الآية ٢٤ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٢٤ من سورة النور

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن مطرف ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إنهم - يعني : المشركين - إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة ، قالوا : تعالوا حتى نجحد .

فيجحدون فيختم [ الله ] على أفواههم ، وتشهد أيديهم وأرجلهم ، ولا يكتمون الله حديثا .

وقال ابن جرير ، وابن أبي حاتم أيضا : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة ، عرف الكافر بعمله ، فيجحد ويخاصم ، فيقال له : هؤلاء جيرانك يشهدون عليك .

فيقول : كذبوا .

فيقول : أهلك وعشيرتك .

فيقول : كذبوا ، فيقول : احلفوا .

فيحلفون ، ثم يصمتهم الله ، فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم ، ثم يدخلهم النار " .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي ، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي حدثنا أبو عامر الأسدي ، حدثنا سفيان ، عن عبيد المكتب ، عن فضيل بن عمرو الفقيمي ، عن الشعبي ، عن أنس بن مالك قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : " أتدرون مم أضحك؟

" قلنا : الله ورسوله أعلم .

قال : " من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ، يقول : يا رب ، ألم تجرني من الظلم؟

فيقول : بلى .

فيقول : لا أجيز علي شاهدا إلا من نفسي .

فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ، وبالكرام عليك شهودا فيختم على فيه ، ويقال لأركانه : انطقي فتنطق بعمله ، ثم يخلي بينه وبين الكلام ، فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أناضل " .

وقد رواه مسلم والنسائي جميعا ، عن أبي بكر بن أبي النضر ، عن أبيه ، عن عبيد الله الأشجعي ، عن سفيان الثوري ، به ثم قال النسائي : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي ، وهو حديث غريب ، والله أعلم .

هكذا قال .

وقال قتادة : ابن آدم ، والله إن عليك لشهودا غير متهمة من بدنك ، فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك ، فإنه لا يخفى عليه خافية ، والظلمة عنده ضوء والسر عنده علانية ، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن ، فليفعل ولا قوة إلا بالله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولهم عذاب عظيم ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ) فاليوم الذي في قوله: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ) من صلة قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وعُني بقوله: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ) يوم القيامة، وذلك حين يجحد أحدهم ما اكتسب في الدنيا من الذنوب، عند تقرير الله إياه بها فيختم الله على أفواههم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

فإن قال قائل: وكيف تشهد عليهم ألسنتهم حين يختم على أفواههم؟

قيل: عني بذلك أن ألسنة بعضهم تشهد على بعض، لا أنَّ ألسنتهم تنطق وقد ختم على الأفواه.

وقد حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ عُرِّفَ الكَافِرُ بعَمَلِه، فَجَحَدَ وَخَاصَمَ، فَيُقُالُ لَهُ: هَؤُلاءِ جِيرَانُك يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيَقُولُ: أهْلُكَ وعَشِيرتُكَ، فَيَقُولُ: كَذَبُوا، فَيَقُولُ: أتَحْلِفُونَ؟

فَيَحْلِفُون، ثُمَّ يُصْمِتُهُم اللهُ، وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهُم ثُمَّ يُدْخلُهُم النَّارَ".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملونقراءة العامة بالتاء ، واختاره أبو حاتم .

وقرأ الأعمش ، ويحيى ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف ( يشهد ) بالياء ، واختاره أبو عبيد ؛ لأن الجار والمجرور قد حال بين الاسم والفعل ، والمعنى : يوم تشهد ألسنة بعضهم على بعض بما كانوا يعملون من القذف والبهتان .

وقيل : تشهد عليهم ألسنتهم ذلك اليوم بما تكلموا به .

وأيديهم وأرجلهم أي وتتكلم الجوارح بما عملوا في الدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذلك العذاب يوم القيامة { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فكل جارحة تشهد عليهم بما عملته، ينطقها الذي أنطق كل شيء، فلا يمكنه الإنكار، ولقد عدل في العباد، من جعل شهودهم من أنفسهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يوم تشهد ) قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقديم الفعل ، وقرأ الآخرون بالتاء ، ( عليهم ألسنتهم ) وهذا قبل أن يختم على أفواههم ، ( وأيديهم وأرجلهم ) يروى أنه ( تختم ) الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا .

وقيل : معناه تشهد ألسنة بعضهم على بعض وأيديهم وأرجلهم ، ( بما كانوا يعملون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يوم» ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم «تشهد» بالفوقانية والتحتانية «عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» من قول وفعل وهو يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك العذاب يوم القيامة يوم تشهد عليهم ألسنتهم بما نطقت، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما عملت.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجملة " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " مقررة لمضمون ما قبلها ، مبنية لحلول وقت ذلك العذاب بهم .أى : لهم عذاب عظيم يوم القيامة ، يوم يقفون أمام الله - تعالى - للحساب فتشهد عليهم ألسنتهم ، وأيديهم ، وأرجلهم ، بما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال سيئة ، وبما كانوا يقولونه من أقوال قبيحة .فالمراد بشهادة هذه الجوارح ، نطقها وإخبارها عما كانوا يعملونه فى الدنيا .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ .

.

.

) وقوله - سبحانه - ( اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات ﴾ هل المراد منه كل من كان بهذه الصفة أو المراد منه الخصوص؟

أما الأصوليون فقالوا الصيغة عامة ولا مانع من إجرائها على ظاهرها فوجب حمله على العموم فيدخل فيه قذفة عائشة وقذفة غيرها، ومن الناس من خالف فيه ذكر وجوهاً: أحدها: أن المراد قذفة عائشة قالت عائشة: رميت وأنا غافلة وإنما بلغني بعد ذلك، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي إذ أوحى الله إليه فقال: «أبشري» وقرأ: ﴿ إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات ﴾ .

وثانيها: أن المراد جملة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحق به واحتج هؤلاء بأمور: الأول: أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله تعالى في أول السورة: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًا وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ  إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وأما القاذف في هذه الآية، فإنه لا تقبل توبته لأنه سبحانه قال: ﴿ لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة ﴾ ولم يذكر الاستثناء، وأيضاً فهذه صفة المنافقين في قوله: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ  ﴾ .

الثاني: أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر، والقاذف في هذه الآية يكفر لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ﴾ وذلك صفة الكفار والمنافقين كقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء الله إِلَى النار  ﴾ الآيات الثلاث.

الثالث: أنه قال: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾ والعذاب العظيم يكون عذاب الكفر، فدل على أن عقاب هذا القاذف عقاب الكفر، وعقاب قذفه سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر الرابع: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن، فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، أجاب الأصوليون عنه بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون مشروطاً بعدم التوبة لأن الذنب سواء كان كفراً أو فسقاً، فإذا حصلت التوبة منه صار مغفوراً فزال السؤال، ومن الناس ذكر فيه قولاً آخر، وهو أن هذه الآية نزلت في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة.

وقالوا إنما خرجت لتفجر، فنزلت فيهم والقول الأول هو الصحيح.

المسألة الثانية: أن الله تعالى ذكر فيمن يرمي المحصنات الغافلات المؤمنات ثلاثة أشياء: أحدها: كونهم ملعونين في الدنيا والآخرة وهو وعيد شديد، واحتج الجبائي بأن التقييد باللعن عام في جميع القذفة ومن كان ملعوناً في الدنيا فهو ملعون في الآخرة والملعون في الآخرة لا يكون من أهل الجنة وهو بناء على المحابطة وقد تقدم القول فيه.

وثانيها: وقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ونظيره قوله: ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا  ﴾ وعندنا البنية ليست شرطاً للحياة فيجوز أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً، وعند المعتزلة لا يجوز ذلك فلا جرم ذكروا في تأويل هذه الآية وجهين: الأول: أنه سبحانه يخلق في هذه الجوارح هذا الكلام، وعندهم المتكلم فاعل الكلام، فتكون تلك الشهادة من الله تعالى في الحقيقة إلا أنه سبحانه أضافها إلى الجوارح توسعاً الثاني: أنه سبحانه بيني هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها أن تشهد على الإنسان وتخبر عنه بأعماله، قال القاضي وهذا أقرب إلى الظاهر، لأن ذلك يفيد أنها تفعل الشهادة.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق ﴾ ولا شبهة في أن نفس دينهم ليس هو المراد لأن دينهم هو عملهم.

بل المراد جزاء عملهم، والدين بمعنى الجزاء مستعمل كقولهم كما تدين تدان، وقيل الدين هو الحساب كقوله ذلك الدين القيم أي الحساب الصحيح ومعنى قوله: ﴿ الحق ﴾ أي أن الذي نوفيهم من الجزاء هو القدر المستحق لأنه الحق وما زاد عليه هو الباطل، وقرئ الحق بالنصب صفة للدين وهو الجزاء وبالرفع صفة لله.

وأما قوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين ﴾ فمن الناس من قال إنه سبحانه إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره أو لأنه الحق فيما يأمر به دون غيره ومعنى ﴿ المبين ﴾ يؤيد ما قلنا لأن المحق فيما يخاطب به هو المبين من حيث يبين الصحيح بكلامه دون غيره، ومنهم من قال الحق من أسماء الله تعالى ومعناه الموجود، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم، ومعنى المبين المظهر ومعناه أن بقدرته ظهر وجود الممكنات، فمعنى كونه حقاً أنه الموجود لذاته، ومعنى كونه مبيناً أنه المعطي وجود غيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ يشهد ﴾ بالياء.

والحق: بالنصب صفة للدين وهو الجزاء، وبالرفع صفة لله، ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرق مختلفة وأساليب مفتنة.

كل واحد منها كاف في بابه، ولو لم ينزل إلاّ هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعاً، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك ﴿ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين ﴾ فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرّر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلاّ ما هو دونه في الفظاعة، وما ذاك إلا لأمر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يُسأل عن تفسير القرآن، حتى سئل عن هذه الآيات فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلاّ من خاض في أمر عائشة، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك.

ولقد برَّأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ [يوسف: 26] .

وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه.

وبرّأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها: إني عبد الله.

وبرَّأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلوّ على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات.

فانظر، كم بينها وبين تبرئة أولئك؟

وما ذاك إلاّ لإظهار علوّ منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محلّ سيد ولد آدم، وخيرة الأوّلين والآخرين، وحجة الله على العالمين.

ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم وتقدّم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق، فليتلق ذلك من آيات الإفك، وليتأمّل كيف غضب الله في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه.

فإن قلت: إن كانت عائشة هي المرادة فكيف قيل المحصنات؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد بالمحصنات أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يخصصن بأن من قذفهنّ فهذا الوعيد لاحق به، وإذا أردن عائشة كبراهنّ منزلة وقربة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت المرادة أوّلاً، والثاني: أنها أمّ المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمّة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان، كما قال: قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الْخُبَيْبَيْنِ قَدِي أراد عبد الله بن الزبير وأشياعه، وكان أعداؤه يكنونه بخبيب ابنه، وكان مضعوفاً، وكنيته المشهورة أبو بكر، إلاّ أن هذا في الاسم وذاك في الصفة، فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ هُوَ الحق المبين ﴾ [النور: 25] ؟

قلت: معناه: ذو الحق البين، أي: العادل الظاهر العدل، الذي لا ظلم في حكمه، والمحقّ الذي لا يوصف بباطل.

ومن هذه صفته لم تسقط عنده إساءة مسيء، ولا إحسان محسن، فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ العَفائِفَ.

﴿ الغافِلاتِ ﴾ عَمّا قُذِفْنَ بِهِ.

﴿ المُؤْمِناتِ ﴾ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ اسْتِباحَةً لِعِرْضِهِنَّ وطَعْنًا في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ كابْنِ أُبَيٍّ.

﴿ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ لَمّا طَعَنُوا فِيهِنَّ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ لِعِظَمِ ذُنُوبِهِمْ، وقِيلَ هو حُكْمُ كُلِّ قاذِفٍ ما لَمْ يَتُبْ، وقِيلَ مَخْصُوصٌ بِمَن قَذَفَ أزْواجَ النَّبِيِّ  ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا تَوْبَةَ لَهُ، ولَوْ فَتَّشْتَ وعِيداتِ القُرْآنِ لَمْ تَجِدْ أغْلَظَ مِمّا نَزَلَ في إفْكِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ﴾ ظَرْفٌ لِما في لَهم مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لا لِلْعَذابِ لِأنَّهُ مَوْصُوفٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ لِلتَّقَدُّمِ والفَصْلِ.

﴿ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ يَعْتَرِفُونَ بِها بِإنْطاقِ اللَّهِ تَعالى إيّاها بِغَيْرِ اخْتِيارِهِمْ، أوْ بِظُهُورِ آثارِهِ عَلَيْها وفي ذَلِكَ مَزِيدُ تَهْوِيلٍ لِلْعَذابِ.

﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ﴾ جَزاءَهُمُ المُسْتَحَقَّ.

﴿ وَيَعْلَمُونَ ﴾ لِمُعايَنَتِهِمُ الأمْرَ.

﴿ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ ﴾ الثّابِتُ بِذاتِهِ الظّاهِرُ أُلُوهِيَّتُهُ لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ غَيْرُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ سِواهُ، أوْ ذُو الحَقِّ البَيِّنِ أيِ العادِلُ الظّاهِرُ عَدْلُهُ ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ يَنْتَقِمُ مِنَ الظّالِمِ لِلْمَظْلُومِ لا مَحالَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

والعامل في {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} يعذبون وبالياء جمزة وعلي {أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بما أفكوا أو بهتوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ، ودَلِيلُ الِاخْتِصاصِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ  ﴾ إلى آخَرِ الآياتِ الثَّلاثِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُحْصَناتِ إلَخِ المُتَّصِفاتِ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِنَّ مِن نِساءِ الأُمَّةِ لِأنَّهُ لا رَيْبَ في أنَّ رَمْيَ غَيْرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوِّلَ الحُكْمَ عَلَيْهِ بِكُفْرِ مَن رَمى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ وتَبَيَّنَ أنَّهُنَّ طَيِّباتٍ سَواءً اسْتَباحَ الرَّمْيَ أمْ قَصَدَ الطَّعْنَ بِرَسُولِ اللَّهِ  أمْ لَمْ يَسْتَبِحْ ولَمْ يَقْصِدْ، وأمّا مَن رَمى قَبْلُ فالحُكْمُ بِكُفْرِهِ مُطْلَقًا غَيْرُ ظاهِرٍ.

والظّاهِرُ أنَّهُ يَحْكُمُ بِكُفْرِهِ إنْ كانَ مُسْتَبِيحًا أوْ قاصِدًا الطَّعْنَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كابْنِ أبِيّ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِيهِ إمْعانُهُ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ولا يَحْكُمُ بِكُفْرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَحَسّانٍ ومُسَطَّحٍ وحَمْنَةَ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِلِّينَ ولا قاصِدِينَ الطَّعْنِ بِسَيِّدِ المُرْسَلِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ أجْمَعِينَ وإنَّما قالُوا ما قالُوا تَقْلِيدًا فَوُبِّخُوا عَلى ذَلِكَ تَوْبِيخًا شَدِيدًا، ومِمّا يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى عَدَمِ كُفْرِ الرّامِينَ قَبْلُ بِالرَّمْيِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ المُرْتَدِّينَ بِالإجْماعِ وإنَّما أقامَ عَلَيْهِمْ حَدَّ القَذْفِ عَلى ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ فالآيَةُ بِناءً عَلى القَوْلِ بِخُصُوصِ المُحْصَناتِ وهو الَّذِي تُعَضِّدُهُ أكْثَرُ الرِّواياتِ إنْ كانَتْ لِبَيانِ حُكْمِ مَن يَرْمِي عائِشَةَ أوْ إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا بَعْدَ تِلْكَ القِصَّةِ كَما هو ظاهِرُ الفِعْلِ المُضارِعِ الواقِعِ صِلَةَ المَوْصُولِ فَأمَرَ الوَعِيدَ المَذْكُورَ فِيها عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ والمُنافِقِينَ ظاهِرٌ لِما سَمِعْتُ مِنَ القَوْلِ بِكُفْرِ الرّامِي لِإحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بَعْدُ مُطْلَقًا، وإنْ كانَتْ لِبَيانِ حُكْمِ مَن رَمى قَبْلُ احْتاجَ أمْرَ الوَعِيدِ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ أُناسٌ مَخْصُوصُونَ رَمَوْا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها اسْتِباحَةً لِعِرْضِها وقَصَدَ إلى الطَّعْنِ بِرَسُولِ اللَّهِ  كابْنِ أبِيّ وإخْوانِهِ المُنافِقِينَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ، وعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الَّتِي هي مِن أغْرَبِ الغَرائِبِ أوْ لِلْإشارَةِ كَما قِيلَ إلى أنَّ شَأْنَهُمُ الرَّمْيُ وأنَّهُ يَتَجَدَّدُ مِنهم آنًا فَآنًا.

وعَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ بَيانُ حُكْمِ مَن لَمْ يَتُبْ مِنَ الرَّمْيِ فَإنَّ التّائِبَ مِن فِعْلٍ قَلَّما يُقالُ فِيهِ إنَّ شَأْنَهُ ذَلِكَ الفِعْلُ فَيَكُونُ الوَعِيدُ مَخْصُوصًا بِمَن لَمْ يَتُبْ.

والَّذِي تَقْتَضِيهِ الأخْبارُ أنَّ كُلَّ مِن وقَعَ في تِلْكَ المَعْصِيَةِ تابَ سِوى اللَّعِينِ ابْنِ أبِيّ وأشْياعِهِ مِنَ المُنافِقِينَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ خاصَّةً ولا يُخْفى وجْهُ الجَمْعِ عَلَيْهِ، وقِيلَ المُرادُ بَيانُ حُكْمِ مَن رَمى والوَعِيدُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ ولَمْ يَذْكُرْ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ القَواعِدِ المُسْتَقِرَّةِ إذِ الذَّنْبُ كَيْفَما كانَ يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ، فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الرَّمْيِ لِيَشْعُرَ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ أنَّ مَن لَمْ يَتُبْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ كافِرٌ ولَيْسَ هو إلّا اللَّعِينُ وأشْياعُهُ المُنافِقِينَ.

واخْتارَ جَمْعٌ وقالَ النُّحاسُ: هو أحْسَنُ ما قِيلَ أنَّ الحُكْمَ عامٌّ فِيمَن يَرْمِي المَوْصُوفاتِ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن نِساءِ الأُمَّةِ، ورَمْيِهِنَّ إنْ كانَ مَعَ اسْتِحْلالٍ فَهو كُفْرٌ فَيَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الوَعِيدَ المَذْكُورَ وإنْ لَمْ يَتُبْ عَلى ما عَلِمَ مِنَ القَواعِدِ وإنْ كانَ بِدُونِ اسْتِحْلالٍ فَهو كَبِيرَةٌ ولَيْسَ بِكُفْرٍ، ويَحْتاجُ إلى مَنعِ اخْتِصاصِ تِلْكَ العُقُوباتِ والأحْوالِ بِالكُفّارِ والمُنافِقِينَ أوِ التِزامِ القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ ثابِتٌ لِلْجِنْسِ ويَكْفِي في ثُبُوتِهِ لِبَعْضِ أفْرادِهِ ولا شَكَّ أنَّ فِيها مَن يَمُوتُ كافِرًا.

وفي البَحْرِ يُناسِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ كَما قِيلَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ كانَتِ المَرْأةُ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً قَذَفُوها وقالُوا: خَرَجَتْ لِتَفْجُرَ قالَهُ أبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ ﴾ إلَخِ اهْـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْفَقَ بِالسِّياقِ والسَّبّاقِ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مِن نُزُولِها في شَأْنِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وحُكْمِ رَمْيِ سائِرِ أُمَّهاتِهِمْ حُكْمَ رَمْيِها وكَذا حُكْمُ رَمْيِ سائِرِ أزْواجِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكَذا أُمَّهاتُهُمْ، وعِنْدِي أنَّ حُكْمَ رَمْيِ بَناتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ لا سِيَّما بِضْعَتُهُ الطّاهِرَةُ الكَرِيمَةُ فاطِمَةُ الزَّهْراءُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، واعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ لَعْنِ كافِرٍ مُعَيَّنٍ تَحَقَّقَ مَوْتُهُ عَلى الكُفْرِ إنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ إيذاءَ مُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ إذا قُلْنا بِاسْتِوائِهِ مَعَ المُسْلِمِ في حُرْمَةِ الإيذاءِ أمّا إنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ حُرِّمَ.

ومِنَ الحَرامِ لَعْنُ أبِي طالِبٍ عَلى القَوْلِ بِمَوْتِهِ كافِرًا بَلْ هو مِن أعْظَمِ ما يَتَضَمَّنُ ما فِيهِ إيذاءُ مَن يُحَرَّمُ إيذاؤُهُ، ثُمَّ إنَّ لَعْنَ مَن يَجُوزُ لَعْنَهُ لا أرى أنَّهُ يُعَدُّ عِبادَةً إلّا إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً، وأمّا لَعْنُ كافِرٍ مُعَيَّنٍ حَيٍّ فالمَشْهُورُ أنَّهُ حَرامٌ ومُقْتَضى كَلامِ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ أنَّهُ كَفَرَ لِما فِيهِ مِن سُؤالِ تَثْبِيتِهِ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو سَبَبُ اللَّعْنَةِ وسُؤالِ ذَلِكَ كُفْرٌ ونَصَّ الزَّرْكَشِيُّ عَلى ارْتِضائِهِ حَيْثُ قالَ عَقَبَةُ: فَتَفْطَنُ لِهَذِهِ المَسْألَةِ فَإنَّها غَرِيبَةٌ وحُكْمُها مُتَّجِهٌ وقَدْ زَلَّ فِيهِ جَماعَةٌ، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في ذَلِكَ: يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنْ أرادَ بِلَعْنِهِ الدُّعاءَ عَلَيْهِ بِتَشْدِيدِ الأمْرِ أوْ أطْلَقَ لَمْ يَكْفُرْ وإنْ أرادَ سُؤالَ بَقائِهِ عَلى الكُفْرِ أوِ الرِّضى بِبَقائِهِ عَلَيْهِ كُفْرٌ: ثُمَّ قالَ: فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ حَقَّ التَّدَبُّرِ فَإنَّهُ تَفْصِيلٌ مُتَّجِهٌ قَضَتْ بِهِ كَلِماتُهُمُ اهْـ.

وكَلَعْنِ الكافِرِ الحَيِّ المُعَيَّنِ بِالشَّخْصِ في الحُرْمَةِ لَعَنَ الفاسِقَ كَذَلِكَ، وقالَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ: بِجَوازِ لَعْنِ العاصِي المُعِينِ واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ««إذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إلى فِراشِهِ فَأبَتْ أنْ تَجِيءَ فَباتَ غَضْبانَ لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتّى تُصْبِحَ»» وهُوَ ظاهِرٌ فِيما يَدَّعِيهِ وقَوْلُ ولَدِهِ الجَلالُ البَلْقِينِيُّ في بَحْثِهِ مَعَهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعْنُ المَلائِكَةِ لَها لَيْسَ بِالخُصُوصِ بَلْ بِالعُمُومِ بِأنْ يَقُولُوا: لَعَنَ اللَّهُ مَن دَعاها زَوْجُها إلى فِراشِهِ فَأبَتْ فَباتَ غَضْبانَ بَعِيدَ جِدًّا.

ومِمّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ السِّراجِ خَبَرُ مُسْلِمٍ «أنَّهُ  مَرَّ بِحِمارٍ وسُمٍّ في وجْهِهِ فَقالَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَن فَعَلَ هَذا»» وهُوَ أبْعَدُ عَنِ الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرَهُ ولَدُهُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ  لَعَنَ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ بِأعْيانِهِمْ فَقالَ: ««اللَّهُمَّ العَنْ رَعْلًا وذَكْوانَ وعَصِيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ»»، وفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِذَلِكَ أيْضًا، لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوْتَهم أوْ مَوْتَ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ فَلَمْ يَلْعَنْ  إلّا مَن عَلِمَ مَوْتَهُ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ الأحْوَطُ في هَذا البابِ، فَقَدْ صَحَّ ««مَن لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ»» وأرى الدُّعاءَ لِلْعاصِي المُعِينِ بِالصَّلاحِ أحَبُّ مِن لَعْنِهِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِهِ، وأرى لَعْنَ مَن لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ  بِالوَصْفِ أوْ بِالشَّخْصِ عِبادَةً مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا لَعَنَ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ الَّذِي لَعَنَهُ سُبْحانَهُ بِهِ، هَذا وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ ﴾ إلَخْ إمّا مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مُسَوِّقٌ لِتَقْرِيرِ العَذابِ العَظِيمِ بِتَعْيِينِ وقْتِ حُلُولِهِ وتَهْوِيلِهِ بِبَيانِ ظُهُورِ جِنايَةِ الرّامِينَ المُسْتَتْبَعَةِ لِعُقُوباتِها عَلى كَيْفِيَّةٍ هائِلَةٍ وهَيْئَةٍ خارِقَةٍ لِلْعاداتِ فَيَوْمُ ظَرْفٌ لِما في ( لَهم ) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لا لِعَذابٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ لِما في جَوازِ إعْمالِ المَصْدَرِ المَوْصُوفِ مِنَ الخِلافِ، وقِيلَ: لِإخْلالِهِ بِجَزالَةِ المَعْنى وفِيهِ نَظَرٌ، وإمّا مُنْقَطِعٌ عَنْهُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لا ذُكِرَ مَحْذُوفًا أوْ لِيُوَفِّيَهُمُ الآتِي كَما قِيلَ بِكُلٍّ، واخْتِيرَ أنَّهُ ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ وقَدْ ضَرَبَ عَنْهُ الذِّكْرَ صَفْحًا لِلْإيذانِ بِأنَّ العَبّارَةَ لا تَكادُ تُحِيطُ بِتَفْصِيلِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ العَظائِمِ والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَهْوِيلِ اليَوْمِ بِتَهْوِيلِ ما يَحْوِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ يَظْهَرُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ المَقالِ عَلى أنَّ المَوْصُولَ المَذْكُورَ عِبارَةً عَنْ جَمْعِ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ وجِناياتِهِمُ القَبِيحَةِ لا عَنْ جِناياتِهِمُ المَعْهُودَةِ فَقَطْ.

ومَعْنى شَهادَةِ الجَوارِحِ المَذْكُورَةِ بِها أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَنْطِقُها بِقُدْرَتِهِ فَتُخْبَرُ كُلُّ جارِحَةٍ مِنها بِما صَدَرَ عَنْها مِن أفاعِيلِ صاحِبِها لا أنَّ كُلًّا مِنها يُخْبِرُ بِجِنايَتِهِمُ المَعْهُودَةِ فَحَسْبُ.

والمَوْصُولُ المَحْذُوفُ عِبارَةٌ عَنْها وعَنْ فُنُونِ العُقُوباتِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْها كافَّةً لا عَنْ إحْداها خاصَّةً فَفِيهِ مِن ضُرُوبِ التَّهْوِيلِ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ثُمَّ قالَ: وجَعَلَ المَوْصُولَ المَذْكُورَ عِبارَةً عَنْ جِناياتِهِمُ المُعَوِّدَةِ وحَمَلَ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلى إخْبارِ الكُلِّ بِها فَقَطْ تَحْجِيرٌ لِلْواسِعِ وتَهْوِينٌ لِلْأمْرِ الرّادِعِ.

والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى هاتَيْكِ الأعْمالِ في الدُّنْيا وتَجَدُّدِها مِنهم آنًا فَآنًا.

وتَقْدِيمُ ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى الفاعِلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى كَوْنِ الشَّهادَةِ ضارَّةٌ لَهم مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ اهْـ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ بِما ذَكَرَ مَجازًا عَنْ ظُهُورِ آثارِهِ عَلى هاتَيْكِ الأعْضاءِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ مَن يُشاهِدُهم ما عَمِلُوهُ وذَلِكَ بِكَيْفِيَّةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ مُعارِضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ .

وأُجِيبُ بِأنَّ مُجَوِّزَ ما ذَكَرَ يَجْعَلُ النُّطْقَ مَجازًا عَنِ الدَّلالَةِ الواضِحَةِ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِمْ نَطَقَتِ الحالُ أوْ يَقُولُ: هَذا في حالٍ وذاكَ في حالٍ أوْ كُلٌّ مِنهُما في قَوْمٍ.

ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ بَقاءُ الشَّهادَةِ عَلى حَقِيقَتِها إلّا أنَّهُ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّعارُضَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يَسِ ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ الآيَةُ [يَسِ: 65] لِأنَّ الخَتْمَ عَلى الأفْواهِ يُنافِي شَهادَةَ الألْسُنِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الخَتْمِ عَلى الأفْواهِ مَنعَهم عَنِ التَّكَلُّمِ بِالألْسِنَةِ الَّتِي فِيها وذَلِكَ لا يُنافِي الألْسِنَةَ نَفْسَها الَّذِي هو المُرادُ مِنَ الشَّهادَةِ كَما أشَرْنا إلَيْها فَإنَّ الألْسِنَةَ في الأوَّلِ آلَةٌ لِلْفِعْلِ وفي الثّانِي فاعِلَةٌ لَهُ فَيَجْتَمِعُ الخَتْمُ عَلى الأفْواهِ وشَهادَةُ الألْسُنِ بِأنْ يَمْنَعُوا عَنِ التَّكَلُّمِ بِالألْسِنَةِ وتَجْعَلَ الألْسِنَةَ نَفْسَها ناطِقَةً مُتَكَلِّمَةً كَما جَعَلَ سُبْحانَهُ الذِّراعَ المَسْمُومَ ناطِقًا مُتَكَلِّمًا حَتّى أخْبَرَ النَّبِيَّ  بِأنَّهُ مَسْمُومٌ ولِلْمُعْتَزِلَةِ في ذَلِكَ كَلامٌ، وقِيلَ في التَّوْفِيقِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الخَتْمِ والشَّهادَةِ في مَوْطِنٍ وحالٍ، وأنَّ يَكُونَ الشَّهادَةُ في حَقِّ الرّامِينَ والخَتْمُ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وكَأنَّهُ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّ القاذِفِ بِلِسانِهِ وهو مُطالَبٌ مَعَهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ذَكَرَ فِيها خَمْسَةً أيْضًا وصَرَّحَ بِاللِّسانِ الَّذِي بِهِ عَمَلُهُ لِيَفْضَحَهُ جَزاءً لَهُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ قالَهُ الخَفاجِيُّ وقالَ: إنَّها نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ الأخَوانِ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ وابْنُ سَعْدانَ «يَشْهَدُ» بِالياءِ آخِرَ الحُرُوفِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، يعني: العفائف الْغافِلاتِ، يعني: عن الزنى والفواحش.

الْمُؤْمِناتِ، يعني: المصدقات بالألسن والقلوب، لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وأصل اللعن: هو الطرد والبعد، ويقال للشيطان: اللعين، لبعده عن الرحمة.

وروي في الخبر: «أن يوم القيامة تكون هذه الأمة شاهدة على الأمم الأولين، إلا الذين تجري على لسانهم اللعنة» .

وروي عن رسول الله  أنه سمع رجلاً يلعن بعيره، فقال: «أَتَلْعَنُهَا وَتَرْكَبُهَا؟» فنزل عنها، ولم يركبها أحد «3» .

قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يعني: شديد يوم القيامة.

وذكر أن حسان بن ثابت ذهب بصره في آخر عمره، فدخل يوماً على عائشة  ا، فجلس عندها ساعة، ثم خرج، فقيل لها: إن الله تعالى قال: لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدنيا والآخرة.

فقالت عائشة: أو ليس هذا أعظم؟

يعني: ذهاب بصره.

ويقال: عَذابٌ عَظِيمٌ إن لم يتوبوا.

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي بِمَا تكلموا.

ثم قال: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، يعني: يوفيهم جزاء أعمالهم.

قرأ حمزة والكسائي يَشْهَدُ بالياء بلفظ المذكر، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث.

وقرأ مجاهد الحق بضم القاف، فيكون الحق نعت لله، وتكون قراءة أبي بن كعب شاهدة له، كأنه يقول: يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم، وقراءة العامة: الْحَقَّ بالنصب.

وإنما يكون نصباً لنزع الخافض، يعني: يوفيهم الله ثواب دينهم بالحق، أي بالعدل.

وجه أخر: أن يكون الحق نعتاً للدين، ويكون كقوله: حَقًّا ثم يدخل عليه الألف واللام.

ثم قال: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، يعني: عبادة الله هي الحق المبين.

ويقال: ويعلمون أن ما قال الله عزّ وجلّ هو الحق.

ثمّ قال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ قال الكلبي: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال، يعني: عبد الله بن أبي، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من الكلام على معنى التكرار والتأكيد.

ويقال: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، مثل عبد الله بن أبي تكون له زوجة خبيثة زانية، وامرأة النبيّ  لا تكون زانية خبيثة.

ويقال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ يعني: لا يتكلم بكلام الخبيث إلا الخبيث، ولا يليق إلا بالخبيث.

ويقال: الكلمات الخبيثات إنما تليق بالخبيثين من الرجال.

ثم قال: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، يعني: الطَّيِّباتُ من الكلام لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، ويقال الطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ على معنى التكرار والتأكيد.

ثم قال: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ، يعني: عائشة وصفوان مما يقولون من الفرية، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، يعني: رزقاً في الجنة كثيراً، ويقال: كَرِيمٌ يعني: حسن.

وذكر ابن عباس أنه دخل على عائشة  ا في مرضها الذي ماتت فيه، فذكرت ما كان منها من الخروج في يوم الجمل وغيره، فقال لها ابن عباس: «أبشري، فإن الله تعالى يقول: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، والله تعالى ينجز وعده» .

فسري بذلك عنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[الشورى: ١٩] .

وسمعت أبي رحمه الله يقول: أرجى آيةٌ في كتاب الله عندي قوله تعالى:

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] .

وقال بعضهم: أرجى آية قولَهُ تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] .

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ...

الآيةَ: قال ابن جبير: هذه الآية خاصَّةٌ في رُمَاةِ عائشة «١» ، وقال ابن عباس «٢» وغيره: بل ولجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم لمكانهن من الدِّينِ ولم يقرن بآخر الآية توبة.

قال ع «٣» : وقاذف غَيْرهِنَّ له اسم الفسق، وذكرت له التوبةُ، ولعن الدنيا:

الإِبعاد، وضربُ الحَدِّ، والعامل في قوله: يَوْمَ فعل مُضمَرٌ تقديره: يُعَذَّبُونَ يومَ أو نحو هذا، والدين في هذه الآية: الجزاء، وفي مصحف ابن مسعود «٤» وأُبَيٍّ: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ الحَقُّ دِينَهُمْ بتقديم الصفة على الموصوف.

وقوله: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يُقِوِّي قولَ مَنْ ذهب: أَنَّ الآية في المنافقين عَبْدِ الله بن أبيّ وغيره.

الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)

وقوله تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ...

الآية: قال ابن عباس «١» وغيره: الموصوف بالخُبْثِ والطيب: الأقوال والأفعال، وقال ابن زيد «٢» : الموصوفُ بالخُبْث والطيب، النساءُ والرجال، ومعنى هذا التفريقَ بَيْنَ حكم ابن أبيّ وأشباهه وبين حكم النبي صلى الله عليه وسلّم وفضلاء أصحابه وأمّته.

وقوله تعالى: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ إشارة إلى الطيبين المذكورين، وقيل:

الإشارة ب أُولئِكَ إلى عائشة- رضي الله عنها- ومَنْ في معناها.

وقوله تعالى: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا سبب هذه الآية فيما روى الطبريُّ «٣» : أَنَّ امرأة من الأنصار قالت: يا رسولَ الله، إنِّي أَكونُ في منزلي على الحال الَّتي لاَ أُحِبُّ أَنْ يراني أحدٌ عليها، لاَ وَالَدٌ ولا وَلَد، وإنَّهُ لا يزالُ يدخلُ عليَّ رجلٌ مِنْ أهلي، وأنا على تلك الحال فنزلت هذه «٤» الآية، ثم هي عامَّةٌ في الأُمَّةِ غَابِرَ الدهر، وبيت الإنسان: هو الذي لا أحد معه فيه، أوِ البيتَ الذي فيه زوجته أو أَمَتُهُ، وما عدا هذا ٣٧ أفهو غير بيته، وتَسْتَأْنِسُوا معناه: تستعملوا/ مَنْ في البيت، وتستبصروا، تقول:

آنستُ: إذا علمَتُ عن حِسٍّ وإذا أبصرتُ ومنه قوله تعالى: آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: ٦] .

و «استأنس» وزنه: استفعل، فكأنَّ المعنى في تَسْتَأْنِسُوا: تطلبوا أنْ تعلموا ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت الذي يريد دخوله، فذلك يكون بالاستئذان على من فيه، أو بأنْ يتنحنح ويشعر بنفسه بأي وجه أمكنه، ويتأنّى قَدْرَ ما يتحفظ منه، ويدخل إثر ذلك.

وذهب الطبريُّ «٥» في: تَسْتَأْنِسُوا إلى أَنَّه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت بأنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه، وتؤنسوا نفوسكم بأن تعلموا أنْ قد شعر بكم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ يَعْنِي: العَفائِفَ ﴿ الغافِلاتِ ﴾ عَنِ الفَواحِشِ، ﴿ لُعِنُوا في الدُّنْيا ﴾ أيْ: عُذِّبُوا بِالجَلْدِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عائِشَةَ خاصَّةً.

قالَ خَصِيفٌ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقُلْتُ: مَن قَذَفَ مُحْصَنَةً لَعَنَهُ اللَّهُ؟

قالَ: لا، إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عائِشَةَ خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّها في أزْواجِ النَّبِيِّ  خاصَّةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها في المُهاجِراتِ.

قالَ أبُو حَمْزَةَ الثَّمّالِيُّ: بَلَغَنا أنَّ المَرْأةَ كانَتْ إذا خَرَجَتْ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرَةً، قَذَفَها المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقالُوا إنَّما خَرَجَتْ تَفْجُرُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في أزْواجِ النَّبِيِّ  وغَيْرِهِنَّ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ المُحْصَناتِ دُونَ الرِّجالِ؟

فالجَوابُ: [أنَّ] مَن رَمى مُؤْمِنَةً فَلا بُدَّ أنْ يَرْمِيَ مَعَها مُؤْمِنًا، فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، ومِثْلُهُ: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ  ﴾ أرادَ: والبَرْدَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: " يَشْهَدُ " بِالياءِ؛ وهو إقْرارُها بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِنَ الفِرْيَةِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وهَؤُلاءِ غَيْرُ الَّذِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: أنَّ ألْسِنَةَ بَعْضِهِمْ تَشْهَدُ عَلى بَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ﴾ أيْ: حِسابَهُمُ العَدْلَ، وقِيلَ: جَزاءَهُمُ الواجِبَ.

وقَرَأ مُجاهِدُ، وأبُو الجَوْزاءِ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، والأعْمَشُ: " دِينَهُمُ الحَقُّ " بِرَفْعِ القافِ ﴿ وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كانَ يَشُكُّ في الدِّينِ، فَإذا كانَتِ القِيامَةُ عَلِمَ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللهُ هو الحَقَّ المُبِينُ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ لَعْنَ القاذِفَ وتَوَعُّدَهُ الشَدِيدَ إنَّما هي خاصَّةً في رُماةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضِحاكُ، وغَيْرُهُما: بَلْ هَذِهِ لِجَمِيعِ أزْواجِ النَبِيِّ  ، غِلَّظَ اللهُ أمْرَ رَمْيِهِنَّ لِمَكانِهِنَّ مِنَ الدِينِ، فَلَعَنَ قاذِفَهُنَّ ولَمْ يَقْرِنْ بِآخِرِ الآيَةِ تَوْبَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقاذِفُ غَيْرِهِنَّ لَهُ اسْمُ الفِسْقِ وذُكِرَتْ لَهُ التَوْبَةُ.

وقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَلْ هي في شَأْنِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها إلّا أنَّهُ يُرادُ بِها كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ أوَّلًا في القاذِفِينَ، ثُمْ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي صَدَرَتْ في السُورَةِ الَّتِي فِيها التَوْبَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "المُحْصَناتِ" ما مَعْناهُ.

و"اللَعْنَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الإبْعادُ، وضَرْبُ الحَدِّ، واسْتِيحاشُ المُؤْمِنِينَ مِنهم وهَجْرُهم لَهُمْ، وزَوالُهم عن رُتْبَةِ العَدالَةِ، وعَلى مَن قالَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةً لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها تَرَتَّبَتْ هَذِهِ الشَدائِدُ في جانِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْباهِهِ.

وفي ضِمْنِ رَمْيِ المُحْصَنَةِ رَمْيُ الرَجُلِ مَعَها، وقَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا.

والعامِلُ في قَوْلِهِ: "يَوْمَ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ العَذابُ، أيْ: يُعَذِّبُونَهُ يَوْمَ، أو نَحْوَهُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مِن أعْظَمَ الخِزْيِ والتَنْكِيلِ، فَيَشْهَدُ اللِسانُ وقَلْبُ المُنافِقِ لا يُرِيدُ ما يَشْهَدُ بِهِ، وتَشْهَدُ الأيْدِي والأرْجُلُ [وَتَتَكَلَّمُ] كَلامًا يُقَدِّرُها اللهُ تَعالى عَلَيْهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "تَشْهَدُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يَشْهَدُ" بِالياءِ.

و"الدِينُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الجَزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمْ يُبْقَ سِوى العُدْوا نِ دِنّاهم كَما دانُوا أيْ جازَيْناهم كَما فَعَلُوا، ومِنهُ المَثَلُ "كَما تَدِينُ تُدانُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى الصِفَةِ لِلدِّينِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى الصِفَةِ لِلَّهِ تَعالى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ الحَقَّ دِينَهُمْ" بِتَقْدِيمِ الصِفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  .

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ ﴾ يُقَوِّي قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ في الدُنْيا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ هو الحَقُّ المُبِينُ، وإلّا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة: ﴿ إن الذين يرمون المحصنات ﴾ استئناف بعد استئناف قوله: ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ﴾ [النور: 19] والكل تفصيل للموعظة التي في قوله: ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ﴾ [النور: 17]؛ فابتدئ بوعيد العود إلى محبة ذلك وثُني بوعيد العود إلى إشاعة القالة، فالمضارع في قوله: ﴿ يرمون ﴾ للاستقبال.

وإنما لم تعطف هذه الجملة لوقوع الفصل بينها وبين التي تناسبها بالآيات النازلة بينهما من قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ [النور: 21].

واسم الموصول ظاهر في إرادة جماعة وهم عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه.

و ﴿ الغافلات ﴾ هن اللاتي لا علم لهن بما رُمين به.

وهذا كناية عن عدم وقوعهن فيما رُمين به لأن الذي يفعل الشيء لا يكون غافلاً عنه فالمعنى: إن الذين يرمون المحصنات كذباً عليهن، فلا تحسب المرادَ الغافلات عن قول الناس فيهن.

وذكر وصف ﴿ المؤمنات ﴾ لتشنيع قذف الذين يقذفونهن كذباً لأن وصف الإيمان وازع لهن عن الخنى.

وقوله: ﴿ لعنوا ﴾ إخبار عن لعن الله إياهم بما قدَّر لهم من الإثم وما شَرع لهم.

واللعن: في الدنيا التفسيق، وسلب أهلية الشهادة، واستيحاش المؤمنين منهم، وحد القذف، واللعن في الآخرة: الإبعاد من رحمة الله.

والعذاب العظيم: عذاب جهنم فلا جدوى في الإطالة بذكر مسألة جواز لعن المسلم المعيّن هنا ولا في أن المقصود بها من كان من الكفرة.

والظرف في قوله: ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ متعلق بما تعلق به الظرف المجعول خبراً للمبتدأ في قوله: ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ .

وذكر شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم للتهويل عليهم لعلهم يتقون ذلك الموقف فيتوبون.

وشهادة الأعضاء على صاحبها من أحوال حساب الكفار.

وتخصيص هذه الأعضاء بالذكر مع أن الشهادة تكون من جميع الجسد كما قال تعالى: ﴿ وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا ﴾ [فصلت: 21] لأن لهذه الأعضاء عملاً في رمي المحصنات فهم ينطقون بالقذف ويشيرون بالأيدي إلى المقذوفات ويسعون بأرجلهم إلى مجالس الناس لإبلاغ القذف.

وقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿ يشهد عليهم ﴾ بالتحتية، وذلك وجه في الفعل المسند إلى ضمير جمع تكسير.

وقوله: ﴿ يومئذٍ يوفيهم الله دينهم ﴾ استئناف بياني لأن ذكر شهادة الأعضاء يثير سؤالاً عن آثار تلك الشهادة فيجاب بأن أثرها أن يجازيهم الله على ما شهدت به أعضاؤهم عليهم.

فدينهم جزاؤهم كما في قوله: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ [الفاتحة: 4].

و ﴿ الحقَّ ﴾ نعت للدين، أي الجزاء العادل الذي لا ظلم فيه فوصف بالمصدر للمبالغة.

وقوله: ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين ﴾ أي ينكشف للناس أن الله الحق.

ووصف الله بأنه ﴿ الحق ﴾ وصف بالمصدر لإفادة تحقق اتصافه بالحق، كقول الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت *** فإنما هي إقبال وإدبار وصفة الله بأنه ﴿ الحق ﴾ بمعنيين: أولهما: بمعنى الثابت الحاق، وذلك لأن وجوده واجب فذاته حق متحققة لم يسبق عليها عدم ولا انتفاء فلا يقبل إمكان العدم.

وعلى هذا المعنى في اسمه تعالى: ﴿ الحق ﴾ اقتصر الغزالي في «شرح الأسماء الحسنى».

وثانيهما: معنى أنه ذو الحق، أي العدل وهو الذي يناسب وقوع الوصف بعد قوله: ﴿ دينهم الحق ﴾ .

وبه فسر صاحب «الكشاف» فيحتمل أنه أراد تفسير معنى الحق هنا، أي وصف الله بالمصدر وليس مراده تفسيرَ الاسم.

ويحتمل إرادة الإخبار عن الله بأنه صاحب هذا الاسم وهذا الذي درج عليه ابن برّجان الإشبيلي في كتابه «شرح الأسماء الحسنى» والقرطبي في «التفسير».

و ﴿ الحق ﴾ من أسماء الله الحسنى.

ولما وصف بالمصدر زيد وصف المصدر ب ﴿ المبين ﴾ .

والمبين: اسم فاعل من أبان الذي يستعمل متعدياً بمعنى أظهر على أصل معنى إفادة الهمزة التعدية، ويستعمل بمعنى بان، أي ظهر على اعتبار الهمزة زائدة، فلك أن تجعله وصفاً ل ﴿ الحق ﴾ بمعنى العدل كما صرح به في «الكشاف»، أي الحق الواضح.

ولك أن تجعله وصفاً لله تعالى بمعنى أن الله مبيَّن وهاد.

وإلى هذا نحا القرطبي وابن برَّجان، فقد أثبتا في عداد أسمائه تعالى اسم ﴿ المبين ﴾ .

فإن كان وصف الله ب ﴿ الحق ﴾ بالمعنى المصدري فالحصر المستفاد من ضمير الفصل ادعائي لعدم الاعداد ب ﴿ الحق ﴾ الذي يصدر من غيره من الحاكمين لأنه وإن يصادف المحز فهو مع ذلك معرض للزوال وللتقصير وللخطأ فكأنه ليس بحق أو ليس بمبين.

وإن كان الخبر عن الله بأنه ﴿ الحق ﴾ بالمعنى الاسمي لله تعالى فالحصر حقيقي إذ ليس اسم الحق مسمى به غير ذات الله تعالى، فالمعنى: أن الله هو صاحب هذا الاسم كقوله تعالى: ﴿ هل تعلم له سميّاً ﴾ [مريم: 65].

وعلى هذين الوجهين يجري الكلام في وصَفه تعالى ب ﴿ المبين ﴾ .

ومعنى كونهم يعلمون أن الله هو الحق المبين: أنهم يتحققون ذلك يومئذ بعلم قطعي لا يقبل الخفاء ولا التردد وإن كانوا عالمين ذلك من قبل لأن الكلام جار في موعظة المؤمنين؛ ولكن نزل علمهم المحتاج للنظر والمعرض للخفاء والغفلة منزلة عدم العلم.

ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ الذين يرمون المحصنات الغافلات ﴾ خصوص عبد الله بن أبي بن سلول ومن يتصل به من المنافقين المبطنين الكفر بله الإصرار على ذنب الإفك إذ لا توبة لهم فهم مستمرون على الإفك فيما بينهم لأنه زُين عند أنفسهم، فلم يروموا الإقلاع عنه في بواطنهم مع علمهم بأنه اختلاق منهم؛ لكنهم لخبث طواياهم يجعلون الشك الذي خالج أنفسهم بمنزلة اليقين فهم ملعونون عند الله في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم في الآخرة ويعلمون أن الله هو الحق المبين فيما كذبهم فيه من حديث الإفك وقد كانوا من قبل مبطنين الشرك مع الله فجاعلين الحق ثابتاً لأصنامهم، فالقصر حيئنذ إضافي، أي يعلمون أن الله وحده دون أصنامهم.

ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ الذين يرمون المحصنات الغافلات ﴾ عبد الله بن أبي بن سلول وحده فعبر عنه بلفظ الجمع لقصد إخفاء اسمه تعريضاً به، كما في قوله تعالى: ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ [آل عمران: 173] وقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ ﴾ وقُرِئَ ولا يَتَألَّ وفي اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما مُتَقارِبٌ واحِدٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ لا يَقْتَصِرُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ لا ألَوْتَ أيْ لا قَصَرْتَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: لا يَحْلِفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الألِيَّةِ وهي اليَمِينُ.

- والقَوْلُ الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ فَمَعْنى يَأْتَلِ أيْ يَأْلُو أوْ يُقْصِرُ، ومَعْنى يَتَألَّ أيْ يَحْلِفُ.

﴿ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا يَحْلِفُوا ألّا يَبَرُّوا هَؤُلاءِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ فَلَمّا خاضَ في الإفْكِ ونَشَرَهُ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ ألّا يَبِرَّهُ، وكانَ ابْنُ خالَتِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ يَمِينِهِ ونَدَبَهُ إلى بِرِّهِ مَعَ إساءَتِهِ.

وَهَذا مَعْنى لا يَأْلُو جُهْدًا فالمُنْهى عَنْهُ فِيها التَّوَقُّفُ عَنْ بِرِّ مَن أساءَ وأنْ نُقابِلَهُ بِالتَّعَطُّفِ والإغْضاءِ، فَقالَ: ﴿ وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَفْوَ عَنِ الأفْعالِ والصَّفْحَ عَنِ الأقْوالِ.

الثّانِي: أنَّ العَفْوَ سَتْرُ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ مُؤاخَذَةٍ والصَّفْحَ الإغْضاءُ عَنِ المَكْرُوهِ.

﴿ ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ كَما تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم ذُنُوبَكم فاغْفِرُوا لِمَن أساءَ إلَيْكم، فَلَمّا سَمِعَ أبُو بَكْرٍ هَذا قالَ: بَلى يا رَبِّ وعادَ إلى بِرِّهِ وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول: كذبوا فيقال: أهلك وعشيرتك فيقول: كذبوا فيقال: احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم النار» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته، فما ينطق لسانها ولسانه ولكن يداها ورجلاها، يشهدان عليها بما كانت تغتاله، أو توليه أو كلمة نحوها، ويداه ورجلاه يشهدون عليه بما كان يوليها، ثم يدعى الرجل وخوله فمثل ذلك» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنكم تدعون مقدمة أفواهكم بالفدام، وإن أول ما يبين عن أحدكم فرجه وكفه» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي امامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما ينطق من ابن آدم يوم القيامة فخذه» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما يستنطق من ابن آدم جوارحه في محاقير عمله.

فيقول وعزتك يا رب إن عندي المضرات العظام» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إني لأعلم آخر رجل من أمتي يجوز الصراط، رجل يتلوى على الصراط كالغلام حين يضربه أبوه تزلّ يده مرة فتصيبها النار، وتزل رجله مرة فتصيبها النار، فتقول له الملائكة: أرأيت إن بعثك الله من مقامك هذا فمشيت سوياً أتخبرنا بكل عمل عملته؟

فيقول: أي وعزته لا أكتمكم من عملي شيئاً فيقولون له: قم فامش سوياً.

فيقوم فيمشي حتى يجاوز الصراط فيقولون له: اخبرنا باعمالك التي عملت فيقول في نفسه: إن أخبرتهم بما عملت ردوني إلى مكاني فيقول: لا وعزته ما عملت ذنباً قط فيقولون: إن لنا عليك بينة، فيلتفت يميناً وشمالاً هل يرى من الآدميين ممن كان يشهد في الدنيا أحد.

فلا يراه فيقول: هاتوا بينتكم فيختم الله على فيه، فتنطق يداه ورجلاه وجلده بعمله فيقول: أي وعزتك لقد عملتها وان عندي العظام العظائم المضرات فيقول: اذهب فقد غفرتها لك» .

وأخرج ابن مردويه وابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول عظم يتكلم من الإِنسان بعد أن يختم على فيه فخذه من جانبه الأيسر» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ﴾ يوم القيامة وهو ظرف لقوله ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

قوله ﴿ أَلْسِنَتُهُمْ ﴾ قال الكلبي: تشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم بما تكلّموا به من الفرية في قذف عائشة (١) (٢) وقوله ﴿ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: إن الله تعالى ختم على الألسنة، فتكلمت الجوارح، ونطقت بما عملوا في الدنيا (٣) وهذه الآية دليل على أن الأولى واردة في قذف أزواج رسول الله -  -، لأن شهادة الجوارح غير مذكورة في جميع القرآن إلا في صفات المشركين، فمن قذفهن من المنافقين فهو من أهل هذه الآية، وإن قذفهن غير منافق عوقب بسلب الإيمان فيصير من أهلها.

(١) روى ابن أبي حاتم 7/ 28 ب عن سعيد بن جبير، نحوه.

(٢) قال الطبري 18/ 105: عني بذلك أنَّ ألسنة بعضهم تشهد على بعض.

(٣) رواه الطبراني 23/ 133 من رواية عطاء، عن ابن عباس إلى قوله الجوارح.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 152 وعزاه للطبراني.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ ﴾ العامل فيه يوفيهم، وكرر يومئذ توكيداً وقيل: العام فيه عذاب أو فعل مضمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كبره ﴾ بضم الكاف: يعقوب.

﴿ إذ سمعتموه ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي ﴿ إذ تلقونه ﴾ بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ولا يتأل ﴾ من التألي: يزيد ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة.

﴿ يوم يشهد ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف.

والباقون بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ عصبة منكم ﴾ ط ﴿ شراً لكم ﴾ ط ﴿ خير لكم ﴾ ط ﴿ من الإثم ﴾ ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ لا للعطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ج للشرط معنى مع الفاء ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله ﴿ لمسكم ﴾ أو ﴿ أفضتم ﴾ واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله {  } من جملة مفعول ﴿ قلتم ﴾ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية ﴿ الايات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ ابداً ﴾ لا لتعلق لكن ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط والوصل أولى للعطف ﴿ وليصفحوا ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ص ﴿ عظيم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ للخبيثات ﴾ ج للعطف مع التضاد ﴿ للطيبات ﴾ ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ﴿ يقولون ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق.

روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله  إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة.

قال الزهري: هي غزوة المريسيع.

وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة.

قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً.

فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله  ، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه.

وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت.

وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟

فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري.

فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله  المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون  ﴾ إلى أن نزل فيّ ﴿ إن الذين جاؤا بالإفك ﴾ إلى آخر الآيات.

وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول.

وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.

وقيل: هو البهتان.

والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة.

قال المفسرون.

هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً.

أما الخطاب في قوله ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله  وأبا بكر وعائشة وصفوان.

ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول  وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية.

وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها.

وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة.

وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض.

﴿ والذي تولى كبره ﴾ أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله  مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق.

ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟

فقالوا: عائشة.

فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.

ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة.

فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟

فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول  رجوت له الجنة.

وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى.

ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن ﴾ فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف.

والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم  ﴾ ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك.

ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته ﴿ هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان.

فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه.

روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟

فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟

قال: لا.

قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله  فعائشة خير مني وصفوان خير منك.

وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة.

ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز.

ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف.

وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة.

وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح.

وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح.

قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة.

قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.

قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها.

ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان.

ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله ﴿ لولا جاؤا ﴾ وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون.

وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً.

ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ﴿ ولولا فضل الله ﴾ هي "لولا" الامتناعية.

قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.

وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة ﴿ لمسكم في ما ﴾ انفعتم ﴿ فيه عذاب عظيم ﴾ في الدنيا والآخرة معاً.

وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به.

كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟

فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر.

وفي زيادة قوله ﴿ بأفواهكم ﴾ إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع.

والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا  فلهذا قال ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.

وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير.

وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه.

وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر.

ثم علمهم أدباً آخر ومعنى ﴿ ما يكون لنا ﴾ لا ينبغي ولا يصح لنا.

ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه.

والفرق بين هذه الآية وبين قوله ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ﴿ يعظكم الله ﴾ بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة ﴿ أن تعودوا ﴾ أو في شأن أن تعودوا ﴿ لمثله ابداً ﴾ أي مدة حياتكم.

ولا دلالة للمعتزلة في قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ﴿ ويبين الله لكم ﴾ أي لانتفاعكم ﴿ الآيات ﴾ الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده ﴿ والله عليم حكيم ﴾ هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض.

والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث.

ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب.

استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح.

ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه.

ثم بين بقوله ﴿ إن الذين يحبون ﴾ أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب.

والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي.

وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح.

وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله  عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.

وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار.

عن رسول الله  "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعن أنس أن النبي  قال " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من الخير وأما قوله ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله  .

وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم.

قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها.

وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه  غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة.

ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد.

ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم.

وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر.

وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله ﴿ ما زكى منكم ﴾ وهو بعيد.

عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم.

ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه.

وقوله ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل.

قالت الاشاعرة: في قوله ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله ﴿ من يشاء ﴾ ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه.

ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يأتل ﴾ وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ ﴿ ولا يأتل ﴾ وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين.

قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه.

فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله  على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق.

تركنا العمل به في حق النبي  بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به.

وأيضاً ذكره الله  في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم.

وأيضاً قد قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله  بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك.

وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك.

وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه ﴿ فاعف عنهم واصفح  ﴾ فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق.

وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله ﴿ أن يغفر ﴾ فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار.

وليس النهي في قوله ﴿ ولا يأتل ﴾ نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو.

عن النبي  "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه  "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله  .

وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف الجمع بين الأمرين؟

أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة.

قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً.

استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.

ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله  ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان  ﴾ وهو عام في جانب الخير وفي غيره.

ومثله ما ورد في قصة أيوب { ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به  ﴾ ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها.

وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله  في حديث آخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة.

وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة.

قوله ﴿ أن الذين يرمون المحصنات ﴾ قد مر تفسير المحصنة.

وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال.

قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم.

ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي  .

ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان.

وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء.

وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة.

وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة.

ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله  عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر.

أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً.

وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله  .

ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله.

ومعنى ﴿ دينهم الحق ﴾ الجزاء المستحق.

وقال في الكشاف: معنى قوله ﴿ هو الحق المبين ﴾ العادل الظاهر العدل.

وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل.

والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات.

فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره.

ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله ﴿ الخبيثات ﴾ يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله  طيباً.

وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال.

والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون ﴿ أولئك ﴾ الطيبون ﴿ مبرؤن مما ﴾ يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.

قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك.

وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله  فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب ﴿ وأَعتدنا لها رزقاً كريماً  ﴾ وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة.

وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت.

عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل  بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وشهد شاهد من أهلها  ﴾ وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.

التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي  لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟

قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة.

وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله  حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك".

وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله { ﴿ تعرفهم بسيماهم  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: عيناك قد حكتا مبيتك *** كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك *** مبيت صاحبها عياناً وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله.

وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ﴿ الخبيثات ﴾ وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي ﴿ للخبيثين ﴾ وهم أمثالهن ﴿ والطيبات ﴾ من لوث الحدوث ﴿ للطيبين ﴾ وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ نهى المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان، لكنه قال: ﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ فجوابه أن يقول: فإن خطواته كذا، ولم يقل أيضاً: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفاحشة، ولكنه قال: ﴿ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، لكن جوابه ما قال في آية أخرى: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ...

﴾ الآية [البقرة: 168-169] أخبر [أن] من اتبعه أمره بالفحشاء.

والخطوات: من الخُطْوة والخَطْوة وهما من رفع القدم ووضعه، وأصله نَهْي عن اتباع آثاره.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ التزكية تحتمل التوفيق، والعصمة؛ يزكون بما أعطى لهم من التوفيق والعصمة.

أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل والعصمة، [وهو] أشبه.

وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أن من زكا إنما يزكو بفضله ورحمته، وهم يقولون: لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزاً عندهم فعلى قولهم ليس بمفضل ولكن عادل؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل؛ فعلى قولهم لا يكون مفضلا، ولكن عادلا؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل: مفضلا؛ وعلى قولهم: إنه قد أعطى كلا ما به يزكون ويصلحون، لكنهم لم يزكوا هم؛ فعلى قولهم لم يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له، فقد أخبر أن من زكا إنما زكا به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا، وقد أعطى ذلك من زكا وصلح، ولم يعط من لم يزك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: سميع لأقوالهم وعليم لأفعالهم، وأصله ما ذكر: يعلم ما يسرون وما يعلنون.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ ﴾ أي: ولا يحلف، وهو (يفتعل) من الإيلاء.

وقال أبو عوسجة: لا يأتل، أي: لا يعجز، ولا يقصر، يقال: ائتلى يأتلي، وألا يألو ألواً، وهو التقصير، وترك المبالغة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ أي: من له الفضل والسعة.

ويحتمل ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ ﴾ من له الأفضال والمعروف وبر أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.

ذكر أهل التأويل أن أبا بكر كان حلف ألا ينفع مسطحا بنافعة وكان قريبه بما تكلم في عائشة؛ فأنزل الله النهي عن ذلك فقال: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ .

لكن الآية وإن نزلت في أمر ومعنى كان من أبي بكر، فإن غيره من الناس يشترك في معنى ذلك، وفي ذلك النهي، وكذلك ما قال في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...

 ﴾ ، ذكر أن قوماً كانوا يحلفون ألا يبروا الناس، ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذراً لهم في ترك الإنفاق عليهم؛ والتعاون، والإصلاح بين الناس، فنهوا عن ذلك، وذلك اليمين لهم، ولمن كان في معناهم، ليس لهم خاصة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ...

﴾ الآية، وإن كان في أبي بكر فهو فيه وفي الذين في معناه.

وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم، والأول على الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو أبو بكر، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك، ويجعل كأن هذه الآيات كلها نزلت فيه، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في الآية، وكل رامٍ محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية؛ لوجود المعنى الذي نزلت الآية.

وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب المرء أو نازلة لمعنى، يشترك من وجد فيه ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي بترك الإنفاق، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من الإساءة، ثم أمره بالعفو والصفح، وهو قوله: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ ﴾ ، أي: اعفوا عن إساءته واصفحوا أي: لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة، ولا تذكروا زلته أيضاً؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير والتوبيخ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة والإساءة جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: قد تحبون أن يغفر الله لكم ما كان منكم إليه من الإساءة، فإن أحببتم ذلك فاعفوا عمن أساء إليكم، والله غفور رحيم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : قد ذكرنا أن المحصنات هاهنا: هن الحرائر، والغافلات: هن بريئات من الفاحشة، والمؤمنات ظاهر.

وقوله: ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ كأن الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم اللعن؛ فهو كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ والمؤمن لا يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين.

ثم اللعن في الدنيا هو الحدّ الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في المنافقين قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية، وإنما تشهد هذه الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأمّا المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ...

﴾ الآية [يس: 65] ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ  ﴾ أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما كانوا يحلفون لرسول الله في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20].

{ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا...

﴾ الآية [فصلت: 21] تكون شهادة الألسن بعد ما أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ ﴾ يؤمنون به جميعاً يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا  ﴾ ، ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد الله، والإقرار بالربوبية له والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل مما يحرم.

وقوله: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الخبيثات من الكلمات والقول [للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول]، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات.

وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين.

وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، [و] نحوه من الكلام.

ثم قال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ﴾ يعني: عائشة وصفوان.

﴿ مُبَرَّءُونَ ﴾ مما يقول أولئك القذفة.

﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: حسن؛ فابن عباس صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول.

وقال بعضهم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعاً ووجوداً، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع.

وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول الله، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كنّ طيبات لكن لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، والله أعلم.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: "إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير.

ثم تلا عبد الله ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ...

﴾ الآية".

وجائز أن يكون الخبيثات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ أنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد الله بن أبي وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأمّا المنافقون فقد قصدوا به القذف والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحدّ واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأمّا المؤمنون فقال لهم: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب أولئك.

ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أولئك إلا أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، والله أعلم بذلك.

وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان.

وروي عن كعب بمثل قِيلِ عبد الله [بن مسعود] فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض فلا تجد لها مستقرّاً، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكاناً، فتقول: ما أجد لي موضعاً أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها.

ثم تلا كعب هذه الآية: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يحصل لهم ذلك العذاب يوم القيامة يوم تشهد عليهم ألسنتهم بما نطقوا به من الباطل، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

<div class="verse-tafsir" id="91.zBwl6"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد