الآية ١١ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١١ من سورة الحج

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍۢ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما : ( على حرف ) : على شك .

وقال غيرهم : على طرف .

ومنه حرف الجبل ، أي : طرفه ، أي : دخل في الدين على طرف ، فإن وجد ما يحبه استقر ، وإلا انشمر .

وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن الحارث ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاما ، ونتجت خيله ، قال : هذا دين صالح .

وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن أشعث بن إسحاق القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ، فإذا رجعوا إلى بلادهم ، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن ، قالوا : " إن ديننا هذا لصالح ، فتمسكوا به " .

وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط ، قالوا : " ما في ديننا هذا خير " .

فأنزل الله على نبيه : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ) .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : كان أحدهم إذا قدم المدينة ، وهي أرض وبيئة ، فإن صح بها جسمه ، ونتجت فرسه مهرا حسنا ، وولدت امرأته غلاما رضي به واطمأن إليه ، وقال : " ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا " .

وإن أصابته فتنة - والفتنة : البلاء - أي : وإن أصابه وجع المدينة ، وولدت امرأته جارية ، وتأخرت عنه الصدقة ، أتاه الشيطان فقال : والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا .

وذلك الفتنة .

وهكذا ذكر قتادة ، والضحاك ، وابن جريج ، وغير واحد من السلف ، في تفسير هذه الآية .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو المنافق ، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة ، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت ، انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه ، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ، ترك دينه ورجع إلى الكفر .

وقال مجاهد في قوله : ( انقلب على وجهه ) أي : ارتد كافرا .

وقوله : ( خسر الدنيا والآخرة ) أي : فلا هو حصل من الدنيا على شيء ، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم ، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة; ولهذا قال : ( ذلك هو الخسران المبين ) أي : هذه هي الخسارة العظيمة ، والصفقة الخاسرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني جلّ ذكره بقوله ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) أعرابا كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهاجرين من باديتهم، فإن نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة والدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإلا ارتدّوا على أعقابهم، فقال الله ( ومن الناس من يعبد الله ) على شك، ( فإن أصابه خير اطمأن به ) وهو السعة من العيش وما يشبهه من أسباب الدنيا اطمأنّ به يقول: استقرّ بالإسلام وثبت عليه ( وإن أصابته فتنة ) وهو الضيق بالعيش وما يشبهه من أسباب الدنيا( انقلب على وجهه ) يقول: ارتدّ فانقلب على وجهه الذي كان عليه من الكفر بالله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) ...

إلى قوله ( انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ) قال: الفتنة البلاء، كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صحّ بها جسمه ، ونُتِجت فرسه مُهرا حسنا، وولدت امرأته غلاما رضي به واطمأنّ إليه وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا ، وإن أصابه وجع المدينة ، وولدت امرأته &; 18-576 &; جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرّا، وذلك الفتنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن أبي بكر، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد في قول الله ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) قال: على شكّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( عَلَى حَرْفٍ ) قال: على شك (فإن أصابه خير ) رخاء وعافية ( اطمأن به) اسْتَقَرَّ (وإن أصابته فتنة ) عذاب ومصيبة (انْقَلَبَ ) ارتد ( على وجهه ) كافرا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

قال ابن جُرَيج: كان ناس من قبائل العرب ومن حولهم من أهل القرى يقولون: نأتي محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن صادفنا خيرا من معيشة الرزق ثبتنا معه، وإلا لحقنا بأهلنا.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة ( من يعبد الله على حرف ) قال: شك.( فإن أصابه خير ) يقول: أكثر ماله وكثرت ماشيته اطمأنّ وقال: لم يصبني في ديني هذا منذ دخلته إلا خير ( وإن أصابته فتنة ) يقول: وإن ذهب ماله، وذهبت ماشيته ( انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ) .

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، نحوه.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) الآية، كان ناس من قبائل العرب ومن حول المدينة من القرى كانوا يقولون: نأتي محمدا صلى الله عليه وسلم فننظر في شأنه، فإن صادفنا خيرا ثبتنا معه، وإلا لحقنا بمنازلنا وأهلينا.

وكانوا يأتونه فيقولون: نحن على دينك!

فإن أصابوا معيشة ونَتَجُوا خيلهم وولدت نساؤهم الغلمان، اطمأنوا وقالوا: هذا دين صدق ، وإن تأخر عنهم الرزق، وأزلقت خيولهم ، وولدت نساؤهم البنات، قالوا: هذا دين سَوْء، فانقلبوا على وجوههم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ) قال: هذا المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب، ولا يقيم على العبادة إلا لما صَلَح من دنياه.

وإذا أصابته شدّة أو فتنة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر.

وقوله ( خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ) يقوله: غَبِن هذا الذي وصف جلّ ثناؤه صفته دنياه، لأنه لم يظفر بحاجته منها بما كان من عبادته الله على الشك، ووضع في تجارته فلم يربح والآخرة : يقول: وخسر الآخرة، فإنه معذّب فيها بنار الله الموقدة.

وقوله ( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) يقول : وخسارته الدنيا والآخرة هي الخسران : يعني الهلاك المبين : يقول : يبين لمن فكّر فيه وتدبره أنه قد خسر الدنيا والآخرة .

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الأمصار جميعا غير حميد الأعرج ( خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ) على وجه المضيّ.

وقرأه حميد الأعرج ( خاسِرًا) نصبا على الحال على مثال فاعل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف ( من ) في موضع رفع بالابتداء ، والتمام انقلب على وجهه على قراءة الجمهور ( خسر ) .

وهذه الآية خبر عن المنافقين .

قال ابن عباس : يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فلما أوحي إليه ارتد شيبة بن ربيعة .

وقال أبو سعيد الخدري : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره ، وماله ، فتشاءم بالإسلام ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أقلني !

فقال : إن الإسلام لا يقال ، فقال : إني لم أصب في ديني هذا خيرا !

ذهب بصري ، ومالي ، وولدي !

فقال : يا يهودي ، إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد ، والفضة ، والذهب ؛ فأنزل الله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف .

وروى إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف قال : كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح ؛ فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء ) .

وقال المفسرون : نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسلمون ؛ فإن نالوا رخاء أقاموا ، وإن نالتهم شدة ارتدوا .

وقيل : نزلت في النضر بن الحارث .

وقال ابن زيد وغيره : نزلت في المنافقين .

ومعنى على حرف على شك ، قاله مجاهد ، وغيره .

وحقيقته أنه على ضعف في عبادته كضعف القائم على حرف مضطرب فيه .

وحرف كل شيء طرفه ، وشفيره ، وحده ؛ ومنه حرف الجبل ، وهو أعلاه المحدد .

وقيل : على حرف أي على وجه واحد ، وهو أن يعبده [ ص: 18 ] على السراء دون الضراء ؛ ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف .

وقيل : على حرف على شرط ؛ وذلك أن شيبة بن ربيعة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يظهر أمره : ادع لي ربك أن يرزقني مالا ، وإبلا ، وخيلا ، وولدا حتى أومن بك وأعدل إلى دينك ؛ فدعا له فرزقه الله - عز وجل - ما تمنى ؛ ثم أراد الله - عز وجل - فتنته واختباره وهو أعلم به ، فأخذ منه ما كان رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام ، فأنزل الله تبارك وتعالى فيه : ومن الناس من يعبد الله على حرف يريد شرط .

وقال الحسن : هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه .

وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته ؛ فإن أصابه خير صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه .

وإن أصابته فتنة أي خلاف ذلك مما يختبر به انقلب على وجهه أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر .

خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين قرأ مجاهد ، وحميد بن قيس ، والأعرج ، والزهري ، وابن أبي إسحاق - وروي عن يعقوب - ( خاسر الدنيا ) بألف نصبا على الحال ، وعليه فلا يوقف على ( وجهه ) .

وخسرانه الدنيا بأن لا حظ في غنيمة ، ولا ثناء ، والآخرة بأن لا ثواب له فيها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ } أي: إن استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه.

فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } من حصول مكروه، أو زوال محبوب { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } أي: ارتد عن دينه، { خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ } أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله، وعوضا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } أي: الواضح البين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) الآية نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله قال هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيرا واطمأن إليه وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وقل ماله ، قال ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا فينقلب عن دينه وذلك الفتنة فأنزل الله عز وجل ( ومن الناس من يعبد الله على حرف ) أكثر المفسرين قالوا على شك وأصله من حرف الشيء وهو طرفه نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر فقيل للشاك في الدين إنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات والتمكن وأصله كالقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه ولو عبدوا الله في الشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف قال الحسن : هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه ( فإن أصابه خير ) صحة في جسمه وسعة في معيشته ، ( اطمأن به ) أي رضي به وسكن إليه ( وإن أصابته فتنة ) بلاء في جسده وضيق في معيشته ، ( انقلب على وجهه ) ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر ( خسر الدنيا ) يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمل ، ( والآخرة ) بذهاب الدين والخلود في النار قرأ يعقوب " خاسر " بالألف والآخرة جر ( ذلك هو الخسران المبين ) الظاهر

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن الناس من يعبد الله على حرف» أي شك في عبادته، شبه بالحالِّ على حرف جبل في عدم ثباته «فإن أصابه خير» صحة وسلامة في نفسه وماله «اطمأن به وإن أصابته فتنة» محنة وسقم في نفسه وماله «انقلب على وجهه» أي رجع إلى الكفر «خسر الدنيا» بفوات ما أمله منها «والآخرة» بالكفر «ذلك هو الخسران المبين» البيِّن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن الناس مَن يدخل في الإسلام على ضعف وشكٍّ، فيعبد الله على تردده، كالذي يقف على طرف جبل أو حائط لا يتماسك في وقفته، ويربط إيمانه بدنياه، فإن عاش في صحة وسَعَة استمر على عبادته، وإن حصل له ابتلاء بمكروه وشدة عزا شؤم ذلك إلى دينه، فرجع عنه كمن ينقلب على وجهه بعد استقامة، فهو بذلك قد خسر الدنيا؛ إذ لا يغيِّر كفرُه ما قُدِّر له في دنياه، وخسر الآخرة بدخوله النار، وذلك خسران بيِّن واضح.

يعبد ذلك الخاسر من دون الله ما لا يضره إن تركه، ولا ينفعه إذا عبده، ذلك هو الضلال البعيد عن الحق.

يدعو مَن ضررُه المحقق أقرب من نفعه، قبح ذلك المعبود نصيرًا، وقبح عشيرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - نوعاً آخر من الناس ، لا يقل جرماً عن سابقه فقال - تعالى - : ( وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ .

.

) .قال صاحب الكشاف : " على حرف " أى : على طرف من الدين لا فى وسطه وقلبه .

وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب فى دينهم : لا على سكون وطمأنينة ، كالذى يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن ، وإلا فر وطار على وجهه .

.

" .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه البخارى عن ابن عباس قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإذا ولدت أمرأته غلاماً ، ونتجت خيله .

قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء .

.

.

" .والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد صورت المذبذبين فى عقيدتهم أكمل تصوير ، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية ، إن ربحوا من ورائها فرحوا ، وإن خسروا فيها أصابهم الغم والحزن .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى شأن المنافقين : ( وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) والتعبير بقوله - سبحانه - ( على حَرْفٍ ) يصور هذا النوع من الناس ، وكأنه يتأرجح فى عبادته كما يتأرجح من يكون على طرف الشىء .

فهو معرض للسقوط فى أية لحظة .والمراد من الخير فى قوله - تعالى - ( فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ ) الخير الدنيوى من صحة وغنى ومنافع دنيوية .أى : فإن نزل بهذا المذبذب فى عبادته خير دنيوى ( اطمأن بِهِ ) أى : ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتاً ظاهرياً ، وليس ثباتاً قلبياً حقيقياً كما هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد أو وعيد .( وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ) أى : مصيبة أو شر ( انقلب على وَجْهِهِ ) أى : ارتد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصى .وقوله - تعالى - : ( خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران المبين ) بيان لسوء عاقبة صنيعه .أى : هذا الذى يعبد الله على حرف ، جمع على نفسه خسارتين ، خسارة الدنيا بسبب عدم حصوله على ما يريده منها ، وخسارة الآخرة بسبب ارتداده إلى الكفر وغشيان السيئات ، وذلك الذى جمعه على نفسه هو الخسران الواضح ، الذى لا ينازع فى شأنه عاقلان ، إذ لا خسران أشد وأظهر ، من الخسران الذى ضيع دنياه وآخرته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة: قرئ ﴿ فِى الدنيا والآخرة ﴾ بالنصب والرفع فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفي حرف عبدالله ﴿ مِنْ ضَرُّهُ ﴾ بغير لام، واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ ﴾ وفي تفسير الحرف وجهان: الأول: ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمدة القلب واللسان فهما حرفا الدين، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني: قوله: ﴿ على حَرْفٍ ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه.

وهذا هو المراد ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقاً مذموماً وهو مثل قوله تعالى: ﴿ مذبذبين بَيْنَ ذلك  ﴾ وكقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ  ﴾ .

المسألة الثانية: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه.

وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والحسن ومجاهدة وقتادة.

وثانيها: وهو قول الضحاك نزلت في المؤلفة قلوبهم، منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيراً عرفنا أنه حق، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل.

وثالثها: قال أبو سعيد الخدري: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فقال يا رسول الله أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري وولدي ومالي.

فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام لا يقال، إن الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة».

فنزلت هذه الآية.

وأما قوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ ففيه سؤالات: الأول: كيف قال: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ والخير أيضاً فتنة لأنه امتحان وقال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً  ﴾ ، والجواب: مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله: ﴿ فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ  ﴾ ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له.

فلذلك وردت الآية على ما يعتقدونه، وإن كان الخير كله فتنة، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل.

السؤال الثاني: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله: ﴿ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد؟

والجواب: المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة.

السؤال الثالث: قال مقاتل: الخير هو ضد الشر فلما قال: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ ﴾ كان يجب أن يقول: وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح.

أما قوله تعالى: ﴿ خَسِرَ الدنيا والآخرة ﴾ فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم ﴿ وذلك هُوَ الخسران المبين ﴾ .

أما قوله: ﴿ يَدْعُو مِن دون الله مَالا يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام، والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه النفاق وبين تعالى أن: ﴿ ذلك هُوَ الضلال البعيد ﴾ ، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم، ويحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً وطالت وبعدت مسافة ضلاله.

أما قوله تعالى: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في تفسيره على وجهين: أحدهما: أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض.

القول الثاني: أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها، كقوله تعالى: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس  ﴾ فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال، فكذا هاهنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر.

وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع، ثم قال في الآية الثانية: لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها.

وثالثها: كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة: إن ضرركم أعظم من نفعكم.

المسألة الثانية: اختلف النحويون في إعراب قوله: ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ ﴾ .

أما قوله: ﴿ لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير ﴾ فالمولى هو الولي والناصر، والعشير الصاحب والمعاشر، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء، ثم ذم الرؤساء بقوله: ﴿ لَبِئْسَ المولى ﴾ والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه.

وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحسّ بظفر وغنيمة قرّ واطمأن، وإلا فرّ وطار على وجهه.

قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة، وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً، وولدت امرأته غلاماً سوياً، وكثر ماله وما شيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً، واطمأن.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شراً، وانقلب وعن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً من اليهود أسلم فأصابته مصائب، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال «إنّ الإسلام لا يقال» فنزلت.

المصاب بالمحنة بترك التسليم لقضاء الله والخروج إلى ما يسخط الله: جامع على نفسه محنتين، إحداهما: ذهاب ما أصيب به.

والثانية: ذهاب ثواب الصابرين، فهو خسران الدارين.

وقرئ ﴿ خاسر الدنيا والآخرة ﴾ بالنصب والرفع، فالنصب على الحال، والرفع على الفاعلية.

ووضع الظاهر موضع الضمير، وهو وجه حسن.

أو على أنه خبر مبتدأ محذوف استعير ﴿ الضلال البعيد ﴾ من ضلال من أبعد في التيه ضالاً، فطالت وبعدت مسافة ضلالته.

فإن قلت: الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين، وهذا تناقض قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جماداً لا يملك ضراً ولا نفعاً، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به حين يستشفع به، ثم قال: يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ، حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير ﴾ وكرّر يدعو، كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام.

المولى: الناصر.

والعشير: الصاحب، كقوله: ﴿ فَبِئْسَ القرين ﴾ [الزخرف: 38] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لا ثَباتَ لَهُ فِيهِ كالَّذِي يَكُونُ عَلى طَرَفِ الجَيْشِ، فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ قَرَّ وإلّا فَرَّ.

﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أعارِيبَ قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَكانَ أحَدُهم إذا صَحَّ بَدَنُهُ ونَتَجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا سَرِيًّا ووَلَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا سَوِيًّا وكَثُرَ مالُهُ وماشِيَتُهُ قالَ: ما أصَبْتُ مُنْذُ دَخَلْتُ في دِينِي هَذا إلّا خَيْرًا واطْمَأنَّ، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافِهِ قالَ ما أصَبْتُ إلّا شَرًّا وانْقَلَبَ.

وَعَنْ أبِي سَعِيدٍ «أنْ يَهُودِيًّا أسْلَمَ فَأصابَتْهُ مَصائِبُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ  فَقالَ: ( أقِلْنِي فَقالَ «إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ» فَنَزَلَتْ» .

﴿ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ﴾ بِذَهابِ عِصْمَتِهِ وحُبُوطِ عَمَلِهِ بِالِارْتِدادِ، وقُرِئَ «خاسِرًا» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ والرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَنْصِيصًا عَلى خُسْرانِهِ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ.

﴿ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ إذْ لا خُسْرانَ مِثْلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ} على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة وهو حال أي مضطرباً {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} صحة في جسمه وسعة في معيشته {اطمأن} سكن واستقر {بِهِ} بالخير الذي أصابه أو بالدين فعبد الله {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} شر وبلاء في جسده وضيق في معيشته {انقلب على وَجْهِهِ} جهته أي ارتد ورجع إلى الكفر كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه قالوا نزلت في أعاريب قدموا المدينة مهاجرين وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سوياً وولدت امرأته غلاماً سوياً وكثر ماله وماشيته قال ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شراً وانقلب عن دينه {خَسِرَ الدنيا والآخرة} حال وقد مقدرة دليله قراءة روح وزيد خاسر الدنيا والآخرة والخسران في الدنيا بالقتل فيها وفي الآخرة بالخلود في النار

{ذلك} أي خسران الدارين {هُوَ الخسران المبين} الظاهر الذي لا يخفى على أحد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ شُرُوعٌ في حالِ المُذَبْذَبِينَ أيْ ومِنهم مَن يَعْبُدُهُ تَعالى كائِنًا عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لا ثَباتَ لَهُ فِيهِ كالَّذِي يَكُونُ في طَرَفِ الجَيْشِ فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ قَرَّ وإلّا فَرَّ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ ﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ وبَيانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ، والمُرادُ مِنَ الخَيْرِ الخَيْرُ الدُّنْيَوِيُّ كالرَّخاءِ والعافِيَةِ والوَلَدِ أيْ إنْ أصابَهُ ما يَشْتَهِي ﴿ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ أيْ ثَبَتَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ظاهِرًا لا أنَّهُ اطْمَأنَّ بِهِ اطْمِئْنانَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يُزَحْزِحُهم عاصِفٌ ولا يَثْنِيهِمْ عاصِفٌ ﴿ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ أيْ شَيْءٌ يُفْتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يَعْتَرِيهِ في نَفْسِهِ وأهْلِهِ أوْ مالِهِ ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ أيْ مُسْتَوْلِيًا عَلى الجِهَةِ الَّتِي يُواجِهُها غَيْرَ مُلْتَفِتٍ يَمِينًا وشِمالًا ولا مُبالٍ بِما يَسْتَقْبِلُهُ مِن حِرارٍ وجِبالٍ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ في الكَشّافِ: طارَ عَلى وجْهِهِ وجَعَلَهُ في الكَشْفِ كِنايَةً عَنِ الهَزِيمَةِ، وقِيلَ هو ها هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلَقِ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ اطْمَأنَّ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ارْتَدَّ ورَجَعَ عَنْ دِينِهِ إلى الكُفْرِ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ.

وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ فَإذا ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونَتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ وإنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ سُوءٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ مِنَ الإسْلامِ فَأتى النَّبِيَّ  فَقالَ: أقِلْنِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي فَقالَ  : يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبُكُ الرِّجالَ كَما تَسْبُكُ النّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، وضَعَّفَ هَذا ابْنُ حَجَرٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أسْلَمَ قَبْلَ ظُهُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وارْتَدَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ﴿ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ «انْقَلَبَ» كَما قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها كَما هو رَأْيُ أبِي حَيّانَ، والمَعْنى فَقَدَ الدُّنْيا والآخِرَةَ وضَيَّعَهُما حَيْثُ فاتَهُ ما يَسُرُّهُ فِيهِما.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ مِن طَرِيقِ الزَّعْفَرانِيِّ وقَعْنَبٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ «خاسِرَ» بِزِنَةِ فاعِلٍ مَنصُوبًا عَلى الحالِ لِأنَّ إضافَتَهُ لَفْظِيَّةٌ، وقُرِئَ «خاسِرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ «انْقَلَبَ» وفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيُفِيدَ تَعْلِيلَ انْقِلابِهِ بِخُسْرانِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِنَ التَّجْرِيدِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو خاسِرٌ، والجُمْلَةُ وارِدَةٌ عَلى الذَّمِّ والشَّتْمِ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الخُسْرانِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ، وقِيلَ إنَّ أداةَ البُعْدِ لِكَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ صَرِيحًا ﴿ هُوَ الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ أيِ الواضِحُ كَوْنُهُ خُسْرانًا لا غَيْرَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، أي: على شك.

وعلى وجه الرياء، ولا يريد به وجه الله تعالى.

ويقال: على شك، والعرب تقول: أنت على حرف، أي على شك ويقال: عَلى حَرْفٍ بلسانه دون قلبه.

وروي عن الحسن أنه قال: يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي على إيمان ظاهر وكفر باطن.

ويقال: عَلى حَرْفٍ، أي على انتظار الرزق.

وهذه الآية مدنية، نزلت في أناس من بني أسد أصابتهم شدة شديدة فاحتملوا العيال، حتى قدموا على رسول الله  ، فأغلوا الأسعار بالمدينة.

فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، يعني: إن أصابه سعة وغنيمة وخصب اطمأن به، وقال: نعم الدين دين محمد  .

وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ، أي: بلية وضيق في المعيشة، انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي: رجع إلى كفره الأول وقال: بئس الدين دين محمد  .

خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ، أي: غبن الدنيا والآخرة.

في الدنيا بذهاب ماله، وفي الآخرة بذهاب ثوابه.

ويقال: خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ لأنه لم يدرك ما طلب من المال، وفي الآخرة بذهاب الجنة.

وروي عن حميد أنه كان يقرأ خَاسِرَ بالألف، وقراءة العامة خَسِرَ بغير ألف.

ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ، يعني: الظاهر البين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ قاله ابنُ عباس «١» وغيرُه وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب.

وقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على:

يَداكَ فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ الله، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ.

وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أنّ الله ليس بظلّام للعبيد.

وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ...

الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك- قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس «٢» وغيره.

وقوله: عَلى حَرْفٍ معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ «٣» :

عَلى حَرْفٍ: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، / انتهى.

٢٢ ب وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ يريد الأوثانَ، ومعنى يَدْعُوا: يعبد، ويدعو أيضاً في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في لَبِئْسَ: لام القسم، والْعَشِيرُ: القريب المعاشر في الأمور.

ت وفي الحديث في شأن النساء: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» يعني الزوج.

قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ «١» : قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ انتهى من «التمهيد» ، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد «٢» ، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...

الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ الله تعالى لن ينصرَ محمداً وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟

قال هذا المعنى قتادة «٣» ، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فاختنق» ، والسَّماءِ على هذا القول: الهواء عُلُوّاً، فكأَنه أراد سقفاً أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ» «٤» ، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق.

قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمداً لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظاً وكمداً، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع «٥» ، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف- ليس بهذا ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمداً لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في يَنْصُرَهُ عائدٌ على مَنْ والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين «٦» ، وما في قوله: ما يَغِيظُ بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن.

وقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى حَرْفٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: عَلى شَكٍّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شاكٍّ في شَيْءٍ فَهو عَلى حَرْفٍ لا يَثْبُتُ ولا يَدُومُ.

وبَيانُ هَذا أنَّ القائِمَ عَلى حَرْفِ الشَّيْءِ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ، فَشُبِّهَ بِهِ الشّاكُّ؛ لِأنَّهُ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: رَخاءٌ وعافِيَةٌ، ﴿ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ﴿ وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ اخْتِبارٌ بِجَدْبٍ وقِلَّةِ مالٍ، ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ ؛ أيْ: رَجَعَ عَنْ دِينِهِ إلى الكُفْرِ، والمَعْنى: انْصَرَفَ إلى وجْهِهِ الَّذِي تُوَجَّهَ مِنهُ، وهو الكُفْرُ.

﴿ خَسِرَ الدُّنْيا ﴾ حَيْثُ لَمْ يَظْفَرْ بِما أرادَ مِنها، وخَسِرَ " الآخِرَةَ " بِارْتِدادِهِ عَنِ الدِّينِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، ومُجاهِدٌ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: ( خاسِرَ الدُّنْيا ) بِألِفٍ قَبْلَ السِّينِ، وبِنَصْبِ الرّاءِ، ( والآخِرَةِ ) بِخَفْضِ التّاءِ.

﴿ يَدْعُو ﴾ هَذا المُرْتَدُّ؛ أيْ: يَعْبُدُ، ﴿ ما لا يَضُرُّهُ ﴾ إنْ لَمْ يَعْبُدْهُ، ﴿ وَما لا يَنْفَعُهُ ﴾ إنْ أطاعَهُ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ، ﴿ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ عَنِ الحَقِّ، ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ أنَّ اللّامَ مَعْناها التَّأْخِيرُ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن لِضُرِّهِ، ﴿ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ ، قالَ: وشَرْحُ هَذا: أنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ، فَحَقُّها أنْ تَكُونَ أوَّلَ الكَلامِ، فَقُدِّمَتْ لِتُجْعَلَ في حَقِّها.

قالَ السُّدِّيُّ: ضُرُّهُ في الآخِرَةِ بِعِبادَتِهِ إيّاهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلنَّفْعِ مِن عِبادَةِ الصَّنَمِ وجْهٌ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لا نَفْعَ مِن قِبَلِهِ أصْلًا، غَيْرَ أنَّهُ جاءَ عَلى لُغَةِ العَرَبِ، وهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي لا يَكُونُ: هَذا بَعِيدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَوْلى: الوَلِيُّ، والعَشِيرُ: الصّاحِبُ والخَلِيلُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في أعْرابٍ وقَوْمٍ لا يَقِينَ لَهُمْ، كانَ أحَدُهم إذا أسْلَمَ فاتَّفَقَتْ لَهُ اتِّفاقاتٌ حَسّانٌ مِن نُمُوِّ مالٍ ووَلَدٍ ذَكَرٍ يَرْزُقُهُ وغَيْرِ ذَلِكَ قالَ: هَذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتَمَسَّكَ بِهِ لِهَذِهِ المَعانِي، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافٍ تَشاءَمَ بِهِ وارْتَدَّ كَما صَنَعَ العُرَنِيُّونَ وغَيْرُهم.

قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حَرْفٍ" مَعْناهُ: عَلى انْحِرافٍ مِنهُ عَنِ العَقِيدَةِ البَيْضاءِ، أو عَلى شَفًا مِنها، مُعَدٌّ لِلزَّهُوقِ، و "الفِتْنَةُ": الِاخْتِبارُ، وقَوْلُهُ: ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ عِبارَةٌ لِلْمُوَلِّي عَنِ الأُمُورِ.

و "خَسارَتُهُ الدُنْيا والآخِرَةَ" أمّا الدُنْيا فَبِالمَقادِيرِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِ، وأمّا الآخِرَةُ فَبِارْتِدادِهِ وسُوءِ مُعْتَقَدِهِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والأعْرَجُ: "خاسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ" نَصْبًا عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ﴾ يُرِيدُ الأوثانَ، ومَعْنى "يَدْعُو": يَعْبُدُ، ويَدْعُو أيْضًا في مُلِمّاتِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ: اللامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، وإنَّما التَقْدِيرُ: يَدْعُو مَن يَضُرُّهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَرَأ: "يَدْعُو مَن ضَرَّهُ"، وقالَ الأخْفَشُ: "يَدْعُو" بِمَعْنى يَقُولُ، و "مِن" مُبْتَدَأٌ، و "ضَرُّهُ" مُبْتَدَأٌ، و "أقْرَبُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ، وخَبَرُ "مِن" مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: يَقُولُ لِمَن ضَرَّهُ أقْرَبُ مِنهُ نَفْعُهُ: إلَهٌ، وشِبْهُ هَذا يَقُولُ عنتَرَةُ: يَدْعُونَ عنتَرَ والرِماحَ كَأنَّها...........................

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ، فَتَأمَّلْ إفْسادَهُ لِلْمَعْنى إذْ لَمْ يَعْتَقِدِ الكافِرُ قَطُّ أنَّ ضُرَّ الأوثانِ أقْرَبُ مِن نَفْعِها، واعْتِذارُ أبِي عَلِيٍّ هَنا مُمَوَّهٌ، وأيْضًا فَهو لا يُشَبِّهُ البَيْتَ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ.

وقِيلَ: المَعْنى في "يَدْعُو" يُسَمّى، وهَذا كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّ المَحْذُوفَ آخِرًا مَفْعُولٌ تَقْدِيرُهُ: إلَهًا.

وقالَ الزَجاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَدْعُو" في مَوْضِعِ الحالِ وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ، والتَقْدِيرُ: ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ، أيْ: يَدَّعُوهُ، فَيُوقِفُ عَلى هَذا.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" بِمَعْنى: الَّذِي، أيِ: الَّذِي هو الضَلالُ البَعِيدُ يَدْعُو، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ" مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ هُوَ الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ، ويَكُونُ "يَدْعُو" عامِلًا في قَوْلِهِ: "ذَلِكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُ "ذَلِكَ" بِمَعْنى "الَّذِي" غَيْرُ سَهْلٍ، وشَبَّهَهُ المَهَدَوِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ  ﴾ .

وقَدْ يَظْهَرُ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "يَدْعُو" مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، ويَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ قالَ: يَدْعُو مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ثُمْ كَرَّرَ "يَدْعُو" -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- غَيْرَ مُعَدّى؛ إذْ قَدْ عُدِّيَ أوَّلُ الكَلامِ، ثُمُ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِقَوْلِهِ: "لَمَن ضَرُّهُ" واللامُ مُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القِسْمِ، والثانِيَةُ الَّتِي في "لَبِئْسَ" لامُ القَسَمِ وإنْ كانَ أبُو عَلِيًّ مالَ إلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ والثانِيَةُ لامُ اليَمِينِ، ويَظْهَرُ أيْضًا في الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُراُدُ: يَدْعُو مِن ضَرَّهُ، ثُمْ عَلَّقَ الفِعْلَ بِاللامِ، وصَحَّ أنْ يُقَدَّرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعَلَّقُ وهي أفْعالُ النَفْسِ كَظَنَنْتَ وحَسِبَتْ، وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى هَذا ورَدَ عَلَيْهِ.

و "العَشِيرُ": القَرِيبُ المُعاشِرُ في الأُمُورِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِـ "المَوْلى" و "العَشِيرِ" هو الوَثَنُ الَّذِي ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا وصف فريق آخر من الذين يقابلون الأمر بالتقوى والإنذار بالساعة مقابلة غير المطمئن بصدق دعوة الإسلام ولا المُعرض عنها إعراضاً تاماً ولكنهم يضعون أنفسهم في معرض الموازنة بين دينهم القديم ودين الإسلام.

فهم يقبلون دعوة الإسلام ويدخلون في عداد متبعيه ويرقبون ما ينتابهم بعد الدخول في الإسلام فإن أصابهم الخيَر عقب ذلك عَلموا أن دينهم القديم ليس بحق وأنّ آلهتهم لا تقدر على شيء لأنها لو قدرت لانتقمت منهم على نبذ عبادتها وظنوا أن الإسلام حق، وإن أصابهم شرّ من شرور الدنيا العارضة في الحياة المسببة عن أسباب عادية سخطوا على الإسلام وانخلعوا عنه.

وتوهموا أن آلهتهم أصابتهم بسوء غضباً من مفارقتهم عبادتها كما حكى الله عن عَاد إذ قالوا لرسولهم ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ [هود: 54].

فالعبادة في قوله تعالى ﴿ من يعبد الله على حرف ﴾ مراد بها عبادة الله وحده بدليل قوله تعالى: ﴿ يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ﴾ [الحج: 12].

والظاهر أن هذه الآية نزلت بالمدينة، ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن وَلدت امرأته غلاماً ونُتجت خيله قال: هذا دينٌ صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دينُ سُوءٍ.

وفي رواية الحسن: أنها نزلت في المنافقين يعني المنافقين من الذين كانوا مشركين مثل: عبد الله بن أبي بن سلول، وهذا بعيد لأنّ أولئك كانوا مبطنين الكفر فلا ينطبق عليهم قوله ﴿ فإن أصابه خير اطمأن به ﴾ .

وممن يصلح مثالاً لهذا الفريق العرنيُّون الذين أسلموا وهاجروا فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يلحقوا براعي إبل الصدقة خارج المدينة فيشربوا من ألبانها وأبوالها حتى يصحوا فلمّا صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذّود وفَروا، فألحق بهم النبي صلى الله عليه وسلم الطلبَ في أثرهم حتى لحقوا بهم فأمر بهم فقتلوا.

وفي حديث «الموطأ»: أن أعرابياً أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم فأصابه وعكٌ بالمدينة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستقيله بَيعته فأبى أن يقيله، فخرج من المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " المدينة كالكير تنفي خبَثها وينصَع طيبها " فجعله خبثاً لأنه لم يكن مؤمناً ثابتاً.

وذكر الفخر عن مقاتل أن نفراً من أسد وغَطفان قالوا: نخاف أن لا ينصر الله محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ [الحج: 15] الآيات.

وعن الضحاك: أن الآية نزلت في المؤلفة قلوبهم، منهم: عيينة بن حِصن والأقرع بن حَابِس والعبّاس بن مِرداس قالوا: ندخل في دين محمد فإن أصبْنا خيراً عرفنا أنه حق، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل.

وهذا كله ناشئ عن الجهل وتخليط الأسباب الدنيوية بالأسباب الأخروية، وجعل المقارنات الاتفاقية كالمعلومات اللزومية.

وهذا أصل كبير من أصول الضلالة في أمور الدين وأمور الدنيا.

ولنعم المعبّر عن ذلك قوله تعالى ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ إذ لا يهتدي إلى تطلب المسببات من أسبابها.

وحَرف الشيء طَرفه وجَانبه سواء كان مرتفعاً كحرف الجبل والوادي أم كان مستوياً كحرف الطريق.

ويطلق الحرف على طرف الجيش ويجمع على طِرَف بوزن عِنب قال في «القاموس»: ولا نظير له سوى طَللٍ وطِلَل.

وقوله تعالى: ﴿ يعبد الله على حرف ﴾ تمثيل لحال المتردد في عمله، يريد تجربة عاقبته بحال من يمشي على حرف جَبَل أو حرف وادٍ فهو متهيّئ لأن يزِل عنه إلى أسفله فينقلب، أي ينكَب.

ومعنى اطمأن: استقر وسكن في مكانه.

ومصدره الاطمئنان واسم المصدر الطُمَأنينة.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ في [سورة البقرة: 260].

والمعنى: استمر على التوحيد فرحاً بالخير الذي أصابه، واستقرار مثل هذا على الإيمان يصيره مؤمناً إذا زال عنه التردد.

وحال هؤلاء قريب من حال المؤلّفة قلوبهم.

والانقلاب: مطاوع قلبه إذا كبّه، أي ألقاه على عكس ما كان عليه بأن جعل ما كان أعلاه أسفله كما يُقلب القالب بفتح اللام.

فالانقلاب مستعمل في حقيقته، والكلام تمثيل.

وتفسيرنا الانقلاب هنا بهذا المعنى هو المناسب لقوله ﴿ على وجهه ﴾ أي سقط وانكب عليه، كقول امرئ القيس: يكب على الأذقان دوح الكنهبل *** وكقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا كبّهُ الله على وجهه ".

وحرف الاستعلاء ظاهر وهو أيضاً الملائم لتمثيل أول حاله بحال من هو على حرف.

ويطلق الانقلاب كثيراً على الانصراف من الجهة التي أتاها إلى الجهة التي جاء منها، وهو مجاز شائع وبه فسر المفسرون.

ولا يناسب اعتباره هنا لأن مثله يقال فيه: انقلب على عقبيه لا على وجهه، كما قال تعالى: ﴿ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ [البقرة: 143] إذ الرجوع إنما يكون إلى جهة غير جهة الوجه.

والفتنة: اضطراب الحال وقلق البال من حدوث شر لا مدفع له، وهي مقابل الخير.

وجملة ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ انقلب على وجهه ﴾ .

وجملة ﴿ ذلك هو الخسران المبين ﴾ معترضة بين جملة ﴿ انقلب على وجهه ﴾ وجملة ﴿ يدعو من دون الله ﴾ [الحج: 12] التي هي في موضع الحال من ضمير ﴿ انقلب ﴾ أي أسقط في الشرك.

والخسران: تلف جزء من أصل مال التجارة، فشبه نفع الدنيا ونفع الآخرة بمال التاجر الساعي في توفيره لأن الناس يرغبون تحصيله، وثني على ذلك إثبات الخسران لصاحبه الذي هو من مرادفات مال التجارة المشبه به، فشبه فوات النفع المطلوب بخسارة المال.

وتعليق الخسران بالدنيا والآخرة على حذف مضاف.

والتقدير خسر خير الدنيا وخير الآخرة.

فخسارة الدنيا بسبب ما أصابه فيها من الفتنة، وخسارة الآخرة بسبب عدم الانتفاع بثوابها المرجوّ له.

والمبين: الذي فيه ما يبين للناس أنه خسران بأدنى تأمل.

والمراد أنه خسران شديد لا يخفى.

والإتيان باسم الإشارة لزيادة تمييز المسند إليه أتم تمييز لتقرير مدلوله في الأذهان.

وضمير ﴿ هو ﴾ ضمير فصل، والقصر المستفاد من تعريف المسند قصر ادعائي.

ادعي أن ماهية الخسران المبين انحصرت في خسرانهم، والمقصود من القصر الادعائي تحقيق الخبر ونفي الشك في وقوعه.

وضمير الفصل أكد معنى القصر فأفاد تقوية الخبر المقصور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَلى وشْكٍ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، لِكَوْنِهِ مُنْحَرِفًا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ.

والثّانِي: عَلى شَرْطٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ كامِلٍ.

والثّالِثُ: عَلى ضَعْفٍ في العِبادَةِ كالقِيامِ عَلى حَرْفٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا رابِعًا: أنَّ حَرْفَ الشَّيْءِ بَعْضُهُ، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ بِلِسانِهِ ويَعْصِيهِ بِقَلْبِهِ.

﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ في بَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ وفِيمَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ القُرى، كانُوا يَقُولُونَ: نَأْتِي مُحَمَّدًا فَإنْ صادَفْنا خَيْرًا اتَّبَعْناهُ، وإلّا لَحِقْنا بِأهْلِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: اطْمَأنَّ بِالخَيْرِ إلى إيمانِهِ.

الثّانِي: اطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ إلى مَقامِهِ.

﴿ وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ أيْ مِحْنَةٌ في نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ أوْ مالِهِ.

﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: رَجَعَ عَنْ دِينِهِ مُرْتَدًّا.

الثّانِي: رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَزِعًا.

﴿ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ﴾ خَسِرَ الدُّنْيا بِفِراقِهِ، وخَسِرَ الآخِرَةَ بِنِفاقِهِ.

﴿ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ أيِ البَيِّنُ لِفَسادِ عاجِلِهِ وذَهابِ آجِلِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ يَعْنِي الصَّنَمَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرَ الصّاحِبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: المَوْلى المَعْبُودُ، والعَشِيرُ الخَلِيطُ، ومِنهُ قِيلَ لِلزَّوْجِ عَشِيرٌ لِخِلْطَتِهِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُعاشَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح؛ وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح فتمسكوا به؛ وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير.

فأنزل الله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان أحدهم إذا قدم المدينة- وهي أرض وبيئة- فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن اليه وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً؛ وإن رجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شراً.

وذلك الفتنة.

وأخرج ابن مردويه من طريق عطية، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام لا يقال.

فقال: لم أصب في ديني هذا خيراً.

ذهب بصري ومالي ومات ولدي...

!

فقال: يا يهودي، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة» ونزلت: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: على شك.

وفي قوله: ﴿ فإن أصابه خير ﴾ قال: رخاء وعافية ﴿ اطمأن به ﴾ قال: استقر ﴿ وإن أصابته فتنة ﴾ قال: عذاب ومصيبة ﴿ انقلب على وجهه ﴾ قال: ارتد على وجهه كافراً.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: كان الرجل يأتي المدينة مهاجراً، فإن صح جسمه وتتابعت عليه الصدقة وولدت امرأته غلاماً وأنتجت فرسه مهراً، قال: والله لنعم الدين وجدت دين محمد صلى الله عليه وسلم هذا، ما زلت أعرف الزيادة في جسدي وولدي؛ وإن سقم بها جسمه واحتبست عليه الصدقة وأزلقت فرسه وأصابته الحاجة وولدت امرأته الجارية، قال: والله لبئس الدين دين محمد هذا، والله ما زلت أعرف النقصان في جسدي وأهلي وولدي ومالي.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: على شك ﴿ فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ﴾ يقول: إن أصاب خصباً وسلوة من عيش وما يشتهي، اطمأن إليه وقال: أنا على حق وأنا أعرف الذي أنا عليه ﴿ وإن أصابته فتنة ﴾ أي بلاء ﴿ انقلب على وجهه ﴾ يقول: ترك ما كان عليه من الحق فأنكر معرفته، خسر الدنيا والآخرة.

يقول: خسر دنياه التي كان لها يحزن وبها يفرح ولها يسخط ولها يرضى، وهي همه وسدمه وطلبته ونيته، ثم أفضى إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها خيراً ﴿ فذلك هو الخسران المبين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يدعو من دون الله ما لا يضره ﴾ إن عصاه في الدنيا ﴿ وما لا ينفعه ﴾ إن أطاعه وهو الصنم ﴿ يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ﴾ يقول: ضره في الآخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا ﴿ لبئس المولى ﴾ يقول: الصنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ قال: الصاحب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ أكثر المفسرين على أن المعنى: على شك (١) وهو قول مجاهد (٢) (٣) (٤) روى ابن اليزيدي (٥) (٦) وقال ابن الأعرابي: [الحرف] (٧) (٨) (٩) وهذا الذي قالوا هو معنى "حرف" في هذه الآية لا تفسيره.

وتفسير الحرف في اللغة: الطرف وهو منتهى الجسم، والحرف والطرف والجانب نظائر في اللغة.

والانحراف: الانعدال إلى الجانب وقلم محرف قد عدل بقطعة عن الاستواء والحرف منعدل إلى الجانب عن (١٠) (١١) وقال أبو الفتح الموصلي: أما الحرف فالقول فيه أن (ح ر ف) أينما وقعت في الكلام (١٢) (١٣) (١٤) وقولهم: انحرف فلان عني، من هذا، كأنّه جعل بيني وبينه حدًّا بالبعد والاعتزال.

ومنه قولهم لهذه البقلة الحادة: الحُرْف (١٥) (١٦) وعلى القول الأول أصل الحرف من الميل سمي الطرف حرفًا لميله عن (١٧) قال أبو إسحاق: وحقيقته أنه يعبد الله على حرف الطريقة في الدين، لا يدخل فيه دخول متمكن (١٨) وقال أبو عبيدة -في قوله: ﴿ عَلَى حَرْفٍ ﴾ -: أي لا يدوم.

قال: وتقول (١٩) (٢٠) (٢١) قال أبو الفتح: وهذا راجع إلى ما قدمناه لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة، فكأنه معتمد (٢٢) ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ﴾ الآية (٢٣) وقال بعض أهل المعاني: إنما قيل للشاك في دينه: يعبد الله علي حرف؛ لضعفه واضطرابه في طريق العلم إذْ (٢٤) وقال المبرد: والعرب تقول: فلان على حرف، إذا كان بين قوم يظهر الميل إلى أحدهم وفي نفسه من الآخرين شيء.

ومعناه الشك وأصله من حرف الشيء، نحو: الحيل والدكان والحائط الذي القائم عليه غير مستقر.

هذا الذي ذكرناه كله يعود إلى معنى واحد.

وقال (٢٥) ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ (٢٦) (٢٧) (٢٨) واختار الأزهري هذا القول فقال: كأنَّ الخير والخصب ناحية، والضر والشر والمكروه ناحية أخرى، فهما حرفان، وعلى العبد أن يعبد خالقه على الحالتين (٢٩) أعني السَّرّاء والضراء، ومن عبد الله على السرَّاء وحدها دون أن يعبده على الضراء فقد عبده على حرف، ومن عبده على الحالتين فقد عبده عبادة العبد المقر بأنَّ له خالقًا (٣٠) (٣١) فعلى هذا معنى قوله (٣٢) ﴿ عَلَى حَرْفٍ ﴾ على وجه واحد، وهو إذا أصاب خيرًا عبده، وإن أصابه شر ترك عبادته، على ما ذكره الأزهري.

وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه (٣٣) ويكون معنى ﴿ عَلَى حَرْفٍ ﴾ في هذا القول: على شك.

قوله: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ﴾ إن أصابه رخاء (٣٤) والكناية في ﴿ بِهِ ﴾ تعود إلى الخير.

﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ اختبار بجدب وقلة مال ﴿ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ﴾ قال أبو إسحاق: رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان (٣٥) وقال المبرد: تأويله قلب وجهه عمَّا كان عليه من الدين والعبادة.

ويجوز أن يكون المعنى انقلب على وجهه الذي توجه (٣٦) ويكون معنى الوجه على هذا: طريقه الذي جاء منه (٣٧) قال الكلبي وغيره من المفسرين: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله -  - المدينة.

وكان أحدهم إذا صح جسمه، ونتجت (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) وقوله تعالي: ﴿ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ﴾ يعني هذا الشاك خسر دنياه حيث لم يظفر بما طلب من المال، وخسر آخرته بارتداده عن الدين ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ أي الضرر الظاهر.

يعني ذلك الذي فعل من انقلابه على وجهه وذلك (٤٣) (١) انظر الطبري 17/ 123، والدر المنثور 6/ 14.

(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 483 أ.

ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 155 ب، والطبري 17/ 123.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 14 وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 33، والطبري 17/ 123 عن قتادة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 14 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.

(٥) في (أ): (ابن الزيدي)، وهو خطأ.

وابن اليزيدي هو: إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة، أبو إسحاق بن أبي محمد العدوي مولاهم، المعروف بابن اليزيدي.

بصري سكن بغداد وسمع من أبيه وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم.

وكان ذا قدر وعلم بالنحو واللغة والقراعة والأدب.

له مصنفات كثيرة منها: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" كبير جدًّا، و"مصادر القرآن" بلغ فيه إلى سورة الحديد.

توفي سنة 225 هـ.

واليزيدي: نسبة إلى يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، وكان أبوه يحيى بن المبارك مؤدبًا، لأولاده منقطعًا إليه، فنسب إليه.

انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 209، "إنباه الرواة" 1/ 224 - 226، "اللباب" لابن الأثير 3/ 411، "غاية النهاية" 1/ 29، "طبقات المفسرين" للداود 1/ 25 - 27.

(٦) ذكره الأزهرى في "تهذيب اللغة" 5/ 12 من رواية ابن اليزيدي، عن أبي زيد.

(٧) زيادة من "تهذيب اللغة".

(٨) ذكره عنه ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 14.

(٩) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 15 من رواية أبي العباس -وهو ثعلب: أحمد ابن يحيى- عن ابن الأعرابي.

(١٠) في (ع): (إلى)، وهو خطأ.

(١١) انظر: "حرف" في "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 12، 14، "الصحاح" للجوهري 4/ 1132، "لسان العرب" 9/ 41 - 43.

(١٢) في (أ): (الكلاف)، وهو خطأ.

(١٣) به: ساقطة من (د)، (ع).

(١٤) العبارة في "سر صناعة الإعراب": ومثك مجرَّف ومجلَّف، كأنَّ الخير قد جُرِّف عن وجلف، كما يجلف القلم ونحوه.

(١٥) الحُرْف: حبَّ الرشاد.

"القاموس المحيط" 3/ 127.

(١٦) "سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 14، 15.

(١٧) في (أ)، (د): (على).

(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.

(١٩) في (د)، (ع): (ويقولون).

(٢٠) هكذا في جميع النسخ و"سر صناعة الإعراب"، وفي مجاز القرآن: إنما أنت لي على حرف.

بزيادة (لي).

(٢١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 46.

(٢٢) في (د)، (ع): (متعمّد).

(٢٣) "سر ساعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 1/ 14.

(٢٤) في (أ): (إذا).

(٢٥) في (د)، (ع): (قال).

(٢٦) إلى هنا ينتهي المفقود من نسخة (ظ)، والموجود يبدأ من قوله: (يعبد الله).

(٢٧) هكذا في جميع النسخ، والأظهر حذفا فليس (واحد) عند ابن قتيبة.

(٢٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 290.

(٢٩) في (أ) زيادة بعد قوله (الحالتين): (فقد عبده عباده)، وهي زيادة ناشئة من انتقال نظر الناسخ إلى الكلام الذي بعده.

وليست في "تهذيب اللغة" للأزهري.

(٣٠) في (أ): (بأنه خالق)، وهو خطأ.

(٣١) "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 12 - 13 مع تصرف في العبادة.

(٣٢) في (ظ): (فعلى هذا المعنى في قوله).

(٣٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 48 أ، والبغوي 5/ 268 - 269، والقرطبي 12/ 18.

(٣٤) في (أ): (رجاء).

وهو تصحيف.

(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 414.

(٣٦) توجَّه: مهملة في (أ).

(٣٧) في (ظ)، (د)، (ع): (منهما).

(٣٨) نتجت: ولدت.

لسان العرب 2/ 374 (نتج).

(٣٩) (في): ليست في (ظ)، (د)، (ع).

(٤٠) في (ظ): (رماله).

ورماكه: جمع رمكه، والرمكة: الفرس والأنثى من البراذين.

الصحاح للجوهري 4/ 1588 (رمك)، "لسان العرب" 10/ 434 (رمك).

(٤١) (له): ساقطة من (أ)، (ع).

(٤٢) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في الكشف والبيان 3/ 47 ب، 48 أمن غير نسبة لأحد.

وذكره عن الكلبي الرازي في "تفسيره" 23/ 13.

وقد رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" 17/ 122 من رواية العوفي عن ابن عباس.

وروى البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ 8/ 442 نحوه مختصرًا عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.

وروى ابن أبي حاتم، كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 209 بإسناد حسن عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي -  - فيسلمون.

فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالحٌ فتمسكوا به.

وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه "ومن الناس ..

" الآية.= وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 13 وقال: بسند صحيح، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه.

(٤٣) في (أ): (أو ذلك).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ ﴾ نزلت في قوم من الإعراب، كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له ما يعجبه في ماله وولده قال: هذا دين حسن، وإن اتفق له خلاف ذلك تشاءم به وارتدّ عن الإسلام، فالحرف هنا كناية عن المقصد، وأصله من الانحراف عن الشيء، أو من الحرف بمعنى الطرف أي أنه في طرف من الدين لا في وسطه ﴿ خَسِرَ الدنيا والأخرة ﴾ خسارة الدنيا بما جرى عليه فيها، وخسارة الآخرين بارتداده وسوء اعتقاده ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُ ﴾ يعني الأصنام، ﴿ يَدْعُو ﴾ بمعنى يعبد في الموضعين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ ، أي: على شك يمتحن ربه؛ على أنه [إن] أعطاه طمعََه وأملَه في هذه الدنيا حقق له الألوهية والعبادة، وإن لم يجد طمعه وأمله لا يحقق له ذلك، ويقول: ليس هو بإله؛ إذ لو كان إلهاً لأعطاه ما يطلب منه على هذا الشك، يعبد بالامتحان.

وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ أي: على شرط، أي: يعبده على شرط الإعطاء؛ يقول: إن أعطاني أملي عبدته، وإن لم يعطني ذلك لم أعبده؛ تكون عبادته على هذا الشرط.

وقال بعضهم: ﴿ يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ أي: على حال واحدة، [و] على جهة واحدة، ليس يعبده على حالين كالمؤمن يعبده في حالين جميعاً: حالة الظاهر، وحالة الباطن، وحالة الضراء والسراء، وحالة السعة والشدة على ما تَعَبَّدَه الله، كقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ونحوه، عبده المؤمن على الحالين جميعاً على ما تعبده الله، والمنافق إنما يعبده على حالة السعة [و] الخصب؛ لأنه ليس يعرف ربّه حق المعرفة، فإنما يعبد السّعة والرخاء، وأمّا المؤمن فإذا عرف ربّه عبده في الأحوال كلها لما عرف نفسه عبداً لسيّده، ولم ير للعبد سعة ترك العبادة لمولاه في كل حال، ورأى للمعبود حق استعباده واستخدامه في كل حال: في حال الضيق وحال السّعة.

أو أن يكون رأى ما يصيبه من الشدائد والبلايا بتقصير كان منه وتفريط؛ فعبده في الأحوال كلها.

أو لما رأى وعرف [أن نعم] ربه عليه كثيرة، ورأى شكر تلك النعم عليه لازماً؛ فعبده في الأحوال كلها؛ شكراً لتلك النعم، وأمّا أولئك لم يروا لله على أنفسهم نعماً فإنما عبدوه على الجهة التي ذكرنا، كانوا فرقا من الكفرة: [منهم] من يعبد الله في حال الشدة والضيق ولا يعبده في حال السعة والرخاء، كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً  ﴾ ، ونحوه.

ومنهم من كان يعبده في حال السعة والرخاء، وهو ما ذكرنا من أمر المنافق.

وأمّا المؤمن فهو يعبده في الأحوال كلها لما رآه معبوداً حقيقة، على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ : قد ذكرنا أن الفتنة هي المحنة التي فيها بلاء وشدة.

وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ : قال بعضهم: هو على التمثيل؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: على تحقيق انقلاب وجهه؛ لأنه كان عبادته ظاهرة، لم يكن يعبده في الباطن في حال السعة، فلما أصابته الشدة ترك عبادته ظاهراً على ما كان باطنه، فهو انقلاب وجهه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ﴾ : أمّا خسران الدنيا؛ لأنه فات عنه ما كان يأمله بزوالها، وخسران الآخرة ظاهر: العذاب والشدائد.

وجائز أن يكون خسران الدنيا هو خضوعه لمن لا يضر ولا ينفع للعبادة للأصنام ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ؛ لأنه خسر في الدارين جميعاً أمله وطمعه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ .

قيل: إن الآية في المنافقين، وهم كانوا لا يعبدون على حرف ليست بعبادة الله، إنما هي عبادة للشيطان، فأخبر أنه يعبد ما لا يضرّه إن ترك العبادة له، ولا ينفعه إن عبده؛ يدل على ذلك: [قوله]: ﴿ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ ﴾ ؛ لأنه عبد من لا يضره إن لم يعبده، ولا ينفعه إن عبده، فذلك هو الضلال البعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ .

قال بعضهم: تأويله: يدعو من ضرره أقرب من نفعه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ، هذا إن عبده، ضرّه عبادته إيّاه في الآخرة والأولى؛ حيث قال: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُ ﴾ إن ترك عبادته في الدنيا ﴿ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ إن عبده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ ﴾ أي: الولي، وهو الشيطان ﴿ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ يعني: الصاحب، كقوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ أي: صاحبوهنّ بالمعروف.

وقال بعضهم: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ ﴾ أي: الولي، وهو الشيطان، ﴿ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ أي: القرين الذي لا يفارق.

وقال القتبي: أي: الصاحب والخليل، وهو ما ذكرنا، كله واحد.

وقال أبو عوسجة: العشير: الرفيق الذي تعاشره وتصاحبه وتخالطه، والعشير: الزوج أيضاً.

وقال القتبي: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ : يتكبر معرضا، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ ، أي: متكبرا متجبرا، والعطف في الأصل: الجانب، والأعطاف جمع.

وقوله: ﴿ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ قال: لا يدري أحق هو أم باطل؟

وهو الشك، يقال: إني من هذا الأمر على حرف، أي: على شك، لست بمستيقن.

وقال القتبي: على حرف واحد، وعلى وجه واحد، وعلى مذهب واحد.

وقال قتادة: على شكّ، على ما ذكرنا.

وقال أبو عبيدة: على حرف، أي: لا يدوم، ويقول: إنما أنا حرف، أي: لا أثق بك، ونحو هذا، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ ﴾ في الآخرة ﴿ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ، ﴿ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ أي: يرجع إلى دينه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن الناس مضطرب يعبد الله على شك، فإن أصابه خير من صحة وغنى استمرّ على إيمانه وعبادته لله، وإن أصابه ابتلاء بمرض وفقر تشاءم بدينه فارتدّ عنه، خسر دنياه، فلن يزيده كفره حظًّا من الدنيا لم يكتب له، وخسر آخرته بما يلقاه من عذاب الله، ذلك هو الخسران الواضح.

<div class="verse-tafsir" id="91.PMb0d"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل