الآية ٧٤ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٧٤ من سورة الحج

مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٤ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٤ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( ما قدروا الله حق قدره ) أي : ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره ، من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها ، ( إن الله لقوي عزيز ) أي : هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء ، ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] ، ( إن بطش ربك لشديد .

إنه هو يبدئ ويعيد ) [ البروج : 12 ، 13 ] ، ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) [ الذاريات : 58 ] .

وقوله : ( عزيز ) أي : قد عز كل شيء فقهره وغلبه ، فلا يمانع ولا يغالب ، لعظمته وسلطانه ، وهو الواحد القهار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال: هذا مثل ضربه الله لآلهتهم، وقرأ ( ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه.

وقوله ( إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ ) يقول: إن الله لقويّ على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره عزيز : يقول: منيع في مُلكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من مُلكه شيئا, وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب، ولا على الامتناع من الذباب، إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيزقوله تعالى : ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق عظمته ؛ حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له .

وقد مضى في ( الأنعام ) .

إن الله لقوي عزيز تقدم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين.

فهذا ما قدر { اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } حيث سوى الفقير العاجز من جميع الوجوه، بالغني القوي من جميع الوجوه، سوى من لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بمن هو النافع الضار، المعطي المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف.

{ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي: كامل القوة، كامل العزة، من كمال قوته وعزته، أن نواصي الخلق بيديه، وأنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بإرادته ومشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن كمال قوته، أنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ومن كمال قوته، أنه يبعث الخلق كلهم، أولهم وآخرهم، بصيحة واحدة، ومن كمال قوته، أنه أهلك الجبابرة والأمم العاتية، بشيء يسير، وسوط من عذابه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ما قدروا الله حق قدره ) ما عظموه حق عظمته وما عرفوه حق معرفته ، ولا وصفوه حق صفته إن أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه ، ( إن الله لقوي عزيز )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما قدروا الله» عظموه «حقَّ قدره» عظمته إذ أشركوا به ما لم يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه «إن الله لقوي عزيز» غالب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء المشركون لم يعظِّموا الله حق تعظيمه، إذ جعلوا له شركاء، وهو القوي الذي خلق كل شيء، العزيز الذي لا يغالَب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين ، قد وضعوا الأمور فى غير موضعها ، لجهلهم وغبائهم فقال : ( مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ .

.

.

) .أى : ما عظموا الله حق تعظيمه ، وما عرفوه حق معرفته ، حيث تركوا عبادة الواحد القهار ، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب منه .( إِنَّ الله لَقَوِيٌّ ) على خلق كل شىء ( عَزِيزٌ ) لا يغالبه مغالب ، ولا يدافعه مدافع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم.

أما قوله تعالى: ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلاً؟

والجواب: لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلاً.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ ضُرِبَ ﴾ يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء؟

الجواب: إذا كان ما يورد من الوصف معلوماً من قبل جاز ذلك فيه، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم.

أما قوله: ﴿ فاستمعوا لَهُ ﴾ أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع، وإنما ينفع التدبر.

واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين: الأول: قوله: ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾ قرئ يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنياً للمفعول ﴿ وَلَنْ ﴾ أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفياً مؤكداً فكأنه سبحانه قال: إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً، فقوله: ﴿ وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾ نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني: أن قوله: ﴿ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ كأنه سبحانه قال: أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه، فإن الذباب إن سلب منها شيئاً، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة، أما الثانية فلا، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول: فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني: فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة، فإن جهات التعظيم مختلفة، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب: أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم، فمن هاهنا صاروا مستوجبين للذم والملام.

أما قوله تعالى: ﴿ ضَعُفَ الطالب والمطلوب ﴾ ففيه قولان: أحدهما: المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة المطلوب الثاني: أن الطالب من عبد الصنم، والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالباً ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير، أما هاهنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفاً، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى، وهاهنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله: ﴿ ضَعُفَ ﴾ لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب، كما يقال للمرء عند المناظرة: ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه.

أما قوله: ﴿ مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عظموه حق تعظيمه، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام، وهو قوي لا يتعذر عليه فعل شيء وعزيز لا يقدر أحد على مغالبته، فأي حاجة إلى القول بالشريك.

قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام: إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى، فنزلت هذه الآية تكذيباً لهم ونزل قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ  ﴾ .

واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده، صمدي الذات سرمدي الصفات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته، حتى لا يسموا باسمه من هو منسلخ عن صفاته بأسرها، ولا يؤهلوه للعبادة، ولا يتخذوه شريكاً له: إن الله قادر غالب، فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيهاً به؟

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ أشْرَكُوا بِهِ وسَمُّوا بِاسْمِهِ ما هو أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْهُ مُناسِبَةً.

﴿ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ ﴾ عَلى خَلْقِ المُمَكِناتِ بِأسْرِها.

﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وآلِهَتُهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها عاجِزَةٌ عَنْ أقَلِّها مَقْهُورَةٌ مِن أذَلِّها.

﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ﴾ يَتَوَسَّطُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ بِالوَحْيِ.

﴿ وَمِنَ النّاسِ ﴾ يَدْعُونَ سائِرَهم إلى الحَقِّ ويُبَلِّغُونَ إلَيْهِمْ ما نُزِّلَ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ونَفى أنْ يُشارِكَهُ غَيْرُهُ في صِفاتِها بَيَّنَ أنَّ لَهُ عِبادًا مُصْطَفَيْنَ لِلرِّسالَةِ يُتَوَسَّلُ بِإجابَتِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ إلى عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو أعْلى المَراتِبِ ومُنْتَهى الدَّرَجاتِ لِمَن سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ تَقْرِيرًا لِلنُّبُوَّةِ وتَزْيِيفًا لِقَوْلِهِمْ ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ ، والمَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ مُدْرِكٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها.

﴿ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ عالِمٌ بِواقِعِها ومُتَرَقِّبُها.

﴿ وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ وإلَيْهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ كُلُّها لِأنَّهُ مالِكُها بِالذّاتِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ مِنَ الِاصْطِفاءِ وغَيْرِهِ وهم يُسْألُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ما قدروا الله حق} ما عرفوه حق معرفته حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكاً له {إِنَّ الله لْقَوِيٌ عَزِيزٌ} أي إن الله قادر وغالب فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيهاً به أو لقوي بنصر أوليائه عزيز ينتقم من أعدائه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ قالَ الحَسَنُ والفَرّاءُ: أيْ ما عَظَّمُوهُ سُبْحانَهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ فَإنَّ تَعْظِيمَهُ تَعالى حَقَّ تَعْظِيمِهِ أنْ يُوصَفَ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ويُعْبَدَ كَما أمَرَ أنْ يُعْبَدَ وهَؤُلاءِ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَإنَّهم عَبَدُوا مِن دُونِهِ مَن لا يَصْلُحُ لِلْعِبادَةِ أصْلًا وفي ذَلِكَ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِما نُزِّهَ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِن ثُبُوتِ شَرِيكٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ الأخْفَشُ: أيْ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَإنَّ مَعْرِفَتَهُ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ مَوْصُوفًا بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وهَؤُلاءِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ كَذَلِكَ لِشِرْكِهِمْ بِهِ وعِبادَتِهِمْ مِن دُونِهِ مَن سَمِعْتَ حالَهُ، وقِيلَ: حَقُّ المَعْرِفَةِ أنْ يُعْرَفَ سُبْحانَهُ بِكُنْهِهِ وهَذا هو المُرادُ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««سُبْحانَكَ ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ»» .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ما قَدَرُوا ﴾ إلَخْ إخْبارٌ عَنِ المُشْرِكِينَ وذَمٌّ لَهم ومَتى كانَ المُرادُ مِنهُ نَفْيَ المَعْرِفَةِ بِالكُنْهِ كانَ الأمْرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهم وبَيْنَ المُوَحِّدِينَ فَإنَّ المَعْرِفَةَ بِالكُنْهِ لَمْ تَقَعْ لِأحَدٍ مِنَ المُوَحِّدِينَ أيْضًا عِنْدَ المُحَقِّقِينَ ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ الخَبَرُ المَذْكُورُ لِدَلالَتِهِ عَلى عَدَمِ حُصُولِها لِأكْمَلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإذا لَمْ تَحْصُلْ لَهُ  فَعَدَمُ حُصُولِها لِغَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، واحْتِمالُ حَمْلِ المَعْرِفَةِ المَنفِيَّةِ فِيهِ عَلى اكْتِناهِ الصِّفاتِ لا يَخْفى حالُهُ، وكَذا احْتِمالُ حُصُولِ المَعْرِفَةِ بِالكُنْهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ الإخْبارِ المَذْكُورِ، وقَوْلُهُ  : ««تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِهِ فَإنَّكم لَنْ تَقْدُرُوا قَدْرَهُ»» .

والظّاهِرُ عُمُومُ الحُكْمِ دُونَ اخْتِصاصِهِ بِالمُخاطَبِينَ إذْ ذاكَ، وقَوْلُ الصِّدِّيقِ الأكْبَرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: العَجْزُ عَنْ دَرْكِ الإدْراكِ إدْراكٌ، وقَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُتِمًّا لَهُ بَيْتًا: والبَحْثُ عَنْ سِرِّ ذاتِ اللَّهِ إشْراكٌ.

بَلْ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ وشَيْخُهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ والصُّوفِيَّةُ والفَلاسِفَةُ بِامْتِناعِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُنْهِ، ونُقِلَ عَنْ أرِسْطُو أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: كَما تَعْتَرِي العَيْنَ عِنْدَ التَّحْدِيقِ في جِرْمِ الشَّمْسِ ظُلْمَةٌ وكُدُورَةٌ تَمْنَعُها عَنْ تَمامِ الإبْصارِ كَذَلِكَ تَعْتَرِي العَقْلَ عِنْدَ إرادَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ تَعالى حَيْرَةٌ ودَهْشَةٌ تَمْنَعُهُ عَنِ اكْتِناهِهِ سُبْحانَهُ.

ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَصْلُحُ بُرْهانًا لِلِامْتِناعِ وغايَةُ ما يُقالُ: إنَّهُ خِطابِيٌّ لا يَحْصُلُ بِهِ إلّا الظَّنُّ الغَيْرُ الكافِي في مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ، ومِثْلُهُ الِاسْتِدْلالُ بِأنَّ جَمِيعَ النُّفُوسِ المُجَرَّدَةِ البَشَرِيَّةِ وغَيْرِها مُهَذَّبَةً كانَتْ أوْ لا أنْقَصُ تَجَرُّدًا تَنَزُّهًا مِنَ الواجِبِ تَعالى والأنْقَصُ يَمْتَنِعُ لَهُ اكْتِناهُ مَن هو أشَدُّ تَجَرُّدًا وتَنَزُّهًا مِنهُ كامْتِناعِ اكْتِناهِ المادِّيّاتِ لِلْمُجَرَّداتِ، وكَذا الِاسْتِدْلالُ بِكَوْنِهِ تَعالى أقْرَبَ إلَيْنا مِن حَبْلِ الوَرِيدِ فَيَمْتَنِعُ إدْراكُهُ كَما يَمْتَنِعُ إدْراكُ البَصَرِ ما اتَّصَلَ بِهِ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ لَيْسَتْ بَدِيهِيَّةً بِالضَّرُورَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصٍ وإلى وقْتٍ فَلا تَحْصُلُ لِأحَدٍ في وقْتٍ بِالضَّرُورَةِ فَتَكُونُ كَسَبِيَّةً والكَسْبُ إمّا بِحَدٍّ تامٌّ أوْ ناقِصٌ وهو مُحالٌ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرَكُّبِ الواجِبِ لِوُجُوبِ تَرَكُّبِ الحَدِّ مِنَ الجِنْسِ القَرِيبِ أوِ البَعِيدِ ومِنَ الفَصْلِ مَعَ أنَّ الحَدَّ النّاقِصَ لا يُفِيدُ الكُنْهَ، وأمّا الحَدُّ البَسِيطُ بِمُفْرَدٍ فَمُحالٌ بَداهَةً فَإنَّ ذَلِكَ المُفْرَدَ إنْ كانَ عَيْنَ ذاتِهِ يَلْزَمُ تَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ عَلى مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ مُغايَرَةٍ بَيْنَهُما ولَوْ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ كَما في الحَدِّ المُرَكَّبِ مَعَ حَدِّهِ التّامِّ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَلا يَكُونُ حَدًّا بَلْ هو رَسْمٌ أوْ مَفْهُومٌ آخَرُ غَيْرَ مَحْمُولٍ عَلَيْهِ وإمّا بِرَسْمٍ تامٍّ أوْ ناقِصٍ ولا شَيْءَ مِنهُما مِمّا يُفِيدُ الكُنْهَ بِالضَّرُورَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ عَدَمَ إمْكانِ البَداهَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ الأشْخاصِ وإلى جَمِيعِ الأوْقاتِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ فَرُبَّما تَحْصُلُ بَعْدَ تَهْذِيبِ النَّفْسِ بِالشَّرائِعِ الحَقَّةِ وتَجْرِيدِها عَنِ الكُدُوراتِ البَشَرِيَّةِ والعَوائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، ولَوْ سَلَّمْنا عَدَمَ إمْكانِ البَداهَةِ كَذَلِكَ فَلَنا أنْ نَخْتارَ كَوْنَ المَعْرِفَةِ مِمّا تُكْتَسَبُ بِالحَدِّ التّامِّ المُرَكَّبِ مِنَ الجِنْسِ والفَصْلِ وغايَةُ ما يَلْزَمُ مِنهُ التَّرْكِيبُ العَقْلِيُّ ولَيْسَ بِمُحالٍ إلّا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ الخارِجِيَّ المُسْتَلْزِمَ لِلِاحْتِياجِ إلى الأجْزاءِ المُنافِي لِوُجُوبِ الوُجُودِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِذَلِكَ لِأنَّ المُخْتارَ عِنْدَ جَمْعٍ أنَّ أجْزاءَ الماهِيَّةِ مَأْخُوذَةٌ مِن أمْرٍ واحِدٍ بَسِيطٍ وهي مُتَّحِدَةٌ ماهِيَّةً ووُجُودًا فَتَكُونُ أُمُورًا انْتِزاعِيَّةً لا حَقِيقَتُهُ فَلا اسْتِلْزامَ، نَعَمْ يَكُونُ ذَلِكَ إنْ قُلْنا: إنَّ الأجْزاءَ مَأْخُوذَةٌ مِن أُمُورٍ مُتَغايِرَةٍ بِحَسَبِ الخارِجِ لَكِنْ لا نَقُولُ بِهِ لِأنَّهُ إنْ قِيلَ حِينَئِذٍ بِتَغايُرِ الأجْزاءِ أنْفُسِها ماهِيَّةً ووُجُودًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ طائِفَةٌ يَرِدُ لُزُومُ عَدَمِ صِحَّةِ الحَمْلِ بَيْنَها ضَرُورَةُ أنَّ المَوْجُودِينَ بِوُجُودَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ لا يُحْمَلُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ كَزَيْدٍ وعَمْرٍ و، وإنْ قِيلَ بِتَغايُرِها ماهِيَّةً لا وُجُودًا لِيَصِحَّ الحَمْلُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ طائِفَةٌ أُخْرى يَرِدُ لُزُومُ قِيامِ الوُجُودِ الواحِدِ بِالشَّخْصِ بِمَوْجُوداتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَغايِرَةٍ بِالماهِيَّةِ، ولَوْ سَلَّمْنا الِاسْتِلْزامَ بَيْنَ التَّرْكِيبِ العَقْلِيِّ والتَّرَكُّبِ الخارِجِيِّ فَلَنا أنْ نَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ الرَّسْمِ مِمّا يُفِيدُ الكُنْهَ بِالضَّرُورَةِ كَيْفَ وهو مُفِيدٌ فِيما إذْ كانَ الكُنْهُ لازِمًا لِلرَّسْمِ لُزُومًا بَيِّنًا بِالمَعْنى الأخَصِّ بَلْ يُمْكِنُ إفادَةُ كُلِّ رَسْمٍ إيّاهُ عَلى قاعِدَةِ الأشْعَرِيِّ مِنَ اسْتِنادِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ إلَيْهِ تَعالى بِلا شَرْطٍ وإنْ لَمْ تَقَعْ تِلْكَ الإفادَةُ أصْلًا إذِ الكَلامُ في امْتِناعِ حُصُولِ الكُنْهِ بِالكَسْبِ كَذا قالُوا (: واسْتَدَلَّ المُلّا صَدْرا عَلى نَفْيِ الأجْزاءِ العَقْلِيَّةِ لَهُ تَعالى بِأنَّ حَقِيقَتَهُ سُبْحانَهُ آنِيَةٌ مَحْضَةٌ ووُجُودٌ بَحْتٌ فَلَوْ كانَ لَهُ عَزَّ وجَلَّ جِنْسٌ وفَصْلٌ لَكانَ جِنْسُهُ مُفْتَقِرًا إلى الفَصْلِ لا في مَفْهُومِهِ ومَعْناهُ بَلْ في أنْ يُوجَدَ ويَحْصُلَ بِالفِعْلِ فَحِينَئِذٍ يُقالُ: ذَلِكَ الجِنْسُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ وُجُودًا مَحْضًا أوْ ماهِيَّةً غَيْرَ الوُجُودِ، فَعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ ما فَرَضْنا فَصْلًا لَيْسَ بِفَصْلٍ إذِ الفَصْلُ ما بِهِ يُوجَدُ الجِنْسُ وهَذا إنَّما يُتَصَوَّرُ إذا لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةُ الجِنْسِ حَقِيقَةَ الوُجُودِ، وعَلى الثّانِي يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الواجِبُ تَعالى ذا ماهِيَّةٍ وقَدْ حُقِّقَ أنَّ نَفْسَ الوُجُودِ حَقِيقَتُهُ بِلا شُمُولٍ، وأيْضًا لَوْ كانَ لَهُ تَعالى جِنْسٌ لَكانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ مَقُولَةِ الجَوْهَرِ وكانَ أحَدَ الأنْواعِ الجَوْهَرِيَّةِ فَيَكُونُ مُشارِكًا لِسائِرِها في الجِنْسِ وقَدْ بَرْهَنَ عَلى إمْكانِها وحَقَّقَ أنَّ إمْكانَ النَّوْعِ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ الجِنْسِ المُسْتَلْزِمِ لِإمْكانِ كُلِّ واحِدٍ مِن أفْرادِ ذَلِكَ الجِنْسِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مِصْداقًا لَهُ إذْ لَوِ امْتَنَعَ الوُجُودُ عَلى الجِنْسِ مِن حَيْثُ هو جِنْسٌ أيْ مُطْلَقًا لَكانَ مُمْتَنِعًا عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَإذًا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ إمْكانُ الواجِبِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ومَبْنى هَذا أنَّ حَقِيقَةَ الواجِبِ تَعالى هو الوُجُودُ البَحْتُ وهو مِمّا ذَهَبَ الحُكَماءُ وأجِلَّةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الوُجُودِ المَعْنى المَصْدَرِيَّ الَّذِي لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ فَإنَّهُ مِمّا لا شَكَّ في اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ حَقِيقَةَ الواجِبِ سُبْحانَهُ بَلْ هو بِمَعْنى مَبْدَأِ الآثارِ عَلى ما حَقَّقَهُ الجَلالُ الدَّوانِيُّ وأطالَ الكَلامَ فِيهِ في حَواشِيهِ عَلى شَرْحِ التَّجْرِيدِ وفي شَرْحِهِ لِلْهَياكِلِ النُّورِيَّةِ وفي غَيْرِهِما مِن رَسائِلِهِ، ولِلْمُلّا صَدْرًا في هَذا المَقامِ والبَحْثِ في كَلامِ الجَلالِ كَلامٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ وقَدْ حَقَّقَ الكَلامَ بِطَرْزٍ آخَرَ يُطْلَبُ مِن كِتابِهِ الأسْفارِ بَيْدَ أنّا نَذْكُرُ هُنا مِن كَلامِهِ سُؤالًا وجَوابًا يَتَعَلَّقانِ فِيما نَحْنُ فِيهِ فَنَقُولُ: قالَ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَكُونُ ذاتُ البارِي سُبْحانَهُ عَيْنَ حَقِيقَةِ الوُجُودِ والوُجُودُ بَدِيهِيُّ التَّصَوُّرِ وذاتُ البارِي مَجْهُولُ الكُنْهِ؟

قُلْتُ: قَدْ مَرَّ أنَّ شِدَّةَ الظُّهُورِ وتَأكُّدَ الوُجُودِ هُناكَ مَعَ ضَعْفِ قُوَّةِ الإدْراكِ وضَعْفِ الوُجُودِ ها هُنا صارَ مَنشَأيْنِ لِاحْتِجابِهِ تَعالى عَنّا وإلّا فَذاتُهُ تَعالى في غايَةِ الإشْراقِ والإنارَةِ، فَإنْ رَجَعْتَ وقُلْتَ: إنْ كانَ ذاتُ البارِي نَفْسَ الوُجُودِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الوُجُودُ حَقِيقَةَ الذّاتِ كَما هو المُتَبادَرُ أوْ يَكُونَ صادِقًا عَلَيْها صِدْقًا عَرَضِيًّا كَما يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعالى مَفْهُومُ الشَّيْءِ، وعَلى الأوَّلِ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ هَذا المَعْنى العامَّ البَدِيهِيَّ التَّصَوُّرِ المُنْتَزَعَ مِنَ المَوْجُوداتِ أوْ مَعْنًى آخَرَ والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ والثّانِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَقِيقَتُهُ تَعالى غَيْرَ ما يُفْهَمُ مِن لَفْظِ الوُجُودِ كَسائِرِ الماهِيّاتِ غَيْرَ أنَّكَ سَمَّيْتَ تِلْكَ الحَقِيقَةَ بِالوُجُودِ كَما إذا سُمِّيَ إنْسانٌ بِالوُجُودِ ومِنَ البَيْنِ أنَّهُ لا أثَرَ لِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ في الأحْكامِ وأنَّ هَذا القِسْمَ راجِعٌ إلى الواجِبِ لَيْسَ الوُجُودُ الَّذِي الكَلامُ فِيهِ ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الواجِبُ تَعالى ذا ماهِيَّةٍ وقَدْ بَرْهَنَ أنَّ كُلَّ ذِي ماهِيَّةٍ مَعْلُولٌ، وعَنِ الثّانِي وهو أنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِ تَعالى صِدْقًا عَرَضِيًّا فَلا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِيهِ عَنِ السَّبَبِ بَلْ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا ولِذَلِكَ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأخِّرِينَ مِنَ الحُكَماءِ إلى أنَّ الوُجُودَ مَعْدُومٌ فَأقُولُ: مَنشَأُ هَذا الإشْكالِ حُسْبانُ أنَّ مَعْنى كَوْنِ هَذا العامِّ المُشْتَرَكِ عَرَضِيًّا أنَّ لِلْمَعْرُوضِ مَوْجُودِيَّةً ولِلْعارِضِ مَوْجُودِيَّةً أُخْرى كالماشِي بِالنِّسْبَةِ إلى الحَيَوانِ والضّاحِكِ بِالقِياسِ إلى الإنْسانِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هَذا المَفْهُومُ عُنْوانٌ وحِكايَةٌ لِلْوُجُوداتِ العَيْنِيَّةِ ونِسْبَتُهُ إلَيْها نِسْبَةُ الإنْسانِيَّةِ إلى الإنْسانِ والحَيَوانِيَّةِ إلى الحَيَوانِ فَكَما أنَّ مَفْهُومَ الإنْسانِيَّةِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها عَيْنُ الإنْسانِ لِأنَّها مِرْآةٌ لِمُلاحَظَتِهِ وحِكايَةٌ عَنْ جِهَتِهِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّها غَيْرُهُ لِأنَّها أمْرٌ نِسْبِيٌّ والإنْسانُ ماهِيَّةٌ جَوْهَرِيَّةٌ، وبِالجُمْلَةِ الوُجُودُ لَيْسَ كالإمْكانِ حَتّى لا يَكُونَ بِإزائِهِ شَيْءٌ يَكُونُ المَعْنى المَصْدَرِيُّ حِكايَةً عَنْهُ بَلْ كالسَّوادِ الَّذِي قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْسُ المَعْنى النِّسْبِيِّ أعْنِي الأسْوَدِيَّةَ وقَدْ يُرادُ بِهِ ما يَكُونُ الشَّيْءُ أسْوَدَ أعْنِي الكَيْفِيَّةَ المَخْصُوصَةَ فَكَما أنَّ السَّوادَ إذا فُرِضَ قِيامُهُ بِذاتِهِ صَحَّ أنْ يُقالَ ذاتُهُ عَيْنُ الأسْوَدِيَّةِ وإذا فُرِضَ جِسْمٌ مُتَّصِفٌ بِهِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ إنَّ ذاتَهُ عَيْنُ الأسْوَدِيَّةِ مَعَ أنَّ هَذا الأمْرَ لِكَوْنِهِ اعْتِبارًا ذِهْنِيًّا زائِدًا عَلى الجَمِيعِ، إذا تَقَرَّرَ هَذا قُلْنا في الجَوابِ في التَّرْدِيدِ الأوَّلِ: نَخْتارُ الشِّقَّ الأوَّلَ وهو أنَّ الوُجُودَ حَقِيقَةُ الذّاتِ قَوْلُكَ في التَّرْدِيدِ الثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوُجُودُ ما يُفْهَمُ مِن لَفْظِ الوُجُودِ إلَخْ نَخْتارُ مِنهُ ما بِإزاءِ ما يُفْهَمُ مِن هَذا اللَّفْظِ أعْنِي حَقِيقَةَ الوُجُودِ الخارِجِيِّ الَّذِي هَذا المَفْهُومُ حِكايَةٌ عَنْهُ فَإنَّ لِلْوُجُودِ عِنْدَنا حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْجُودٍ كَما أنَّ لِلسَّوادِ حَقِيقَةً في كُلِّ أسْوَدَ لَكِنْ في بَعْضِ المَوْجُوداتِ مَخْلُوطٌ بِالنَّقائِصِ والإعْدامِ وفي بَعْضِها لَيْسَ كَذَلِكَ وكَما أنَّ السَّواداتِ مُتَفاوِتَةٌ في السَّوادِيَّةِ بَعْضُها أقْوى وأشَدُّ وبَعْضُها أضْعَفُ وأنْقَصُ كَذَلِكَ المَوْجُوداتُ بَلِ المَوْجُوداتُ مُتَفاوِتَةٌ في المَوْجُودِيَّةِ كَمالًا ونُقْصانًا، ولَنا أيْضًا أنْ نَخْتارَ الشِّقَّ الثّانِيَ مِن شَقَّيِ التَّرْدِيدِ الأوَّلِ إلّا أنَّ هَذا المَفْهُومَ الكُلِّيَّ وإنْ كانَ عَرَضِيًّا بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ بِحَسَبِ كَوْنِهِ مَفْهُومًا عُنْوانِيًّا وُجُودٌ في الخارِجِ حَتّى يَكُونَ عَيْنًا لِشَيْءٍ لَكِنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ نَفْسِ حَقِيقَةِ الوُجُودِ القائِمِ بِذاتِهِ وصادِقٌ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ مَنشَأُ صِدْقِهِ ومِصْداقُ حَمْلِهِ عَلَيْها نَفْسَ تِلْكَ الحَقِيقَةِ لا شَيْئًا آخَرَ يَقُومُ بِهِ كَسائِرِ العَرَضِيّاتِ في صِدْقِها عَلى الأشْياءِ فَصِدْقُ هَذا المَفْهُومِ عَلى الوُجُودِ الخاصِّ يُشْبِهُ صِدْقَ الذّاتِيّاتِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، فَعَلى هَذا لا يَرُدُّ عَلَيْنا قَوْلُكَ: صِدْقُ الوُجُودِ عَلَيْهِ لا يُغْنِيهِ عَنِ السَّبَبِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُغْنِيهِ عَنِ السَّبَبِ لَوْ كانَ مَوْجُودِيَّتُهُ بِسَبَبِ عُرُوضِ هَذا المَعْنى أوْ قِيامِ حِصَّةٍ مِنَ الوُجُودِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ الوُجُودُ الخاصُّ بِذاتِهِ مَوْجُودٌ كَما أنَّهُ بِذاتِهِ وُجُودٌ سَواءٌ حُمِلَ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الوُجُودِ أوْ لَمْ يُحْمَلْ، والَّذِي ذَهَبَ الحُكَماءُ إلى أنَّهُ مَعْدُومٌ لَيْسَ هو الوُجُوداتِ الخاصَّةَ بَلْ هَذا الأمْرُ العامُّ الذِّهْنِيُّ الَّذِي يَصْدُقُ عَلى الأيْناتِ والخُصُوصِيّاتِ الوُجُودِيَّةِ انْتَهى، وما أشارَ إلَيْهِ مِن تَعَدُّدِ الوُجُوداتِ قالَ بِهِ المَشّاءُونَ وهي عِنْدَ الأكْثَرِينَ حَقائِقُ مُتَخالِفَةٌ مُتَكَثِّرَةٌ بِأنْفُسِها لا بِمُجَرَّدِ عارِضِ الإضافَةِ إلى الماهِيّاتِ لِتَكُونَ مُتَماثِلَةَ الحَقِيقَةِ ولا بِالفُصُولِ لِيَكُونَ الوُجُودُ المُطْلَقُ جِنْسًا لَها، وقالَ بَعْضُهم بِالِاخْتِلافِ بِالحَقِيقَةِ حَيْثُ يَكُونُ بَيْنَها مِنَ الِاخْتِلافِ ما بِالتَّشْكِيكِ كَوُجُودِ الواجِبِ ووُجُودِ المُمْكِنِ وكَذا وُجُودُ المُجَرَّداتِ ووُجُودُ الأجْسامِ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ الحُكَماءِ المُتَأهِّلِينَ إنَّهُ لَيْسَ في الخارِجِ إلّا وُجُودٌ واحِدٌ شَخْصِيٌّ مَجْهُولُ الكُنْهِ وهو ذاتُ الواجِبِ تَعالى شَأْنُهُ وأمّا المُمْكِناتُ المُشاهَدَةُ فَلَيْسَ لَها وُجُودٌ بَلِ ارْتِباطٌ بِالوُجُودِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو الواجِبُ بِالذّاتِ ونِسْبَةٌ إلَيْهِ، نَعَمْ يُطْلَقُ عَلَيْها إنَّها مَوْجُودَةٌ بِمَعْنى أنَّ لَها نِسْبَةً إلى الواجِبِ تَعالى فَمَفْهُومُ المَوْجُودِ أعَمُّ مِنَ المَوْجُودِ القائِمِ بِذاتِهِ ومِنَ الأُمُورِ المُنْتَسِبَةِ إلَيْهِ نَحْوًا مِنَ الِانْتِسابِ وصِدْقُ المُشْتَقِّ لا يُنافِي قِيامَ مَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ بِذاتِهِ الَّذِي مَرْجِعُهُ إلى عَدَمِ قِيامِهِ بِالغَيْرِ ولا كَوْنُ ما صَدَقَ عَلَيْهِ أمْرًا مُنْتَسِبًا إلى المَبْدَأِ لا مَعْرُوضًا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما في الحِدادِ والمُشْمِسِ عَلى أنَّ أمْرَ إطْلاقِ أهْلِ اللُّغَةِ وأرْبابِ اللِّسانِ لا عِبْرَةَ بِهِ في تَصْحِيحِ الحَقائِقِ، وقالُوا: كَوْنُ المُشْتَقِّ مِنَ المَعْقُولاتِ الثّانِيَةِ والبَدِيهِيّاتِ الأوَّلِيَّةِ لا يُصادِمُ كَوْنَ المَبْدَأِ حَقِيقَةً مُتَأصِّلَةً مُتَشَخِّصَةً مَجْهُولَةَ الكُنْهِ وثانَوِيَّةَ المَعْقُولِ وتَأصُّلُهُ قَدْ يَخْتَلِفُ بِالقِياسِ إلى الأُمُورِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الأنْظارِ، ومِثْلُهُ ما دارَ عَلى ألْسِنَةِ طائِفَةٍ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ مِن أنَّ حَقِيقَةَ الواجِبِ هو الوُجُودُ المُطْلَقُ تَمَسُّكًا بِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمًا أوْ مَعْدُومًا وهو ظاهِرٌ ولا ماهِيَّةَ مَوْجُودَةٌ بِالوُجُودِ أوْ مَعَ الوُجُودِ تَعْلِيلًا أوْ تَقْيِيدًا لِما في ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِياجِ والتَّرْكِيبِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ وُجُودًا ولَيْسَ هو الوُجُودَ الخاصَّ لِأنَّهُ إنْ أُخِذَ مَعَ المُطْلَقِ فَمُرَكَّبٌ أوْ مُجَرَّدُ المَعْرُوضِ فَمُحْتاجٌ ضَرُورَةً احْتِياجَ المُقَيَّدِ إلى المُطْلَقِ، ومُتَمَسَّكُهم هَذا أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، والَّذِي حَقَّقْتُهُ مِن كُتُبِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ وكُتُبِ أصْحابِهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الوُجُودِ المُطْلَقِ بِمَعْنى الكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ المَوْجُودِ في الخارِجِ في ضِمْنِ أفْرادِهِ ولا بِمَعْنى أنَّهُ مَعْقُولٌ في النَّفْسِ مُطابِقٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن جُزْئِيّاتِهِ في الخارِجِ عَلى مَعْنى أنَّ ما في النَّفْسِ لِوُجُودٍ في أيِّ شَخْصٍ مِنَ الأشْخاصِ الخارِجِيَّةِ لَكانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ بِعَيْنِهِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا بَلْ بِمَعْنى عَدَمِ التَّقَيُّدِ بِغَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا بِذاتِهِ، فَفي البابِ الثّانِي مِنَ الفُتُوحاتِ أنَّ الحَقَّ تَعالى مَوْجُودٌ بِذاتِهِ لِذاتِهِ مُطْلَقُ الوُجُودِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِغَيْرِهِ ولا مَعْلُولٍ مِن شَيْءٍ ولا عِلَّةٍ لِشَيْءٍ بَلْ هو خالِقُ المَعْلُولاتِ والعِلَلِ، والمَلِكُ القُدُّوسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ، وفي النُّصُوصِ لِلصَّدْرِ القَوْنَوِيِّ تَصَوُّرُ إطْلاقِ الحَقِّ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يُتَعَقَّلَ بِمَعْنى أنَّهُ وصْفٌ سَلْبِيٌّ لا بِمَعْنى أنَّهُ إطْلاقٌ ضِدُّهُ القَيْدُ بَلْ هو إطْلاقٌ عَنِ الوَحْدَةِ والكَثْرَةِ المَعْلُومَتَيْنِ وعَنِ الحَصْرِ أيْضًا في الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ وفي الجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ والتَّنْزِيهِ عَنْهُ فَيَصِحُّ في حَقِّهِ كُلُّ ذَلِكَ حالَ تَنَزُّهِهِ عَنِ الجَمِيعِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ هو الوُجُودُ الخاصُّ الواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ القائِمُ بِذاتِهِ المُتَعَيَّنُ بِذاتِهِ الجامِعُ لِكُلِّ كَمالٍ المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ المُتَجَلِّي فِيما يَشاءُ مِنَ المَظاهِرِ مَعَ بَقاءِ التَّنْزِيهِ ثُمَّ قالَ: وهَذا ما يَقْتَضِيهِ أيْضًا قَوْلُ الأشْعَرِيِّ بِأنَّ الوُجُودَ عَيْنُ الذّاتِ مَعَ قَوْلِهِ الأخِيرِ في كِتابِهِ الإبانَةِ بِإجْراءِ المُتَشابِهاتِ عَلى ظَواهِرِها مَعَ التَّنْزِيهِ بِلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّ الواجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ مَوْجُودٌ فَهو إمّا الوُجُودُ المُجَرَّدُ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنُ بِذاتِهِ أوِ الوُجُودُ المُقْتَرِنُ بِالماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِحَسَبِها أوِ الماهِيَّةُ المَعْرُوضَةُ لِلْوُجُودِ المُتَعَيَّنُ بِحَسَبِها أوِ المَجْمُوعُ المُرَكَّبُ مِنَ الماهِيَّةِ والوُجُودِ المُتَعَيَّنُ بِحَسَبِها لا سَبِيلَ إلى الرّابِعِ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مِن لَوازِمِهِ الِاحْتِياجُ ولا إلى الثّالِثِ لِاحْتِياجِ الماهِيَّةِ في تَحَقُّقِها الخارِجِيِّ إلى الوُجُودِ ولا إلى الثّانِي لِاحْتِياجِ الوُجُودِ إلى الماهِيَّةِ في تَشَخُّصِهِ بِحَسَبِها والِاحْتِياجُ في الجَمِيعِ يُنافِي الوُجُوبَ الذّاتِيَّ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ فالواجِبُ سُبْحانَهُ المَوْجُودُ لِذاتِهِ هو الوُجُودُ المُجَرَّدُ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنُ بِذاتِهِ، ثُمَّ هو إمّا أنْ يَكُونَ مُطْلَقًا بِالإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ وهو الَّذِي لا يُقابِلُهُ تَقْيِيدُ القابِلِ لِكُلِّ إطْلاقٍ وتَقْيِيدٍ وإمّا أنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ مَخْصُوصٍ لا سَبِيلَ إلى الثّانِي لِأنَّ المُرَكَّبَ مِنَ القَيْدِ ومَعْرُوضَهُ مِن لَوازِمِهِ لِاحْتِياجِ المُنافِي لِلْوُجُوبِ الذّاتِيِّ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ فَواجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ هو الوُجُودُ المُجَرَّدُ عَنِ الماهِيَّةِ القائِمُ بِذاتِهِ المُتَعَيَّنُ بِذاتِهِ المُطْلَقُ بِالإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ، وأهْلُ هَذا القَوْلِ ذَهَبُوا إلى أنَّهُ لَيْسَ في الخارِجِ إلّا وُجُودٌ واحِدٌ وهو الوُجُودُ الحَقِيقِيُّ وأنَّهُ لا مَوْجُودَ سِواهُ وماهِيّاتُ المُمْكِناتِ أُمُورٌ مَعْدُومَةٌ مُتَمَيَّزَةٌ في أنْفُسِها تَمَيُّزًا ذاتِيًّا وهي ثابِتَةٌ في العِلْمِ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الوُجُودِ ولا تَشُمُّهُ أبَدًا لَكِنْ تَظْهَرُ أحْكامُها في الوُجُودِ المَفْرُوضِ وهو النُّورُ المُضافُ ويُسَمّى العَماءَ والحَقَّ المَخْلُوقَ بِهِ وهَؤُلاءِ هُمُ المَشْهُورُونَ بِأهْلِ الوَحْدَةِ، ولَعَلَّ القَوْلَ الَّذِي نَقَلْناهُ عَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ المُتَأهِّلِينَ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِمْ هو طَوْرٌ ما وراءَ طَوْرِ العَقْلِ وقَدْ ضَلَّ بِسَبَبِهِ أقْوامٌ وخَرَجُوا مِن رِبْقَةِ الإسْلامِ، وبِالجُمْلَةِ إنَّ القَوْلَ بِأنَّ حَقِيقَةَ الواجِبِ تَعالى غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِأحَدٍ عِلْمًا اكْتِناهِيًّا إحاطِيًّا عَقْلِيًّا أوْ حِسِّيًّا مِمّا لا شُبْهَةَ عِنْدِي في صِحَّتِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ المُحَقِّقُونَ حَتّى أهْلُ الوَحْدَةِ، والقَوْلُ بِخِلافِ ذَلِكَ المَحْكِيِّ عَنْ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ أصْلًا، ولا أدْرِي هَلْ تُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الحَقِيقَةِ أوْ لا تُمْكِنُ ولَعَلَّ القَوْلَ بِعَدَمِ إمْكانِها أوْفَقُ بِعَظَمَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ وجَلَّ عَنْ إحاطَةِ العُقُولِ سُلْطانَهُ، وأمّا شُهُودُ الواجِبِ بِالبَصَرِ فَفي وُقُوعِهِ في هَذِهِ النَّشْأةِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ السُّنَّةِ وأمّا في النَّشْأةِ الآخِرَةِ فَلا خِلافَ فِيهِ سِوى أنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قالُوا: إنَّهُ لا يَقَعُ إلّا بِاعْتِبارِ مَظْهَرٍ ما وأمّا بِاعْتِبارِ الإطْلاقِ الحَقِيقِيِّ فَلا، وأمّا شُهُودُهُ سُبْحانَهُ بِالقَلْبِ فَقَدْ قِيلَ بِوُقُوعِهِ في هَذِهِ النَّشْأةِ لَكِنَّ عَلى مَعْنى شُهُودِ نُورِهِ القُدْسِيِّ ويَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ الِاسْتِعْدادِ لا عَلى مَعْنى شُهُودِ نَفْسِ الذّاتِ والحَقِيقَةِ ومَنِ ادَّعى ذَلِكَ فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ فادَّعى ما ادَّعى.

هَذا ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ مِن ﴿ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ حَقُّ مَعْرِفَتِهِ ويُرادَ مِن حَقِّ مَعْرِفَتِهِ المُعَرَّفَةُ بِالكُنْهِ وكَوْنُها غَيْرَ حاصِلَةٍ لِأحَدٍ مُؤْمِنًا كانَ أوْ غَيْرَهُ لا يَضُرُّ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِأنَّ المُرادَ إثْباتُ عَظَمَتِهِ تَعالى المُنافِيَةِ لِما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ وكَوْنُ سُبْحانَهُ لا يَعْرِفُ أحَدٌ كُنْهَ حَقِيقَتِهِ يَسْتَدْعِي العَظَمَةَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ ﴾ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ ﴿ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ وقَدْ عَلِمْتَ حالَ آلِهَتِهِمُ المَقْهُورَةِ لِأذَلِّ العَجَزَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، يعني: ما عظموا الله حق عظمته، حين أشركوا به غيره ولم يوحدوه.

ويقال: ما وصفوه حق صفته ويقال: ما عرفوه حق معرفته كما ينبغي.

وقال ابن عباس: «نزلت الآية في يهود المدينة، حين قالوا: خَلَقَ السموات والأرض فِي ستة أيام، ثم استلقى فاستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى» ، وكذب أعداء الله، فنزل مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ في أمره، عَزِيزٌ يعني: منيع في ملكه، ومعبودهم لا قوة له ولا منفعة.

ويقال: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على عقوبة من جعل له شريكاً، عَزِيزٌ للانتقام منهم.

قوله عز وجل: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا قيل: جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، وملك الموت، والحفظة الذين يكتبون أعمال بني آدم عليهم السلام.

وَمِنَ النَّاسِ، يعني: ويختار من الناس رسلا، منهم: محمد، وعيسى، ونوح وموسى عليهم السلام فجعلهم أنبياء ورسلاً إلى خلقه.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ، أي سميع لمقالتهم، بَصِيرٌ بمن يتخذه رسولاً.

وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: أأنزل عليه الذكر من بيننا؟

فأخبر الله تعالى أنه سَمِيعٌ مقالة من يكفر، بَصِيرٌ بمن يصلح للرسالة فيختاره ويجعله رسولاً.

ثم قال عز وجل: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، يعني: من أمر الآخرة وأمر الدنيا.

وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، يعني: عواقب الأمور في الآخرة ويقال: معناه منه بدأ وإليه يرجع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ أي: سَخَّرَ لنا سبحانه ما في الأرض من الحيوان والمعادِنِ وسائر المرافق، وباقي الآية بين مما ذكر في غير هذا الموضع.

وقوله سبحانه: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً الآية، المنسك: المصدر، فهو بمعنى:

العبادة والشِّرْعَةُ، وهو أيضاً موضع النسك، وقوله: هُمْ ناسِكُوهُ يعطى أَنَّ المنسكَ:

المصدر، ولو كان الموضعَ لقال: هم ناسكون فيه.

وقوله سبحانه: وَإِنْ جادَلُوكَ ...

الآية موادعة محضة نسختها آية السيف «١» ، وباقي الآية وعيد.

وقوله سبحانه: إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ يعني: اللوح المحفوظ.

وقوله سبحانه: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يحتمل أنْ تكونَ الإشارة إلى الحكم في الاختلاف.

وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يعني: أَنَّ كُفَّارَ قريش كانوا إذا تُلِيَ عليهم القرآنُ، وسمعوا ما فيه من رفض «٢» آلهتهم والدعاءِ إلى التوحيدُ- عُرِفَتِ المساءةُ في وجوههم والمنكرُ من معتقدهم وعداوتهم، وأنهم يريدون ويتسرعون إلى السطوة بالتَّالِينَ، والسطو إيقاع ببطش، ثم أمر تعالى نبيّه عليه السلام

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: إنْ قِيلَ: أيْنَ المَثَلُ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ هاهُنا مَثَلٌ، وإنَّما المَعْنى: يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ لِي مَثَلٌ؛ أيْ: شُبِّهَتْ بِيَ الأوْثانُ، ﴿ فاسْتَمِعُوا ﴾ لِهَذا المَثَلِ.

وتَأْوِيلُ الآيَةِ: جَعَلَ المُشْرِكُونَ الأصْنامَ شُرَكائِي فَعَبَدُوها مَعِي، فاسْتَمِعُوا حالَها، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ ﴾ ؛ أيْ: تَعْبُدُونَ، ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَدْعُونَ ) بِالياءِ المَفْتُوحَةِ.

وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( يُدْعَوْنَ ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ، يَعْنِي: الأصْنامَ.

﴿ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ﴾ والذُّبابُ واحِدٌ، والجَمْعُ القَلِيلُ: أذِبَّةٌ، والكَثِيرُ: الذِّبّانُ، مِثْلُ: غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ.

وقِيلَ: إنَّما خَصَّ الذُّبابَ لِمَهانَتِهِ واسْتِقْذارِهِ وكَثْرَتِهِ.

﴿ وَلَوِ اجْتَمَعُوا ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، ﴿ لَهُ ﴾ ؛ أيْ: لِخَلْقِهِ، ﴿ وَإنْ يَسْلُبْهُمُ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَطْلُونَ أصْنامَهم بِالزَّعْفَرانِ فَيَجِفُّ، فَيَأْتِي الذُّبابُ فَيَخْتَلِسُهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا إذا طَيَّبُوا أصْنامَهم عَجَنُوا طِيبَهم بِشَيْءٍ مِنَ الحَلْواءِ، كالعَسَلِ ونَحْوِهِ، فَيَقَعُ عَلَيْهِ الذُّبابُ فَيَسْلِبُها إيّاهُ، فَلا تَسْتَطِيعُ الآلِهَةُ ولا مَن عَبَدَها أنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلْآلِهَةِ طَعامًا، فَيَقَعُ الذُّبابُ عَلَيْهِ فَيَأْكُلُ مِنهُ.

قالَ ثَعْلَبٌ: وإنَّما قالَ: ﴿ لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ﴾ فَجَعَلَ أفْعالَ الآلِهَةِ كَأفْعالِ الآدَمِيِّينَ؛ إذْ كانُوا يُعَظِّمُونَها ويَذْبَحُونَ لَها وتُخاطَبُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ  ﴾ ، لَمّا خاطَبَهم جَعَلَهم كالآدَمِيِّينَ، ومِثْلُهُ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا المَعْنى في ( الأعْرافِ: ١٩١ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الطّالِبَ: الصَّنَمُ، والمَطْلُوبُ: الذُّبابُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الطّالِبُ: الذُّبابُ يَطْلُبُ ما يَسْلُبُهُ مِنَ الطِّيبِ الَّذِي عَلى الصَّنَمِ، والمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ يَطْلُبُ الذُّبابَ مِنهُ سَلْبَ ما عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: الطّالِبُ: عابِدُ الصَّنَمِ يَطْلُبُ التَّقَرُّبَ بِعِبادَتِهِ، والمَطْلُوبُ: الصَّنَمُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ؛ أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ؛ إذْ جَعَلُوا هَذِهِ الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ، ﴿ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ ﴾ لا يَقْهَرُ، ﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يُرامُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ ﴿ ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ ﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ يَعُمُ العالَمَ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ الَّذِينَ أرادَ اللهُ -تَعالى- أنْ يُبَيِّنَ عِنْدَهم خَطَأ الكافِرِينَ، ولا شَكَّ أنَّ المُخاطَبَ هم ولَكِنَّهُ خِطابٌ يَعُمْ جَمِيعَ الناسِ، مَتى نَظَرَهُ أحَدٌ في أمْرِ عِبادَةِ الأوثانِ تَوَجَّهَ لَهُ الخِطابُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في فاعِلِ "ضُرِبَ"، مَن هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ضُرِبَ أهْلُ الكُفْرِ مَثَلًا لِلَّهِ أصْنامَهم وأوثانَهم.

فاسْتَمِعُوا أنْتُمْ أيُّها الناسُ لِأمْرِ هَذِهِ الآلِهَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلًا لِهَذِهِ الأصْنامِ وهو كَذا وكَذا، فالمِثالُ والمَثَلُ في القَوْلِ الأوَّلِ هي الأصْنامُ، والَّذِي جُعِلَ لَهُ المِثالُ اللهُ -تَعالى- والمِثالُ في التَأْوِيلِ الثانِي هو في الذُبابِ وأمْرُهُ، والَّذِي جُعِلَ لَهُ هي الأصْنامُ، ومَعْنى "ضُرِبَ": أُثْبِتَ وأُلْزِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ  ﴾ ، وقَوْلُنا: ضُرِبَتِ الجِزْيَةُ وضُرِبَ البَعْثُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ضُرِبَ المَثَلُ" مِنَ الضَرْبِ الَّذِي هو المَثَلُ، ومِن قَوْلِكَ: "هَذا ضَرْبٌ هَذا"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِثْلَ مَثَلٍ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، والضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُدْعَوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحَ العَيْنَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والضَمِيرُ لِلْأصْنامِ.

وبَدَأ -تَعالى- بِنَفْيِ الخَلْقِ والِاخْتِراعِ عنهم مِن حَيْثُ هي صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم صِفَتِي، ثُمْ ثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَعْجِيزِ، وذَكَرَ تَعالى أمْرَ سَلْبِ الذُبابِ لِأنَّهُ كانَ كَثِيرًا مَحْسُوسًا عِنْدَ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُضَمِّخُونَ أوثانَهم بِأنْواعِ الطَيِّبِ فَكانَ الذُبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ، وكانُوا مُتَألِّمِينَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ فَجُعِلَتْ مَثَلًا.

و"الذُبابُ" جَمْعُهُ "أذُبَّةٌ" في القَلِيلِ و"ذِبّانٌ" في الكَثِيرِ كَغُرابُ وأغْرِبَةٌ وغِرْبانٌ، ولا يُقالُ ذُباباتٌ إلّا في الذُيُولِ لا في الحَيَوانِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالطالِبِ الأصْنامَ وبِالمَطْلُوبِ الذُبابَ -أيْ: أنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا طالِبِينَ لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ مِنَ الحَيَوانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ ضَعُفَ الكُفّارُ في طَلَبِهِمُ الصَوابَ والفَضِيلَةَ مِن جِهَةِ الأصْنامِ، وضَعُفَ الأصْنامُ في إعْطاءِ ذَلِكَ وإنالَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ضَعُفَ الطالِبُ وهو الذُبابُ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الأصْنامِ، وضَعُفَ الأصْنامُ في ألّا مَنَعَةَ لَهُمْ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَدَلَّ ضَعْفُ الذُبابِ الَّذِي هو مَحْسُوسٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وضَعْفُ الأصْنامِ في ألّا مَنَعَةَ لَهم عن هَذا المُجْمَعِ عَلى ضَعْفِهِ عَلى أنَّ الأصْنامَ في أحَطِّ رُتْبَةٍ وأخَسِّ مَنزِلَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ المَذْكُورِينَ، والضَمِيرُ في "قَدَرُوا" لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: ما وفَّوْهُ حَقَّهُ مِنَ التَعْظِيمِ والتَوْحِيدِ، ثُمْ أخْبَرَ بِقُوَّةِ اللهِ -تَعالى- وعِزَّتِهِ، وهُما صِفَتانِ مُناقِضَتانِ لِعَجْزِ الأصْنامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل للمثل بأن عبادتهم الأصنام مع الله استخفاف بحق إلهيته تعالى إذ أشركوا معه في أعظم الأوصاف أحقر الموصوفين، وإذ استكبروا عند تلاوة آياته تعالى عليهم، وإذ هموا بالبطش برسوله.

والقَدر: العظمة، وفعل قَدر يفيد أنه عامل بقَدره.

فالمعنى: ما عظموه حق تعظيمه إذ أشركوا معه الضعفاء العجز وهو الغالب القوي.

وقد تقدّم تفسيره في قوله ﴿ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ في [سورة الأنعام: 91].

وجملة ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ تعليل لمضمون الجملة قبلها، فإن ما أشركوهم مع الله في العبادة كل ضعيف ذليل فما قدروه حق قدره لأنه قوي عزيز فكيف يشاركه الضعيف الذليل.

والعدول عن أن يقال: ما قَدرتم الله حقّ قدره، إلى أسلوب الغيبة، التفات تعريضاً بهم بأنّهم ليسوا أهلاً للمخاطبة توبيخاً لهم، وبذلك يندمج في قوله: ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ تهديد لهم بأنه ينتقم منهم على وقاحتهم.

وتوكيد الجملة بحرف التوكيد ولام الابتداء مع أن مضمونها مما لا يختلف فيه لتنزيل علمهم بذلك منزلة الإنكار لأنهم لم يَجروا على موجَب العلم حين أشركوا مع القوي العزيز ضعفاء أذلة.

والقويّ: من أسمائه تعالى.

وهو مستعمل في القدرة على كلّ مراد له.

والعزيز: من أسمائه، وهو بمعنى: الغالب لكلّ معاند.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ لِأنَّ حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِضَرْبِ الأمْثالِ لَهم أقْرَبُ لِأفْهامِهِمْ: فَإنْ قِيلَ فَأيْنَ المَثَلُ المَضْرُوبُ؟

فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ هُنا مَثَلٌ ومَعْنى الكَلامِ أنَّهم ضَرَبُوا لِلَّهِ مَثَلًا في عِبادَتِهِ غَيْرَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: أنَّهُ ضَرَبَ مَثَلَهم كَمَن عَبَدَ مَن لا يَخْلُقُ ذُبابًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأوْثانُ الَّذِينَ عَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُمُ السّادَةُ الَّذِينَ صَرَفُوهم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ الَّذِينَ حَمَلُوهم عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

﴿ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ لِيُعْلِمُهم أنَّ العِبادَةَ إنَّما تَكُونُ لِلْخالِقِ المُنْشِئِ دُونَ المَخْلُوقِ المُنْشَأِ، وخَصَّ الذُّبابَ لِأرْبَعَةِ أُمُورٍ تَخُصُّهُ: لِمَهانَتِهِ وضَعْفِهِ واسْتِقْذارِهِ وكَثْرَتِهِ، وسُمِّيَ ذُبابًا لِأنَّهُ يُذَبُّ احْتِقارًا واسْتِقْذارًا.

﴿ وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إفْسادُهُ لِثِمارِهِمْ وطَعامِهِمْ حَتّى يَسْلُبَهم إيّاها.

والثّانِي: ألَمُهُ في قَرْضِ أبْدانِهِمْ، فَإذا كانَ هَذا الَّذِي هو أضْعَفُ الحَيَوانِ وأحْقَرُهُ لا يَقْدِرُ مَن عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِ ودَفْعِ أذِيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ آلِهَةً مَعْبُودِينَ وأرْبابًا مُطاعِينَ وهَذا مِن أقْوى حُجَّةٍ وأوْضَحَ بُرْهانٍ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العابِدِ والمَعْبُودِ، فَيَكُونُ في مَعْناهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى العابِدِ والمَعْبُودِ.

الثّانِي: قَهُرَ العابِدُ والمَعْبُودُ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلسّالِبِ فَيَكُونُ في مَعْناهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: ضَعْفٌ لِلسّالِبِ عَنِ القُدْرَةِ والمَسْلُوبِ عَنِ النُّصْرَةِ.

الثّانِي: ضَعُفَ السّالِبُ بِالمُهانَةِ والمَسْلُوبُ بِالِاسْتِكانَةِ.

﴿ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: ما وصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ حِينَ قالُوا اسْتَراحَ اللَّهُ في يَوْمِ السَّبْتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ﴾ قال: نزلت في صنم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ ضعف الطالب ﴾ آلهتكم ﴿ والمطلوب ﴾ الذباب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لن يخلقوا ذباباً ﴾ يعني الصنم لا يخلق ذباباً ﴿ وإن يسلبهم الذباب شيئاً ﴾ يقول: يجعل للأصنام طعام، فيقع عليه الذباب، فيأكل منه، فلا يستطيع أن يستنقذه منه، ثم رجع إلى الناس وإلى الأصنام ﴿ ضعف الطالب ﴾ الذي يطلب إلى هذا الصنم، الذي لا يخلق ذباباً ولا يستطيع أن يستنقذ ما سلب منه ﴿ و ﴾ ضعف ﴿ المطلوب ﴾ إليه.

الذي لا يخلق ذباباً ولا يستنقذ ما سلب منه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله ﴾ إلى قوله: ﴿ لا يستنقذوه منه ﴾ قال: الأصنام.

ذلك الشيء من الذباب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما قدروا الله حق قدره ﴾ قال: حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي في شعب الإيمان، عن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: قال سلمان: دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب.

قالوا: وما الذباب؟

فرأى ذباباً على ثوب إنسان فقال: هذا الذباب.

قالوا: وكيف ذلك؟

قال: مر رجلان مسلمان على قوم يعكفون على صنم لهم، لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئاً، فقالوا لهما: قربا لصنمنا قرباناً.

قالا: لا نشرك بالله شيئاً.

قالوا: قربا ما شئتما ولو ذباباً.

فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى قال أحدهما: لا أشرك بالله شيئاً.

فقتل فدخل الجنة.

فقال الآخر: بيده على وجهه، فأخذ ذباباً فألقاه على الصنم، فخلوا سبيله، فدخل النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) وقال أبو عبيدة: ما عرفوا الله حق معرفته ولا وصفوه حق صفته (٤) وهذا مما قد تقدم (٥) (٦) ثم أعلم الله -بعد ذكره ضعف المعبودين- قوته فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿ عَزِيزٌ ﴾ في ملكه.

وقال مقاتل: إن الله لقوي في أمره منيع في ملكه، والصنم لا قوة له ولا منعة (٧) وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من يهود المدينة قالوا: فرغ الله من خلق السموات والأرض فأعيا فاستلقى فاستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وكذب أعداء الله فنزل قوله: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ (٨) (١) ذكره ابن الجوزي 5/ 453، والقرطبي 12/ 98 من غير نسبة لأحد.

(٢) "تفسيرمقاتل" 2/ 28 ب.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.

(٤) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 54.

وفيه: مبلغ صفته.

(٥) في (ظ)، (د)، (ع): (مما تقدم الكلام)، دون قد.

(٦) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ .

(٧) "تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.

(٨) ذكره الرازي 23/ 69 عن الكلبي.

وذكره الماوردي 4/ 40 وعزاه لابن عباس.

وهذا القول في سبب نزول هذه الآية لا يصح قال الآلوسي 17/ 203: الظاهر أن قوله (ما قدروا) إلخ إخبار عن المشركين وذم لهم.

وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 182: فمن جعل هذا -يعني الذي قال الله فيه ضعف الطالب والمطلوب- إلها مع القوي العزيز فما قدره حق قدره.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عظموه حق تعظيمه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ما لم ينزل ﴾ من الإنزال ابن كثير وأبو عمرو وسهل.

والآخرون بالتشديد ﴿ يصطون ﴾ بالصاد مثل ﴿ بصطة  ﴾ في البقرة ﴿ الذين يدعون ﴾ بياء الغيبة: سهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ بأمره ﴾ ط ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحياكم ﴾ ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يحييكم ﴾ ه ط ﴿ لكفور ﴾ ه ﴿ إلى ربك ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ في كتاب ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ ذلكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ فاستمعوا له ﴾ ط ﴿ اجتمعوا له ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ والمطلوب ﴾ ه ﴿ قدره ﴾ ط ﴿ ومن الناس ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ خلفهم ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ جهاده ﴾ ط ﴿ حرج ﴾ ط ﴿ إبراهيم ﴾ ط ﴿ الناس ﴾ ج للعطف مع الفاء ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ النصير ﴾ ه.

التفسير: إن من جملة نعم الله  على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم، فلا اصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار وقد سخرها للإنسان وسخر لهم الأنعام ايضاً ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  ﴾ وسخر لهم الدواب، وغيرها وسَخرَ لهم الفلك حال كونها جارية بأمره وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها.

ولا ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على الأرض، فمّن الله تعالى على المكلفين بأن حفظها كيلا تقع أو كراهة أن تقع على الأرض وذلك بمحض الإقتدار عند أهل الظاهر، أو بأن جعل طبعها هو الإحاطة بما في ضمنها إذ لا خفة فيها ولا ثقل ولهذا خصت بالحركة على المركز.

وفي قوله ﴿ إلا بإذنه ﴾ إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض، ويحتمل، يقال: توقيف الوقوع على الإذن لا يوجب حصول الإذن، فالانخراق والانشقاق لا يستفاد من هذه الآية.

ثم ذكر الإنسان مبدأه ومعاده فقال {وهو الذي أحياكم نظيره قوله في أول البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ وقد سبق هنالك.

وفي قوله ﴿ إن الإنسان لكفور ﴾ زجر لهم عن الكفران بطريق التوبيخ.

وعن ابن عباس أنه الكافر.

وبعضهم جعله أخص فقال: هو ابو جهل وأضرابه، والأولى إرادة الجنس، ثم عاد إلى بيان أن أمر التكاليف مستقر على ما في هذه الشريعة فقال ﴿ لكل أمة ﴾ الآية.

قال في الكشاف: إنما فقد العاطف ههنا بخلاف نظرائها في السورة لأن تلك مناسبة لما تقدمها في هذه مباينة لها.

قلت: وذلك لأن من ههنا إلى آخر السورة عوداً بعد ذكر المعاد إلى الوسط الذي هو حالة التكليف، والأقرب أن المنسك في هذه الآية هو الشريعة كقوله ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء.

وقيل: أراد مكاناً معيناً وزماناً لأداء الطاعات.

وقال مجاهد: هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ههنا والأمة أعم من أن تكون قد بقيت آثارهم أو لم تبق.

أما الضمير في قوله ﴿ فلا ينازعنك ﴾ فلا بد من رجوعه إلى الأمم الباقية آثارهم في عهد رسول الله  .

قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول "لا يضاربنك فلان" أي لا تضار به.

وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً.

وقال في الكشاف: هو نهي لرسول الله  اي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله  بالمنازعة في أمر الدين وكانوا يقولون في الميتة "مال كم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله".

ومنه يعلم استقرار أمر الديانة على هذه الشريعة وأن على كل أمة من الأمم التي بقيت منها بقية أن يتبعوه ويتركوا مخالفته فلذلك قال: ﴿ وأدع إلى ربك ﴾ أي لا تخص بالدعوة أمة دون أمة فإن كلهم أمتك ﴿ إنك لعلى هدى مستقيم ﴾ أي على دين وسط دليل ظاهر.

وإن أبوا إلا الجدال فكل أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ الله أعلم بما تعملون ﴾ وفيه وعيد وإنذار مخلوط برفق ولكن ﴿ الله يحكم بينكم ﴾ أي يفصل بين المؤمنين والكافرين منكم، ويحتمل أن يكون من تتمة المقول وأن يكون ابتداء خطاب من الله  للأمم.

﴿ ألم تعلم ﴾ خطاب لكل عالم أو للرسول  والمراد تقوية قلبه وإلا فالرسالة لا تكون إلا بعد العلم بكونه  عالماً بكل المعلومات وإلا اشتبه عليه الصادق بالكاذب.

﴿ إن ذلك ﴾ الذي ذكر وهو كل ما في السماء والأرض ﴿ في كتاب ﴾ قال أبو مسلم: أراد به الحفظ والضبط كالشيء المكتوب، والجمهور على أنه حقيقة وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه.

ولعل في تلك الكتابة لطفاً للملائكة لأن مطابقة تلك الأشياء المكتوبة لما سيحدث إلى الأبد من أدل دليل على كونه عالم الذات ولذلك قال ﴿ إن ذلك ﴾ الكتب ﴿ على الله يسير ﴾ وهذا تصوير لضده وهو صعوبة مثل ذلك على غيره وإلا فلا مدخل لليسر والصعوبة في كمال قدرته.

وحين بين كمال ألوهيته قطع شأن أهل الشرك بقوله ﴿ ويعبدون ﴾ الآية والمراد أنهم لم يتمسكوا في صحة عبادته بدليل سمعي ولا علم ضروري وقوله ﴿ وما للظالمين من نصير ﴾ الظلم الشرك، والصنرة إما بالشفاعة أو بالحجة ولا حجة إلا للحق وهو كقوله في آخر آل عمران ﴿ وما للظالمين من أنصار  ﴾ وقد مر.

والمنكر دلائل الغيظ والحنق.

وقال جار الله: وهو الفظيع من التجهم والبسور أو هو الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام وقال الكلبي: اراد أنهم كرهوا القرآن مع وضوح دلائلة.

وقال ابن عباس: هو التجبر والترفع.

وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله  .

السطو الوثب والبطش أي يهمون بالبطش والوثوب لعظم إنكار ما تلي عليهم.

وقوله ﴿ من ذلكم ﴾ إشارة إلى غيظهم على التالين أو إلى همهم.

ثم إنه كأن سائلاً قائلاً ما ذلك الشر فقيل ﴿ النار ﴾ اي هو النار.

قلت: وذلك أن حرارة الغيظ والسطو تشبه حرارة النار ولكن هذه أقوى ولا سيما نار جهنم.

ثم استأنف للنار حكماً فقال ﴿ وعدها ﴾ الآية.

ويحتمل أن تكون ﴿ النار ﴾ مبتدأ و ﴿ وعدها ﴾ خبراً.

ثم ضرب للاصنام مثلا فقال ﴿ يا أيها الناس ضرب مثل ﴾ إنما قال بلفظ الماضي لأنه معلوم من قبل لكل ذي عقل.

والمثل بمعنى المثل استعاروه لجملة من الكلام مستغربة مستفصحة متلقاة بالرضا والقبول أهل للتسيير والإرسال وذلك أنهم جعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم استعاروا هذا المستعار للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لتماثلها في الغرابة وهذا هو الذي قصد في الآية: ﴿ فاستمعوا له ﴾ أي تدبروه وحق له ذلك فإن السماع المجرد لا نفع له.

قال جار الله: محل ﴿ ولو اجتمعوا له ﴾ نصب على الحال كأنه قال مستحيل أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً فكيف لو انفردوا؟

وأقول: الظاهر أن "لو" هذه للمبالغة وجوابه محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره، ولو اجتمعوا لخلق الذباب لن يخلقوه ايضاً، وليس من شرط كل جملة أن يكون لها محل.

ثم زاد لعجزهم وضعفهم تأكيداً بقوله ﴿ وإن يسلبهم الذباب ﴾ الاية.

بمعنى أترك أمر الحلق والإيجاد وتكلم فيما هو أسهل من ذلك، إن هذا الحيوان الضعيف الذي لا قدرة لهم على خلقه لو سلب منهم شيئاً لم يقدروا أيضاً على استخلاص ذلك الشيء منه.

عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.

وقيل: سمي الذباب ذباباً كلما ذب آب.

ثم عجب من ضعف الأصنام والذباب بقوله ﴿ ضعف الطالب والمطلوب ﴾ فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنفاذ ما سلبه منه.

وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب هو الصنم أو عبادته، ويجوز أن يكون الطالب هو السالب والمطلوب المسلوب منه.

ثم بين أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة بهذه المثابة ﴿ ما قدروا الله حق قدره ﴾ أي ما عرفوه حق معرفته وقد مر مثله في "الأنعام".

﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ قادر غالب فكيف يسوِّي بينه وبين العاجز المغلوب في العبادة وهي نهاية التعظيم.

وذلك أنهم لو إعتقدوا كون تلك الأصنام طلسمات موضوعة على الكواكب فإذا لم تنفع نفسها في المقدار المذكور فلأن لا تنفع غيرها أولى، وإن اعتقدوا أنها تماثيل الملائكة أو الأنبياء فلا يليق بها غاية الخضوع التي يستحقها خالق الكل.

وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوَّات وهي أن الرسول لا يكون بشراً فقال ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ فالملك رسول إلى النبي والنبي رسول إلى سائر البشر قاله مقاتل.

ههنا سؤالات: الأول أن "من" للتبعيض فتفيد الآية أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضاً لقوله ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض من هو رسول إلى نبي آدم وهو أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة رسلاً إلى بعض آخر منهم.

وثانيهما أنه قال في موضع آخر ﴿ لو اراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء  ﴾ وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولداً.

والجواب أن تلك الآية دلت على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين يحصل ما ادعيت؟

والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

ثم بين علو شأنه وكمال علمه وإحاطته بأحوال المكلفين ما مضى منها وما غبر، وأن مرجع الأمور كلها إليه، وفي كل زجر عن الإقدام على المعصية وبعث الجد في الطاعة فلا جرم صرح بالمقصود قائلاً ﴿ يا ايها الذين آمنوا ﴾ والظاهر أنه خطاب مختص بالمؤمنين ويؤكده قوله بعد ذلك ﴿ هو اجتباكم ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ وقيل: عام لكل المكلفين لأن المأمورات بعده لا تختص ببعض الناس دون بعض والتخصيص بالذكر للتشريف فإنهم الذين قبلوا الخطاب.

ودل بالركوع والسجود على الصلاة لأنهما ركنان معتبران.

وقيل: كان الناس أول ما اسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ذكره ابن عباس.

قال جار الله: عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟

قال: نعم أن لم تسجدهما فلا تقرأهما.

وعن عبد الله بن عمر: فضلت سورة الحج بسجدتين.

وهو مذهب الشافعي.

وأما أبو حنيفة فلا يرى هذه سجدة لأنه قرن الركوع بالسجود قال: فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، قدم الصلاة لأنها أشرف العبادات ثم عمم فأمر بالعبادة مطلقاً، ثم جعل الأمر أعم وهو فعل الخيرات الشامل للنوعين التعظيم لأمر الله والشفعة على خلق الله كأنه قال: كلفتكم الصلاة بل كلفتكم ما هو أعم منها وهو العبادة، بل كلفتكم أعم وهو فعل الخيرات على الإطلاق.

وقيل: معناه واعبدوا ربكم اقصدوا بركوعكم وسجودكم وجه الله عز وجل.

وعن ابن عباس أن فعل الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق.

ومعنى ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ افعلوا كل ذلك راجين الفلاح وهو الظفر بنعيم الآخرة لا متيقنين ذلك فإن الإنسان قلما يخلو في أداء فرائضه من تقصير والعواقب أيضاً مستورة.

ثم أمر بخلاف النفس والهوى في جميع ما ذكر وهو الجهاد الأكبر فقال ﴿ وجاهدوا في الله ﴾ اي في ذاته ومن أجله ﴿ حق جهاده ﴾ اي حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه فإضافة الجهاد إلى الله من قبيل التوسعة ولأدنى ملابسة من حيث إن الجهاد فعل لوجهه.

وقيل: هو امر بالغزو، أمروا أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولاً فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنيعهم يوم بدر.

وعن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟

فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء.

قال العلماء: لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسير الرسول  ليست من نفس القرآن وإلا لتواترت.

وإما عبارات المفسرين فعن ابن عباس: حق جهاده أي لا تخافوا في الله لومة لائم.

وقال الضحاك: اعملوا لله حق عمله.

وقال آخرون: استفرغوا ما في وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حدوده باليد واللسان وجميع ما يمكن، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل.

وعن مقاتل والكلبي: أن الآية منسوخة بقوله ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ كما أن قوله ﴿ اتقوا الله حق تقاته  ﴾ منسوخ بذلك.

وضعف بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى التزام النسخ.

ثم عظم شأن المكلفين بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ أي اختاركم لدينه ونصرته وفيه تشريف كقوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: التكليف وإن كان تشريفاً إلا أن فيه مشقة على النس فقال ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ اي ضيق وشدة وذلك أنه فتح باب التوبة ووسع على المكلفين بأنواع الرخص والكفارات والديات والأروش.

يروى أن أبا هريرة قال: كيف قال  ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ مع أنا منعنا عن الزنا والسرقة؟

فقال ابن عباس: بلى ولكن الإصر الذي كان علي بني إسرائيل وضع عنكم.

قالت المعتزلة: لو خلق الله فيه الكفر ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج.

وعورض بأنه نهاه عن الكفر مع أنه علم ذلك منه، وكأنه أمره بقلب علم الله جهلاً وهو أعظم الحرج.

ثم أثنى على هذه الأمة بقوله ﴿ ملة أبيكم ﴾ أي أعني ملة أبيكم، ويجوز أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة ابيكم فأقام المضاف إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول  وكل نبي أبو أمته.

والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما شرعه إبراهيم.

﴿ هو ﴾ أي الله أو إبراهيم ﴿ سماكم المسلمين من قبل ﴾ اي في سائر الكتب أو في قوله ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك  ﴾ ﴿ وفي هذا ﴾ القرآن أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن حكاية دعائه مذكورة في القرآن.

وقوله ﴿ ليكون الرسول ﴾ متعلق بقوله ﴿ هو اجتباكم ﴾ اي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا  ﴾ والأصل تقديم الأمة كما في "البقرة" لأن الخطاب معهم وليقع الختم على شهادة الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط به قوله ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته.

قال ابن عباس: سلوا الله العصمة عن كل المحرمات.

وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير مولى وناصر.

استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر ألبتة.

الثالث أنه لو خلق في عبادة الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى.

وأجيب بعد تسليم إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله  مريداً لجهل نفسه.

وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وايضاً الاعتصام به إنما يكون منه كقوله"أعوذ بك منه" وايضاً إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي وقربه منه ودفع المانع وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى لم يكن خلق الكفر أيضاً مقتضياً لذلك.

التأويل: ﴿ سخر لكم ما ﴾ في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك القلب أن تقع على ارض النفس بأن تتصف بصفاتها ﴿ إلا بإذنه ﴾ بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول والملبوس وغيرهما ﴿ وهو الذي أحياكم ﴾ بازدواج الروح إلى القالب ﴿ ثم يميتكم ﴾ عن صفات البشرية ﴿ ثم يحييكم ﴾ بنور الصفات الرحمانية ﴿ فلا ينازعنك ﴾ في أمرك فإن لك مع الله وقتاً لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا يتجاوزونها ﴿ إن الذين يدعون من دون الله ﴾ كالأصنام الظاهرة والباطنة لن يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئاً من صفاء القلب وجمعية الوقت ﴿ ضعف الطالب ﴾ وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان ﴿ والمطلوب ﴾ وهو النفس والشيطان ﴿ اركعوا ﴾ بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع الحيوانية: ﴿ ومنهم من يمشي على أربع  ﴾ ﴿ واسجدوا ﴾ بالنزول إلى مرتبة الحيواينة ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ ﴿ واعبدوا ربكم ﴾ بجعل الطاعة خالصة له ﴿ وافعلوا الخير ﴾ بمراقبة الله في جميع أحوالكم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ بالوصال.

﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾ فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود في وجوده ﴿ هو اجتباكم ﴾ لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ما اهتديتم إليه كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى *** وما جعل عليكم في دين العشاق.

وهو السير إلى الله من ضيق "من تقرَّب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً" والسير إلى الله من سنة إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ في الأزل وهو في هذا الطور.

وإنما قدم الرسول لأن روحه في طرف الأزل مقدم "أول ما خلق الله روحي" فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم.

وفي سورة البقرة اعتبر طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته ﴿ فأقيموا الصلاة ﴾ بدوام السير والعروج إلى الله والتعظيم لأمره ﴿ وآتوا الزكاة ﴾ بدعوة الخلق إلى الله والشفقة عليهم ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ﴿ فنعم المولى ﴾ في إفناء وجودكم ﴿ ونعم النصير ﴾ في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليماً كثيراً دائماً ابداً إلى يوم الدين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ هو ما ذكرنا أنه يسفههم بعبادتهم دون الله بلا حجة، ولا برهان، ولا علم، وتركهم عبادة الله مع الحجج، والبراهين، والعلم أنه إله، وأنه ربهم مستوجب للعبادة.

وقوله: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله، ففيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه إنما قال ذلك للرؤساء منهم والقادة فلم يتهيأ لهم نصرة شيء، ولا رد ما قال بشيء دل أنه بالله كان ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ يحتمل الآيات: الحجج والبراهين، ويحتمل: القرآن المنزل عليه.

﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ ﴾ : الإنكار، آثروا العناد، والردّ لآياته، والكراهية والبغض له.

﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَٰتِنَا ﴾ يخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعتوهم عند تلاوة الآيات عليهم، وإقامة الحجج عليهم، حيث قال: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ﴾ ﴿ يَسْطُونَ ﴾ ، قيل: يأخذون أخذا، وقيل: يبطشون بطشاً.

وقال القتبي: ﴿ يَسْطُونَ ﴾ ، أي: يتناولونهم بالمكروه من الشتم والضرب.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يَكَادُونَ يَسْطُونَ ﴾ أي: يقعون بهم، يقال: سطا يسطو سطوة، ورجل ذو سطوة وبطشة، أي: ذو قوة وقدرة، قال: ويقال: سطوت بفلان، أي: أخذته أخذاً شديداً، أو بطشت به كذلك.

ثم قال: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ظاهر الآية ليس بجواب لما تقدم، ولا صلته، وليس على الابتداء، ولكن على نازلة وأمر كان منهم، لم يذكر لنا ذلك.

فأمّا ابن عباس وغيره من أهل التأويل قالوا: إنما أنزلت جوابا لما قالوا لرسول الله  ولأصحابه، حيث قالوا: ما نعلم قوما أشقى منكم حيث رأوهم قد حظر الدنيا عليهم، لم يعطوا من الدنيا شيئاً، فنزل جواباً لهم: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: هو جواب قوله: ﴿ كَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [المائدة: 60].

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ﴾ قد ذكر معنى ضرب الأمثال والحاجة إليها، وذلك أن العقول يجوز أن يعترض ما يستر عليها سبيل الحق وإلا لم يجز ألا تدرك العقول لما جعلت العقول له من درك الحق، لكن يمنع عن درك الحق وسبيله ما ذكرنا من اعتراض السواتر والحجب فيستكشف ذلك بما ذكرنا من الأمثال، ثم في هذا المثل وجهان: أحدهما: يخبر عن تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يقدر على خلق أضعف خلق، وهو ما ذكر: ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ﴾ وتركهم عبادة من هو خالقهم وخالق جميع الخلائق.

والثاني: يخبر عن قطع ما يأملون ويطمعون من عبادتهم الأصنام، حيث قال: ﴿ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ ويتركون عبادة من يؤمل منه ويطمع كل خير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ ﴾ قال بعضهم: أجيبوا له.

وقال بعضهم: استمعوا استماع من نظر وتأمل الحق ويقبله، إذا أظهر الاستماع من لا ينظر إلى الحق، ومعناه: إذا أظهر له الاستماع من لا ينظر إلى الحق ولا يقبله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ تَدْعُونَ ﴾ ، أي: تعبدون من دون الله، وقال: ﴿ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ على الدعاء، أي: تسمونهم: آلهة من دون الله، وقد كان منهم الأمران جميعاً: العبادة للأصنام من دون الله، وتسميتهم إياها: آلهة من دون الله.

وقوله: ﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ ﴾ فيه ما ذكرنا من الوجهين: من تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يملك خلق أضعف خلق الله، وعجزهم عما يأملون من النفع، وعن دفع من يروم بهم الضرر وسلب ما ذكر منهم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ ٱلطَّالِبُ ﴾ : الصنم، ﴿ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ : هو الذباب، لكن على التأويل يضمر فيه: (لو)، أي: ضعف الصنم لو كان طالبا.

قال بعضهم: ﴿ ٱلطَّالِبُ ﴾ هو الذباب، ﴿ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ : هو الصنم.

فإن قيل: وصفهما جميعاً بالضعف: الذباب والصنم جميعا، على تأويلهم - أعني: هؤلاء - فالصنم ضعيف، عاجز، على ما وصف، وأمّا الذباب فهو ليس بضعيف؛ لأنه غلب ذلك الصنم إن كان طالبا أو مطلوبا، فكيف وصفه بالضعف، وهو الغالب عليه في الحالين؟

لكنه كأنه رجع قوله: ﴿ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ ﴾ إلى العابد والمعبود، كأنه قال: ضعف العابد عمّا يأمل ويطمع من عبادته إياه، وضعف المعبود عن إيفاء ما يؤمل ويطمع منه، فهذا كأنه أشبه وأقرب إلى التأويل من الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي: ما عرفوا [الله] حق معرفته، قالوا له بالشريك والولد والصاحبة، وما قالوا فيه مما لا يليق به؛ لأنهم لو عرفوه حق معرفته، لم ينسبوا إليه، ولا وصفوه، وعرفوا بذاته وتعاليه عن ذلك، لكن حيث لم يعرفوه حق معرفته شبهوه بواحد من خلقه، على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي: ما عظموا الله حق عظمته، حيث صرفوا العبادة والشكر إلى غيره؛ إذ لو عظموه حق تعظيمه، ما صرفوا عبادتهم وشكرهم إلى غير الذي أنعم عليهم، وما أشركوا غيره في ذلك، على علم منهم أنه إنما وصلت إليهم تلك النعم من الله، لا ممن عبدوه، وبالله العصمة والصواب.

ثم يكون تعظيمه ومعرفته على الحقيقة بتعظيم أموره، وقبولها، والقيام بها، لا في قوله: يا عظيم، يا كبير، ونحوه، ولكن على ما ذكرت من تعظيم أموره، وقيامه بها، وكذلك المحبة لله إنما تكون في القيام بأموره وإقباله نحوها، والانتهاء عن مناهيه، لا في قوله: أنا حبيبك، أو تصوير شيء في قلبه، ولكن على ما ذكرت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ لنصر أوليائه، وجعل العاقبة لهم ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي: منتقم من أعدائه.

أو يقول: ﴿ لَقَوِيٌّ ﴾ ؛ لأنه تضعف جميع القوى عند قوته ﴿ عَزِيزٌ ﴾ : يذل جميع الأعزة عند عزته.

أو يقول: ﴿ لَقَوِيٌّ ﴾ ؛ لأنه به يقوى من قوي، ومنه يستفيد ذلك ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ؛ لأنه به يعز من عز به، ومنه كان ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ﴾ ، أي: اختار رسلا من الملائكة في بعض ما امتحنهم [به] من أنواع العبادات له والطاعات، بعث منهم إليهم رسلا بتبليغ ذلك على ما اختار من الناس رسلا إليهم فيما امتحنهم.

ويحتمل: اصطفى رسلا من الملائكة إلى الرسل من الإنس، أي: اختار منهم - أعني: من الناس - رسلا من الإنس، والله أعلم، كقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ بَصِيرٌ ﴾ لمن يصلح للرسالة ومن لا يصلح، ويصبر لمن اختار لها ومن لم يختر، سميع لما يتلقى المرسل إليه الرسول من الإجابة والقبول، والردّ والتكذيب، وأنه على علم منه بالرد والتكذيب أرسل [رسله].

وفيه دلالة أنه إنما اصطفاهم للرسالة، لا بشيء يستوجبون منه ذلك ولكن إفضالا منه.

قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : بعدما خلقهم.

وقال الحسن: يعلم بأوائل أمورهم وبأواخرها.

وقال بعضهم: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : من الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : من الآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : من الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : من الدنيا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما عملوا بأنفسهم في حياتهم ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ ما عملوا هم، وما أخرت: ما سنوا لغيرهم من بعدهم.

وجائز أن يكون لا على حقيقة بين الأيدي ولا خلف، ولكن [معناه]: لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأقوالهم.

﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ قد ذكرنا معناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ما عظموا الله حق تعظيمه حين عبدوا معه بعض مخلوقاته، إن الله لقوي، ومن قوته وقدرته خلق السماوات والأرض ومن فيهما، عزيز لا يغالبه أحد بخلاف أصنام المشركين فهي ضعيفة ذليلة لا تخلق شيئًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.v7Jey"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوأ من أنفسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا، وتذهب على ذلك الأيام بعد الأيام، وتمضي عليه الأعوام إثر الأعوام، وهو يلعب بأهله، ويغلب أهواءهم بحيله، حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم، والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى بأسه، وهو الشباب الذي لا يهرم، والعامل الصبور الذي لا يسأم، وإنما يعرض بوجه عن الأغبياء، ويولي ظهره الأشقياء، ثم لا ينفك يرحمهم ولا يبرح يتعهدهم، يسفر عليهم محياه، ويرسل إليهم أشعة من سناه، فإذا وافهم وقد وهنت منهم ومرهت عيونهم وحللت ليلهم، واشتد خبلهم، صاح بهم منه صائح ورمحهم من جنده رامح، فقلق بالباطل مكانه وزلزلت من حوله أركانه، وفزع يطلب النصير، وثار يلتمس المجير، فلا يجد إلا أسبابًا تقطعت به، وأعضادًا فت فيها بسبب، وقد رَنَّقَ قومه، وعبس يومه، فيحملق إلى الحق ويأخذ ببصره، ويستنزله بنظره، ولكن خاب الظن، وبطل الفن، ثم لا يلبث، وهو الباطل، أن يتحول عنده اليأس أملًا، ويجد من اليبس بللًا، فيظن، وهو هو، أن الحق ناصره، وأنْ ستقوى به أواصره، فيستنصر بجنده، ويطلب النجدة من عنده، وأقرب ما يكون خصم إلى الهلكة إذا اطمأن إلى عدوه، وأمل الخير في دنوه، هذا شأن الباطل وأهله، معه تقلبه في ملله ونِحَلِه.

يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي، (القرآن)، ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي، وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم.

ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القويم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ، والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا  فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز.

عصمة الرسل في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب، وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة، وما خالف منه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه في خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حتى لا يرتاب فيه ملِّيٌّ يفهم ما معنى الدين.

مع ذلك لم يعدم الباطل فيه أعوانًا يعملون على هدمه، وتوهين كنهه، أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل.

نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ - الآية.

وفيما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، من أن "تَمَنَّي" بمعنى قرأ، والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق، على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقُيِّض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها، وتتباين ألفاظها وتتفق في أن النبي  ، عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ، وأعرضوا عنه، وجفاه قومه وعشيرته، لعيبه أصنامهم، وزرايته على آلهتم، أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه، تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى  ﴾ وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة، وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله: ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام، وذكر أن شفاعتهن تُرْتَجى، فمنهم من قال إنه عندما بلغ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى  ﴾ سها فقال: تلك الغرانيق العلى، إن شفاعتهن لَتُرْتَجى، ومنهم من روى (الغرانقة العلى)، ومنهم من روى إن شفاعتهن ترتجى، بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: وأنها لمع الغرانيق العلى ومنهم من روى وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي تُرْتَجى، ففرح المشركون بذلك وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا.

قال ابن حجر العسقلاني وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلًا صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة -في رأيه- وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل، بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا..

ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات، ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا.

روى ذلك ابن جرير الطبري، وشايعه عليه كثير من المفسرين، وفي طباع الناس إلْفُ الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير واتخذوها عقدة إيمانهم، حتى ظنوا -وبعض الظن إثم- أنْ لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها وذهب إليه الأئمة في بيانها، حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثيرة منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ، وأن فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجأوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا، ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم، وخاب ظنهم، وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا أبلج.

في صحيح البخاري: وقال ابن عباس في ﴿ ِإذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ  ﴾ ، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، ويقال أُمنيته قراءته ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ  ﴾ يقرؤون ولا يكتبون.

اهـ.

فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ (يقال) بعدها فسرها بالحديث، رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين فيما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة، ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ (يقال) يفيد أنه غير معتبر عنده (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس ).

وقال صاحب الإبريز: إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها علي بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن أبي صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعيفه..

-هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها.

وأما قصة الغرانيق فمع ما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي  لم يفطن لما ورد على لسانه، وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ المتكلمين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك فأنزل الله عليه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآيات -تسلية له كما أنزل لذلك قوله: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا  إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ وفي بعض الروايات: إن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي  ، فنزلت ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ الآية.

قال العسقلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة اهـ.

وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق: إنه من وضع الزنادقة، مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين.

وقال القاضي عياض: إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطرب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار.

وقال الإمام أبو بكر بن العربي -وكفى به حجة في الرواية والتفسير- إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له.

قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي  قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ  ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس..

وقد يكون ذلك لبلاغة السورة، وشدة قرعها، وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته  ونزاهته عن هذه الرزيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي  أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل  ، وذلك كله ممتنع في حقه  ، أو يقول ذلك النبي  من قبل نفسه عمدًا -وذلك كفر- أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته  من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشبّه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله -لا عمدًا ولا سهوًا- ما ل يُنزل عليه وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ  لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ  ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ  ﴾ .

وقال: ﴿ ِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا  ﴾ .

(ووجه ثان): وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولَما كان النبي  ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين، ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.

(ووجه ثالث): أنه علم من عادة المنافقين، ومعاندة المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين، نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي  لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان كذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولاشك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المُحَدِّثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.

(ووجه رابع): ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا  ﴾ الآيتان -هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه-، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلًا، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا.

وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه  قال: افتريت على الله وقلت ما لم يقل، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟!

وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ قال القشيري ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يُقْبِلَ بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل.

قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولا ركن.

انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله، وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها.

أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها...

إلخ، ما سبق فقد ذهبت عليه -كما قال في الإبريز- أن العصمة في العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها.

هذا لو فرض اتصال الحديث، فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به، فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.

هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير، وأن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه.

تفسير الآيات والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها، وتدل عليه عباراتها والله أعلم.

ولا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ الآيات -يحكي قَدَرًا قُدِّرّ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي أممهم.

فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قدس سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ.

وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختياراته من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده.

ذكر الله لنبيه حالًا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن قال: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ  وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ  وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  ﴾ .

إلى آخر الآيات.

ثم قال: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ  ﴾ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي  لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لإنذاركم بعاقبة ما أنتم عليه ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجز بذلك النبي  والمؤمنين -أي- يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها -كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة- هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلى به النبي  من المعاجزة في الآيات قد ابتلى به الأنبياء السابقون فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات.

فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الانبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية وذلك على وجهين: (الأول): أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة وهو معنى قد يصح وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان  : تمنى كتاب الله اول ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله تَمَنِّيَ داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه بل على المعنى المفهوم من قولك: "ألقيت في حديث فلان" إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة فالإلقاء بهذا بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا أحدَّث قومه عليهم عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم قام في وجهه شاغبون يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل، ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها.

وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جلدهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتو العلم، ويخلص لهم ورود كل شبهة عليه فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به فتخبت وتطمئن له قلوبهم.

والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين، وسواء أرجعت الضمير في "أنه الحق" إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدي الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين.

هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل، وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب، لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شؤونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن أمتد بهم الزمن، ومادهم الأجل، فيصيبهم ﴿ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  ﴾ يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته.

ما أقرب هذه الآيات في معانيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ ، وقد قال بعد ذلك: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ  ﴾ ،ثم قال: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ  ﴾ إلخ الآيات.

وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون آمنا به كل من عند ربنا فتخبت له قلوبهم وإن الله ليهديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فيسغلبون في هراشهم، وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الانسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا  ﴾ إلى آخرها على تقدير أن تمنى قرأ وأن الأمنية بمعنى القراءة.

والله أعلم.

(الوجه الثاني في تفسير الآيات): أن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية، وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور.

قال أبو العباس أحمد بن يحيي: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب وفي الحديث: "إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه" وفي رواية "فليكثر" وقال ابن الأثيرالتمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون، وقال أبو بكر: تمنيت الشيء إذ قدرته وأحببت أن يصير إلى.

وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية.

ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدى جديد أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولًا أو جاء به غيره إن كان نبيًا بعث ليحمل الناس على اتباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه وهي أن يتبعوه وينحازوا على ما يدعوهم إليه، ويستشفوا من دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول أرسل إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته، منه على طعامه الذي يطعم وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا  من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه  المتعلقة بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به.

وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وهبوا من قوة العقل والاحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقوة حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الاتباع، ضعيف الأنصار، ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما القوة من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم.

غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أوسط قومهم أو من المستضعفين فيهم، ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الانفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داع عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفواتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظاهروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  ﴾ ، فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالًا افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم في ذاتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ  ﴾ .

وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين، تسلية لنبينا  عما كان يلاقي من قومه ووعد له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع التفاتهم إلى سيرة من سبقهم، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ - ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  ﴾ ، هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية ويدل عليه ما سبق من الآيات ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  ﴾ إلخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح.

وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب الإبريز وإني أنقله بحروفه، وما هو بالبعيد عن هذا بكثير، بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم، وطعمهم في إيمانهم، وشأن نبينا  في ذلك على نحو يقرب مما ذكرنا في الوجه الثاني: "ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كَفَرَ  ﴾ ، فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساوس لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات.

إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك  في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا: أن الوساوس تلقى أولًا في قلوب الفريقين معًا، غير أنها لا تدوم على المؤمنين، وتدوم على الكافرين.

وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح.

لو صح ما قاله نقله قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتفض الاعتماد عليه، كما قال القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء، ولا نهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن اسحق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت، ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود أو أبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه.

والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة "الغرنوق" كما يسمى به ضرب من الشجر.

ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات ويقال لمة غرانقة وغرانقية أي ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام.

فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلفات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استبعد من الضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقضيه الدراية ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله