الآية ١٠ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١٠ من سورة الحج

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : يقال له هذا تقريعا وتوبيخا ، ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) كقوله تعالى : ( خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم .

ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم .

ذق إنك أنت العزيز الكريم .

إن هذا ما كنتم به تمترون ) [ الدخان : 47 - 50 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن الصباح ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام ، عن الحسن قال : بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( ذلك بما قدمت يداك ) يقول جلّ ثناؤه: ويقال له إذا أذيق عذاب النار يوم القيامة: هذا العذاب الذي نذيقكه اليوم بما قدمت يداك في الدنيا من الذنوب والآثام ، واكتسبته فيها من الإجرام ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) يقول: وفعلنا ذلك لأن الله ليس بظلام للعبيد ، فيعاقب بعض عبيده على جُرْم ، وهو يغفر (1) مثله من آخر غيره، أو يحمل ذنب مذنب على غير مذنب ، فيعاقبه به ويعفو عن صاحب الذنب ، ولكنه لا يعاقب أحدا إلا على جرمه ، ولا يعذب أحدا على ذنب يغفر مثله لآخر إلا بسبب استحق به منه مغفرته.

------------------------ الهوامش: (1) في الأصل يعفو : وفي العبارة ارتباك ، توضيحه في آخر كلامه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ذلك بما قدمت يداك أي يقال له في الآخرة إذا دخل النار : ذلك العذاب بما قدمت يداك من المعاصي والكفر .

وعبر باليد عن الجملة ؛ لأن اليد التي تفعل وتبطش للجملة .

و ذلك بمعنى هذا ، كما تقدم في أول البقرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذلك بما قدمت يداه، { وَأَّن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ويقال له ( ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد ) فيعذبهم بغير ذنب وهو جل ذكره على أي وجه شاء تصرف في عبده فحكمه عدل وهو غير ظالم

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك بما قدمت يداك» أي قدمته عبر عنه بهما دون غيرهما لأن أكثر الأفعال تزاول بهما «وأن الله ليس بظلام» أي بذي ظلم «للعبيد» فيعذبهم بغير ذنب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويقال له: ذلك العذاب بسبب ما فَعَلْتَ من المعاصي واكتسبت من الآثام، والله لا يعذب أحدًا بغير ذنب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وتقول له ملائكتنا وهى تصب عليه ألوان العذاب ( ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ) أى : ذلك الذى تتذوقه من عذاب محرق سببه : جهلك وغرورك وإصرارك على الكفر ، وحرصك على إضلالك لغيرك .وأسند - سبحانه - سبب ما نزل بهذا الكافر من خزى وعذاب إلى يديه ، لأنهما الجارحتان اللتان يزاول بهما أكثر الأعمال .وقوله - سبحانه - ( وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ ) بيان لعدله - تعالى - مع عباده ، أى : وأن الله - تعالى - ليس بذى ظلم لعباده أصلاً ، حتى يعذبهم بدون ذنب ، بل هو عادل رحيم بهم ، ومن مظاهر عدله ورحمته أنه يضاعف الحسنات ، ويعاقب على السيئات ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ بكسر العين الحسن وحده بفتح العين ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ قرئ بضم الياء وفتحها القراءة المعروفة ﴿ وَنُذِيقُهُ ﴾ بالنون وقرأ زيد بن علي أذيقه، المعاني في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن المراد بقوله: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ  ﴾ من هم؟

على وجوه: أحدها: قال أبو مسلم الآية الأولى وهي قوله: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ويتبع كل شيطان مريد واردة في الأتباع المقلدين وهذه الآية واردة في المتبوعين المقلدين، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان أحدهما تبعاً والآخر متبوعاً وبين ذلك قوله: ﴿ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ ﴾ فإن مثل ذلك لا يقال في المقلد، وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة، فإن قيل: كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلاً؟

قلنا قد يجادل تصويباً لتقليده وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلي هو التقليد.

وثانيها: أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحرث، وهذه الآية في أبي جهل.

وثالثها: أن هذه الآية نزلت أيضاً في النضر وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وفائدة التكرير المبالغة في الذم وأيضاً ذكر في الآية الأولى اتباعه للشيطان تقليداً بغير حجة، وفي الثانية مجادلته في الدين وإضلاله غيره بغير حجة والوجه الأول أقرب لما تقدم.

المسألة الثانية: الآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب المنير حق حسن على ما مر تقريره.

المسألة الثالثة: المراد بالعلم العلم الضروري، وبالهدى الاستدلال والنظر لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحي، والمعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية وهو كقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ  ﴾ وقوله: ﴿ ائتونى بكتاب مّن قَبْلِ هذا  ﴾ أما قوله: ﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فاعلم أن ثنى العطف عبارة عن الكبر والخيلاء كتصعير الخد ولي الجيد وقوله: ﴿ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فأما القراءة بضم الياء فدلالة على أن هذا المجادل فعل الجدال وأظهر التكبر لكي يتبعه غيره فيضله عن طريق الحق فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير.

وأما القراءة بفتح الياء فالمعنى أنه لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح حاله في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فيوم بدر روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما نزلت في النضر بن الحرث وأنه قتل يوم بدر، وأما الذين لم يخصصوا هذه الآية بواحد معين قالوا المراد بالخزي في الدنيا ما أمر المؤمنون بذمه ولعنه ومجاهدته وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق ﴾ ثم بين تعالى أن هذا الخزي المعجل وذلك العقاب المؤجل لأجل ما قدمت يداه، قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مطالب: الأول: دلت الآية على أنه إنما وقع في ذلك العقاب بسبب عمله وفعله فلو كان فعله خلقاً لله تعالى لكان حينما خلقه الله سبحانه وتعالى استحال منه أن ينفك عنه، وحينما لا يخلقه الله تعالى استحال منه أن يتصف به، فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك على خلاف النص.

الثاني: أن قوله بعد ذلك ﴿ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ دليل على أنه سبحانه إنما لم يكن ظالماً بفعل ذلك العذاب لأجل أن المكلف فعل فعلاً استحق به ذلك العقاب وذلك يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ظالماً، وهذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم.

الثالث: أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادراً عليه خلاف ما يقوله النظام، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة.

الرابع: وهو أن لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم لأن عندهم صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم موقوفة على نفي الظلم فلو أثبتنا ذلك بالدليل السمعي لزم الدور والجواب: عن الكل المعارضة بالعلم والداعي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس أنه أبو جهل بن هشام.

وقيل: كرر كما كررت سائر الأقاصيص.

وقيل: الأوّل في المقلدين، وهذا في المقلدين.

والمراد بالعلم: العلم الضروري.

وبالهدى: الاستدلال والنظر؛ لأنه يهدي إلى المعرفة.

وبالكتاب المنير: الوحي، أي يجادل بظن وتخمين، لا بأحد هذه الثلاثة.

وثنى العطف: عبارة عن الكبر والخيلاء، كتصعير الخدّ وليّ الجيد.

وقيل: عن الإعراض عن الذكر.

وعن الحسن: ثاني عطفه، بفتح العين، أي: مانع تعطفه ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ تعليل للمجادلة.

قرئ بضم الياء وفتحها.

فإن قلت: ما كان غرضه من جداله الضلال ﴿ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فكيف علل به؟

وما كان أيضاً مهتدياً حتى إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال؟

قلت: لما أدّى جداله إلى الضلال، جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه وأقبل على الجدال بالباطل، جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال.

وخزيه: ما أصابه يوم بدر من الصغار والقتل، والسبب فيما مني به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة: هو ما قدمت يداه، وعدل الله في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ عَلى أنَّهُ لا سَنَدَ لَهُ مِنَ اسْتِدْلالٍ أوْ وحْيٍ، أوِ الأوَّلُ في المُقَلِّدِينَ وهَذا في المُقَلَّدِينَ، والمُرادُ بِالعِلْمِ العِلْمُ الفِطْرِيُّ لِيَصِحَّ عَطْفُ الـ ( هُدًى ) والـ ( كِتابٍ ) عَلَيْهِ.

﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ ﴾ مُتَكَبِّرًا وثَنْيُ العِطْفِ كِنايَةٌ عَنِ التَّكَبُّرِ كَلِيِّ الجِيدِ، أوْ مُعْرِضًا عَنِ الحَقِّ اسْتِخْفافًا بِهِ.

وَقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ أيْ مانِعٌ تَعَطُّفَهُ.

﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عِلَّةٌ لِلْجِدالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنَّ إعْراضَهُ عَنِ الهُدى المُتَمَكِّنَ مِنهُ بِالإقْبالِ عَلى الجِدالِ الباطِلِ خُرُوجٌ مِنَ الهُدى إلى الضَّلالِ، وأنَّهُ مِن حَيْثُ مُؤَدّاهُ كالغَرَضِ لَهُ.

﴿ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ وهو ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ المَحْرُوقُ وهو النّارُ.

﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ عَلى الِالتِفاتِ، أوْ إرادَةِ القَوْلِ أيْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ذَلِكَ الخِزْيُ والتَّعْذِيبُ بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿ وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ وإنَّما هو مُجازٍ لَهم عَلى أعْمالِهِمُ المُبالَغَةُ لِكَثْرَةِ العَبِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي السبب في عذاب الدارين هو ما قدمت نفسه من الكفر والتكذيب وكنى عنها باليد لأن اليد آلة الكسب {وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ} فلا يأخذ أحداً بغير ذنب ولا بذنب غيره وهو عطف على بما أي وبأن الله وذكر الظلام بلفظ المبالغة لاقترانه بلفظ الجمع وهو العبيد ولأن قليل الظلم منه مع علمه بقبحه واستغنائه كالكثير منها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن ثُبُوتِ الخِزْيِ لَهُ في الدُّنْيا وإذاقَةِ عَذابِ الحَرِيقِ في الأُخْرى، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما اكْتَسَبْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ إلَخْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولَةً لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ قائِلِينَ أوْ مَقُولًا لَهُ ذَلِكَ إلَخْ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ ﴿ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ما وبِهِ قالَ بَعْضُهم، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ ما اقْتَرَفُوا مِنَ الذُّنُوبِ لِعَذابِهِمْ مُقَيَّدَةٌ بِانْضِمامِ انْتِفاءِ ظُلْمِهِ تَعالى إلَيْهِ إذْ لَوْلاهُ لَأمْكَنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِغَيْرِ ما اقْتَرَفُوهُ إلّا أنْ لا يُعَذِّبَهم بِما اقْتَرَفُوا، وحاصِلُهُ أنَّ تَعْذِيبَ العُصاةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِذُنُوبِهِمْ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ إرادَةِ عَذابِهِمْ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ فَجِيءَ بِهَذا لِرَفْعِ الِاحْتِمالِ الثّانِي وتَعْيِينِ الأوَّلِ لِلسَّبَبِيَّةِ لا لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ لا يُعَذِّبَهم بِذُنُوبِهِمْ لِأنَّهُ جائِزٌ بَلْ بَعْضُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ في حَقِّ بَعْضِ العُصاةِ، ومَرْجِعُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ إلى تَقْرِيعِ الكَفَرَةِ وتَبْكِيتِهِمْ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلْعَذابِ إلّا مِن قِبَلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ العَذابَ إنَّما نَشَأ مِن ذُنُوبِكُمُ الَّتِي اكْتَسَبْتُمُوها لا مِن شَيْءٍ آخَرَ.

واخْتارَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ أنَّ مَحَلَّ أنَّ وما بَعْدَها الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ مِن غَيْرِ ذَنَبٍ مِن قِبَلِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وقالَ في العَطْفِ: لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبِيَّةَ إلَخْ أنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِما أنَّ إمْكانَ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ بَلْ وُقُوعَهُ لا يُنافِي كَوْنَ تَعْذِيبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ حَتّى يَحْتاجَ إلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ مَعَهُ، نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعِي كَوْنَ جَمِيعِ تَعْذِيباتِهِ تَعالى بِسَبَبِ ذُنُوبِ المُعَذَّبِينَ لاحْتِيجَ إلى ذَلِكَ انْتَهى.

وتُعُقِّبَ قَوْلُهُ: إنَّ إمْكانَ إلَخْ بِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في مُنافاةِ ذَيْنَكِ الأمْرَيْنِ بِحَسَبِ ذاتِهِما بَلْ في مُنافاةِ احْتِمالِ التَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ لِتَعَيُّنِ سَبَبِيَّةِ الذُّنُوبِ لَهُ وقَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ كانَ المُدَّعِي إلَخْ بِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى ذَلِكَ القَيْدِ في كُلٍّ مِنَ الصُّورَتَيْنِ إنَّما هو لِتَقْرِيعِ المُذْنِبِينَ بِأنَّهُ لا سَبَبَ لِتَعْذِيبِهِمْ إلّا مِن قِبَلِهِمْ فالقَوْلُ بِالِاحْتِياجِ في صُورَةِ الجَمِيعِ وبِعَدَمِهِ في صُورَةِ الخُصُوصِيَّةِ رَكِيكٌ جِدًّا، وتُعُقِّبَ أيْضًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، والقَوْلُ بِالِاعْتِراضِ وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ أبْعَدُ عَنِ الِاعْتِراضِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ نَفْيِ تَعْذِيبِهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ، بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ الظُّلْمِ وصِيغَةُ المُبالَغَةِ لِتَأْكِيدِ هَذا المَعْنى بِإبْرازِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ في صُورَةِ المُبالَغَةِ في الظُّلْمِ، وقِيلَ: هي لِرِعايَةِ جَمْعِيَّةِ العَبِيدِ فَتَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ كَمًّا لا كَيْفًا.

واعْتُرِضَ بِأنَّ نَفْيَ المُبالَغَةِ كَيْفَما كانَتْ تُوهِمُ المُحالَ، وقِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ المُبالَغَةُ بَعْدَ النَّفْيِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُبالَغَةً في النَّفْيِ لا نَفْيًا لِلْمُبالَغَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِثْلَ القَيْدِ المُنْفَصِلِ الَّذِي يَجُوزُ اعْتِبارُ تَأخُّرِهِ وتَقَدُّمِهِ كَما قالُوهُ في القُيُودِ الواقِعَةِ مَعَ النَّفْيِ، وجَعْلُهُ قَيْدًا في التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى لَيْسَ بِذِي ظُلْمٍ عَظِيمٍ أوْ كَثِيرٍ تَكَلُّفٌ لا نَظِيرَ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ ظَلّامًا لِلنِّسْبِيَّةِ أيْ لَيْسَ بِذِي ظُلْمٍ ولا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِصِيغَةِ فاعِلٍ فَقَدْ جاءَ ««ولَيْسَتْ بِذِي رُمْحٍ ولَسْتُ بِنَبّالٍ»» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ، أي: تعلموا أنّ السّاعة آتِيَةٌ، أي: كائنة، أي جائية.

لاَ رَيْبَ فِيها، أي: لا شك فيها عند المؤمنين، وعند كل من له عقل وذهن.

وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ يعني: يخاصم في دين الله عز وجل بِغَيْرِ عِلْمٍ، أي: بلا بيان وحجة، وَلا هُدىً يعني: ولا دليل واضح من المعقول، وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ يعني: ولا كتاب منزل مضيء فيه حجة.

ثانِيَ عِطْفِهِ، يعني: لاويا عنقه عن الإيمان، وهو على وجه الكِنَايَةِ، ومعناه: يجادل في الله بغير علم متكبراً، ويقال ثانِيَ عِطْفِهِ، يعني: معرضا عن طاعة ربّه.

لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: لِيُضِلَّ بنصب الياء، يعني: ليعرض عن دين الله عز وجل، وقرأ الباقون بالضم، يعني: ليصرف الناس عن دين الإسلام.

قال الله تعالى: لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، يعني: النضر بن الحارث قتل يوم بدر صبراً، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ يعني: عذاب النار فأخبر الله تعالى أن ما أصابه في الدنيا من الخزي، لم يكن كفارة لذنوبه.

ثم قال عز وجل: ذلِكَ، يعني: ذلك العذاب، أي: يقال له يوم القيامة: هذا العَذَابُ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ، يعني: بما عملت يداك.

وذكر اليدين كناية، يعني: ذلك العذاب لكفرك وتكذيبك.

وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، يعني: لا يعذب أحداً بغير ذنب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ قالت فرقة: معناه أمر البعث، وَنُقِرُّ أي: ونحن نُقِرُّ في الأرحام، والأجل المُسَمَّى مختلف بحسب حين حين، فَثَمَّ مَنْ يسقط، وثم مَنْ يكمل أمره ويخرج حَيّاً.

وقوله سبحانه: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً قد تقدَّمَ بيانُ هذه المعاني، والردّ إلى أَرذل العمر هو حصول الإنسان في زمانة، واختلال العقل والقوة، فهذا مثال واحد يقتضي للمُعْتَبِرِ به أن القادِرَ على هذه المناقل، المُتْقِنَ لها- قادرٌ على إعادة تلك الأجساد التي أوجدها بهذه المناقل، إلى حالها الأولى.

وقوله عز وجل: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ هذا هو المثال الثَّاني الذي يُعْطِي للمعتبر فيه جوازَ بعث الأجساد وذلك أَنَّ إحياءَ الأرض بعد موتها بيّن فكذلك الأجساد، وهامِدَةً: معناه: ساكنة دارسة بالية، واهتزاز الأرض: هو حركتها بالنبات وغيرِ ذلك مِمَّا يعتريها بالماء، وَرَبَتْ:

معناه: نشزت وارتفعت ومنه الرَّبْوَةُ وهي المكان المرتفع، والزوج: النوع، والبهيج: من البهجة، وهي الحسن قاله قتادة «١» وغيره.

وقوله: ذلِكَ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره، وباقي الآية بين.

وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...

الآية، الإشارة بقوله: وَمِنَ النَّاسِ إلى القوم الذين تقدَّمَ ذكرُهُم، وكَرَّرَ هذه الآية على جهة التوبيخ فكأنه يقول: فهذه الأمثال في غاية الوضوح، ومِنَ الناس مع ذلك مَنْ يجادل، وثانِيَ:

حال من الضمير في يُجادِلُ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ.

وهَذا مِمّا نَزَلَ في النَّضْرِ أيْضًا.

والهُدى: البَيانُ والبُرْهانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ ﴾ العِطْفُ: الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ: جانِباهُ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَعْطِفُهُ الإنْسانُ ويَلْوِيهِ عِنْدَ إعْراضِهِ عَنِ المَشْيِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ثانِيَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ التَّنْوِينُ، مَعْناهُ: ثانِيًا عِطْفَهُ.

وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أنَّ مَعْناهُ: لاوِيًا عُنُقَهُ، وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ، والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَكَبِّرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ ؛ أيْ: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، فَكَأنَّهُ وإنْ لَمْ يَقْدِرْ أنَّهُ يُضِلُّ، فَإنَّ أمْرَهُ يَصِيرُ إلى ذَلِكَ.

﴿ لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ ﴾ وهو ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قُتِلَ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ يُونُس: ٧٠ ] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ ناسًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ  فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى دِينِكَ، فَإنْ أصابُوا مَعِيشَةً، ونَتَجَتْ خَيْلُهم، ووَلَدَتْ نِساؤُهُمُ الغِلْمانَ، اطْمَأنُّوا وقالُوا: هَذا دِينُ حَقٍّ، وإنْ لَمْ يَجْرِ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ قالُوا: هَذا دِينُ سَوْءٍ، فَيَنْقَلِبُونَ عَنْ دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ أسْلَمَ، فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ، فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَ: أقِلْنِي، فَقالَ: " إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ " .

فَقالَ: إنْ لَمْ أُصِبْ في دِينِي هَذا خَيْرًا، أُذْهِبَ بَصَرِي ومالِي ووَلَدِي.

فَقالَ: " يا يَهُودِيُّ؛ إنَّ الإسْلامَ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ والفِضَّةِ والذَّهَبِ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ ﴾ ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يُجادِلُ في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ ﴾ ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ لَهُ في الدُنْيا خِزْيٌ ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ هَذا هو المِثالُ الَّذِي يُعْطِي لِلْمُعْتَبِرِ فِيهِ جَوازَ بَعْثِ الأجْسادِ، وذَلِكَ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها بَيِّنٌ، فَكَذَلِكَ الأجْسادِ، و "هامِدَةً" مَعْناها: ساكِنَةٌ دارِسَةٌ بالِيَةٌ، ومِنهُ قِيلَ: هَمَدَ الثَوْبُ إذا بَلِيَ، قالَ الأعْشى: قالَتْ قَتِيلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هَمَدا و "اهْتِزازُ الأرْضِ" هو حَرَكَتُها بِالنَباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْتَرِيها بِالماءِ، و"رَبَتْ" مَعْناهُ: نَشَزَتْ وارْتَفَعَتْ، ومِنهُ الرَبْوَةُ، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَرَبَأتْ" بِالهَمْزِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، وقَرَأها عَبْدُ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَخالِدُ بْنُ إلْياسٍ، وهي غَيْرُ وجِيهَةٍ، ووَجْهُها أنْ تَكُونَ مِن: "رَبَأْتُ القَوْمَ" إذا عَلَوْتَ شَرَفًا مِنَ الأرْضِ طَلِيعَةً، فَكَأنَّ الأرْضَ بِالماءِ تَتَطاوَلُ وتَعْلُو.

و"الزَوْجُ": النَوْعُ، و "البَهِيجُ" فَعِيلٌ مِنَ البَهْجَةِ وهي الحَسَنُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ هو الحَقُّ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَـ "ذَلِكَ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ "بِأنَّ"، أيْ: هو بِأنَّ اللهَ حَقٌّ مُحْيِي قادِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ ﴾ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِما ذُكِرَ، لَكِنَّ المَعْنى أنَّ الأمْرَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، أو عَلى تَقْدِيرِ: والأمْرُ أنَّ الساعَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ  ﴾ الآيَةُ.

الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: " ومِنَ الناسِ " إلى القَوْمِ المُتَقَدِّمْ ذَكْرُهُمْ، وحَكى النَقاشُ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ، وكَرَّرَ هَذِهِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: وهَذِهِ الأمْثالُ في غايَةِ الوُضُوحِ والبَيانِ، ومِنَ الناسِ مَعَ ذَلِكَ مَن يُجادِلُ، فَكَأنَّ الواوَ واوُ الحالِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ الواوُ فِيها واوٌ عَطَفَتْ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى ما قَبِلَها، والآيَةُ عَلى مَعْنى الإخْبارِ، وهي ها هُنا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، و "ثانِيَ" حالٌ مِن ضَمِيرٍ في "يُجادِلُ"، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن "مِنَ" لِأنَّها ابْتِداءٌ، والِابْتِداءُ عَمَلُهُ الرَفْعُ لا النَصْبُ، وإضافَةُ "ثانِيَ" غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها؛ لِأنَّها في مَعْنى الِانْفِصالِ إذْ تَقْدِيرُها: ثانِيًا عِطْفِهِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّ صاحِبَ الكِبْرِ يَرُدُّ وجْهَهُ عَمّا يَتَكَبَّرُ عنهُ، فَهو يَرُدُّ وجْهَهُ يُصَعِّرُ خَدَّهُ ويَلْوِي عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفِهِ، وهَذِهِ هي عِباراتُ المُفَسِّرِينَ.

و "العِطْفُ": الجانِبُ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "عِطْفُهُ" بِفَتْحِ العَيْنِ، والعِطافُ: السَيْفُ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ يَتَعَطَّفُهُ، أيْ يَصِلُهُ بِجَنْبِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ مُجاهِدُ وأهْلُ مَكَّةَ: "لِيَضِلَّ" بِفَتْحِ الياءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرُو.

و "الخِزْيِ": الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ النَضْرُ بْنُ الحارِثِ في أسْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَتْلِهِ بالصَفْراءِ و"الحَرِيقُ": طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ بِمَعْنى: يُقالُ لَهُ، ونَسَبَ التَقْدِيمَ إلى اليَدَيْنِ إذْ هُما آلَةُ الِاكْتِسابِ، واُخْتُلِفَ في الوَقْفِ عَلى "يَداكَ" فَقِيلَ: لا يَجُوزُ لِأنَّ التَقْدِيرَ: وبِأنَّ اللهَ، أيْ أنَّ هَذا هو العَدْلُ فِيكَ بِجَرائِمِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ بِمَعْنى: والأمْرُ أنَّ اللهَ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ.

و "العَبِيدُ" هُنا ذُكِرُوا في مَعْنى مَكْسَنَتِهِمْ وقِلَّةِ قُدْرَتِهِمْ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الصِيغَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ﴾ [الحج: 5] كما عطفت جملة ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ على جملة ﴿ ياأيها الناس اتقوا ربكم ﴾ [الحج: 1].

والمعنى: إن كنتم في ريب من وقوع البعث فإنا نزيل ريبكم بهذه الأدلة الساطعة، فالناسُ بعد ذلك فريقان: فريق يوقن بهذه الدلالة فلا يبقى في ريب، وفريق من الناس يجادل في الله بغير علم وهؤلاء هم أيّمة الشرك وزعماء الباطل.

وجملة ﴿ لا ريب فيها ﴾ [الحج: 7] معترضة بين المتعاطفات، أي ليس الشأن أن يُرتاب فيها، فلذلك نفي جنس الريب فيها، أي فالريب.

المعنيُّ بهذه الآية هو المعنيُّ بقوله فيما مضى ﴿ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ﴾ [الحج: 3]، فيكون المراد فريق المعاندين المكابرين الذين يجادلون في الله بغير علم بعد أن بلغهم الإنذار من زلزلة الساعة، فهم كذلك يجادلون في الله بغير علم بعد أن وضحت لهم الأدلة على وقوع البعث.

ودافِعُهم إلى الجدال في الله عند سماع الإنذار بالساعة عدمُ علمهم ما يجادلون فيه واتباعهم وسواس الشياطين.

ودافعهم إلى الجدال في الله عند وضوح الأدلة على البعث علم علمهم ما يجادلون فيه، وانتفاء الهُدى، وانتفاء تلقي شريعة من قبل، والتكبر عن الاعتراف بالحجة، ومحبةُ إضلال الناس عن سبيل الله.

فيؤول إلى معنى أن أحوال هؤلاء مختلفة وأصحابها فريق واحد هو فريق أهل الشرك والضلالة.

ومن أساطين هذا الفريق من عدّوا في تفسير الآية الأولى مثلُ: النضْر بن الحارث، وأبي جهل، وأُبيّ بن خلف.

وقيل: المراد من هذه الآية بمن يجادل في الله: النضر بن الحارث.

كُرر الحديث عنه تبييناً لحالتي جداله، وقيل المراد بمن يجادل في هذه الآية أبو جهل، كما قيل: إن المراد في الآية الماضية النضر بن الحارث فجعلت الآية خاصة بسبب نزولها في نظر هذا القائل.

وروي ذلك عن ابن عباس.

وقيل: هو الأخنَس بن شَريق.

وتقدم معنى قوله ﴿ بغير علم ﴾ في نظير هذه الآية.

وقيل المراد ب ﴿ من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد ﴾ [الحج: 3] المقلدون بكسر اللام من المشركين الذين يتّبعون ما تمليه عليهم سادة الكفر، والمراد ب ﴿ من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ﴾ المقلّدون بفتح اللام أئمة الكفر.

والهدى مصدر في معنى المضاف إلى مفعوله، أي ولا هُدى هو مَهدِي به.

وتلك مجادلة المقلّد إذا كان مقلداً هادياً للحق مثل أتباع الرسل، فهذا دون مرتبَة من يجادل في الله بعلم، ولذلك لم يستغن بذكر السابِق عن ذكر هذا.

والكتاب المُنير: كُتب الشرائع مثل: التوراة والإنجيل، وهذا كما يجادلُ أهلُ الكتاب قبل مجيء الإسلام المشركين والدهريين فهو جدال بكتاب منير.

والمنير: المبين للحق.

شبه بالمصباح المضيء في الليل.

ويجيء في وصف ﴿ كتاب ﴾ بصفة ﴿ مُنير ﴾ تعريض بالنضر بن الحارث إذ كان يجادل في شأن الإسلام بالموازنة بين كتاب الله المنير وبين كتاب أخبار رُستم، وكتاب أخبار أسفنديار المظلمة الباطلة.

والثّنْيُ: لَيُّ الشيء.

يقال: ثنى عنان فرسه، إذا لواه ليدير رأس فرسه إلى الجهة التي يريد أن يوجهه إليها.

ويطلق أيضاً الثّني على الإمالة.

والعِطف: المنكب والجانب.

و ﴿ ثاني عطفه ﴾ تمثيل للتكبر والخيلاء.

ويقال: لوى جيدَه، إذا أعرض تكبراً.

وهذه الصفة تنطبق على حالة أبي جهل فلذلك قيل إنه المراد هنا.

واللام في قوله ﴿ ليُضل ﴾ لتعليل المجادلة، فهو متعلّق ب ﴿ يجادل ﴾ أي غرضه من المجادلة الإضلال.

وسبيل الله: الدّين الحق.

وقوله ﴿ ليُضل ﴾ بضم الياء أي ليُضلل الناسَ بجداله.

فهذا المجادل يريد بجدله أن يوهم العامة بطلان الإسلام كيلا يتبعوه.

وإفراد الضمير في قوله ﴿ عطفه ﴾ وما ذكر بعده مراعاةٌ للفظ (مَن) وإنْ كان معنى تلك الضمائر الجمع.

وخزي الدنيا: الإهانة، وهو ما أصابهم من القتل يوم بَدر ومن القتل والأسر بعد ذلك.

وهؤلاء هم الذين لم يسلموا بعدُ.

وينطبق الخزي على ما حصل لأبي جهل يوم بدر من قتله بيد غلامين من شباب الأنصار وهما ابنا عفراء.

وباعتلاء عبد الله بن مسعود على صدره وذبحه وكان في عظمته لا يخطر أمثال هؤلاء الثلاثة بخاطره.

وينطبق الخزيُ أيضاً على ما حلّ بالنضر بن الحارث من الأسر يوم بدر وقتله صبراً في موضع يقال له: الأثَيْل قرب المدينة عقب وقعة بدر كما وصفته أخته قتيلة في رثائه من قصيدة: صبْراً يقاد إلى المنية متعَبا *** صبرَ المقيّد وهو عَاننٍ مُوثق وإذ كانت هذه الآية ونظيرتها التي سبقت مما نزل بمكة لا محالة كان قوله تعالى: ﴿ له في الدنيا خزي ﴾ من الإخبار بالغيب وهو من معجزات القرآن.

وإذاقة العذاب تخييل للمكنيّة.

وجملة ﴿ ذلك بما قدمت يداك ﴾ مقول قول محذوف تدل عليه صيغة الكلام وهي جملة مستأنفة، أو في موضع الحال من ضمير النصب في قوله تعالى ﴿ ونذيقه ﴾ .

و ﴿ قدّمتْ ﴾ بمعنى: أسلفت.

جعل كفره كالشيء الذي بعث به إلى دار الجزاء قبل أن يصِل هو إليها فوحده يوم القيامة حاضراً ينتظره قال تعالى: ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ [الكهف: 49].

والإشارة إلى العذاب والباءُ سببية.

و(ما) موصولة.

وعطف على (ما) الموصولة قوله تعالى: ﴿ وأن الله ليس بظلام للعبيد ﴾ لأنه في تأويل مصدر، أي وبانتفاءِ ظلم الله العبيد، أي ذلك العذاب مسبب لهذين الأمرين فصاحبه حقيق به لأنه جزاء فساده ولأنه أثر عدل الله تعالى وأنه لم يظلمه فيما أذاقه.

وصيغة المبالغة تقتضي بظاهرها نفي الظلم الشديد، والمقصود أن الظلم من حيث هو ظلم أمر شديد فيصغت له زنة المبالغة، وكذلك التزمت في ذكره حيثما وقع في القرآن، وقد اعتاد جمع من المتأخرين أن يجعلوا المبالغة راجعة للنفي لا للمنفي وهو بعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثانِيَ عِطْفِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لاوِي عُنُقِهِ إعْراضًا عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: مَعْناهُ لاوِي عُنُقِهِ كِبْرًا عَنِ الإجابَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُفَضَّلُ: والعِطْفُ الجانِبُ، ومِنهُ قَوْلُهم فُلانٌ يَنْظُرُ في أعْطافِهِ أيْ في جَوانِبِهِ.

قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ.

﴿ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَكْذِيبُهُ لِلرَّسُولِ وإعْراضُهُ عَنْ أقْوالِهِ.

والثّانِي: فَإذا أرادَ أحَدٌ مِن قَوْمِهِ الدُّخُولَ في الإسْلامِ أحْضَرَهُ وأقامَهُ وشَرَطَ لَهُ وعاتَبَهُ وقالَ: هَذا خَيْرٌ لَكَ مِمّا يَدْعُوكَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ، حَكاهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ﴾ قال: يضاعف الشيء وهو واحد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثاني عطفه ﴾ قال: هو المعرض من العظمة، إنما ينظر في جانب واحد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثاني عطفه ﴾ قال: لاوي رأسه معرضاً مولياً لا يريد أن يسمع ما قيل له.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثاني عطفه ﴾ قال: لاوي عنقه.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثاني عطفه ﴾ قال: يعرض عن الحق ﴿ له في الدنيا خزي ﴾ قال: قتل يوم بدر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثاني عطفه ﴾ أنزلت في النضر بن الحارث.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ثاني عطفه ﴾ قال: هو رجل من بني عبد الدار.

قلت: شيبة؟

قال: لا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثاني عطفه ﴾ يقول: يعرض عن ذكري.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثاني عطفه ﴾ قال: متكبراً في نفسه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: بلغني أن أحدهم يُحْرَق في اليوم سبعين ألف مرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: يقال له هذا العذاب بما قدمت يداك، وموضع "ذلك" رفع بالابتداء، وخبره ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ، وموضع "أنَّ" من قوله ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ ﴾ خفض؛ لأن المعنى: بما قدمت وبأنّ الله.

قال: ويجوز أن يكون موضع "ذلك" رفعًا على خبر الابتداء، المعنى: الأمر ذلك بما قدمت يداك، ويكون موضع "أنَّ" الرفع على معنى: والأمر أنَّ الله ليس بظلام للعبيد (١) وأبطل أبو علي أن يكون "ذلك" خبر الابتداء؛ لأنَّ الجار يبقى غير متعلق بشيء.

والقول في هذه الآية كالقول في قوله ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ لا فصل بينهما وإذا بطل هذا بطل أن يكون موضع "أنَّ" في قوله ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ رفعًا؛ لأنه إذا لم يجز إضمار الأمر الذي يكون مبتدأ لقوله ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾ لم يجز إضماره هاهنا، وإذا لم يجز ذلك كان موضعه جرًا بالعطف (٢) (٣) وأما معنى هذه الآية فهو مما ذكرناه في سورة الأنفال عند قوله ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ  ﴾ .

(١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.

(٢) في (أ): (جوابًا لعطف).

(٣) كلام أبي علي في "الإغفال" 2/ 1048 - 1049.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ أي يقال له: ذلك بما فعلت ويعدل الله، لأنه لا يظلم العباد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ حسي ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ أي: لا بيان دليلي من جهة العقل ﴿ وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴾ أي: ولا وحي ينير ما يجادل فيه ويخاصم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: بغير إذعان ممّن عنده العلم ﴿ وَلاَ هُدًى ﴾ لا استسلام لمن عنده الدليل، ولا خضوع لمن عنده كتاب منير.

وقوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ قال بعضهم: لاوي عنقه إلى معصية الله.

وقال بعضهم: ناظر في عطفه، أي: في جانبه، ومثل هذا.

لكن حقيقته تخرج على وجهين: أحدهما: على التمثيل والكناية عن إعراضه عن دين الله الحق والصدود عنه، كقوله: ﴿ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ ونحوه، كله على التمثيل والكناية عن الإعراض عن الحق والصدود، لا على حقيقة الانقلاب على الأعقاب؛ فعلى ذلك جائز قوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ يخرج على التمثيل والكناية عن الإعراض عن الحق.

وجائز أن يكون على حقيقة عطف العنق والميل عنهم تكبّراً وتجبراً منه عليهم.

ثمّ بين أنه لِمَ يفعل؟

فقال: ﴿ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

ثم أخبر ما له في الدنيا بصنعه؟

فقال: ﴿ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

قال بعضهم: الخزي: هو العذاب الذي يفضحه، وأصل الخزي: الهوان والذل، وهم لما أعرضوا عن عبادة الله ودينه بلوا بعبادة الأصنام واتباع الشيطان، فذلك الخزي لهم في الدنيا.

ثم أخبر ما له في الآخرة من الجزاء؟

فقال: ﴿ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴾ وعامة أهل التأويل يصرفون الآية إلى واحد منهم وهو النضر بن الحارث، ويقولون: ﴿ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ ؛ لأنه أسر يوم بدر، فضرب عنقه، وقتل صبرا، فذلك الخزي له.

والحسن يقول: هذا الخزي لجميع الكفرة؛ لأنه لم يزل هذا صنيعهم منذ كانوا، فلهم الخزي في الدنيا: الخسف والحصب، على ما كان في الأمم الخالية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ليس على تحقيق تقديم الأيدي، ولكن على التمثيل؛ لما بالأيدي يقدم، فذكر اليد لذلك على ما ذكرنا من انقلاب الأعقاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّٰمٍ لِّلعَبِيدِ ﴾ ؛ لأنّه لا يأخذ أحداً بغير ذنب ولا يأخذه بذنب غيره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقال له: ذلك العذاب الذي ذقته بسبب ما اكتسبته من الكفر والمعاصي، والله لا يعذّب أحدًا من خلقه إلا بذنب.

<div class="verse-tafsir" id="91.pjmgB"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل