الآية ٣٩ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣٩ من سورة النور

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًۭٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 112 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار ، كما ضرب للمنافقين في أول " البقرة " مثلين ناريا ومائيا ، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة " الرعد " مثلين مائيا وناريا ، وقد تكلمنا على كل منها في موضعه بما أغنى عن إعادته ، ولله الحمد والمنة .

فأما الأول من هذين المثلين : فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم ، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات ، وليسوا في نفس الأمر على شيء ، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام .

والقيعة : جمع قاع ، كجار وجيرة .

والقاع أيضا : واحد القيعان ، كما يقال : جار وجيران .

وهي : الأرض المستوية المتسعة المنبسطة ، وفيه يكون السراب ، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار .

وأما الآل فإنما يكون أول النهار ، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض ، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء ، حسبه ماء فقصده ليشرب منه ، فلما انتهى إليه ( لم يجده شيئا ) ، فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملا وأنه قد حصل شيئا ، فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ، ونوقش على أفعاله ، لم يجد له شيئا بالكلية قد قبل ، إما لعدم الإخلاص ، وإما لعدم سلوك الشرع ، كما قال تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) [ الفرقان : 23 ] .

وقال هاهنا : ( ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) .

وهكذا روي عن أبي بن كعب ، وابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة وغير واحد .

وفي الصحيحين : أنه يقال يوم القيامة لليهود : ما كنتم تعبدون؟

فيقولون : كنا نعبد عزير ابن الله .

فيقال : كذبتم ، ما اتخذ الله من ولد ، ماذا تبغون؟

فيقولون : أي ربنا ، عطشنا فاسقنا .

فيقال : ألا ترون؟

فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ، فينطلقون فيتهافتون فيها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وهذا مثل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به، فقال: والذين جحدوا توحيد ربهم وكذّبوا بهذا القرآن، وبمن جاء به مَثَلُ أعمالهم التي عملوها( كسراب ) يقول: مثل سراب، والسراب ما لصق بالأرض، وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتدّ الحرّ والآل، ما كان كالماء بين السماء والأرض، وذلك يكون أوّل النهار، يرفع كلّ شيء ضحى.

وقوله: ( بقيعة ) وهي جمع قاع، كالجيرة جمع جار، والقاع: ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب.

وقوله: ( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً ) يقول: يظن العطشان من الناس السراب ماء ( حَتَّى إِذَا جَاءَهُ ) والهاء من ذكر السراب، والمعنى: حتى إذا جاء الظمآنُ السرابَ ملتمسا ماءً، يستغيث به من عطشه ( لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) يقول: لم يجد السراب شيئا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور، يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب فظنه ماء يُرويه من ظمئه، حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله، لم يجده ينفعه شيئا; لأنه كان عمله على كفر بالله، ووجد الله، هذا الكافرُ عند هلاكه بالمرصاد، فوفاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا، وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه.

فإن قال قائل: وكيف قيل: ( حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) فإن لم يكن السراب شيئا، فعلام أدخلت الهاء في قوله: ( حَتَّى إِذَا جَاءَهُ ) ؟

قيل: إنه شيء يرى من بعيد كالضباب، الذي يرى كثيفا من بعيد، والهباء، فإذا قرب منه المرء، رقّ وصار كالهواء.

وقد يحتمل أن يكون معناه حتى إذا جاء موضع السراب؛ لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب من ذكر موضعه، ( وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) يقول والله سريع حسابه; لأنه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع، ولا حفظ بقلب، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد، ومن بعد ما عمله.

وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، قال: ثم ضرب مثلا آخر، فقال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) قال: وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة، وهو يحسب أن له عند الله خيرا فلا يجد، فيُدخله النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) يقول: الأرض المستوية.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) ...

إلى قوله: ( وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) قال: هو مثل ضربه الله لرجل عطش فاشتدّ عطشه، فرأى سرابا فحسبه ماء، فطلبه وظنّ أنه قد قدر عليه، حتى أتاه، فلما أتاه لم يجده شيئا، وقبض عند ذلك، يقول الكافر كذلك، يحسب أن عمله مغن عنه، أو نافعه شيئا، ولا يكون آتيًا على شيء حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئا، ولم ينفعه إلا كما نفع العطشانَ المشتدّ إلى السرابِ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن.

قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) قال: بقاعٍ من الأرض، والسراب: عمله، زاد الحارث في حديثه عن الحسن: والسراب: عمل الكافر ( إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) إتيانه إياه: موته، وفراقه الدنيا( وَوَجَدَ اللَّهَ ) عند فراقه الدنيا، ( فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ).

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتَادة، في قوله: ( كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) قال: بقيعة من الأرض ( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً ) هو مثل ضربه الله لعمل الكافر، يقول: يحسب أنه في شيء، كما يحسب هذا السراب ماء ( حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ) وكذلك الكافر إذا مات لم يجد عمله شيئا( وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) ...

إلى قوله: ( وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ) قال: هذا مثل ضربه الله للذين كفروا( أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ) قد رأى السراب، ووثق بنفسه أنه ماء، فلما جاءه لم يجده شيئا، قال: وهؤلاء ظنوا أن أعمالهم صالحة، وأنهم سيرجعون منها إلى خير، فلم يرجعوا منها إلا كما رجع صاحب السراب، فهذا مثل ضربه الله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحسابقوله تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة لما ضرب مثل المؤمن ضرب مثل الكافر .

قال مقاتل : نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، كان يترهب متلمسا للدين ، فلما خرج - صلى الله عليه وسلم - كفر .

أبو سهل : في أهل الكتاب .

الضحاك : في أعمال الخير للكافر ؛ كصلة الرحم ونفع الجيران .

( والسراب ) : ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر ، كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض .

والآل الذي يكون ضحا كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء .

وسمي السراب سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء .

ويقال : سرب الفحل أي مضى وسار في الأرض .

ويسمى الآل أيضا ، ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به العطشان .

قال الشاعر :فكنت كمهريق الذي في سقائه لرقراق آل فوق رابية صلدوقال آخر :فلما كففنا الحرب كانت عهودهم كلمع سراب بالفلا متألقوقال امرؤ القيس :ألم أنض المطي بكل خرق أمق الطول لماع السرابوالقيعة جمع القاع ؛ مثل جيرة وجار ؛ قاله الهروي ، وقال أبو عبيدة : قيعة وقاع واحد ؛ حكاه النحاس .

والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت ، وفيه يكون السراب .

وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء ، وجمعه قيعان .

قال الجوهري : والقاع المستوي من الأرض ؛ والجمع أقوع ، وأقواع ، وقيعان ، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها ؛ والقيعة مثل القاع ، وهو أيضا من الواو .

وبعضهم يقول : هو جمع .

يحسبه الظمآن أي العطشان ماء أي يحسب السراب ماء .

حتى إذا جاءه لم يجده شيئا مما قدره ، ووجد أرضا لا ماء فيها .

وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ، يعولون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر ؛ أي لم يجدوا شيئا كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضا لا ماء [ ص: 263 ] فيها ؛ فهو يهلك أو يموت .

ووجد الله عنده أي وجد الله بالمرصاد .

فوفاه حسابه أي جزاء عمله .

قال امرؤ القيس :فولى مدبرا يهوي حثيثا وأيقن أنه لاقى الحساباوقيل : وجد وعد الله بالجزاء على عمله .

وقيل : وجد أمر الله عند حشره ؛ والمعنى متقارب .

وقرئ ( بقيعات ) .

المهدوي : ويجوز أن تكون الألف مشبعة من فتحة العين .

ويجوز أن تكون مثل رجل عزة وعزهاة ، للذي لا يقرب النساء .

ويجوز أن يكون جمع قيعة ، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف .

وروي عن نافع ، وأبي جعفر ، وشيبة ( الظمان ) بغير همز ، والمشهور عنهما الهمز ؛ يقال : ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن ، وإن خففت الهمزة قلت الظمان وقوله : ( والذين كفروا ) ابتداء ، ( أعمالهم ) ابتداء ثان .

والكاف من ( كسراب ) الخبر ، والجملة خبر عن الذين .

ويجوز أن تكون ( أعمالهم ) بدلا من ( الذين كفروا ) ؛ أي وأعمال الذين كفروا كسراب ، فحذف المضاف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذان مثلان، ضربهما الله لأعمال الكفار في بطلانها وذهابها سدى وتحسر عامليها منها فقال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } بربهم وكذبوا رسله { أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } أي: بقاع، لا شجر فيه ولا نبت.

{ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً } شديد العطش، الذي يتوهم ما لا يتوهم غيره، بسبب ما معه من العطش، وهذا حسبان باطل، فيقصده ليزيل ظمأه، { حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } فندم ندما شديدا، وازداد ما به من الظمأ، بسبب انقطاع رجائه، كذلك أعمال الكفار، بمنزلة السراب، ترى ويظنها الجاهل الذي لا يدري الأمور، أعمالا نافعة، فيغره صورتها، ويخلبه خيالها، ويحسبها هو أيضا أعمالا نافعة لهواه، وهو أيضا محتاج إليها بل مضطر إليها، كاحتياج الظمآن للماء، حتى إذ قدم على أعماله يوم الجزاء، وجدها ضائعة، ولم يجدها شيئا، والحال إنه لم يذهب، لا له ولا عليه، بل { وجد اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ } لم يخف عليه من عمله نقير ولا قطمير، ولن يعدم منه قليلا ولا كثيرا، { وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد، فإنه لا بد من إتيانه، ومثلها الله بالسراب الذي بقيعة، أي: لا شجر فيه ولا نبات، وهذا مثال لقلوبهم، لا خير فيها ولا بر، فتزكو فيها الأعمال وذلك للسبب المانع، وهو الكفر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ) " السراب " الشعاع الذي يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري ، يشبه الماء الجاري على الأرض يظنه من رآه ماء ، فإذا قرب منه انفش فلم ير شيئا و " الآل " ما ارتفع من الأرض ، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة يرفع فيه الشخوص يرى فيه الصغير كبيرا والقصير طويلا و " الرقراق " يكون بالعشايا ، وهو ما ترقرق من السراب ، أي جاء وذهب .

و " القيعة " : جمع القاع وهو المنبسط الواسع من الأرض ، وفيه يكون السراب ، ( يحسبه الظمآن ) أي : يتوهمه العطشان ، ( ماء حتى إذا جاءه ) أي : جاء ما قد رأى أنه ماء .

وقيل : جاء موضع السراب ، ( لم يجده شيئا ) على ما قدره وحسبه كذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا أتاه ملك الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى منه شيئا ولا نفعه .

( ووجد الله عنده ) أي : عند عمله ، أي : وجد الله بالمرصاد .

وقيل : قدم على الله ، ( فوفاه حسابه ) أي جزاء عمله ، ( والله سريع الحساب )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةِ» جمع قاع: أي فيلاه وهو شعاع يرى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري «يحسبه» يظنه «الظمآن» أي العطشان «ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا» مما حسبه كذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقه ينفعه حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله أي لم ينفعه «ووجد الله عنده» أي عند عمله «فوفَّاه حسابه» أي جازاه عليه في الدنيا «والله سريع الحساب» أي المجازاة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين كفروا بربهم وكذَّبوا رسله، أعمالهم التي ظنوها نافعة لهم في الآخرة، كصلة الأرحام وفك الأسرى وغيرها، كسراب، وهو ما يشاهَد كالماء على الأرض المستوية في الظهيرة، يظنه العطشان ماء، فإذا أتاه لم يجده ماء.

فالكافر يظن أن أعماله تنفعه، فإذا كان يوم القيامة لم يجد لها ثوابًا، ووجد الله سبحانه وتعالى له بالمرصاد فوفَّاه جزاء عمله كاملا.

والله سريع الحساب، فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد، فإنه لا بدَّ مِن إتيانه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد تلك الصورة المشرقة التى بينها - سبحانه - لمن هداهم لنوره ، أتبع ذلك بضرب مثلين لأعمال الكفار ، فقال - تعالى - : ( والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ .

.

.

) .قال الآلوسى : قوله - تعالى - ( والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ ) عطف على ما قبله ، من باب عطف القصة على القصة ، أو على مقدر ينساق إليه ما قبله ، كأنه قيل : الذين آمنوا أعمالهم حالا ومآلا كما وصف والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة .والمراد بأعمالهم هنا : الأعمال الصالحة التى كانوا يعملونها فى الدنيا كالإحسان إلى الفقراء ، وصلة الأرحام وما يشبه ذلك .والسراب : هو الشعاع الذى يتراءى للناظر من بعيد كأنه ماء .

ويكون ذلك فى وسط النهار عند اشتداد الحر ، فى الأماكن الواسعة ، وسمى سرابا لأنه يرى من بعيد يتسرب فوق الأرض كأنه ماء ، مع أنه ليس بماء ولا غيره .والباء فى قوله ( بِقِيعَةٍ ) بمعنى فى .

والقيعة : جمع قاع وهو ما انبسط واتسع من الأرض .

دون أن يكون فيه زرع ، وفوقه يتراءى السراب .

والجار والمجرور متعلق بمحذوف ، صفة للسراب .أى : والذين كفروا بالحق لما جاءهم : أعمالهم الصالحة فى الدنيا التى يتوقعون الخير من ورائها ، تكون بالنسبة لهم يوم القيامة ، كسراب كائن فى صحراء واسعة ، " يحسبه الظمآن ماء " .أى : يظن الشخص الذى اشتد به العطش أنه ماء .وخص - سبحانه - هذا الحسبان بالظمآن ، مع أن كل من يراه يظنه ماء لأن هذا الذى اشتد به العطش أشد حرصا على طلبه من غيره ، فالتشبيه به أتم وأكمل .و " حتى " فى قوله - سبحانه - : ( حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ) غاية لمحذوف ، والتقدير : هذا السراب يظنه الظمآن ماء فيسرع نحوه ، حتى إذا ما وصل إليه ، لم يجد ما حسبه ماء وعلق عليه آماله شيئا أصلا ، لا ماء ولا غيره .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد شبه ما يعمله الكافرون من أعمال البر فى الدنيا ، التى يظنونها نافعة لهم - شبه هذه الأعمال من حيث خيبة أملهم فيها بسراب يحسبه الظمآن ماء ، فيذهب إليه ليروى عطشه ، فإذا ما وصل إليه لم يجده شيئا ، فيخيب أمله ، وتشتد حسرته .قال الإمام الرازى : فإن قيل : قوله : " حتى إذا جاءه " يدل على كونه شيئا ، وقوله : " لم يجده شيئا " مناقض له؟قلنا : الجواب عنه من وجوه ثلاثة : الأول : المراد معناه أنه لم يجد شيئا نافعا ، كما يقال : فلان ما عمل شيئا وإن كان قد اجتهد الثانى : حتى إذا جاءه أى : جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا ، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه .

الثالث : الكناية للسراب ، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء ، وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء .وقوله - سبحانه - : ( وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ) معطوف على جملة " لم يجده " فهو داخل التشبيه أى : ووجد الظمآن حكم الله - تعالى - وقضاءه فيه عند السراب ، فوفاه - سبحانه - حسابه الذى يستحقه كاملا غير منقوص .وفى هذه الجملة الكريمة من التصوير المرعب للكافر ما فيها .

حيث شبهته بالظمآن الذى ذهب مسرعا ليروى ظمأه مما ظنه ماء فلما وصل إليه لم يجد ماء ، وإنما وجد الله - تعالى - الذى كفر به وجحد وحدانيته - عنده ، فوفاه حسابه الذى يستحقه من العذاب بدلا من وجود الماء الذى أتعب نفسه فى السعى إليه ." والله " - تعالى - " سريع الحساب " ، لأنه لا يشغله حساب عن حساب ولا عمل عن عمل ، بل حساب الناس جميعا عنده - عز وجل - كحساب النفس الواحدة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن، وأنه في الدنيا يكون في النور وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ قال الأزهري: السراب ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً يقال سرب الماء يسرب سروباً إذا جرى فهو سارب، أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيراً، وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد، وأما القيعة فقال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال صاحب الكشاف القيعة بمعنى القاع، وقال الزجاج الظمآن: قد يخفف همزه، وهو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً، مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقاباً مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصات القيامة، ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو به النجاة ويقوى طمعه فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه وهذا المثال في غاية الحسن، قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا فإن قيل قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءهُ ﴾ يدل على كونه شيئاً وقوله: ﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ مناقض له؟

قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة: الأول: المراد معناه أنه لم يجده شيئاً نافعاً كما يقال فلان ما عمل شيئاً وإن كان قد اجتهد الثاني: حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث: الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء.

أما قوله: ﴿ وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ ﴾ أي وجد عقاب الله الذي توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم، أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا  ﴾ ، ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ  ﴾ وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

أما قوله: ﴿ والله سَرِيعُ الحساب ﴾ فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب، وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك، وأما المثل الثاني فهو قوله: ﴿ أَوْ كظلمات فِي بَحْرٍ لُّجّىّ ﴾ وفي لفظة (أو) هاهنا وجوه: أحدها: اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات.

وثانيها: تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا.

وثالثها: الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء، والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال: ﴿ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ وأما البحر اللجي فهو ذو اللجنة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر، وفي اللجى لغتان كسر اللام وضمها، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غمورة الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة، ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: ﴿ نُّورٌ على نُورٍ  ﴾ وفي قوله: ﴿ يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم  ﴾ ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر: أحدها: أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن.

وثانيها: شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس.

وثالثها: أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات.

ورابعها: أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره، قد تراكمت عليه الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها.

وخامسها: قلب مظلم في صدر مظلم.

أما قوله: ﴿ ظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ فروي عن ابن كثير أنه قرأ (سحاب) وقرأ (ظلمات) بالجر على البدل من قوله: ﴿ أَوْ كظلمات ﴾ وعنه أيضاً أنه قرأ ﴿ سَحَابٌ ظلمات ﴾ كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين ﴿ سَحَابٌ ظلمات ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله: ﴿ سَحَابٌ ﴾ ثم ابتدأ ﴿ ظلمات ﴾ أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض.

أما قوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ  ﴾ نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام: «كاد الفقر أن يكون كفراً» إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا هاهنا قوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ معناه أنه رآها والثاني: أن كاد معناه المقاربة فقوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضاً وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين: الأول: أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني: أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات.

أما قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: ﴿ يَهْدِى الله لِنُورِهِ مَن يَشَاء ﴾ ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه، وقال القاضي المراد بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً ﴾ أي في الدنيا بالألطاف ﴿ فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً ﴾ أي مخلصاً في الآخرة وفوزاً بالثواب ﴿ فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ والكلام عليه تزييفاً وتقريراً معلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السراب: ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري.

والقيعة: بمعنى القاع أو جمع قاع، وهو المنبسط المستوي من الأرض، كجيرة في جار.

وقرئ: ﴿ بقيعات ﴾ : بتاء ممطوطة، كديمات وقيمات، في ديمة وقيمة.

وقد جعل بعضهم بقيعاة بتاء مدورة، كرجل عزهاة، شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم تخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدّر، بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه العطش يوم القيامة فيحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ [الغاشية: 3] ، ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 104] ، ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ [الفرقان: 23] وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، وقد كان تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ والَّذِينَ كَفَرُوا حالُهم عَلى ضِدِّ ذَلِكَ فَإنَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي يَحْسَبُونَها صالِحَةً نافِعَةً عِنْدَ اللَّهِ يَجِدُونَها لاغِيَةً مُخَيِّبَةً في العاقِبَةِ كالسَّرابِ، وهو ما يُرى في الفَلاةِ مِن لَمَعانِ الشَّمْسِ عَلَيْها وقْتَ الظَّهِيرَةِ فَيُظَنُّ أنَّهُ ماءٌ يَسْرُبُ أيْ يَجْرِي، والقِيعَةُ بِمَعْنى القاعِ وهو الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ النَّباتِ وغَيْرِهِ المُسْتَوِيَةُ، وقِيلَ جَمْعُهُ كَجارٍ وجِيرَةٍ وقُرِئَ «بِقِيعاتٍ» كَدِيماتٍ في دِيمَةٍ.

﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ﴾ أيِ العَطْشانُ وتَخْصِيصُهُ لِتَشْبِيهِ الكافِرِ بِهِ في شِدَّةِ الخَيْبَةِ عِنْدَ مَسِيسِ الحاجَةِ.

﴿ حَتّى إذا جاءَهُ ﴾ جاءَ ما تَوَهَّمَهُ ماءً أوْ مَوْضِعَهُ.

﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ مِمّا ظَنَّهُ.

﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ عِقابَهُ أوْ زَبانِيَتَهُ أوْ وجَدَهُ مُحاسِبًا إيّاهُ.

﴿ فَوَفّاهُ حِسابَهُ ﴾ اسْتِعْراضًا أوْ مُجازاةً.

﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ.

رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ تَعْبَّدَ في الجاهِلِيَّةِ والتَمَسَ الدِّينَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفَرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)

{والذين كفروا أعمالهم كسراب} هو مايرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهر يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري {بقيعة} بقاع أو جمع قاع وهوالمنبسط المستوي من الأرض كجيرة في جار {يَحْسَبُهُ الظمان} يظنه العطشان {مَاءً حتى إِذَا جَاءهُ} أى جاء إلى ماتوهم أنه ماء {لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} كما ظنه {وَوَجَدَ الله} أي جزاء الله كقوله يجد الله غفورا رحيما أي يجد مغفرته ورحمته {عِندَهُ} عند الكافر {فوفاه حِسَابَهُ} أي أعطاه جزاء عمله وافياً كاملا وحد بعد الجمع حملاً على كل واحد من الكفار {والله سَرِيعُ الحساب} لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد ولا يشغله حساب عن حساب أو قريب حسابه لأن ما هو آتٍ قريب شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التى يحسبها تنفعه عندالله وتنجيه من عذابه ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة

النور (٤٣ - ٤٠)

وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال الله فيهم عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا قيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يترهب ملتمساً للدين في الجاهلية فلما جاء الإسلام كفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى آخِرِهِ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطَفَ القِصَّةَ عَلى القِصَّةِ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ آمَنُوا أعْمالَهم حالًا ومَآلًا كَما وصَفَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿ أعْمالُهم كَسَرابٍ ﴾ أيْ أعْمالِهِمُ الَّتِي هي مِن أبْوابِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ وفَكِّ العُناةِ وسِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ البَيْتِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وقُرى الأضْيافِ ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ أعْمالُهُمُ الَّتِي يَظُنُّونَ الِانْتِفاعَ بِها سَواءً كانَ مِمّا يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ كالحَجِّ أمْ كانَتْ مِمّا لا يُشْتَرَطُ فِيها ذَلِكَ كَسِقايَةِ الحاجِّ وسائِرِ ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ المُرادُ بِها ما يَشْمَلُ الحَسَنَ والقَبِيحَ لِيَتَأتّى التَّشْبِيهانِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في ذَلِكَ، والسَّرابُ بُخارٌ رَقِيقٌ يَرْتَفِعُ مِن قَعُورِ القِيعانِ فَإذا اتَّصَلَ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أشْبَهَ مِن بَعِيدٍ الماءَ السّارِبَ أيِ الجارِي واشْتَرَطَ فِيهِ الفِراءُ اللُّصُوقَ في الأرْضِ، وقِيلَ هو ما تَرَقْرَقَ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ، وقِيلَ: هو الشُّعاعُ الَّذِي يَرى نِصْفَ النَّهارِ عِنْدَ اشْتِدادِ الحَرِّ في البَرِّ يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ ماءٌ سارِبٌ، قالَ الشّاعِرُ: فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودَكم كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَألِّقِ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَّبَرْسِيُّ، وفَسَّرَ الآلَ بِأنَّهُ شُعاعٌ يَرْتَفِعُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالماءِ ضَحْوَةَ النَّهارِ ﴿ بِقِيعَةٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ سَرابٍ أيْ كائِنٍ بِقِيعَةٍ وهي الأرْضُ المُنْبَسِطَةُ المُسْتَوِيَةُ، وقِيلَ هي جَمْعُ قاعٍ كَجِيرَةٍ في جارٍ ونَيِّرَةٍ في نارٍ، وقَرَأ مُسَلَّمَةُ بْنُ مُحارِبٍ «بِقِيعاتٍ» بِتاءٍ طَوِيلَةٍ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قِيعَةٍ كَدِيماتٍ وقِيماتٍ في دِيمَةٍ وقِيمَةٍ، وعَنْهُ أيْضًا قَرَأ «بِقِيعاةٍ» بِتاءٍ مُدَوَّرَةٍ ويَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ قِيعَةٍ ووَقَفَ بِالهاءِ عَلى لُغَةِ طَيْئٍ كَما قالُوا: البُناهُ والإخْواهُ، ويَحْتَمِلُ كَما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا وأصْلُهُ قِيعَةٌ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَكِنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألْفُ ﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ﴾ ماءً صِفَةٌ أُخْرى لِسَرابٍ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هو الصِّفَةُ وبِقِيعَةٌ ظَرْفًا لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الكافُ وهو الخَبَرُ والحُسْبانُ الظَّنُّ عَلى المَشْهُورِ وفَرَّقَ بَيْنَهُمُ الرّاغِبُ بِأنَّ الظَّنَّ أنْ يَخْطُرَ النَّقِيضانِ بِبالِهِ ويَغْلِبُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ والحُسْبانِ أنْ يَحْكُمَ بِأحَدِهِما مِن غَيْرِ أنْ يُخْطِرَ الآخَرُ بِبالِهِ فَيَعْقِدُ عَلَيْهِ الأُصْبُعَ ويَكُونُ بِعَرْضِ أنْ يَعْتَرِيَهُ فِيهِ شَكٌّ، وتَخْصِيصُ الحُسْبانِ بِالظَّمْآنِ مَعَ شُمُولِهِ كُلِّ مَن يَراهُ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العَطْشانِ والرَّيّانِ لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ بِتَحْقِيقِ شَرِكَةِ طَرَفَيْهِ في وجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي هو المَطْلَعُ والمَقْطَعُ المُؤَيَّسُ.

وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرَ ونافِعٌ بِخِلافِ عَنْهُما «الظَّمْآنُ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى المِيمِ ﴿ حَتّى إذا جاءَهُ ﴾ أيْ إذا جاءَ العَطْشانُ ما حَسِبَهُ ما، وقِيلَ: إذا جاءَ مَوْضِعُهُ ﴿ لَمْ يَجِدْهُ ﴾ أيْ لَمْ يَجِدْ ما حَسِبَهُ ماءً وعَلَّقَ رَجاءَهُ بِهِ ﴿ شَيْئًا ﴾ أصْلًا لا مُحَقِّقًا ولا مَظْنُونًا كانَ يَراهُ مِن قَبْلُ فَضْلًا عَنْ وجْهِ أنَّهُ ماءٌ، ونَصْبُ ﴿ شَيْئًا ﴾ قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ، وأمْرُ الِاشْتِقاقِ سَهْلٌ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِوَجْدِ بِناءٍ عَلى أنَّها مِن أخَواتِ ظَنَّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ، ويَجُوزُ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ بِلا نَعْتٍ إذا كانَ مُفِيدًا كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ لَمْ يَجِدْهُ وِجْدانًا وهو كَما تَرى ﴿ ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ لَمْ يَجِدْهُ ﴾ فَهو داخِلٌ في التَّشْبِيهِ أيْ ووُجِدَ الظَّمْآنُ مَقْدُورَهُ تَعالى مِنَ الهَلاكِ عِنْدَ السَّرابِ المَذْكُورِ، وقِيلَ أيْ وجَدَ اللَّهَ تَعالى مُحاسِبًا إيّاهُ عَلى أنَّ العِنْدِيَّةَ بِمَعْنى الحِسابِ لِذِكْرِ التَّوْفِيَةِ بَعْدُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَوَفّاهُ حِسابَهُ ﴾ أيْ أعْطاهُ وافِيًا كامِلًا حِسابَ عَمَلِهِ وجَزاءَهُ أوْ أتَمَّ حِسابَهُ بِعَرْضِ الكَتَبَةِ ما قَدَّمَهُ ﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ بَيانَ أحْوالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ووَجَدَ ) إلَخْ بَيانٌ لِبَقِيَّةِ أحْوالِهِمُ العارِضَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ أنَّ قُصارى أمْرِهِمْ هو الخَيْبَةُ والقُنُوطُ فَقَطْ كَما هو شَأْنُ الظَّمْآنِ، ويُظْهِرُ أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن سُوءِ الحالِ ما لا قَدَّرَ لِلْخَيْبَةِ عِنْدَهُ أصْلًا فَلَيْسَتِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ بَلْ عَلى ما يَفْهَمُ مِنهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ مِن عَدَمِ وِجْدانِ الكَفَرَةِ مِن أعْمالِهِمْ عَيْنًا ولا أثَرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا  ﴾ كَيْفَ لا وأنَّ الحُكْمَ بِأنَّ أعْمالَ الكَفَرَةِ كَسَرابٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا حَكَمَ بِأنَّها بِحَيْثُ يَحْسَبُونَها في الدُّنْيا نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ حَتّى إذا جاؤُوها لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَ الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمالَهُمُ الَّتِي كانُوا في الدُّنْيا يَحْسَبُونَها نافِعَةً لَهم في الآخِرَةِ لَمْ يَجِدُوها شَيْئًا ووَجَدُوا اللَّهَ أيْ حُكْمَهُ وقَضاءَهُ عِنْدَ المَجِيءِ، وقِيلَ: عِنْدَ العَمَلِ فَوَفّاهم أيْ أعْطاهم وافِيًا حِسابَهم أيْ حِسابَ أعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ وجَزاءَها فَإنَّ اعْتِقادَهم لِنَفْعِها بِغَيْرِ إيمانِ وعَمَلِهِمْ بِمُوجِبِهِ كُفْرٌ عَلى كُفْرٍ مُوجَبٍ لِلْعِقابِ قَطْعًا، وإفْرادُ الضَّمِيرَيْنِ الرّاجِعَيْنِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا إمّا لِإرادَةِ الجِنْسِ كالظَّمْآنِ الواقِعِ في التَّمْثِيلِ وإمّا لِلْحَمْلِ عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنهُمْ، وكَذا إفْرادُ ما يَرْجِعُ إلى أعْمالِهِمِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ وارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ.

وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالظَّمْآنِ مُطْلَقُ الظَّمْآنِ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الكافِرُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يَعْمَلُهُ مَن لا يَعْتَقِدُ الإيمانَ بِسَرابٍ يَراهُ الكافِرُ بِالسّاهِرَةِ وقَدْ غَلَبَهُ عَطَشُ القِيامَةِ فَيَحْسَبُهُ ماءً فَيَأْتِيهِ فَلا يَجِدُهُ ويَجِدُ زَبانِيَةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهُ يَأْخُذُونَهُ فَيَسْقُونَهُ الحَمِيمَ والغَسّاقَ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِمّا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ المُنْذِرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السَّدِّيِّ في غَرائِبِهِ عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: ««إنَّ الكُفّارَ يَبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ورْدًا عِطاشًا فَيَقُولُونَ أيْنَ الماءُ فَيُمَثَّلُ لَهُمُ السَّرابُ فَيَحْسَبُونَهُ ماءً فَيَنْطَلِقُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَهُ فَيُوَفِّيهِمْ حِسابَهم واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ»»، واسْتُطِيبَ ذَلِكَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ حَيْثُ قالَ: إنَّما قَيَّدَ المُشَبَّهَ بِهِ بِرُؤْيَةِ الكافِرِ وجَعْلِ أحْوالِهِ ما يَلْقاهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولَمْ يُطْلِقْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ مِن تَتِمَّةِ أحْوالِ المُشَبَّهِ بِهِ، وهَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ لِأنَّ خَيْبَةَ الكافِرِ أدْخَلُ وحُصُولُهُ عَلى خِلافِ ما يُؤَمِّلُهُ أعْرَقُ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن حَمْلِ الظَّمْآنِ عَلى الكافِرِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ نَفْسِهِ، ورَدَّ بِأنَّ التَّشْبِيهَ عَلى ما ذَكَرَهُ جارُ اللَّهِ تَمْثِيلِيٌّ أوْ مُقَيَّدٌ لا مُفَرِّقَ كَما تَوَهَّمَ فَلا يُلْزِمُ مِنِ اتِّحادِ بَعْضِ المُفْرَداتِ في الطَّرَفَيْنِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ كاتِّحادِ الفاعِلِ فِي- أراكَ تُقَدِّمُ رِجْلًا وتُؤَخِّرُ أُخْرى-، وبِالجُمْلَةِ هو أحْسَنُ مِمّا في الإرْشادِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن سَلَّمَ ذِهْنَهُ مِن غُبارِ العَتادِ.

والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في عَتَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ كانَ تَعْبُدُ ولَيْسَ المُسُوحُ والتَمَسَ الدِّينَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ كَفَرَ في الإسْلامِ ولا يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِأنَّهُ غَيْرُ خاصٍّ بِسَبَبِ النُّزُولِ وإنْ دَخَلَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ وعَتَبَةُ قُتِلَ في بَدْرٍ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ نَزَلَ بِسَبَبِ الأمْواتِ ولَيْسَ في ذَلِكَ مَحْذُورٌ أصْلًا، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الفَلاسِفَةِ ومُتَّبِعُوهم مِنَ المُتَزَيِّنِينَ بِزِيِّ الإسْلامِ فَإنَّ اعْتِقادَهم وأعْمالَهم حَيْثُ لَمْ تَكُنْ عَلى وفْقِ الشَّرْعِ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ضرب مثلاً لعمل الكفار فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يعني: مثل أعمالهم الخبيثة في الآخرة كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يعني: كمثل سراب في مفازة، ويقال: قاع وقيعة وقيعان، يعني: أرضاً مستوية كما يقال: صبي وصبية وصبيان.

يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء يعني: العطشان إذا رأى السراب من بعيد يعني: يجده ماء حَتَّى إِذا جاءَهُ يعني: فإذا أتاه ليشرب منه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً مما طلبه وأراده، فكذلك الكافر يظن أنه يثاب في صدقته وعتقه وسائر أعماله، فإذا جاءه يوم القيامة وجده هباءً منثوراً ولا ثواب له.

وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي يوم القيامة، عند عمله.

وهذا كما قال إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: 14] ، يعني: مصير الخلائق إليه فَوَفَّاهُ حِسابَهُ، يعني: يوفيه ثواب عمله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ، فكأنه حاسب، ويقال: سريع الحفظ، ويقال: إذا حاسب فحسابه سريع، فيحاسبهم جميعاً، فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة، فلا يشغله حساب أحدهم عن الآخر، لأنه لا يحتاج إلى أخذ الحساب، ولا يجري فيه الغلط، ولا يلتبس عليه، ويحفظ على كل صاحب حسابٍ حسابه ليذكره، فهذا المثل لأعمال الكفار، والتي في ظاهرها طاعة، فأخبر أنه لا ثواب لهم بها.

ثم ضرب مثلاً آخر للكافر، فقال عز وجل: أَوْ كَظُلُماتٍ قال بعضهم: الألف زيادة، ومعناه: وكظلمات، يعني: ومثلهم أيضاً كظلمات.

ويقال: أَوْ للتخيير، يعني: إن شئت فاضرب لهم المثل بالسراب، وإن شئت بالظلمات، فقال: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يعني: مثل الكفار كمثل من في الظلمات.

فشبّه قلب المؤمن بالقنديل، وشبّه قلب الكافر بالظلمات، يعني: كمثل رجل يكون في بحر عميق في ليل كثير الماء يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ يعني: يكون في ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، فكذلك الكافر في ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة الجور والظلم.

ويقال: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ يعني: المعاصي، ومن فوقه العداوة والحسد والبغضاء، ومِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ يعني: الخذلان من الله تعالى.

ثم قال: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كما قال للمؤمن: نُورٌ عَلى نُورٍ فيكون للكافر ظلمة على ظلمة، قوله ظلمة، وعمله ظلمة، واعتقاده ظلمة، وقال أبو العالية: يتقلّب في خمس من الظّلم: كلامه ظلمة، وعلمه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمة، وهو النار.

ويقال: شبه قلب الكافر بالبحر العميق، وشبه أعضاءه بالأمواج الثلاث، طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وسمعهم وأبصارهم، فهذه الظلمات الثلاث تمنعه عن الحق.

ثم قال: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها يعني من شدة الظلمة، فإذا أبرز يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا من شدة الظلمة، يعني: لم يكن شيء أقرب إليه من نفسه فلم ير نفسه، فكذلك الكافر لم ينظر إلى القبر ولم يتفكر في أمر نفسه أيضا، كقوله عز وجل: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] .

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ يعني: من لم يكرمه الله بالهدى فما له من مكرم بالمعرفة.

قرأ ابن كثير ظُلُماتٌ بكسر التاء والتنوين، فكأنه يجعله بمنزلة قوله كَظُلُماتٍ.

وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء.

وقرئ في الشاذ: سحاب ظلمات، على معنى الإضافة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومعنى الآية: إنَّ ذلك اليوم لِشِدَّةِ هوله القلوبُ والأبصارُ فيه مضطربةٌ قِلِقَةٌ متقلبة.

/ قلت: ومن «الكلم الفارقية» : سعادة القلبِ إقباله على مقلّبه والعالم بحال مآله ٣٩ ب ومُنْقَلَبهِ، القلوبُ بحارٌ جواهرُها المعارفُ، وسواحلها الألسنة وغواصها الفكرة النافذة، غَوَّاصُ بحر الصُّوَرِ يغوصُ بصورته في طلب مكسبه، والعارِفُ يغوص بمعنى قلبه في بحار غَيْبِ رَبِّهِ، فيلتقط جواهرَ الحكمة ودُرَرَ الدِّرَايَةِ، قلوبُ العارفين كالبحار، تنعقد في أصداف ضمائرهم جواهِرُ المعارف والأسرار، القلوب كالأراضي إلى من أسلمت إليه قلبك بذر فيه ما عنده، أَمَّا مَنْ بذر نفسه ووسواسه العفن المسوس، أو بذر فيه معرفته بالرب المقدس، انتهى.

قلت: فإنْ أردت سلامتك في ذلك اليوم فليكن قلبك الآن مقبلاً على طاعة مولاك فإنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أَتَى الله بقلب سليم.

قال الواحِدِيُّ: تتقلب فيه القلوبُ بين الطمع في النجاة والخوفِ من الهلاك، والأبصارُ تتقلَّبُ في أيِّ ناحية يؤخذ بهم أذاتَ اليمين أم ذاتَ الشمال، ومن أيّ جهة يؤتون كتبهم، انتهى.

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)

وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَهُمُ أي فعلوا ذلك ليجزيهم «أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ» أي: ثواب أحسن ما عملوا، ولمّا ذكره تعالى حالة المؤمنين وتنويره قلوبَهم عَقَّبَ ذلك بذكر الكَفَرَةِ وأعمالهم، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ وهي جمع قاعٍ، والقاع:

المنخفض البساط من الأرض، ويريد ب جاءَهُ: جاء موضعه الذي تَخَيَّلَهُ فيه، ويحتمل أنْ يعودَ الضمير في: جاءَهُ على السراب ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يَدُلُّ عليه الظاهر تقديره: فكذلك الكافر يومَ القيامة، يَظُنُّ عملَه نافعاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

وقوله: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي بالمجازات والضمير في عِنْدَهُ عائد على العَمَلِ، وباقي الآية وعيد بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السَّرابُ: ما رَأيْتَهُ مِنَ الشَّمْسِ كالماءِ نِصْفَ النَّهارِ، والآلُ: ما رَأيْتَهُ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وهو يَرْفَعُ كُلَّ شَيْءٍ، والقِيعَةُ والقاعُ واحِدٌ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " بِقِيعاتٍ " .

وقالَ الزَّجّاجُ: القِيعَةُ جَمْعُ قاعٍ، مِثْلُ جارٍ وجِيرَةٍ، والقِيعَةُ والقاعُ: ما انْبَسَطَ مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ نَباتٌ، فالَّذِي يَسِيرُ فِيهِ يَرى كَأنَّ فِيهِ ماءً يَجْرِي، وذَلِكَ هو السَّرابُ، والآلُ مِثْلُ السَّرابِ، إلّا أنَّهُ يَرْتَفِعُ وقْتَ الضُّحى- كالماءِ- بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ- وهو الشَّدِيدُ العَطَشِ- ماءً، حَتّى إذا جاءَ إلى مَوْضِعِ السَّرابِ رَأى أرْضًا لا ماءَ فِيها، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الكافِرَ الَّذِي يَظُنُّ أنَّ عَمَلَهُ قَدْ نَفَعَهُ عِنْدَ اللَّهِ- كَظَنِّ الَّذِي يَظُنُّ السَّرابَ ماءً- وعَمَلُهُ قَدْ حَبِطَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ أيْ: قَدِمَ عَلى اللَّهِ ﴿ فَوَفّاهُ حِسابَهُ ﴾ أيْ: جازاهُ بِعَمَلِهِ؛ وهَذا في الظّاهِرِ خَبَرٌ عَنِ الظَّمْآنِ، والمُرادُ بِهِ الخَبَرُ عَنِ الكافِرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ مُفَسَّرٌ في (البَقَرَةِ: ٢٠٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ كَظُلُماتٍ ﴾ في هَذا المَثَلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لِعَمَلِ الكافِرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِقَلْبِ الكافِرِ في أنَّهُ لا يَعْقِلُ ولا يُبْصِرُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَأمّا اللُّجِّيُّ، فَهو العَظِيمُ اللُّجَّةِ، وهو العَمِيقُ (يَغْشاهُ) أيْ: يَعْلُو ذَلِكَ البَحْرَ ﴿ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ المَوْجِ مَوْجٌ، والمَعْنى: يَتْبَعُ المَوْجَ مَوْجٌ، حَتّى كانَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ﴿ مِن فَوْقِهِ ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ ﴿ سَحابٌ ﴾ .

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ يَعْنِي: ظُلْمَةَ البَحْرِ، وظُلْمَةَ المَوْجِ [الأوَّلِ، وظُلْمَةَ المَوْجِ] الَّذِي فَوْقَ المَوْجِ، وظُلْمَةَ السَّحابِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " سَحابُ ظُلُماتٍ " مُضافًا ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ ﴾ يَعْنِي: إذا أخْرَجَها مُخْرِجٌ، ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَرَها، قالَهُ الحَسَنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ: لِأنَّ في دُونِ هَذِهِ الظُّلُماتِ لا يُرى الكَفُّ؛ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: لَمْ يَرَها البَتَّةَ، لِأنَّهُ قَدْ قامَ الدَّلِيلُ عِنْدَ وصْفِ تَكاثُفِ الظُّلُماتِ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مَعْدُومَةٌ، فَبانَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ﴿ يَكَدْ ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، بِمَنزِلَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجُهْدِ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

قالَ الفَرّاءُ: وهَذا كَما تَقُولُ: ما كِدْتُ أبْلُغُ إلَيْكَ، وقَدْ بَلَغْتَ، قالَ الفَرّاءُ: وهَذا وجْهُ العَرَبِيَّةِ.

* فَصْلٌ فَأمّا وجْهُ المَثَلِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ مَثَلًا بِالنُّورِ، ضَرَبَ لِلْكافِرِ هَذا المَثَلَ بِالظُّلُماتِ؛ والمَعْنى: أنَّ الكافِرَ في حَيْرَةٍ لا يَهْتَدِي لِرُشْدٍ.

وقِيلَ: الظُّلُماتُ: ظُلْمَةُ الشِّرْكِ وظُلْمَةُ المَعاصِي.

وقالَ بَعْضُهم: ضَرَبَ الظُّلُماتِ مَثَلًا لِعَمَلِهِ، والبَحْرَ اللُّجِّيُّ لِقَلْبِهِ، والمَوْجَ لِما يَغْشى قَلْبَهُ مِنَ الشِّرْكِ والجَهْلِ والحَيْرَةِ، والسَّحابَ لِلرَّيْنِ والخَتْمِ عَلى قَلْبِهِ، فَكَلامُهُ ظُلْمَةٌ، وعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، ومَصِيرُهُ إلى الظُّلُماتِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: دِينًا وإيمانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: هِدايَةً، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللهُ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ أو كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَجْزِيَهُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلُوا ذَلِكَ، ويَسَّرُوا لِذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "يُسَبِّحُ".

وقَوْلُهُ: "أحْسَنَ ما عَمِلُوا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنَ ما عَمِلُوا، ثُمْ وعَدَهم عَزَّ وجَلَّ بِالزِيادَةِ مِن فَضْلِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهُمْ، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ، ثُمْ ذَكَرَ أنَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ، ويَخُصُّهُ بِما يَشاءُ مِن رَحْمَتِهِ دُونَ حِسابٍ ولا تَعْدِيدٍ، وكُلُّ تَفَضُّلٍ لِلَّهِ فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، وكُلُّ جَزاءٍ عَلى عَمَلِ فَهو بِحِسابٍ.

ولِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حالَةَ الإيمانِ والمُؤْمِنِينَ وتَنْوِيرِهِ قُلُوبَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وأعْمالِهِمْ، فَمَثَّلَ لَها ولَهم تَمْثِيلَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما يَقْتَضِي حالَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ مِن أنَّها غَيْرُ نافِعَةٍ ولا مُجْدِيَةٍ، والثانِي يَقْتَضِي حالها في الدُنْيا مِن أنَّها في الغايَةِ مِنَ الضَلالِ والغُمَّةِ الَّتِي مَثَّلَها ما ذَكَرَ مِن تَناهِي الظُلْمَةِ في قَوْلِهِ: "أو كَظُلُماتٍ".

و"السَرابُ": ما تَرَقْرَقَ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ، وأوهَمَ الناظِرَ إلَيْهِ عَلى البُعْدِ أنَّهُ ماءٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ يَنْسَرِبُ كالماءِ، فَكَذَلِكَ أعْمالُ الكافِرِ، يَظُنُّ في دُنْياهُ أنَّها نافِعَتُهُ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَجِدْها شَيْئًا، فَهي كالسَرابِ الَّذِي يَظُنُّهُ الرائِي العَطْشانُ ماءً، فَإذا قَصَدَهُ وأتْعَبَ نَفْسَهُ بِالوُصُولِ إلَيْهِ لَمْ يَجُدْ شَيْئًا، و"القِيعَةُ": جَمْعُ قاعٍ، كَجارٍ وجِيرَةٍ، والقاعُ: المُنْخَفِضُ البِساطُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  فِي مانِعِ زَكاةِ الأنْعامِ: فَيُبْطَحُ لَها بِقاعٍ قَرْقَرٍ».

وقِيلَ: القِيعَةُ مُفْرِدٌ، وهو بِمَعْنى القاعُ.

وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "بِقِيعاتٍ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ بِخِلافٍ-: "الظَمَآنُ" بِفَتْحِ المِيمِ وطَرْحِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى المِيمِ وتَرَكَ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ يُرِيدُ: شَيْئًا نافِعًا في العَطَشِ، أو يُرِيدُ: شَيْئًا مَوْجُودًا عَلى العُمُومِ، ويُرِيدُ بِـ "جاءَهُ": جاءَ مَوْضِعَهُ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "جاءَهُ" عَلى السَرابِ، ثُمْ يَكُونُ في الكَلامِ بَعْدَ ذَلِكَ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ يُظَنُّ عَمَلَهُ نافِعًا حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ أنْ يُعُودَ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "أعْمالُهُمْ"، ويَكُونُ تَمامُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: "ماءً"، ويَسْتَغْنِي الكَلامُ عن مَتْرُوكٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، لَكِنْ يَكُونُ في المَثَلِ إيجازٌ واقْتِضابٌ لِوُضُوحِ المَعْنى المُرادِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ ﴾ أيْ: بِالمَجازاتِ، والضَمِيرِ في "عِنْدَهُ" عائِدٌ عَلى العِلْمِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، فِيهِ تُوعَدٌ وسُرْعَةُ الحِسابِ مِن حَيْثُ هو بِعِلْمٍ لا تَكَلُّفُ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أو كَظُلُماتٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "كَسَرابٍ"، وهَذا المِثالُ الأخِيرُ تَضَمَّنَ صِفَةَ أعْمالِهِمْ في الدُنْيا، أيْ إنَّهم مِنَ الضَلالِ ونَحْوَهُ في مِثْلِ هَذِهِ الظُلْمَةِ المُجْتَمِعَةِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ في هَذا المِثالِ أجْزاءً تُقابِلُ أجْزاءً مِنَ المُمَثَّلِ، فَقالَ: الظُلُماتُ: الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ، والبَحْرُ اللُجِّيُّ: صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ، واللُجِّيُّ مَعْناهُ ذُو اللُجَّةِ وهي مُعْظَمُ الماءِ وغَمْرُهُ، واجْتِماعُ مائِهِ أشَدُّ لِظُلْمَتِهِ، والمَوْجُ هو الضَلالُ أوِ الجَهالَةُ الَّتِي غَمَرَتْ قَلْبَهُ، والفِكْرُ المُعْوَجَّةُ، والسَحابُ هو شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ وما رِينَ بِهِ عَلى قَلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ سائِغٌ، وألّا يُقَدَّرَ هَذا التَقابُلُ سائِغٌ.

وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "أو كَظُلُماتٍ" بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ قَنْبَلٍ -: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "ظُلُماتٍ" الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي بَزَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "سَحابُ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ عَلى "ظُلُماتٍ".

وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ لَفْظٌ يَقْتَضِي مُبالَغَةَ الظُلْمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا اللَفْظِ، هَلْ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الرَجُلَ -المُقَدَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ وأخْرَجَ يَدَهُ- رَأى يَدَهُ أو لَمْ يَرَها البَتَّةَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَها جُمْلَةً، وذَلِكَ أنْ "كادَ" مَعْناها قارَبَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يُقارِبْ رُؤْيَتَها، وهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الرُؤْيَةِ جُمْلَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَآها بَعْدَ عُسْرٍ وشِدَّةٍ، وكانَ ألّا يَراها، ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ "كادَ" إذا صَحِبَها حَرْفُ النَفْيِ وجَبَ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، وإذا لَمْ يَصْحَبْها انْتَفى الفِعْلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لازِمْ مَتى كانَ حَرْفُ النَفْيِ بَعْدَ "كادَ" داخِلًا عَلى الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، تَقُولُ: "كادَ زَيْدٌ يَقُومُ" فالقِيامُ مَنفِيٌّ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ زَيْدٌ ألّا يَقُومَ" فالقِيامُ واجِبٌ واقِعٌ، وتَقُولَ: "كادَ النَعامُ يَطِيرُ"، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الطَيَرانِ عنهُ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ النَعامُ ألّا يَطِيرَ" وجَبَ الطَيَرانُ لَهُ، فَإذا كانَ حَرْفُ النَفْيِ مَعَ "كادَ" فالأمْرُ مُحْتَمَلٌ، مَرَّةً يُوجِبُ الفِعْلَ، ومَرَّةً يَنْفِيهِ، تَقُولُ: "المَفْلُوجُ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ تَضَمَّنَ نَفْيَ السُكُونِ، وتَقُولُ: "رَجُلٌ مُتَكَلِّمْ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ يَتَضَمَّنُ إيجابَ السُكُونِ بَعْدَ جُهْدٍ ونادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" تَضَمِّنَ وُجُوبَ الذَبْحِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" يَتَضَمَّنُ في أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ نَفْيَ الرُؤْيَةِ، ولِهَذا ونَحْوَهُ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: "إنَّ أفْعالَ المُقارَبَةِ لَها نَحْوٌ آخَرُ" بِمَعْنى أنَّها دَقِيقَةُ التَصَرُّفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: في الدُنْيا، أيْ: مَن لَمْ يَهْدِهِ اللهُ لَمْ يَهْتَدِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: في الآخِرَةِ، أيْ: مَن لَمْ يَرْحَمْهُ اللهُ ويُنَوِّرْ حالَهَ بِالعَفْوِ والرَحْمَةِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وألْيَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ، وأيْضًا فَذَلِكَ مُتَلازِمْ، نُورُ الآخِرَةِ إنَّما هو لِمَن نَوَّرَ قَلْبَهُ في الدُنْيا وهُدِيَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ مَن مَرَّ لِآخِرَتِهِ عَلى كُفْرِهِ فَهو غَيْرُ مَرْحُومٍ ولا مَغْفُورٍ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا جرى ذكر أعمال المتقين من المؤمنين وجزائهم عليها بقوله تعالى: ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ﴾ إلى قوله: ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ [النور: 36 38] أعقب ذلك بضده من حال أعمال الكافرين التي يحسبونها قربات عند الله تعالى وما هي بمغنية عنهم شيئاً على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة، وعكس ذلك كقوله: ﴿ ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات ﴾ [آل عمران: 197، 198] الخ فعطْف حال أعمال الكافرين عطف القصة على القصة.

ولعل المشركين كانوا إذا سمعوا ما وعد الله به المؤمنين من الجزاء على الأعمال الصالحة يقولون: ونحن نعمر المسجد الحرام ونطوف ونطعم المسكين ونسقي الحاج ونقري الضيف.

كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ أجعلتم سقاية الحج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ﴾ [التوبة: 19] يعدون أعمالاً من أفعال الخير فكانت هذه الآيات إبطالاً لحسبانهم، قال تعالى: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً ﴾ [الفرقان: 23] وقد أعلمناك أن هذه السورة نزل أكثرها عقب الهجرة وذلك حين كان المشركون يتعقبون أخبار المسلمين في مهاجرهم ويتحسسون ما نزل من القرآن.

والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

﴿ والذين كفروا ﴾ مبتدأ وخبره جملة: ﴿ أعمالهم كسراب ﴾ الخ.

وجعل المسند إليه ما يدل على ذوات الكافرين ثم بُني عليه مسند إليه آخر وهو ﴿ أعمالهم ﴾ .

ولم يُجعل المسند إليه أعمال الذين كفروا من أول وهلة لما في الافتتاح بذكر الذين كفروا من التشويق إلى معرفة ما سيذكر من شؤونهم ليتقرر في النفس كمال التقرر وليظهر أن للذين كفروا حظاً في التمثيل بحيث لا يكون المشبه أعمالهم خاصة.

وفي الإتيان بالموصول وصلته إيماء إلى وجه بناء الخبر.

وهو أنه من جزاء كفرهم بالله.

على أنه قد يكون عنوان الذين كفروا قد غلب على المشركين من أهل مكة فيكون افتتاح الكلام بهذا الوصف إشارة إلى أنه إبطال لشيء اعتقده الذين كفروا.

فتشبيه الكافرين وأعمالهم تشبيه تمثيلي: شبهت حالة كدهم في الأعمال وحرصهم على الاستكثار منها مع ظنهم أنها تقربهم إلى رضى الله ثم تبيّن أنها لا تجديهم بل يلقون العذاب في وقت ظنهم الفوز: شبه ذلك بحالة ظمئان يرى السراب فيحسبه ماء فيسعى إليه فإذا بلغ المسافة التي خال أنها موقع الماء لم يجد ماء ووجد هنالك غريماً يأسره ويحاسبه على ما سلف من أعماله السيئة.

واعلم أن الحالة المشبهة مركبة من محسوس ومعقول والحالة المشبه بها حالة محسوسة.

أي داخلة تحت إدراك الحواس.

والسراب: رطوبة كثيفة تصعد على الأرض ولا تعلو في الجو تنشأ من بين رطوبة الأرض وحرارة الجو في المناطق الحارة الرملية فيلوح من بعيد كأنه ماء.

وسبب حدوث السراب اشتداد حرارة الرمال في أرض مستوية فتشتد حرارة طبقة الهواء الملاصقة للرمل وتحرُّ الطبقة الهوائية التي فوقها حَرّاً أقل من حرارة الطبقة الملاصقة.

وهكذا تتناقص الحرارة في كل طبقة من الهواء عن حرارة الطبقة التي دونها.

وبذلك تزداد كثافة الهواء بزيادة الارتفاع عن سطح الأرض.

وبحرارة الطبقة السفلى التي تلي الأرض تحدث فيها حركات تموجية فيصعد جزء منها إلى ما فوقها من الطبقات وهكذا..

فتكون كل طبقة أكثف من التي تحتها.

فإذا انعكس على تلك الأشعة نور الجو من قرب طلوع الشمس إلى بقية النهار تكيّفت تلك الأشعة بلون الماء.

ففي أول ظهور النور يلوح السراب كأنه الماء الراكد أو البحر وكلما اشتد الضياء ظهر في السراب ترقرق كأنه ماء جار.

ثم قد يطلق السراب على هذا الهواء المتموج في سائر النهار من الغدوة إلى العصر.

وقد يخص ما بين أول النهار إلى الضحى باسم الآل ثم سَراب.

وعلى هذا قول أكثر أهل اللغة والعرب يتسامحون في إطلاق أحد اللفظين مكان الآخر، وقد شاهدته في شهر نوفمبر فيما بين الفجر وطلوع الشمس بمقربة من موضع يقال له: أم العرائس من جهات توزر، وأنا في قطار السكة الحديدية فخلت في أول النظر أنا أشرفنا على بحر.

وقوله: ﴿ بقيعة ﴾ الباء بمعنى في.

و(قيعة) أرض، والجار والمجرور وصف ﴿ لسراب ﴾ وهو وصف كاشف لأن السراب لا يتكون إلا في قيعة.

وهذا كقولهم في المثل للذليل «هو فَقع في قرقر» فإن الفقع لا ينبت إلا في قرقر.

والقيعة: الأرض المنبسطة ليس فيها رُبّى ويُرادفها القاعة.

وقيل قيعة جمع قاع مثل جيرة جمع جار، ولعله غلب لفظ الجمع فيه حتى ساوى المفرد.

وقوله: ﴿ يحسبه الظمآن ماء ﴾ يفيد وجه الشبه ويتضمن أحد أركان التمثيل وهو الرجل العطشان وهو مشابه الكافر صاحب العمل.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية فهي بمعنى فاء التفريع.

ومجيء الظمآن إلى السراب يحصل بوصوله إلى مسافة كان يقدرها مبدأ الماء بحسب مرأى تخيله، كأن يحدده بشجرة أو صخرة.

فلما بلغ إلى حيث توهم وجود الماء لم يجد الماء فتحقق أن ما لاح له سراب.

فهذا معنى قوله: ﴿ حتى إذا جاءه ﴾ ، أي إذا جاء الموضع الذي تخيّل أنه إن وصل إليه يجد ماء.

وإلا فإن السراب لا يزال يلوح له على بُعد كلما تقدم السائر في سيره.

فضرب ذلك مثلاً لقرب زمن إفضاء الكافر إلى عمله وقت موته حين يرى مقعده أو في وقت الحشر.

وقوله: ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ أي لم يجد ما كان يخيل إلى عينه أنه ماء لم يجده شيئاً.

والشيء: هو الموجود وجوداً معلوماً للناس، والسراب موجود ومرئي، فقوله: ﴿ شيئاً ﴾ أي شيئاً من ماء بقرينة المقام.

وهذا التمثيل كقوله تعالى: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ﴾ [الفرقان: 23].

و (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية.

والمعنى: زمن مجيئه إلى السراب، أي وصوله إلى الموضع.

وقوله: ﴿ ووجد الله عنده ﴾ هو من تمام التمثيل، أي لم يجد الماء ووجد في مظنة الماء الذي ينتفع به وجد مَنْ إن أخذ بناصيته لم يفلته، أي هو عند ظنه الفوز بمطلوبه فاجأه من يأخذه للعذاب، وهو معنى قوله: ﴿ فوفاه حسابه ﴾ أي أعطاه جزاء كفره وافياً.

فمعنى ﴿ فوفاه ﴾ أنه لا تخفيف فيه، فهو قد تعب ونصب في العمل فلم يجد جزاء إلا العذاب بمنزلة من ورد الماء للسقي فوجد من له عنده تِرة فأخذه.

وجملة: ﴿ والله سريع الحساب ﴾ تذييل.

والسريع: ضد البطيء.

والمعنى: أنه لا يماطل الحساب ولا يؤخره عند حلول مقتضيه، فهو عام في حساب الخير والشر ولذلك كان تذييلاً.

واعلم أن هذا التمثل العجيب صالح لتفريق أجزائه في التشبيه بأن ينحل إلى تشبيهات واستعارات.

فأعمال الكافرين شبيهة بالسراب في أن لها صورة الماء وليست بماء، والكافر يشبه الظمآن في الاحتياج إلى الانتفاع بعمله.

ففي قوله: ﴿ يحسبه الظمآن ﴾ استعارة مصرحة، وخيبة الكافر عند الحساب تشبه خيبة الظمآن عند مجيئه السراب ففيه استعارة مصرحه، ومفاجأة الكافر بالأخذ والعتْل من جند الله أو بتكوين الله تشبه مفاجأة من حسب أنه يبلغ الماء للشراب فبلغ إلى حيث تحقق أنه لا ماء فوجد عند الموضع الذي بلغه من يترصد له لأخذه أو أسره.

فهنا استعارة مكنية إذ شبه أمر الله أو ملائكتِه بالعدوّ، ورمز إلى العدو بقوله: ﴿ فوفاه حسابه ﴾ .

وتعدية فعل ﴿ وجد ﴾ إلى اسم الجلالة على حذف مضاف هي تعدية المجاز العقلي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ أمّا السَّرابُ فَهو الَّذِي يُخَيَّلُ لِمَن رَآهُ في الفَلاةِ كَأنَّهُ الماءُ الجارِي قالَ الشّاعِرُ: فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُهم كَلَمْعِ سَرابٍ بِالفَلا مُتَألِّقٍ والآلُ كالسَّرابِ إلّا أنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنِ الأرْضِ في وقْتِ الضُّحى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، وقِيلَ: إنَّ السَّرابَ بَعْدَ الزَّوالِ والآلَ قَبْلَ الزَّوالِ والرَّقْراقَ بَعْدَ العَصْرِ، وأمّا القِيعَةُ فَجَمْعُ قاعٍ مِثْلَ جِيرَةٍ وجارٍ، والقاعُ ما انْبَسَطَ مِنَ الأرْضِ واسْتَوى.

﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ﴾ يَعْنِي العَطْشانَ يَحْسَبُ السَّرابَ ماءً.

﴿ حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ يُعَوِّلُ عَلى ثَوابِ عَمَلِهِ فَإذا قَدِمَ عَلى اللَّهِ وجَدَ ثَوابَ عَمَلِهِ بِالكُفْرِ حابِطًا.

﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وجَدَ أمْرَ اللَّهِ عِنْدَ حَشْرِهِ.

الثّانِي: وجَدَ اللَّهَ عِنْدَ عَرْضِهِ.

﴿ فَوَفّاهُ حِسابَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَ عَمَلِهِ فَجازاهُ عَلى كُفْرِهِ.

والثّانِي: وجَدَ اللَّهَ عِنْدَ وعِيدِهِ فَوَفّى بِعَذابِهِ ويَكُونُ الحِسابُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَعًا مَحْمُولًا عَلى العَمَلِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ فَوَلّى مُدْبِرًا وأيْقَنَ ∗∗∗ أنَّهُ لاقِي الحِسابا ﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ حِسابَهُ آتٍ وكُلُّ آتٍ سَرِيعٌ.

الثّانِي: لِأنَّهُ يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلْقِ في وقْتٍ سَرِيعٍ.

قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وكانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ ويَلْبَسُ الصُّوفَ ويَطْلُبُ الدِّينَ فَكَفَرَ في الإسْلامِ.

قَوْلُهُ: ﴿ أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ الظُّلُماتُ: ظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ.

وَفي قَوْلِهِ لُجِّيٍّ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ البَحْرُ الواسِعُ الَّذِي لا يُرى ساحِلُهُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُ البَحْرُ الكَثِيرُ المَوْجِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ البَحْرُ العَمِيقُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ولُجَّةُ البَحْرِ وسَطُهُ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (مَن رَكِبَ البَحْرَ إذا التَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ» يَعْنِي إذا تَوَسَّطَهُ.

﴿ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِ المَوْجِ رِيحٌ، مِن فَوْقِ الرِّيحِ سَحابٌ فَيُجْمَعُ خَوْفُ المَوْجِ وخَوْفُ الرِّيحِ وخَوْفُ السَّحابِ.

الثّانِي: مَعْناهُ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن بَعْدِهِ فَيَكُونُ المَعْنى المَوْجَ بَعْضُهُ يَتْبَعُ بَعْضًا حَتّى كَأنَّهُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وهَذا أخْوَفُ ما يَكُونُ إذا تَوالى مَوْجُهُ وتَقارَبَ، ومِن فَوْقِ هَذا المَوْجِ سَحابٌ وهو أعْظَمُ لِلْخَوْفِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ يُغَطِّي النُّجُومَ الَّتِي يُهْتَدى بِها.

الثّانِي: الرِّيحُ الَّتِي تَنْشَأُ مَعَ السَّحابِ والمَطَرِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنهُ.

﴿ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ الظُّلُماتِ الَّتِي بَدَأ بِذِكْرِها وهي ظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ.

الثّانِي: يَعْنِي بِالظُّلُماتِ الشَّدائِدَ أيْ شَدائِدُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّهُ رَآها بَعْدَ أنْ كادَ لا يَراها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لَمْ يَرَها ولَمْ يَكَدْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

وَفي قَوْلِهِ لَمْ يَكَدْ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَطْمَعْ أنْ يَراها.

الثّانِي: لَمْ يَرَها ويَكادُ صِلَةٌ زائِدَةٌ في الكَلامِ.

﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى النَّجاةِ في الآخِرَةِ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ إلَيْها حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: ومَن لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ لِلْإسْلامِ لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقالَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ وجْهًا ثالِثًا: ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ نُورًا لَهُ في وقْتِ القِسْمَةِ فَما لَهُ مِن نُورٍ في وقْتِ الخِلْقَةِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ قَبُولًا في القُلُوبِ لَمْ تَقْبَلْهُ القُلُوبُ.

وَهَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ، فالظُّلُماتُ ظُلْمَةُ الشِّرْكِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ المَعاصِي، والبَحْرُ اللُّجِّيُّ قَلْبُ الكافِرِ، يَغْشاهُ مِن فَوْقِهِ عَذابُ الدُّنْيا، فَوْقَهُ عَذابُ الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ الآية.

قال: هو مثل ضربه الله لرجل عطش، فاشتد عطشه، فرأى سراباً، فحسبه ماء، فظن أنه قدر عليه حتى أتى، فلما أتاه لم يجده شيئاً وقبض عند ذلك يقول الكافر: كذلك أن عمله يغني عنه أو نافعه شيئاً.

ولا يكون على شيء حتى يأتيه الموت، فأتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئاً، ولم ينفعه إلا كما يقع العطشان المشتد إلى السراب ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ قال: يعني بالظلمات: الأعمال.

وبالبحر اللجي: قلب الإِنسان.

﴿ يغشاه موج ﴾ يعني بذلك الغشاوة التي على القلب، والسمع والبصر.

وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كسراب بقيعة ﴾ يقول: أرض مستوية.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ كسراب بقيعة ﴾ قال: بقاع من الأرض، والسراب عمل الكافر ﴿ حتى إذا جاءه لم يجِدْهُ شيئاً ﴾ واتيانه إياه.

موته وفراقه الدنيا ﴿ ووجد الله عنده ﴾ ووجد الله عند فراقه الدنيا ﴿ فوفاه حسابه ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ كسراب بقيعة ﴾ قال: بقيعة من الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبيه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكفار يبعثون يوم القيامة رداً عطاشاً فيقولون: أين الماء؟

فيمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه، فيجدون الله عنده، فيوفيهم حسابهم.

والله سريع الحساب» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ قال: اللجي: العميق القعر.

﴿ يغشاه موج من فوقه موج...

﴾ قال: هذا مثل عمل الكافر في ضلالات ليس له مخرج ولا منفذ.

أعمى فيها لا يبصر.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: ﴿ إذا أخرج يده لم يكد يراها ﴾ قال: أما رأيت الرجل يقول: والله ما رأيتها، وما كدت أن أراها.

وأخرج ابن المنذر عن أبي امامة أنه قال: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، ويوشك أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو القبر.

بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنقلون إلى مواطن يوم القيامة، وإنكم لفي بعض تلك المواطن حين يغشى الناس أمر من أمر الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون إلى منزل آخر، فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نوراً، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطى شيئاً، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ إلى قوله: ﴿ فما له من نور ﴾ فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ قال الفراء: السَّراب ما لصق بالأرض، والآل الذي يكون ضحى كالماء بين السماء والأرض (١) وقال ابن السكيت: السَّراب الذي يجري على وجه الأرض كأنَّه الماء، وهو يكون نصف النهار وهو (٢) (٣) وقال أبو الهيثم: سمَّي السراب سرابًا؛ لأنه يسرب سربًا، أي: يجري جريًا.

يقال: سرب الماء يسرب سروبًا (٤) وقال الفراء: القيعة (٥) (٦) (٧) وقال الليث: القاع، أرض واسعة قد انفرجت عنها (٨) (٩) قوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ﴾ وهو الشديد العطش.

يقال ظمئ يظمأ ظمأً فهو ظمآن (١٠) وقوله ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ قال أبو إسحاق (١١) (١٢) (١٣) ﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ .

قال المبرد: أي شيئًا مما حسب (١٤) (١٥) قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أعمال الكفّار إذا احتاجوا إليها مثل السراب إذا رآه الرجل وقد احتاج إلى الماء، فأتاه فلم يجده شيئًا، فذلك مثل عمل الكافر يرى أن له ثوابًا وليس له ثواب (١٦) وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لعمل الكافر [يحسب أنّه في شيء كما يحسب السراب ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وكذلك الكافر] (١٧) (١٨) وقال مجاهد: عمل الكافر [إذا جاءه لم يجده شيئًا، وإتيانه إياه (١٩) (٢٠) وروى الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في هذه الآية قال: كذلك (٢١) (٢٢) (٢٣) مقاتل: يقول: هكذا الكفار حتى إذا انتهى الواحد منهم إلى عمله يوم القيامة وجده لم يغن (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال أبو إسحاق: أعلم الله -عز وجل- أن الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله ظنُّه كظن الذي يظن أن السَّراب ماء (٢٨) وقال ابن قتيبة: الكافر يحسب ما قدم من عمله نافعه كما يحسب العطشان السراب من البعد ماءً يرويه ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَهُ ﴾ أي مات لم يجد عمله شيئًا لأنَّ الله -عز وجل- قد أبطله بالكفر ومحقه (٢٩) وقوله ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ قال مقاتل: وجد الله بالمرصاد عند عمله ﴿ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ﴾ يقول جازاه بعمله (٣٠) وقال الفراء: ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ عند عمله يقول: قدم على الله فوفاه حسابه (٣١) وقال صاحب النظم في هذه الآية: هذا نظم غامض؛ لأنَّه -عز وجل- وصف أعمال الكفار التي يريدون بها البرَّ في الدنيا بأنَّها (٣٢) ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ ﴾ متصل بالظمآن دون الكفار، إلا أنَّه -عز وجل- لما جعل الظمآن والسَّراب مثلًا للكفار في بُطول أعمالهم، أقامه (٣٣) ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ﴾ فجاء بذكر الظمآن على التوحيد، والمعني (٣٤) (٣٥) ﴿ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [وهذا لا يحتمل اتصاله بالظمآن: لأنَّه لا يكون هنالك حساب، وإنّما الحساب في الآخرة.

هذا كلامه.

ومعنى هذا أن قوله ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ في الظاهر خبر عن الظمآن، والمراد به الخبر عن الكفار، ولكن لما ضرب الظمآن مثلًا للكفار جعل الخبر عنه كالخبر عنهم.

قوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ (٣٦) (٣٧) وهذا الوجه سوى ما ذكرنا الوجوه في معنى ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ (٣٨) (٣٩) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 254.

(٢) في (أ): (وهي).

(٣) قول ابن الكسيت في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 416 (سرب).

(٤) قول ابن التهذيب في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 416 (سرب).

(٥) في (أ)، (ظ): (البقيعة).

(٦) في (ظ): (وفيه وفيه) تكرار.

(٧) قول الفراء بنصه في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 33 (قاع)، وهو في كتابه "معاني القرآن" 2/ 254 وليس فيه قوله: وفيه يكون ..

(٨) في (أ): (عليها).

(٩) قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 33 (قاع).

(١٠) "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 401 "ظم".

مع تقديم وتأخير.

وانظر: "الصحاح" للجوهري 1/ 61 "ظمأ"، "لسان العرب" 1/ 116 "ظمأ".

(١١) من هنا يبدأ الخرم في نسخة (ظ).

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 47.

(١٣) في (ع): (قوله).

(١٤) ذكر البغوي 6/ 52 هذا المعنى والذي بعده وساقهما مساقًا واحداً من غير نسبة لأحد.

(١٥) هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 86 ب.

(١٦) لم أجده من رواية سعيد بن جبير، وقد روى الطبري 18/ 149، وابن أبي حاتم 7/ 53 أمن طريق العوفي، عن ابن عباس، نحوه.

(١٧) ساقط من (ع).

(١٨) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 61، والطبري 18/ 149، وابن أبي حاتم 7/ 753.

(١٩) في (أ)، (ع): (إياها)، والتصويب من الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما.

(٢٠) رواه الطبري 18/ 149، وابن أبي حاتم 7/ 53 ب؛ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 210 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(٢١) (كذلك): ساقطة من (ع).

(٢٢) ما بين المعقوفين في حاشية (أ) وعليه علامة التصحيح.

(٢٣) رواه الطبري 18/ 149، وابن أبي حاتم 7/ 53 ب؛ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 - 198، وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(٢٤) في (أ): (يغن) مهملة الأول.

وفي (ع): (تغن)، والمثبت من "تفسير مقاتل".

(٢٥) في (أ): (أو هكذا).

(٢٦) في (أ): (وهكذا).

(٢٧) "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

(٢٨) "معاني القرآن" 4/ 47.

(٢٩) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 329.

(٣٠) "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

(٣١) "معاني القرآن" 2/ 254.

(٣٢) في (ع): (وأنَّها).

(٣٣) في (ع): (قامه).

(٣٤) في (ع): (المعني).

(٣٥) في (ع): (يدل).

(٣٦) ساقط من (ع).

(٣٧) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب وفيه كأنه قد كان.

(٣٨) (الحساب): ساقطة من (أ).

(٣٩) ذكر الواحدي في "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ  ﴾ ..

أقوالاً هي على سبيل الاختصار: 1 - أنه سريع الحساب لأنَّه علم ما للمحاسب وما عليه قبل حسابه.

2 - أن المعني: والله سريع المجازاة للعباد على أعمالهم وإن كان قد أمهلهم مدة من الدهر.

3 - أنه سريع الحساب أي الإحاطه والعلم، لأنه لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا روية كالعاجزين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ لما ذكر الله حال المؤمنين أعقب ذلك بمثالين لأعمال الكافرين: الأول يقتضي حال أعمالهم في الآخرة، وأنها لا تنفعهم، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل السراب، والثاني يقتضي حال أعمالهم في الدنيا، وأنها في غاية الفساد والضلال كالظلمات التي بعضها فوق بعض، والسراب هو ما يرى في الفلوات من ضوء الشمس في الهجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه الأرض، والقيعة جمع قاع وهو المنسبط من الأرض، وقيل: بمعنى القاع وليس بجمع ﴿ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً ﴾ الظمآن العطشان: أي يظن العطشان أن السراب ماء، فيأتيه ليشربه، فإذا جاء خاب ما أمل، وبطل ما ظنّ، وكذلك الكافر يظن أن أعماله تنفعه، فإذا كان يوم القيامة لم تنفعه فهي كالسراب ﴿ حتى إِذَا جَآءَهُ ﴾ ضمير الفاعل للظمآن، وضمير المفعول للسراب أو ضمير الفاعل للكافر وضمير المفعول لعمله ﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ أي شيئاً ينتفع به أو شيئاً موجوداً على العموم لأنه معدوم، ويحتمل أن يكون ضمير الفاعل للظمآن وضمير المفعول للسراب.

أو ضمير الفاعل للكافر وضمير المفعول لعمله ﴿ وَوَجَدَ الله عِندَهُ ﴾ ضمير الفاعل في وجد الكافر، والضمير في عنده لعمله، والمعنى وجد الله عنده بالجزاء، أو وجد زبانية الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً ﴾ جائز أن يكون ضرب مثل أعمال الكفرة بالسراب الذي ذكر من وجهين: أحدهما: أنهم قد عملوا في الظاهر أعمالا طمعوا أن يصلوا إليها في الآخرة، وينتفعوا بها من نحو الصدقات، والنفقات، وصلة الأرحام، ونحوه مما هي في الظاهر أعمال الخير، فإذا هم حُرِمُوا أجرها ولم يجدوا شيئاً كالذي يرى السراب من بعيد يحسبه ماء فسار إليه، فإذا هو لا شيء؛ فعلى ذلك الكفار عملوا تلك الأعمال على طمع منهم أنهم ينتفعون بها، فإذا هم على لا شيء كالعطشان الذي يرى [السراب] فحسبه أنه ماء، فإذا هو سراب.

والثاني: ضرب مثل أعمالهم بالسراب الذي ذكر، وذلك أنهم قد عبدوا الأصنام والأوثان رجاء أن ينتفعوا بشفاعتهم في الآخرة؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وكانت عبادتهم لما ذكروا من شفاعتهم عند الله ثم لم ينتفعوا فصاروا كالعطشان الذي يرى السراب يحسب أنه ماء؛ فإذا جاءه وجده سراباً؛ لم يجده ماء كما حسبه، إلى هذا تمام المثل.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ ﴾ أي: وجد الله يوفيه حساب عمله وجزاءه.

أو يقول: قدم على عمله يوم القيامة لم يجد عمله الذي عمل في الدنيا شيئاً إلا كما وجد هذا العطشان هذا السراب، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، يقول: قدم على الله فوفاه حسابه؛ أي: عمله.

وقال بعضهم: هذا المثل ضرب للكفار؛ وذلك أنهم يبعثون يوم القيامة وقد تقطعت أعناقهم من العطش، فيرفع لهم سراب بقيعة من الأرض؛ فإذا نظروا إليه حسبوه ماء؛ فأتوه ليشربوا منه فلم يجدوا شيئاً، ويؤخذون ثمة فيحاسبون، وكذلك أعمالهم تضمحل يوم القيامة فلا يصيبون منها خيراً.

وقوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ .

هذا مثل آخر ضربه الله لأحوال الكافر؛ أو ﴿ كَظُلُمَاتٍ ﴾ جسده، شبهه بظلمات؛ وذلك أن البحر إذا كان عميقاً كان أشدّ لظلمته؛ فقال: والبحر اللجي: قلب الكافر، ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ : فوق الماء ﴿ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ ﴾ : فهو ظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، هذه ظلمات ﴿ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ ، فكذا الكافر قلبه مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم، لا يبصر الإيمان كما أن صاحب البحر [إذا] أخرج يده في تلك الظلمة لم يكد يراها؛ أي: لم يرها ألبتة.

أو أن يكون ضرب المثل بظلمات ثلاث بظلمات أحوال لا يزال يزداد ظلمة كفره في كل وقت وفي كل حال بعمله الذي يعمله؛ كالظلمات التي ذكرها؛ فكان كضرب المثل الذي سبق لأنوار أحوال المؤمن؛ حيث قال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ والنور جسده وصدره وقلبه.

ثم قوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ : ليس هو حرف شك، ولكنه كأنه قال: إن ضربت مثل عمله بالسراب فمستقيم، وإن ضربته بالظلمات التي ذكرها فمستقيم، بأيهما ضربت فمستقيم صحيح، لا أنه ذا أو ذا.

ثم ذكر في أعمال الكفرة مثلين: أحدهما: السراب، والثاني: الظلمات.

فجائز أن يكون في المؤمن أيضاً مثلين: الظلمة التي ذكر مقابل النور الذي ذكر في المؤمن، والسراب الذي ذكر لأعمالهم مقابل ما ذكر من أعمال المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ .

قال بعضهم: من لم يجعل الله له إيماناً فما له من إيمان.

وقيل: هدى، فما له من هدى، وهما واحد.

والآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لم يجعل الله للمؤمن من النور إلا وقد جعله مثله للكافر، وفي الآية إخبار أنه لم يجعل للكافر النور؛ إذ لو كان جعل للكافر كما جعل للمؤمن لم يكن لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ - معنى؛ دل أنه لم يجعل للكافر النور.

وقوله: ﴿ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ ﴾ يقول: فجازاه بعمله فلم يظلمه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ قد ذكرناه في غير موضع.

قال القتبي: السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل: ما رأيته في أوّل النهار وآخره؛ الذي يرفع كل شيء، والقيعة: القاع.

وقال أبو عوسجة: السراب الذي يثيره الحرّ فتراه كأنه ماء يجري وهو الذي يكون نصف النهار إلى السماء، والآل في أوّل النهار إلى قريب من نصف النهار، والقيعة: القاع؛ وهي الأرض اليابسة الطيبة التي يستنقع فيها الماء، وقاع واحد، وقيعان جمع، والظمآن: العطشان، وقوم ظِمَاء، وامرأة ظمأى، ونسوة ظماء، وأظمأته: أعطشته، وظمأته أيضاً.

﴿ بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ اللجي: الكثير الماء، واللجة: وسط البحر ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ ؛ أي: يصير فوقه، قال: الموج طرائق في الماء تكون إذا هبت الريح.

وقال الكسائي: الظمآن والصديان والعطشان واحد، قيل: والسراب: الزوال، والآل: بعد الزوال؛ وهو أرفع من السراب، والرواق بعد العصر.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ : يقول: لم يقاربه البصر؛ كقوله: الرجل لم يصب ولم يقارب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين كفروا بالله أعمالهم التي عملوها لا ثواب لها مثل السراب بمنخفض من الأرض يراه العطشان فيظنّه ماءً، فيسير إليه حتَّى إذا جاءه ووقف عليه لم يجد ماءً، وكذا الكافر يظن أن أعماله تنفعه حتَّى إذا مات وبُعِث لم يجد ثوابها، ووجد ربه أمامه فوفّاه حساب عمله كاملًا، والله سريع الحساب.

<div class="verse-tafsir" id="91.v2j8q"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله