الآية ٩٧ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٩٧ من سورة الكهف

فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًۭا ٩٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٧ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٧ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله .

ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلا بما يناسبه فقال : ( فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ، ولا على شيء منه .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، حدثنا أبو رافع ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان ، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس [ حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ] قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله .

ويستثني ، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه ، فيحفرونه ويخرجون على الناس ، فينشفون المياه ، ويتحصن الناس منهم في حصونهم ، فيرمون بسهامهم إلى السماء ، [ فترجع وعليها هيئة الدم ، فيقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ] .

فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم ، فيقتلهم بها .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، إن دواب الأرض لتسمن ، وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم " .

ورواه أحمد أيضا عن حسن - هو ابن موسى الأشيب - عن سفيان ، عن قتادة ، به .

وكذا رواه ابن ماجه ، عن أزهر بن مروان ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قال : حدث رافع .

وأخرجه الترمذي ، من حديث أبي عوانة ، عن قتادة .

ثم قال : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وهذا إسناده قوي ، ولكن في رفعه نكارة ؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه ، لإحكام بنائه وصلابته وشدته .

ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار : أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل ، فيقولون : غدا نفتحه .

فيأتون من الغد وقد عاد كما كان ، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل ، فيقولون كذلك ، ويصبحون وهو كما كان ، فيلحسونه ويقولون : غدا نفتحه .

ويلهمون أن يقولوا : " إن شاء الله " ، فيصبحون وهو كما فارقوه ، فيفتحونه .

وهذا متجه ، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب .

فإنه كثيرا ما كان يجالسه ويحدثه ، فحدث به أبو هريرة ، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع ، فرفعه ، والله أعلم .

ويؤكد ما قلناه - من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه ، ومن نكارة هذا المرفوع - قول الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن [ زينب بنت أبي سلمة ، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان ، عن أمها أم حبيبة ، عن ] زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قال سفيان أربع نسوة - قالت : استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه .

وهو محمر وجهه ، وهو يقول : " لا إله إلا الله!

ويل للعرب من شر قد اقترب !

فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا " .

وحلق .

قلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟

قال : " نعم إذا كثر الخبث " .

هذا حديث صحيح ، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه ، من حديث الزهري ، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة ، وأثبتها مسلم .

وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد ، منها رواية الزهري عن عروة ، وهما تابعيان ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده ، كلهن يروي بعضهن عن بعض .

ثم كل منهن صحابية ، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان ، رضي الله عنهن .

وقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضا ، فقال البزار : حدثنا محمد بن مرزوق ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا " وعقد التسعين .

وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) يقول عزّ ذكره: فما اسطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزا بينهم، وبين من دونهم من الناس، فيصيروا فوقه وينـزلوا منه إلى الناس.

يقال منه: ظهر فلان فوق البيت: إذا علاه ، ومنه قول الناس: ظهر فلان على فلان: إذا قهره وعلاه وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) يقول: ولم يستطيعوا أن ينقبوه من أسفله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) من قوله ( وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) أي من أسفله.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) قال : ما استطاعوا أن ينـزعوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) قال: أن يرتقوه ( وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، ( فما استطاعوا أن يظهروه ) قال: أن يرتقُوه ( وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) قال: يعلوه ( وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) أي ينقبوه من أسفله.

واختلف أهل العربية في وجه حذف التاء من قوله: (فَمَا اسْطَاعُوا ) فقال بعض نحويي البصرة: فعل ذلك لأن لغة العرب أن تقول: اسطاع يسطيع، يريدون بها: استطاع يستطيع، ولكن حذفوا التاء إذا جُمعت مع الطاء ومخرجهما واحد.

قال: وقال بعضهم: استاع، فحذف الطاء لذلك.

وقال بعضهم: أسطاع يسطيع، فجعلها من القطع كأنها أطاع يطيع، فجعل السين عوضًا من إسكان الواو .

(9) وقال بعض نحوييّ الكوفة: هذا حرف استعمل فكثر حتى حذف.

------------------------ الهوامش: (7) البيتان من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 414 ) قال : " بين الصدفين " : فبعضهم يضمها ، وبعضهم يفتحها ( الصاد المشددة ) يحرك الدال .

ومجازهما : ما بين الناحيتين من الجبلين .

وقال : " قد أخذت .

.

.

البيتين " .

ولم ينسبهما وفي ( اللسان : صدف ) : والصدفان ( التحدريك ) والصدفان بضمهما : جبلان متلاقيان بيننا وبين يأجوج ومأجوج .

وفي التنزيل العزيز : ( حتى إذا ساوى بين الصدفين ) : قرئ الصدفين ( بالتحريك ) والصدفين وبضمهما ، والصدفين ( بضم الأول وفتح الثاني ) .وفي هامش اللسان " وبقيت رابعة : الصدّفين كعضوين كما في القاموس " .

( ثم قال في اللسان وفي الحديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بصدف أو هدف مائل أسرع المشي " .

ابن الأثير : هو بفتحتين وضمتين .

قال أبو عبيدة : الصدف والهدف : واحد ، وهو كل بناء مرتفع عظيم .

قال الأزهري : وهو مثل صدف الجبل ، شبه به ، وهو ما قابلك من جانبه .

أه .

(8) البيت من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 415 ) عند تفسير قوله تعالى : ( أفرغ عليه قطرا ) قال : أي أصب عليه حديدًا ذائبا ، قال : " حساما .

.

.

البيت " جمع قطر ، وجعله بعضهم الرصاص النقرة أه .

وفي ( اللسان : قطر ) والقطر بالكسر : النحاس الذائب، وقيل ضرب منه أه .

وفي ( اللسان : جرز ) : وسيف جراز : قاطع : ويقال : سيف جراز : إذا كان مستأصلا .

والجراز من السيوف : الماضي النافذ أه .

(9) أي عوضا من ذهاب حركة الواو ، كما في اللسان .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فما اسطاعوا أن يظهروه أي ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ويصعدوا فيه ; لأنه أملس مستو مع الجبل والجبل عال لا يرام .

وارتفاع السد مائتا ذراع وخمسون ذراعا .

وروي : في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ ، وفي عرضه خمسون فرسخا ; قاله وهب بن منبه .وما استطاعوا له نقبا لبعد عرضه وقوته .

وروي في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد وهب بن منبه بيده تسعين وفي رواية - وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها .

.

.

وذكر الحديث .

وذكر يحيى بن سلام عن سعد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن يأجوج ومأجوج يخرقون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستخرقونه غدا فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس .

.

.

الحديث وقد تقدم .قوله - تعالى - : فما اسطاعوا بتخفيف الطاء على قراءة الجمهور .

وقيل : هي لغة بمعنى استطاعوا .

وقيل : بل استطاعوا بعينه كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء فقالوا : اسطاعوا .

وحذف بعضهم منه الطاء فقال استاع يستيع بمعنى استطاع يستطيع ، وهي لغة مشهورة .

وقرأ حمزة وحده " فما اسطاعوا " بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا ، ثم أدغم التاء في الطاء فشددها ، وهي قراءة ضعيفة الوجه ; قال أبو علي : هي غير جائزة .

وقرأ الأعمش " فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " بالتاء في الموضعين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ْ} أي: فما لهم استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه وقوته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فما اسطاعوا أن يظهروه ) أن يعلوه من فوقه لطوله وملاسته ( وما استطاعوا له نقبا ) من أسفله لشدته ولصلابته وقرأ حمزة : ( فما استطاعوا ) بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال في الطاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فما اسطاعوا» أي يأجوج ومأجوج «أن يظهروه» يعلوا ظهره لارتفاعه وملاسته «وما استطاعوا له نقبا» لصلابته وسمكه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فما استطاعت يأجوج ومأجوج أن تصعد فوق السد؛ لارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لبعد عرضه وقوته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولقد أخبر القرآن الكريم بأن ذا القرنين بهذا العمل جعل يأجوج ومأجوج يقفون عاجزين أمام هذا السد الضخم المحكم فقال : ( فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً ) .أى : فما استطاع قوم يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد ، أو يرقوا فوقه لملاسته وارتفاعه ، وما استطاعوا - أيضاً - أن يحدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته ومتانته وثخانته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن ﴿ زُبَرَ الحديد ﴾ قطعة قال الخليل الزبرة من الحديد القطعة الضخمة، قراءة الجميع آتوني بمد الألف إلا حمزة فإنه قرأ ائتوني من الإتيان، وقد روى ذلك عن عاصم والتقدير ائتوني بزبر الحديد ثم حذف الباء كقوله: شكرته وشكرت له وكفرته وكفرت له، وقوله: ﴿ حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين ﴾ فيه إضمار أي فأتوه بها فوضع تلك الزبر بعضها على بعض حتى صارت بحيث تسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ عليها حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً، واعلم أن هذا معجز قاهر لأن هذه الزبر الكثيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنفخ عليها لا يمكن إلا مع القرب منها فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين عليها.

قال صاحب الكشاف: قيل بعدما بين: ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ مائة فرسخ.

﴿ والصدفان ﴾ بفتحتين جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان وقرئ: ﴿ الصدفين ﴾ بضمتين.

﴿ والصدفين ﴾ بضمة وسكون والقطر النحاس المذاب لأنه يقطر، وقوله: ﴿ قِطْراً ﴾ منصوب بقوله: ﴿ أَفْرِغْ ﴾ وتقديره آتوني قطراً: ﴿ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ثم قال: ﴿ فَمَا اسطاعوا ﴾ فحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من الطاء وقرئ: ﴿ فَمَا اصطاعوا ﴾ بقلب السين صاداً ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أن يعلوه أي ما قدروا على الصعود عليه لأجل ارتفاعه وملاسته ولا على نقبه لأجل صلابته وثخانته، ثم قال ذو القرنين: ﴿ هذا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى ﴾ فقوله هذا إشارة إلى السد، أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده أو هذا الاقتدار والتمكين من تسويته: ﴿ فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى ﴾ يعني فإذا دنا مجيء القيامة جعل السد دكاً أي مدكوكاً مسوى بالأرض.

وكل ما انبسط بعد الارتفاع فقد اندك وقرئ دكاء بالمد أي أرضاً مستوية ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً ﴾ وهاهنا آخر حكاية ذي القرنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا مَكَّنّى فِيهِ رَبّى خَيْرٌ ﴾ ما جعلني فيه مكيناً من كثرة المال واليسار، خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة بي إليه، كما قال سليمان صلوات الله عليه: ﴿ فَمَا ءاتانى الله خَيْرٌ مّمَّا ءاتاكم ﴾ [النمل: 36] .

قرئ: بالإدغام وبفكه.

﴿ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ ﴾ بفعله وصناع يحسنون البناء والعمل، وبالآلات ﴿ رَدْمًا ﴾ حاجزاً حصيناً موثقاً.

والردم أكبر من السدّ، من قولهم: ثوب مردم، رقاع فوق رقاع.

وقيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد، بينهما الحطب والفحم حتى سدّ ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، صبّ النحاس المذاب على الحديد المحمي فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.

وقيل: بعد ما بين السدّين مائة فرسخ.

وقرئ: ﴿ سوّى ﴾ ، و ﴿ سووى ﴾ .

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟

قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: ﴿ قد رأيته ﴾ والصدفان- بفتحتين-: جانبا الجبلين، لأنهما يتصادقان أي: يتقابلان، وقرئ: ﴿ الصدفين ﴾ بضمتين.

و ﴿ الصدفين ﴾ بضمة وسكون.

﴿ الصدفين ﴾ بفتحة وضمة.

والقطر، النحاس المذاب لأنه يقطر و ﴿ قِطراً ﴾ منصوب بأفرغ وتقديره آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.

وقرئ: ﴿ قال ائتوني ﴾ ، أي جيئوني ﴿ فَمَا اسطاعوا ﴾ بحذف التاء للخفة؛ لأنّ التاء قريبة المخرج من الطاء.

وقرئ: ﴿ فما اصطاعوا ﴾ ، بقلب السين صادا.

وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء، فملاق بين ساكنين على غير الحدّ ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أي يعلوه، أي: لا حيلة لهم فيه من صعود.

لارتفاعه وانملاسه، ولا نقب لصلابته وثخانته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَما اسْطاعُوا ﴾ بِحَذْفِ التّاءِ حَذَرًا مِن تَلاقِي مُتَقارِبَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ بِالإدْغامِ جامِعًا بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ.

وقُرِئَ بِقَلْبِ السِّينِ صادًا.

﴿ أنْ يَظْهَرُوهُ ﴾ أنْ يَعْلَوْهُ بِالصُّعُودِ لِارْتِفاعِهِ وانْمِلاسِهِ.

﴿ وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ لِثِخَنِهِ وصَلابَتِهِ.

وقِيلَ حَفَرَ لِلْأساسِ حَتّى بَلَغَ الماءَ، وجَعَلَهُ مِنَ الصَّخْرِ والنُّحاسِ المُذابِ والبُنْيانِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ بَيْنَهُما الحَطَبُ والفَحْمُ حَتّى ساوى أعْلى الجَبَلَيْنِ، ثُمَّ وضَعَ المَنافِيخَ حَتّى صارَتْ كالنّارِ فَصُبَّ النُّحاسُ المُذابُ عَلَيْهِ فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وصارَ جَبَلًا صَلْدًا.

وقِيلَ بَناهُ مِنَ الصُّخُورِ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ بِكَلالِيبَ مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ مُذابٍ في تَجاوِيفِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فما استطاعوا} بحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من الطاء {أَن يَظْهَرُوهُ} أن يعلوا السد {وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا} أي لا حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه ولا نقب لصلابته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَما اسْطاعُوا ﴾ بِحَذْفِ تاءِ الِافْتِعالِ تَخْفِيفًا وحَذَرًا عَنْ تَلاقِي المُتَقارِبَيْنِ في المَخْرَجِ وهُما الطّاءُ والتّاءُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وطَلْحَةُ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ وفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو عَلِيٍّ وجَوَّزَهُ جَماعَةٌ، وقَرَأ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ ( فَما اصْطاعُوا ) بِقَلْبِ السِّينِ صادًا لِمُجاوِرَةِ الطّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( فَما اسْتَطاعُوا ) بِالتّاءِ مِن غَيْرِ حَذْفٍ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ مِن إيتاءِ القِطْرِ أوِ الإتْيانِ فَأفْرَغَ عَلَيْهِ فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَصارَ جَبَلًا صَلْدًا فَجاءَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وقَصَدُوا أنْ يُعْلُوهُ ويَنْقُبُوهُ فَما اسْطاعُوا ﴿ أنْ يَظْهَرُوهُ ﴾ أيْ يَعْلُوهُ ويَرْقَوْا فِيهِ لِارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ، قِيلَ: كانَ ارْتِفاعُهُ مِائَتَيْ ذِراعٍ، وقِيلَ: ألْفٌ وثَمانُمِائَةِ ذِراعٍ ﴿ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ لِصَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ.

قِيلَ: وكانَ عَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وكانَ أساسُهُ قَدْ بَلَغَ الماءَ وقَدْ جَعَلَ فِيهِ الصَّخْرَ والنُّحاسَ المُذابَ وكانَتْ زُبَرُ الحَدِيدِ لِلْبِناءِ فَوْقَ الأرْضِ، ولا يَخْفى أنَّ إفْراغَ القِطْرِ عَلَيْها بَعْدَ أنْ أثَّرَتْ فِيها حَرارَةُ النّارِ حَتّى صارَتْ كالنّارِ مَعَ ما ذَكَرُوا مِن أنَّ امْتِدادَ السَّدِّ في الأرْضِ مِائَةُ فَرْسَخٍ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرٍ إلَهِيٍّ خارِجٍ عَنِ العادَةِ كَصَرْفِ تَأْثِيرِ حَرارَةِ النّارِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ المُباشِرِينَ لِلْأعْمالِ، وإلّا فَمِثْلُ تِلْكَ الحَرارَةِ عادَةً مِمّا لا يَقْدِرُ حَيَوانٌ عَلى أنْ يَحُومَ حَوْلَها، ومِثْلُ ذَلِكَ النَّفْخِ في هاتِيكَ الزُّبَرِ العَظِيمَةِ الكَثِيرَةِ حَتّى تَكُونَ نارًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ بِواسِطَةِ آلاتٍ غَرِيبَةٍ أوْ أعْمالٍ أُوتِيَها هو أوْ أحَدٌ مِمَّنْ مَعَهُ لا يَكادُ أحَدٌ يَعْرِفُها اليَوْمَ، ولِلْحُكَماءِ المُتَقَدِّمِينَ بَلْ والمُتَأخِّرِينَ أعْمالٌ عَجِيبَةٌ يَتَوَصَّلُونَ إلَيْها بِآلاتٍ غَرِيبَةٍ تَكادُ تَخْرُجُ عَنْ طَوْرِ العَقْلِ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ فَلْيَكُنْ ما وقَعَ لِذِي القَرْنَيْنِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وقِيلَ: كانَ بِناؤُهُ مِنَ الصُّخُورِ مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ بِكَلالِيبَ مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ مُذابٍ في تَجاوِيفِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ هُناكَ فَجْوَةٌ أصْلًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي بَكْرَةٍ الشَّفِّيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَأيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قالَ: انْعَتْهُ لِي، قالَ: كالبُرْدِ المُحَبَّرِ طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ، قالَ: قَدْ رَأيْتَهُ»، والظّاهِرُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ لا مَنامِيَّةٌ وهو أمْرٌ غَرِيبٌ إنْ صَحَّ الخَبَرُ، وأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ العَبّاسِيَّ أرْسَلَ سَلامًا التُّرْجُمانَ لِلْكَشْفِ عَنْ هَذا السَّدِّ، فَذَهَبَ جِهَةَ الشَّمالِ في قِصَّةٍ تَطُولُ حَتّى رَآهُ ثُمَّ عادَ، وذَكَرَ لَهُ مِن أمْرِهِ ما ذَكَرَ فَثِقاتُ المُؤَرِّخِينَ عَلى تَضْعِيفِهِ، وعِنْدِي أنَّهُ كَذَبَ لِما فِيهِ مِمّا تَأْبى عَنْهُ الآيَةُ كَما لا يَخْفى عَلى الواقِفِ عَلَيْهِ تَفْصِيلًا.

ولا يَخْفى لُطْفُ الإتْيانِ بِالتّاءِ في اسْتَطاعُوا هُنا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، أي يخرجون إلى أرضنا ويأكلون رطبنا، ويحملون يابسنا، ويقتلون أولادنا.

وكان يأجوج رجلاً ومأجوج رجلاً، وكانا أخوين من بني يافث بن نوح، فكثر نسلهما فنسب إليهما.

ويقال: سمي يأجوج ومأجوج لكثرتهم وازدحامهم، لأنهم يموجون بعضهم في بعض.

فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ عاصم: يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بهمز الألف، وقرأ الباقون بغير همز، وقرأ حمزة والكسائي خَرَاجاً بالألف وقرأ الباقون خَرْجاً بغير ألف، ويقال: الخراج هو الضريبة، والخرج هو الجعل، ويقال: أحدهما اسم والآخر مصدر.

عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، أي حاجزاً.

ف قالَ ذو القرنين: مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ قرأ ابن كثير مَا مكّنني بنونين وهو الأصل في اللغة، وقرأ الباقون مَكَّنِّي فأدغم إحدى النونين في الأخرى وأقيم التشديد مقامه، أي ما ملَّكني وأعطاني فيه ربي من القوة والمال خير من جعلكم، ويقال: ما يعطيني الله تعالى في الآخرة من الثواب خير من جعلكم في الدنيا.

فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ قالوا: وما تريد؟

قال: آلة العمل وهي آلة الحدادين.

أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً.

قالوا: وما هي؟

قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ، أي قطع الحديد أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً قرأ عاصم في إحدى الروايتين ائتوني على معنى جيئوني، وقرأ الباقون آتُونِي بمد الألف أي أعطوني.

فأتوه بقطع الحديد فبناه.

حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الصَّدَفَيْنِ بضم الصاد والدال، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر الصَّدَفَيْنِ بضم الصاد وجزم الدال، وقرأ الباقون بنصب الصاد والدال، وهما ناحيتا الجبل.

فأخذ قطع الحديد وجعل بينهما حطباً وفحماً، ووضع المنافخ وقال: انفخوا.

فنفخوه حتى صار كهيئة النار.

ثم أتى بالصفر ويقال: بالنحاس، فأذابه وأفرغ عليه حتى صار جبلاً من حديد ونحاس، فذلك قوله حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ أي بين الجبلين.

قالَ انْفُخُوا، فنفخوا.

حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نَاراً، أي صيَّر الحديد ناراً، قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً، وهو الصفر المذاب أصبُبْ عليه.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة قالَ ائْتُونِي بجزم الألف والباقون بالمد فَمَا اسْطاعُوا، أي فما قدروا أَنْ يَظْهَرُوهُ، يعني: أن يعلوا فوق السد.

وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً، أي ما قدروا على نقب السد.

ويقال: مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً أي ما تحت السد في الأرض، لأنه بناه في الأرض إلى السماء.

قال الفقيه  : حدثنا عمرو بن محمد قال: حدثنا أبو بكر الواسطي قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو حفص، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة  إن النبيّ  : قال: «إنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ الرَّدْمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى إذا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْس، قَالَ الذين عليهم: ارجعوا فسنحفره غَداً، فَيُعِيدُهُ الله كَمَا كَانَ.

حَتَّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، قَالَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُه غَداً إنْ شَاءَ الله تَعَالَى.

فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَإذا هُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيَسْتَقُونَ المِيَاهَ وَتُحَصَّنُ النَّاسُ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَبْعَثُ الله عَلَيْهِمْ نغفاً فِي أَقْفِيَتِهِمْ فَيُهْلِكُهُمُ الله بِهَا» (١) وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «أن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يلد لصلبه ألف ابن، وذكر: أن يأجوج ومأجوج- كما ذكرنا- وهما ابنا يافث بن نوح، فإذا انكسر السد وذلك عند اقتراب الساعة، يخرجون فيمرون ببحيرة طبرية بأرض الشام وهي مملوءة ماء فيشربها أولهم، ثم يمر آخرهم فيقولون: لقد كان هاهنا مرة ماء.

قال: والسد نحو بنات نعش، ثم يمرون بالبحر فيأكلون ما في جوفه من سمك وسرطان وسلحفاة أو دابة، ثم يأكلون ورق الشجر، ويأكلون ما في الأرض من شيء، ويهرب الناس منهم فيقتلون من قدروا عليه، ولا يستطيعون أن يأتوا أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد طور سيناء.

ثم لا يرون على الأرض غيرهم، ثم يقولون: لقد قتلنا أهل الأرض وبقي أهل السماء، فيرمون سهامهم نحو السماء فتصيب الطير في جو السماء، فترجع سهامهم مختضبة بالدماء فيقولون: لقد قتلنا أهل السماء وأهل الأرض ولم يبقَ غيرنا.

فيبعث الله تعالى عليهم دوداً يُسمَّى النغف، فيدخل في آذانهم فيقتلهم، فتنتن الأرض من جيفهم، ثم يرسل الله تعالى السّماء أربعين يوماً حتى يحمل السيل جيفهم فيرميها إلى البحر، ويعود البحر كما كان (٢) (١) حديث أبي هريرة: عزاه السيوطي 5/ 462 إلى أبي يعلى والحاكم وصححه وابن عساكر.

(٢) عزاه السيوطي 5/ 461 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والله أعلم بصّحته.

ويَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ: قبيلان من بني آدم، لكنَّهم ينقسمون أنواعاً كثيرةً، اختلف الناس في عددها، واختلف في إفسادهم الذي وصَفُوهم به، فقيل: أكْلُ بَني آدم، وقالت فرقة: إفسادهم: هو الظُّلْم والغَشْم وسائرُ وجوه الإِفساد المعلومِ من البَشَر، وهذا أظهر الأقوال، وقولهم: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً: استفهامٌ على جهة حُسْن الأدبِ، «والخْرجُ» :

المُجْبَى، وهو الخراج، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: «١» «خَرَاجاً» ، وروي في أمر يأجوج ومأجوج أنَّ أرزاقهم هِيَ من التِّنِّينِ يُمْطَرُونَ به، ونحو هذا مما لم يَصِحَّ، وروي أيضاً أنَّ الذَّكَر منهم لا يَمُوتُ حتى يولَدَ له ألْفٌ والأنثى كذلك، وروي أنهم يتسافَدُونَ في الطُّرُق كالبهائِمِ، وأخبارُهُم تضيقُ بها الصُّحُف، فاختصرْتُ ذلك لعَدَمِ صحَّته.

ت: والذي يصحُّ من ذلك كثْرَةُ عددهم على الجُمْلة، على ما هو معلوم من حديثِ: «أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ» وغيره من الأحاديث.

وقوله: مَا مَكَّنِّي/ فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ المعنى: قال لهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بسطه اللَّه لي من القُدْرة والمُلْك خَيْرٌ من خَرَاجكم، ولكن أعينوني بُقَّوة الأبدان، وهذا من تأييد اللَّه تعالى له، فإِنه تهَدَّى في هذه المحاورة إِلى الأنفع الأَنْزَه، فإِنَّ القوم لو جمعوا له الخَرَاجَ الذي هو المالُ، لم يُعِنْهُ منهم أحدٌ، ولَوَكَّلُوه إلى البنيان، ومعونتهم بالقوّة أجمل به.

وقوله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ...

الآية: قرأ حمزة «٢» وغيره: «ائْتُوني» بمعنى «جيئوني» ، وقرأ نافع وغيره: «آتوني» بمعنى «أعْطُوني» ، وهذا كله إِنما هو استدعاء

المناولة، وإِعمالُ القوَّة «والزُّبَر» جمع زُبْرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرَصَفَه وبنَاه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان، وقوله: قالَ انْفُخُوا ...

إلى آخر الآية، معناه: أنه كان يأمر بوَضْع طاقة من الزُّبَر والحجارةِ، ثم يوقد عليها حَتَّى تحمَى ثم يؤتَى بالنُّحَاس المُذَاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسب الخلافِ في «القِطْر» ، فيفرغه على تلك الطاقة المنضَّدة، فإِذا التأم واشتدَّ، استأنَفَ رَصْفَ طاقةٍ أخرى إلى أن استوَى العَمَلُ، وقال أكثر المفسِّرين: «القِطْر» : النُّحَاس المُذَابُ، ويؤيِّد هذا ما روي أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي رَأَيْتُ سَدَّ يُأْجُوجُ ومَأْجُوجَ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأْيْتَهُ؟

قَالَ:

رَأَيْتُهُ كَالبُرُدِ المُحَبَّر طَريقَةٌ صَفْرَاءُ، وَطَرِيقَةٌ حمراء، وطريقة سوداء، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «قد رأيته» «١» ويَظْهَرُوهُ ومعناه: يعلونه بُصعُودٍ فيه ومنه قوله في «الموطّإ» ، و «الشمس في حجرِتها قَبْل أَنْ تَظْهَرَ» ، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً لبُعْد عَرْضه وقوَّته، ولا سبِيلَ سَوى هذين: إما ارتقاءٌ، وإِما نَقْب، وروي أن في طُولَه ما بَيْنَ طرفَيِ الجبلَيْنِ مِائَة فَرْسَخِ، وفي عَرْضه خمسينَ فرسخاً، وروي غير هذا مما لم نَقِفْ على صحَّته، فاختصرناه، إِذ لا غاية للتخرُّص وقوله في الآية انْفُخُوا يريد بالأَكْيَار.

وقوله: هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ...

الآية: القائل ذو القرنين، وأشار ب هذا إِلى الرَّدْمِ والقوةِ عليه، والانتفاعِ به، والوعدُ يحتملُ أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أنْ يريد به وقْتَ خروجِ يأجُوجَ ومأجوج، وقرأ «٢» نافع وغيره: «دَكًّا» مصدر «دَكَّ يَدُكُ» ، إِذا هدم ورض، ونَاقةٌ دَكَّاء لا سَنَام لها، والضمير في تَرَكْنا للَّه عزَّ وجلَّ.

وقوله: يَوْمَئِذٍ يحتمل أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أنْ يريد به يَوْمَ كمالِ السَّدِّ، والضميرُ في قوله: بَعْضَهُمْ على هذا ليأجوجَ ومأجُوجَ، واستعارة المَوْج لهم عبارةٌ عن الحَيْرة، وتردُّدِ بعضهم في بَعْضٍ، كالمُوَلَّهينَ مِنْ هَمٍّ وخوفٍ ونحوه، فشبَّههم بموجِ البَحْر الذي يضطرب بعضُه في بعض.

وقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ...

إلى آخر الآية: يعني به يومَ القيامة بلا احتمال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ؛ أيْ: طَرِيقًا ثالِثًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُما جَبَلانِ مَنِيفانِ في السَّماءِ، مِن ورائِهِما البَحْرُ ومِن أمامِهِما البُلْدانُ، وهُما بِمُنْقَطَعِ أرْضِ التُّرْكَ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ.

ورَوى عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالُ: الجَبَلانِ مِن قِبَلِ أرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " السَّدَّيْنِ " فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها.

وَهَلِ المَعْنى واحِدٌ أمْ لا ؟

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ واحِدٌ.

قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ ما قابَلَكَ فَسَدَّ ما وراءَهُ، فَهو سَدٌّ وسُدٌّ، نَحْوُ: الضَّعْفُ والضُّعْفُ، والفَقْرُ والفُقْرُ.

قالَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ: السَّدُّ والسُّدُّ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَذْهَبُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُما يَخْتَلِفانِ.

وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مَضْمُومٌ، وما هو مِن فِعْلِ الآَدَمِيِّينَ فَهو مَفْتُوحٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ الفَرّاءُ: وعَلى هَذا رَأيْتُ المَشْيَخَةَ وأهْلَ العِلْمِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّ ( السَّدَّ ) بِفَتْحِ السِّينِ: الحاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، و( السُّدُّ ) بِضَمِّها: الغِشاوَةُ في العَيْنِ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِما ﴾ يَعْنِي: أمامَ السَّدَّيْنِ، ﴿ قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ﴿ يَفْقَهُونَ قَوْلا ﴾ ) بِفَتْحِ الياءِ؛ أيْ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونُ: مَعْناهُ: أنَّهم يَفْهَمُونَ بَعْدَ إبْطاءٍ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما كادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونُ: وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَتِهِمْ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( يُفْقِهُونَ ) بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: يُفْهِمُونَ غَيْرَهم.

وقِيلَ: كَلَّمَ ذا القَرْنَيْنِ عَنْهم مُتَرْجِمُونَ تَرْجَمُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴾ هُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، وقَدْ هَمَزَهُما عاصِمٌ.

قالَ اللَّيْثُ: الهَمْزُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْجُوجُ رَجُلٌ ومَأْجُوجُ رَجُلٌ، وهُما ابْنا يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ عَشْرَةُ أجْزاءٍ، ووَلَدُ آَدَمَ كُلُّهم جُزْءٌ، وهم شِبْرٌ وشِبْرانِ وثَلاثَةُ أشْبارٍ.

وقالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: مِنهم مَن طُولُهُ شِبْرٌ، ومِنهم مَن هو مُفْرِطٌ في الطُّولِ، ولَهم مِنَ الشَّعْرِ ما يُوارِيهِمْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: هم جِيلٌ مِنَ التُّرْكِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: التُّرْكُ سَرِيَّةٌ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ خَرَجَتْ تُغِيرُ، فَجاءَ ذُو القَرْنَيْنِ فَضَرَبَ السَّدَّ، فَبَقِيَتْ خارِجَهُ.

ورَوى شَقِيقٌ «عَنْ حُذَيْفَةَ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللهِ  عَنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فَقالَ: " يَأْجُوجُ أُمَّةٌ ومَأْجُوجُ أُمَّةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ أرْبَعِمِائَةِ [ ألْفِ ] أُمَّةٍ، لا يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنهم حَتّى يَنْظُرَ إلى ألْفِ ذَكَرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن صُلْبِهِ كُلٌّ قَدْ حَمَلَ السِّلاحَ.

قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهم لَنا، قالَ: هم ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ مِنهم أمْثالُ الأُرْزِ.

قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما الأُرْزُ ؟

قالَ: شَجَرٌ بِالشّامِ، طُولُ الشَّجَرَةِ عُشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ في السَّماءِ، وصِنْفٌ مِنهم عَرْضُهُ وطُولُهُ سَواءٌ عِشْرُونَ ومِائَةَ ذِراعٍ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَقُومُ لَهم جَبَلٌ ولا حَدِيدٌ، وصِنْفٌ مِنهم يَفْتَرِشُ أحَدُهم أُذُنَهُ ويَلْتَحِفُ بِالأُخْرى، ولا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ ولا وحْشٍ، ولا جَمَلٍ ولا خِنْزِيرٍ، إلّا أكَلُوهُ، ومَن ماتَ مِنهم أكَلُوهُ، مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقُهم بِخُراسانَ، يَشْرَبُونَ أنْهارَ المَشْرِقِ وبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ "» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ في هَذا الفَسادِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلَ قَوْمِ لُوطٍ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ النّاسَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.

والثّالِثُ: يُخْرِجُونَ إلى الأرْضِ الَّذِينَ شَكَوْا مِنهم أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَدْعُونَ شَيْئًا أخْضَرَ إلّا أكَلُوهُ، ولا يابِسًا إلّا احْتَمَلُوهُ إلى أرْضِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ.

وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟

فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ.

والثّانِي: أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ: ما لَزِمَكَ أداؤُهُ، قالَهُ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ.

قالَ المُفَسِّرُونُ: المَعْنى: هَلْ نُخْرِجُ إلَيْكَ مِن أمْوالِنا شَيْئًا كالجُعْلِ لَكَ ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما مَكَّنِّي ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( مَكَّنَنِي ) بِنُونَيْنِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ مَكَّةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأُ: ( مَكَّنِّي ) بِالتَّشْدِيدِ، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ.

ومَن قَرَأُ: ( مَكَّنَنِي ) أظْهَرَ النُّونَيْنِ؛ لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِنَ الفِعْلِ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ.

وَفِي الَّذِي أرادَ بِتَمْكِينِهِ مِنهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وطَلَبُ ثَوابِهِ.

والثّانِي: ما مَلَكَ مِنَ الدُّنْيا.

والمَعْنى: الَّذِي أعْطانِيِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ لِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الآَلَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

فَأمّا الرَّدْمُ فَهو الحاجِزُ؛ قالَ الزَّجّاجُ: والرَّدْمُ في اللُّغَةِ أكْبَرُ مِنَ السَّدِّ؛ لِأنَّ الرَّدْمَ: ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالَ: ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ: إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( رَدْمًا آَتُونِي )؛ أيْ: أعْطُونِي.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( رَدْمٍ ايتُونِي ) بِكَسْرِ التَّنْوِينِ؛ أيْ: جِيئُونِي بِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: احْمِلُوها إلَيَّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: أعْطُونِي.

وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: إيتُونِي بِها، فَلَمّا أُلْقِيَتِ الياءُ زِيدَتْ ألِفٌ.

فَأمّا الزُّبُرُ فَهي القِطَعُ، واحِدَتُها: زُبْرَةٌ، والمَعْنى: فَأتَوْهُ بِها فَبَناهُ، ﴿ حَتّى إذا ساوى ﴾ رَوى أبانُ: ( إذا سَوّى ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قالَ الفَرّاءُ: ساوى وسَوّى سَواءٌ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ﴿ الصَّدَفَيْنِ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( الصُّدُفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهي لُغَةُ حَمِيرٍ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ( الصُّدْفَيْنِ ) بِضَمِّ الصّادِ وتَسْكِينِ الدّالِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وَحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ الصّادِ والدّالِ جَمِعَيًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واخْتارَها ثَعْلَبٌ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( الصَّدُفَيْنِ ) بِفَتْحِ الصّادِ ورَفْعِ الدّالِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والزُّهْرِيُّ، والجَحْدَرِيُّ بِرَفْعِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: صَدَفَ، عَلى مِثالِ: نَغَرَ، وكُلُّ هَذِهِ لُغاتٌ في الكَلِمَةِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّدَفانِ: جَنْبا الجَبَلِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ لِجانِبَيِ الجَبَلِ: صَدَفانِ، إذا تَحاذَيا لِتَصادُفِهِما؛ أيْ: لِتَلاقِيهِما.

قالَ المُفَسِّرُونُ: حَشا ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِالحَدِيدِ، ونَسْجَ بَيْنَ طَبَقاتِ الحَدِيدِ الحَطَبَ والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، ثُمَّ ﴿ قالَ انْفُخُوا ﴾ فَنَفَخُوا، ﴿ حَتّى إذا جَعَلَهُ ﴾ يَعْنِي: الحَدِيدَ، وقِيلَ: الهاءُ تَرْجِعُ إلى ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، " نارًا "؛ أيْ: كالنّارِ؛ لِأنَّ الحَدِيدَ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمَنافِيخِ صارَ كالنّارِ.

﴿ قالَ آتُونِي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( آَتَوْنِي ) مَمْدُودَةً، والمَعْنى: أعْطُونِي.

وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( إيتُونِي ) مَقْصُورَةً، والمَعْنى: جِيئُونِي بِهِ أُفْرِغْهُ عَلَيْهِ.

وَفِي القِطْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّحاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَدِيدُ الذّائِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: الصُّفْرُ المُذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: الرَّصاصُ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ المُفَسِّرُونُ: أذابَ القِطْرَ ثُمَّ صَبَّهُ عَلَيْهِ، فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا مِن حَدِيدٍ وقِطْرٍ.

قالَ قَتادَةُ: فَهو كالبَرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اسْطاعُوا ﴾ أصْلُهُ: فَما اسْتَطاعُوا، فَلَمّا كانَتِ التّاءُ والطّاءُ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، أحَبُّوا التَّخْفِيفَ فَحَذَفُوا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما تَقُولُ العَرَبُ: اسْطاعَ، تَخْفِيفًا، كَما قالُوا: سَوْفَ يَقُومُ، وسَيَقُومُ، فَأسْقَطُوا الفاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَظْهَرُوهُ ﴾ ؛ أيْ: يَعْلُوهُ، يُقالَ: ظَهَرَ فُلانٌ فَوْقَ البَيْتِ: إذا عَلاهُ، والمَعْنى: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوهُ لِارْتِفاعِهِ وإمْلاسِهِ.

﴿ وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ مِن أسْفَلِهِ؛ لِشِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ  ، قالَ: " «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفُرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ، فَيَرَوْنَهُ كَأشَدِّ ما كانَ، حَتّى إذا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وأرادَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ، حَفَرُوا حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ، قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفُرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفُرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» "، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ بِطُولِهِ وأشْباهَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ " فَكَرِهْتُ التَّطْوِيلَ هاهُنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي ﴾ لَمّا فَرَغَ ذُو القَرْنَيْنِ مِن بُنْيانِهِ قالَ هَذا.

وفِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدْمُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، قالَ: فالمَعْنى: هَذا نِعْمَةٌ مِن رَبِّي عَلى المُسْلِمِينَ؛ لِئَلا يَخْرُجُوا إلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكَ بِهِ عَمَلَ السَّدِّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القِيامَةُ.

والثّانِي: وعْدُهُ لِخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( دَكًّا ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ ولا مَمْدُودٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( دَكّاءَ ) مَمْدُودَةً مَهْمُوزَةً بِلا تَنْوِينٍ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في ( الأعْرافِ: ١٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾ ؛ أيْ: بِالثَّوابِ والعِقابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴾ ﴿ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا ﴾ ﴿ وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا ﴾ ﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إيتُونِي" بِمَعْنى: جِيئُونِي، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "آتَوْنِي" بِمَعْنى: أعْطَوْنِي، وهَذا كُلُّهُ مُتَقارِبٌ، إنَّما هو اسْتِدْعاءٌ إلى المُناوَلَةِ لا اسْتِدْعاءُ العَطِيَّةِ والهِبَةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ ارْتَبَطَ مِن قَوْلِهِ إنَّهُ لا يَأْخُذُ مِنهُمُ الخَرْجَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا اسْتِدْعاءُ المُناوَلَةِ وأعْمالُ القُوَّةِ، و"إيتُونِي" أشْبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ  ﴾ ، ونَصْبُ "الزُبُرَ" عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ.

حُذِفَ الجارِ فَنُصِبَ الفِعْلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُبَرَ" بِفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وكُلُّ ذَلِكَ جَمْعٌ "زُبْرَةٍ"، وهي القِطْعَةُ العَظِيمَةُ مِنهُ.

والمَعْنى: فَرَصَفَهُ وبَناهُ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَدَفَيْنِ، فاخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ساوى"، وقَرَأ قَتادَةُ: "سَوّى"، و"الصَدَفانِ": الجَبَلانِ المُتَناوِحانِ، ولا يُقالُ لِلْواحِدِ: صَدَفٌ، وإنَّما يُقالُ "صَدَفانِ" لِاثْنَيْنِ أحَدُهُما يُصادِفُ الآخَرَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "الصَدَفَيْنِ" بِفَتْحِ الصادِ وشَدِّها، وهي قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرُو: "الصُدُفَيْنِ" بِضَمِّ الصادِّ والدالِّ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والحَسَنُ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "الصُدْفَيْنِ" بِضَمِّ الصادِ وسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "بَيْنَ الصَدْفَيْنِ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ الدالِ.

وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى واحِدٍ، هُما الجانِبانِ المُتَناوِحانِ، وقِيلَ: "الصَدَفانِ": السَطْحانِ الأعْلَيانِ مِنَ الجَبَلَيْنِ، وهَذا نَحْوٌ مِنَ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ انْفُخُوا ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِوَضْعِ طاقَةٍ مِنَ الزُبُرِ والحِجارَةِ، ثُمَّ يُوقَدُ عَلَيْها حَتّى تُحْمى، ثُمَّ يُؤْتى بِالنُحاسِ المُذابِ أوِ الرَصاصِ أو بِالحَدِيدِ -بِحَسَبِ الخِلافِ في "القِطْرِ"- فَيُفْرِغُهُ عَلى تِلْكَ الطاقَةِ المُنَضَّدَةِ، فَإذا التَأمَ واشْتَدَّ اسْتَأْنَفَ رَصْفَ طاقَةٍ أُخْرى إلى أنِ اسْتَوى العَمَلُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَحابَةِ: "بِقُطْرٍ أُفْرِغْ عَلَيْهِ".

وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: "القِطْرُ": النُحاسُ المُذابُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما رُوِيَ «عن رَسُولِ اللهِ  ، جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي رَأيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَ: كَيْفَ رَأيْتُهُ؟

قالَ: رَأيْتُهُ كالبُرْدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقَةٌ صَفْراءُ، وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ، وطَرِيقَةٌ سَوْداءُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : قَدْ رَأيْتُهُ،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: "القِطْرُ": الرَصاصُ المُذابُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ" القِطْرُ": الحَدِيدُ الذائِبُ.

وهو مُشْتَقٌّ مِن قَطَرَ يَقْطُرُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: " فَمًا اسْتَطاعُوا" لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَما اسْطاعُوا" بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ الطاءِ، وقَرَأتْ فَرِقْةٌ بِشَدِّ الطاءِ، وفِيها تَكَلُّفٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الساكِنِينَ.

و"يَظْهَرُوهُ" مَعْناهُ: يَعْلُوهُ بِصُعُودِ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في المُوَطَّإ: "والشَمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ".

﴿ وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ لِبُعْدِ عَرْضِهِ وقُوَّتِهِ، ولا سَبِيلَ سِوى هَذَيْنَ، إمّا ارْتِقاءٌ وإمّا نَقْبٌ.

ورُوِيَ أنَّ في طُولِهِ ما بَيْنَ طَرَفَيِ الجَبَلَيْنِ مِائَةُ فَرْسَخٍ وعَرَضُهُ خَمْسُونَ فَرْسَخًا، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا ثُبُوتَ لَهُ إذْ لا غايَةَ لِلتَّخَرُّصِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: "انْفُخُوا" أيْ بِالأكْوارِ.

وقَوْلُهُ: "اسْطاعُوا" بِتَخْفِيفِ الطاءِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، قِيلَ: هي لُغَةٌ بِمَعْنى: اسْتَطاعُوا، وقِيلَ: اسْتَطاعُوا بِعَيْنِهِ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ حَتّى حَذْفَ بَعْضُهم مِنهُ التاءَ فَقالَ: اسْطاعُ، وحَذَفَ بَعْضُهُمُ الطاءَ فَقالَ: اسْتاعَ يَسْتَيِعُ، بِمَعْنى اسْتَطاعَ يَسْتَطِيعُ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فَما اسِطّاعُوا" بِتَشْدِيدِ الطاءِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: هي غَيْرُ جائِزَةٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَما اسْتَطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا" بِالتاءِ في المَوْضِعَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي ﴾ الآيَةُ.

القائِلُ هو ذُو القَرْنَيْنِ، وأشارَ بِهَذا إلى الرَدْمِ والقُوَّةِ عَلَيْهِ والِانْتِفاعِ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ".

و"الوَعْدُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وقْتَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عُمَرَ: "دَكًّا" مَصْدَرُ دَكَّ يَدُكُّ إذا هَدَمَ ورَضَّ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "دَكّاءَ" بِالمَدِّ، وهَذا عَلى التَشْبِيهِ بِالناقَةِ الدَكّاءِ، هي الَّتِي لا سَنامَ لَها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: جَعْلُهُ مِثْلَ دَكّاءَ، وأمّا النَصْبُ في "دَكًّا" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِـ "جَعَلَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَعَلَ" بِمَعْنى خَلَقَ ويُنْصَبُ "دَكًّا" عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ أيْضًا النَصْبُ في قِراءَةِ مِن مَدٍّ يُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ.

والضَمِيرُ في "تَرَكْنا" لِلَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: "يَوْمَئِذٍ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهُ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَعْضَهُمْ" عَلى ذَلِكَ -لِجَمِيعِ الناسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "يَوْمَئِذٍ" يَوْمَ كَمالِ السَدِّ، فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَعْضَهُمْ" لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، واسْتِعارَةُ "المَوْجِ" لَهم عِبارَةٌ عَنِ الحَيْرَةِ وتَرَدُّدِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ كالوالِهِينَ مِن هَمًّ وخَوْفٍ، فَشَبَّهَهم بِمَوْجِ البَحْرِ الَّذِي يَضْطَرِبُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا احْتِمالَ لِغَيْرِهِ، فَمَن تَأوَّلَ الآيَةَ كُلَّها في يَوْمِ القِيامَةِ اتَّسَقَ تَأْوِيلُهُ، ومَن تَأوَّلَ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَمُوجُ في بَعْضٍ ﴾ في أمْرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ تَأوَّلَ القَوْلَ: "وَتَرَكْناهم يَمُوجُونَ" دَأبا عَلى مَرِّ الدَهْرِ وَتَناسُلِ القُرُونِ بَيْنَهُمِ وقِيامِهِمْ، ثُمَّ نُفِخَ في الصُورِ فَيَجْتَمِعُونَ، و"الصُوَرُ": في قَوْلِ الجُمْهُورِ وظاهِرِ الأحادِيثِ الصِحاحِ هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفَخُ فِيهِ لِلْقِيامَةِ، وفي الحَدِيثِ: قالَ رَسُولُ اللهِ  أنَّهُ قالَ: « "كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَطَ القَرْنَ وحَنّا الجَبْهَةَ وأصْغى بِالأُذُنِ مَتى يُؤْمَرُ"، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  فَقالَ: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ، وعَلى اللهِ تَوَكَّلْنا، ولَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ مِنى ما أجَّلُوا ذَلِكَ القَرْنَ"،» وأمّا "النَفَخاتُ" فَأسْنَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "الصُوَرُ قَرْنٌ عَظِيمٌ يَنْفُخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: الأُولى نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانِيَةُ نَفْخَةُ الصَعْقِ، والثالِثَةُ نَفْخَةُ القِيامِ"،» وقالَ بَعْضُ الناسِ: "النَفَخاتُ" اثْنَتانِ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهي نَفْخَةُ الصَعْقِ، ثُمَّ الأُخْرى الَّتِي هي لِلْقِيامِ.

ومَلَكُ الصُورِ هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُورُ جَمْعُ صُورَةٍ، فَكَأنَّهُ أرادَ صُوَرَ البَشَرِ والحَيَوانِ نُفِخَ فِيها الرُوحُ.

والأوَّلُ أبْيَنُ وأكْثَرُ في الشَرِيعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ ﴾ مَعْناهُ: أبْرَزْناها لَهم لِتَجْمَعَهم وتُحَطِّمَهُمْ، ثُمَّ أكَّدَ بِالمَصْدَرِ عِبارَةً عن شِدَّةِ الحالِ، ورَوى الطَبَرِيُّ في هَذا حَدِيثًا مُضَمِّنُهُ أنَّ النارَ تُرْفَعُ لِلْيَهُودِ والنَصارى كَأنَّها السَرابُ، فَيُقالُ لَهُمْ: هَلْ لَكَمَ في الماءِ حاجَةٌ؟

فَيَقُولُونَ: نَعِمَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

السدّ بضم السين وفتحها: الجبل.

ويطلق أيضاً على الجدار الفاصل، لأنه يسد به الفضاء، وقيل: الضم في الجبل والفتح في الحاجز.

وقرأه نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف، ويعقوب بضم السين وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم بفتح السين على لغة عدم التفرقة.

والمراد {بالسدين هنا الجبلان، وبالسد المفرد الجدار الفاصل، والقرينة هي التي عيّنت المراد من هذا اللفظ المشترك.

وتعريف السَّدَّيْنِ} تعريف الجنس، أي بين سدّين معينين، أي اتبع طريقاً آخر في غزوه حتى بلغ بين جبلين معلومين.

ويظهر أن هذا السبب اتّجه به إلى جهة غير جهتي المغرب والمشرق، فيحتمل أنها الشمال أو الجنوب.

وعينه المفسّرون أنه للشمال، وبنوا على أن ذا القرنين هو إسكندر المقدوني، فقالوا: إن جهة السدّين بين (أرمينيا وأذربيجان).

ونحن نبني على ما عيّناه في الملقب بذي القرنين، فنقول: إن موضع السدين هو الشمال الغربي لصحراء (قوبِي) الفاصلة بين الصين وبلاد المغول شمال الصين وجنوب (منغوليا).

وقد وجد السد هنالك ولم تزل آثارهُ إلى اليوم شاهدَها الجغرافيون والسائحون وصورت صوراً شمسية في كتب الجغرافيا وكتب التاريخ العصرية.

ومعنى ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ أنهم لا يعرفون شيئاً من قول غيرهم فلغتهم مخالفة للغات الأمم المعروفة بحيث لا يعرفها تراجمة ذي القرنين لأن شأن الملوك أن يتخذوا تراجمة ليترجموا لغات الأمم الذين يحتاجون إلى مخاطبتهم، فهؤلاء القوم كانوا يتكلمون بلغة غريبة لانقطاع أصقاعهم عن الأصقاع المعروفة فلا يوجد من يستطيع إفهامهم مراد الملك ولا هم يستطيعون الإفهام.

ويجوز أن يكون المعنى أنهم قوم متوغلون في البداوة والبلاهة فلا يفهمون ما يقصده من يخاطبهم.

وقرأ الجمهور ﴿ يَفْقَهُونَ ﴾ بفتح الياء التحتية وفتح القاف أي لا يفهمون قول غيرهم.

وقرأ حمزة، والكسائي بضم الياء وكسر القاف أي لا يستطيعون إفهام غيرهم قولهم.

والمعنيان متلازمان.

وهذا كما في حديث الإيمان: «نسمع دويّ صوته ولا نفهم ما يقول».

وهؤلاء القوم مجاورون ياجوج وماجوج، وكانوا أضعف منهم فسألوا ذا القرنين أن يقيهم من فساد ياجوج وماجوج.

ولم يذكر المفسرون تعيين هؤلاء القوم ولا أسماء قبيلهم سوى أنهم قالوا: هم في منقطع بلاد الترك نحو المشرق وكانوا قوماً صالحين فلا شك أنهم من قبائل بلاد الصين التي تتاخم بلاد المغول والتّتر.

وجملة ﴿ قَالُوا ﴾ استئناف للمحاورة.

وقد بينا في غير موضع أن جمل حكاية القول في المحاورات لا تقترن بحرف العطف كما في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] الآية.

فعلى أول الاحتمالين في معنى ﴿ لا يَكَادونَ يَفْقَهونَ قَولاً ﴾ أنهم لا يدركون ما يطلب منهم من طاعة ونظام ومع ذلك يعربون عما في نفوسهم من الأغراض مثل إعراب الأطفال، وعلى الاحتمال الثاني أنهم أمكنهم أن يفهم مرادهم بعد لأي.

وافتتاحهم الكلام بالنداء أنهم نادوه نداء المستغيثين المضطرين، ونداؤهم إياه بلقب ذي القرنين يدل على أنه مشهور بمعنى ذلك اللقب بين الأمم المتاخمة لبلاده.

وياجوج وماجوج أمة كثيرة العدد فيحتمل أن الواو الواقعة بين الاسمين حرف عطف فتكون أمة ذات شعبين، وهم المغول وبعض أصناف التتار.

وهذا هو المناسب لأصل رسم الكلمة ولا سيما على القول بأنهما اسمان عربيان كما سيأتي فقد كان الصنفان متجاورين.

ووقع لعلماء التاريخ وعلماء الأنساب في اختلاف إطلاق اسمي المغول والتتار كل على ما يطلق عليه الآخر لعسر التفرقة بين المتقاربين منهما، وقد قال بعض العلماء: إن المغول هم ماجوج بالميم اسم جد لهم يقال له أيضاً (سكيثوس) وربما يقال له (جيته).

وكان الاسم العام الذي يجمع القبيلتين ماجوج ثم انقسمت الأمة فسميت فروعها بأسماء خاصة، فمنها ماجوج وياجوج وتتر ثم التركمان ثم الترك.

ويحتمل أن الواو المذكورة ليست عاطفة ولكنها جاءت في صورة العاطفة فيكون اللفظ كلمة واحدة مركبة تركيباً مزجياً، فيتكون اسماً لأمة وهم المغول.

والذي يجب اعتماده أن ياجوج وماجوج هم المغول والتتر.

وقد ذكر أبو الفداء أن ماجوج هم المغول فيكون ياجوج هم التتر.

وقد كثرت التتر على المغول فاندمج المغول في التتر وغلب اسم التتر على القبيلتين.

وأوضح شاهد على ذلك ما ورد في حديث أمّ حبيبة عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم ياجوج وماجوج مثل هذه».

وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها.

وقد تقدم آنفاً.

ولا يعرف بالضبط وقت انطلاقهم من بلادهم ولا سبب ذلك.

ويقدّر أن انطلاقهم كان أواخر القرن السادس الهجري.

وتشتت ملك العرب بأيدي المغول والتتر من خروج جنكيز خان المغولي واستيلائه على بخارى سنة ست عشرة وستمائة من الهجرة ووصلوا ديار بكر سنة 628هـ ثم ما كان من تخريب هولاكو بغداد عاصمة ملك العرب سنة 660هـ.

ونظير إطلاق اسمين على حي مؤتلف من قبيلتين إطلاق طسم وجديس على أمّة من العرب البائدة، وإطلاق السكاسك والسكرن في القبائل اليمنية، وإطلاق هلال وزغبة على أعراب إفريقية الواردين من صعيد مصر، وإطلاق أولاد وزاز وأولاد يحيى على حيّ بتونس بالجنوب الغربي، ومَرَادة وفِرْجان على حي من وطن نابل بتونس.

وقرأ الجمهور ﴿ ياجوج وماجوج ﴾ كلتيهما بألف بعد التحتية بدون همز، وقرأه عاصم بالهمز.

واختلف المفسرون في أنه اسم عربي أو معرّب، وغالب ظني أنه اسم وضعه القرآن حاكى به معناه في لغة تلك الأمة المناسب لحال مجتمعهم فاشتق لهما من مادة الأج، وهو الخلط، إذ قد علمت أن تلك الأمة كانت أخلاطاً من أصناف.

والاستفهام في قوله ﴿ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ ﴾ ، مستعمل في العَرض.

والخرْج: المال الذي يدفع للملك.

وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء في قراءة الجمهور.

ويقال فيه الخراج بألف بعد الراء، وكذلك قرأه حمزة، والكسائي، وخلف.

وقرأ الجمهور {سُدًّا بضم السين وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف بفتح السين.

وقوله ما مكَّنّي فِيه ربِّي خيرٌ} أي ما آتاني الله من المال والقوة خير من الخراج الذي عرضتموه أو خير من السد الذي سألتموه، أي ما مكنني فيه ربي يأتي بخير مما سألتم، فإنه لاح له أنه إن سد عليهم المرور من بين الصدفين تحيلوا فتسلقوا الجبال ودخلوا بلاد الصين، فأراد أن يبني سُوراً ممتداً على الجبال في طول حدود البلاد حتى يتعذّر عليهم تسلق تلك الجبال، ولذلك سمّاه رَدْماً.

والردم: البناء المردّم.

شبه بالثوب المردّم المؤتلف من رقاع فوق رقاع، أي سُداً مضاعفاً.

ولعله بَنى جدارين متباعدين وردم الفراغ الذي بينهما بالتُراب المخلوط ليتعذر نقبه.

ولما كان ذلك يستدعي عملة كثيرين قال لهم: ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ أي بقوّة الأبدان، أراد تسخيرهم للعمل لدفع الضر عنهم.

وقد بنى ذو القرنين وهو (تْسين شي هوانق تِي) سلطان الصين هذا الردم بناء عجيباً في القرن الثالث قبل المسيح وكان يعمل فيه ملايين من الخَدمَة، فجعل طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة كيلومتر.

وبعضهم يقول: ألفا ومائتي ميل، وذلك بحسب اختلاف الاصطلاح في تقدير الميل، وجعل مبدأه عند البحر، أي البحر الأصفر شرقي مدينة (بيكنغ) عاصمة الصين في خط تجاه مدينة (مُكْدن) الشهيرة.

وذلك عند عرض 4، 540 شمالاً، وطول 02، 512 شرقاً، وهو يلاقي النهر الأصفر حيث الطول 50، 5111 شرقاً، والعرض 50، 539 شمالاً، وأيضاً في 375 عرض شمالي.

ومن هنالك ينعطف إلى جهة الشمال الغربي وينتهي بقرب 599 طولاً شرقياً و540 عرضاً شمالياً.

وهو مبني بالحجارة والآجر وبعضه من الطين فقط.

وسمكه عند أسفله نحو 25 قدماً وعند أعلاه نحو 15 قدماً وارتفاعه يتراوح بين 15 إلى 20 قدماً، وعليه أبراج مبنية من القراميد ارتفاع بعضها نحو 40 قدماً.

وهو الآن بحالة خراب فلم يبق له اعتبار من جهة الدفاع، ولكنه بقي علامة على الحد الفاصل بين المقاطعات الأرضية فهو فاصل بين الصين ومنغوليا، وهو يخترق جبال (يابلوني) التي هي حدود طبيعية بين الصين وبلاد منغوليا فمنتهى طرَفه إلى الشمال الغربي لصحراء (قوبي).

وقرأ الجمهور ﴿ مَكَّنّي ﴾ بنون مدغمة، وقرأه ابن كثير بالفك على الأصل.

وقوله ﴿ ءَاتُوني زُبَرَ الحَدِيدِ ﴾ هو أمر لهم بمناولة زبر الحديد.

فالإيتاء مستعمل في حقيقة معناه وهو المناولة وليس تكليفاً للقوم بأن يجلبوا له الحديد من معادنه لأن ذلك ينافي قوله ﴿ ما مكَّني فيه ربي خير فأعينوني بقوة ﴾ أي أنه غني عن تكليفهم إنفاقاً على جعل السدّ.

وكأن هذا لقصد إقامة أبواب من حديد في مداخل الردم لمرور سيول الماء في شُعَب الجبل حتى لا ينهدم البناء بأن جعل الأبواب الحديدية كالشبابيك تمنع مرور الناس ولا تمنع انسياب الماء من بين قضبها، وجعل قضبان الحديد معضودة بالنحاس المذاب المصبوب على الحديد.

والزُبَر: جمع زُبْرة، وهي القطعة الكبيرة من الحديد.

والحديد: معدن من معادن الأرض يكون قِطعاً كالحَصَى ودون ذلك فيها صلابة.

وهو يصنف ابتداء إلى صنفين: ليّن، ويقال له الحديد الأنثى، وصُلب ويقال له الذكر.

ثم يُصنف إلى ثمانية عشر صنفاً، وألوانه متقاربة وهي السنجابي، منها ما هو إلى الحمرة، ومنها ما هو إلى البياض، وهو إذا صهر بنار قوية في أتون مغلق التأمت أجزاؤه وتجمعت في وسط النار كالإسفنجة واشتدت صلابته لأنه بالصهر يدفع ما فيه من الأجزاء الترابية وهي المسماة بالصدأ والخبث، فتعلو تلك الأجزاء على سطحه وهي الزبَد.

وخبَث الحديد الوارد في الحديث: " إنّ المدينة تنفي خبَثها كما ينفي الكِيرُ خبث الحديد ".

ولذلك فبمقدار ما يطفو من تلك الأجزاء الغريبة الخبيثة يخلص الجزء الحديدي ويصفو ويصير زُبَراً.

ومن تلك الزُبر تُصنع الأشياء الحديدية من سيوف وزجاج ودروع ولأمات، ولا وسيلة لصنعه إلاّ الصهر أيضاً بالنار بحيث تصير الزبرة كالجَمر، فحينئذ تُشَكّل بالشكل المقصود بواسطة المطارق الحديدية.

والعصرُ الذي اهتدى فيه البشر لصناعة الحديد يسمى في التاريخ العصر الحديدي.

وقوله: ﴿ حتَّى إذا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ ﴾ أشعرت ﴿ حَتَّى ﴾ بشيء مغيّاً قبلها، وهو كلام محذوف تقديره: فآتوه زُبَر الحديد فنضدها وبناها حتى إذا جعل ما بين الصدفين مساوياً لعلو الصدفين.

وهذا من إيجاز الحذف.

والمساواة: جعل الأشياء متساوية، أي متماثلة في مقدار أو وصف.

والصدفان بفتح الصاد وفتح الدال في قراءة الجمهور وهو الأشهر.

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب بضم الصاد والدال، وهو لغة.

وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم الصاد وسكون الدال.

والصدف: جانب الجبل، وهما جانبا الجبلين وهما السدان.

وقال ابن عطية والقزويني في «الكشف»: لا يقال إلاّ صدفان بالتثنية، ولا يقال لأحدهما صَدف لأن أحدهما يصادف الآخر، أي فالصدفان اسم لمجموع الجانبين مثل المِقَصّان لما يقطع به الثوب ونحوه.

وعن أبي عيسى: الصدف كلّ بناء عظيم مرتفع.

والخطاب في قوله ﴿ انْفُخُوا ﴾ وقوله ﴿ ءَاتُونِي ﴾ خطاب للعملة.

وحذف متعلّق ﴿ انْفُخُوا ﴾ لظهوره من كون العمل في صنع الحديد.

والتقدير: انفخوا في الكِيرَان، أي الكيران المصفوفة على طول ما بين الصدفين من زُبر الحديد.

وقرأ الجمهور: ﴿ قَالَ ءَاتُونّي ﴾ مثل الأول.

وقرأه حمزة، وأبو بكر عن عاصم والقطر} بكسر القاف: النّحاس المُذاب.

وضمير ﴿ اسْطَاعُوَا ﴾ و ﴿ اسَتَطَاعُوا ﴾ ليأجوج ومأجوج.

والظهور: العلو.

والنقب: كسر الرّدم، وعدم استطاعتهم ذلك لارتفاعه وصلابته.

و ﴿ اسْطَاعُوَا ﴾ تخفيف ﴿ اسَتَطَاعُوا ﴾ ، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام كراهية إعادة الكلمة.

وابتدئ بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل لكونه من الحلق، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف.

ومقتضى الظاهر أن يُبتدأ بفعل ﴿ اسَتَطَاعُوا ﴾ ويثني بفعل ﴿ اسْطَاعُوَا ﴾ لأنه يثقل بالتكرير، كما وقع في قوله آنفاً ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ [الكهف: 78] ثم قوله: ﴿ ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبراً ﴾ [الكهف: 82].

ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا إيثار فعل ذي زيادة في المبنى بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه، فهذا من مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى.

وقرأ حمزة وحده {فَما اسْطَّاعوا الأول بتشديد الطاء مدغماً فيها التاء.

وجملة قال هذا رحمة من ربي } مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنه لما آذن الكلام بانتهاء حكاية وصف الردم كان ذلك مثيراً سؤال من يسأل: ماذا صدر من ذي القرنين حين أتم هذا العمل العظيم؟

فيجاب بجملة: ﴿ قال هذا رحمة من ربي ﴾ .

والإشارة بهذا إلى الرّدم، وهو رحمة للناس لما فيه من ردّ فساد أمّة ياجوج وماجوج عن أمة أخرى صالحة.

و (من) ابتدائية، وجعلت من الله لأنّ الله ألهمه لذلك ويسرّ له ما هو صعب.

وفرع عليه ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاً ﴾ نطقاً بالحكمة لأنه يعلم أن كل حادث صائر إلى زوال.

ولأنه علم أن عملاً عظيماً مثل ذلك يحتاج إلى التعهد والمحافظة عليه من الانهدام، وعلم أنّ ذلك لا يتسنى في بعض أزمان انحطاط المملكة الذي لا محيص منه لكلّ ذي سلطان.

والوعد: هو الإخبار بأمر مستقبل.

وأراد به ما في علم الله تعالى من الأجل الذي ينتهي إليه دوام ذلك الردم، فاستعار له اسم الوعد.

ويجوز أن يكون الله قد أوحى إليه إن كان نبيئاً أو ألهمه إن كان صالحاً أن لذلك الردم أجلاً معيناً ينتهي إليه.

وقد كان ابتداء ذلك الوعد يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم «فُتح اليوم من رَدم ياجوج وماجوج هكذا، وعقد بين أصبعيه الإبهام والسبابة» كما تقدم.

والدك في قراءة الجمهور مصدر بمعنى المفعول للمبالغة، أي جعله مدكوكاً، أي مسوّى بالأرض بعد ارتفاع.

وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف ﴿ جَعلهُ دَكّاءَ ﴾ بالمد.

والدكاء: اسم للناقة التي لا سنام لها، وذلك على التشبيه البليغ.

وجملة ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ تذييل للعلم بأنه لا بد له من أجل ينتهي إليه لقوله تعالى: ﴿ لكل أجل كتاب ﴾ [الرعد: 38] و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ [يونس: 49] أي وكان تأجيل الله الأشياء حقاً ثابتاً لا يتخلف.

وهذه الجملة بعمومها وما فيها من حكمة كانت تذييلاً بديعاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ ﴾ أيْ يَعْلُوهُ.

﴿ وَما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ يَعْنِي مِن أسْفَلِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ إنَّ السَّدَّ وراءَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ هُناكَ يَلِي مُؤَخِّرَهُما البَحْرُ المُحِيطُ.

وَقِيلَ: ارْتِفاعُ السَّدِّ مِقْدارُ مِائَتَيْ ذِراعٍ، وعَرْضُهُ نَحْوُ خَمْسِينَ ذِراعًا وأنَّهُ مِن حَدِيدٍ شِبْهُ المُصْمَتِ.

وَرُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  : إنِّي رَأيْتُ السَّدَّ: (قالَ: انْعَتْهُ) قالَ: هو كالبَرَدِ المُحَبَّرِ، طَرِيقُهُ سَوْداءُ وطَرِيقُهُ حَمْراءُ.

(قالَ: قَدْ رَأيْتَهُ)» .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ عَمَلَهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ.

الثّانِي: أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى عَمَلِهِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ.

﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الدَّجّالَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ.

وَرُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (إنَّهم يَدْأبُونَ في حَفْرِهِمْ نَهارَهم حَتّى إذا أمْسَوْا وكادُوا يُبْصِرُونَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالُوا نَرْجِعُ غَدًا فَنَحْفِرُ بَقِيَّتَهُ، فَيَعُودُونَ مِنَ الغَدِ وقَدِ اسْتَوى كَما كانَ، حَتّى إذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قالُوا: غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ نَنْقُبُ بَقِيَّتَهُ، فَيَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَيَنْقُبُونَهُ بِإذِنِ اللَّهِ، فَيَخْرُجُونَ مِنهُ عَلى النّاسِ مِن حُصُونِهِمْ، ثُمَّ يَرْمُونَ نَبْلًا إلى السَّماءِ فِيَرْجِعُ إلَيْهِمْ فِيها أمْثالُ الدِّماءِ، فَيَقُولُونَ قَدْ ظَفِرْنا عَلى أهْلِ الأرْضِ وقَهَرْنا أهْلَ السَّماءِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ما يَهْلِكُهُمْ)» .

﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: هو الأجَلُ الَّذِي يَخْرُجُونَ فِيهِ.

﴿ جَعَلَهُ دَكّاءَ ﴾ يَعْنِي السَّدَّ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أرْضًا، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الثّانِي: قِطَعًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: هَدْمًا حَتّى انْدَكَّ بِالأرْضِ فاسْتَوى مَعَها، قالَهُ الأخْفَشُ، ومِنهُ قَوْلُ الأغْلَبِ: هَلْ غَيْرُ غادٍ دَكَّ غارًا فانْهَدَمْ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ ذَكَرَهم ذُو القَرْنَيْنِ يَوْمَ فَتْحِ السَّدِّ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.

الثّانِي: الكُفّارُ في يَوْمِ القِيامَةِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الإنْسُ والجِنُّ عِنْدَ فَتْحِ السَّدِّ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَخْتَلِطُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ.

الثّانِي: يَدْفَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، مَأْخُوذٌ مِن مَوْجِ البَحْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ قال أما من ظلم ﴾ قال: من أشرك.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فسوف نعذبه ﴾ قال: القتل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان عذابه أن يجعلهم في بقر من صفر، ثم توقد تحتهم النار حتى يتقطعوا فيها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن مسروق رضي الله عنه في قوله: ﴿ فله جزاء الحسنى ﴾ قال: الحسنى له جزاء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ قال: معروفاً.

والله تعالى أعلم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن جريج في قوله: ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ الآية.

قال: حدثت عن الحسن عن سمرة بن جندب...

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ﴿ لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ أنها لم يبن فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس» .

وأخرج الطيالسي والبزار في أماليه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ قال: أرضهم لا تحتمل البناء، فإذا طلعت الشمس تغور في المياه، فإذا غابت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم.

ثم قال الحسن: هذا حديث سمرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أنهم بأرض لا يثبت لهم فيها شيء، فهم إذا طلعت دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل في الآية قال: ليست لهم أكناف، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، ولأحدهم أذنان يفترش واحدة ويلبس الأخرى.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وجدها تطلع على قوم ﴾ الآية.

قال: يقال لهم الزنج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: تطلع على قوم حمر قصار، مساكنهم الغيران، فيلقى لهم سمك أكثر معيشتهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بما لديه خبراً ﴾ قال: علماً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قال: الجبلين، أرمينية وأذربيجان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ قال: الترك.

وأخرج سعيد بن منصور عن تميم بن جذيم، أنه كان يقرأ ﴿ لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن مسعود قال: «أتينا نبي الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو في قبة آدم له، فخرج إلينا فحمد الله ثم قال: أبشركم أنكم ربع أهل الجنة.

فقلنا: نعم يا رسول الله؟

فقال: أبشركم أنكم ثلث أهل الجنة.

فقلنا: نعم يا نبي الله؟

قال: والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، إن مثلكم في سائر الأمم كمثل شعرة بيضاء في جنب ثور أسود، أو شعرة سوداء في جنب ثور أبيض، إن بعدكم يأجوج ومأجوج، إن الرجل منهم ليترك بعده من الذرية ألفاً فما زاد، وأن وراءهم ثلاث أمم: منسك وتاويل وتاريس لا يعلم عدتهم إلا الله» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق البكالي، عن عبدالله بن عمر قال: إن الله جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الملائكة، وجزء واحد الجن والإنس.

وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذي يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء واحد لرسالاته ولخزائنه وما يشاء من أمره.

وجزأ الإنس والجن عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، والإنس جزء واحد فلا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة.

وجزأ الإنس عشرة أجزاء، تسعة منهم يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس والسماء ذات الحبك.

قال: السماء السابعة والحرم بحيالة العرش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية، أن يأجوج ومأجوج يزيدون على الإنس الضعفين، وأن الجن يزيدون على الإنس الضعفين، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.

وأخرج عبد الرزاق ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الله جزأ الإنس عشرة أجزاء، تسعة منهم يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: صوّرت الدنيا على خمس صور، على صورة الطير برأسه والصدر والجناحين والذنب، فالمدينة ومكة واليمن الرأس، والصدر مصر والشام، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمة يقال لها واق، وخلف واق أمة يقال وقواق، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

والجناح الأيسر السند وخلف السند الهند، وخلف الهند أمة يقال لها ناسك، وخلف ذلك أمة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشر ما في الطير الذنب.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عبدة بن أبي لبابة، أن الدنيا سبعة أقاليم: فيأجوج ومأجوج في ستة أقاليم، وسائر الناس في إقليم واحد.

وأخرج ابن جرير عن وهب بن جابر الحيواني قال: سألت عبدالله بن عمرو عن يأجوج ومأجوج: أمن آدم هم؟

قال: نعم، ومن بعدهم ثلاث أمم لا يعلم عددهم إلا الله، تاويل وتاريس ومنسك.

وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن عمرو قال: يأجوج ومأجوج لهم أنهار يلقون ما شاؤوا، ونساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن حسان بن عطية قال: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة لا تشبه واحدة منهم الأخرى، ولا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن كعب قال: خلق يأجوج ومأجوج ثلاث أصناف، صنف أجسامهم كالأرز، وصنف أربعة أذرع طول وأربعة أذرع عرض، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى يأكلون مشائم نسائهم.

وأخرج ابن المنذر عن خالد الأشج قال: إن بني آدم وبني إبليس ثلاثة أثلاث: فثلثان بنو إبليس وثلث بنو آدم، وبنو آدم ثلاثة أثلاث: ثلثان يأجوج ومأجوج، وثلث سائر الناس.

والناس بعد ثلاث أثلاث، ثلث الأندلس وثلث الحبشة وثلث سائر الناس العرب والعجم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، فسد ذو القرنين على إحدى وعشرين قبيلة وترك قبيلة، وهم الأتراك.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب، أنه سئل عن الترك فقال: هم سيارة ليس لهم أصل، هم من يأجوج ومأجوج، لكنهم خرجوا يغيرون على الناس فجاء ذو القرنين فسدّ بينهم وبين قومهم، فذهبوا سيارة في الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن حسان بن عطية قال: إن يأجوج ومأجوج خمس وعشرون أمة، ليس منها أمة تشبه الأخرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي المثنى الأملوكي قال: إن الله ذرأ لجهنم يأجوج ومأجوج، لم يكن فيهم صديق قط ولا يكون أبداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة عن عبدالله بن سلام قال: ما مات رجل من يأجوج ومأجوج إلا ترك ألف ذرية لصلبه فصاعداً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن يأجوج ومأجوج شبر وشبران، وأطوالهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل وتاريس ومنسك» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر قال: الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء واحد سائر الناس.

وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق عمرو بن أوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عدي وابن عساكر وابن النجار، عن حذيفة قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج فقال: يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة بأربعمائة أمة...

لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كل قد حمل السلاح.

قلت: يا رسول الله، صفهم لنا.

قال: هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز.

قلت: وما الأرز؟

قال: شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء الذين لا يقوم لهم ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» .

وأخرج نعيم بن حماد في الفتن وابن مردويه بسند واه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وولد إبليس» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي بكر النسفي، «أن رجلاً قال: يا رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج.

قال: انعته لي.

قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة سوداء.

قال: قد رأيته» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه غداً ولا يستثني.

فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله بخروجهم على الناس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه إن شاء الله- ويستثني- فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسوة وعلواً.

فيبعث الله عليهم نغفاً في أعناقهم فيهلكون» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالذي نفس محمد بيده، إن دواب الأرض لتَسْمَن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم» .

وأخرج البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله...

ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وحلق- قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: نعم، إذا كثر الخبث» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وعقد بيده تسعين» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب الأرجاني في قوله: ﴿ إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ﴾ قال: كان فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ قال: أجراً عظيماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ما صنع الله فهو السد، وما صنع السد الناس فهو السد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ما مكني فيه ربي خير ﴾ قال: الذي أعطاني ربي هو خير من الذي تبذلون لي من الخراج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أجعل بينكم وبينهم ردماً ﴾ قال: هو كأشد الحجاب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ زبر الحديد ﴾ قال: قطع الحديد.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال: أخبرني عن قوله: ﴿ زبر الحديد ﴾ قال: قطع الحديد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه وهو يقول: تلظى عليهم حين شد حميمها ** بزبر الحديد والحجارة شاجر وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بين الصدفين ﴾ قال: الجبلين.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي، أنه كان يقرأ ﴿ بين الصدفين ﴾ بفتحتين، قال: يعني بين الجبلين.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن، أنه كان يقرأ ﴿ بين الصدفين ﴾ بضمتين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بين الصدفين ﴾ قال: رأس الجبلين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قطراً ﴾ قال: النحاس.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ قطراً ﴾ قال: نحاساً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ قال: نحاسا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ قال: نحاسا ليلزم بعضه بعضاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ قال: ما استطاعوا أن يرتقوه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ يقول: أن يعلوه ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ قال: من أسفله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ قال: جعله طريقاً كما كان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ قال: لا أدري الجبلين يعني به أم ما بينهما.

وأخرج سعيد بن منصور عن الربيع بن خيثم، أنه كان يقرأ ﴿ جعله دكاء ﴾ ممدوداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قال علي بن أبي طالب، إن يأجوج ومأجوج خلف السد، لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف لصلبه، وهم يغدون كل يوم على السد فيلحسونه وقد جعلوه مثل قشر البيض، فيقولون: نرجع غداً ونفتحه، فيصبحون وقد عاد إلى ما كان عليه قبل أن يلحس، فلا يزالون كذلك حتى يولد فيهم مولود مسلم، فإذا غدوا يلحسون قال لهم: قولوا بسم الله، فإذا قالوا بسم الله فأرادوا أن يرجعوا حين يمسون، فيقولون: نرجع غداً فنفتحه.

فيصبحون وقد عاد إلى ما كان عليه فيقول: قولوا إن شاء الله.

فيقولون: إن شاء الله.

فيصبحون وهو مثل قشر البيض فينقبونه فيخرجون منه على الناس، فيخرج أول من يخرج منهم سبعون ألفاً عليهم التيجان، ثم يخرجون من بعد ذلك أفواجاً فيأتون على النهر مثل نهركم هذا- يعني الفرات- فيشربونه حتى لا يبقى منه شيء، ثم يجيء الفوج منهم حتى ينتهوا إليه فيقولون: لقد كان هاهنا ماء مرة، وذلك قول الله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ والدكّ، التراب ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن كعب قال: إن يأجوج ومأجوج ينقرون السد بمناقرهم، حتى إذا كادوا أن يخرقوه قالوا: نرجع إليه غداً فنفرغ منه، فيرجعون إليه وقد عاد كما كان، فيرجعون فهم كذلك، وإذا بلغ الأمر ألقي على بعض ألسنتهم يقولون: نأتي إن شاء الله غداً، فنفرغ منه فيأتونه وهو كما هو فيخرقونه فيخرجون، فيأتي أولهم على البحيرة فيشربون ما كان فيها من ماء، ويأتي أوسطهم عليها فيلحسون ما كان فيها من الطين، ويأتي آخرهم عليها فيقولون: قد كان هاهنا مرة ماء.

فيرمون بسهامهم نحو السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا من في الأرض وظهرنا على من في السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم فيقول: اللهم لا طاقة لنا بهم ولا يد، فاكفناهم بما شئت.

فيبعث الله عليهم دوداً يقال له النغف، فيأخذهم في أقفائهم فيقتلهم حتى تنتن الأرض من ريحهم، ثم يبعث الله عليهم طيراً فتنقل أبدانهم إلى البحر، ويرسل الله إليهم السماء أربعين يوماً فينبت الأرض، حتى أن الرمانة لتشبع أهل البيت.

وأخرج ابن المنذر عن كعب قال: عرض أسكفة يأجوج ومأجوج التي تفتح لهم أربعة وعشرون ذراعاً تحفيها حوافر خيلهم، والعليا اثنا عشر ذراعاً تحفيها أسنة رماحهم.

وأخرج ابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: إذا خرج يأجوج ومأجوج، كان عيسى ابن مريم في ثلثمائة من المسلمين في قصر بالشام، يشتد عليهم أمرهم فيدعون الله أن يهلكهم فيسلط عليهم النغف فتنتن الأرض منهم، فيدعون الله أن يطهر الأرض منهم فيرسل الله مطراً فيسيل منهم إلى البحر، ثم يخصب الناس حتى أن العنقود يشبع منه أهل البيت.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه، عن عبدالله بن عمرو قال: يأجوج ومأجوج يمر أولهم بنهر مثل دجلة، ويمر آخرهم فيقول: قد كان في هذا النهر مرة ماء، ولا يموت رجل إلا ترك ألفاً من ذريته فصاعداً، ومن بعدهم ثلاثة أمم ما يعلم عدتهم إلا الله: تاريس وتاويل وناسك أو منسك.

وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن عساكر، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السد قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا...

فستخرقونه غداً.

قال: فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله، قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله- واستثنى- فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس فيسقون المياه، وينفر الناس منهم فيرمون سهامهم في السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا في السماء قسوة وعلوّاً، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم فيهلكهم.

قال: والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم» .

وأخرج الحاكم وصحه عن حذيفة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران أحدهما نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض فإن أدركه أحد منكم فليغمض ويشرب من الذي يراه ناراً فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر فإنه الفتنة، واعلموا أنه مكتوب بين عينيه(كافر)يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة، إنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيق، وكل أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وأنه يقتل من المسلمين ثلثا ويهزم ثلثا ويبقى ثلث ويجن عليهم الليل فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا إخوانكم في مرضاة ربكم؟

من كان عنده فضل طعام فليغدُ به على أخيه، وصلّوا حتى ينفجر الفجر، وعجلوا الصلاة، ثم أقبلوا على عدوكم.

فلما قاموا يصلون، نزل عيسى ابن مريم أمامهم فصلى بهم، فلما انصرف قال: هكذا فرّجوا بيني وبين عدو الله فيذوب، وسلط الله عليهم من المسلمين فيقتلونهم، حتى أن الشجر والحجر لينادي: يا عبدالله، يا عبد الرحمن...

يا مسلم، هذا يهودي فاقتله.

فيقتلهم الله ويُنْصر المسلمون فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية، فبينما هم كذلك أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيء آخرهم وقد انتشفوه ولم يدعوا فيه قطرة فيقولون: ظهرنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثر ماء.

فيجيء نبي الله وأصحابه وراءه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها(لد)فيقولون: ظهرنا على من في الأرض، فتعالوا نقاتل من في السماء، فيدعو الله نبيه عند ذلك فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحهم المسلمين فيدعو عيسى، فيرسل الله عليهم ريحاً فتقذفهم في البحر أجمعين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزاهرية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مقفل المسلمين من الملاحم دمشق، ومقفلهم من الدجال بيت المقدس، ومقفلهم من يأجوج ومأجوج بيت الطور على الناس» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: ذلك حين يخرجون على الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: هذا أول يوم القيامة، ثم ينفخ في الصور على أثر ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: الجن والإنس يموج بعضهم في بعض.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن هرون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: إذا ماج الجن والإنس بعضهم في بعض، قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض، ثم يظعن يميناً وشمالاً حتى ينتهي إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض فيقول: ما من محيص، فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كأنه شواظ، فأخذ عليه هو وذريته.

فبينما هو كذلك إذ هجم على النار فخرج إليه خازن من خزان النار فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟

ألم تكن في الجنان؟

فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله افترض عليّ عبادةً لعبدتُه عبادة لم يعبده أحد من خلقه.

فيقول: إن الله قد فرض عليك فريضة.

فيقول: ما هي؟

فيقول: يأمرك أن تدخل النار.

فيتلكأ عليه فيقول به وبذريته بجناحه فيقذفهم في النار، فتزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْطَاعُوا ﴾ أصله: (استطاعوا) فلما اجتمعت متقاربتان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالإدغام، كما أحبوا ذلك في المثلين، فلما لم يسمع التخفيف بالإدغام لتحريك ما لم يتحرك في موضع، وذلك أنه كان يلزم تحريك السين لئلا يجتمع ساكنان، ولم تْحرك سين استفعل في موضع، فلما لم يسمع هذا عدل عن الإدغام إلى الحذف، كما أنه لما اجتمع المثلان في قولهم: على الماء بنو فلان، حذفوا أحد المثلين، فقالوا: عَلْمَاءِ، ولم يسمع الإدغام، وإن كانت تتحرك لام المعرفة في الماء، فحذفوا الأول من المثلين حيث لم يتجه الإدغام.

والحذف في اسطاع أولى، لأن هذه السين لم تتحرك في موضع شيء من الحركات، وقد تحرك لام المعرفة نحو قولهم: أَلَحْمَرُ في الأحمر، فلما حذفوا في: عَلْماء أحد المثلين، ولم يدغموا مع جواز تحريك لام المعرفة فلا يؤدي إلى الجمع بين ساكنين كان الحذف في اسطاع أولى.

وقد أجروا المتقاربين في مجرى المثلين فقالوا: بلغني لما كانت النون متقاربة للام وكانت تدغم فيها نحو: مَنْ لَكَ، أريد إدغام في هذا الموضع أيضًا، فلما لم يسمع ذلك عندهم خففوا بالحذف كما خففوا به في المثلين.

وفي (استطاع) لغة ثالثة وهو قولهم: يستيع في يستطيع، وهذا يحتمل أمرين أحدهما: [أنه أبدل من الطاء التي هي فاء التاء لقربها من الحرف الذي قبلها، فأبدل التاء لتوافق السين في الهمس، كما أبدل الدال] (١) (٢) فأما قولهم: أسطاع بقطع الألف، يُستطيع بضم الياء، فقال أبو علي الفارسي: (قولهم: أسطاع أَفْعَلَ، وإنما ألحقت السين لنقل الحركة إلى الفاء وتهيئة الكلمة بنقل الحركة فيها للحذف، ألا ترى أنها هيأت الكلمة للحذف منها في نحو: لم يَسْطِعْ، ومثل السين في ذلك الهاء، ففي قول من قال: أهَرَاق يُهَريق، فالهاء في: أنها عوض مثل السين في اسْطاع، وليس هذا العوض بلازم، ألا ترى أن ما كان نحوه لم يلزم هذا العوض) (٣) وشرحه أبو الفتح الموصلي فقال: (قولهم: أسطاع يستطيع، ذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يُطِيع، وأن السين زيدت عوضًا من حركة عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله: أطْوَع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن) (٤) وتعقب أبو العباس هذا القول فقال: (إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودًا في اللفظ فلا وجه للتعويض منه، وحركة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت (٥) (٦) (والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا وأن السين عوض من حركة عين الفعل، هو أن الحركة التي هي الفتحة، وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى الفاء لما فقدتها العين، فسكنت توهنت بالسكون، وبالتهيؤ للحذف عند سكون اللام وذلك قولك: لا تُطِع، وأطِع، ولم يُطِع، ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة لما حذفت؛ لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطْوَع، يُطْوِع (٧) ويؤكد ما قال سيبويه من أن السين عوض من ذهاب العين، أنهم قد عوضوا من ذهاب حركة هذه العين حرفًا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: أهْرَقت فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هاهنا عوض من ذهاب فتحة العين؛ لأن الأصل: أرْوَقت، فجعلوا الهاء عوضًا من نقل فتحة العين عنها إلى الفاء، وأنشد (٨) فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ...

لضاحي سرابٍ بالملا يترقرق انتهى كلامه (٩) أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني (١٠) (١١) وقرأ حمزة: ﴿ فما اسْطَّاعوا ﴾ مشددا الطاء، كأنه أدغم بالافتعال في الطاء (١٢) قال أبو إسحاق: (من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل، ويونس، وسيبويه وجميع من يقول بقولهم، وحجتهم في ذلك: أن السين ساكنة وإذا أدغمت التاء في الطاء صارت طاء ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين) (١٣) قال أبو علي: (وقد قرأت القراء غير حرف من هذا كقوله: ﴿ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ  ﴾ في قراءة من شدد الدال فأدغم فيها تاء افتعل (١٤) ﴿ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى  ﴾ (١٥) ﴿ يَخِصِّمُونَ  ﴾ (١٦) وقدمنا وجه ذكر هذا النحو) (١٧) وقال ابن الأنباري: (عظم تشنيع البصريين على حمزة في هذا الحرف، وتلحينهم إياه، وقولهم: جمع بين ساكنين لا ينبسط اللسان عليهما، وفي هذا تعد منهم عليه إذ جرى إلى مثله جماعة هن القراء، فلم ينسبوا إلى الذي نسب إليه، فقد قرأ الحسن: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ  ﴾ بالإدغام (١٨) ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ  ﴾ ، ﴿ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ  ﴾ ، ومعلوم أن الإدغام إذا وقع هاهنا اجتمع ساكنان، وقرأ: ﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ  ﴾ (١٩) ﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ  ﴾ (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يَظْهَرُوهُ ﴾ قال ابن عباس وغيره: (أن يصعدوه ويعلوه) (٢٢) ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ معناه: ليعلنه.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾ يقال: نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقا يخلص إلى ما وراءه (٢٣) (٢٤) (١) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 181، "سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285.

(٣) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 179.

(٤) "سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285، 483.

(٥) في (ص): (وإنما نقلت الطاء التي هي الفاء).

(٦) "سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الممتع" (224)، "شرح المفصل" 10/ 6.

(٧) في نسخة (ص): (تطوع).

(٨) ينسب هذا البيت لكثير.

الضاحي: البارز.

والمَلاَ: الصحراء.

وترقرق: يلمع.

انظر: "ديوانه" ص237، "سر صناعة الإعراب" 1/ 202، "الأغاني" 9/ 12، "وصف المباني" ص 401، "لسان العرب" (هرق) 8/ 4655.

(٩) "سر صناعة الإعراب" 1/ 202، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285، 483.

(١٠) عبد الله بن الحسن بن أحمد الأموي، أبو شعيب الحراني، إمام ثقة، محدث صدوق، لازم ابن السكيت وأخذ عنه، توفي رحمه الله في بغداد سنة 295 هـ.

انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 435، "إنباه الرواة" 2/ 115، "سير أعلام النبلاء" 13/ 536، "لسان الميزان" 3/ 271.

(١١) "تهذيب اللغة" (طاع) 3/ 2152.

(١٢) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (فما اسطاعوا) بتخفبف الطاء.

وقرأ حمزة: (فما اسطاعوا) مشددة الطاء.

انظر: "السبعة" ص 401، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 178، "المبسوط في القراءات" ص 240، "التبصرة" ص 253.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 312.

إن طعنهم في قراءة حمزة رحمه الله مردود، فهي قراءة متواترة، والجمع بين الساكنين في هذا سائغ، جائز، مسموع في مثله فقد ذكر أن الجزري في "النشر" 2/ 316 عن أبي عمرو قوله: ومما يقوي ذلك ويسوغه أن الساكن الثاني لما كان == اللسان عنده يرتفع عنه وعن المدغم ارتفاعة واحدة صار بمنزلة حرف متحرك، فكأن الساكن الأول قد ولى متحركًا.

وذكر في "غيث النفع" ص 150: أن منع الجمع بين الساكنين أصل مختلف فيه عند أهل العربية، والقراءة لا تتبع العربية، بل العربية تتبع القراءة، لأنها مسموعة من أفصح العرب وهو النبي -  - وأصحابه من بعده.

وقال ابن الحاجب: إذا اختلف النحويون والقراء كان المصير إلى القراء أولى، لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته من الغلط، ولأن القراءة ثبتت تواترًا وما نقله النحويون آحاد.

وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 408، "النشر" 2/ 316، "إتحاف فضلاء البشر" ص 295، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 80.

(١٤) قرأ نافع: (لا تعْدّوا) بتسكين العين وتشديد الدال.

وروى عنه ورش: (لا تعدوا) بفتح العين وتشديد الدال.

وقرأ بقية القراء: (لا تعدوا) بتخفيف الدال، وإسكان العين.

انظر: "السبعة" ص 240، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 190، "التبصرة" ص 185، "النشر" 2/ 253.

(١٥) قرأ أبو بكر عن عاصم: (أمن لا يهِدّي) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال.

وقرأ حفص عن عاصم: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال.

وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع: (أمن لا يَهَدّي) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال.

وقرأ حمزة، والكسائي: (أمن لا يَهْدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال.

وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وتشديد الدال.

انظر: "السبعة" ص 326، "التبصرة" ص 220، "المبسوط في القراءات" ص 200، "إتحاف فضلاء البشر" ص 249، "النشر" 2/ 283.

(١٦) قرأ حمزة: (يخْصمون) بإسكان الخاء وتخفيف الصاد.

وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (يخْصّمون) بإسكان الخاء وتشديد الصاد.

وقرأ ورش عن نافع، وابن كثير: (يخَصّمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد.

وقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: (يخِصمون) بكسر الخاء وتشديد الصاد.

انظر: "السبعة" ص 541، "التبصرة" ص 306، "المبسوط في القراءات" ص 312، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 217.

(١٧) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 181.

(١٨) قرأ أبو عمرو البصري، والحسن: (شهر رمضان) بإدغام راء (شهر) في راء (رمضان).

انظر: "إتحاف فضلاء البشر" 1/ 154، "القراءات الشاذة" ص 46.

(١٩) قرأ الحسن: (فتخطفه الطير) بكسر الخاء والطاء وتشديدها.

انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 315، و"القراءات الشاذة" ص 685.

(٢٠) قرأ الحسن: (يخطف) بكسر الياء والخاء والطاء المشددة.

انظر.

"إتحاف فضلاء البشر" ص 128، و"القراءات الشاذة" ص 28.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) ذكره ابن عطية في تفسيره 5/ 408 بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 313.

(٢٣) "تهذيب اللغة" (نقب) 4/ 3639، "مقاييس اللغة" (نقب) 5/ 465، "القاموس المحيط" (النقب) ص 139، "الصحاح" (نقب) 1/ 227.

(٢٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 312.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ساوى بَيْنَ الصدفين ﴾ أي بين الجبلين ﴿ قَالَ انفخوا ﴾ يريد نفخ الكير؛ أي أوقدوا النار على الحديد ﴿ قِطْراً ﴾ أي نحاساً مذاباً وقيل هو الرصاص، وروي أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء ثم جعل البنيان من أصل اسطاعوا استطاعوا حذفت التاء تخفيفاً، والضمير في يظهروه للسدّ، ومعنى يظهروه يعلوه ويصعدوا على ظهره فالمعنى أن يأجوج ومأجوج لا يقدرون أن يصعدوا على السدّ لارتفاعه ولا ينقبوه لقوته ﴿ قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّى ﴾ القائل ذو القرنين وأشار إلى الردم ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى ﴾ يعني القيامة جعله دكاً أي مبسوطاً مسوى بالأرض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.

﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.

يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.

﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.

الآخرون بضمها.

﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.

﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.

والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.

الآخرون بفتح الصاد والدال.

﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.

وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.

وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.

وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.

يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.

قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.

فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.

قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.

والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.

وروي عن النبي  أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.

وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.

ويروى الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.

وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.

وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.

ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وعن علي  : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.

وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟

فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.

قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.

وقيل: كان نبياً لقوله  : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.

وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.

قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله  وأنزل فيه وحياً.

والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.

والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.

ثم إنه  شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.

"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله  على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .

فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.

وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟

فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.

أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.

روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.

ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.

وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.

حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.

فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.

وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.

فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.

وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.

الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.

الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.

الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.

ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.

وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.

فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.

وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.

وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.

سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟

وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.

وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.

وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.

ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.

أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.

وقيل: يأكلون لحومهم.

وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.

وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.

وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم  ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.

وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.

قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.

من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.

ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.

﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.

وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.

يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.

وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.

وعن رسول الله  أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟

قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: قد والله رأيته.

قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه  صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.

﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.

ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.

ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.

ثم شرع  في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.

ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.

ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.

وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.

وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.

ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.

ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.

وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.

وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.

ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟

وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.

والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.

ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.

قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.

وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي  أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة  ﴾ وروي عنه  أن منهم أهل حروراء.

وعن مجاهد: أهل الكتاب.

والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.

وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.

وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.

وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.

والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.

عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.

وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.

وعن النبي  : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.

نبه على كمال حال القرآن.

والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".

والمدد والمداد واحد.

يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً  ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً  ﴾ فنزلت هذه الآية.

يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.

قالت الأشاعرة: إن كلام الله  واحد.

واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله  .

وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله  .

وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.

وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.

قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.

أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه  أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.

ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .

وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.

واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.

"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله  : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .

وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.

قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.

والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.

قال في الكشاف: عن رسول الله  : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.

ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه  : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.

﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله  فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.

﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.

﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ .

في الآية دلالة أن الآية نزلت على رسول الله  قبل أن يسأل هو عن خبر ذي القرنين؛ لأنه قال ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ ، ولم يقل: "سألوك"، والخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني يدل على ذلك، أيضاً؛ لأنه روى "أن نفراً من أهل الكتاب جاءوا بالصحف والكتب، فقالوا لي: استأذن لنا على رسول الله: لندخلن عليه؛ فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم؛ فقال رسول الله  : مَالِي وَلَهُمْ يَسْأَلُونَ عما لا أعلمُ، إنما أنا عبدٌ لا علم لي إلا ما علّمني ربّي، ثم قال: أَبغني وضوءً أتوضأ به، فتوضأ، ثم قام إلى مسجد في بيته، فركع فيه ركعتين، فما انصرف حتى بدا لي السّرور في وجهه، ثم قال لي: اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي، فأدخلهم فلما رآهم النبي قال لهم: إن شئتم أخبرتكم كما تجدونه في كتابكم" ؛ فهذا إن ثبت يدل أنه نزل عليه نبأ ذي القرنين وخبره قبل أن يسأل.

وأما أهل التأويل قالوا جميعاً: إنه سئل قبل أن ينزل عليه خبره، ثم نزل من بعد السؤال، والله أعلم.

ثم اختلف فيه: قال الحسن: كان نبيّاً، دليله: ما قال: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ؛ قال: هذا تحكيم من الله إياه فيما ذكر، ولا يولي الحكم إلا من كان نبيّاً.

وأما علي بن أبي طالب فإنه سئل عن ذلك: كان نبيا أو ملكاً؟

فقال: لا واحد منهما.

وقال غير هؤلاء: إنه كان ملكا؛ يدل على ذلك الخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني: "أن رسول الله  سئل عن خبره وبنائه، قال: فقال رسول الله: كان غلاماً من الروم أعطي ملكا فسار حتى بلغ كذا..." ، على ما ذكر في الخبر، والأشبه أن يكون أنه كان ملكا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: ملكنا له الأرض له جملة، ذكر تمكين الأرض له جملة يصنع فيها ما يشاء، لم يخص له ناحية منها دون ناحية، وليس كقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً...

﴾ الآية [القصص: 57]، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ  ﴾ : هاهنا خص مكانا لهم دون مكان، وأما في ذي القرنين ذكر التمكين له في الأرض، لم يخص ناحية منها دون ناحية؛ فهو أن ملكه ومكنه الأرض كلها.

وقول الحسن: إنه حكمه وولى له الحكم - فهذا لا يدل أنه كان نبيّاً؛ لأن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو في ذلك الزمان؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ : أن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو والقتال في ذلك مع العدو فعلى ذلك هنا.

وقوله: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ ، وأما من آمن كذا: يحتمل هذا منه إلهام من الله -  - أو تعليم الملك الذي كان فيه، أو كان معه نبي فأخبر له بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ .

اختلف في ذلك: قال بعضهم: علم المنازل: أي: منازل الأرض ومعالمها وآثارها.

وقال [بعضهم]: العلم والقوة.

وقال بعضهم: أعطاه السبب الذي به صلاح ما مكن له، وملك له مما يقع له الحاجة إليه.

وقال بعضهم: ذلك السَّبب كان أنعاماً: كان عليها يحمل الخشب، فيتخذ منه سفينة إن استقبله بحر، فيعبر بها، ثم ينقضها ويحمل الخشب على الأنعام ويعبر البر على الدواب، فذلك السبب الذي ذكر.

وأصله: أنه ذكر أنه أتاه السبب الذي به صلاح ما مكن له وملك عليه، ولم يبيّن ما ذلك السبب؛ فلا ندري ما أراد بذلك؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ .

كأنه أراد وطلب أن يعرف أنها أين تغرب؟

حيث قال: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ، وفيه لغتان: ﴿ حَامِيَةً ﴾ و ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ ، قالوا من قرأها: ﴿ حَامِيَةً ﴾ أراد: في عين حارة، ومن قرأ ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ - مهموزة بغير ألف - أراد الحمأة: وهي الطينة السوداء، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ .

قال بعضهم: كانوا كفارا ومؤمنين الفريقان جميعاً، فقال في الكفار: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ ، وهو القتل، [و] قال في المؤمنين: ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : ليس على التخيير؛ ولكن على الحكم في كل فريق على حدة.

وقال بعضهم: كانوا كلهم كفارا؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ : إذا لم يجيبوك، ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : إذا أجابوك وآمنوا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

هذا أنه حكم بذلك بتعليم نبي أو ملك كان معه، أو حكم بذلك؛ لما كان عرف أن سنة الله في الكفار القتل والإهلاك، وفي المؤمنين الترك والإحسان، أو ألهم إلهاماً بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ يُسْراً ﴾ ، أي: عارفاً.

وقال بعضهم: ﴿ يُسْراً ﴾ : معروفاً.

وقال بعضهم: (اليسر): هو اسم كل خير وبركة، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ ، أي: بلاغا لحاجته.

وقال غيره ما ذكرنا من السبب الذي به ملك طريق المغرب والمشرق وبه بلغ ما بلغ، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيم سمي ذا القرنين: قال بعضهم: سميّ ذا القرنين؛ لأنه دعا قومه إلى توحيد الله والإيمان به؛ فضربوه على قرنه الأيمن، ثم غاب ما شاء الله، وفي بعض الأخبار مات، ثم حضر فدعاهم ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر؛ فبقي عليه لذلك أثر؛ فسمي لذلك ذا القرنين، لا أن كان له قرن كقرن الثور.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه كان له ذؤابتان، أعني: ضفيرتان.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مغربها ومطلعها.

وقال بعضهم سمي: ذا القرنين؛ لأنه عاش حياة قرنين، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ ﴾ بالسبب الذي ذكر أنه أعطاه كما بلغ مغرب الشمس، ﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾ .

قال الحسن: إن تلك الأرض تميد وتميع، لا تقر ولا تسكن، لا تحتمل البناء والحجر؛ فإذا طلعت الشمس طلعت عليهم، لما لم يكن لهم بناء ولا ستر تهوروا في البحار فإذا ارتفعت عنهم خرجوا.

وقال ابن عباس: إن الشمس إذا طلعت كانت حرارتها أشد عند طلوعها من غروبها؛ فتحرق كل شيء حتى لا تبقي لهم ثوباً ولا بناء ولا خشباً ولا غيره إلا أحرقته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، أي: كذلك أخبرنا رسول الله من نبأ ذي القرنين، وخبره على ما كان.

وقال بعضهم: كذلك أعطينا له من السبب حتى بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها بالسبب الذي ذكر.

وقال بعضهم: كذلك قيل له في المطلع من قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ، كما قيل له في المغرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

قال بعضهم: [هو] صلة قوله: ﴿ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ ، ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ ، أي: عن علم سأتلو عليكم.

وقال بعضهم: هو على الابتداء، ليس على الربط والصّلة على الأول، أي: قد أحطنا علمنا بما لديه.

﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ .

ما ذكرنا في بلوغه مغربها ومطلعها، أي: أعطينا له من السّبب حتى بلغ بين السدّين في بعض القراءات ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب، فإن كان بين اللغتين فرق؛ فيشبه أن يكون ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالرفع: الجبلين اللذين كانا هنالك، و ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب: هو بناء ذي القرنين، وإن لم يحتمل الفرق - فهو ما بنى هو أو مكان في الخليقة.

ثم اختلف في ذلك السدّ.

قال بعضهم: هو المنفذ الذي كان بين طرفي الجبل الذي كان محيطا بالأرض، يدخل فيه يأجوج ومأجوج إلى هذه الأرض؛ فسد ذو القرنين ذلك المنفذ.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن كانا جبلين: أحدهما: ستر بين يأجوج، والثاني: بين مأجوج؛ فسدّ ذلك، والله أعلم كيف كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ .

قال الحسن: كانوا يفقهون ما به صلاح معاشهم، وما به بقاؤهم، ولكن كانوا لا يفقهون الهدى من الضلال، والخير من الشرّ، ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ : من غير كلامهم ولسانهم؛ ولكن يفقهون بلسانهم وكلامهم، وذو القرنين كان يعرف الألسن كلها؛ ففقهوا هم [منه] وفقه هو منهم؛ حيث قالوا ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ ، أي: جعلا أجرا، ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾ .

وقال هو: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ : فهم ذو القرنين منهم، وفهموا منه أيضاً ما ذكرنا؛ فدل ذلك أنهم كانوا يفقهون بلسان غيرهم، وفي الآية دلالة أنهم لا يفقهون شيئاً قليلا من القول، وإن كانوا لا يفقهون كثيراً؛ لأنه يقول: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ ؛ فهو يتكلم على العرف لا على النفي رأساً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ : جعلا وأجرا؛ ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ .

على تأويل الحسن يكون قوله: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ من النبوة ﴿ خَيْرٌ ﴾ ؛ لأنه يقول: إنه كان نبياً؛ حيث قال له: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وعلى قول غيره يكون ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ : من الملك والسبب الذي أعطاني، وأبلغ به مغرب الشمس ومطلعها ﴿ خَيْرٌ ﴾ مما تذكرون.

وقوله: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ ، أي بما أتقوى به، ﴿ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ ، أي: سدّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ﴾ ، أي: قطع الحديد.

وقال بعضهم: سألهم الحديد؛ لأن المكان مكان الحديد.

وقال بعضهم: إن الحديد كان ألين لهم وأطوع من اللَّبِنِ أو القطر، ولكن لا يعلم ذلك إلا بالسمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ .

أي: بلغ ذلك السد رأس الصدفين، وهما جبلان، وسوى بهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ .

أي: أصب عليه قطرا، قيل: نحاساً، وقيل: رصاصا، ذكر أنه كان يبسط الحديد صدرا، ثم يبسط الحطب فوقه صدراً، ثم حديدا فوق الحطب، حتى بلغ رأس الجبلين، وسوى بهما على هذا السبيل، ثم أذيب القطر، فصب فيه، فجعل القطر يحرق الحطب، ويذيب الحديد؛ حتى دخل القطر مكان الحطب، وصار مكانه؛ فالتزق القطر بالحديد، على هذا ذكر أنه بنى ذلك السدّ.

وقال الحسن: كأنه القطر له كالملاط لنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ .

أي: يعلوه، يعني: على ذلك السد وما استطاعوا له نقباً في أسفله، ولا يزاد على المذكور في الكتاب في هذه الأنباء، والقصص، خوفاً للشهادة على الله، والكذب عليه، ولكن نذكر مقدار ما ذكر في الكتاب، لا نزيد على ذلك، وفي الكتاب القدر الّذي ذكرنا، والله أعلم.

قال القتبي: يقال للجبل: السدّ و ﴿ زُبَرَ ﴾ : قطع، والقطر: النحاس، وقوله: ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أي: يعلوه.

يقال: ظهر فلان السطح إذا علاه، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال: ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ : ناحيتي الجبل، والردم: السدّ، و ﴿ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ : هو مثل السدّين، ﴿ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ ، أي: أصب عليه نحاساً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾ يحتمل أنه السدّ الذي بني وحال بينهم وبين يأجوج ومأجوج، فذلك منه رحمة، أي: برحمته كانت تلك الحيلولة، أو كان ذلك نعمة من الله، والرحمة هي النعمة، أي: هذا السدّ بينكم وبينهم نعمة من ربي عليكم.

ثم فيه وجهان: أحدهما: ذكر أن ذلك كان برحمة من الله إذا فرغ منه، وقد كان في الابتداء حين سألوه أن يجعل لهم السدّ أضاف الفعل إلى نفسه حيث قال: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ دلّ ذلك أن ما فعل برحمة منه وفضل، وأن له في ذلك صنعاً.

والثاني: فيه أن له أن يفعل بالخلق ما ليس هو بأصلح لهم في الدين؛ لأنه لا يخلو إما أن كان الأول لهم أصلح في الدين، ثم فعل الثاني، فلا يكون الثاني أصلح لهم في الدين، وإذا كان الأصلح لهم في الدّين الثاني فالأول لم يكن، ثم ذكر أن ذلك رحمة منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ ، أي: فإذا جاء الذي به كان وعد ربي وهو الموعود؛ ولأن الوعد لا يجيء فكأنه قال: موعود ربّي، وهو خروج يأجوج ومأجوج، أو فتح ذلك السدّ ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: كسراً أو هدماً على ما ذكرنا، و ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: هدمه وسواه بالأرض.

وقال القتبي: ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ ، أي: ألصقه بالأرض.

﴿ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يجول بعضهم في بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ هذا وعد والأول موعود.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوَا عليه لارتفاعه، وما استطاعوا أن يثقبوه من أسفله لصلابته.

من فوائد الآيات أن ذا القرنين أحد الملوك المؤمنين الذين ملكوا الدنيا وسيطروا على أهلها، فقد آتاه الله ملكًا واسعًا، ومنحه حكمة وهيبة وعلمًا نافعًا.

من واجب الملك أو الحاكم أن يقوم بحماية الخلق في حفظ ديارهم، وإصلاح ثغورهم من أموالهم.

أهل الصلاح والإخلاص يحرصون على إنجاز الأعمال ابتغاء وجه الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.LPJXy"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر