فمضى موسى وجلس فتاه فشرب منها فوثب الحوت من المكتل حتى وقع في الطين، ثم جرى فيه حتى وقع في البحر.

فذلك قوله تعالى: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ فانطلق حتى لحق موسى، فلما لحقه أدركه العياء فجلس وقال لفتاه ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: ففقد الحوت فقال: ﴿ إني نسيت الحوت ﴾ الآية.

يعني فتى موسى ﴿ اتخذ سبيله في البحر عجباً قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ إلى ﴿ قصَصَا ﴾ فانتهيا إلى الصخرة فأطاف بها موسى فلم ير شيئاً، ثم صعد فإذا على ظهرها رجل متلفف بكسائه نائم، فسلم عليه موسى، فرفع رأسه فقال: أنى السلام بهذا المكان...

من أنت؟

قال: موسى بني إسرائيل.

قال: فما كان لك في قومك شغل عني؟

قال: إني أمرت بك.

فقال الخضر: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ ﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ﴾ الآية.

﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر، فإذا قوم قد ركبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر ركبوا معهم، فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضر حديدة كانت معه فخرق بها السفينة ﴿ قال أخرقتها لتغرق أَهْلَهَا ﴾ الآية.

﴿ قال ألم أقل ﴾ الآية.

﴿ قال لا تؤاخذني ﴾ الآية.

﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ فوجدا صبياناً يلعبون يريدون القرية، فأخذ الخضر غلاماً منهم وهو أحسنهم وألطفهم فقتله قال له موسى: ﴿ أقتلت نفساً زكية ﴾ الآية.

﴿ قال ألم أقل لَكَ ﴾ الآية.

﴿ قال إن سألتك ﴾ الآية.

فانطلقا حتى انتهيا إلى قرية لئام وبهما جهد فاستطعموهم فلم يطعموهم، فرأى الجدار مائلاً فمسحه الخضر بيده فاستوى، فقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا، لو سألتهم عليه أجراً أعطوك فنتعشى به ﴿ قال هذا فراق بيني وبينك ﴾ قال: فأخذ موسى بثوبه فقال: أنشدك الصحبة، إلا أخبرتني عن تأويل ما رأيت؟

قال: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ الآية.

خرقتها لأعيبها فلم تؤخذ فأصلحها أهلها فامتنعوا بها، وأما الغلام، فإن الله جعله كافراً وكان أبواه مؤمنين، فلو عاش لأرهقهما ﴿ طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه بمصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل الله: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [ إبراهيم: 5] فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعم، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض وقال: كلم الله موسى نبيكم تكليماً واصطفاني لنفسه وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم من كل شيء سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرون اليوم.

فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا عرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: فهل على الأرض أعلم منك يا نبي الله؟

قال: لا.

فبعث الله جبريل إلى موسى فقال: إن الله يقول: «وما يدريك أين أضع علمي؟...

بلى على ساحل البحر رجل أعلم» .

قال ابن عباس: هو الخضر.

فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى الله إليه: أن ائت البحر فإنك تجد على ساحل البحر حوتاً ميتاً فخذه فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وذهب منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب.

فلما طال صعود موسى ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت: ﴿ قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ لك.

قال الفتى.

لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا، فأعجب ذلك فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلّم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام...

وأنى يكون هذا السلام بهذا الأرض...

ومن أنت؟

قال: أنا موسى.

فقال له الخضر: أصاحب بني إسرائيل؟

فرحب به وقال: ما جاء بك؟

قال: جئتك ﴿ على أن تعلمني مما علمت رشداً قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ يقول: لا تطيق ذلك.

قال موسى: ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ فانطلق به وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه.

فذلك قوله: ﴿ حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب وابن عساكر من طريق هرون بن عنترة، عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه فقال: «رب، أي عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأي عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأيّ عبادك أعلم؟

قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى.

قال: وقد كان حدث موسى نفسه أنه ليس أحد أعلم منه.

قال: رب، فهل أحد أعلم مني؟

قال: نعم.

قال: فأين هو؟

قيل له: عند الصخرة التي عندها العين» .

فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني.

قال: إنك لن تطيق صحبتي.

قال: بلى.

قال: فإن صحبتني ﴿ فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في البحر مكان أكثر ماء منه.

قال: وبعث الله الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ بمنقاره من الماء؟

قال: ما أقل ما رزأ...

قال: فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء.

وذكر تمام الحديث في خرق السفينة وقتل الغلام وإصلاح الجدار، فكان قول موسى في الجدار لنفسه شيئاً من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز وجل.

وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال.

وأخرج البخاري وأحمد والترمذي وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي الخضر خضراً؛ لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن مجاهد قال: إنما سمي الخضر، لأنه إذا صلى اخضر ما حوله.

وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: حدثنا أصحابنا أن آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني، إن الله سينزل على أهل الأرض عذاباً، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوني وادفنوني بأرض الشام.

فكان جسده معهم، فلما بعث الله نوحاً ضم ذلك الجسد وأرسل الله الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زماناً، فجاء نوح حتى نزل وأوصى بنيه الثلاثة- وهم سام وحام ويافث- أن يذهبوا بجسده إلى الغار الذي أمرهم أن يدفنوه به.

فقالوا: الأرض وحشية لا أنيس بها ولا نهتدي لطريق، ولكن كفّ حتى يعظم الناس ويكثروا.

فقال لهم نوح: إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة.

فلم يزل جسد آدم حتى جاء الخضر عليه السلام هو الذي تولى دفنه، فأنجز الله له ما وعده فهو يحيا ما شاء الله أن يحيا.

وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب: «أن الخضر عليه السلام أمه رومية وأبوه فارسي» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما لقي موسى الخضر، جاء طير فألقى منقاره في الماء، فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطائر؟

قال: وما يقول: قال: يقول: ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء» .

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي والبزار وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبزار، عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مضمن، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل.

لا إله إلا الله...

محمد رسول الله.

وأخرج الشيرازي في الألقاب عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان اللوح الذي ذكر الله تعالى في كتابه ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ حجراً منقوراً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعلم أن القدر حق كيف يحزن؟!.

..

وعجباً لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح؟!...

وعجباً لمن يرى الدنيا وغرورها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟!

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وأخرج الخرائطي في قمع الحرص وابن عساكر من طريق أبي حازم، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعرف الموت كيف يفرح...

وعجباً لمن يعرف النار كيف يضحك...

وعجباً لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها...؟!

وعجباً لمن أيقن بالقضاء والقدر كيف ينصب في طلب الرزق...

وعجباً لمن يؤمن بالحساب كيف يعمل الخطايا...

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وأخرج ابن مردويه عن علي، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمداً رسول الله، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن...

عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح...

عجبت لمن تفكر في تقلب الليل والنهار ويأمن فجأتهما حالاً فحالاً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: ما كان ذهباً ولا فضة، كان صحفاً عليها.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب في قول الله عز وجل: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: كان لوح من ذهب مكتوب فيه: لا إله الله إلا الله محمد رسول الله...

عجباً لمن يذكر أن الموت حق كيف يفرح...

!

وعجباً لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك...

!

وعجباً لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن...

!

وعجباً لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالاً بعد حال كيف يطمئن إليها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ قال: كان يؤدي الأمانات والودائع إلى أهلها.

وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ قال: حفظ الصلاح لأبيهما وما ذكر عنهما صلاحاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية.

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» .

وأخرجه ابن المبارك وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر موقوفاً.

وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قال: إن الله يخلف العبد المؤمن في ولده ثمانين عاماً.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: بينما موسى يخاطب الخضر يقول: ألست نبي بني إسرائيل؟

فقد أوتيت من العلم ما تكتفي به، وموسى يقول له: إني قد أمرت باتباعك.

والخضر يقول: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ فبينما هو يخاطبه إذ جاء عصفور فوقع على شاطئ البحر.

فنقر منه نقرة ثم طار فذهب، فقال الخضر لموسى: يا موسى، هل رأيت الطير أصاب من البحر؟

قال: نعم.

قال: ما أصبتُ أنا وأنت من العلم في علم الله، إلا بمنزلة ما أصاب هذا الطير من هذا البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ قال: حتى إنتهي.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: بحر فارس والروم، هما بحر المشرق والمغرب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: أفريقية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: طنجة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: الكر والرس، حيث يصبان في البحر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ قال: دهراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ قال: سبعين خريفاً.

وفي قوله: ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ قال: بين البحرين ﴿ نسيا حوتهما ﴾ قال: أضلاه في البحر ﴿ فاتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال: موسى يعجب من أثر الحوت ودوراته التي غاب فيها ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ قال: اتباع موسى وفتاه أثر الحوت حيث يشق البحر راجعين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نسيا حوتهما ﴾ قال: كان مملوحاً مشقوق البطن.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: أثره يابس في البحر كأنه حجر.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما انجاب ماء منذ كان الناس، غير بيت ماء الحوت دخل منه صار منجاباً كالكرة، حتى رجع إليه موسى فرأى إمساكه قال: ﴿ ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ أي، يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوت» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: جاء فرأى جناحيه في الطين حين وقع في الماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: دخل الحوت في البطحاء بعد موته حين أحياه الله، ثم اتخذ فيها سرباً حتى وصل إلى البحر.

والسرب، طريق حتى وصل إلى الماء وهي بطحاء يابسة في البر، بعدما أكل منه دهراً طويلاً وهو زاده، ثم أحياه الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أن موسى عليه السلام شق الحوت وملحه وتغدى منه وتعشى، فلما كان من الغد ﴿ قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال في قراءة أُبي ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكر له ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: أتى الحوت على عين في البحر يقال لها عين الحياة، فلما أصاب تلك العين ردّ الله إليه روحه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ قال: عودهما على بدئهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ قال: لقيا رجلاً عالماً يقال له خضر.

وأخرج ابن عساكر عن أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «شممت ليلة أسري بي رائحة طيبة فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟

قال: ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها، وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره براهب في صومعته فيطلع عليه الراهب فيعلمه الإسلام، وأخذ عليه أن لا يعلمه أحداً.

ثم إن أباه زوجه امرأة فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، وكان لا يقرب النساء، ثم زوجه أخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، ثم طلقها فأفشت عليه إحداهما وكتمت الأخرى، فخرج هارباً حتى أتى جزيرة في البحر، فرآه رجلان فأفشى عليه أحدهما وكتم الآخر.

فقيل له: ومن رآه معك؟

قال: فلان.

وكان في دينهم أن من كذب قتل، فسئل فكتم، فقتل الذي أفشى عليه ثم تزوج الكاتم عليه المرأة الماشطة، فبينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس فرعون.

فأخبرت الجارية أباها فأرسل إلى المرأة وابنيها وزوجها فأرادهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا، فقال: إني قاتلكم.

قال: أحببنا منك إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد.

فقتلهم وجعلهم في قبر واحد» .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شممت رائحة أطيب منها وقد دخلت الجنة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إنما سمي الخضر، لأنه كان إذا جلس في مكان اخْضَرّ ما حوله وكانت ثيابه خضراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آتيناه رحمة من عندنا ﴾ قال: أعطيناه الهدى والنبوة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: إنما سمي الخضر، لأنه إذا قام في مكان نبت العشب تحت رجليه حتى يغطي قدميه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ركبا في السفينة ﴾ قال: إنما كانت معبراً في ماء الكر فرسخ في فرسخ.

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ ليغرق أهلها ﴾ بالياء.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ يقول: منكراً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ يقول: منكراً.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ قال: عجباً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ قال: عظيماً.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ قال: لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية ومن طريق حماد بن زيد، عن شعيب بن الحجاب قالا: كان الخضر عبداً لا تراه الأعين، إلا من أراد الله أن يريه إياه فلم يريه من القوم إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام.

قال حماد: وكانوا يرون أن موت الفجأة من ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله: ﴿ لقيا غلاماً ﴾ قال: كان غلاماً ابن عشرين سنة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: لما قتل الخضر الغلام، ذعر موسى ذعرة منكرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: تائبة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ قتلت نفساً زكية ﴾ قال سعيد: زكية مسلمة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: لم تبلغ الخطايا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية أنه كان يقرأ ﴿ زكية ﴾ يقول: تائبة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: تائبة.

يعني صبياً لم يبلغ.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً ﴾ قال: النكر أنكر من العجب.

وأخرج أحمد عن عطاء قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن جرير قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان، ويقول في كتابه: إن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد.

قال يزيد: أنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي إلى نجدة أنك كتبت تسأل عن قتل الولدان وتقول في كتابك أن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، ولو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم من ذلك الوليد، قتلته ولكنك لا تعلم...

قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم فاعتزلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن أبي مليكة قال: سئل ابن عباس عن الولدان في الجنة قال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر.

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن مردويه، عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، ولو أدرك لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً» .

وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» .

وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها ﴾ مهموزتين.

وأخرج أبو داود والترمذي وعبدالله بن أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ من لدني عذراً ﴾ مثقلة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن السدي في قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ قال: كانت القرية تسمى باجروان كان أهلها لئاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: أتيا الإبلة وهي أبعد أرض الله من السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ : قال: هي أبرقة.

قال: وحدثني رجل أنها أنطاكية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى قال: بلغني أن المسألة للمحتاج حسنة، ألا تسمع أن موسى وصاحبه استطعما أهلها؟

وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ مشددة.

وأخرج الديلمي عن أبي بن كعب رفعه في قوله: ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ قال: كانوا أهل قرية لئاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يريد أن ينقض ﴾ قال: يسقط.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ فهدمه ثم قعد يبنيه.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأقامه ﴾ قال: رفع الجدار بيده فاستقام.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال: في حرف عبد الله ﴿ لو شئت لتخذت عليه أجراً ﴾ .

وأخرج البغوي في معجمه وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لو شئت لتخذت عليه أجراً ﴾ مخففة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن كعب القرظي قال: قال عمر بن الخطاب ورسول الله يحدثهم بهذا الحديث حتى فرغ من القصة: «يرحم الله موسى، وددنا أنه لو صبر حتى يقص علينا من حديثهما» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى- فبدأ بنفسه- لو كان صبر لقص علينا من خبره، ولكن قال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ قال: أخرقها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: ﴿ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت تقرأ في الحرف الأول ﴿ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ قال: وكان لا يأخذ إلا خيار السفن.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي الزاهرية قال: كتب عثمان ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الغلام الذي قتله الخضر جيسور.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: في حرف أبي ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فخشينا ﴾ قال: فأشفقنا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: هي في مصحف عبد الله ﴿ فخاف ربك أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ قال: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر في الآية قال: لو بقي كان فيه بوارهما واستئصالهما.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قتادة قال: قال مطرف بن الشخير: إنا لنعلم أنهما قد فرحا به يوم ولد وحزنا عليه يوم قتل، ولو عاش لكان فيه هلاكهما.

فرضي رجل بما قسم الله له، فإن قضاء الله للمؤمن خير من قضائه لنفسه، وقضاء الله لك فيما تكره خير من قضائه لك فيما تحب.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ خيراً منه زكاة ﴾ قال: إسلاماً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله: ﴿ خيراً منه زكاة ﴾ قال: ديناً ﴿ وأقرب رحماً ﴾ قال: مودة.

فأبدلا جارية ولدت نبياً.

وأخرج ابن المنذر من طريق بسطام بن جميل، عن عمر بن يوسف في الآية قال: أبدلهما جارية مكان الغلام ولدت نبيين.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: كان كنز لمن قبلنا وحرم علينا، وحرمت الغنيمة على ما كان قبلنا وأحلت لنا، فلا تعجبن للرجل يقول: ما شأن الكنز أحل لمن قبلنا وحرم علينا؟

فإن الله يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء، وهي السنن والفرائض...

تحل لأمة وتحرم على أخرى.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم، عن خيثمة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: طوبى لذرية مؤمن، ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده.

وتلا خيثمة ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: إن الله يصلح بالعبد الصالح القبيل من الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق شيبة، عن سليمان بن سليم بن سلمة قال: مكتوب في التوراة «إن الله ليحفظ القرن إلى القرن إلى سبعة قرون، وإن الله يهلك القرن إلى القرن إلى سبعة قرون» .

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: إن الرب تبارك وتعالى قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: «إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت وليس لبركتي ناهية، وإذا عصيت غضبت ولعنتي تبلغ السابع من الولد» .

وأخرج أحمد عن وهب قال: يقول الله: «اتقوا غضبي فإن غضبي يدرك إلى ثلاثة آباء، وأحبوا رضاي فإن رضاي يدرك في الأمة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ قال: كان عبداً مأموراً مضى لأمر الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: قال موسى لفتاه يوشع بن نون ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ فاصطادا حوتاً فاتخذاه زاداً وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها، فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت، ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ يعني جهداً في السير.

قال الفتى لموسى: ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ .

قال: فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب، أن موسى دعا ربه فسأله ومعه ماء عذب في سقاء، فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجراً أبيض أجوف، فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف: هل يرى ذلك الرجل؟

حتى كاد يسيء الظن، ثم رآه فقال: السلام عليك يا خضر.

قال: عليك السلام يا موسى.

قال: من حدثك أني أنا موسى...

قال: حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر.

قال: إني أريد أن أصحبك ﴿ على أن تعلمني مما علمت رشداً ﴾ وأنه تقدم إليه فنصحه فقال: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا، فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ إن عجلت عليّ في ثلاث فذلك حين أفارقك.

فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة، فناداهم خضر: يا أصحاب السفينة، هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم، وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالاً في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصاً فلا تحملهم.

فقال صاحب السفينة: إني أرى رجالاً على وجوههم النور، لأحملنهم.

فقال الخضر: بكم حملت هؤلاء؟

كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف.

فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض- وقد أمر صاحب القرية: إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس بها عيب فائتوني بها- وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيباً لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء، وإن موسى امتلأ غضباً ﴿ قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر، فقال: أردت هلاكهم فتعلّم أنك أول هالك: فجعل موسى كلما ازداد غضباً استقر البحر، وكلما سكن كان البحر كالدهر، وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك؟

وإن الخضر أقبل عليه ﴿ قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ فلما انتهوا إلى القرية قال خضر: ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق، وأن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال: إنما أردت الذي هو خير لك، فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت.

ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب، عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله ﴿ قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس ﴾ إلى قوله: ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وإن خضراً أقبل عليه فقال: قد وفيت لك بما جعلت على نفسي ﴿ هذا فراق بيني وبينك ﴾ ﴿ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ﴾ فكان لا يغضب أحداً إلا دعا عليه وعلى أبويه، فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيراً منه وأبرّ بوالديه ﴿ وأقرب رحماً ﴾ .

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ﴾ فسمعنا أن ذلك الكنز كان علماً فورثا ذلك العلم.

وأخرج ابن جرير من طريق الحسن بن عمارة عن أبيه قال: قيل لابن عباس: لم نسمع- يعني موسى- يذكر من حديث فتاه وقد كان معه.

فقال ابن عباس: فيما يذكر من حديث الفتى قال: شرب الفتى من الماء فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة.

وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه.

قال ابن كثير الحسن متروك وأبوه غير معروف.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن يوسف بن أسباط قال: بلغني أن الخضر قال لموسى لما أراد أن يفارقه: يا موسى، تعلم العلم لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به.

وبلغني أن موسى قال للخضر: ادع لي.

فقال الخضر: يسر الله عليك طاعته.

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: قال الخضر لموسى حين لقيه: يا موسى، انزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، والزم بيتك وابك على خطيئتك.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر، عن أبي عبد الله- أظنه الملطي- قال: أراد موسى أن يفارق الخضر، فقال له موسى: أوصني.

قال: كن نفّاعاً ولا تكن ضراراً، كن بشاشاً ولا تكن غضباناً، ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تُعَيِّرُ امرأً بخطيئته وابك على خطيئتك يا ابن عمران.

وأخرج ابن عساكر عن وهب، أن الخضر قال لموسى: يا موسى، إن الناس يعذبون في الدنيا على قدر همومهم.

وأخرج العقيلي عن كعب قال: الخضر على منبر بين البحر الأعلى والبحر الأسفل، وقد أمرت دواب البحر أن تسمع له وتطيع وتعرض عليه الأرواح غدوة وعشية.

وأخرج ابن شاهين عن خصيف قال: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في السماء عيسى وإدريس.

وإثنان في الأرض، الخضر وإلياس.

فأما الخضر، فإنه في البحر.

وأما صاحبه فإنه في البر.

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: بينا أنا أطوف، إذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا مَنْ لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك، قلت: يا عبد الله، أعد الكلام.

قال: وسمعته؟

قلت: نعم.

قال: والذي نفس الخضر بيده:- وكان هو الخضر- لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة، إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج وعدد المطر وورق الشجر.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية، عن كعب الأحبار قال: إن الخضر بن عاميل ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ الهند- وهو بحر الصين- فقال لأصحابه: يا أصحابي، أدلوني.

فدلوه في البحر أياماً وليالي ثم صعد، فقالوا له: يا خضر، ما رأيت؟

فلقد أكرمك الله وحفظ لك نفسك في لجة هذا البحر.

فقال: استقبلني ملك من الملائكة فقال لي: أيها الآدمي الخطاء إلى أين؟

ومن أين؟

فقلت: إني أردت أن أنظر عمق هذا البحر.

فقال لي: كيف وقد أهوى رجل من زمان داود عليه السلام لم يبلغ ثلث قعره حتى الساعة، وذلك منذ ثلثمائة سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن بقية قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت أن آخر كلمة أوصى بها الخضر موسى حين فارقه: إياك أن تعير مسيئاً بإساءته فتبتلى.

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أسامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «ألا أحدثكم عن الخضر؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل، أبصره رجل مكاتب فقال: تصدق عليّ بارك الله فيك.

فقال الخضر: آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه.

فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي، فإني نظرت السماحة في وجهك ووجدت البركة عندك.

فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني.

فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟!

قال: نعم.

الحق أقول، لقد سألتني بأمر عظيم: أما أني لا أخيبك بوجه ربي تعالى.

فقدّمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء.

فقال له: إنك إنما ابتعتني التماس خير عندي، فأوصني أعمل بعمل.

قال: أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير ضعيف.

قال: ليس يشق عليّ قال: فقم فانقل هذه الحجارة.

وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فخرج الرجل لبعض حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة، فقال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه، ثم عرض للرجل سفرة فقال: إني احتسبتك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة.

قال: فأوصني بعمل.

قال: إني أكره أن أشق عليك.

قال: ليس يشق عليّ قال: فاضرب من اللبن لنبني حتى أقدم عليك، فمر الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه، فقال: أسألك بوجه الله، ما سبيلك وما أمرك؟

فقال: سألتني بوجه الله ووجه الله أوقعني في العبودية، أنا الخضر الذي سمعت به...

سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله فأمكنته من نفسي فباعني.

فأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر، وقف يوم القيامة جلدة ولا لحم له ولا عظم ليتقصع.

فقال الرجل: آمنت بالله!...

شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم.

فقال: لا بأس، أحسنت وأتقنت.

فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أخيّرك فأخلي سبيلك.

فقال: أحب أن تخلي سبيلي أعبد ربي.

فخلّى سبيله فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن الحجاج بن فرافصة، أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد الله بن عمر، فكان أحدهما يكثر الحلف، فبينما هو كذلك إذ مرّ عليهما رجل فقام عليهما فقال للذي يكثر الحلف: مه يا عبد الله، اتق الله ولا تكثر الحلف فإنه لا يزيد في رزقك ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف.

قال: امض لما يعنيك.

قال: ذا مما يعنيني- قالها ثلاث مرات وردّ عليه قوله- فلما أراد أن ينصرف قال: اعلم أن من آية الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، ولا يكن في قولك فضل على فضلك.

ثم انصرف فقال عبد الله بن عمر: الحقه فاستكتبه هذه الكلمات.

فقال: يا عبد الله، اكتبني هذه الكلمات يرحمك الله.

فقال الرجل: ما يقدر الله من أمر يكن فأعادهن عليه حتى حفظهن ثم شهده حتى وضع إحدى رجليه في المسجد، فما أدري أرض لفظته أو سماء اقتلعته، قال: كأنهم يرونه الخضر أو إلياس عليه السلام.

وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده بسندٍ واهٍ، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الخضر في البحر واليسع في البر، يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجان ويعتمران كل عام ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي رواد قال: إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل.

وأخرج العقيلي والدارقطني في الأفراد وابن عساكر، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله» .

قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات، أمنه الله من الغرق والحرق والسرق ومن الشياطين والسلطان والحية والعقرب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ﴾ الآية.

روى ابن عباس عن أبي بن كعب قال: (سمعت رسول الله -  - يقول: في قوله: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ﴾ قال: كان طبع يوم طبع كافرًا، وكان قد ألقى عليه محبة من أبويه) (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَخَشِينَا ﴾ قال الفراء (فعلمنا) (٣) (٤) (٥) ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ  ﴾ الآية.

وقال قطرب والأخفش: (معناه فكرهنا) (٦) قال أبو إسحاق: (الخشية من الله معناه الكراهة، ومعناها من الآدميين الخوف) (٧) (٨) ﴿ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا  ﴾ .

وقال قوم: (هذا من كلام الخضر، ولا يجوز أن يكون فخشينا عن الله بل الخضر -  - خشي أن يرهق الغلام أبويه طغيانًا وكفرا فلذلك قتله، قالوا: والدليل على أن هذا من كلام الخضر قوله تعالى: ﴿ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا ﴾ ولو كان من كلام الله لقال: فأردنا أن نبدلهما خيرًا منه ولم يعد ذكر الرب) (٩) ﴿ فَأَرَدْنَا ﴾ بمعنى فأراد الله، ولفظ الإخبار عن الله كذا أكثر من أن يحصى) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴾ أي: يغشيهما ويكلفهما، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا  ﴾ .

قال المفسرون: (خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه) (١١) (١٢) (١) سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.

(٢) "جامع البيان" 16/ 3 ذكره عن قتادة عن أبي، "معالم التنزيل" 5/ 194، "المحرر الوجيز" 9/ 381، "النكت والعيون" 3/ 334، "الدر المنثور" 4/ 430.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 157.

(٤) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.

انظر: "معالم التنزيل" 5/ 194، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "زاد المسير" 5/ 179.

(٥) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "معاني القرآن" للفراء 2/ 157، "البحر المحيط" 6/ 155.

(٦) "معاني القرآن" لأخفش 2/ 620.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 305.

(٨) ذكر نحوه مختصرًا "المحرر الوجيز" 9/ 381، "زاد المسير" 5/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "البحر المحيط" 6/ 155.

(٩) "المحرر الوجيز" 9/ 381، "الكشاف" 2/ 400، "زاد المسير" 5/ 179، "البحر المحيط" 6/ 155، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 305.

(١١) "معالم التنزيل" 15/ 194، "زاد المسير" 5/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "الدر المنثور" 4/ 430.

(١٢) ذكر نحوه المارودي في "تفسيره" 3/ 333، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 179، الألوسي في "روح المعاني" 16/ 11.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين ﴾ قيل: إنهم تجار، ولكنه قال فيهم: مساكين على وجه الإشفاق عليهم، لأنهم كانوا يُغصبون سفينتهم أو لكونهم في لجج البحر، وقيل: كانوا إخوة عشرة منهم خمسة عاملون بالسفينة، وخمسة ذوو عاهات لا قدرة لهم وقرئ مسّاكين بتشديد السين، أي يمسكون السفينة ﴿ وَكَانَ وَرَآءَهُم ﴾ قيل: معناه قدامهم، وقرأ ابن عباس أمامهم، وقال ابن عطية: إن وراءهم على بابه؛ ولكن روعي به الزمان فالوراء هو المستقبل والأمام هو الماضي ﴿ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾ عموم معناه الخصوص في الجياد والصحاح من السفن، ولذلك قرأ نقل صحيح، وفي الكلام تقديم وتأخير، لأن قوله: ﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ مؤخر في المعنى عن ذكر غصبها لأن خوف الغصب سبب في أنه عابها وإنما قُدم للعناية به.

﴿ وَأَمَّا الغلام ﴾ روي انه كان كافراً، وروي أنه كان يفسد في الأرض، ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا ﴾ المتكلم بذلك الخضر وقيل: إنه من كلام الله وتأويله على هذا فكرهنا، وقال ابن عطية: إنه من نحو ما وقع في القرن من عسى ولعل، وإنما هو في حق المخاطبين ومعنى: يرهقهما طغياناً وكفراً: يكلفهما ذلك، والمعنى أن يحملهما حبة على اتباعة أو يضر بهما لمخالطته مع مخالفته لهما ﴿ خَيْراً مِّنْهُ ﴾ أي غلاماً آخراً خيراً من الغلام المذكور المقتول ﴿ زكاوة ﴾ أي طهارة وفضيلة في دينه ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ أي رحمة وشفقة، فقيل: المعنى أن يرحمها، وقيل يرحمانه ﴿ لغلامين يَتِيمَيْنِ ﴾ اليتيم من فقد أبويه قبل البلوغ، وروي أن اسم الغلامين أصرم وصريم، واسم أبيهما كاشح وهذا يحتاج إلى صحة نقل ﴿ كَنزٌ لَّهُمَا ﴾ قيل مال عظيم، وقيل: كان علماً في صحف مدفونة، والأول أظهر ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا ﴾ قيل: إنه الأب السابع، وظاهر اللفظ أنه الأقرب ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ ﴾ أسند الإرادة هنا إلى الله لأنها في أمر مغيب مستأنف لا يعلم ما يكون منه إلا الله، وأسند الخضر إلى نفسه في قوله فأردت أن أعيبها لأنها لفظة عيب، فتأدب بأن لا يسندها إلى الله وذلك كقول إبراهيم عليه السلام ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 80] فأسند المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تأدباً، واختلف في قوله: فأردنا أن يبدلهما هل هو مسند إلى الضمير الخضر أو إلى الله، ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ هذا دليل على نبوّة الخضر، لأن المعنى أنه فعل بأمر الله أو بوحي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنسانيه ﴾ بضم الهاء حفص والمفضل، وقرأ عليّ بالإمالة مع كسر الهاء: ﴿ نبغي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب، وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.

الباقون بحذف الياء في الحالين اتباعاً لخط المصحف.

﴿ رشداً ﴾ بفتحتين: أبو عمرو ويعقوب.

بضمتين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ رشداً ﴾ بضم الراء وسكون الشين.

﴿ معي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ ستجدني إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ فلا تسألني ﴾ بنون التأكيد الثقيلة وإثبات الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

بحذف الياء: ابن مجاهد عن ابن ذكوان والأحسن إثباتها لأنه شاذ عن أهل الشام.

الآخرون بنون الوقاية وحذف الياء.

﴿ ليغرق أهلها ﴾ بياء الغيبة وفتحها مع فتح الراء ورفع الأهل: حمزة وعلي وخلق.

الباقون بتاء الخطاب مضمومة وكسر الراء من الإغراق وبنصب الأهل ﴿ زاكية ﴾ على "فاعله": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب.

الآخرون ﴿ زكية ﴾ على "فعيلة" ﴿ نكراً ﴾ بضمتين حيث كان: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وبان ذكوان وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ فلا تصحبني ﴾ من الصحبة: روح وزيد.

الآخرون من المصاحبة.

﴿ من لدني ﴾ خفيفاً: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد والمفضل.

﴿ يضيفوهما ﴾ من الإضافة: المفضل ﴿ لتخذت ﴾ من التخذ مدغماً: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ ابن كثير بالإظهار.

الباقون: ﴿ لاتخذت ﴾ من الاتخاذ.

وقرأ حفص والمفضل والأعشى والبرجمي مظهراً ﴿ يبدلهما ﴾ من التبديل وكذلك في سورة التحريم ونون والقلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الآخرون من الإبدال ﴿ رحماً ﴾ بضمتين: ابن عامر ويزيد وعباس وسهل ويعقوب.

الباقون بسكون الحاء.

الوقوف: ﴿ حقباً ﴾ ه ﴿ سرباً ﴾ ه ﴿ غداءنا ﴾ ز لانقطاع النظم مع صدق اتصال المعنى ﴿ نصباً ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ ز لتمام استفهام التعجب مع اتحاد الكلام وكون الواو حالاً ﴿ أن أذكره ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال في البحر وقفة.

قيل: عليه تم كلام يوشع ثم ابتدأ موسى فقال عجباً أي أعجب لذلك عجباً والوصل أجوز أي سبيلاً عجباً أو اتخاذاً ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ نبغ ﴾ قف قد قيل: لتمام قول أحدهما وابتداء فعلهما والوجه الوصل لعطف اللفظ وسرعة الرجوع على الفور ﴿ قصصاً ﴾ ه لا لاتصال النظم واتحاد الحال ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة لأن حتى إذا للابتداء ﴿ حرقها ﴾ ط ﴿ أهلها ﴾ ج لانقطاع النظم واتحاد القائل ﴿ إمراً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ عسراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة لما مر ﴿ فقتله ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ لغير نفس ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ فلا تصاحبني ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عذراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة ﴿ فأقامه ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ غصباً ﴾ ه ﴿ وكفراً ﴾ ، ج للعطف مع الآية ﴿ رحماً ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لما قلنا ﴿ من ربك ﴾ ج ﴿ عن أمري ﴾ ط ﴿ صبراً ﴾ ، لانقطاع القصة.

التفسير: هذه قصة أوردها الله  لتعين على المقاصد السابقة مع كونها مستقلة في الإفادة، أما نفعها في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا: إن أخبركم محمد عنها فهو نبي وإلا فلا، فذكر الله  قصة موسى والخضر تنبيهاً على أن النبي لا يلزم أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار.

وأما نفعها في الرد على كفار قريش حين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى  مع كثرة علمه وعلو منصبه واستجمام موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر وتواضع له لأجل طلب العلم فدل ذلك على أن التواضع خير من التكبر.

وأكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران صاحب التوارة والمعجزات.

وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يعقوب وهو قد كان نبياً قبل موسى بن عمران.

فقال ابن عباس: كذب عدو الله.

واحتج الأكثرون على صحة قولهم بأن موسى حيث أطلق في القرآن أريد به موسى بن عمران، فلو كان المراد ههنا شخصاً آخر لوجب تعريفه بحيث يتميز عن المشهور.

حجة الأقلين - وإليه ذهب جمهور اليهود - أن موسى بن عمران بعد أن خصه الله  بالمعجزات الظاهرة التي لم يتفق لمن قبله مثلها، يبعد أن يؤمر بالتعلم والاستفادة.

وأجيب بأن العالم الكامل في أكثر العلوم قد يجهل بعض المسائل فيحتاج في تعلمها إلى من يختص بعلمها.

أما فتى موسى فالأكثر على أنه يوشع بن نون، ويروى هذا القول عن سعد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي  .

وقيل: هو أخو يوشع وكان مصاحباً لموسى في السفر.

وعن الحسن: إنه أراد عبده ويؤيده ما روي أنه  قال: "ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي" .

قال أهل السير: إن موسى لما ظهر على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله فقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له: قد علمنا هذا فأيّ الناس أعلم؟

قال: أنا.

فعتب الله حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبد لي بمجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر  في أيام أفريدون قبل موسى  وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر.

وبقي إلى أيام موسى.

ويروى أن موسى سأل ربه أيّ عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأيّ عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأي عبادك أعلم؟

الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على الهوى أو تردّه عن ردى.

فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادلني عليه.

قال: أعلم منك الخضر.

قال: فأين أطلبه؟

قال: على الساحل عند الصخرة.

قال: يا رب كيف لي به؟

قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك.

فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان فرقد موسى  فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى  فقال: وأنى بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا.

فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر.

قلت: وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم الله غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.

ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار الله: ﴿ لا أبرح ﴾ بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله: ﴿ حتى أبلغ ﴾ غاية مضروبة فلا بد لها من ذي غاية.

فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ، وجوز أن يكون المعنى لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن ﴿ حتى أبلغ ﴾ هو الخبر، وحذف المضاف وهو السير وأقيم المضاف إليه - وهو ياء المتكلم - مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وجوز أيضاً أن يكون لا أبرح، بمعنى لا أزول من برح المكان، والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ ﴿ مجمع البحرين ﴾ يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس  ﴾ .

وقيل: أراد طنجة، وقيل أفريقية.

ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر لأنهما بحر العلم، وهذا مع غرابته مستبشع جداً لأن البحرين إذا كان هو موسى  فكيف يصح أن يقول: ﴿ حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ إذ يؤل حاصل المعنى إلى قولنا حتى أبلغ مكاناً يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ أسير زماناً طويلاً.

قال جار الله: الحقب بالضم ثمانون سنة.

ويقال: أكثر من ذلك.

وقيل: إنه  أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى: لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضي دهراً طويلاً حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى  بأنه وطن تحمل التعب الشديد إلى أن يلقاه، وفيه تنبيه على شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر، ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال.

﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ قال جمهور المفسرين: الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه لقاء الخضر.

ولا بد للبين من فائدة، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما امتد من البحرين طولاً.

والإضافة بمعنى "في" أي مجمعاً في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب  أولى منه بكلام موسى، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان يجتمعان هناك.

ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي وعد اجتماع شملهما هناك، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد التأكيد كقولهم "جد جده".

وهذه الوجوه مما لم أجدها في التفاسير، فإن كان صواباً فمن الله وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ نسيا حوتهما ﴾ لأنه  جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكن الخضر قيل: إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملوحة فطفرت وسارت.

وقيل: إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء.

وقيل: انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر.

ونسيان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة كانت أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها، هو أن يوشع كان قد تعود مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده.

وقيل: إن موسى  لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيهاً لموسى  ، على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على قلوب عباده.

وانتصاب قوله: ﴿ سرباً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلاً سرباً وهو بيت في الأرض، وذلك أن الله  أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوت فيه معجزة لموسى  وللخضر.

وقيل: السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سرباً إلا أنه أقيم قوله: ﴿ واتخذ سبيله ﴾ مقام "سرب" ﴿ فلما جاوزا ﴾ أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة ﴿ قال موسى لفتاه آتنا غداءنا ﴾ وهو ما يؤكل بالغداة ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ تعباً وجوعاً.

قال المفسرون: قوله ﴿ من سفرنا هذا ﴾ إشارة إلى سيرهما وراء الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك.

قال الفتى متعجباً ﴿ أرأيت ﴾ ومفعوله محذوف لدلالة قوله: ﴿ فإني نسيت الحوت ﴾ عليه كأنه قال: أرأيت ما دهاني ووقع لي.

﴿ إذ أوينا إلى الصخرة ﴾ قيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت ﴿ فإني نسيت الحوت ﴾ عليها ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال: ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان ﴾ و ﴿ أن أذكره ﴾ بدل الاشتمال من الهاء ﴿ في أنسانيه ﴾ أي وما أنساني ذكره قال الكعبي: لو كان النسيان بخلق الله وإرادته لكان إسناد ذلك إلى الله  أولى من إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر.

قال القاضي: المراد بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر، لأن ذلك لا يصلح أن يكون إلا من قبل الله  .

قال أهل البرهان: لما كان اتخاذ الحوت سبيله في البحر عقيب النسيان ذكر أوّلاً فاتخذ بالفاء، ولما حيل بينهما ثانياً بجملة معترضة هي قوله: ﴿ وما أنسانيه ﴾ زال معنى التعقيب وبقي العطف المجرد فقال: ﴿ واتخذ سبيله ﴾ بالواو.

وانتصاب ﴿ عجباً ﴾ كما مر في ﴿ سرباً ﴾ .

قال  : "كان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً" ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ يعني اتخاذ الحوت السبيل في البحر ﴿ ما كان ينبغي ﴾ أي إنه الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب ﴿ فارتدا على آثارهما ﴾ فرجعا على طريقهما المسلوك ﴿ قصصاً ﴾ مصدر لأنه بمعنى الارتداد على الأثر يتبعان آثارهما اتباعاً، أو هو مصدر في موضع الحال أي رجعا على الطريق الذي جاءا منه مقتصين ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ الأكثرون على أن ذك العبد كان نبياً لأنه  وصفه بقوله: ﴿ آتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة هي الوحي والنبوّة بدليل قوله: ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك  ﴾ وقوله: ﴿ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك  ﴾ ومنع أن كل رحمة نبوة قالوا: وصفه بقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا علماً ﴾ والعلم المختص به  هو الوحي والإخبار بالغيوب.

وأيضاً آخر القصة ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ أي عرفته وفعلته بأمر الله وذلك مستلزم للوحي.

وروي أن موسى  لما وصل إليه قال: السلام عليك.

فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل.

فقال: من عرّفك هذا؟

قال: الذي بعثك إلي.

والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية.

والتحقيق فيه إذا ضعفت القوى الحسية والخيالية بواسطة الرياضة قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية على جواهر العقل، ويفيض عليه من عالم الأرواح أنوار يستعد بسببها لملاحظة أسرار الملكوت ومطالعة عالم اللاهوت.

والأكثرون أيضاً على أن ذلك العبد هو الخضر سمي بذلك لأنه كان لا يقف موقفاً إلا اخضر ذلك الموقف.

وقال الجبائي: روي أن الخضر إنما بعث بعد موسى  من بني إسرائيل.

فإن صحت الرواية لم يكن ذلك العبد هو الخضر لأنه بعث بعده، وبتقدير كونه معاصراً له فإنه أظهر الترفع على موسى حين قال: ﴿ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ وأن موسى أظهر التواضع له حين قال ﴿ ولا أعصي لك أمراً ﴾ مع أنه كان مبعوثاً إلى كافة بني إسرائيل، والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي.

وإن لم تكن الرواية صحيحة بأن الخضر لا يكون من بني إسرائيل لم يجز أن يكون الخضر أفضل من موسى  لأنه  قال لبني إسرائيل ﴿ وأني فضلتكم على العالمين  ﴾ وأجيب بأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها.

قال العلماء: إن موسى راعى مع الخضر في قوله: ﴿ هل أتبعك ﴾ أنواعاً من الأدب منها: أنه جعل نفسه تبعاً له مطلقاً، وفيه أن المتعلم يجب عليه الخدمة وتسليم النفس والإتيان بمثل أفعال الأستاذ وأقواله على جهة التبعية لا الاستقلال، فإن المتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير، ولهذا لسنا متبعين لليهود في قولنا "لا إله إلا الله" لأنا نقول كلمة التوحيد لأجل أنهم قالوها بل لقيام الدليل على قولها، ولكنا متابعون في الصلوات الخمس للنبي  لأنا نأتي بها لأجل أنه أتى بها.

ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية.

ومنها أنه قال: ﴿ على أن تعلمني مما علمت ﴾ وفيه إقرار على أستاذه بالعلم، وفيه أنه لم يطلب منه إلا بعض علمه ولم يطلب.

منه أن يجعله مساوياً له في العلم كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءاً من أجزاء ماله لأكله، وفيه اعتراف بأن ذلك العلم علمه الله  وإلا سمي فاعله، وفيه إشعار بأن إنعامه عليه في هذا التعليم شبيه بإنعام الله عليه فيه ومن هنا قيل: أن عبد من علمني حرفاً.

ومنها أن الخضر عرف أنه نبي صاحب المعجزات المشهورة، ثم إنه مع هذه المناصب العلية والمراتب السنية لم يطلب منه المال والجاه وإنما طلب التعليم فقال: ﴿ على أن تعلمني ﴾ فدل ذلك على أنه لا كمال فوق كمال العلم، وأنه لا يحسن صرف الهمة إلا إلى تحصيله.

وفيه أن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان حرصه على زيادتها أوفر.

ومنها أنه قال ﴿ رشداً ﴾ وهو يصلح أن يكون مفعولاً لـ ﴿ تعلمني ﴾ و ﴿ علمت ﴾ أي علماً ذا رشد أرشد به في ديني، وفيه تعظيم لما سيعلمه فإن الإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل حصل الضلال.

ثم إنه  حكى عن الخضر أنه قال: ﴿ لن تستطيع معي صبراً ﴾ نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد لعلمه بأنه يتولى أموراً هي في الظاهر منكرة، والرجل الصالح لا سيما النبي الذي يحكم بظواهر الأمور شرعاً قلما يتمالك أن يصبر عليها.

و ﴿ خبراً ﴾ تمييز أي لم يحط به.

خبرك، أو هو مصدر لكونه في معنى الإحاطة.

استدلت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة لا تحصل فيه الفعل وإلا لكانت الاستطاعة عل الصبر حاصلة قبل الصبر، فيكون قول الخضر بنفي الاستطاعة كذباً.

وكذا قوله: ﴿ وكيف تصبر ﴾ لأنه استفهام في معنى الإنكار أي لا تصبر ألبتة.

أجاب الجبائي بأنه أراد بنفي الاستطاعة أن يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه.

يقال في العرف: إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً وأن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ولهذا ﴿ قال ﴾ له موسى ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى ﴾ أي ستجدني غير عاص ﴿ لك أمراً ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ولا أعصي ﴾ جملة مستأنفة معطوفة على مثلها أي ستجدني ولا أعصي.

قال أهل السنة.

في قوله: ﴿ إن شاء الله ﴾ بطريق الشك والصبر مأمور به دليل على أنه  قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه.

قالت المعتزلة.

إنما ذكره بطريق الأدب.

وأجيب بأن هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب، وإن فسد فأيّ أدب في ذكر الكلام الباطل.

قالت الأصوليون: في قوله: ﴿ ولا أعصي لك أمراً ﴾ دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب، لأن تارك الأمر عاص.

بهذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله: ﴿ ومن يعصى الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ قال المحققون: في قوله الخضر تغليظ وتجهيل، وفي قول موسى تحمل وتواضع، فدل ذلك على أن المعلم إن رأى التغليظ على المتعلم فيما يعتقده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره وعلى المتعلم أن يتلقاه بالبشر والطلاقة.

ثم قال: ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني ﴾ شرط على موسى  في اتباعه أن لا يسأل عما خفي عليه وجه صحته حتى يكون الخضر هو المبتدىء بتعليمه إياه بإخباره عن وجه الحكمة فيه ﴿ فانطلقا ﴾ على ساحل البحر يطلبان السفينة، فما ركباها يروى أن أهلها قالوا: هما من اللصوص وأمروهما بالخروج فمنعهم صاحب السفينة وقال: أرى وجوه الأنبياء.

وقيل: عرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة، فلما حصلوا في اللجة أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء.

وقيل: خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ويقول: ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ أتيت شيئاً عظيماً.

يقال: أمر الأمر إذا عظم.

ويقال في الشيء العجيب الذي يعرف له شبيه إنه أمر إمر.

احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى  اعترض على الخضر بعد توكيد العهود والمواثيق وذلك ذنب.

وأجيب بأنه لم يقل ذلك اعتراضاً وتوبيخاً ولكنه أحب أن يقف على حكمة ذلك الأمر الخارج عن العبادة، أو أنه خالف الشرط بناء على النسيان ولهذا ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ ولا مؤاخذة على الناسي.

و"ما" موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي بالذي نسيت وبشيء نسيته وبنسياني.

وجوز في الكشاف أن لا يكون ناسياً في الحقيقة ولكنه أوهم بقوله: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ أنه قد نسي لبسط عذره في الاعتراض على المعلم وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض.

وجوز أيضاً أن يكون النسيان بمعنى الترك أي بما تركت من وصيتك أول مرة ﴿ ولا ترهقني ﴾ ولا تغشني ﴿ من أمري عسراً ﴾ وأراد بأمره أمر المتابعة أي يسر عليّ متابعتك بالإغضاء وترك المناقشة.

وإنما قال في هذه القصة ﴿ خرقها ﴾ بغير "فاء" لأنه جعله جزاء للشرط، وفي قصة الغلام جعل ﴿ فقتله ﴾ من جملة الشرط معطوفاً عليه بفاء التعقيب، لأن القتل يعقب لقاء الغلام ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ومنه قولهم "رأي الشيخ خير من مشهد الغلام" وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق.

وليس في القرآن أنهما كيف لقياه، وهل كان يلعب مع جمع من الغلمان، أو كان منفرداً، وهل كان مسلماً أو كان كافراً، وهل كان بالغاً أو كان صغيراً واسم الغلام بالصغير أليق، إلا أن ﴿ بغير نفس ﴾ بالبالغ لأن الصبي لا يقتل قصاصاً.

وعن ابن عباس أن نجدة الحروري الخارجي كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله  عن قتل الولدان؟

فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل.

قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة.

وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت.

ويجوز أن يكون وصفها بالزكاء لأنه لم يرها أذنبت فهي طاهرة عنده.

قيل: النكر أقل من الأمر لأن قتل نفس واحدة أهو من إغراق أهل السفينة.

وقيل: النكر أشد لأن ذلك كان خرقاً تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه.

وأيضاً الأمر العجيب والعجب يستعمل في الخير والشر.

والنكر ما تنكره العقول فهو شر، وظاهر الآية يدل على أن موسى استبعد أن تقتل النفس إلا بالنفس وليس كذلك لأنه قد يحل القتل بسائر الأسباب، ولعله اعتبر السبب الأغلب والأقوى واختلفوا في كيفية قتله فقيل: فتل عنقه.

وقيل: ضرب برأسه الحائط.

وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين.

ثم إنه  حكى عن الخضر أنه ما زاد على أن أذكره ما عاهد عليه فقال: ﴿ ألم أقل لك ﴾ وإنما زاد ههنا لك لأن الإنكار أكثر وموجب العتاب أقوى.

وقيل: أكد التقرير الثاني بقوله ﴿ لك ﴾ كما تقول لمن توبخه لك أقول وإياك أعني.

وقيل: بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول فعند هذا ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها ﴾ بعد هذه الكرة أو المسألة ﴿ لا تصاحبني ﴾ نهاه عن المصاحبة حينئذ مع حرصه على التعلم لظهور عذره كما قال: ﴿ قد بلغت من لدني عذراً ﴾ وهذا كلام نادم شديد الندامة جره المقال، واضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف.

عن رسول الله  : " رحم الله أخي كموسى استحيا فقال ذلك" ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ هي أنطاكية: وقيل: الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء.

﴿ استطعما أهلها ﴾ وكان حق الإيجاز أن يقال: "استطعماهم" فوضع الظاهر موضع المضمر للتأكيد كقوله: ليت الغراب غداة ينعب بيننا *** كان الغراب مقطع الأوداج وأيضاً لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ لما فيه من الكلفة والبشاعة والاستطالة ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ يقال: أضافه وضيفه إذا أنزله وجعله ضيفه، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل إلى المضيف.

عن النبي  : "كانوا أهل قرية لئاماً." قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه.

وأيضاً الضيافة من المندوبات وترك المندوب غير منكر، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك عهد صاحبه.

وقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته.

ولقائل أن يقول: لو كان قد بلغ الجوع إلى حدّ الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار.

ولمجيب أن يقول: إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى.

وقيل: أقامه بعمود عمده به.

وقيل: نقضه وبناه.

وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ذراع.

قال أهل الاعتبار: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حق.

ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤا إلى رسول الله  بحمل الذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء أي "فأتوا أن يضيفوهما" فامتنع رسول الله  عن ذلك.

قوله: ﴿ يريد أن ينقض ﴾ معناه يسرع سقوطه من انقض الطائر إذا هوى في طيرانه.

يقال: قضضته فانقض، ويحتمل أن يكون "افعل" من النقض كاحمرّ من الحمرة، فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول.

واستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة تشبيهاً للجماد بالأحياء نظيره ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب  ﴾ ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ .

ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى من الحرمان ومسيس الحاجة ﴿ قال ﴾ لصاحبه ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ لطلبت على عملك جعلاً حتى نستدفع به الضرورة.

واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ على الأصح ﴿ قال ﴾ الخضر مشيراً إلى الفراق المتصور في قوله: ﴿ فلا تصاحبني ﴾ أو مشيراً إلى السؤال والاعتراض ﴿ هذا فراق بيني ﴾ الإضافة بمعنى في أي فراق أو سبب فراق في بيني ﴿ وبينك ﴾ وحكى القفال أن البين ههنا بمعنى الوصل.

ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ قيل: كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة ﴿ يعملون في البحر ﴾ وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ وهو مسمى بجلندي والوراء ههنا بمعنى الأمام وقد مر في قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ  ﴾ وقيل: أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة ﴿ يأخذ كل سفينة ﴾ أي غير معيبة ﴿ غصباً ﴾ ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية والتخريق، وإن كان تصرفاً في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعاً زائداً لم يكن به بأس.

ولعل مثل هذا التصرف كان جائزاً في تلك الشريعة، أو لعله كان من مخصوصات النبي  .

قال جار الله.

قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور به.

وأيضاً خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كون السفينة للمساكين فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في قولك "زيد ظني مقيم" في أنه يتعلق بالطرفين ﴿ وأما الغلام ﴾ فقد قيل: إنه كان بالغاً قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد كما قال: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ .

يقال: رهقة أي غشيه وأرهقه إياه.

وقيل: إنه كان صبياً إلا أنه  علم من حاله أنه لو صار بالغاً صدرت عنه هذه المفاسد، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا تأكد الظن بالوحي.

وقيل: أراد فخفنا أن يغشى الوالدين طغياناً عليهما وكفراً بنعمتهما بعقوقه، أو خفنا أن يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر.

وجوزوا أن يكون قوله: ﴿ فخشينا ﴾ من كلام الله  أي كرهنا كراهة من خاف سوء عاقبة أمر فغيره.

والزكاة الطهارة والنقاء من الذنوب وكأنه بإزاء قول موسى نفساً زاكية.

والرحم الرحمة والعطف بمعنى الإشفاق على الأبوين.

يروى أنهما ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم.

ويروى أنها ولدت سبعين نبياً.

وقيل: أبدلهما ابناً مؤمناً.

وقيل: اسم الغلام المقتول الحيسون وفي نسخة الحسين.

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين ﴾ .

قيل: اسمهما أصرم وصريم.

وقوله: ﴿ في المدينة ﴾ بعد قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ فيه دلالة على أن القرية لا تنافي المدينة ومعنى الاجتماع والإقامة مراعى فيهما.

أما الكنز فقيل: هو المال لقوله: ﴿ ويستخرجا ﴾ ولأن المفهوم منه عند إطلاقه هو المال.

وقيل: صحف فيها علم لقوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ ودفن المال لا يليق بأهل الصلاح.

وعورض بقول قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا.

وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا.

وجمع بعضهم بين الأمرين فقال: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وفي قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء.

عن جعفر بن محمد  : كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء، وذكر من صلاح أبيهما ان الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة.

قالت العلماء: الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالماً به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط و ﴿ رحمة من ربك ﴾ مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله.

سؤال: لم قال في الأول: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ وفي الثاني: ﴿ فأردنا ﴾ وفي الثالث ﴿ فأراد ربك ﴾ ؟

الجواب: لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى الله  ، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التدبيل فجمع بين الأمرين.

ويمكن أن يقال: إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من الله، ويحتمل أن يقال: الوحدة في الأول على الأصل، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء بالمؤيدين بالعلوم الدينية، والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع ﴿ تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا، وأصل تسطع تستطيع كما في قوله: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ﴾ إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف.

وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال.

عن رسول الله  : "رحم الله أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب" التأويل: ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميراً والآخر مأموراً، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق.

ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا.

﴿ فلما جاوزا ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة الشيخ ظاناً أن مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ.

هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن أدركته العناية الأزلية ورد إليه صدق الإرادة فيقول: الرفيق التوفيق.

﴿ آتنا غداءنا ﴾ وهو همة الشيخ وبركة صحبته ﴿ لقد لقينا في سفرنا هذا ﴾ الذي جاوزنا صحبة الشيخ ﴿ نصباً ﴾ فقال رفيقه ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة ﴾ صخرة النفس وتسويلها ﴿ فإني نسيت ﴾ حوت القلب {قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ حراً من رق غيرنا.

وفي قوله: ﴿ وعلمناه من لدنّا علماً ﴾ إشارة إلى أنه  أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية، وقد ذهب موسى إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علماً يمكن تعلمه، فبين علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتنافٍ فلهذا قال الخضر: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وفي إظهار المسائل الثلاثة إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء، وإذا تأمل العاقل السالك في قول موسى: ﴿ هل أتبعك ﴾ الخ في قول الخضر.

﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني ﴾ الخ.

وجد أصول الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد وللشيخ مودعة فيها، وفي تفصيلها طول وقد أشرنا في التفسير إلى طرف منها، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب "آداب المريدين" للشيخ المحقق أبي النجيب السهروردي تغمده الله بغفرانه ﴿ حتى إذا ركبا في السفينة ﴾ هي سفينة الشريعة ﴿ خرقها ﴾ بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب، ومثل هذا قد يفعله كثير من المحققين طرداً للعوام وحذراً من التباهي والعجب ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها ﴾ في أودية الضلال إذا اقتدوا بك ﴿ حتى إذا لقيا غلاماً ﴾ هو النفس الأمارة ﴿ فقتله ﴾ بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ هي الجسد وهم القوى الإنسانية من الحواس وغيرها ﴿ استطعما أهلها ﴾ بطلب أفاعليها التي تختص بها ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها ﴿ فوجدا فيها جداراً ﴾ هو التعلق الحائل بين النفس الناطقة وبين عالم المجردات ﴿ يريد أن ينقض ﴾ بقطع العلاقة ﴿ فأقامه ﴾ بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل: نفسك مطيتك فارفق بها.

﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ ثواباً جزيلاً أي لو شئت لصبرت على شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف.

﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ هم العوام الذين ﴿ يعملون في ﴾ بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك حتى يصلوا إلى ملوك تحت أطمار ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ في الظاهر لتسلطهم بالإخلاص في البواطن ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ هو الشيطان ﴿ يأخذ كل سفينة ﴾ عبادة ﴿ غصباً ﴾ لأن كل عبادة تخلو عن الانكسار والذل والخشوع فإنها للشيطان لا للرحمن ﴿ وأما الغلام فكان أبواه ﴾ وهما القلب والروح ﴿ مؤمنين فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة ﴾ هو النفس المطمئنة ﴿ وأقرب رحماً ﴾ أي نسبة إلى الأبوين.

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين ﴾ هما النفس المطمئنة والملهمة ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ هو حصول الكمالات النظرية والعملية ﴿ وكان أبوهما ﴾ وهو العقل المفارق ﴿ صالحاً ﴾ كاملاً بالفعل فلهذا ادخر لأجلهما ما ادخر ﴿ فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما ﴾ بتربية الشيخ وإرشاده على سبيل الرفق والمداراة ﴿ ويستخرجا ﴾ ما كان كامناً فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ .

هذا الكلام يخرج على وجهين: يخرج على الإنكار عليه، أي: خرقتها؛ لتغرق أهلها، أو لتعيبها، أو لماذا هذا الخرق؟

استفهام لولا قوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾ .

فإن كان على الأول على الإنكار عليه والردّ - فقوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾ : ظاهر، أي: جئت شيئاً عظيماً شديداً.

وإن كان على الاستفهام، فهو على الإضمار؛ كأنه قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟!

فلئن خرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً إمرا عظيماً شديداً؛ وإن كان التأويل على الإنكار - فهو كما يقال لمن يبني بناء ثم يترك الإنفاق عليه في عمارته: بنيت لتخرب أو لتهدم، وكما يقال لمن زرع زرعاً، ثم ترك سقيه: زرعت لتفسده، ونحوه، وإن كان لم يبن لذلك، ولم يزرع لما ذكر، ولكن لما كذلك يصير في العاقبة إذا ترك سقيه أو عمارة ما بنى.

فإن قيل: كيف قال له موسى: ﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ ، وبعد لم يعلم أن ذلك الخرق مغرق أهلها، وقد يجوز أن يكون غير مغرق؟!

قيل: إنما أخبر عما يئول الأمر في العاقبة، والظاهر من الخرق أن يغرق في الآخرة، وهو كما ذكرنا من أمر البناء والزرع: بنيت لتخرب، وزرعت لتفسد، وإن لم يكن بناؤه وزراعته لذلك، فعلى ذلك قول موسى لصاحبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ .

هذه الآية [ترد] على المعتزلة؛ لأنه قال له: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ : دل أنه كان يحتاج إلى استطاعة تقارن الفعل لا تتقدم الفعل فيكون بها الفعل، وإلا قد كانت له أسباب لو لم يؤثر غيرها لاستطاع الصبر معه؛ دل أن استطاعة الفعل [لا تتقدم على الفعل] ولكن تقارنه.

وقال الحسن: إنما يقال هذا؛ للاستثقال كما يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إليك بغضا، وهو ناظر إليه، لكن يقال ذلك على الاستثقال والبغض ليس على حقيقة نفي الاستطاعة؛ فعلى ذلك الأوّل، فيقال له هو كما يقال: لا أستطيع أن أنظر إليك نظر الرحمة، فهو وإن كان ناظراً إليه لما ذكر - فهو غير ناظر إليه نظر رحمة وشفقة؛ فهما سواء وهو ما يقوله، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ﴾ .

يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحدها: على التعريض من الكلام، أي: لا تؤاخذني بما لو نسيت؛ كقول إبراهيم حيث قال: ﴿ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ  فَقَالَ إِنِّي...

 ﴾ ، ونحوه، أي: سأسقم.

والثاني: على حقيقة النسيان؛ نسي قوله: ﴿ فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ ﴾ بعدها؛ لما رأى من المناكير في الظاهر، وهكذا كانت عادة الأنبياء أنهم إذا رأوا منكرا لا يملكون أنفسهم حزناً وغضباً على ما رأوا فلا ينكر أن يكون نسي ما قال له.

وقال بعضهم: على التضييع والترك، فهو يخرج على الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ﴾ .

قال بعضهم: لا تكلفني من أمري ما يعسر عليّ.

وقال بعضهم: الإرهاق: هو الشدة والتعب.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تُرْهِقْنِي ﴾ ، أي: لا تغشني عسراً.

وقوله: ﴿ فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ .

يحتمل هذا الكلام - أيضاً - وجهين: على الإنكار، والردّ عليه.

والثاني: على الاستفهام والسؤال على ما ذكرنا في الأول: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس؟

أو بحق؟

أو لماذا؟

أو على الإنكار والردّ على ما رأى في الظاهر قتل نفس ولم يعرف الوجه الذي به يجب القتل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً ﴾ .

هو على ما ذكرنا على الإنكار ظاهر، وعلى الاستفهام والسؤال على الإضمار: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس فلئن فعلت لقد جئت شيئاً نكراً، أي: منكراً: ثم اختلف في قوله: ﴿ نُّكْراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ نُّكْراً ﴾ : أكبر من قوله: ﴿ إِمْراً ﴾ لأن فيه مباشرة القتل وإهلاك النفس بغير نفس؛ فهو أكبر وليس في نفس الخرق إهلاك، وإنما هو سبب الإهلاك، وقد يجوز ألا يهلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِمْراً ﴾ أكبر من قوله: ﴿ نُّكْراً ﴾ ؛ لأن فيه إهلاك جماعة، وهاهنا إهلاك واحد، فهو دون الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ .

ما ذكرنا في الأوّل.

وقوله: ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً ﴾ .

في ترك المصاحبة عذر؛ لما قلت لي: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ، ولم أصبر.

وقوله: ﴿ فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ ﴾ .

سمّى: قرية، وهي كانت مدينة؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ ﴾ ؛ دل أنها كانت مدينة، والعرب قد تسمي المدينة: قرية.

وقوله: ﴿ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ .

قال الحسن: كان ذلك الجدار بهيئة عند الناظر أنه يسقط.

وقال أبو بكر الأصم: ﴿ يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ الإرادة: صفة كل فاعل له حقيقة الفعل، أو ليس له حقيقة الفعل، بعد أن يضاف إليه الفعل، ألا ترى أنه يقال للجدار: سقط، وإن كان في الحقيقة يسقط.

وعندنا أنه: إنما يقال ذلك لقرب الحال، وعند الإشراف على الهلاك والسقوط؛ ألا ترى أنّ الرجل يقول: إن أردت أن أموت، وأردت أن أهلك، وأردت أن أسقط، وهو لا يريد الموت ولا السقوط؛ ولكنه يذكر ذلك لإشرافه على الهلاك وقرب الحال إليه، ليس على حقيقة الإرادة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ﴾ ، أي: شرف وقرب على حال السقوط، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ .

هذا القول من موسى يحتمل وجهين: أحدهما: قال: ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ ؛ لشدة حاجته إلى الطعام؛ لئلا يقع لهما حاجة إلى أهل تلك البلدة؛ إذ قد وقع لهما إليهم حاجة؛ حيث قال: استطعما من أهلها مرة فلم يطعموهما؛ فأراد أن يأخذ على ذلك أجراً؛ لئلا يقع لهما حاجة إليهم ثانياً.

والثاني: قال له ذلك، لما لم ير أهل تلك البلدة أهلا ليصنع إليهم المعروف؛ لما رأى فيهم من البخل والضنة في الطعام؛ حيث استطعماهم فلم يطعموهما؛ بخلا منهم وضنة، والله أعلم.

وذكر في بعض القصّة أن الجدار الذي أقامه صاحب موسى كان طوله خمسمائة ذراع، وقامته مائتي ذراع، وعرضه أربعين ذراعاً، أو نحوه تحته طريق القوم، لكن لا حاجة لنا إلى معرفة ذلك؛ إنما الحاجة إلى ما فيه من أنواع الحكمة والفوائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ .

أي: سأنبئك بيان ما قلت لك: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ، ثم بين وفسره له؛ فقال: ﴿ أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ .

أي: أجعلها معيبة.

[و]قوله: ﴿ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ ﴾ : ذكر في بعض الحروف: (وكان أمامهم ملك).

﴿ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ﴾ .

فعلى ذلك التأويل فيه ﴿ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ ، أي: أجعلها معيبة، لئلا يأخذها ذلك الملك غصبا؛ إذ كان لا يأخذ إلا سفينة صالحة صحيحة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ﴾ .

اختلف في سن ذلك الغلام: قال بعضهم: كان ذلك الغلام كبيراً بالغاً، والعرب قد تسمّي الرجل البالغ الذي لم يلتح بعد - أولم تستو لحيته - غلاماً؛ لقربه بوقت البلوغ، ولذلك قال له موسى: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ ، والصغير مما لا يقتل إذا قتل نفسا بغير حق؛ فلو كان صغيراً لم يكن لقول موسى: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ \[معنى\]، وهو كما روي عن رسول الله  حيث قال: "إِنَّ أَيْمَانَكُم تحقنُ دِماءكم إذا ظهر منهم الدَّم وكقوله: لولا الأَيْمَانُ لَكَان لِي وَلَهَا شَأْنٌ" إذا ظهر منها الزنا، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ : لو كانت محتملة القتل بالنفس، والله أعلم.

ثم اختلف في سبب قتل ذلك الغلام: قال بعضهم: قتله؛ لكفره، كان كافرا، وكذلك في حرف أبيّ بن كعب: (وأمّا الغلام فكان كافراً)؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ : دل هذا أنّه كان بالغاً كافراً؛ إذ لو لم يكن كافراً لم يلحق والديه منه الطغيان والكفر.

وقال بعضهم: إنما قتله؛ لأنه كان لصّاً قاطع طريق؛ يقطع الطريق على الناس ويأخذ أموالهم.

وعلى قول من يقول: إنه كان صغيراً، قتله؛ لأنه علم أنه لو بلغ كان كافراً، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك السبب الذي قتله - حاجة، ولا أنه كان صغيرا أو كبيرا؛ لأنه أخبر أنه إنما قتله بأمر الله لا من تلقاء نفسه؛ حيث قال: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ ، ولكن إنما فعلته بأمر الله، ولله أن يأمر عبداً من عباده بقتل الصغير على ما له أن يميته وعلى ما يأمر ملك الموت بقبض أرواح الخلق؛ فعلى ذلك له أن يميته على يدي آخر، وأن يقبض روحه؛ إذ له الخلق والأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .

ليس هو الخوف، ولكن العلم، أي: علمنا أنه يرهقهما طغياناً وكفرا، وكذلك ذكر في حرف أبيّ.

فإن قيل: كيف احتج على قتله وإهلاكه بما علم أنه يلحق أبويه منه الطغيان والكفر، وقد ترك، إبليس وجنوده يعيشون إلى آخر الدهر، على علم منه أنهم يحملون الناس على الطغيان والكفر، ويرهقونهم أنواع المعاصي والفواحش؟!

وكذلك هؤلاء الظلمة الذين لا يكون منهم إلا كل شر وجور على الناس ثم تركهم على علم منه بما يكون منهم؟!

فما معنى الاحتجاج في قتله وإهلاكه بما ذكر من إرهاق الطغيان والكفر بالوالدين؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن الله -  - قد يمتحن البشر بمعان وعلل وأشياء، تحملهم تلك المعاني والأشياء على الرغبة والحث فيما امتحنهم، وإن كان له الامتحان لا على تلك المعاني والعلل، نحو ما امتحنهم بأنواع العبادات والطاعات بثواب وجزاء ذكر لهم فيها لو فعلوا، وإن كان له الامتحان بذلك على غير ثواب ولا جزاء، وكذلك العقوبات وغير ذلك من المحن؛ فعلى ذلك الأول.

والثاني: ذكر هذا لتطيب به أنفسهم؛ إحساناً منه إليهم، وإنعاماً عليهم؛ إذ له أن يميتهم صغاراً وكباراً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ...

﴾ الآية [الشورى: 27]، وقد وسع على كثير من الخلق، وكذلك قوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...

﴾ الآية [الزخرف: 33]، وقد جعل لكثير من الخلق ذلك، لكن هذا لما له أن يفعل ذلك للكل، فمن لم يفعل ذلك له إنما لم يفعل إحساناً منه وإفضالا؛ فعلى ذلك الأول إنما ذكر ما ذكر إحساناً منه وإفضالا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ .

قال بعضهم ﴿ خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً ﴾ ، أي: صلاحاً، ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ : أي: أوصل رحما وأبرّ لوالديه.

وقال بعضهم: ﴿ خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً ﴾ ، أي: عملا، ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْماً ﴾ ، أي: أحسن منه برّاً لوالديه.

قال أبو عوسجة: ﴿ رُحْماً ﴾ ، من الرحم والقرابة.

وقال القتبي: ﴿ رُحْماً ﴾ ، أي: رحمة وعطفا.

وذكر أنهما قد أعطيا خيراً منه، أي: خيراً من القتيل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا ﴾ .

اختلف في ذلك الكنز: قال بعضهم: كان ذلك الكنز مالا كنزه أبوهما.

قال ابن عباس: حفظ؛ لصلاح أبيهما، ما ذكر منهما صلاح.

وقال بعضهم: كان ذلك الكنز مصحفاً فيها علم.

قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل على أن يكون علماً؛ لأن العلم ممّا يعلمه العلماء ويشترك الناس فيه؛ فلا يحتمل أن يحفظ ذلك لهما دون الناس؛ فإن ثبت وحفظ ما روي في الخبر فهو مال وعلم.

وروي عن ابن مالك قال: قال رسول الله  : "كَانَ تَحْتَ الجِدَارِ الَّذِي قال الله فِي كِتَابِه ﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا ﴾ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ: بِسْمِ الله الرحمن الرحيم، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوتِ كيفَ يفرح وَعَجِبْتُ لمن أَيْقَنَ بالقدر كيفَ يحزَنُ؟!

[و]عَجِبتُ لمن أَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا؟!

لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فإن حفظ هذا عن رسول الله ففيه مال وعلم؛ لأن اللوح من الذهب مما يكثر ويعظم قدره، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .

أي: نعمة من ربك وإحساناً عليهما؛ إذ كان [له] ألا يحفظ ذلك لهما، ولا يوصله إليهما على ما لم يعط لكثير من اليتامى والمساكين شيئاً من ذلك، لكن ذلك منه إليهما فضل وإنعام ورحمة عليهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه أخبر عن أمر الله فعل ما فعل، لا عن أمر نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً ﴾ .

أي: تأويل ما قلت لك في بدء الأمر: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ، ثم لا يحتمل أن يكون موسى حيث أمر بالذهاب إلى ذلك الرجل والاتباع له والصحبة معه؛ ليتعلم منه العلم، فلم يستفد منه إلا علم ما أنكر عليه، وسبب حل ذلك له؛ إذ كان ذلك بإنكار ما أنكر عليه من الأفعال التي هي في الظاهر منكرة، لكن جائز أن يكون استفاد منه علوماً كثيرة سوى ذلك، لكنه لم يذكر لنا ذلك، والله أعلم.

وقول أهل التأويل: اسم الغلام الذي قتله صاحب موسى "خشنوذ"، أو لا أدري ماذا؟

ووالداه: اسمهما كذا، لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة أساميهم حاجة، وكذا اسم الغلامين اليتيمين صاحبي الجدار: أصرم وصريم، ولا أدري ماذا؟

[و] لا حاجة بنا إلى ذلك.

وقولهم: كان صاحب موسى خضرا، وأنه إنما سمى: خضراً؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت؛ فذلك - أيضاً - مما لا يعلم إلا بالخبر عن الوحي - وحي السماء - فلا نقول فيه إلا قدر ما ذكره الكتاب؛ فإنه يخرج ذكره مخرج الشهادة على الله من غير حصول النفع لنا في ذلك عمل أو غيره، وليس في الكتاب إلا ذكر عبد من عبادنا، وذكر الغلام، وذكر الفتى، وذكر غلامين يتيمين في المدينة، وأمثاله يقال ما فيه ولا يزاد على ذلك؛ مخافة الشهادة على الله بالكذب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأما الغلام الذي أنكرت عليّ قتله فكان أبواه مؤمنَين، وكان هو في علم الله كافرًا، فخفنا إن بلغ أن يحملهما على الكفر باللهِ والطغيان من فرط محبتهما له، أو من فرط حاجتهما إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.l270j"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله