الآية ٤٢ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٤٢ من سورة الحج

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍۢ وَعَادٌۭ وَثَمُودُ ٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 68 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٢ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٢ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مسليا لنبيه محمد في تكذيب من خالفه من قومه " وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح- إلى أن قال - وكذب موسى " أي مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله, وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان, وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله, فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم, فلا يصدنك ذلك, فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك, كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال.

فقد كذبت قبلهم يعني مشركي قريش; قوم نوح, وقوم عاد وثمود.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمودهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعزية ؛ أي كان قبلك أنبياء كذبوا فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين ، فاقتد بهم واصبر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 42 و44 :ـيقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذبك هؤلاء المشركون فلست بأول رسول كذب، وليسوا بأول أمة كذبت رسولها { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ* وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ* وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ } أي: قوم شعيب.{ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ } المكذبين، فلم أعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلتهم، حتى استمروا في طغيانهم يعمهون، وفي كفرهم وشرهم يزدادون، { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } بالعذاب أخذ عزيز مقتدر { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: إنكاري عليهم كفرهم، وتكذيبهم كيف حاله، كان أشد العقوبات، وأفظع المثلات، فمنهم من أغرقه، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أهلك بالريح العقيم، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أرسل عليه عذاب يوم الظلة، فليعتبر بهم هؤلاء المكذبون، أن يصيبهم ما أصابهم، فإنهم ليسوا خيرا منهم، ولا كتب لهم براءة في الكتب المنزلة من الله، وكم من المعذبين المهلكين أمثال هؤلاء كثير

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإن يكذبوك ) يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ، ( فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن يكذبوك» إلى آخره فيه تسليه للنبي صلى الله عليه وسلم «فقد كذبت قبلهم قوم نوح» تأنيث قوم باعتبار المعنى «وعاد» قوم هود «وثمود» قوم صالح.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن يكذبك قومك- أيها الرسول- فقد سبقهم في تكذيب رسلهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب "مدين" الذين كذبوا شعيبًا، وكذَّب فرعون وقومه موسى، فلم أعاجل هذه الأمم بالعقوبة، بل أمهلتها، ثم أخذتُ كلا منهم بالعذاب، فكيف كان إنكاري عليهم كفرهم وتكذيبهم، وتبديل ما كان بهم مِن نعمة بالعذاب والهلاك؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أذن الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين فى القتال ، وبشرهم بالنصر .

.

.

أتبع ذلك بتسليته - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب تكذيب المشركين له ووبخ - سبحانه - أولئك المشركين على عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال - تعالى - : ( وَإِن يُكَذِّبُوكَ .

.

.

) .المعنى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لأن هؤلاء المشركين قد كذبوك فيما جئتهم به من عند ربك ، وأعرضوا عنه ، فإن قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم موسى ، قد كذبوا هؤلاء الأنبياء الكرام ، وما يقال لك من هؤلاء المشركين ، قد قيل للرسل من قبلك .قال - تعالى - : ( كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين ) واستغنى فى عاد وثمود عن ذكر القوم ، لاشتهارهم بهذا الاسم الذى يدل دلالة واضحة على هؤلاء الظالمين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله سبعة منهم.

فإن قيل: ولم قال: ﴿ وَكُذّبَ موسى ﴾ ولم يقل قوم موسى؟

فالجواب: من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه وهم القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله، وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره.

أما قوله تعالى: ﴿ فَأمْلَيْتُ للكافرين ﴾ يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي ثم أخذتهم بالعقوبة ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ استفهام تقرير (ي)، أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب، أليس كان واقعاً قطعاً؟

ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتاً وبالعمارة خراباً؟

ألست أعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض.

فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلابد من الرضاء والتسليم، وإن شق ذلك على القلب.

واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام، فكيف بذلك مع منزلته، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غماً، فأجرى الله عادته بأن يصبره حالاً بعد حال، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا.

وههنا بحث، وهو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما فعل بهم وبقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم.

قال الحسن: السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين: أحدهما: أن عند الله حد (اً) من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني: أن الله لا يعذب قوماً حتى يعلم أن أحداً منهم لا يؤمن، فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم الله أن أحداً منهم لا يؤمن، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله: ﴿ حتى إِذَا استيئس الرسل  ﴾ أي من إجابة القوم، وقوله لنوح: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن  ﴾ وإذا عذبهم الله تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا  ﴾ أي بالعذاب نجينا هوداً، واعلم أن الكلام في هذه المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير؟

قلنا إذا كان رادعاً لغيره وصادعاً له عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيراً.

أما قوله: ﴿ فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قوله: ﴿ فَكَأَيِّن ﴾ فكم على وجه التكثير، وقيل أيضاً معناه، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر، فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل على أن لذلك أمثالاً وإن لم يذكر مفصلاً.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة ﴿ أهلكناها ﴾ بالنون، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ﴿ أهلكتها ﴾ وهو اختيار أبي عبيد لقوله في الآية الأولى ﴿ فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أهلكناها ﴾ أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ما ذكرنا، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية، فيدخل تحت إهلاكها إهلاك من فيها لأن العذاب النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب.

أما قوله وهي: ﴿ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما معنى هذه اللفظة؟

فقال صاحب الكشاف: كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط أو الخالي من خوى المنزل إذا خلا من أهله، فإن فسرنا الخاوي بالساقط، كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرت سقوفها على الأرض، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن الناس مع بقاء عروشها وسلامتها، قال ويمكن أن يكون خبراً بعد خبر، كأنه قيل هي خاوية وهي على عروشها، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة، وبالجملة فالآية دالة على أنها بقيت محلاً للاعتبار.

السؤال الثاني: ما محل هاتين الجملتين من الإعراب.

أعني ﴿ وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ الجواب: الأولى: في محل النصب على الحال والثانية: لا محل لها لأنها معطوفة على (أهلكناها) وهذا الفعل ليس له محل.

قال أبو مسلم: المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية.

أما قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ﴿ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ من أعطله بمعنى معطلة ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان: أحدهما: أنه المجصص لأن الجص بالمدينة يسمى الشيد والثاني: أنه المرفوع المطول، والمعنى أنه تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم بهذا الوصف، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا وارد، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهراً خالياً بلا ساكن، وجعل ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر.

وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت كذلك كانت أدخل في الاعتبار وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ  ﴾ ، والله أعلم بالصواب.

المسألة الثانية: روى أبو هريرة رضي الله عنه أن هذه البئر نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به، ونجاهم الله تعالى من العذاب وهم بحضرموت، وإنما سميت بذلك لأن صالحاً حين حضرها مات، وثم بلدة عند البئر اسمها حاضوراً بناها قوم صالح، وأمروا عليها حاسر بن جلاس وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً، وأرسل الله تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى، وعطل بئرهم وخرب قصورهم، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري، وهذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت.

أما قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية لها حظ عظيم في الاعتبار وكذلك استماع الأخبار فيه مدخل، ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع ألبتة ولو تفكر فيها سمع لانتفع، فلهذا قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور ﴾ كأنه قال لا عمى في أبصارهم فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض ﴾ هل يدل على الأمر بالسفر الجواب: يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن لم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا.

السؤال الثاني: ما معنى الضمير في قوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ والجواب: هذا الضمير ضمير القصة والشأن يجيء مؤنثاً ومذكراً وفي قراءة ابن مسعود ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره الأبصار.

السؤال الثالث: أي فائدة في ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا يكون إلا في الصدر؟

الجواب: أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة، فلما أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت، لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك سهواً، ولكني تعمدته على اليقين.

وعندي فيه وجه آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ  ﴾ وعند قوم أن محل التفكر هو الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر.

السؤال الرابع: هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم هو القلب؟

الجواب: نعم لأن المقصود من قوله: ﴿ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ العلم وقوله: ﴿ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل، فوجب جعل القلب محلاً للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيراً بشبه الأعمى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم تسلية له: لست بأوحدي في التكذيب، فقد كذب الرسل قبلك أقوامهم، وكفاك بهم أسوة.

فإن قلت: لم قيل: ﴿ وَكُذّبَ موسى ﴾ ولم يقل: قوم موسى؟

قلت: لأنّ موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه غير قومه وهم القبط.

وفيه شيء آخر، كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسولهم: وكُذِّبَ موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته، فما ظنك بغيره.

﴿ نَكِيرِ ﴾ التنكير: بمعنى الإنكار والتغيير، حيث أبدلهم بالنعمة محنة، وبالحياة هلاكاً، وبالعمارة خراباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ ﴾ ﴿ وَقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ ﴾ ﴿ وَأصْحابُ مَدْيَنَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهُ  بِأنَّ قَوْمَهُ إنْ كَذَّبُوهُ فَهو لَيْسَ بِأوْحَدِيٍّ في التَّكْذِيبِ، فَإنَّ هَؤُلاءِ قَدْ كَذَّبُوا رُسُلَهم قَبْلَ قَوْمِهِ.

﴿ وَكُذِّبَ مُوسى ﴾ غَيَّرَ فِيهِ النَّظْمَ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ قَوْمَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، ولَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ القِبْطُ ولِأنَّ تَكْذِيبَهُ كانَ أشْنَعَ وآياتِهِ كانَتْ أعْظَمَ وأشْيَعَ.

﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ﴾ فَأمْهَلْتُهم حَتّى انْصَرَمَتْ آجالُهُمُ المُقَدَّرَةُ.

﴿ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِتَغْيِيرِ النِّعْمَةِ مِحْنَةً والحَياةِ هَلاكًا والعِمارَةَ خَرابًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإن يكذبوك} هذه تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم من تكذيب أهل مكة إياه أي لست باوحدى فى

الحج (٤٦ - ٤٢)

التكذيب {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} قبل قومك {قَوْمُ نُوحٍ} نوحاً {وَعَادٌ} هوداً {وَثَمُودُ} صالحاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ ﴾ ﴿ وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ ﴾ ﴿ وأصْحابُ مَدْيَنَ ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  وصِيغَةُ المُضارِعِ في الشَّرْطِ مَعَ تَحَقُّقِ التَّكْذِيبِ لِما أنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى التَّكْذِيبِ مِنَ الحُزْنِ المُتَوَقَّعِ أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ وإلْحاقُ (كَذَّبَ ) تاءُ التَّأْنِيثِ لِأنَّ الفاعِلَ وهو ( قَوْمُ ) اسْمُ جَمْعٍ يَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وتَأنِيثُهُ ولا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِالأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ ومَن تَبِعَهُ، وفي اخْتِيارِ التَّأْنِيثِ حَطٌّ لِقَدْرِ المُكَذِّبِينَ ومَفْعُولُ كَذَّبَ مَحْذُوفٌ لِكَمالِ ظُهُورِ المُرادِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ واسْتَغْنى في عادٍ وثَمُودَ عَنْ ذِكْرِ القَوْمِ لِاشْتِهارِهِمْ بِهَذا الِاسْمِ الأخْصَرِ والأصْلُ في التَّعْبِيرِ العِلْمُ فَلِذا لَمْ يَقُلْ قَوْمُ صالِحٍ وقَوْمُ هُودٍ ولا عِلْمَ لِغَيْرِ هَؤُلاءِ، ولَمْ يَقُلْ وقَوْمُ شُعَيْبٍ قِيلَ لِأنَّ قَوْمَهُ المُكَذِّبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هم هَؤُلاءِ دُونَ أهْلِ الأيْكَةِ لِأنَّهم وإنْ أُرْسِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُ أجْنَبِيُّونَ، وتَكْذِيبُ هَؤُلاءِ أيْضًا أسْبَقُ وأشَدُّ، والتَّخْصِيصُ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ أيْ وإنْ يُكَذِّبْكَ قَوْمُكَ فاعْلَمْ أنَّكَ لَسْتَ بِأوْحَدِيٍّ في ذَلِكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَ تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ قَوْمُ نُوحٍ إلَخْ ﴿ وكُذِّبَ مُوسى ﴾ المُكَذِّبُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هُمُ القِبْطُ ولَيْسُوا قَوْمَهُ بَلْ قَوْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَنُو إسْرائِيلَ ولَمْ يُكَذِّبُوهُ بِأسْرِهِمْ ومَن كَذَّبَهُ مِنهم تابَ إلّا اليَسِيرَ وتَكْذِيبُ اليَسِيرِ مِنَ القَوْمِ كَلا تَكْذِيبَ ألا تَرى أنَّ تَصْدِيقَ اليَسِيرِ مِنَ المَذْكُورِينَ قَبْلُ عُدَّ كَلا تَصْدِيقَ ولِهَذا لَمْ يَقُلْ وقَوْمُ مُوسى كَما قِيلَ: ( قَوْمُ نُوحٍ وقَوْمُ إبْراهِيمَ ) وأمّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ والقِبْطُ بَلْ أُعِيدَ الفِعْلُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ فَلِلْإيذانِ بِأنَّ تَكْذِيبَهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غايَةِ الشَّناعَةِ لِكَوْنِ آياتِهِ في كَمالِ الوُضُوحِ ﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ﴾ أيْ أمْهَلْتُهم حَتّى انْصَرَمَتْ حِبالُ آجالِهِمْ والفاءُ لِتَرْتِيبِ إمْهالِ كُلِّ فَرِيقٍ مِن فِرَقِ المُكَذِّبِينَ عَلى تَكْذِيبِ ذَلِكَ الفَرِيقِ لا لِتَرْتِيبِ إمْهالِ الكُلِّ عَلى تَكْذِيبِ الكُلِّ.

ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ العائِدِ عَلى المُكَذِّبِينَ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والتَّصْرِيحُ بِمُكَذِّبِي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ لَمْ يُذْكَرُوا فِيما قَبْلُ تَصْرِيحًا ﴿ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ ﴾ أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِن فَرِيقِ المُكَذِّبِينَ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ إمْلائِهِ وإمْهالِهِ.

والأخْذُ كِنايَةً عَنِ الإهْلاكِ ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أيْ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِتَغْيِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ والنِّعْمَةِ وعِمارَةِ البِلادِ وتَبْدِيلِهِ لِضِدِّهِ فَهو مَصْدَرٌ مِن نَكَرْتُ عَلَيْهِ إذا فَعَلْتَ فِعْلًا يَرْدَعُهُ بِمَعْنى الإنْكارِ كالنَّذِيرِ بِمَعْنى الإنْذارِ.

وياءُ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْها مَحْذُوفَةٌ لِلْفاصِلَةِ وأثْبَتَها بَعْضُ القُرّاءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ فَما أشَدَّ ما كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ، وفي الجُمْلَةِ إرْهابٌ لِقُرَيْشٍ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ، يعني: إن يكذبوك يا محمد أهل مكة، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني: قبل قومك.

قَوْمُ نُوحٍ كذبوا نوحاً، وَعادٌ كذبت هوداً، وَثَمُودُ كذبوا صالحاً، وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ كذبوا إبراهيم، وَقَوْمُ لُوطٍ كذبوا لوطاً وَأَصْحابُ مَدْيَنَ كذبوا شعيباً، وَكُذِّبَ مُوسى يعني: كذبه قومه.

فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ يعني: أمهلتهم.

ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ يعني: عاقبتهم بعد المهل بالعذاب.

فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ؟

يعني: كيف رأيت تغييري عليهم وإنكاري؟

يعني: أليس قد وجدوا حقاً؟

فكذلك كفار مكة تصيبهم العقوبة، كما أصابهم.

ثم قال عز وجل: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ، يعني: وكم من أهل قرية أَهْلَكْناها، يعني: أهلكنا أهلها، وَهِيَ ظالِمَةٌ أي: كافرة.

فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، يعني: ساقطة حيطانها على سقوفها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، يعني: خالية ليس عندها ساكن، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ يعني: طويلاً في السماء.

ويقال: معناه، كم من بئر معطلة، عطلها أربابها وليس عليها أحد يستقي، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ يعني: كم من حصن طويل مشيد ليس فيه ساكن.

ويقال: المشيد هو المبنى بالشدّ وهو الجص، وهو المشيد سواء، أي المطول.

قرأ أبو عمرو: أهلكتها بالتاء، وقرأ الباقون: أَهْلَكْناها بلفظ وهو الجماعة، وقرأ نافع في رواية ورش، وأبو عمرو في إحدى الروايتين وَبِئْرٍ بالتخفيف، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالهمز، وهي اللغة المعروفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أمكن ما هي في الملوك.

وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ: تَوَعُّدٌ للمخالف عن هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مكن.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ: يعني: قريشاً، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى ...

الآية: فيها وعيد لقريش، وفَأَمْلَيْتُ معناه: أمهلتُ، والنكير مصدر بمعنى الإنكار.

[وقوله] «١» : «وبير معطلة» قيل: هو معطوف على العروش، وقيل: على القرية وهو أصوب.

ثم وَبَّخَهُمْ تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وهذه الآية تقتضي أَنَّ العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا يُنْكَرُ أَنَّ للدماغ اتصالاً بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ.

وقوله: فَتَكُونَ: نصب بالفاء في جواب الاستفهام صُرِفَ الفعلُ من الجزم إلى النصب.

وقوله سبحانه: فَإِنَّها لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عَمَى العين، وإنما العمى كُلَّ العمى عَمَى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى، ولكن المقصود ما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِالعَذابِ، ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في " نَكِيرِ " يَعْقُوبُ [ في الحالَيْنِ ]، ووافَقَهُ ورْشٌ في إثْباتِها في الوَصْلِ، والمَعْنى: كَيْفَ [ أنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالإهْلاكِ والمَعْنى: إنِّي ] أنْكَرْتُ عَلَيْهِمْ أبْلَغَ إنْكارٍ، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهْلَكْناها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( أهْلَكْتُها ) بِالتّاءِ، والباقُونَ: ( أهْلَكْناها ) بِالنُّونِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، [ وعاصِمٌ ]، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وبِئْرٍ ) مَهْمُوزٌ.

ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ، والمَعْنى: وكَمْ بِئْرٍ مُعَطِّلَةٍ؛ أيْ: مَتْرُوكَةٍ.

﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مُجَصَّصٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الشِّيدِ: الجِصُّ والنُّورَةُ، وكُلُّ ما بُنِيَ بِهِما أوْ بِأحَدِهِما فَهو مَشِيدٌ.

والثّانِي: طَوِيلٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وفي الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَصْرٌ مُشَيَّدٌ مُعَطَّلٌ أيْضًا لَيْسَ فِيهِ ساكِنٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ ﴾ ﴿ وَقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ ﴾ ﴿ وَأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ هَؤُلاءِ خاصَّةً مُكِّنُوا في الأرْضِ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ المَذْكُورِينَ في صَدْرِ الآيَةِ، والعُمُومُ في هَذا كُلِّهِ أبْيَنُ، ويَتَّجِهُ الأمْرٌ في جَمِيعِ الناسِ، وإنَّما الآيَةُ آخِذَةٌ عَهْدًا عَلى كُلِّ مَن مَكَّنَهُ اللهُ تَعالى، كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما مُكِّنَ، فَأمّا الصَلاةُ والزَكاةُ فَكُلٌّ مَأْخُوذٌ بِإقامَتِها، وأمّا الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَكَلٌّ بِحَسْبَ قُوَّتِهِ، والآيَةُ أمْكَنَ ما هي في المُلُوكِ، والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ يَعُمّانِ الإيمانَ والكُفْرَ فَما دُونَهُما.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ  خاصَّةً مِنَ الناسِ، وهَذا عَلى أنَّ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "يُقاتَلُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو عَلى أنَّ "الَّذِينَ" تابِعٌ لِـ "مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مَن يَنْصُرُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾ تَوَعُّدٌ لِلْمُخالِفِ عن هَذِهِ الأوامِرِ الَّتِي تَقْتَضِيها الآيَةُ لِمَن مُكِّنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يُكَذِّبُوكَ ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا، وهَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ  ووَعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مَثَّلَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ.

وأسْنَدَ فِعْلًا فِيهِ عَلامَةَ التَأْنِيثِ إلى "قَوْمٌ" مِن حَيْثُ أرادَ والقَبِيلَةَ لِيَطَّرِدَ القَوْلَ في عادٍ وثَمُودٍ، وقَوْمُ نُوحٍ هم أوَّلُ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ نَبِيَّها، ثُمْ أسْنَدَ التَكْذِيبَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَن لَمْ يُسَمَّ فاعِلَهُ مِن حَيْثُ لَمْ يُكَذِّبُهُ قَوْمُهُ بَلْ كَذَّبَهُ القِبْطُ وقَوْمُهُ مُؤْمِنُونَ بِهِ.

و"أمْلَيْتُ" مَعْناهُ: أمْهَلَتْ، وكَأنَّ الإمْهالَ أنَّ تُمْهِلَ مَن تَنْوِي فِيهِ المُعاقَبَةَ وأنْتَ في حَيِّزِ إمْهالِكِ عالِمْ بِفِعْلِهِ.

و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالغَدِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ والإعْذارِ، وهو في هَذِهِ المَصادِرِ بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: فَكَما فَعَلَتْ بِهَذِهِ الأُمَمِ كَذَلِكَ أفْعَلُ بِقَوْمِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما نعى على المشركين مساويَهم في شؤون الدين بإشراكهم وإنكارهم البعث وصدّهم عن الإسلام وعن المسجد الحرام وما ناسب ذلك في غرضه من إخراج أهله منه، عُطف هنا إلى ضلالهم بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فقُصد من ذلك تسليّةُ الرسول صلى الله عليه وسلم وتمثيلُهم بأمثال الأمم التي استأصلها الله، وتهديدهم بالمصير إلى مصيرهم، ونظير هذه الآية إجمالاً وتفصيلاً تقدم غير مرة في سورة آل عمران وغيرها.

وجواب الشرط محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ فقد كذبت قبلهم ﴾ الخ إذ التقدير: فلا عجب في تكذيبهم، أو فلا غضاضة عليك في تكذيب قومك إياك فإن تلك عادة أمثالهم.

وقوم إبراهيم هم الكلدان، وأصحاب مَدْين هم قوم شُعيب، وإنما لم يعبّر عنهم بقوم شُعيب لئلا يتكرر لفظ قَوم أكثر من ثلاث مرات.

وقال: ﴿ وكذب موسى ﴾ لأن مُكذّبيه هم القبط قوم فرعون ولم يكذبه قومه بنو إسرائيل.

وقوله: ﴿ فأمليتُ للكافرين ﴾ معناه فأمليت لهم، فوُضع الظاهر موضع الضمير للإيماء إلى أن علة الإملاء لهم ثم أخذِهم هو الكفر بالرسُل تعريضاً بالنذارة لمشركي قُريش.

والأخذ حقيقته: التناول لِما لم يكن في اليد، واستعير هنا للقدرة عليهم بتسليط الإهلاك بعد إمهالهم، ومناسبة هذه الاستعارة أن الإملاء لهم يشبه بعد الشيء عن متناوله فشبّه انتهاءُ ذلك الإملاء بالتناول، شبه ذلك بأخذ الله إياهم عنده، لظهور قدرته عليهم بعد وعيدهم، وهذا الأخذ معلوم في آيات أخرى عدا أن قوم إبراهيم لم يتقدم في القرآن ذكر لعذابهم أو أخذهم سوى أن قوله تعالى في [سورة الأنبياء: 70] ﴿ وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين ﴾ مشير إلى سُوءِ عاقبتهم مما أرادوا به من الكيد، وهذه الآية صريحة في ذلك كما أشرنا إليه هنالك.

ومناسبة عَدّ قوم إبراهيم هنا في عداد الأقوام الذين أخذهم الله دون الآيات الأخرى التي ذُكر فيها من أُخذوا من الأقوام، أنّ قوم إبراهيم أتمّ شبهاً بمشركي قُريش في أنهم كذبوا رسولهم وآذوه.

وألجأوه إلى الخروج من موطنه ﴿ وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ﴾ [الصافات: 99].

فكان ذكر إلجاء قريش المؤمنين إلى الخروج من موطنهم في قوله: ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ﴾ [الحج: 40] مناسبةٌ لذكر قوم إبراهيم.

والإملاءُ: ترك المتلبّس بالعِصيان دون تعجيل عقوبته وتأخيرها إلى وقت متأخر حتى يحسب أنه قد نَجا ثم يؤخذ بالعقوبة.

والفاء في ﴿ فأمليت للكافرين ﴾ للتعقيب دلالة على أن تقدير هلاكهم حاصل من وقت تكذيبهم وإنما أُخر لهم، وهو تعقيب موزع، فلكل قوم من هؤلاء تعقيبُ إملائه، والأخذ حاصل بعد الإملاء بمهلة، فلذلك عطف فعلُه بحرف المهلة.

وعطفت جملة ﴿ فكيف كان نكير ﴾ بالفاء لأنّ حق ذلك الاستفهام أن يحصل عند ذكر ذلك الأخذ، وهو استفهام تعجيبي، أي فأعْجَب من نكيري كيف حصل.

ووجه التعجيب منه أنهم أبدلوا بالنعمة مِحنة، وبالحياة هلاكاً، وبالعمارة خراباً فهو عبرة لغيرهم.

والنكير: الإنكار الزجري لتغيير الحالة التي عليها الذي يُنكَر عليه: و ﴿ نكيرِ ﴾ بكسرة في آخره دالة على ياء المتكلم المحذوفة تخفيفاً.

وكأنّ مناسبة اختيار النكير في هذه الآية دون العذاب ونحوه أنه وقع بعد التنويه بالنهي عن المنكر لينبه المسلمين على أن يبذلوا في تغيير المنكر منتهى استطاعتهم، فإن الله عاقب على المنكر بأشد العقاب، فعلى المؤمنين الائتساء بصنع الله، وقد قال الحكماء: إنّ الحكمة هي التشبه بالخالق بقدر ما تبلغه القوة الإنسانية، وفي هذا المجال تتسابق جياد الهمم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي خالِيَةً مِن أهْلِها لِهَلاكِها.

والثّانِي: غائِرَةِ الماءِ.

والثّالِثُ: مُعَطَّلَةٍ مِن دَلالَتِها وأرْشِيَتِها.

﴿ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَشِيدَ الحَصِينُ وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ ولا أُطُمًا إلّا مُشِيرًا بِجَنْدَلٍ والثّانِي: أنَّ المَشِيدَ الرَّفِيعُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْ ∗∗∗ سًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ والثّالِثُ: أنَّ المَشِيدَ المُجَصَّصُ، والشِّيدَ الجِصُّ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ ومِنهُ قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وَفِي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وقَصْرٌ مَشِيدٌ مِثْلُها مُعَطَّلٌ، وقِيلَ إنَّ القَصْرَ والبِئْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مِن أرْضِ اليَمَنِ مَعْرُوفانِ، وقَصْرِ مُشْرِفٍ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ ولا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرَ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابَ القُصُورِ مَلُّوكُ الحَضَرِ، وأصْحابَ الآبارِ مُلُوكُ البَوادِي، أيْ فَأهْلَكْنا هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: عَلى أنَّ العَقْلَ عِلْمٌ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَلَّهُ القَلْبُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْمَلُونَ بِها، لِأنَّ الأعْيُنَ تُبْصِرُ والقُلُوبَ تُصَيِّرُ.

﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ أيْ يَفْقَهُونَ بِها ما سَمِعُوهُ مِن أخْبارِ القُرُونِ السّالِفَةِ.

﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ عَنِ الهُدى ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ عَنِ الِاهْتِداءِ.

والثّانِي: فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ عَنِ الِاعْتِبارِ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ عَنِ الِادِّكارِ.

قالَ مُجاهِدٌ: لِكُلِّ إنْسانٍ أرْبَعُ أعْيُنٍ: عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِآخِرَتِهِ، فَإنْ عَمِيَتْ عَيْنا رَأْسِهِ وأبْصَرَتْ عَيْنا قَلْبِهِ لَمْ يَضُرَّهُ عَماهُ شَيْئًا، وإنْ أبْصَرَتْ عَيْنا رَأْسِهِ وعَمِيَتْ عَيْنا قَلْبِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ نَظَرُهُ شَيْئًا.

قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زائِدَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ أي من مكة إلى المدينة ﴿ بغير حق ﴾ يعني محمداً- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عثمان بن عفان قال: فينا نزلت هذه الآية ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ﴾ والآية بعدها أخرجنا من ديارنا ﴿ بغير حق ﴾ ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، فهي لي ولأصحابي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ثابت بن عوسجة الخضيري قال: حدثني سبعة وعشرون من أصحاب علي وعبدالله، منهم لاحق بن الأقمر، والعيزار بن جرول، وعطية القرظي أن علياً قال: إنما نزلت هذه الآية في أصحاب محمد ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قال: لولا دفع الله بأصحاب محمد عن التابعين، لهدمت صوامع.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ بغير الألف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ .

قال: لولا القتال والجهاد.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في الآية.

قال: دفع المشركون بالمسلمين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: منع بعضهم ببعض في الشهادة وفي الحق، وفيما يكون مثل هذا يقول: لولا هذا لهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لهدّمت صوامع ﴾ .

قال: الصوامع التي تكون فيها الرهبان، والبيع مساجد اليهود، وصلوات كنائس النصارى، والمساجد مساجد المسلمين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن ابن عباس قال: البيع بيع النصارى، وصلوات كنائس اليهود.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: صلوات كنائس اليهود يسمون الكنيسة صلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عاصم الجحدري أنه قرأ ﴿ وصلوات ﴾ قال: الصلوات دون الصوامع.

قال: وكيف تهدم الصلاة!

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية قال: البيع بيع النصارى، والصلوات: بيع صغار للنصارى.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في الآية قال: صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات مساجد الصابئين: يسمونها بصلوات.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ صوامع ﴾ قال: هي للصابئين وبيع للنصارى، وصلوات كنائس اليهود، ومساجد للمسلمين.

وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية.

قال: الصوامع صوامع الرهبان، وبيع كنائس وصلوات ومساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: وصلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو.

تنقطع العبادة من المساجد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ يعني في كل مما ذكر، من الصوامع.

والصلوات والمساجد يقول: في كل هذا يذكر اسم الله، ولم يخص المساجد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض ﴾ قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض ﴾ قال: هم الولاة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض ﴾ قال: أرض المدينة ﴿ أقاموا الصلاة ﴾ قال: المكتوبة.

﴿ وآتوا الزكاة ﴾ قال: المفروضة ﴿ وأمروا بالمعروف ﴾ بلا إله إلا الله ﴿ ونهوا عن المنكر ﴾ قال: الشرك بالله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ قال: وعند الله ثواب ما صنعوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في الآية.

قال: كان أمرهم بالمعروف، أنهم دعوا إلى الله وحده، وعبادته لا شريك له، وكان نهيهم أنهم نهوا عن عبادة الشيطان.

وعبادة الأوثان.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض ﴾ قال: هذا شرط الله على هذه الأمة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم عزى نبيه -  - عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك (١) ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكُذِّبَ مُوسَى ﴾ \[قال بعض أهل المعاني.

إنما قال: ﴿ وَكُذِّبَ مُوسَى ﴾ ،\] (٢) (٣) (٤) وقوله: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم (٥) يقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله (٦) (٧) وذكرنا هذا عنِد قوله ﴿ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا  ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ أي: بالعذاب.

قال ابن عباس: يريد: فعذبتهم (٨) ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار.

يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة.

ألم أبدلهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة (٩) (١٠) وقال أبو إسحاق: أي: ثم أخذتهم، فأنكرت أبلغ إنكار (١١) (١) في (ظ): (وأهلك).

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ط).

(٣) في (أ): (ذكره).

(٤) ذكر القرطبي 12/ 73 وأبو حيان 6/ 376 هذا المعنى، ولم ينسباه لأحد.

(٥) انظر الطبري 17/ 179، والثعلبي 3/ 54 أ.

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 405 (ملا)، "الصحاح" للجوهري 6/ 2497 (ملا).

(٧) الملوان: اللفعل والنهار، أو طرفاهما.

انظر: "الصحاح" للجوهري 6/ 249، (ملا)، و"لسان العرب" لابن منظور 15/ 291 "ملا".

(٨) في (أ): (تعذيبهم).

(٩) في (ج): (والكثرة).

(١٠) هذا كلام الطبري 17/ 179 مع تصرف.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 431.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ الآية ضمير الفاعل لقريش، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية له والوعيد لهم ﴿ نَكِيرِ ﴾ مصدر بمعنى الإنكار ﴿ على عُرُوشِهَا ﴾ العروش السقف فإن تعلق الجار بخاوية: فالمعنى أن العروش سقطت ثم سقطت الحيطان عليها فهي فوقها، وإن كان الجار والمجرور في موضع الحال: فالمعنى أنها خاوية مع بقاء عروشها ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ أي لا يُسقى الماء منها لهلاك أهلها، ورُوي أن هذا البئر هي الرس، وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود، والأظهر أنه لم يرد التعيين، لقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ﴾ وهذا اللفظ يراد به التكثير ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ أي مبنى بالشيد وهو الجص، وقيل: المشيد المرفوع البنيان ﴿ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ ﴾ دليل على أن العقل في القلب، خلافاً للفلاسفة في قولهم: العقل في الدماغ ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ﴾ أي لا تعمى الأبصار عمى يعتد به، وإنما العمى الذي يعتد به عمى القلوب، وإن هؤلاء القوم ما عميت أبصارهم ولكن عميت قلوبهم، فالمعنى الأول لقصد المبالغة، والثاني خاص بهؤلاء القوم ﴿ التي فِي الصدور ﴾ مبالغة كقوله: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم ﴾ [آل عمران: 167].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ نكيري ﴾ بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب.

وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أهلكتها ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون ﴿ أهلكناها ﴾ ﴿ وبير ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف.

﴿ يعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو.

ثم ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ابن عامر ﴿ وأن ما يدعون ﴾ بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الوقوف: ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ ولوط ﴾ ه ﴿ مدين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ أخذتهم ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ مشيد ﴾ ه ﴿ يسمعون بها ﴾ ه للابتداء بأن مع الفاء ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ وعده ﴾ ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ أخذتها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للابتداء مع الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أمنيته ﴾ ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه لا ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يرضونه ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ج ﴿ لينصرنه الله ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ز لنوع عدول مع العطف ﴿ مخضرة ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ضمان النصر لنبيه  والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف.

قال جار لله.

إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟

والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.

قوله ﴿ وهي ظالمة فهي خاوية ﴾ الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ﴿ أهلكناها ﴾ وهذه ليس لها محل.

قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية  ﴾ قوله ﴿ وبئر معطلة ﴾ عطف على ﴿ قرية ﴾ أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟

فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها.

وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله ﴿ على عروشها ﴾ بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف.

وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب.

يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم.

يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟

قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى.

ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً ﴿ أفلم يسيروا ﴾ حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا.

ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون  ﴾ والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال ﴿ فإنها ﴾ أي إن القصة ﴿ لا تعمى الأبصار ﴾ أي أبصارهم ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ فإنها ﴾ ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل ﴿ تعمى ﴾ ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم.

والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.

وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة.

ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً.

وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.

وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله ﴿ فكيف كان نكير ﴾ ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي.

ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل ﴿ يا ايها الناس ﴾ وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس.

قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.

قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها.

والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال ﴿ والذين سعوا في آياتنا ﴾ أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً.

قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه.

والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم.

ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة.

"عن النبي  أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟

قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً" .

قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه  لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم.

وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة { ﴿ والنجم إذا هوى  ﴾ فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى  ﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله  في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله  وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله  هذه الآية.

واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول.

أما القرآن فكقوله ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ وقوله ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وقوله { ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن  ﴾ نفى القرب من الركون فكيف به؟

وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.

هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.

وقد روى البخاري في صحيحه أنه  قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.

وأما المعقول فهو أن النبي  بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟

وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص.

وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر.

وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه.

وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله ﴿ بلغ ما أنزل إليك  ﴾ وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه.

إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني  ﴾ وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى".

وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها.

وكيف وقعت؟

ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد.

وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول.

وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي.

قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله  ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته.

وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه  كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان.

وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس.

وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله  ﴿ إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً.

ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.

وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.

والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث.

والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي.

وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.

أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق.

القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله  ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق.

وما تلك الوسوسة؟

قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده.

وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث.

وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله  إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات.

وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله  يثبته على ذلك نظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله  ﴾ واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟

وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي.

والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم.

وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان.

ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم.

وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك.

فقلت "تلك الغرانيق" الخ.

وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله  له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين.

فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية.

وأما قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة.

ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية.

وقوله ﴿ وإن الظالمين ﴾ أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة.

وأعلم أنه  ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله ﴿ وليجعل ﴾ الآية.

وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن.

وعن الكلبي: أي النسخ.

قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير.

﴿ فتخبت ﴾ تخضع وتطمئن ﴿ له قلوبهم ﴾ بناء على أصلي الفريقين.

والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول.

قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر.

ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم.

قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء.

وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة.

ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير.

واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً.

ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد.

سلمنا أنه للعطف على ﴿ تأتيهم ﴾ إلا أن اللام في ﴿ الذين كفروا ﴾ للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.

ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار.

ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف.

يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله  قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ﴾ قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر.

ولا يبعد حمل الآية على الفريقين.

والرزق الحسن نعيم الجنة.

وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال.

وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً  ﴾ وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت.

قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق.

ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير.

وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد.

وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله  قال "المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان" فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية.

وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم.

قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع.

وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم.

وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿ وإن الله لعليم ﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿ حليم ﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.

ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ﴿ ذلك ﴾ قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا.

عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ ومن عاقب ﴾ أي قاتل ﴿ بمثل ما عوقب به ﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.

ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة.

وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.

واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه.

وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله  ﴾ وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور.

ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح.

ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.

ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران.

وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم.

ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ﴿ ذلك ﴾ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان.

ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً.

وإنما قال ههنا ﴿ من دونه هو الباطل ﴾ بزيادة هو وفي "لقمان" ﴿ من دونه الباطل  ﴾ لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله ﴿ وإن الله لهو الغني الحميد ﴾ بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا.

ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال ﴿ الم تر ﴾ قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات.

وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها.

وفي قوله ﴿ فتصبح ﴾ دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ ﴿ أنزل ﴾ إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له".

ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع.

وإنما لم ينصب ﴿ فتصبح ﴾ جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر.

إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه.

وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام".

ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها.

وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

التأويل: ﴿ وكأين من قرية ﴾ قالب ﴿ أهلكناها ﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة.

﴿ وبئر معطلة ﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿ وقصر مشيد ﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿ أفلم يسيروا ﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الرحمن بذاته ﴿ أو آذان ﴾ قلوب ﴿ يسمعون بها ﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله.

وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿ أمليت لها ﴾ فيه انه  يمهل ولنه لا يهمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: لا تنكرن جحدي هواك فإنما *** ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني.

والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ فيه أن النبي  بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿ والذين هاجروا ﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ ثم قتلوا ﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿ أو ماتوا ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ليرزقهم الله رزقاً حسناً ﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان.

ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال  "ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ومن عاقب ﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿ بمثل ﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿ لينصرنه الله ﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿ إن الله لعفوّ ﴾ لما سلف ﴿ غفور ﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية.

﴿ يولج ﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿ أنزل من ﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿ فتصبح ﴾ أرض البشرية ﴿ مخضرة ﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ...

﴾ الآية.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين، والثبوت على الدين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر، أو نحوه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ في الرسالة وفيما تخبر عن الله من الأخبار، يصبر رسوله: لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة، وهو ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...

﴾ الآية [هود: 120].

وقوله: ﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي: لم يعاقب الله قوماً كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب عنهم، وزاد لهم تكذيباً وعناداً، فعند ذلك أخذوا، وعوقبوا بالتكذيب، وهو ما أخبر عنهم، وهو كقوله: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ  ﴾ .

قال الحسن: إن الله لم يهلك قوماً بأول التكذيب، ولكن أمهلهم قرناً فقرنا، وقوما بعد قوم، ورسولا بعد رسول، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم على ظهور وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ علم ظهور في الخلق، وإن كان يعلم علم باطن وخفي.

وقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ ، لم يهلك الله  أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك، كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ  ﴾ ، وأمثاله كثير، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان فهي خاوية على عروشها.

وقال بعضهم: خاوية: خربة، ساقطة حيطانها على سقوفها.

وقال الحسن: العريش: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، يقال: عرش، وعروش جمع، وهكذا كان ما أهلك الله من القرى: منها: ما أهلك أهلها وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها، من ذلك فرعون وقومه، وغيره من الأقوام.

ومنها: ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئاً، من نحو قريات لوط وثمود وهؤلاء.

وقال بعضهم: العرش: هي أجذام الشجر، وكأنها أسطوانة، وأصل الخاوية: خلاؤها عن الأهل، وكذلك قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ عطلها أهلها، ليس بها أحد، لا أنها خربت على [ما] ذكرنا من إهلاك أهلها.

وقوله: ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : مجصص، والشيد: الجصّ.

وقال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : أي: مرتفع، والمُشَيَّد - بالتشديد -: المطول المرتفع.

قال القتبي: المشِيد: المبني بالشيد، وهو الجصّ، والمشَيَّد: المطول، ويقال: هما سواء، وهو مطول.

وكذلك قال أبو عوسجة أو قريباً، وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين: أحدهما: أن كانت لهم قرية فيها قصور مشيدة محصّنة يتحصنون بها، يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا، فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك.

أو أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم وإن كنتم آمنين فينزل بكم ما نزل بأولئك، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً...

﴾ الآية [النحل: 112]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هلا ساروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها فينظروا؛ ليعرفوا ما حلّ بأولئك بالتكذيب؛ فيمتنعون عنه، ﴿ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ أي: يسيروا فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم، وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؛ لأن ما حل بالأولين إنما يعرف ذلك بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر إليهم، وإمّا بالسماع من الأخبار.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم تكن لهم قلوب - عقول أو أفهام - يعقلون بها ما نزل بأولئك بالتكذيب فيعتبروا بذلك، ولا كانت لهم آذان يستمعون ما حل بهم، أي: كانت لهم عقول يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السّماع، لكنهم لما لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم نفى ذلك عنهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ ﴾ الظاهرة، ﴿ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ وهو ما نفى عنهم السمع والبصر؛ لتركهم الانتفاع بها ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: هذه الآية في شأن عبد الله بن زائدة ابن أم مكتوم الأعمى، معناه: أن العمى عمى القلب، ليس عمى البصر، وهو كان أعمى البصر، لا أعمى القلب، هذا معناه إن ثبت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: لن يخلف الله وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي: ينزل بهم، لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل - نحو ابن عباس والضحاك ومجاهد وهؤلاء -: إنها هي الأيام التي خلق الله فيها الدنيا وجعلها أجلا لها، يعدّ كل يوم من تلك الأيام كألف سنة، وإلى هذا صرف عامة أهل التأويل، فلا نعلم لذلك وجهاً.

وقال بعضهم: وإن يوماً عند ربكّ من عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا، اليوم الواحد ألف سنة.

ووجه هذا: أن الوقت القصير القليل يجوز أن يصير مديداً طويلا؛ لشدّة العذاب والبلاء، نحو ما قيل لهم: ﴿ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ قصر مقامهم في الدنيا؛ لشدة ما عاينوا من العذاب، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وجائز أن يكون هذا لا للتوقيت والمدّة؛ إذ الآخرة ممّا لا غاية لانتهائها، وكل شيء لا غاية لانتهائه، فذكر الوقت له يخرج مخرج التمثيل لا التوقيت، كقوله: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ليس على التحديد لها والتوقيت، ولكن على ما خرج عن الأوهام ذكر ذلك ومثلها به، فعلى ذلك الاوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ أي ﴿ أَمْلَيْتُ لَهَا ﴾ : لم آخذها وقت ظلمهم ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهَا ﴾ من بعد ﴿ وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم ومعاصيهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ قال بعضهم: سماه رزقا كريماً؛ لأن من رزق ذلك وأعطي يكرم ويعظم قدره.

وقال بعضهم: سماه: كريماً؛ لأن الكريم هو الذي يقضى عنده الحوائج والحاجات؛ فعلى ذلك هو الرزق من ناله وأصابه قضى عنده الحوائج؛ لذلك سمي: كريماً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ في بعض القرآن: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : مثبِّطين مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع الشيء.

والأشبه - عندنا - أن يكون قوله: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : سابقين فائتين، لكنه على الإضمار، كأنّه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ على ظن منهم أنّهم سابقون فائتون عن عذابه ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن يكذبك -أيها الرسول- قومك، فاصبر فلست أول من كذبه قومه من الرسل، فقد كذب قبل قومك قومُ نوح نوحًا, كذبت عادٌ هودًا، وثمو صالحًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.D8pZy"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده