الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٥٣ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 152 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٣ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
" ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد " فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم المسلمين واشتدوا عليهم وهذا أيضا مرسل وفي تفسير ابن جرير عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة فلم يجز به موسى بن عقبة ساقه من مغازيه بنحوه قال وقد رواه عن أبي إسحاق هذه القصة " قلت "وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا وكلها مرسلات ومنقطعات والله أعلم وقد ساقها البغوي في تفسره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك ثم سأل ههنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلاة الله وسلامه عليه ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك في نفس الأمر بل.
إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن والله أعلم.
وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء لهذا وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها وقوله " إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أي لا يهيدنك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء قال البخاري قال ابن عباس " في أمنيته " إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان " ثم يحكم الله آياته " قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " يقول إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه وقال مجاهد " إذا تمنى " يعني إذا قال يقال أمنيته قراءته " إلا أماني " يقرءون ولا يكتبون قال البغوي وأكثر المفسرين قالوا معنى قوله " تمنى " أي تلا وقرأ كتاب الله " ألقى الشيطان في أمنيته " أي في تلاوته قال الشاعر في عثمان حين قتل: تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر وقال الضحاك " إذا تمنى " إذا تلا قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام وقوله " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " حقيقة النسخ لغة:الإزالة والرفع قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي فيبطل الله سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان وقال الضحاك نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وقوله " والله عليم " أي بما يكون من الأمور والحوادث لا تخفى عليه خافية " حكيم " أي في تقديره وخلقه وأمره له الحكمة التامة والحجة البالغة ولهذا قال " ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض " أي شك وشرك وكفر ونفاق كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند الله وإنما كان من الشيطان قال ابن جريج " الذين في قلوبهم مرض " هم المنافقون " والقاسية قلوبهم " هم المشركون وقال مقاتل بن حيان هم اليهود " وإن الظالمين لفي شقاق بعيد " أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد أي من الحق والصواب.
يقول تعالى ذكره: فينسخ الله ما يلقي الشيطان, ثُم يُحكم الله آياته, كي يجعل ما يلقي الشيطان في أمنية نبيه من الباطل, كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: تلك الغرانيق العلى, وإن شفاعتهن لترتجى فتنة يقول: اختبارا يختبر به الذين في قلوبهم مرض من النفاق، وذلك الشكّ في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقيقة ما يخبرهم به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين, فألقى الشيطان في أمنيته, فقال: إن الآلهة التي تدعي أن شفاعتها لترتجى وإنها للغرانيق العلى.
فنسخ الله ذلك, وأحكم الله آياته: أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى حتى بلغ مِنْ سُلْطَانٍ قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى, قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير، ففرحوا بذلك, فذكر قوله: ( لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ).
حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, بنحوه.
حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, في قوله: ( لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) يقول: وللذين قست (1) قلوبهم عن الإيمان بالله, فلا تلين ولا ترعوي, وهم المشركون بالله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج: ( وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ) قال: المشركون.
وقوله: ( وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) يقول تعالى ذكره: وإن مشركي قومك يا محمد لفي خلاف الله في أمره, بعيد من الحق.
------------------------ الهوامش: (1) قوله : " وللذين قست " : عطف على مفهوم من السياق ، أي للذين في قلوبهم مرض ، والذين قست قلوبهم .
قوله تعالى : ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيدقوله تعالى : ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة أي ضلالة .
للذين في قلوبهم مرض أي شرك ونفاق .
والقاسية قلوبهم فلا تلين لأمر الله تعالى .
قال الثعلبي : وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان والغلط بوسواس الشيطان ، أو عند شغل القلب حتى يغلط ، ثم ينبه ويرجع إلى الصحيح ؛ وهو معنى قوله : فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته .
ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا ، فأما ما يضاف إليه من [ ص: 81 ] قولهم : تلك الغرانيق العلا ، فكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن فيه تعظيم الأصنام ، ولا يجوز ذلك على الأنبياء ، كما لا يجوز أن يقرأ بعض القرآن ، ثم ينشد شعرا ، ويقول : غلطت وظننته قرآنا .
وإن الظالمين لفي شقاق بعيد أي الكافرين لفي خلاف ، وعصيان ، ومشاقة لله - عز وجل - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - .
وقد تقدم في ( البقرة ) والحمد لله وحده .
{ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً } لطائفتين من الناس، لا يبالي الله بهم، وهم الذين { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: ضعف وعدم إيمان تام وتصديق جازم، فيؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، داخلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم.{ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم على باطلهم، وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله، ولهذا قال: { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي: مشاقة لله، ومعاندة للحق، ومخالفة له، بعيد من الصواب، فما يلقيه الشيطان، يكون فتنة لهؤلاء الطائفتين، فيظهر به ما في قلوبهم، من الخبث الكامن فيها ، وأما الطائفة الثالثة، فإنه يكون رحمة في حقها
قوله عز وجل : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) الآية .
قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسرين : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم ، فكان يوما في مجلس قريش فأنزل الله تعالى سورة " النجم " فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله : ( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ) ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدث به نفسه ويتمناه : " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " ، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته ، فقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده ، وسجد جميع من في المسجد من المشركين ، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص ، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها ، لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود .
وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون : قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر ، وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده ، فإذا جعل لها نصيبا فنحن معه ، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال : يا محمد ماذا صنعت؟
لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل!
فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله هذه الآية يعزيه ، وكان به رحيما ، وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود قريش وقيل : أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم ، وقالوا : هم أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل أحد إلا بجوار أو مستخفيا ، فلما نزلت هذه الآية قالت قريش : ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك .
وكان الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه ، وشدة على من أسلم .
قال الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ) وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا ، ( ولا نبي ) وهو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما ، وكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ( إلا إذا تمنى ) قال بعضهم : أي : أحب شيئا واشتهاه وحدث به نفسه ما لم يؤمر به .
( ألقى الشيطان في أمنيته ) أي : مراده .
وعن ابن عباس قال : إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ووجد إليه سبيلا وما من نبي إلا تمنى أن يؤمن به قومه ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضى به قومه ، فينسخ الله ما يلقي الشيطان .
وأكثر المفسرين قالوا : معنى قوله : ( تمنى ) أي : تلا وقرأ كتاب الله تعالى .
" ألقى الشيطان في أمنيته " أي : في تلاوته ، قال الشاعر في عثمان حين قتل : تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر واختلفوا في أنه كان يقرأ في الصلاة أو في غير الصلاة؟
فقال قوم : كان يقرأ في الصلاة .
وقال قوم : كان يقرأ في غير الصلاة .
فإن قيل كيف يجوز الغلط في التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان معصوما من الغلط في أصل الدين ، وقال جل ذكره في القرآن : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) ( فصلت : 42 ) يعني إبليس؟
قيل : قد اختلف الناس في الجواب عنه ، فقال بعضهم : إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقرأ ، ولكن الشيطان ذكر ذلك بين قراءته ، فظن المشركون أن الرسول قرأه .
وقال قتادة : أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءة فجرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان ولم يكن له خبر .
والأكثرون قالوا : جرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان على سبيل السهو والنسيان ولم يلبث أن نبهه الله عليه .
وقيل : إن شيطانا يقال له أبيض عمل هذا العمل ، وكان ذلك فتنة ومحنة من الله تعالى يمتحن عباده بما يشاء .
«ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة» محنة «للذين في قلوبهم مرض» شقاق ونفاق «والقاسية قلوبهم» أي المشركين عن قبول الحق «وإن الظالمين» الكافرين «لفي شقاق بعيد» خلاف طويل مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما يرضيهم ثم أبطل ذلك.
وما كان هذا الفعل مِنَ الشيطان إلا ليجعله الله اختبارًا للذين في قلوبهم شك ونفاق، ولقساة القلوب من المشركين الذين لا يؤثِّرُ فيهم زجر.
وإن الظالمين مِن هؤلاء وأولئك في عداوة شديدة لله ورسوله وخلافٍ للحق بعيد عن الصواب.
والآية الكريمة ( لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان ) على هذا التفسير - أيضا - واضحة المعنى ، إذا المراد بما يلقيه الشيطان فى قراءة الرسول أو النبى ، تلك الشبه والأباطيل التى يلقيها فى عقول الضالين ، فيجعلهم يؤولونها تأويلا سقيما ويفهمونها فهما خاطئا .وقوله - تعالى - : ( فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) بيان لسنته - سبحانه - التى لا تتخلف فى إحقاق الحق .
وإبطال الباطل .وقوله ( فَيَنسَخُ ) من النسخ بمعنى الإزالة .
يقال : نسخت الشمس الظل إذا أزالته .أى : فيزيل - سبحانه - بمقتضى قدرته وحكمته ما ألقاه الشيطان فى القلوب التى شاء الله - تعالى - لها الإيمان والثبات على الحق ثم يحكم - سبحانه - آياته بأن يجعلها متقنة ، لا تقبل الرد ، ولا تحتمل الشك فى كونها من عند - عز وجل - والله عليم بجميع شئون خلقه ، حكيم فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته .ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الحكمة فى إلقاء الشيطان لشبهه وضلالته هى امتحان الناس فقال : ( لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والقاسية قُلُوبُهُمْ .
.
.
) .أى : فعل ما فعل - سبحانه - ليجعل ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه فى القلوب فتنة واختبارا وامتحانا ، للذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك وارتياب ، وهم المنافقون ، وللذين قست قلوبهم ، وهم الكافرون المجاهرون بالجحود والعناد .فقوله - تعالى - : ( لِّيَجْعَلَ .
.
.
) متعلق ب ( أَلْقَى ) أى : ألقى الشيطان فى أمنية الرسل والأنبياء ليجعل الله - تعالى - ذلك لإلقاء فتنة الذين فى قلوبهم مرض .ومعنى كونه فتنة لهم : أنه سبب لتماديهم فى الضلال ، وفى إصرارهم على الفسوق والعصيان .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الفريقين فقال : ( وَإِنَّ الظالمين ) ، وهم من فى قلوبهم مرض ، ومن قست قلوبهم ( لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) أى لفى خلاف للحق شديد .
بسبب نفاقهم وكفرهم .
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: من الناس من قال: الرسول هو الذي حدث وأرسل، والنبي هو الذي لم يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم، ومن الناس من قال: إن كل رسول نبي، وليس كل نبي يكون رسولاً، وهو قول الكلبي والفراء.
وقالت المعتزلة كل رسول نبي، وكل نبي رسول، ولا فرق بينهما، واحتجوا على فساد القول الأول بوجوه: أحدها: هذه الآية فإنها دالة على أن النبي قد يكون مرسلاً، وكذا قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نَّبِيٍّ ﴾ .
وثانيها: أن الله تعالى خاطب محمداً مرة بالنبي ومرة بالرسول، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين، وعلى القول الأول المنافاة حاصلة.
وثالثها: أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين.
ورابعها: أن اشتقاق لفظ النبي إما من النبأ وهو الخبر، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع، والمعنيان لا يحصلان إلا بقبول الرسالة.
أما القول الثاني: فاعلم أن شيئاً من تلك الوجوه لا يبطله، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف النبي على الرسول، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص.
وقال في موضع آخر ﴿ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِي الأولين ﴾ وذلك يدل على أنه كان نبياً، فجعله الله مرسلاً وهو يدل على قولنا: وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كم المرسلون؟
فقال ثلثمائة وثلاثة عشرة، فقيل وكم الأنبياء؟
فقال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الجم الغفير إذا ثبت هذا فنقول: ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أموراً: أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله والثاني: أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعاً لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهرون وداود وسليمان رسلاً لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ والثالث: أن من جاءه الملك ظاهراً وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولاً، أو أخبره أحد من الرسال بأنه رسول الله، فهو النبي الذي لا يكون رسولاً وهذا هو الأولى.
المسألة الثانية: ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى إعراض قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه وذلك لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة ﴿ والنجم إِذَا هوى ﴾ فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله: ﴿ أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ ﴾ ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة وأبي أحيحة سعيد بن العاصي فإنهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم أقل لك؟!
فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً وخاف من الله خوفاً عظيماً حتى نزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ الآية.
هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول.
أما القرآن فوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى ﴾ فلو أنه قرأ عقيب هذه الآية تلك الغرانيق العلي لكان قد ظهر كذب الله تعالى في الحال وذلك لا يقوله مسلم.
ورابعها: قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾ وكلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر كذلك مع أنه لم يحصل.
وخامسها: قوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ﴾ وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل.
وسادسها: قوله: ﴿ كذلك نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
وسابعها: قوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى ﴾ .
وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال هذا وضع من الزنادقة وصنف فيه كتاباً.
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم، وأيضاً فقد روى البخاري في صحيحه أن النبي عليه السلام قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.
وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق.
وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن من جوز على الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان.
وثانيها: أنه عليه السلام ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلى ويقرأ القرآن عند الكعبة آمناً أذى المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كان يصلي إذا لم يحضروها ليلاً أو في أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم.
وثالثها: أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على حقيقة الأمر فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم.
ورابعها: قوله: ﴿ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته ﴾ وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها، فإذا أراد الله إحكام الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآناً، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلاً أولى.
وخامسها: وهو أقوى الوجوه أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ويبطل قوله تعالى: ﴿ يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة أكثر ما في الباب أن جمعاً من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا حد التواتر، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة، ولنشرع الآن في التفصيل فنقول التمني جاء في اللغة لأمرين: أحدهما: تمنى القلب والثاني: القراءة قال الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ أي إلا قراءة لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه قراءة، وقال حسان: تمنى كتاب الله أول ليلة *** وآخرها لاقى حمام المقادر قيل إنما سميت القراءة أمنية لأن القارئ إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى حصولها وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها، وقال: أبو مسلم التمني هو التقدير وتمنى هو تفعل من منيت والمنية وفاة الإنسان في الوقت الذي قدره الله تعالى، ومنى الله لك أي قدر لك.
وقال رواة اللغة الأمنية القراءة واحتجوا ببيت حسان، وذلك راجع إلى الأصل الذي ذكرناه فإن التالي مقدر للحروف ويذكرها شيئاً فشيئاً، فالحاصل من هذا البحث أن الأمنية، إما القراءة، وإما الخاطر، أما إذا فسرناها بالقراءة ففيه قولان: الأول: أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله تلك الغرانيق العلى الثاني: المراد منه وقوع هذه الكلمة في قراءته ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بقوله تلك الغرانيق العلى ولا الشيطان تكلم به ولا أحد تكلم به لكنه عليه السلام لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من قولهم تلك الغرانيق العلى وذلك على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال وهذا الوجه ذهب إليه جماعة وهو ضعيف لوجوه: أحدها: أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح فيما قد جرت العادة بسماعه فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه.
وثانيها: أنه لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من اتفاق الجم العظيم في الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات.
وثالثها: لو كان كذلك لم يكن مضافاً إلى الشيطان الوجه الثاني: قالوا إن ذلك الكلام كلام شيطان الجن وذلك بأن تلفظ بكلام من تلقاء نفسه أوقعه في درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا والذي يؤكده أنه لا خلاف في أن الجن والشياطين متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول عليه السلام فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول عليه السلام وعند سكوته فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول وما رأوا شخصاً آخر ظن الحاضرون أنه كلام الرسول، ثم هذا لا يكون قادحاً في النبوة لما لم يكن فعلاً له، وهذا أيضاً ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم في أثناء الشيطان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاماً للرسول بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل الشرع فإن قيل هذا الاحتمال قائم في الكل ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله تعالى أن يشرح الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس، قلنا لا يجب على الله إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات وإذا لم يجب على الله ذلك تمكن الاحتمال من الكل الوجه الثالث: أن يقال المتكلم بذلك بعض شياطين الإنس وهم الكفرة فإنه عليه السلام لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها فقال بعض من حضر تلك الغرانيق العلى فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط القوم وكثرة صياحهم وطلبهم تغليطه وإخفاء قراءته، ولعل ذلك كان في صلاته لأنهم كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلغون فيها، وقيل إنه عليه السلام كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك الكلام في تلك الوقفات فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أضاف الله تعالى ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته يحصل أولاً ولأنه سبحانه جعل ذلك المتكلم في نفسه شيطاناً وهذا أيضاً ضعيف لوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم إزالة الشبهة وتصريح الحق وتبكيت ذلك القائل وإظهار أن هذه الكلمة منه صدرت وثانيهما: لو فعل ذلك لكان ذلك أولى بالنقل، فإن قيل إنما لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة من دون هذه الزيادة فلم يكن ذلك مؤدياً إلى التلبيس كما يؤدي سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس، قلنا إن القرآن لم يكن مستقراً على حالة واحدة في زمان حياته لأنه كان تأتيه الآيات فيلحقها بالسور فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سبباً لزوال اللبس، وأيضاً فلو كان كذلك لما استحق العتاب من الله تعالى على ما رواه القوم الوجه الرابع: هو أن المتكلم بهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهواً أو قسراً أو اختياراً أما الوجه الأول: وهو أنه عليه السلام قال هذه الكلمة سهواً فكما يروى عن قتادة ومقاتل أنهما قالا إنه عليه السلام كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان فلما فرغ من السورة سجد وسجد كل من في المسجد وفرح المشركون بما سمعوه وأتاه جبريل عليه السلام فاستقرأه، فلما انتهى إلى الغرانيق قال لم آتك بهذا، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن نزلت هذه الآية وهذا ضعيف أيضاً لوجوه: أحدها: أنه لو جاز هذا السهو لجاز في سائر المواضع وحينئذ تزول الثقة عن الشرع.
وثانيها: أن الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ومعناها، فإنا نعلم بالضرورة أن واحداً لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها.
وثالثها: هب أنه تكلم بذلك سهواً، فكيف لم ينبه لذلك حين قرأها على جبريل عليه السلام وذلك ظاهر أما الوجه الثاني: وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك قسراً وهو الذي قال قوم إن الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتكلم بهذا فهذا أيضاً فاسد لوجوه: أحدها: أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي عليه السلام لكان اقتداره علينا أكثر فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين ولجاز في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين.
وثانيها: أن الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال.
وثالثها: أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكياً عن الشيطان: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشْرِكُونَ ﴾ وقال: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ ولا شك أنه عليه السلام كان سيد المخلصين أما الوجه الثالث: وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك اختياراً فهاهنا وجهان: أحدهما: أن نقول إن هذه الكلمة باطلة والثاني: أن نقول إنها ليست كلمة باطلة أما على الوجه الأول فذكروا فيه طريقين: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء إن شيطاناً يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل عليه السلام وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل عليه السلام فاستعرضه فقرأها فلما بلغ إلى تلك الكلمة قال جبريل عليه السلام أنا ما جئتك بهذه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أتاني آت على صورتك فألقاها على لساني الطريق الثاني: قال بعض الجهال إنه عليه السلام لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم رجع عنها، وهذان القولان لا يرغب فيهما مسلم ألبتة لأن الأول يقتضي أنه عليه السلام ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث والثاني يقتضي أنه كان خائناً في الوحي وكل واحد منهما خروج عن الدين أما الوجه الثاني: وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فهاهنا أيضاً طرق الأول: أن يقال الغرانيق هم الملائكة وقد كان ذلك قرآناً منزلاً في وصف الملائكة.
فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته الثاني: أن يقال المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار، فكأنه قال: أشفاعتهن ترتجى؟
الثالث: أن يقال إنه ذكر الإثبات وأراد النفي كقوله تعالى: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ أي لا تضلوا كما قد يذكر النفي ويريد به الإثبات كقوله تعالى: ﴿ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾ والمعنى أن تشركوا، وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن أو في الصلاة بناء على هذا التأويل، ولكن الأصل في الدين أن لا يجوز عليهم شيء من ذلك لأن الله تعالى قد نصبهم حجة واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ما يطعن في ذلك أو ينفر، ومثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه الله تعالى على تركها كنحو الفظاظة والكتابة وقول الشعر فهذه الوجوه المذكورة في قوله تلك الغرانيق العلا قد ظهر على القطع كذبها، فهذا كله إذا فسرنا التمني بالتلاوة.
وأما إذا فسرناها بالخاطر وتمنى القلب فالمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته، ثم اختلفوا في كيفية تلك الوسوسة على وجوه: أحدها: أنه يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالثناء قالوا إنه عليه السلام كان يحب أن يتألفهم وكان يردد ذلك في نفسه فعندما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه وهذا أيضاً خروج عن الدين وبيانه ما تقدم.
وثانيها: ما قال مجاهد من أنه عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك بأن عرفه بأن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها.
وثالثها: يحتمل أنه عليه السلام عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إن كان مجملاً فيلقى الشيطان في جملته ما لم يرده، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ويحكم ما أراده الله تعالى بأدلته وآياته.
ورابعها: معنى الآية إذا تمنى إذا أراد فعلاً مقرباً إلى الله تعالى ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فيرجع إلى الله تعالى في ذلك وهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله ﴾ ومن الناس من قال لا يجوز حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى: ﴿ لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيطان فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والقاسية قُلُوبُهُمْ ﴾ ، والجواب: لا يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار فهذا آخر القول في هذه المسألة.
المسألة الثالثة: يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم فلم يعصمهم من جواز السهو ووسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر فالواجب أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم فذلك هو المحكم، وقال أبو مسلم معنى الآية أنه لم يرسل نبياً إلا إذا تمنى كأنه قيل: وما أرسلنا إلى البشر ملكاً وما أرسلنا إليهم نبياً إلا منهم، وما أرسلنا نبياً خلا عند تلاوته الوحي من وسوسة الشيطان وأن يلقي في خاطره وما يضاد الوحي ويشغله عن حفظه فيثبت الله النبي على الوحي وعلى حفظه ويعلمه صواب ذلك وبطلان ما يكون من الشيطان، قال وفيما تقدم من قوله: ﴿ قُلْ ياأيها الناس إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ تقوية لهذا التأويل فكأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين أنا نذير لكم لكني من البشر لا من الملائكة، ولم يرسل الله تعالى مثلي ملكاً بل أرسل رجالاً فقد وسوس الشيطان إليهم، فإن قيل هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز على الملائكة، قلنا إذا كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلاؤهم بالوسوسة على الملائكة، واعلم أنه سبحانه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين: البحث الأول: كيفية إزالتها وذلك هو قوله تعالى: ﴿ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان ﴾ فالمراد إزالته وإزالة تأثيره فهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام.
أما قوله: ﴿ ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته ﴾ فإذا حمل التمني على القراءة فالمراد به آيات القرآن وإلا فيحمل على أحكام الأدلة التي لا يجوز فيها الغلط.
البحث الثاني: أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة، ثم إنه سبحانه شرح أثرها في حق الكفار أولاً ثم في حق المؤمنين ثانياً، أما في حق الكفار فهو قوله: ﴿ لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً ﴾ والمراد به تشديد التبعيد لأن عندما يظهر من الرسول صلى الله عليه وسلم الاشتباه في القرآن سهواً يلزمهم البحث عن ذلك ليميزوا السهو من العمد وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون صواباً.
أما قوله: ﴿ لّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والقاسية قُلُوبُهُمْ ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: لم قال: ﴿ فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ ولم خصهم بذلك الجواب: لأنهم مع كفرهم يحتاجون إلى ذلك التدبر، وأما المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر.
السؤال الثاني: ما مرض القلب الجواب: أنه الشك والشبهة وهم المنافقون كما قال: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على جهلهم ظاهراً وباطناً.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ يريد أن هؤلاء المنافقين والمشركين فأصله وإنهم، فوضع الظاهر موضع المضمر قضاء عليهم بالظلم والشقاق والمشاقة والمعاداة والمباعدة سواء، وأما في حق المؤمنين فهو قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ وفي الكناية ثلاثة أوجه: أحدها: أنها عائدة إلى نسخ ما ألقاه الشيطان، عن الكلبي.
وثانيها: أنه الحق أي القرآن عن مقاتل.
وثالثها: أن تمكن الشيطان من ذلك الإلقاء هو الحق، أما على قولنا فلأنه سبحانه وتعالى أي شيء فعل فقد تصرف في ملكه وملكه بضم الميم وكسرها فكان حقاً، وأما على قول المعتزلة فلأنه سبحانه حكيم فتكون كل أفعاله صواباً فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أي تخضع وتسكن لعلمهم بأن المقضي كائن، وكل ميسر لما خلق له، ﴿ وإن الله لهاد الذين آمنوا ﴾ إلى أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ويطلبوا ما أشكل منه من المجمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة وقرئ (لهاد الذين آمنوا) بالتنوين، ولما بين سبحانه حال الكافرين أولاً ثم حال المؤمنين ثانياً عاد إلى شرح حال الكافرين مرة أخرى فقال: ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ ﴾ أي من القرآن أو من الرسول، وذلك يدل على أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه.
أما قوله تعالى: ﴿ حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً ﴾ أي فجأة من دون أن يشعروا ثم جعل الساعة غاية لكفرهم، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه الإلجاء.
واختلف في المراد باليوم العقيم وفيه قولان: أحدهما: أنه يوم بدر وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لوجوه أربعة: أحدها: أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن.
وثانيها: أن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز.
وثالثها: هو الذي لا خير فيه يقال ريح عقيم إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً.
ورابعها: أنه لا مثل له في عظم أمره، وذلك لقتال الملائكة فيه القول الثاني: أنه يوم القيامة، وإنما وصف بالعقيم لوجوه: أحدها: أنهم لا يرون فيه خيراً.
وثانيها: أنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على تعطل الولادة.
وثالثها: أن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم فكيف يحصل الحمل فيه، وهذا القول أولى لأنه لا يجوز أن يقول الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ ﴾ ويكون المراد يوم بدر، لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر، فإن قيل لما ذكر الساعة.
فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار؛ قلنا ليس كذلك لأن الساعة من مقدمات القيامة واليوم العقيم هو نفس ذلك اليوم، وعلى أن الأمر لو كان كما قاله لم يكن تكراراً لأن في الأول ذكر الساعة، وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم، ويحتمل أن يكون المراد بالساعة وقت موت كل أحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.
أما قوله: ﴿ الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ فمن أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو ذلك اليوم وأراد بذلك أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه فهو بخلاف أيام الدنيا التي ملك الله الأمور غيره، وبين أنه الحاكم بينهم لا حاكم سواه وذلك زجر عن معصيته ثم بين كيف يحكم بينهم، وأنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم، والكافرين في العذاب المهين، وقد تقدم وصف الجنة والنار فإن قيل التنوين في يومئذ عن أي جملة ينوب؟
قلنا تقديره: الملك يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
والذين ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ المنافقون والشاكون ﴿ والقاسية قُلُوبُهُمْ ﴾ المشركون المكذبون ﴿ وَإِنَّ الظالمين ﴾ يريد: وإن هؤلاء المنافقين والمشركين.
وأصله: وإنهم، فوضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم ﴿ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ أي ليعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء: هو الحق من ربك والحكمة ﴿ وإِنَّ الله لَهَادِ الذين ءامنوا إلى ﴾ أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول والمحكمة والقوانين الممهدة، حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة ولا تزل أقدامهم.
وقرئ: ﴿ لهادٍ الذين آمنوا ﴾ بالتنوين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ عِلَّةٌ لِتَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُلْقى أمْرٌ ظاهِرٌ عَرَفَهُ المُحِقُّ والمُبْطِلُ.
﴿ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ شَكٌّ ونِفاقٌ.
﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ المُشْرِكِينَ.
﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ قَضاءً عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ.
﴿ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ أنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ تَمْكِينُ الشَّيْطانِ مِنَ الإلْقاءِ هو الحَقُّ الصّادِرُ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ مِمّا جَرَتْ بِهِ عادَتُهُ في الإنْسِ مِن لَدُنْ آدَمَ.
﴿ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِاللَّهِ.
﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ بِالِانْقِيادِ والخَشْيَةِ.
﴿ وَإنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيما أشْكَلَ.
﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو نَظَرٌ صَحِيحٌ يُوصِلُهم إلى ما هو الحَقُّ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر أن ذلك ليفتن الله تعالى به قوماً بقوله
{لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً} محنة وابتلاء {لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق {والقاسية قُلُوبُهُمْ} هم المشركون المكذبون فيزدادوا به شكاً وظلمة {وَإِنَّ الظالمين} أي المنافقين والمشركين وأصله وأنهم فوضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم {لَفِي شِقَاقٍ} خلاف {بَعِيدٍ} عن الحق
﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ أيِ الَّذِي يُلْقِيهِ.
وقِيلَ: إلْقاءَهُ ﴿ فِتْنَةً ﴾ أيْ عَذابًا.
وفي البَحْرِ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ ﴿ لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ شَكٌّ ونِفاقٌ وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى في المُنافِقِينَ ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ وتَخْصِيصُ المَرَضِ بِالقَلْبِ مُؤَيِّدٌ لَهُ لِعَدَمِ إظْهارِ كُفْرِهِمْ بِخِلافِ الكافِرِ المُجاهِرِ ﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيِ الكُفّارِ المُجاهِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأوَّلِينَ عامَّةُ الكُفّارِ ومِنَ الأخِيرِينَ خَواصُّهم كَأبِي جَهْلٍ والنَّضْرِ وعُتْبَةَ، وحُمِلَ الأوَّلِينَ عَلى الكُفّارِ مُطْلَقًا والأخِيرِينَ عَلى المُنافِقِينَ لِأنَّهم أحَقُّ بِوَصْفِ القَسْوَةِ لِعَدَمِ انْجِلاءِ صَدَأِ قُلُوبِهِمْ بِصَيْقَلِ المُخالَطَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ وإنَّ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ مَعَ ما وُصِفُوا بِهِ مِنَ المَرَضِ والقَسْوَةِ ﴿ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ أيْ عَداوَةٍ شَدِيدَةٍ ومُخالَفَةٍ تامَّةٍ، ووُصِفَ الشِّقاقُ بِالبُعْدِ مَعَ أنَّ المَوْصُوفَ بِهِ حَقِيقَةً هو مَعْرُوضُهُ لِلْمُبالَغَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، ولامُ ( لِيَجْعَلَ ) لِلتَّعْلِيلِ وهو عِنْدَ الحَوْفِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِيُحْكِمُ وعِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ بِيَنْسَخُ وعِنْدَ غَيْرِهِما بِأُلْقِيَ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ إلْقاءُ الشَّيْطانِ مِن تَمْكِينِهِ تَعالى إيّاهُ مِن ذَلِكَ في حَقِّ النَّبِيِّ خاصَّةً لِعَطْفِ <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى، أي: حدثت نفسه، أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في حديثه.
ويقال: تمنى أي قرأ، كما قال القائل: تَمَنَّى كِتَابَ الله أوَّلَ لَيْلِه ...
وَآخِرَهُ لاَقَى حِمَامَ المَقَادِرِ وقال آخر: تَمَنَّى دَاوُدُ الزَّبُورَ عَلَى الرِّسْلِ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في تلاوته فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ، يعني: يذهب الله به ويبطله.
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، يعني: بيّن الله عز وجل الناسخ من المنسوخ.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «أتاه الشيطان في صورة جبريل، وهو يقرأ سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى [النجم 1] عند الكعبة، حتى انتهى إلى قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 19، 20] ، ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، فلما سمعه المشركون يقرأ ذلك، أعجبهم: فلما انتهى إلى آخرها، سجد وسجد المسلمون والمشركون معه، فلما فأتاه جبريل فقال: ما جئتك بهذا.
فنزل: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ الآية (١) وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحو هذا.
قال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدّثنا جعفر بن زيد الطيالسي قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد قال: حدّثنا أبو عاصم، عن عمار بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «قرأ رسول الله وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ثم قال: تلك الغرانيق العلى، وإن الشفاعة منها ترتجى، فقال المشركون: قد ذكر آلهتنا في أحسن الذكر فنزلت الآية» .
وقال مقاتل: قرأ النبيّ والنجم بمكة عند مقام إبراهيم، فنعس، فقرأ تلك الغرانيق العلى.
فلما فرغ من السورة، سجد وسجد من خلفه فنزل وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ وقال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله آلهتنا بخير ففرحوا بذلك فذلك قوله: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.
روى أسباط، عن السدي، قال: خرج رسول الله إلى المسجد فقرأ سورة النجم، فلما انتهى إلى قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: 20] فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، حتى بلغ إلى آخر السورة، سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره آلهتهم.
فلما رفع رأسه، حملوه وأسندوا به بين قطري مكة، حتى إذا جاءه جبريل عرض عليه، فقرأ عليه الحرفين، فقال جبريل : معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا، واشتد عليه، فأنزل الله تعالى لتطييب نفس رسول الله ، وأخبره أن الأنبياء عليهم السلام قبله قد كانوا مثله.
ويقال: إن النبيّ دخل المسجد وجلس عنده جماعة من المشركين، فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون منه، فابتلاه الله تعالى بما أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ، وقال بعضهم: تمنى: أي تفكر وحدث بنفسه تلك الغرانيق العلى، ولم يتكلم به، لأن قول النبيّ كان حجة، فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر.
وقال بعضهم: لما رآه الشيطان يقرأ، خلط صوته بصوت النبيّ : فقرأ الشيطان: تلك الغرانيق، فظن الناس أن النبيّ ولم يكن قرأها.
وقال بعضهم: قال ذلك رسول الله على وجه التعيير والزجر، يعني: أنكم تعبدونها كأنهن الغرانيق العلى، كما قَالَ إبراهيم فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: 63] وقال الزجاج: ألقى الشيطان في تلاوته، فذلك محنة يمتحن الله تعالى بها من يشاء، فجرى على لسان النبي شيء من صفة الأصنام، فافتتن بذلك أهل الشقاوة والنفاق.
وروي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس كان يقرأ (وما أرسلنا من قبلك مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ ولا محدث) والمحدث: الذي يرى أمره في منامه، من غير أن يأتيه الوحي.
ثم قال: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمَا ألقى الشيطان حَكِيمٌ حكم بالناسخ.
وبيّن قوله عز وجل: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً، يعني: بلية لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي شك، وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني: الذين قست قلوبهم عن ذكر الله، وهم المشركون.
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، عن الحق.
يعني: المشركين في خلاف طويل عن الحق.
ثم ذكر المؤمنين فقال: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، يعني: الذين أكرموا بالتوحيد والقرآن.
ويقال: هم مؤمنوا أهل الكتاب.
أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، يعني: القرآن.
فَيُؤْمِنُوا بِهِ، أي فيصدقوا به.
ويقال: لكي يعلموا أن ما أحكم الله في آياته حق، وأن ما ألقى الشيطان باطل، ويزداد لهم يقين وبيان، فذلك قوله: فَيُؤْمِنُوا بِهِ، أي يثبتوا به على إيمانهم.
فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ، يعني: فتخلص له قلوبهم.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: أن الله عزَّ وجلَّ لحافظ قلوب المؤمنين في هذه المحنة، حتى لم ينزع المعرفة من قلوبهم عند إلقاء الشيطان.
(١) عزاه السيوطي: 6/ 65 إلى عبد بن حميد من طريق السدي عن أبي صالح.
والبزار والطبراني وابن مردويه بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير.
وابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : وحدثني أَبي (رحمه الله تعالى) أَنَّهُ لَقِيَ بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين مَنْ قال: هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلّم وهو المعصوم في التبليغ وإنَّما الأمرُ يعني على تقدير صحَّته- أَنَّ الشيطان نَطَقَ بلفظ أسمعه الكفّار عند قول النبي صلى الله عليه وسلّم: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم: ١٩، ٢٠] .
وقرّب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلّم حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها، هذا على تقدير صحته، وقد رُوِيَ نحوُ هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي.
قلت: قال عياض: وقد أعاذنا الله من صِحَّتِهِ، وقد حكى موسى «٢» بن عقبة في «مغازيه» نحوَ هذا، وقال: إنَّ المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطانُ ذلك في أسماع المشركين، ومعنى قوله تعالى: تَمَنَّى أي: تلا ومنه قوله تعالى: لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨] .
أي: تلاوة، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ أي: يُذْهِبُهُ، ويزيل اللبس به ويُحكمُ آياته، وعبارة البخاريِّ «٣» : وقال ابن عباس: إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، أي: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان/ ويحكم ٢٧ ب آياته، ويقال: أُمْنِيَّتِهِ: قراءته.
انتهى.
قال عياض: وقيل: معنى الآية هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلّم من السهو إذا قرأ فيتنبه لذلك، ويرجعُ عنه، انتهى.
وقوله سبحانه: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً الفتنة: الامتحانُ والاختبار، والذين في قلوبهم مرض: عامَّةُ الكُفَّارِ، وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ خواصُّ منهم عتاة: كأبي جهل وغيره، والشقاق: البعد عن الخير والكون في شقّ غير شقّ الصلاح، والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: هم أصحاب نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم، والضمير في أَنَّهُ: عائد على القرآن،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ الآيَةُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ( النَّجْمِ ) قَرَأها حَتّى بَلَغَ قَوْلَهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ، فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَلَمّا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ فَرِحُوا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ماذا صَنَعْتَ ؟
تَلَوْتَ عَلى النّاسِ ما لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ حُزْنًا شَدِيدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ، وإعْلامًا لَهُ أنَّ الأنْبِياءَ قَدْ جَرى لَهم مِثْلَ هَذا» .
قالَ العُلَماءُ المُحَقِّقُونَ: وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَعْصُومٌ عَنْ مِثْلِ هَذا، ولَوْ صَحَّ كانَ المَعْنى: أنَّ بَعْضَ شَياطِينِ الإنْسِ قالَ تِلْكَ الكَلِماتِ، فَإنَّهم كانُوا إذا تَلا لَغَطُوا، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ ﴾ .
قالَ: وفي مَعْنى ﴿ تَمَنّى ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَلا، قالَهُ الأكْثَرُونَ، وأنْشَدُوا: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ وَقالَ آخَرُ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلِهِ ∗∗∗ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأُمْنِيَةِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَمَنّى يَوْمًا أنْ لا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ يَنْفِرُ عَنْهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ لِما كانَ قَدْ تَمَنّاهُ»، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ ؛ أيْ: يُبْطِلُهُ ويُذْهِبُهُ.
" ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ " قالَ مُقاتِلٌ: يُحْكِمُها مِنَ الباطِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ﴾ اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألْقى الشَّيْطانُ ﴾ ، والفِتْنَةُ هاهُنا بِمَعْنى: البَلِيَّةُ والمِحْنَةُ.
والمَرَضُ: الشَّكُّ والنِّفاقُ.
﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي: الجافِيَةَ عَنِ الإيمانِ.
ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّهم ظالِمُونَ وأنَّهم في شِقاقٍ دائِمٍ، والشِّقاقُ: غايَةُ العَداوَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ وهو التَّوْحِيدُ والقُرْآنُ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: التَّصْدِيقُ بِنَسْخِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ إشارَةٌ إلى نَسْخِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، فالمَعْنى: لِيَعْلَمُوا أنَّ نَسْخَ ذَلِكَ وإبْطالَهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ، ﴿ فَيُؤْمِنُوا ﴾ بِالنَّسْخِ، ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: تَخْضَعُ وتَذِلُّ.
ثُمَّ بَيَّنَ بِباقِي الآيَةِ أنَّ هَذا الإيمانَ والإخْباتَ إنَّما هو بِلُطْفِ اللَّهِ وهِدايَتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ ؛ أيْ: في شَكٍّ.
وَفِي هاءِ " مِنهُ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى سُجُودِهِ في سُورَةِ ( النَّجْمِ ) .
والقَوْلانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّهم يَقُولُونَ: ما بالُهُ ذَكَرَ آلِهَتَنا ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذِكْرِها.
والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الدِّينِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القِيامَةُ تَأْتِي مَن تَقُومُ عَلَيْهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: ساعَةُ مَوْتِهِمْ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ.
وأصِلُ العُقْمَ في الوِلادَةِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَقِيمٌ: لا تَلِدُ، ورَجُلٌ عَقِيمٌ: لا يُولَدُ لَهُ، وأنْشَدُوا: عُقِمَ النِّساءُ فَلا يَلِدْنَ شَبِيهَهُ ∗∗∗ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ عُقْمُ وَسُمِّيَتِ الرِّيحُ العَقِيمُ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّها لا تَأْتِي بِالسَّحابِ المُمْطِرِ، فَقِيلَ لِهَذا اليَوْمِ: عَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِخَيْرٍ.
فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمُ بَدْرٍ، في تَسْمِيَتِهِ بِالعَقِيمِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِلْكُفّارِ بَرَكَةٌ ولا خَيْرٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّانِي: لِأنَّهم لَمْ يُنْظَرُوا فِيهِ إلى اللَّيْلِ، بَلْ قُتِلُوا قَبْلَ المَساءِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّالِثُ: لِأنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ في عِظَمِ أمْرِهِ لِقِتالِ المَلائِكَةِ فِيهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
وَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، في تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ لا لَيْلَةَ لَهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّانِي: لِأنَّهُ لا يَأْتِي المُشْرِكِينَ بِخَيْرٍ ولا فَرَجٍ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبِهِمْ وإنَّ الظالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّما أنا نَذِيرُ عَذابِ اللهِ، لَيْسَ إلَيَّ أنْ أُعَجِّلَ عَذابًا ولا أنْ أُؤَخِّرَهُ عن وقْتِهِ، ثُمْ قَسَّمَ حالَةَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِأنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ سُتْرَةَ ذُنُوبِهِمْ ورِزْقَهُ إيّاهم في الجَنَّةِ، و"الكَرِيمُ" صِفَةُ نَفْيِ المَذامِّ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، وبِأنَّ لِلْكافِرِينَ المُعاجِزِينَ عَذابَ الجَحِيمِ، وهَذا كُلُّهُ مِمّا أمَرَهُ أنْ يَقُولَهُ، أيْ: هَذا مَعْنى رِسالَتِي لا ما تَتَمَنَّوْنَ أنْتُمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "سَعَوْا" مَعْناهُ: تَحَيَّلُوا وكادُوا، مِنَ السِعايَةِ، و"الآياتُ": آياتُ القُرْآنِ، أيْ: كادُوا بِالتَكْذِيبِ وسائِرِ أقْوالِهِمْ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعاجِزِينَ"، مَعْناهُ: مُغالِبِينَ، كَأنَّهم طَلَبُوا عَجْزَ صاحِبِ الآياتِ، والآياتُ تَقْتَضِي تَعْجِيزَهُمْ، فَصارَتْ مُفاعَلَةً، وعَبَّرَ بَعْضُ الناسِ في تَفْسِيرِ "مُعاجِزِينَ" بِظانِّينَ أنَّهم يَغْلِبُونَ اللهَ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ خارِجٌ عَنِ اللَفْظَةِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَجِّزِينَ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِشَدِّ الجِيمِ، ومَعْناهُ: مُعَجِّزِينَ الناسَ عَنِ الإيمانِ، أيْ: جاعِلُوهم بِالتَثْبِيطِ عَجَزَةً عَنِ الإيمانِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "مُعَجِّزِينَ" مَعْناهُ: ناسِبِينَ أصْحابَ النَبِيِّ -رَضِيَ اللهُ عنهُمُ- إلى العَجْزِ، كَما تَقُولُ: فَسَّقْتُ فُلانًا وزَنَّيْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ إلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - - عَنِ النازِلَةِ الَّتِي ألْقى الشَيْطانُ فِيها في أُمْنِيَةِ النَبِيِّ - .
و"تَمَنّى" مَعْناهُ المَشْهُورُ: أرادَ وأحَبَّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَعْناها في الآيَةِ، والمُرادُ أنَّ الشَيْطانَ ألْقى ألْفاظَهُ بِسَبَبِ ما تَمَنّاهُ رَسُولُ اللهِ - - مِن مُقارَبَةِ قَوْمِهِ وكَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لَهُ، قالُوا: فَلَمّا تَمَنّى رَسُولُ اللهِ - - مِن ذَلِكَ ما لَمْ يَقْضِهِ اللهُ -تَبارَكَ وتَعالى- وجَدَ الشَيْطانُ السَبِيلَ، فَحِينَ «قَرَأ رَسُولُ اللهِ - - "النَجْمَ" في مَسْجِدِ مَكَّةَ وقَدْ حَضَرَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ألْقى الشَيْطانُ "تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى"، فَقالَ الكُفّارُ: هَذا مُحَمَّدٌ يَذْكُرُ آلِهَتَنا بِما نُرِيدُ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ، فَلَمّا انْتَهى إلى السَجْدَةِ سَجَدَ الناسُ أجْمَعُونَ إلّا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإنَّهُ أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فَرَفَعَها إلى جَبْهَتِهِ وقالَ: يَكْفِينِي هَذا.» قالَ البُخارِيُّ: هو أُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو أبُو أُحَيْحَةُ سَعِيدُ بْنُ العاصِي، ثُمُ اتَّصَلَ بِمُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا - - فَفَرِحُوا لِذَلِكَ، وأقْبَلَ بَعْضُهم فَوَجَدُوا ألْقِيَةَ الشَيْطانِ قَدْ نُسِخَتْ وأهْلَ مَكَّةَ قَدِ افْتُتِنُوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَمَنّى" مَعْناهُ: تَلا، والأُمْنِيَةُ: التِلاوَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَها لاقى حِمامَ المَقادِرِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: .............
∗∗∗ تَمَنّى داوُدُ الزَبُورَ عَلى رَسَلٍ وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: "إلّا أمانِيَّ"، أيْ: إلّا تِلاوَةً.
وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في مَعْنى سَبَبِ إلْقاءِ الشَيْطانِ في تِلاوَةِ النَبِيِّ - - ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن ذِكْرِ الآلِهَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "هُنَّ الغَرانِقَةُ" وقَعَ في كُتُبِ التَفْسِيرِ ونَحْوِها، ولَمْ يُدْخِلْهُ البُخارِيُّ ولا مُسْلِمْ، ولا ذَكَرَهُ -فِي عِلْمِي- مُصَنِّفٌ مَشْهُورٌ، بَلْ يَقْتَضِي مَذْهَبُ أهْلِ الحَدِيثِ أنَّ الشَيْطانَ ألْقى، ولا يُعَيِّنُونَ هَذا السَبَبَ ولا غَيْرَهُ، ولا خِلافَ أنَّ إلْقاءَ الشَيْطانِ إنَّما هو لِألْفاظٍ مَسْمُوعَةٍ بِها وقَعَتِ الفِتْنَةُ، ثُمُ اخْتَلَفَ الناسُ في صُورَةِ هَذا الإلْقاءِ -فالَّذِي في التَفاسِيرِ- وهو مَشْهُورُ القَوْلِ أنَّ النَبِيَّ - - تَكَلَّمَ بِتِلْكَ الألْفاظِ، وأنَّ الشَيْطانَ أوهَمَهُ ووَسْوَسَ في قَلْبِهِ حَتّى خَرَجَتْ تِلْكَ الألْفاظُ عَلى لِسانِهِ، ورُوِي «أنَّهُ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَلامُ- بَعْدَ ذَلِكَ فَدارَسَهُ سُورَةَ النَجْمِ، فَلَمّا قالَها رَسُولُ اللهِ - - قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لَمْ آتِكَ بِهَذا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ - -: أفْتَرَيْتُ عَلى اللهِ وقُلْتُ ما لَمْ يَقُلْ لِي؟".
وجَعَلَ يَتَفَجَّعُ ويَغْتَمُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ﴾ » الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وحَدَّثَنِي أبِي -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّهُ لَقِيَ بِالمَشْرِقِ مِن شُيُوخِ العُلَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ مَن قالَ: هَذا لا يَجُوزُ عَلى النَبِيِّ - - وهو المَعْصُومُ في التَبْلِيغِ، وإنَّما الأمْرُ أنَّ الشَيْطانَ نَطَقَ بِلَفْظٍ أسْمَعَهُ الكُفّارَ عِنْدَ قَوْلِ النَبِيِّ - -: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ .
وقَرَّبَ صَوْتَهُ مِن صَوْتِ النَبِيِّ - - حَتّى التَبَسَ الأمْرُ عَلى المُشْرِكِينَ وقالُوا: مُحَمَّدٌ قَرَأها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"تَمَنّى" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: "تَلا" ولا بُدَّ، وقَدْ ورَدَ هَذا التَأْوِيلُ عَنِ الإمامِ أبِي المَعالِي -رَحِمَهُ اللهُ- وغَيْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: والرَسُولُ أخَصُّ مِنَ النَبِيِّ، وكَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يُرْسَلُوا، وكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٍّ، و"النَسْخُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الإذْهابُ، كَما تَقُولُ: نَسَخَتِ الشَمْسُ الظِلَّ، ولَيْسَ بِرَفْعِ ما اسْتَقَرَّ مِنَ الحُكْمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وطَوَّفَ الطَبَرَيُّ وأشْبَعَ الإسْنادَ في أنَّ إلْقاءَ الشَيْطانِ كانَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ - - واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في الألْفاظِ فَفي بَعْضِها: "تِلْكَ الغَرانِقَةُ"، وفي بَعْضِها: "تِلْكَ الغَرانِيقُ"، وفي بَعْضِها: "وَإنَّ شَفاعَتَهُمْ"، وفي بَعْضِها: وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ"، وفي بَعْضِها: "مِنها الشَفاعَةُ تُرْتَجى".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرانِيقُ: السادَةُ العِظامُ الأقْدارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أهْلًا بِصائِدَةِ الغَرانِقِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَيْطانُ ﴾ الآيَةُ.
اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَجْعَلَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَيَنْسَخُ اللهُ ﴾ ، و"الفِتْنَةُ": الِامْتِحانُ والاخْتِبارُ، و"الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ" هم عامَّةُ الكُفّارِ، و"القاسِيَةُ قُلُوبُهُمْ" خَواصٌّ مِنهم عُتاةٌ كَأبِي جَهْلٍ، والنَضِرِ، وعُقْبَةِ.
و"الشِقاقُ": البُعْدُ عَنِ الخَيْرِ، والضَلالِ، والكَوْنُ في شِقٍّ غَيْرِ شَقِّ الصَلاحِ، و"بَعِيدٍ" مَعْناهُ أنَّهُ انْتَهى بِهِمْ وتَعَمَّقَ؛ فَرَجْعَتُهم مِنهُ غَيْرُ مَرْجُوَّةٌ.
و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ﴾ هَمْ أصْحابُ مُحَمَّدٍ - - والضَمِيرُ في "أنَّهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، و"فَتُخْبِتَ" مَعْناهُ: تَتَطامَنُ وتَخْضَعُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبَتِ، وهو المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادٍ" بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الدالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادِي" بِياءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهادٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةَ، وهَذِهِ الآيَةُ مُعادِلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ: ﴿ وَإنَّ الظالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ قل ياأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ﴾ [الحج: 49] لأنه لما أفضى الكلام السابق إلى تثبيت النبي عليه الصلاة والسلام وتأنيس نفسه فيما يلقاه من قومه من التكذيب بأن تلك شنشنة الأمم الظالمة من قبلهم فيما جاء عقبَ قوله: ﴿ وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ﴾ [الحج: 48] الخ..
وأنه مقصور على النّذارة فمن آمن فقد نجا ومن كفر فقد هلك، أريد الانتقال من ذلك إلى تفصيل تسليته وتثبيته بأنه لقي ما لقيه سلفُه من الرسل والأنبياء عليهم السلام، وأنه لم يسلم أحد منهم من محاولة الشيطان أن يفسد بعض ما يحاولونه من هدي الأمم وأنهم لقُوا من أقوامهم مكذّبين ومصدّقين سنةَ الله في رُسله عليهم السلام.
فقوله: ﴿ من رسول ولا نبيء ﴾ نص في العموم، فأفاد أنّ ذلك لم يعدُ أحداً من الأنبياء والرسل.
وعطف ﴿ نبي ﴾ على ﴿ رسول ﴾ دالّ على أنّ للنبي مَعنى غيرُ معنى الرسول: فالرسول: هو الرجل المبعوث من الله إلى الناس بشريعة.
والنبي: مَن أوحَى الله إليه بإصلاح أمر قوم بحملهم على شريعة سابقةٍ أو بإرشادهم إلى ما هو مستقر في الشّرائع كلها فالنبي أعمّ من الرسول، وهو التحقيق.
والتمنّي: كلمة مشهورة، وحقيقتها: طلب الشيء العسير حصولُه.
والأمنية: الشيء المتمنّى.
وإنما يتمنى الرسل والأنبياء أن يكون قومهم كلُّهم صالحين مهتدين، والاستثناءُ من عموممِ أحوال تابعة لعموم أصحابها وهو ﴿ من رسول ولا نبيء ﴾ ، أي ما أرسلناهم في حال من الأحوال إلاّ في حاللِ إذا تمنّى أحدُهم أمنية ألقى الشيطان فيها الخ، أي في حال حصول الإلقاء عند حصول التمني لأنّ أماني الأنبياء خيرٌ محض والشيطان دأبُه الإفساد وتعطيل الخير.
والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر موصوف على صفة، وهو قصر إضافي، أي دون أن نرسل أحداً منهم في حال الخلو من إلقاء الشيطان ومكره.
والإلقاء حقيقته: رمي الشيء من اليد.
واستعير هنا للوسوسة وتسويل الفساد تشبيهاً للتسويل بإلقاء شيء من اليد بين الناس.
ومنه قوله تعالى: ﴿ فكذلك ألقى السامري ﴾ [طه: 87] وقوله: ﴿ فألقوا إليهم القول ﴾ [النحل: 86] وكقوله تعالى: ﴿ فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها ﴾ [طه: 96] على ما حققناه فيما مضى.
ومفعول ﴿ ألقى ﴾ محذوف دل عليه المقام لأنّ الشيطان إنما يلقي الشر والفساد، فإسناد التمني إلى الأنبياء دل على أنه تمنّي الهدى والصلاح، وإسناد الإلقاء إلى الشيطان دلّ على أنه إلقاء الضلال والفساد.
فالتقدير: أدخل الشيطان في نفوس الأقوام ضلالات تفسد ما قاله الأنبياء من الإرشاد.
ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول إلقاء ما يضادُّها، كمن يمكر فيلقى السمّ في الدّسم، فإلقاء الشيطان بوسوسته: أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان، ويلقي في قلوب أيمّة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم، ويروّج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البُرهان، والله تعالى يُعيد الإرشاد ويكرّر الهدي على لسان النبي، ويفضح وساوس الشيطان وسوءَ فعله بالبيان الواضح كقوله تعالى: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ﴾ [الأعراف: 27] وقوله: ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ﴾ [فاطر: 6].
فالله بهديهِ وبيانه ينسخ ما يُلقِي الشيطان، أي يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان الله الواضح، ويزيد آيات دعوة رسله بياناً، وذلك هو إحكام آياته، أي تحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها بما لا شبهة بعده إلا لمن رِين على قلبه، وقد تقدم معنى الآيات المحكمات في آل عمران.
وقد فسر كثيرٌ من المفسرين ﴿ تمنَى ﴾ بمعنى قَرَأ، وتبعهم أصحاب كتب اللغة وذكروا بيتاً نسبوه إلى حسّان بن ثابت وذكروا قصة بروايات ضعيفة سنذكرها.
وأيّا ما كان فالقول فيه هو والقول في تفسير التمني بالمعنى المشهور سواءٌ، أي إذا قرأ على الناس ما أنزل إليه ليهتدوا به ألقَى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، أي وسوس لهم في نفوسهم ما يناقضه وينافيه بوسوسته للناس التكذيب والإعراض عن التدبر.
فشبه تسويل الشيطان بوسوسته للكافرين عدمَ امتثال النبي بإلقاء شيء في شيء لخلطه وإفساده.
وعندي في صحة إطلاق لفظ الأمنية على القراءة شك عظيم، فإنه وإن كان قد ورد تمنّى بمعنى قرأ في بيت نسب إلى حسّان بن ثابت إن صحت رواية البيت عن حسان على اختلاف في مصراعه الأخير: تمنى كتاب الله أولَ ليله *** تمنيَ داوود الزبورَ على مَهل فلا أظن أن القراءة يقال لها أمنية.
ويجوز أن يكون المعنى أن النبي إذا تمنّى هدْي قومه أو حرَص على ذلك فلقي منهم العناد، وتمنّى حصول هداهم بكل وسيلة ألقى الشيطان في نفس النبي خاطر اليأس من هداهم عسى أن يُقْصر النبيءُ من حرصه أو أن يضجره، وهي خواطر تلوح في النفس ولكن العصمة تعترضها فلا يلبث ذلك الخاطر أن ينقشع ويرسخ في نفس الرسول ما كلّف به من الدأب على الدعوة والحرص على الرشد.
فيكون معنى الآية على هذا الوجه ملوّحاً إلى قوله تعالى: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سُلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ﴾ [الأنعام: 35].
و ﴿ ثُمّ ﴾ في قوله: ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ للترتيب الرتبي، لأنّ إحكام الآيات وتقريرها أهمّ من نَسخ ما يُلقي الشيطان إذ بالإحكام يتضح الهُدى ويزدادُ ما يلقيه الشيطان نسخاً.
وجملة ﴿ والله عليم حكيم ﴾ معترضة.
ومعنى هذه الآية: أن الأنبياء والرسل يرجون اهتداء قومهم ما استطاعوا فيبلغونهم ما ينزل إليهم من الله ويعظونهم ويدعونهم بالحجة والمجادلة الحسنة حتى يظنوا أن أمنيتهم قد نجحت ويقترب القوم من الإيمان، كما حكى الله عن المشركين قولهم: ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولاً إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ﴾ [الفرقان: 41- 42] فيأتي الشيطان فلا يزال يوسوس في نفوس الكفار فينكصون على أعقابهم، وتلك الوساوس ضروب شتى من تذكيرهم بحب آلهتهم، ومن تخويفهم بسوء عاقبة نبذ دينهم، ونحو ذلك من ضروب الضلالات التي حُكيت عنهم في تفاصيل القرآن، فيتمسك أهل الضلالة بدينهم ويصدّون عن دعوة رسلهم، وذلك هو الصبر الذي في قوله: ﴿ لولا أن صبرنا عليها ﴾ [الفرقان: 42] وقوله: ﴿ وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ﴾ [ص: 6].
وكلما أفسد الشيطان دعوة الرّسل أمرَ الله رسلَه فعاودوا الإرشاد وكرروه وهو سبب تكرر مواعظ متماثلة في القرآن، فبتلك المعاودة يُنسخ ما ألقاه الشيطان وتُثبت الآيات السالفة.
فالنسخ: الإزالة، والإحكام: التثبيت.
وفي كلتا الجملتين حذف مضاف، أي ينسخ آثارَ ما يُلقي الشيطان، ويُحكم آثارَ آياته.
واللامان في قوله ﴿ ليجعل ﴾ وفي قوله ﴿ وليعْلَمَ ﴾ متعلقان بفعل ﴿ ينسخ الله ﴾ فإن النسخ يقتضي منسوخاً، وفي ﴿ يجعل ﴾ ضميرٌ عائد إلى الله في قوله: ﴿ فينسخ الله ﴾ .
والجعل هنا: جَعل نظام ترتب المسببات على أسبابها، وتكويننِ تفاوت المدارك ومراتب درجاتها.
فالمعنى: أنّ الله مكّن الشيطان من ذلك الفعل بأصل فطرته من يوم خلق فيه داعية الإضلال، ونسخ ما يلقيه الشيطان بواسطة رسُله وآياته ليكون من ذلك فتنة ضلال كفر وهدي إيمان بحسب اختلاف القابليات.
فهذا كقوله تعالى: ﴿ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 39-40].
ولام ﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ﴾ مستعار لمعنى الترتب مثل اللام في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً ﴾ [القصص: 8].
وهي مستعارة لمعنى التعقيب الذي حقه أن يكون بحرف الفاء، أي تحصل عقب النسخ الذي فعله الله فتنةُ من افتتن من المشركين بانصرافهم عن التأمل في أدلة نسخ ما يلقيه الشيطان، وعن استماع ما أحكم الله به آياته، فيستمر كفرهم ويقوى.
وأما لام ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ﴾ فهي على أصل معنى التّعليل، أي ينسخ الله ما يلقي الشيطان لإرادة أن يعلم المؤمنون أنه الحق برسوخ ما تمناه الرسول والأنبياء لهم من الهدى كما يحصل لهم بما يحكم الله من آياته ازدياد الهدى في قلوبهم.
و ﴿ الذين في قلوبهم مرض ﴾ هم المتردّدون في قبول الإيمان.
و ﴿ القاسية قلوبهم ﴾ هم الكافرون المصممون على الكفر.
والفريقان هم المراد ب ﴿ الظالمين ﴾ في قوله: ﴿ وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ﴾ .
فذكر ﴿ الظالمين ﴾ إظهار في مقام الإضمار للإيماء إلى أن علّة كونهم في شقاق بعيد هي ظلمهم، أي كفرهم.
والشقاق: الخلاف والعداوة.
والبعيد هنا مستعمل في معنى: البالغ حدّاً قوياً في حقيقته.
تشبيهاً لانتشار الحقيقة فيه بانتشار المسافة في المكان البعيد كما في قوله تعالى ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ [فصلت: 51] أي دعاء كثير مُلح.
وجملة ﴿ وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ﴾ معترضة بين المتعاطفات.
و ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ هم المؤمنون بقرينة مقابلته ب ﴿ الذين في قلوبهم مرض ﴾ وبقوله ﴿ وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ﴾ .
فالمراد بالعلم الوحي والكُتب التي أوتيها أصحاب الرسل السابقين فإنهم بها يصيرون من أهل العلم.
وإطلاق ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ على المؤمنين تكرر في القرآن.
وهذا ثناء على أصحاب الرسل بأنهم أوتوا العلم، وهو علم الدّين الذي يبلغهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن نور النُّبوءة يشرق في قلوب الذين يصحبون الرسول.
ولذلك تجد من يصحب الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون قبل الإيمان جِلفاً فإذا آمن انقلب حكيماً، مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم».
وضمير ﴿ أنه الحق ﴾ عائد إلى العلم الذي أوتوه، أي ليزدادوا يقيناً بأن الوحي الذي أوتوه هو الحق لا غيره مما ألقاه الشيطان لهم من التشكيك والشبه والتضليل، فالقصر المستفاد من تعريف الجزأين قصر إضافي.
ويجوز أن يكون ضمير ﴿ أنه ﴾ عائداً إلى ما تقدم من قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ إلى قوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ ، أي أن المذكور هو الحق، كقول رُؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجِلد توليع البَهق أي كان كالمذكور.
وقوله ﴿ فيؤمنوا به ﴾ معناه: فيزدادوا إيماناً أو فيؤمنوا بالناسخ والمحكَم كما آمنوا بالأصل.
والإخباتُ: الاطمئنان والخشوع.
وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وبشر المخبتين ﴾ [الحج: 34]، أي فيستقر ذلك في قلوبهم كقوله تعالى: ﴿ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ [البقرة: 260].
وبما تلقيتَ في تفسير هذه الآية من الانتظام البيّن الواضح المستقل بدلالته والمستغني بنَهله عن عُلالته، والسالم من التكلّفات والاحتياج إلى ضميمة القصص ترى أن الآية بمعزل عما ألصقه بها الملصقون والضعفاء في علوم السُّنّة، وتلقاه منهم فريق من المفسرين حباً في غرائب النوادر دون تأمل ولا تمحيص، من أن الآية نزلت في قصة تتعلق بسورة النجم فلم يكتفوا بما أفسدوا من معنى الآية حتى تجاوزوا بهذا الإلصاق إلى إفساد معاني سورة النجم، فذكروا في ذلك روايات عن سعيد بن جبير، وابن شهاب، ومحمد بن كعب القرطبي، وأبي العالية، والضحاك وأقربُها رواية عن ابن شهاب وابن جبير والضحاك قالوا: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم جلس في ناد من أندية قُريش كثير أهله من مسلمين وكافرين، فقرأ عليهم سورة النجم فلما بلغ قوله: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ [النجم: 19- 20] ألقى الشيطان بين السامعين عقب ذلك قوله: ﴿ تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ﴾ ففرح المشركون بأن ذكَر آلهتهم بخير، وكان في آخر تلك السورة سجدة من سجود التلاوة، فلما سجد في آخر السورة سجد كلّ من حضر من المسلمين والمشركين، وتسامع الناس بأن قُريشاً أسلموا حتى شاع ذلك ببلاد الحبشة، فرجع من مهاجرة الحبشة نفرٌ منهم عثمان بن عفان إلى المدينة، وأن النبي لم يشعر بأن الشيطان ألقى في القوم، فأعلمه جبريل عليه السلام فاغتمّ لذلك فنزل قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ الآية تسلية له.
وهي قصة يجدها السامع ضِغثاً على إبَالة، ولا يلقي إليها النِّحرير بالَه.
وما رُويت إلا بأسانيد واهية ومنتهاها إلى ذكر قصة، وليس في أحد أسانيدها سماع صحابي لشيء في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وسندها إلى ابن عباس سندٌ مطعون.
على أنّ ابن عباس يوم نزلت سورة النجم كان لا يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم وهي أخبار آحاد تعارض أصول الدين لأنها تخالف أصل عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لا التباس عليه في تلقي الوحي.
ويكفي تكذيباً لها قوله تعالى: ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ [النجم: 3] وفي معرفة الملكَ.
فلو رووها الثقات لوجب رفضها وتأويلها فكيف وهي ضعيفة واهية.
وكيف يروج على ذي مُسكة من عقل أن يجْتمع في كلاممٍ واحد تسفيهِ المشركين في عبادتهم الأصنام بقوله تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ [النجم: 19] إلى قوله: ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ [النجم: 23] فيقع في خلال ذلك مدحها بأنها «الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى».
وهل هذا إلا كلام يلعنُ بعضُه بعضاً.
وقد اتفق الحاكون أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم كلها حتى خاتمتِها ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا ﴾ [النجم: 62] لأنهم إنما سجدوا حين سجد المسلمون، فدلّ على أنهم سمعوا السورة كلها وما بين آية ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ [النجم: 19] وبين آخر السورة آيات كثيرة في إبطال الأصنام وغيرها من معبودات المشركين، وتزييف كثير لعقائد المشركين فكيف يصحّ أن المشركين سجدوا من أجل الثناء على آلهتهم.
فإن لم تكن تلك الأخبار مكذوبة من أصلها فإن تأويلها: أن بعض المشركين وجدوا ذكر اللات والعُزّى فُرصة للدخَل لاختلاق كلمات في مدحهنّ، وهي هذه الكلمات وروّجُوها بين الناس تأنيساً لأوليائهم من المشركين وإلقاء للريب في قلوب ضعفاء الإيمان.
وفي «شرح الطيبي على الكشاف» نقلاً عن بعض المؤرّخين: أن كلمات «الغرانيق...» (أي هذه الجمل) من مفتريات ابن الزِّبعرى.
ويؤيد هذا ما رواه الطبري عن الضحاك: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه قصةُ آلهة العرب (أي قوله تعالى: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ [النجم: 19] الخ) فجعَل يتلو: اللاّتَ والعُزّى (أي الآية المشتملة على هذا) فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا ودنوا يستمعون فألقَى الشيطان تلك الغرانيق العُلَى مِنها الشفاعة ترتجَى» فإن قوله: «دنوا يستمعون فألقى الشيطان» الخ يؤذن بأنهم لم يسمعوا أول السورة ولا آخرها وأن شيطانهم ألقى تلك الكلمات.
ولعل ابن الزبعرى كانت له مقدرة على محاكاة الأصوات وهذه مقدرة توجد في بعض الناس.
وكنت أعرف فتى من أترابنا ما يحاكي صوت أحد إلا ظنه السامع أنه صوتُ المُحاكَى.
وأما تركيب تلك القصة على الخبر الذي ثبت فيه أنّ المشركين سَجدوا في آخر سورة النجم لما سجد المسلمون، وذلك مروي في الصحيح، فذلك من تخليط المؤلفين.
وكذلك تركيب تلك القصة على آية سورة الحجّ.
وكم بين نزول سورة النجم التي هي من أوائل السور النازلة بمكة وبين نزول سورة الحج التي بعضها من أول ما نزل بالمدينة وبعضها من آخر ما نزل بمكة.
وكذلك ربط تلك القصة بقصة رجوع من رَجع من مهاجرة الحبشة.
وكم بين مدّة نزول سورة النجم وبين سنة رجوع من رجع من مهاجرة الحبشة.
فالوجه: أن هذه الشائعة التي أشيعت بين المشركين في أول الإسلام، إنما هي من اختلاقات المستهزئين من سفهاء الأحلام بمكة مثل ابن الزبعرى، وأنهم عمدوا إلى آية ذُكرت فيها اللات والعُزّى ومناةَ فركّبوا عليها كلمات أخرى لإلقاء الفتنة في الناس وإنما خَصُّوا سورة النجم بهذه المرجَفة لأنهم حَضروا قراءتها في المسجد الحرام وتعلقت بأذهانهم وتطلباً لإيجاد المعذرة لهم بين قومهم على سجودهم فيها الذي جعله الله معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وقد سرى هذا التعسف إلى إثبات معنى في اللغة، فزعموا أن ﴿ تمنّى ﴾ بمعنى: قرأ، والأمنية: القراءة، وهو ادّعاء لا يوثق به ولا يُوجد له شاهد صريح في كلام العرب.
وأنشدوا بيتاً لحسان بن ثابت في رثاء عثمان رضي الله عنه: تمنّى كتاب الله أول لَيْله *** وآخره لاقى حِمام المَقادر وهو محتمل أن معناه تمنّى أن يقرأ القرآن في أول الليل على عادته فلم يتمكّن من ذلك بتشغيب أهل الحصار عليه وقتلوه آخر الليل.
ولهذا جعله تمنياً لأنه أحبَ ذلك فلم يستطع.
وربما أنشدوه برواية أخرى فظُنّ أنه شاهد آخر، وربما توهَموا الرواية الثانية بيتاً آخر.
ولم يذكر الزمخشري هذا المعنى في الأساس } .
وقد قدمنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ في سورة [البقرة: 78].
وجملة ﴿ إن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ﴾ معترضة.
والواو للاعتراض، والذين أوتوا العلم هم المؤمنون.
وقد جمع لهم الوصفان كما في قوله تعالى: ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ﴾ في سورة [الروم: 56].
وكما في سورة [سبأ: 6] ﴿ ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ﴾ فإظهار لفظ ﴿ الذين آمنوا ﴾ في مقام ضمير ﴿ الذين أوتوا العلم ﴾ لقصد مدحهم بوصف الإيمان، والإيماء إلى أن إيمانهم هو سبب هديهم.
وعكسه قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ [الزمر: 3].
فالمراد بالهُدى في كلتا الآيتين عناية الله بتيسيره وإلا فإن الله هدى الفريقين بالدعوة والإرشاد فمنهم من اهتدى ومنهم من كفر.
وكتب في المصحف ﴿ لهاد ﴾ بدون ياء بعد الدال واعتباراً بحالة الوصل على خلاف الغالب.
وفي الوقف يثبت يعقوب الياء بخلاف البقية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ إذا حَدَّثَ نَفْسَهُ ألْقى الشَّيْطانُ في نَفْسِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: إذا قَرَأ ألْقى الشَّيْطانُ في قِراءَتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، قالَ الشّاعِرُ : تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ ﴿ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّسُولَ والنَّبِيَّ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ، وإنَّما جَمَعَ بَيْنَهُما لِأنَّ الأنْبِياءَ تَخُصُّ البَشَرَ، والرُّسُلَ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والبَشَرَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُخْتَلِفانِ، وأنَّ الرَّسُولَ أعْلى مَنزِلَةً مِنَ النَّبِيِّ.
واخْتَلَفَ قائِلُ هَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ بِالوَحْيِ، والنَّبِيَّ يُوحى إلَيْهِ في نَوْمِهِ.
والثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ هو المَبْعُوثُ إلى أُمَّةٍ، والنَّبِيَّ هو المُحَدِّثُ الَّذِي لا يُبْعَثُ إلى أُمَّةٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الرَّسُولَ هو المُبْتَدِئُ بِوَضْعِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، والنَّبِيَّ هو الَّذِي يَحْفَظُ شَرِيعَةَ اللَّهِ، قالَهُ الجاحِظُ.
﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ﴾ أيْ يَرْفَعُهُ.
﴿ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ﴾ أيْ يُثْبِتُها، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيما قَرَأهُ النَّبِيُّ مِن ذَلِكَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ فَقَرَأهُ ساهِيًا.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ ناعِسًا فَألْقاهُ الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ فَقَرَأهُ في نُعاسِهِ قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَ المُنافِقِينَ تَلاهُ عَنْ إغْواءِ الشَّيْطانِ فَخُيِّلَ لِلنّاسِ أنَّهُ مِن تِلاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: إنَّما قالَ: هي كالغَرانِيقِ العُلا - يَعْنِي المَلائِكَةَ - وأنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى، أيْ في قَوْلِكم، قالَهُ الحَسَنُ.
سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ النَّجْمِ قَرَأها في المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى بَلَغَ ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِهِ (أُولَئِكَ الغَرانِيقُ العُلا.
وَأنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ وسَجَدَ.
وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ ورَفَعَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ تُرابًا إلى جَبْهَتِهِ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَقْدِرُ عَلى السُّجُودِ، ورَضِيَ بِذَلِكَ كَفّارُ قُرَيْشٍ، وسَمِعَ بِذَلِكَ مَن هاجَرَ لِأرْضِ الحَبَشَةِ.
فَأنْكَرَ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ ما قَرَأهُ، وشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أوَّلُهُما: مِحْنَةً.
الثّانِي: اخْتِبارًا.
﴿ لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ نِفاقٌ.
﴿ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ.
﴿ وَإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَفي ضَلالٍ طَوِيلٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَفي فِراقٍ لِلْحَقِّ بَعِيدٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبي ولا محدث ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: إن فيما أنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ ﴿ ولا محدث ﴾ فنسخت محدث والمحدثون: صاحب يس ولقمان وهو من آل فرعون، وصاحب موسى.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل.
وأخرج عبد بن حميد من طريق السدي، عن أبي صالح قال: قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال المشركون: ان ذكر آلهتنا بخير، ذكرنا آلهته بخير ف ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ [ النجم: 19- 20] إنهن لفي الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
قال: فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ .
فقال ابن عباس: إن أمنيته؛ أن يسلم قومه.
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ففرح المشركون بذلك، وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل فقال: اقرأ عليَّ ما جئتك به، فقرأ ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى.
فقال: ما أتيتك بهذا!
هذا من الشيطان.
فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ﴾ إلى آخر الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى.
قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، ثم جاءه جبريل بعد ذلك قال: اعرض عليَّ ما جئتك به.
فلما بلغ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى.
قال له جبريل: لم آتك بهذا؛ هذا من الشيطان فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ألقى الشيطان: إن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى.
فعلق يتلوها، فنزل جبريل فنسخها، ثم قال: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ إلى قوله: ﴿ حكيم ﴾ .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ومن طريق أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنه، ومن طريق سليمان التيمي، عمن حدثه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وهو بمكة، فأتى على هذه الآية ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ فألقى الشيطان على لسانه: إنهن الغرانيق العلى.
فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق يونس، عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ سورة النجم، فلما بلغ ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ قال: إن شفاعتهن ترتجى، وسها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ففرح المشركون بذلك فقال: «إلا إنما كان ذلك من الشيطان» فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ حتى بلغ ﴿ عذاب يوم عقيم ﴾ مرسل صحيح الإسناد.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: لما أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكن لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر.
وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنته ضلالتهم، فكان يتمنى كف أذاهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ القى الشيطان عندها كلمات، حين ذكر الطواغيت، فقال: وانهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى.
فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب مشرك بمكة، وذلقت بها ألسنتهم، وتباشروا بها وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأوّل، ودين قومه.
فلما بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة.
فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ .
فلما بيَّن الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين، واشتدوا عليه.
وأخرجه البيهقي في الدلائل، عن موسى بن عقبة، ولم يذكر ابن شهاب.
وأخرج الطبراني، عن عروة مثله سواء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا: جلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء؛ فيتفرقون عنه.
فأنزل الله عليه ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ [ النجم: 1] فقرأها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ [ النجم: 19] .
ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.
فتكلم بها، ثم مضى فقرأ السورة كلها، ثم سجد في آخر السورة وسجد القوم جميعاً معه، ورضوا بما تكلم به، فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين الكلمتين.
فقال رسول الله:- صلى الله عليه وسلم- افتريت على الله وقلت ما لم يقل.
فأوحى الله إليه ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ [ الإسراء: 73] إلى قوله: ﴿ نصيراً ﴾ [ الإسراء: 75] فما زال مغموماً مهموماً من شأن الكلمتين، حتى نزلت ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ .
فسري عنه وطابت نفسه.
وأخرج ابن جرير، عن الضحاك: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو بمكة أنزل عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها، فسمعه أهل مكة وهو يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك ودنوا يسمعون، فألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ إلى قوله: ﴿ حكيم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند صحيح، عن أبي العالية قال: قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو ذكرت آلهتنا في قولك قعدنا معك، فإنه ليس معك إلا أراذل الناس وضعفاؤهم، فكانوا إذا رأونا عندك تحدث الناس بذلك فأتوك.
فقام يصلي فقرأ ﴿ والنجم ﴾ حتى بلغ ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى ومثلهن لا ينسى، فلما فرغ من ختم السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون.
فبلغ الحبشة: ان الناس قد أسلموا، فشق ذلك على النبي- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب يوم عقيم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: نزلت سورة النجم بمكة، فقالت قريش: يا محمد، إنه يجالسك الفقراء والمساكين ويأتيك الناس من أقطار الأرض، فإن ذكرت آلهتنا بخير جالسناك، فقرأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سورة ﴿ النجم ﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ [ النجم: 19] ألقى الشيطان على لسانه: وهي الغرانيق العلى شفاعتهن ترتجى.
فلما فرغ من السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون، إلا أبا احيحة [ ] سعيد بن العاص؛ فإنه أخذ كفاً من تراب فسجد عليها وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير، فبلغ ذلك المسلمين الذين كانوا بالحبشة: أن قريشاً قد أسلمت، فأرادوا أن يقبلوا واشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة قال: بينما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلم بها، وتعلق بها المشركون عليه فقال: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ فألقى الشيطان على لسانه، ونعس، وإن شفاعتهم لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون، وأخبرهم الشيطان: أن نبي الله- صلى الله عليه وسلم- قد قرأها فذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ .
فدحر الله الشيطان، ولقن نبيه حجته.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قرأ النجم، فألقى الشيطان على فيه أحكم آياته.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال: قرأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات يوم ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى ﴾ [ النجم: 19- 22] فألقى الشيطان على لسان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تلك إذن في الغرانيق العلى تلك إذن شفاعة ترتجى، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجزع!
فأوحى الله إليه ﴿ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً ﴾ [ النجم: 26] ثم أوحى إليه ففرج عنه ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ إلى قوله: ﴿ حكيم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليصلي، فبينما هو يقرأ، إذ قال: ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ فألقى الشيطان على لسانه فقال: تلك الغرانقة العلى وإن شفاعتهن ترتجى، حتى إذا بلغ آخر السورة سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره آلهتهم، فلما رفع رأسه حملوه، فاشتدوا به بين قطري مكة يقولون: نبي بني عبد مناف، حتى إذا جاءه جبريل عرض عليه، فقرأ ذينك الحرفين، فقال جبريل معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا!
فاشتد عليه فأنزل الله يطيب نفسه ﴿ وما أرسلنا من قبلك ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ يقول: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ إذا تمنى ﴾ يعني بالتمني التلاوة والقراءة ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ في تلاوة النبي ﴿ فينسخ الله ﴾ ينسخ جبريل بأمر الله ﴿ ما ألقى الشيطان ﴾ على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ إذا تمنى ﴾ قال: تكلم في أمنيته قال: كلامه.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج ﴿ ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: المنافقون ﴿ والقاسية قلوبهم ﴾ يعني المشركين ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال: القرآن ﴿ ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ﴾ قال: من القرآن ﴿ عذاب يوم عقيم ﴾ قال: ليس معه ليلة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في ﴿ مرية منه ﴾ قال: مما جاء به الخبيث إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة.
وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ عذاب يوم عقيم ﴾ قال: يوم بدر.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي بن كعب قال: أربع كن يوم بدر ﴿ أو يأخذهم عذاب يوم عقيم ﴾ ذاك يوم بدر ﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ [ الفرقان: 77] ذاك يوم بدر ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى ﴾ [ الدخان: 16] ذاك يوم بدر ﴿ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ﴾ [ السجدة: 21] ذاك يوم بدر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ عذاب يوم عقيم ﴾ قال: يوم بدر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد عذاب ﴿ يوم عقيم ﴾ قال: يوم القيامة لا ليلة له.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الضحاك مثله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ هذه اللام تتعلق بقوله: ﴿ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ (١) قال ابن عباس: شك ونفاق، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، وازدادوا تحيرًا، وظنوا أن محمدًا يقول الشيء من عند نفسه ثم يندم فيبطله، وكذلك المشركون ازدادوا شرًّا وضلالة وتكذيبًا (٢) ﴿ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد المشركين، وهم الذين لا تلين قلوبهم لأمر الله (٣) وهذا صريح في أن الله تعالى أراد فتنتهم وضلالتهم (٤) قوله: ﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة.
﴿ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ قال ابن عباس: لفي اختلاف شديد (٥) وقال الزجاج: الشقاق غاية العداوة (٦) (١) في معلّق اللام في قوله "ليجعل" ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكره المؤلف وهو أنها متعلقه بـ"ألقى"، واستظهره الشنقيطي 5/ 733.
الثاني: أنها متعلّقة بـ"يحكم" أي: يحكم الله آياته ليجعل.
وهذا القول: عزاه أبو حيان 6/ 382 للحوفي، واستظهره السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 298.
الثالث: أنها متعلقة بـ"ينسخ" وإليه ذهب ابن عطية 10/ 308.
(٢) ذكره البغوي 5/ 395 هذا القول إلى قوله: فيبطله.
من غير نسبة لأحد.
وانظر "النكت" للماوردي 4/ 36، و"البحر" لأبي حيان 6/ 382.
(٣) روى الطبري 17/ 191 عن ابن جريج هذا القول مختصرًا.
وذكر الماوردي 4/ 36، والبغوي 5/ 395 هذا القول من غير نسبة.
(٤) في (ظ): (وضلالهم).
(٥) ذكره البغوي 5/ 395 من غير نسبة لأحد.
وذكر الماوردي 6/ 36 في الآية وجهين: أحدهما: لفي ضلال بعيد.
وعزاه للسدي، والثاني: لفي فراق للحق بعيد إلى يوم القيامة.
وعزاه ليحيى بن سلام.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 434.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِّيَجْعَلَ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ يَنسَخُ ﴾ و ﴿ يُحْكِمُ ﴾ ﴿ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ أي أهل الشك ﴿ والقاسية قُلُوبُهُمْ ﴾ المكذبون، وقيل: ﴿ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ عامة الكفار، ﴿ والقاسية قُلُوبُهُمْ ﴾ أشدُّ كفراً وعتوّاً كأبي جهل ﴿ وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ يعني بالظالمين المذكورين قبل، ولكنه جعل الظاهر موضع المضمر، ليقضي عليهم بالظلم، والشقاق: العداوة، ووصفه ببعيد، لأنه في غاية الضلال والبعد عن الخير.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ نكيري ﴾ بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب.
وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ أهلكتها ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون ﴿ أهلكناها ﴾ ﴿ وبير ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف.
﴿ يعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو.
ثم ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ابن عامر ﴿ وأن ما يدعون ﴾ بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.
الوقوف: ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ ولوط ﴾ ه ﴿ مدين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ أخذتهم ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ مشيد ﴾ ه ﴿ يسمعون بها ﴾ ه للابتداء بأن مع الفاء ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ وعده ﴾ ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ أخذتها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للابتداء مع الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أمنيته ﴾ ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه لا ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يرضونه ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ج ﴿ لينصرنه الله ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ز لنوع عدول مع العطف ﴿ مخضرة ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد ضمان النصر لنبيه والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف.
قال جار لله.
إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟
والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.
قوله ﴿ وهي ظالمة فهي خاوية ﴾ الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ﴿ أهلكناها ﴾ وهذه ليس لها محل.
قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ﴾ قوله ﴿ وبئر معطلة ﴾ عطف على ﴿ قرية ﴾ أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟
فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها.
وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله ﴿ على عروشها ﴾ بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف.
وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب.
يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم.
يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟
قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى.
ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً ﴿ أفلم يسيروا ﴾ حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا.
ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ﴾ والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال ﴿ فإنها ﴾ أي إن القصة ﴿ لا تعمى الأبصار ﴾ أي أبصارهم ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ فإنها ﴾ ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل ﴿ تعمى ﴾ ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم.
والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.
وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة.
ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً.
وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.
وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله ﴿ فكيف كان نكير ﴾ ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي.
ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل ﴿ يا ايها الناس ﴾ وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس.
قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.
قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها.
والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال ﴿ والذين سعوا في آياتنا ﴾ أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً.
قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه.
والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم.
ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة.
"عن النبي أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟
قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً" .
قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم.
وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة { ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله هذه الآية.
واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول.
أما القرآن فكقوله ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ وقوله ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ وقوله { ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ﴾ نفى القرب من الركون فكيف به؟
وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.
هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.
وقد روى البخاري في صحيحه أنه قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.
وأما المعقول فهو أن النبي بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟
وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص.
وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر.
وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه.
وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه.
إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى".
وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها.
وكيف وقعت؟
ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد.
وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول.
وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي.
قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته.
وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان.
وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس.
وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله ﴿ إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ﴾ وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً.
ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.
وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.
والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث.
والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي.
وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.
أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق.
القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق.
وما تلك الوسوسة؟
قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده.
وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث.
وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات.
وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله يثبته على ذلك نظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ﴾ واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟
وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي.
والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم.
وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان.
ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم.
وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك.
فقلت "تلك الغرانيق" الخ.
وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين.
فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية.
وأما قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة.
ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية.
وقوله ﴿ وإن الظالمين ﴾ أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة.
وأعلم أنه ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله ﴿ وليجعل ﴾ الآية.
وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن.
وعن الكلبي: أي النسخ.
قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير.
﴿ فتخبت ﴾ تخضع وتطمئن ﴿ له قلوبهم ﴾ بناء على أصلي الفريقين.
والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول.
قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر.
ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم.
قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء.
وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة.
ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير.
واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً.
ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد.
سلمنا أنه للعطف على ﴿ تأتيهم ﴾ إلا أن اللام في ﴿ الذين كفروا ﴾ للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.
ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار.
ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف.
يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟
فأنزل الله عز وجل ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ﴾ قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر.
ولا يبعد حمل الآية على الفريقين.
والرزق الحسن نعيم الجنة.
وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال.
وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً ﴾ وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت.
قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم.
﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق.
ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير.
وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد.
وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله قال "المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان" فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية.
وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم.
قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع.
وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم.
وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿ وإن الله لعليم ﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿ حليم ﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.
ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ﴿ ذلك ﴾ قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا.
عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ ومن عاقب ﴾ أي قاتل ﴿ بمثل ما عوقب به ﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.
ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة.
وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.
واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه.
وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور.
ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح.
ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.
ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران.
وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم.
ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ﴿ ذلك ﴾ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان.
ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً.
وإنما قال ههنا ﴿ من دونه هو الباطل ﴾ بزيادة هو وفي "لقمان" ﴿ من دونه الباطل ﴾ لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله ﴿ وإن الله لهو الغني الحميد ﴾ بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا.
ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال ﴿ الم تر ﴾ قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات.
وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها.
وفي قوله ﴿ فتصبح ﴾ دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ ﴿ أنزل ﴾ إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له".
ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع.
وإنما لم ينصب ﴿ فتصبح ﴾ جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر.
إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه.
وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام".
ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها.
وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.
التأويل: ﴿ وكأين من قرية ﴾ قالب ﴿ أهلكناها ﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة.
﴿ وبئر معطلة ﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿ وقصر مشيد ﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿ أفلم يسيروا ﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الرحمن بذاته ﴿ أو آذان ﴾ قلوب ﴿ يسمعون بها ﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله.
وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿ أمليت لها ﴾ فيه انه يمهل ولنه لا يهمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: لا تنكرن جحدي هواك فإنما *** ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني.
والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ فيه أن النبي بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿ والذين هاجروا ﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ ثم قتلوا ﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿ أو ماتوا ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ليرزقهم الله رزقاً حسناً ﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان.
ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال.
﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال "ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ومن عاقب ﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿ بمثل ﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿ لينصرنه الله ﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿ إن الله لعفوّ ﴾ لما سلف ﴿ غفور ﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية.
﴿ يولج ﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿ أنزل من ﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿ فتصبح ﴾ أرض البشرية ﴿ مخضرة ﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ ﴾ ، أي: تلا ﴿ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ قيل: في تلاوته، وقراءته الآية.
قال عامة [أهل] التأويل: إن رسول الله إذا تمنى - أي: تلا في صلاته - أو حدث نفسه، ألقى الشيطان على لسانه عند تلاوته بـ ﴿ وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴾ ، حتى إذا انتهى إلى قوله: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ [قال]: "تلك الغرانيق العلا [وإن] شفاعتهن لترتجى".
ويذكرون أنه أتاه على صورة جبريل، فألقى عليه ما ذكروا، ثم أتاه جبريل فأخبره النبي بذلك، فقال له: إنه لم ينزل عليه قط شيئاً مثله.
وأمثال ما قالوا.
لكنه لو كان ما ذكر هؤلاء كيف عرفه في المرة الثانية أنه جبريل، وأنه ليس بشيطان، ولا يؤمن أنه يلبس عليه في وقت آخر في أمثاله.
وقال قتادة: إنّه كان يتمنى أن يذكر الله آلهتهم بعيب، فلما قرأ تلك الآية ﴿ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ﴾ قال: "إنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى عندهم"، يعني به: عند أولئك الكفرة، وهم على ذلك كانوا يعبدونها.
وقال الحسن: إنه أراد بقوله: " تلك الغرانيق العلا و [إن] شفاعتهن لترتجى": الملائكة؛ لأنهم كانوا يعبدون الملائكة؛ رجاء أن يشفعوا لهم يوم القيامة، فأخبر أن شفاعة الملائكة ترتجى.
وهذان التأويلان أشبه من الأوّل.
والأشبه - عندنا -: أن يكون على غير هذا الذي قالوا، وهو أن قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ أي: عند تلاوته القرآن في قلوب الكفرة ما يجادلون به رسول الله ويحاجّونه؛ فيشبهون بذلك على الأتباع ليتبعوهم، وهو نحو قولهم: إنه يحرم ما ذبحه الله، ويحل ما ذبح هو بنفسه.
ونحو قولهم عند نزول قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ فقالوا: إن عيسى وعزيراً والملائكة عُبِدوا دون الله فهم حصب جهنم إذن، ونحو صرفهم قوله: ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ إلى حساب الجُمَّل، وأمثال هذا ممّا حاجّوا رسول الله وجادلوه به، فأخبر أنه ينسخ مجادلتهم ومحاجتهم رسوله، وأنّه يُحكم آياته، حيث قال عند قولهم: إنّه يحل ذبح نفسه ويحرم ذبح الله، فبيّن أنه بم حرم هذا؟
وبم حل الآخر؟
وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ ولكن كلوا ممّا ذكر اسم الله عليه.
فبيّن أنّه إنما حلّ هذا بذكر اسم الله عليه، وحرم الآخر بترك ذكر اسم الله عليه.
وبين في قولهم: إن عيسى عبد دون الله والملائكة عبدوا دونه، فهم ليسوا بحصب جهنم، حيث استثنى أولئك فقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ...
﴾ الآية [الأنبياء: 101]، وأبطل مجادلتهم ومحاجتهم، بصرفهم الآية إلى حساب الجُمَّل بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ...
﴾ الآية [آل عمران: 7] فهذا - والله أعلم - تأويل قوله -: ﴿ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ ﴾ نسخ ما ألقى الشيطان في قلوب أولئك الكفرة ما به جادلوه، وأحكم آياته بما ذكرنا.
ثم إن ثبت ما ذكر ابن عباس وعامة من ذكرنا، حيث قالوا: جرى على لسانه ذلك، فجائز عندنا جري الخطأ على لسان من عصم إذا عرف السامع منه مذهبه ودينه الذين يدين به، عرف السامع منه مذهبه ودينه الذي يدين به، عرف أن ما جري غلطا وخطأ، نحو من يعتقد مذهباً وينتحل نحلة، فجرى على لسانه خلاف ما يعرف منه الاعتقاد، يعرف أنه جرى على لسانه غلطاً، فعلى ذلك الذي ذكره أهل التأويل؛ إن ثبت ما ذكروا عنه أنه قال ذلك.
والأشبه فيه ما ذكرنا من إلقاء الشيطان في قلوب الكفرة ما يجادلون به رسول الله ويحاجّونه، كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ...
﴾ الآية [الأنعام: 121].
وقال القتبي: ﴿ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ ﴾ أي: تلا القرآن ﴿ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ ﴾ أي: في تلاوته.
وكذلك قال أبو عوسجة، وقال أمانِيَّ مشدّدة جمع.
وقال غيرهما: إذا تمنى: إذا حدث، وفي أمنيته: في حديثه.
قال بعضهم: تمنى وأمنيته: هو من تمني النفس، كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ...
﴾ الآية [النساء: 32]، ونحوه وهو قول الحسن: تمنى كبعض ما تمنى الناس من الدنيا.
وقال قتادة: تمنى ما ذكرنا من تمني النفس أن يذكر آلهتهم التي كانت تدعى وترجى شفاعتهن، على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ هذا تأويل القوم: ليجعل ما يُلقي الشيطان في قلوب أولئك الكفرة فتنة للذين ذكر؛ لما ظنوا لعله لا يقدر الإجابة لهم، أو لا يحضره ما يجيبهم؛ فيكون ذلك فتنة لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ كأنهم هم المنافقون؛ لأنهم هم الموصوفون المسمّون بهذا الاسم، كقوله: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾ كأنهم هم الرؤساء المكابرون المعاندون لرسول الله، والكفرة كلهم موصوفون بقساوة قلوبهم، كقوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ يحتمل: أي: لفي عناد وفي مكابرة، بعيد عن الإجابة له، أو بعيد لاستماع الحق وقبوله.
وقيل: شقاق: أي: خلاف بعيد، أي: لا يرجعون إلى الوفاق أبداً.
وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ﴾ هذه الآية كالآيات التي ذكرناها فيما تقدم، من ذلك قوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...
﴾ الآية [التوبة: 124-125]، ونحوها من الآيات التي وصفت أهل التوحيد بالقبول لها والخضوع والإقبال إليها، ووصفت أهل الكفر بالرد والتكذيب، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ علم الذين أوتوا العلم أن القرآن ومحمداً لحق من ربّك؛ لأنهم نظروا إليه بالتعظيم والتبجيل والخضوع له، فأقروا به، فزاد لهم بذلك هدى ورحمة وشفاء، وأولئك نظروا إليه بالاستخفاف والاستهزاء والتكذيب، فزاد لهم بذلك رجساً وضلالا وفسادا.
وقوله: ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ .
قال بعضهم: هو يوم بدر.
وقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة وهو شديد.
وجائز أنه سمّاه عقيماً؛ لأنه لا يرجى النجاة منه، وكذلك سميت المرأة التي لا تلد: عقيماً؛ لما لا يرجى منها الوليد.
وقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ قال الحسن: الملك في الأحوال كلها لله في الدّنيا والآخرة، لكن تأويل قوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ أي: الحكم يومئذ لله، هو يحكم بينهم دون الخلائق؛ لأن في الدّنيا من قد حكم غيره، فأمّا يومئذ فالحكم له.
[و] عندنا: تخصيص الحكم يومئذ له بالذكر وإن كان الملك في الأيّام كلها لله؛ لأنّهم جميعاً يقرون له بالملك يومئذ، لا أحد ينازع، وفي الدنيا من قد ادعى الملك لنفسه، وهو ما ذكره في قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ ، ونحوه، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيٰتِنَا فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ ظاهر تأويله.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوۤاْ أَوْ مَاتُواْ ﴾ أمّا أهل التأويل فإنّهم صرفوا تأويل الآية إلى الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقتلوا أو ماتوا حتف أنفهم، فإن لهم ما ذكر من الرزق الحسن والمدخل المرضي، وظاهره أن يكون في الذين هاجروا إلى رسول الله، فإن كان فيهم ففيه دلالة نقض قول الروافض، حيث قالوا: ارتد عامتهم، حيث شهد الله لهم بالجنة، والرزق الحسن، والمدخل المرضي، قتلوا أو ماتوا حتف أنفهم؛ فلا يحتمل أن يكون منهم ما قالوا.
قال القتبي: قوله: ﴿ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، أي: تخضع وتذل، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ﴾ .
وقال: ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ كأنه عقم عن أن يكون فيه خيرا وفرجاً للكافر.
وقال أبو عوسجة: ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ شديد، وهو ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ قيل: هو الجنة؛ لأنه إنما ذكر بعد الموت والقتل؛ فلا يكون رزق حسن إلا في الجنة يستحسنها كل طبع وعقل.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ أخبر أنه خير الرازقين وإن لم يكن رازق سواه؛ لأنهم كانوا يطمعون ويطلبون الرزق والسّعة من عند من سواه، حيث كانوا يعبدون من دونه طمعاً في السّعة، فأخبر أنه هو الرزاق، ومنه يطمع الرزق والسّعة؛ لأنه هو المالك لذلك، وهو ما قال: ﴿ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإن لم يكن خالق سواه.
وقوله: ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ ﴾ وهو الجنة أيضاً، يرضى بها كل طبع وعقل، ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ عليم بما صنع بأوليائه أعداؤه، أو ما صنع هو بأوليائه، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ حيث آخر الانتقام من أعدائه، لم ينتقم منهم وقت صنيعهم بما صنعوا بأوليائه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يُلْقِي الشيطان في قراءة النبي ليصيّر الله ما يلقيه امتحانًا للمنافقين، وللذين قست قلوبهم من المشركين، وإن الظالمين من المنافقين والمشركين لفي عداوة لله ورسوله وبُعْدٍ عن الحق والرشاد.
<div class="verse-tafsir" id="91.AvWDb"
قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.
يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.
ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.
عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.
مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.
نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ - الآية.
وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.
قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..
ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.
روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.
في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.
اهـ.
فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).
وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..
-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.
وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ الآية.
قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.
وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.
وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.
وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.
قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..
وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل ، وذلك كله ممتنع في حقه ، أو يقول ذلك النبي من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾ .
وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ .
(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.
(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.
(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.
وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!
وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.
قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.
انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.
أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...
إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.
هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.
هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.
تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.
ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.
فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.
وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.
ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ .
إلى آخر الآيات.
ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.
فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.
وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.
والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.
هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.
ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ إلخ الآيات.
وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.
والله أعلم.
(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.
قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.
وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.
ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.
وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.
غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ .
وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.
وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.
إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.
وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.
لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.
والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.
ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.
فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ .