الآية ٣١ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٣١ من سورة الحج

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِۦ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ ٱلرِّيحُ فِى مَكَانٍۢ سَحِيقٍۢ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 105 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال سفيان الثوري ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن وائل بن ربيعة ، عن ابن مسعود أنه قال : تعدل شهادة الزور بالشرك بالله ، ثم قرأ هذه الآية .

وقوله : ( حنفاء لله ) أي : مخلصين له الدين ، منحرفين عن الباطل قصدا إلى الحق; ولهذا قال ( غير مشركين به ) ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى فقال : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) أي : سقط منها ، ( فتخطفه الطير ) ، أي : تقطعه الطيور في الهواء ، ( أو تهوي به الريح في مكان سحيق ) أي : بعيد مهلك لمن هوى فيه; ولهذا جاء في حديث البراء : " إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت ، وصعدوا بروحه إلى السماء ، فلا تفتح له أبواب السماء ، بل تطرح روحه طرحا من هناك " .

ثم قرأ هذه الآية ، وقد تقدم الحديث في سورة " إبراهيم " بحروفه وألفاظه وطرقه .

وقد ضرب [ الله ] تعالى للمشرك مثلا آخر في سورة " الأنعام " ، وهو قوله : ( قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) [ الأنعام : 71 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان, وقول الشرك, مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له, وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام, غير مشركين به شيئا من دونه، فإنه من يُشرك بالله شيئا من دونه، فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحقّ وهلاكه وذهابه عن ربه, مَثل من خرّ من السماء فتخطفه الطير فهلك, أو هوت به الريح في مكان سحيق, يعني من بعيد, من قولهم: أبعده الله وأسحقه, وفيه لغتان: أسحقته الريح وسحقته, ومنه قيل للنخلة الطويلة: نخلة سحوق; ومنه قول الشاعر: كــانَتْ لنَــا جــارَةٌ فَأزْعَجَهــا قــاذْورَةٌ تَسْــحَقُ النَّــوَى قُدُمَـا (1) ويُروى: تسحق: يقول: فهكذا مثَل المشرك بالله في بُعده من ربه ومن إصابه الحقّ, كبُعد هذا الواقع من السماء إلى الأرض, أو كهلاك من اختطفته الطير منهم في الهواء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قَتادة: ( فَكأنَّما خَرَّ منَ السَّماءِ ) قال: هذا مثَل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهُدى وهلاكه ( فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيق ).

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, مثله.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( فِي مَكانٍ سَحِيق ) قال: بعيد.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

وقيل: ( فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ) وقد قيل قبله: ( فكأنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّماءِ ) وخرّ فعل ماض, وتخطفه مستقبل, فعطف بالمستقبل على الماضي, كما فعل ذلك في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقد بيَّنت ذلك هناك.

------------------------ الهوامش : (1) البيت مما أنشده الأزهري في تهذيبه ، ونقله عن صاحبه ( اللسان : سحق ) قال : السحق في العدو فوق المشي ودون الحضر ، وأنشده الأزهري : " كانت لنا جارة .

.

.

البيت " .

والقاذورة من الإبل : التي تبرك ناحية منها وتستبعد وتنافرها عند الحلب .

وتسحق : تجد في سيرها .

والنوى : التحول من مكان إلى مكان ، أو الوجه الذي ينوبه المسافر من قرب أو من بعد .

وقدما : لا تعرج ولا تنثني .

يريد أن جارته نأت عنه بناقة تجد في سيرها ، ولا تعرج على شيء .

والبيت شاهد على أن السحق معناه السير الجاد فوق المشي ودون العدو .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

حنفاء لله معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق .

ولفظة ( حنفاء ) من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل .

و ( حنفاء ) نصب على الحال .

وقيل : حنفاء حجاجا ؛ وهذا تخصيص لا حجة معه .قوله تعالى : ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا ؛ فهو بمنزلة من خر من السماء ، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه .

فتخطفه الطير أي تقطعه بمخالبها .

وقيل : هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا ، فلا يفتح لها فيرمى بها إلى الأرض ؛ كما في حديث البراء ، وقد ذكرناه في التذكرة .

والسحيق : البعيد ؛ ومنه قوله تعالى : فسحقا لأصحاب السعير ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : فسحقا فسحقا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أمرهم أن يكونوا { حُنَفَاءَ لِلَّهِ } أي: مقبلين عليه وعلى عبادته، معرضين عما سواه.

{ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ } فمثله { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ } أي: سقط منها { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ } بسرعة { أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } أي: بعيد، كذلك المشرك، فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة.

ومن ترك الإيمان، بمنزلة الساقط من السماء، عرضة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطفته الشياطين من كل جانب، ومزقوه، وأذهبوا عليه دينه ودنياه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( حنفاء لله ) مخلصين له ، ( غير مشركين به ) قال قتادة : كانوا في الشرك يحجون ، ويحرمون البنات والأمهات والأخوات ، وكانوا يسمون حنفاء ، فنزلت : " حنفاء لله غير مشركين به " أي : حجاجا لله مسلمين موحدين ، يعني : من أشرك لا يكون حنيفا .

( ومن يشرك بالله فكأنما خر ) أي : سقط ، ( من السماء ) إلى الأرض ، ( فتخطفه الطير ) أي : تستلبه الطير وتذهب به ، والخطف والاختطاف : تناول الشيء بسرعة .

وقرأ أهل المدينة : فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء ، أي : يتخطفه ، ( أو تهوي به الريح ) أي : تميل وتذهب به ، ( في مكان سحيق ) أي : بعيد ، معناه : بعد من أشرك من الحق كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير ، أو هوت به الريح ، فلا يصل إليه بحال .

وقيل : شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تسقطه الريح ، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق ، وقال الحسن : شبه أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء منها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حنفاء لله» مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه «غير مشركين به» تأكيد لما قبله، وهما حالان من الواو «ومن يشرك بالله فكأنما خر» سقط «من السماء فتخطفه الطير» أي تأخذه بسرعة «أو تهوي به الريح» أي تسقطه «في مكان سحيق» بعيد فهو لا يرجى خلاصه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

مستقيمين لله على إخلاص العمل له، مقبلين عليه بعبادته وحده وإفراده بالطاعة، معرضين عما سواه بنبذ الشرك، فإنَّه من يشرك بالله شيئًا، فمثله- في بُعْده عن الهدى، وفي هلاكه وسقوطه من رفيع الإيمان بل حضيض الكفر، وتخطُّف الشياطين له من كل جانب- كمثل مَن سقط من السماء: فإما أن تخطفه الطير فتقطع أعضاءه، وإما أن تأخذه عاصفة شديدة من الريح، فتقذفه في مكان بعيد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجملة ( حُنَفَآءَ للَّهِ ) وجملة ( غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ) حالان مؤكدتان لما قبلهما من وجوب اجتناب عبادة الأوثان ، واجتناب قول الزور .أى : اجتنبوا ما أمرناكم باجتنابه حال كونكم ثابتين على الدين الحق ، مخلصين لله العبادة .ثم صور - سبحانه - حال من يشرك بالله تصويرا تنخلع له القلوب ، ويحمل كل عاقل على اجتناب هذا الرجس فقال : ( وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) .أى : ومن يشرك بالله - تعالى - فى عبادته ، ومات على ذلك ، فكأنما سقط من السماء إلى الأرض ، فاختطفته جوارح الطير بسرعة فمزقت أوصاله ، أو تسقطع الريح فى مكان بعيد اشد البعد بحيث لا يعثر له على أثر .والمقصود من هذه الجملة تقبيح حال الشرك والمشركين ، وبيان أن الوقوع فى الشرك يؤدى إلى الهلاك الذى لا نجاة معه بحال ، لأن من يسقط من السماء فتتمزق أوصاله ، وتتخطفه الطير أو تلقى به الريح فى مكان بعيد لا يطمع له فى نجاة ، بل هو هالك لا محالة .فاجملة الكريمة مقررة لوجوب اجتناب الشرك بأبلغ صورة .قال صاحب الكشاف : يجوز فى هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق ، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال : من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعد نهاية ، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا - أى قطعا - فى حواصلها ، أو عصفت به الريح حتى هوت به فى بعض المطاوح - أى المقاذف - البعيدة .وإن كان مفرقا فقد شبه الإيمان فى علوه بالسماء ، والذى ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء ، والأهواء التى تتوزع أفكاره بالطير المختطفة ، والشيطان الذى يطوح به فى وادى الضلالة ، بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال صاحب الكشاف ﴿ ذلك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا، والحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام، وقال المتكلمون ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها، وقوله: ﴿ عِندَ رَبّهِ ﴾ يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام ﴾ فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضاً تحرم فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة وهو قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلّي الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ  ﴾ وقوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ  ﴾ ، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور.

لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا منه شيئاً لتماديه في القبح والسماجة، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجساً لا للنجاسة، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات.

ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها وهذا بعيد وقيل إنه إنما وصفها بذلك استحقاراً واستخفافاً وهذا أقرب، وقوله: ﴿ مِنَ الأوثان ﴾ بيان للرجس وتمييز له كقوله عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء، فكأنه قال فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف، كما أن الإفك من أفكه إذا صرفه، والمفسرون ذكروا في قول الزور وجوهاً: أحدها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم.

وثانيها: شهادة الزور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه صلى الصبح فلما سلم قام قائماً واستقبل الناس بوجهه وقال عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» وتلا هذه الآية.

وثالثها: الكذب والبهتان.

ورابعها: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.

أما قوله تعالى: ﴿ حُنَفَاءَ للَّهِ ﴾ فقد تقدم ذكر تفسير ذلك وأنه الاستقامة على قول بعضهم والميل إلى الحق على قول البعض، والمراد في هذا الموضع ما قيل من أنه الإخلاص فكأنه قال تمسكوا بهذه الأمور التي أمرت ونهيت على وجه العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به.

ولذلك قال: ﴿ غير مشركين به ﴾ وهذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه من العبادة الإخلاص فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما في بيان أن الكافر ضار بنفسه غير منتفع بها.

وهو قوله: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ قال صاحب الكشاف إن كان هذا تشبيهاً مركباً فكأنه قيل من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس وراءه هلاك بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرقت أجزاؤه في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة.

وإن كان تشبيهاً مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله كالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان الذي يطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة.

وقرئ بكسر الخاء والطاء وبكسر الفاء مع كسرهما وهي قراءة الحسن وأصلها تختطفه وقرئ الرياح، ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ واختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة وقال بعضهم بل المناسك في الحج وقال بعضهم بل المراد الهدي خاصة والأصل في الشعائر الأعلام التي بها يعرف الشيء فإذا فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين: أحدهما: أن يختارها عظام الأجسام حساناً جساماً سماناً غالية الأثمان ويترك المكاس في شرائها، فقد كانوا يتغالون في ثلاثة ويكرهون المكاس فيهن الهدي والأضحية والرقبة.

روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها بدناً فنهاه عن ذلك، «وقال بل أهدها وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب» والوجه الثاني: في تعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لابد وأن يحتفل به ويتسارع فيه ﴿ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب ﴾ أي إن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لابد من راجع من الجزاء إلى من ارتبط به وإنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه.

ولكن لما كان قلبه خالياً عنها لا جرم لا يكون مجداً في أداء الطاعات، أما المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه فإنه يبالغ في أداء الطاعات على سبيل الإخلاص، فإن قال قائل: ما الحكمة في أن الله تعالى بالغ في تعظيم ذبح الحيوانات هذه المبالغة؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ذلك ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر والشأن ذلك، كما يقدّم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كان كذا.

[(ومن يعظم حرمات الله)] والحرمة: ما لا يحل هتكه.

وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاماً في جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصاً فيما يتعلق بالحج.

وعن زيد بن أسلم: الحرمات خمس: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمحرم حتى يحلّ.

﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ﴾ أي فالتعظيم خير له.

ومعنى التعظيم: العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها.

المتلوّ لا يستثنى من الأنعام، ولكن المعنى ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ آية تحريمه، وذلك قوله في سورة المائدة: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ﴾ [المائدة: 3] والمعنى: أن الله قد أحلّ لكم الأنعام كلها إلاّ ما استثناه في كتابه، فحافظوا عل حدوده، وإياكم أن تحرّموا مما أحلّ شيئاً، كتحريم عبدة الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك، وأن تحلوا مما حرم الله، كإحلالهم أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك.

[(فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به)] لما حثّ على تعظيم حرماته وأحمد من يعظمها أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور؛ لأن توحيد الله ونفي الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطواً.

وجمع الشرك وقول الزور في قران واحد، وذلك أن الشرك من باب الزور لأن المشرك زاعم أنّ الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال: فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئاً منه لتماديه في القبح والسماجة.

وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان.

وسمى الأوثان رجساً وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق التشبيه.

يعني: أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النفرة.

ونبه على هذا المعنى بقوله: ﴿ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه ﴾ [المائدة: 90] جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، والرجس مجتنب ﴿ مِنَ الأوثان ﴾ بيان للرجس وتمييز له، كقولك: عندي عشرون من الدراهم؛ لأنّ الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان.

والزور من الزور والأزورار وهو الانحراف، كما أنّ الإفك من أفكه إذا صرفه.

وقيل: ﴿ قَوْلَ الزور ﴾ [الحج: 30] قولهم: هذا حلال وهذا حرام، وما أشبه ذلك من افترائهم.

وقيل: شهادة الزور.

عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى الصبحَ فلمّا سلّم قامَ قائماً واستقبلَ الناسَ بوجهه وقالَ: «عدلَتْ شهادةُ الزورِ الإشراك باللَّهِ، عدلَتْ شهادةُ الزورِ الإشراك باللَّهِ، عدلَتْ شهادةُ الزورِ الإشراك باللَّهِ» ، وتلا هذه الآية.

وقيل: الكذب والبهتان.

وقيل: قول أهل الجاهلية في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.

ويجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق.

فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته الطير، فتفرق مزعاً في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوّح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة.

وقرئ: ﴿ فتخطفه ﴾ بكسر الخاء والطاء.

وبكسر التاء مع كسرهما، وهي قراءة الحسن.

وأصلها: تختطفه.

وقرئ: ﴿ الرياح ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ ﴾ مُخْلِصِينَ لَهُ.

﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ وهُما حالانِ مِنَ الواوِ.

﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ ﴾ لِأنَّهُ سَقَطَ مِن أوْجِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ.

﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ﴾ فَإنَّ الأهْواءَ الرَّدِيئَةَ تُوَزِّعُ أفْكارَهُ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ﴿ فَتَخْطَفُهُ ﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ.

﴿ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ ﴾ بَعِيدٍ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ طَوَّحَ بِهِ في الضَّلالَةِ وأوْ لِلتَّخْيِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ مَن لا خَلاصَ لَهُ أصْلًا، ومِنهم مَن يُمْكِنُ خَلاصُهُ بِالتَّوْبَةِ لَكِنْ عَلى بُعْدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ المُرَكَّبَةِ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ هَلَكَتْ نَفْسُهُ هَلاكًا يُشْبِهُ أحَدَ الهَلاكَيْنِ.

﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ دِينَ اللَّهِ أوْ فَرائِضَ الحَجِّ ومَواضِعَ نُسُكِهِ، أوِ الهَدايا لِأنَّها مِن مَعالِمَ الحَجِّ وهو أوْفَقُ لِظاهِرِ ما بَعْدَهُ، وتَعْظِيمُها أنْ تَخْتارَها حِسانًا سِمانًا غالِيَةَ الأثْمانِ.

رُوِيَ «أنَّهُ  أهْدى مِائَةَ بَدَنَةٍ فِيها جَمَلٌ لِأبِي جَهْلٍ في أنْفِهِ بُرَّةٌ مِن ذَهَبٍ»، وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أهْدى نَجِيبَةً طُلِبَتْ مِنهُ بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ.

﴿ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ فَإنَّ تَعْظِيمَها مِنهُ مِن أفْعالِ ذَوِي تَقْوى القُلُوبِ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ المُضافاتُ والعائِدُ إلى مَن وذَكَرَ القُلُوبَ لِأنَّها مَنشَأُ التَّقْوى والفُجُورِ أوِ الآمِرَةُ بِهِما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{حُنَفَاء للَّهِ} مسلمين {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} حال كحنفاء {وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ} سقط {مّنَ السماء} إلى الأرض {فَتَخْطَفُهُ الطير} أي تسلبه بسرعة فتخطّفه أي تتخطفه مدني {أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح} أي تسقطه

والهوي السقوط {في مكان سحيق} بعيد يجوز أن

الحج (٣٥ - ٣٢)

يكون هذا تشبيهاً مركباً ويجوز أن يكون مفرقاً فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال من أشرك بالله فقد أهلك نفسه أهلا كاليس بعده بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق قطعاً في حواصلها أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء والذي أشرك بالله بالساقط من السماء والاهواء المردية بالطير المختلفة والشيطان الذي هو يوقعه في الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوى المتلفة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ ﴾ مائِلِينَ عَنْ كُلِّ دِينٍ زائِغٍ إلى الدِّينِ الحَقِّ مُخْلِصِينَ لَهُ تَعالى ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأوْثانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا وهُما حالانِ مُؤَكِّدَتانِ مِن واوِ فاجْتَنِبُوا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن واوِ ( واجْتَنِبُوا ) وأُخِّرَ التَّبَرِّي عَنِ التَّوَلِّي لِيَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الِاجْتِنابِ مِنَ الإشْراكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ الإشْراكِ، وقَدْ شُبِّهَ الإيمانُ بِالسَّماءِ لِعُلُوِّهِ والإشْراكُ بِالسُّقُوطِ مِنها فالمُشْرِكُ ساقِطٌ مِن أوْجِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكَفَرَةِ وهَذا السُّقُوطُ إنْ كانَ في حَقِّ المُرْتَدِّ فَظاهِرُهُ وهو في حَقِّ غَيْرِهِ بِاعْتِبارِ الفِطْرَةِ وجَعْلُ التَّمَكُّنِ والقُوَّةِ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ  ﴾ ﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ﴾ فَإنَّ الأهْواءَ المُرْدِيَةَ تُوَزِّعُ أفْكارَهُ وفي ذَلِكَ تَشْبِيهُ الأفْكارِ المُوَزَّعَةِ بِخَطْفِ جَوارِحِ الطَّيْرِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ  ﴾ وأصْلُ الخَطْفِ الِاخْتِلاسُ بِسُرْعَةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ « ﴿ فَتَخْطَفُهُ ﴾ » بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ « ﴿ فَتَخْطَفُهُ ﴾ » بِكَسْرِ التّاءِ والخاءِ والطّاءِ مُشَدَّدَةً، وعَنِ الحَسَنِ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الطّاءَ مُشَدَّدَةً.

وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا «تَخْطَفُهُ» بِغَيْرِ فاءٍ وإسْكانِ الخاءِ وفَتْحِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً، والجُمْلَةُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في مَوْضِعِ الحالِ، وأمّا عَلى القِراءاتِ الأُوَلِ فالفاءُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها عُطِفَ عَلى ﴿ خَرَّ ﴾ وفي إيثارِ المُضارِعِ إشْعارٌ بِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ في مُشاهَدَةِ المُخاطَبِ تَعْجِيبًا لَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ فَهو يَخْطَفُهُ والعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ ﴿ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ ﴾ أيْ تُسْقِطُهُ وتَقْذِفُهُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو رَجاءٍ «الرِّياحُ» ﴿ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ﴾ بَعِيدٍ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ طَوَّحَ بِهِ في الضَّلالَةِ، وفي ذَلِكَ تَشْبِيهُ الشَّيْطانِ المُضِلِّ بِالرِّيحِ المُهْوِيَةِ وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا  ﴾ فالتَّشْبِيهُ في الآيَةِ مُفَرِّقٌ.

والظّاهِرُ أنَّ ( تَهْوِي ) عُطِفَ عَلى «تَخْطَفُ» وأوْ لِلتَّقْسِيمِ عَلى مَعْنى أنَّ مَهْلِكَهُ إمّا هَوًى يَتَفَرَّقُ بِهِ في شِعَبِ الخَسارِ أوْ شَيْطانٌ يُطَوِّحُ بِهِ في مَهْمَهِ البَوارِ، وفَرْقٌ بَيْنَ خاطِرِ النَّفْسِ والشَّيْطانِ فَلا يَرِدُ ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ مِن أنَّ الأفْكارَ مِن نَتائِجِ وساوِسِ الشَّيْطانِ، والآيَةُ سِيقَتْ لِجَعْلِهِما شَيْئَيْنِ، وفي تَفْسِيرِ القاضِي أنَّها لِلتَّخْيِيرِ عَلى مَعْنى أنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنَّ تُشَبِّهَ المُشْرِكَ بِمَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ وبَيْنَ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَهْوِي بِهِ الرِّيحُ مِن مَكانٍ سَحِيقٍ أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ نَوْعانِ والمُشَبَّهَ بِالنَّوْعِ الأوَّلِ الَّذِي تَوَزَّعَ لَحْمُهُ في بُطُونِ جَوارِحِ الطَّيْرِ المُشْرِكُ الَّذِي لا خَلاصَ لَهُ مِنَ الشِّرْكِ ولا نَجاةَ أصْلًا، والمُشَبَّهَ بِالنَّوْعِ الثّانِي الَّذِي رَمَتْهُ الرِّيحُ في المُهاوِي المُشْرِكُ الَّذِي يُرْجى خَلاصُهُ عَلى بُعْدٍ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ الكافِرَ قِسْمانِ لا غَيْرُ، مُذَبْذَبٌ مُتَمادٍ عَلى الشَّكِّ وعَدَمِ التَّصْمِيمِ عَلى ضَلالَةٍ واحِدَةٍ وهَذا مُشَبَّهٌ بِمَنِ اخْتَطَفَهُ الطَّيْرُ وتَوَزَّعَتْهُ فَلا يَسْتَوْلِي طائِرٌ عَلى قِطْعَةٍ مِنهُ إلّا انْتَهَبَها مِنهُ آخَرُ وتِلْكَ حالُ المُذَبْذَبِ لا يَلُوحُ لَهُ خَيالٌ إلّا اتَّبَعَهُ وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ، ومُشْرِكٌ مُصَمِّمٌ عَلى مُعْتَقَدٍ باطِلٍ لَوْ نُشِرَ بِالمَناشِيرِ لَمْ يَكِعَّ ولَمْ يَرْجِعْ لا سَبِيلَ إلى تَشْكِيكِهِ ولا مَطْمَعَ في نَقْلِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ فَهو فَرِحٌ مُبْتَهِجٌ بِضَلالَتِهِ وهَذا مُشَبَّهٌ في قَرارِهِ عَلى الكُفْرِ بِاسْتِقْرارِ مَن هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ إلى وادٍ سافِلٍ هو أبْعَدُ الأحْيازِ عَنِ السَّماءِ فاسْتَقَرَّ فِيهِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرْناهُ أوْفَقُ بِالظّاهِرِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ المُرَكَّبَةِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى فَقَدْ أهْلَكَ نَفْسَهُ إهْلاكًا لَيْسَ بَعْدَهُ بِأنْ صُوِّرَ حالُهُ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ فَتَفَرَّقَ قِطَعًا في حَواصِلِها أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطارِحِ البَعِيدَةِ، وجَعَلَ في الكَشْفِ أوْ عَلى هَذا لِلتَّخَيُّرِ ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فِيما يَظْهَرُ، وعَلى الوَجْهَيْنِ تَفْرِيقُ التَّشْبِيهِ وتَرْكِيبُهُ في الآيَةِ تَشْبِيهانِ.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ فِيها عَلى التَّرْكِيبِ تَشْبِيهَيْنِ، ( وتَهْوِي ) عُطِفٌ عَلى ( خَرَّ ) وعَلى التَّفْرِيقِ تَشْبِيهًا واحِدًا ( وتَهْوِي ) عُطِفَ عَلى «تَخْطَفُ» وزَعَمَ أنَّ في عِبارَةِ الكَشّافِ ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: ذلِكَ، يعني: هذا الذي ذكر من أمور المناسك.

ثم قال: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ، يعني: أمر المناسك كلها، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يعني: أعظم لأجره.

وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ يعني: الإبل والبقر والغنم وغيره.

إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ في التحريم في سورة المائدة.

فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ، يعني: اتركوا عبادة الأوثان، فَاجْتَنِبُوا يعني: اتركوا قَوْلَ الزُّورِ، يعني: الكذب، وهو قولهم: هذا حلال وهذا حرام.

ويقال: معناه اتركوا الشرك، ويقال: اتركوا شهادة الزور.

ثم قال عز وجل: حُنَفاءَ لِلَّهِ، يعني: مخلصين بالتلبية لله تعالى لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.

ويقال: إن هذا القول بالزور الذي أمرهم باجتنابه.

ثم قال: غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، أي: وقع من السماء، فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ، يعني: تختلسه الطير، أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ، يعني: تذهب به الريح فِي مَكانٍ سَحِيقٍ، أي: بعيد، فكذلك الكافر في البعد من الله عَزَّ وَجَلَّ.

ويقال: معناه مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فقد ذهب أصله.

وقال الزجاج: الخطف هو أخذ الشيء بسرعة، فهذا مثل ضربه الله عز وجل للكافرين في بعدهم من الحق، فأخبر أن بعد من أشرك من الحق، كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير، وهوت به الريح في مكان سَحِيقٍ، يعني: بعيد.

قرأ نافع: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ بنصب الخاء والتشديد، وقرأ الباقون بالجزم والتخفيف من خطف.

ومن قرأ بالتشديد، فلأن أصله: فتخطفه فأدغم التاء في الطاء، وألقيت حركة التاء على الخاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الطبري/: ولا خلاف بين المتأوِّلِينَ في ذلك.

قال مالك: هو واجب، ويرجع تاركه من وطنه إلاَّ أَنْ يطوف طوافَ الوداع فإنَّهُ يجزيه عنه، ويحتمل أَنْ تكونَ الإشارة بالآية إلى طواف الوداع، وقد أَسْنَدَ «١» الطبريُّ عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيراً عن قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فقال:

هو طواف الوداع وقاله مالك في «الموطإِ» ، واخْتُلِفَ في وجهِ وصف البيتِ بالعتيق، فقال مجاهد «٢» وغيره: عتيق، أي: قديم.

وقال ابن الزبير «٣» : لأَنَّ الله تعالى أعتقه من الجبابرة.

وقيل: أعتقه من غرق الطَّوفانِ، وقيل غير هذا.

وقوله: ذلِكَ يحتمل أَنْ يكونَ في موضع رفع بتقدير: فرضكم ذلك، أو الواجب ذلك، ويحتمل أن يكون في محلِّ نصب بتقدير: امتثلوا ذلك ونحو هذا الإضمار، وأَحْسَنُ الأشياءِ مُضْمَراً أحسنُهَا مظهراً ونحو هذه الإشارةِ البليغةِ قَوْلُ زُهَيْرِ: [البسيط]

هذا، وَلَيْسَ كَمَنْ يَعْيَا بخطبته ...

وسط النّديّ إذا ما ناطق نطقا «٤»

والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج.

وقال ابن العربي «١» في «أحكامه» : الحرمات: امتثال ما أَمَرَ الله تعالى به، واجتنابُ ما نهى عنه فإنَّ للقسم الأَوَّلِ حرمةَ المبادرة إلى الامتثال، وللثاني حرمةَ الانكفاف والانزجار «٢» .

انتهى.

وقوله: فَهُوَ خَيْرٌ ظاهر أنها ليست للتفضيل، وإنما هي عِدةٌ بخير، ويحتمل أن يجعل خَيْرٌ للتفضيل على تجوز في هذا الموضع.

ص: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ أي: فالتعظيم خير له، [انتهى] «٣» .

وقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ يحتمل معنيين.

أحدهما: أَنْ تكون «من» لبيان الجنس أي: الرجس الذي هو الأوثان فيقع النهي عن رِجْسِ الأوثان فقط، وتبقى سائر الأرجاس نَهْيُهَا في غير هذا الموضع.

والمعنى الثاني: أَنْ تكون «من» لابتداء الغاية فكأنه نهاهم سبحانه عن الرجس عموماً، ثم عَيَّنَ لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعةٌ لكل فساد ورجس، ويظهر أن الإشارة إلى الذبائح التي كانت للأوثان فيكون هذا مِمَّا يُتْلَى عليهم، والمَرْوِيُّ عن ابن عباس وابن جرير: أنّ الآية نهي عن عبادة الأوثان «٤» ، والزُّورِ عامٌّ في الكَذِبِ والكفر وذلك أَنَّ كُلَّ ما عدا الحق فهو كذب وباطل.

وقال ابن مسعود وغيره: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «عدلت شهادة الزور بالشّرك «٥» ،

وَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ» والزُّورُ: مْشْتَقٌّ من الزَّوْرِ، وهو الميل «١» ، ومنه في جانب فلان زور،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، يَعْنِي: ما ذُكِرَ مِن أعْمالِ الحَجِّ.

﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ ﴾ فَيَجْتَنِبُ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الإحْرامِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ اللَّهِ.

قالَ اللَّيْثُ: الحُرْمَةُ: ما لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ: ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهُوَ ﴾ يَعْنِي: التَّعْظِيمَ، ﴿ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ في الآخِرَةِ، ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُها [ المائِدَة: ١ ] .

﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ تَحْرِيمُهُ، يَعْنِي [ بِهِ ]: ما ذُكِرَ في ( المائِدَةِ: ٣ ) مِنَ المُنْخَنِقَةِ وغَيْرِها.

وقِيلَ: وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ في حالِ إحْرامِكم، إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم في الصَّيْدِ، فَإنَّهُ حَرامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ ﴾ ؛ أيْ: دَعُوهُ جانِبًا.

قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ مِنَ ﴾ هاهُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ، المَعْنى: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرِّجْسِ في ( المائِدَةِ: ٩٠ ) .

وَفِي المُرادِ بِقَوْلِ الزُّورِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَهادَةُ الزُّورِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: الكَذِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ في الأنْعامِ: هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وتَأْوِيلُهُ: مُسْلِمِينَ لا يُنْسَبُونَ إلى دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ.

ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ، فَقالَ: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ سَحِيقٍ ﴾ ، والسَّحِيقُ: البَعِيدُ.

واخْتَلَفُوا في قِراءَةِ ﴿ فَتَخْطَفُهُ ﴾ ، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: ( فَتَخْطَفُهُ ) بِسُكُونِ الخاءِ مِن غَيْرِ تَشْدِيدِ الطّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ ومُعاذٌ القارِئُ بِفَتْحِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ونَصْبِ الفاءِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ بِكَسْرِ التّاءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ ورَفْعِ الفاءِ، وكُلُّهم فَتَحَ الطّاءَ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا المَثَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَبَّهَ المُشْرِكَ بِاللَّهِ في بُعْدِهِ عَنِ الهُدى وهَلاكِهِ، بِالَّذِي يَخِرُّ مِنَ السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ حالَ المُشْرِكِ في أنَّهُ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا دَفْعَ ضُرٍّ يَوْمَ القِيامَةِ، بِحالِ الهاوِي مِنَ السَّماءِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا مَعْنى الشَّعائِر في ( البَقَرَةِ: ١٥٨ ) .

وَفِي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها البُدْنُ.

وتَعْظِيمُها: اسْتِحْسانُها واسْتِسْمانُها، ﴿ لَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ قَبْلَ أنْ يُسَمِّيَها صاحِبُها هَدْيًا، أوْ يُشْعِرَها ويُوجِبَها، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِن مَنافِعِها شَيْءٌ، رَوى هَذا المَعْنى مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: لَكم في هَذِهِ الهَدايا مَنافِعُ بَعْدَ إيجابِها وتَسْمِيَتِها هَدايا، إذا احْتَجْتُمْ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، أوِ اضْطَرَرْتُمْ إلى شُرْبِ ألْبانِها، ﴿ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أنْ تَنْحَرَ.

والثّانِي: أنَّ الشَّعائِرَ: المَناسِكُ ومَشاهِدُ مَكَّةَ، والمَعْنى: لَكم فِيها مَنافِعُ بِالتِّجارَةِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو الخُرُوجُ مِن مَكَّةَ، رَواهُ أبُو رَزِينٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: لَكم فِيها مَنافِعُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في قَضاءِ المَناسِكِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وهو انْقِضاءُ أيّامِ الحَجِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها ﴾ يَعْنِي: الأفْعالُ المَذْكُورَةُ، مِنَ اجْتِنابِ الرِّجْسِ، وقَوْلِ الزُّورِ، وتَعْظِيمِ الشَّعائِرِ.

وقالَ الفَرّاءُ: " فَإنَّها " يَعْنِي: الفِعْلَةُ ﴿ مِن تَقْوى القُلُوبِ ﴾ ، وإنَّما أضافَ التَّقْوى إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّقْوى تَقْوى القُلُوبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّها ﴾ ؛ أيْ: حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُها، ﴿ إلى البَيْتِ ﴾ يَعْنِي: عِنْدَ البَيْتِ، والمُرادُ بِهِ: الحَرَمُ كُلُّهُ؛ لِأنّا نَعْلَمُ أنَّها لا تُذْبَحُ عِنْدَ البَيْتِ، ولا في المَسْجِدِ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: ثُمَّ مَحِلُّ النّاسِ مِن إحْرامِهِمْ إلى البَيْتِ، وهو أنْ يَطُوفُوا بِهِ بَعْدَ قَضاءِ المَناسِكِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُورِ ﴾ ﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ ﴾ اخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في سُكُونِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا ﴾ وفي تَحْرِيكِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالكَسْرِ، وفي تَحْرِيكِ "لِيَقْضُوا" وتَسْكِينِ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ  ﴾ تَوْجِيهُ جَمِيعِ ذَلِكَ.

و"التَفَثُ" ما يَفْعَلُهُ المُحْرِمْ عِنْدَ حَلِّهِ مِن تَقْصِيرِ شَعْرٍ وحَلْقِهِ وإزالَةِ شَعَثِ ونَحْوِهُ مِن إقامَةِ الخَمْسِ مِنَ الفِطْرَةِ حَسَبَ الحَدِيثِ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ قَضاءُ جَمِيعِ مَناسِكِهِ إذْ لا يُقْضى التَفَثُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "وَلِيُوَفُّوا" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، و"وَفى" و"أوفى" لُغَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ في كِتابِ اللهِ تَعالى و"أوفى" أكْثَرُ.

و"النُذُورُ" ما مَعَهم مِن هَدْيٍ وغَيْرِهِ، و"الطَوافُ" المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو طَوافُ الإفاضَةِ الَّذِي هو مِن واجِباتِ الحَجِّ، قالَ الطَبَرِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ في ذَلِكَ.

قالَ مالِكٌ: هو واجِبٌ يَرْجِعُ تارِكَهُ مِن وطَنِهِ إلّا أنْ يَطُوفَ طَوّافَ وداعٍ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ بِحَسْبَ التَرْتِيبِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى طَوافِ الوَداعِ إذِ المُسْتَحْسَنُ أنْ يَكُونَ ولا بُدَّ، وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَمْرُو بْنِ أبِي سَلَمَةَ قالَ: سَألَتُ زُهَيْرًا عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ فَقالَ: هو طَوافُ الوَداعِ.

وقالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: واخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في وجْهِ صِفَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: العَتِيقُ: القَدِيمُ، يُقالُ: سَيْفٌ عَتِيقٌ، وقَدْ عَتَقَ الشَيْءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ؛ إذْ هو أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، إلّا أنَّ ابْنَ الزُبَيْرِ قالَ: سُمِّي عَتِيقًا لِأنَّ اللهَ تَعالى أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ بِمَنعِهِ إيّاهُ مِنهُمْ، ورَوَيَ في هَذا حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مَوْضِعَهُ قَطُّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَمِّي عَتِيقًا لِأنَّ اللهَ تَعالى يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَرُدُّهُ التَصْرِيفُ.

وقِيلَ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مَن غَرَقِ الطُوفانُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "العَتِيقِ" صِفَةُ مَدْحٍ تَقْتَضِي جَوْدَةَ الشَيْءِ، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «حَمَلْتُ عَلى فَرَسٍ عَتِيقٍ» الحَدِيثُ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُمْ: كَلامٌ حُرٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ: فَرْضُكم ذَلِكَ، أوِ الواجِبُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: امْتَثَلُوا ذَلِكَ ونَحْوَ هَذا الإضْمارِ، وأحْسَنُ الأشْياءِ مُضْمَرًا أحْسَنُها مَظْهَرًا، ونَحْوَ هَذِهِ الإشارَةِ البَلِيغَةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ: هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعْيا بِخُطَّتِهِ وسَطَ النَدِيِّ إذا ما ناطِقٌ نَطَقا و"الحُرُماتُ" المَقْصُودَةُ هاهُنا هي أفْعالُ الحَجِّ المُشارُ إلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَعْظِيمُ المَواضِعِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، ووَعَدَ عَلى تَعْظِيمِها بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيضًا وتَحْرِيصًا، ثُمْ لَفْظُ الآيَةِ -بَعْدَ ذَلِكَ- يَتَناوَلُ كُلَّ حُرْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهُوَ خَيْرٌ" ظاهِرُهُ أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وإنَّما هي عِدَةٌ بِخَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ "خَيْرٌ" لِلتَّفْضِيلِ عَلى تَجَوُّزٍ في هَذا المَوْضِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن تَحْرِيمِ أشْياءَ بِرَأْيِها كالبُحَيْرَةِ والسائِبَةِ، فَأذْهَبَ اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ وأحَلَّ لَهم جَمِيعَ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ثُمْ أمَرَهم بِاجْتِنابِ الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ، والكَلامُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِبَيانِ الجِنْسِ فَيَقَعُ نَهْيُهُ عن رِجْسِ الأوثانِ فَقَطْ، وتَبْقى سائِرُ الأرْجاسِ نَهْيِها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والمَعْنى الثانِي أنْ تَكُونَ "مَن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَكَأنَّهُ نَهاهم عَنِ الرِجْسِ عامًّا ثُمْ عَيَّنَ لَهم مَبْدَأهُ الَّذِي مِنهُ يَلْحَقُهُمْ؛ إذْ عِبادَةُ الوَثَنِ جامِعَةٌ لِكُلِّ فَسادٍ ورِجْسٍ، ويُظْهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى الذَبائِحِ الَّتِي كانَتْ لِلْأوثانِ، فَيَكُونُ هَذا مِمّا يُتْلى عَلَيْهِمْ، ومَن قالَ: إنَّ "مَن" لِلْتَبْعِيضِ قَلَبَ مَعْنى الآيَةِ وأفْسَدَهُ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الآيَةَ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأوثانِ.

و"الزُورُ" عامٌّ في الكَذِبِ والكُفْرِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما عَدا الحَقَّ فَهو كَذِبٌ وباطِلٌ وزُورٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُورِ بِالشِرْكِ»، وتَلا هَذِهِ الآيَةُ، و"الزُورُ" مُشْتَقٌّ مِنَ الزَوَرِ وهو المَيْلُ، ومِنهُ في جانِبِ فُلانٍ زَوَرٌ، ويُظْهِرُ أنَّ الإشارَةَ في زُورِ أقْوالِهِمْ في تَحْرِيمِ وتَحْلِيلِ ما كانُوا قَدْ شَرَّعُوهُ في الأنْعامِ.

و"حُنَفاءَ" مَعْناهُ: مُسْتَقِيمِينَ أو مائِلِينَ إلى الحَقِّ بِحَسْبَ أنَّ لَفْظَةَ "الحَنَفِ" مِنَ الأضْدادِ، تَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ وتَقَعُ عَلى المَيْلِ.

و"حُنَفاءَ" نَصْبٌ عَلى الحالِ.

وقالَ قَوْمٌ: "حُنَفاءَ" مَعْناهُ: حُجّاجًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَخْصِيصٌ لا حُجَّةَ مَعَهُ.

وَ "غَيْرَ مُشْرِكِينَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أُخْرى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "حُنَفاءَ".

ثُمْ ضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أظْهَرُهُ في غايَةِ السُقُوطِ ويُحْتَمَلُ الهَوْلُ والِانْبِتاتُ مِنَ النَجاةِ، بِخِلافِ ما ضَرَبَ لِلْمُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ  ﴾ ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: إذا حَدَّثْتُكم عن رَسُولِ اللهِ  فَلَئِنْ أخِرَّ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ أهْوَنُ عَلَيَّ مِن أنَّ أكْذَبَ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ.

وقَرَأ نافِعُ وحْدَهُ: "فَتَخَطَّفَهُ الطَيْرُ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الطاءِ عَلى حَذْفِ تاءِ التَفَعُّلِ، وقَرَأ الباقُونَ: "فَتَخْطِفُهُ الطَيْرُ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِخِطَّفَهُ" بِكَسْرِ التاءِ والخاءِ وفَتْحِ الطاءِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الخاءِ، والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِنَ السَماءِ تَخْطِفُهُ" بِغَيْرِ فاءٍ وعَلى نَحْوِ قِراءَةِ الجَماعَةِ.

وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ عَلى الماضِي لِأنَّهُ بِتَقْدِيرٍ: فَهو نَخْطَفُهُ الطَيْرُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "الرِياحُ".

و"السَحِيقُ": البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أسْحَقُهُ اللهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ  : «فَأقُولُ سُحْقًا سُحْقا»، ومِنهُ "نَخْلَةٌ سُحُوقٌ" لِلْبَعِيدَةِ في السَماءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ذلك وَمَن يُعَظِّمْ حرمات الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور * حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِى بِهِ الريح فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ اسم الإشارة مستعمل هنا للفصل بين كلامين أو بين وجهين من كلام واحد، والقصد منه التنبيه على الاهتمام بما سيذكر بعده.

فالإشارة مرادٌ بها التنبيه، وذلك حيث يكون ما بعده غيرَ صالح لوقوعه خبراً عن اسم الإشارة فيتعين تقدير خبر عنه في معنى: ذلك بيانٌ، أو ذكرٌ، وهو من أساليب الاقتضاب في الانتقال.

والمشهور في هذا الاستعمال لفظ (هذا) كما في قوله تعالى: ﴿ هذا وإن للطاغين لشر مئاب ﴾ [ص: 55] وقولِ زهير: هَذا وليس كمن يَعْيَا بخطبته *** وسْط النّدي إذا ما قائل نَطقا وأوثر في الآية اسم إشارة البعيد للدلالة على بعد المنزلة كناية عن تعظيم مضمون ما قبله.

فاسم الإشارة مبتدأ حذف خبره لظهور تقديره، أي ذلك بيان ونحوه.

وهو كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض الأغراض فإذا أراد الخوض في غرض آخر، قال: هذا وقد كان كذا وكذا.

وجملة ﴿ ومن يعظم ﴾ الخ...

معترضة عطفاً على جملة ﴿ وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ [الحج: 26] عطف الغرض على الغرض.

وهو انتقال إلى بيان ما يجب الحفاظ عليه من الحنيفية والتنبيه إلى أن الإسلام بُنِي على أساسها.

وضمير ﴿ فهو ﴾ عائد إلى التعظيم المأخوذ من فعل ﴿ ومن يعظم حرمات الله ﴾ .

والكلام موجّه إلى المسلمين تنبيهاً لهم على أنّ تلك الحرمات لم يعطل الإسلام حرمتَها، فيكون الانتقال من غرض إلى غرض ومن مخاطب إلى مخاطب آخر.

فإن المسلمين كانوا يعتمرون ويحجون قبل إيجاب الحجّ عليهم، أي قبل فتح مكة.

والحُرمات: جمع حُرُمة بضمتين: وهي ما يجب احترامه.

والاحترام: اعتبار الشيء ذَا حَرَم، كناية عن عدم الدخول فيه.

أي عدم انتهاكه بمخالفة أمر الله في شأنه، والحُرمات يشمل كل ما أوصَى الله بتعظيم أمره فتشمل مناسك الحج كلها.

وعن زيد بن أسلم: الحرمات خمس: المسجد الحرام، والبيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمُحرم ما دام محرماً، فقصَرَه على الذوات دون الأعمال.

والذي يظهر أن الحرمات يشمل الهدايا والقلائد والمشعر الحرام وغير ذلك من أعمال الحجّ، كالغسل في مواقعه، والحلق ومواقيته ومناسكه.

﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ لما ذكر آنفاً بهيمة الأنعام وتعظيم حرمات الله أعقب ذلك بإبطال ما حرمه المشركون على أنفسهم من الأنعام مثل: البَحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحَامي وبعضضِ ما في بطونها.

وقد ذكر في سورة الأنعام.

واستثني منه ما يتلى تحريمه في القرآن وهو ما جاء ذكره في [سورة الأنعام: 145] في قوله: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً ﴾ الآيات وما ذكر في سورة النحل وكلتاهما مكيتان سابقتان.

وجيء بالمضارع في قوله: إلا ما يتلى عليكم } ليشمل ما نزل من القرآن في ذلك مما سبق نزولَ سورة الحجّ بأنه تلي فيما مضى ولم يزل يتلى، ويشمل ما عسى أن يَنزل من بعد مثل قوله: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ﴾ الآية في } [سورة العقود: 103].

والأمر باجتناب الأوثان مستعمل في طلب الدوام كما في قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النساء: 136].

وفرع على ذلك جملة معترضة للتصريح بالأمر باجتناب ما ليس من حرمات الله، وهو الأوثان.

واجتناب الكذب على الله بقولهم لبعض المحرمات ﴿ هذا حلال ﴾ مثل الدم وما أهلّ لغير الله به، وقولهم لبعض: هذا حرام مثل البَحيرة، والسائبة.

قال تعالى: ﴿ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ﴾ [النحل: 116].

والرّجس: حقيقته الخبث والقذارة، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فإنه رجس ﴾ في [سورة الأنعام: 145].

ووصف الأوثان بالرجس أنها رجس معنوي لِكون اعتقاد إلهيتها في النفوس بمنزلة تعلّق الخبث بالأجساد فإطلاق الرجس عليها تشبيه بليغ.

و (مِن) في قوله من الأوثان بيان لمجمل الرجس، فهي تدخل على بعض أسماء التمييز بياناً للمراد من الرجس هنا لا أن معنى ذلك أن الرجس هو عين الأوثان بل الرجس أعمّ أريد به هنا بعض أنواعه فهذا تحقيق معنى (من) البيانية.

و ﴿ حنفاء لله ﴾ حال من ضمير ﴿ اجتنبوا ﴾ أي تكونوا إن اجتنبتم ذلك حنفاء لله، جمع حنيف وهو المخلص لله في العبادة، أي تكونوا على ملّة إبراهيم حقاً، ولذلك زاد معنى ﴿ حنفاء ﴾ بياناً بقوله ﴿ غير مشركين به ﴾ .

وهذا كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين ﴾ [النحل: 120].

والباء في قوله ﴿ مشركين به ﴾ للمصاحبة والمعية، أي غير مشركين معه غيره.

﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِى بِهِ الريح فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ أعقب نهيهم عن الأوثان بتمثيل فظاعة حال من يشرك بالله في مصيره بالشرك إلى حال انحطاط وتلقف الضلالات إياه ويأسه من النجاة ما دام مشركاً تمثيلاً بديعاً إذ كان من قبيل التمثيل القابل لتفريق أجزائه إلى تشبيهات.

قال في «الكشاف»: «يجوز أن يكون هذا التشبيه من المركب والمفرّق بأن صُور حال المشرك بصورة حال مَن خرّ من السماء فاختطفَتْه الطيرُ فتفرّق مِزعاً في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة، وإن كان مفرقاً فقد شبّه الإيمان في علوّه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة» أ.

ه.

يعني أنّ المشرك لما عدل عن الإيمان الفطري وكان في مكنته فكأنه كان في السماء فسقط منها، فتوزعته أنواع المهالك، ولا يخفى عليك أنّ في مطاوي هذا التمثيل تشبيهات كثيرة لا يعوزك استخراجها.

والسحيق: البعيد فلا نجاة لمن حل فيه.

وقوله: ﴿ أو تهوي به الريح ﴾ تخيير في نتيجة التشبيه، كقوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ [البقرة: 19].

أشارت الآية إلى أن الكافرين قسمان: قسم شِركه ذبذبة وشكّ، فهذا مشبّه بمن اختطفته الطير فلا يستولي طائر على مزعة منه إلاّ انتهبها منه آخر، فكذلك المذبذب متى لاح له خيال اتبعه وترك ما كان عليه.

وقسم مصمّم على الكفر مستقر فيه، فهو مشبّه بمن ألقته الريح في واد سحيق، وهو إيماء إلى أن من المشركين من شركه لا يرجى منه خلاص كالذي تخطفته الطير، ومنهم من شركه قد يخلص منه بالتوبة إلا أن توبته أمر بعيد عسير الحصول.

والخُرور: السقوط.

وتقدم في قوله: ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم ﴾ في [سورة النحل: 26].

و ﴿ تخطّفُه ﴾ مضاعف خطف للمبالغة، الخطف والخطف: أخذ شيء بسرعة سواء كان في الأرض أم كان في الجو ومنه تخطف الكرة.

والهُوِيّ: نزول شيء من علو إلى الأرض.

والباء في ﴿ تهوي به ﴾ للتعدية مثلها في: ذهب به.

وقرأ نافع، وأبو جعفر ﴿ فتَخَطّفه ﴾ بفتح الخاء وتشديد الطاء مفتوحة مضارع خطّف المضاعف.

وقرأه الجمهور بسكون الخاء وفتح الطاء مخففة مضارع خطف المجرّد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِعْلُ ما أمَرَ بِهِ مِن مَناسِكِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ اجْتِنابُ ما نَهى عَنْهُ في إحْرامِهِ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ تَعْظِيمُ حُرُماتِهِ أنْ يَفْعَلَ الطّاعَةَ ويَأْمُرَ بِها، ويَنْتَهِيَ عَنِ المَعْصِيَةِ ويَنْهى عَنْها.

﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وما أكَلَ السَّبْعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ.

والثّانِي: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ.

﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيِ اجْتَنِبُوا مِنَ الأوْثانِ الرِّجْسَ، ورِجْسُ الأوْثانِ عِبادَتُها، فَصارَ مَعْناهُ: فاجْتَنِبُوا عِبادَةَ الأوْثانِ.

الثّانِي: مَعْناهُ: فاجْتَنِبُوا الأوْثانَ فَإنَّها مِنَ الرِّجْسِ.

﴿ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الشِّرْكُ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والثّانِي: الكَذِبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: شَهادَةُ الزُّورِ.

رَوى أيْمَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ «أنَّ النَّبِيَّ  قامَ خَطِيبًا فَقالَ: أيُّها النّاسُ عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مَرَّتِينَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ » والرّابِعُ: أنَّها عِبادَةُ المُشْرِكِينَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ النِّفاقُ لِأنَّهُ إسْلامٌ في الظّاهِرِ زُورٌ في الباطِنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حُنَفاءَ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُسْلِمِينَ لِلَّهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ والثّانِي: مُخْلِصِينَ لِلَّهِ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والثّالِثُ: مُسْتَقِيمِينَ لِلَّهِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.

والرّابِعُ: حُجّاجًا إلى اللَّهِ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غَيْرُ مُرائِينَ بِعِبادَتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.

والثّانِي: غَيْرُ مُشْرِكِينَ في تَلْبِيَةِ الحَجِّ بِهِ أحَدًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ذلك ومن يعظم حرمات الله ﴾ قال: الحرمة الحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء وعكرمة ﴿ ذلك ومن يعظم حرمات الله ﴾ قالا: المعاصي.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ومن يعظم حرمات الله ﴾ قال: الحرمات المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن أبي حاتم، عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها- يعني مكة- فإذا ضيعوا ذلك هلكوا» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ يقول: اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان ﴿ واجتنبوا قول الزور ﴾ يعني الافتراء على الله والتكذيب به.

وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، «عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: يا أيها الناس، عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله ثلاثاً، ثم قرأ ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ﴾ » .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب، عن خريم بن فاتك الأسدي قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما انصرف قائماً قال: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاثاً، ثم تلا هذه الآية ﴿ واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ﴾ » .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي، عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين- وكان متكئاً فجلس- فقال: ألا وقول الزور!...

ألا وشهادة الزور...» فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي، عن ابن مسعود قال: شهادة الزور تعدل بالشرك بالله.

ثم قرأ ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ واجتنبوا قول الزور ﴾ قال: الكذب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ واجتنبوا قول الزور ﴾ يعني الشرك بالكلام.

وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت فيقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ قال: حجاجاً لله غير مشركين به.

وذلك أن الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما أظهر الله الإسلام قال الله للمسلمين: حجوا الآن غير مشركين بالله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال: كان الناس يحجون وهم مشركون، فكانوا يسمونهم حنفاء الحجاج، فنزلت ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر الصديق قال: كان ناس من مضر وغيرهم يحجون البيت وهم مشركون، وكان من لا يحج البيت من المشركين يقولون: قولوا حنفاء.

فقال الله: ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ يقول: حجاجاً غير مشركين به.

وأخرج ابن المنذر عن السدي قال: ما كان في القرآن من حنفاء، قال: مسلمين.

وما كان حنفاء مسلمين، فهم حجاج.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ حنفاء ﴾ قال: حجاجاً.

وأخرج عن الضحاك مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ حنفاء ﴾ قال: متبعين.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء...

﴾ .

قال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ في مكان سحيق ﴾ قال: بعيد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ حُنَفَاءَ ﴾ قال ابن عباس: يريد موحدين.

وهذا كقول من قال: مسلمين مستقيمين على الدين (١) (٢) وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: تأويله: مسلمين لا يميلون إلى دين غير (٣) (٤) وقال مجاهد: ﴿ حُنَفَاءَ ﴾ (٥) (٦) (٧) والحنيفية عند العرب: حج البيت (٨) ﴿ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ .

قوله: ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ قال الكلبي: غير مشركين بالله في التلبية، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم بقولهم (٩) وقال عبد الله بن القاسم (١٠)  -: كان الناس يحجون وهم مشركون، وكانوا يُسمون الحنفاء، لأن العرب تسمى الحاج: الحنيف، فلما أسلموا نزلت ﴿ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ (١١) أي: كما أنهم كانوا حنفاء مشركين فأنتم حنفاء غير مشركين بالله.

ثم ضرب لمن أشرك مثلا، فقال: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ ﴾ \[أي سقط\] (١٢) ﴿ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ﴾ يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، إذا أخذ بسرعة (١٣) (١٤) ﴿ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ  ﴾ .

وقرأ نافع (فتخطِّفه الطير) بالتشديد (١٥) (١٦) (١٧) وقوله: ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ ﴾ أي: تسقطه.

يقال: هوى إذا سقط من أعلى إلى أسفل (١٨) (١٩) قوله ﴿ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ قال ابن عباس وغيره: بعيد (٢٠) والسحق: البُعد.

يقال: سحقًا له وبعدًا، وأسحقه الله سحقًا، وإنه لسحيق: بعيد (٢١) (٢٢) (٢٣) قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به (٢٤) (٢٥) وذكر أهل المعاني قول قتادة، فقال الزجاج: هذا مثل ضربه الله للكافر في بُعده من الحق، فأعلم أن بُعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد (٢٦) (٢٧) وقال غيره: شبه حال المشرك (٢٨) (٢٩) وقال أبو علي الفارسي: المعنى في هذا (٣٠) ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ  ﴾ فكما كان المؤمن في إيمانه متمسكًا بالعروة الوثقى] (٣١) (٣٢) (٣٣) (١) ذكر الماوردي في "النكت" 4/ 23 عن الضحاك قال: مسلمين لله.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 110 (حنف).

(٣) دين: زيادة من (أ).

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.

(٥) في (أ): (حنيفًا)، وهو خطأ.

(٦) رواه الطبري 3/ 107 (شاكر)، عند قوله: ﴿ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ .

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٧) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 396 - 397 عن ابن عباس في قوله (حنيفا) يقول: حاجا.

ثم قال ابن أبي حاتم: وروى الحسن، والضحاك، وعطية، والسدي، نحو ذلك.

وروى الطبري في "تفسيره" 3/ 104، 106 عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن الحنيفية قال: هو حج هذا البيت.

وروى الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 110 بإسناده عن مرزوق قال: سمعت الضحاك يقول في قوله (حنفاء لله غير مشركين به) قال: حجاجًا.

وكذلك قال السدي قال.

حنفاء: حجاحًا.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 110 (حنف)، "لسان العرب" 9/ 57 (حنف).

(٩) في (ظ): (يقولون).

(١٠) هو: عبد الله بن القاسم، التيمي، البَصري، مولى أبي بكر الصديق  .

رأى عمر، وروى عن جابر وابن عباس وغيرهما.

وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول.

وقال ابن حجر: مقبول.

"التاريخ الكبير" للبخاري 5/ 173، "الثقات" لابن حبان 5/ 46، "الكاشف" للذهبي 2/ 118، "تهذيب التهذيب" 5/ 359، "تقريب التهذيب" 1/ 441.

(١١) رواه الطبري 3/ 106 (شاكر) بنحوه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 45 بنحوه وعزاه لابن أبي حاتم.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.

(١٤) انظر: "تهذيب اللغة" الأزهري 7/ 241 - 243 (خطف).

(١٥) "السبعة" ص 436، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157.

وقرأ الباقون بإسكان الخاء وتخفيف الطاء.

(١٦) هكذا في (أ): وهو الموافق لما في "الحجة" للفارسي.

وفي (ظ): (الفعل)، وفي (د)، (ع): (التفعيل).

(١٧) هذا كلام أبي علي الفارسي في "الحجة" 5/ 276.

وقال أبو منصور الأزهري في "علل القراءات" 2/ 424: من قرأ (فتخطفه) والأصل (فتختطفه) فأدغم التاء في الطاء، وألقيت حركة التاء على الخاء ففتحت.

وبنحوه قال ابن خالويه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 77.

وانظر أيضًا: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 476، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 119.

(١٨) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 488 (هو ى).

(١٩) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى  ﴾ .

(٢٠) انظر الطبري 17/ 155، و"الدر المنثور" 6/ 46.

(٢١) "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 24 (سحق) عن الليث مع اختلاف يسير.

وانظر: "العين" 3/ 37 (سحق).

(٢٢) في (أ): (به).

(٢٣) قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 3/ 244: والسحق -بالضم وبضمتين-: البعد، وقد سَحُق -ككرم وعلم- سُحقا بالضم.

(٢٤) (به): ساقطة من (ظ).

(٢٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 38، والطبري 17/ 155، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 46 وعزاه لعبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 425.

(٢٧) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 293.

(٢٨) في (أ)، (د)، (ع): (الشرك).

(٢٩) ذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 52 أنحو هذا المعنى باختصار، ونسبه إلى أهل المعاني.

وذكره البغوي 5/ 384 إلى قوله: المكان السحيق.

ولم ينسبه لأحد.

(٣٠) في (ظ): (هذه).

وفي (ع): (ذلك).

(٣١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).

(٣٢) في (ظ): (مكفره).

وفي (د)، (ع): (بكفره).

(٣٣) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 276.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء ﴾ الآية، تمثيل للمشرك بمن أهلك نفسه أشدّ الهلاك ﴿ سَحِيقٍ ﴾ أي بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ جائز أن يكون الذي تقدم ذكره من قوله: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصّة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...

 ﴾ كذا ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...

 ﴾ كذا، قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ﴾ يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأوّل وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ كذلك.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾ كأنّه قال: ومن يعظم حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربّه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات الله خير له ممن لم يعظمها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ ﴾ وهم الأوثان.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ﴾ عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.

وقوله: ﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ ﴾ يحتمل كل قول زور.

ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به.

﴿ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.

وقوله: ﴿ حُنَفَآءَ ﴾ قد ذكرناه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ﴾ تفسير قوله: ﴿ حُنَفَآءَ للَّهِ ﴾ أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالسّاقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهاً: أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ ، ونحو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...

﴾ الآية [النور: 39]، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟

ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟

ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.

والثاني: ضرب مثله بالسّاقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله.

والثالث: [الساقط] من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحّته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم.

وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله: ﴿ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ  ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ ﴾ تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضاً إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.

وقوله: ﴿ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ شَعَائِرَ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك.

وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل ﴿ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ في سورة [المائدة: 2]، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال: سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضاً: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقاً، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.

وقوله: ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ ﴾ أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: فيما ذكر من الشعائر ﴿ مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ، أي: إلى أن تقلد وتهدى، ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ ﴾ إذا قلدت وأهديت ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ .

وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.

ومنهم من قال في قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : إلى وقت محلها من الرّكوب بظهرها، وحلب اللبن، وجزّ الصّوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويَرْوي في ذلك خبراً: "رُوي أنّ نبيّ الله  رأى رجلا ساق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: اركبها ويلك" ، وبه يقول بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ  ﴾ أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.

ثم يكون قوله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ - والله أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: ﴿ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ، والله أعلم.

والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.

وقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ  ﴾ نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ﴾ ، فإنما يطاف به، وقال هنالك: ﴿ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ قال بعضهم: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدّين، وقال: الشريعة.

وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح.

وجائز أن يسمّى في اللغة الذبح: نسكاً، كقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ وهو الذبح، وقوله: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي  ﴾ ، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.

وقوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإن لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعاً، حيث لم يجعل ذكر اسم الله من شرط الذبيحة.

وقوله: ﴿ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ كأنه ذكر قوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ لقوم أنكروا الذبائح، فقال: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد ﴿ فَلَهُ أَسْلِمُواْ ﴾ ، أي: أخلصوا ذلك كله، ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾ قال: المتواضعين.

وقال بعضهم: المطمئنين.

وقال بعضهم الخاشعين.

وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.

ويقال: المخلصين.

وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...

﴾ الآية.

ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمأنينة.

قوله: ﴿ مَنسَكاً ﴾ و (منسِكا)، فيه لغتان: قال الكسائي: من قرأ: (مَنِسكاً) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: ﴿ مَنسَكاً ﴾ بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟

وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.

ولم يختلف في أن معنى قول الله: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى [ذلك] رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : "عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحر" ، وعن علي -  - قال: قال رسول الله  : "كل عرفة موقف، وكل منى منحر" ، وفي بعض الأخبار: "في كل أيام التشريق ذبح" ، وعن علي -  - "أن النبي  أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومني كلها منحر" ، وعن ابن عباس -  - قال: "إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومني مكة" وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: خافت وفرقت؛ خوفاً منه ﴿ وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ ﴾ من المصائب والرزايا ﴿ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.

وقوله: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: من فرائض الله.

وقال الحسن: من دين الله.

والأشبه أن يكون قوله: ﴿ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: من معالم دين الله وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصّت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميّت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.

وظاهر ما روي عن رسول الله  أنه قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هدياً.

وقال بعضهم: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ  ﴾ وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه  "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال له: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: اركبها، فقال: إنها بدنة.

فقال: اركبها ويحك" ، وفي بعض الأخبار: "ويلك"؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ ﴾ دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من شرط جوازها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، فيه لغات ثلاث: إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.

والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.

والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.

وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار.

وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.

وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنّه قال: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَبَتْ ﴾ ، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياماً لا مضطجعة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ و ﴿ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : من سألك؛ هذا قول بعض.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المعروف بالبؤس، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : المتعفف الذي لا يسأل.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : المسكين، و ﴿ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : فقير.

قال بعضهم: ﴿ ٱلْبَآئِسَ ﴾ : الضرير.

و ﴿ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الراضي، وهو من القناعة.

وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، و ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : هو الجالس في بيته، ونحوه.

وقال القتبي: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.

وقال: ﴿ صَوَآفَّ ﴾ ، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائماً على ثلاث قوائم.

يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.

وقوله: ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ ، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتاً، وقال: ﴿ مَنسَكاً ﴾ ، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.

وعن ابن عباس قال: ﴿ ٱلْقَانِعَ ﴾ : الذي يقنع بما أعطيته، ﴿ وَٱلْمُعْتَرَّ ﴾ : الذي يريك نفسه ولا يسأل.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ﴾ أي: البدن التي ذكرناها.

ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين: أحدهما: ﴿ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا ﴾ أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ ﴾ أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: ﴿ وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن نضحوا بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: ﴿ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْمِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ ﴾ قد ذكرنا ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشدّتها وصلابتها.

والثاني: بأن يكون قوله: ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ من أمر الدّين والهدي.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ على وجوه: أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اجتنبوا ذلك مائلين عن كل دين سوى دينه المُرْتَضى عنده، غير مشركين به في العبادة أحدًا، ومن يشرك بالله فكأنما سقط من السماء، فإما أن تخطف الطير لحمه وعظامه، أو تقذفه الريح في مكان بعيد.

<div class="verse-tafsir" id="91.2A9WY"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد