الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٥١ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥١ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ، الذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله ، فقال : ( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) أي : سمعا وطاعة; ولهذا وصفهم تعالى بفلاح ، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب ، فقال : ( وأولئك هم المفلحون ) .
وقال قتادة في هذه الآية : ( أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) ذكر لنا أن عبادة بن الصامت - وكان عقبيا بدريا ، أحد نقباء الأنصار - أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية : ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟
قال : بلى .
قال : فإن عليك السمع والطاعة ، في عسرك ويسرك ، ومنشطك ومكرهك ، وأثرة عليك .
وعليك أن تقيم لسانك بالعدل ، وألا تنازع الأمر أهله ، إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحا ، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله ، فاتبع كتاب الله .
وقال قتادة : وذكر لنا أن أبا الدرداء قال : لا إسلام إلا بطاعة الله ، ولا خير إلا في جماعة ، والنصيحة لله ولرسوله ، وللخليفة وللمؤمنين عامة .
قال : وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كان يقول : عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين .
رواه ابن أبي حاتم ، والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله [ وسنة رسوله ، وللخلفاء الراشدين ، والأئمة إذا أمروا بطاعة الله ] كثيرة جدا ، أكثر من أن تحصر في هذا المكان .
يقول تعالى ذكره: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلى حكم الله وإلى حكم رسوله، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وبين خصومهم، ( أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا ) ما قيل لنا ( وأطعنا ) مَن دعانا إلى ذلك.
ولم يُعن ب ( كَانَ ) في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى، ولكنه تأنيب من الله الذي أنـزلت هذه الآية بسببهم، وتأديب منه آخرين غيرهم.وقوله: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) يقول تعالى ذكره: والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم ( أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) المفلحون يقول: هم المنجحون المدركون طِلباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في جنات الله.
قوله تعالى : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحونقوله تعالى : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أي إلى كتاب الله وحكم رسوله .
أن يقولوا سمعنا وأطعنا قال ابن عباس : أخبر بطاعة المهاجرين والأنصار ، وإن كان ذلك فيما يكرهون ؛ أي هذا قولهم ، وهؤلاء لو كانوا مؤمنين لكانوا يقولون سمعنا وأطعنا .
فالقول نصب على خبر كان ، واسمها في قوله : أن يقولوا نحو وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا .
وقيل : إنما قول المؤمنين ، وكان صلة في الكلام ؛ كقوله تعالى : كيف نكلم من كان في المهد صبيا .
.
وقرأ ابن القعقاع ( ليحكم بينهم ) غير مسمى الفاعل .
علي بن أبي طالب ( إنما كان قول ) بالرفع .
أي: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ } حقيقة، الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم حين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، سواء وافق أهواءهم أو خالفها، { أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي: سمعنا حكم الله ورسوله، وأجبنا من دعانا إليه، وأطعنا طاعة تامة، سالمة من الحرج.{ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } حصر الفلاح فيهم، لأن الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المكروه، ولا يفلح إلا من حكم الله ورسوله، وأطاع الله ورسوله.
( إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ) إلى كتاب الله ورسوله ، ( ليحكم بينهم ) هذا ليس على طريق الخبر لكنه تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا ، ونصب القول على الخبر واسمه في قوله تعالى : ( أن يقولوا سمعنا وأطعنا ) أي : سمعنا الدعاء وأطعنا بالإجابة .
( وأولئك هم المفلحون)
«إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم» فالقول اللائق بهم «أن يقولوا سمعنا وأطعنا» بالإجابة «وأولئك» حينئذ «هم المفلحون» الناجون.
أما المؤمنون حقا فدأبهم إذا دعوا إلى التحاكم في خصوماتهم إلى كتاب الله وحكم رسوله، أن يقبلوا الحكم ويقولوا: سمعنا ما قيل لنا وأطعنا مَن دعانا إلى ذلك، وأولئك هم المفلحون الفائزون بمطلوبهم في جنات النعيم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما هو واجب على المؤمنين إذا ما دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ، أن يقولوا سمعنا وأطعنا .ولفظ " قول " منصوب على أنه خبر " كان " واسمها أن المصدرية ما ما فى حيزها ، وهو : أن يقولوا سمعنا وأطعنا .والمعنى : أن من صفات المؤمنين الصادقين ، أنهم إذا ما دعوا إلى حكم شريعة الله - تعالى - التى أوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا عندما يدعون لذلك : سمعنا وأطعنا ، بدون تردد أو تباطؤ ..
." وأولئك " الذين يفعلون ذلك " هم المفلحون " فلاحا تاما فى الدنيا والآخرة .
اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الحسن ﴿ قَوْلَ المؤمنين ﴾ بالرفع، والنصب أقوى لأن أولى الاسمين بكونه اسماً لكان أوغلهما في التعريف و ﴿ أَن يَقُولُواْ ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف ﴿ قَوْلَ المؤمنين ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين ﴾ معناه كذلك يجب أن يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعاً وطاعة، ومعنى ﴿ سَمِعْنَا ﴾ أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب، ثم قال: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ أي فيما ساءه وسره ﴿ وَيَخْشَ الله ﴾ فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي ﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ فيما بقي من عمره ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون ﴾ وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه.
أما قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ فقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين، ثم قال لما بين الله تعالى كراهية المنافقين لحكم رسول الله، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، ثم إنه تعالى أمر رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله: ﴿ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ﴾ ولو كان قسمهم كما يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحاً.
أما قوله: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ فهو إما خبر مبتدأ محذوف، أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا أيمان كاذبة، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من قسمكم بما لا تصدقون فيه، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم طاعة معروفة فتمسكوا بها.
وقرأ اليزيدي ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ بالنصب على معنى أطيعوا طاعة (الله) ﴿ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي بصير لا يخفى عليه شيء من سرائركم، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.
أما قوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ ﴾ فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ يعني إن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم من الطاعة ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ﴾ أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على الرسول إلا البلاغ المبين، والبلاغ بمعنى التبليغ، والمبين الواضح، والموضح لما بكم إليه الحاجة، وعن نافع أنه قرأ ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ ﴾ بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية.
<div class="verse-tafsir"
وعن الحسن: ﴿ قول المؤمنين ﴾ ، بالرفع والنصب أقوى، لأنّ أولى الإسمين بكونه اسماً لكان.
أو غلهما في التعريف؛ وأن يقولوا: أوغل، لأنه لا سبيل عليه للتنكير، بخلاف قول المؤمنين، وكان هذا من قبيل كان في قوله: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ﴾ [مريم: 35] ، ﴿ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا ﴾ [النور: 16] وقرئ: ﴿ ليحكم ﴾ على البناء للمفعول.
فإن قلت: إلام أسند يحكم؟
ولا بدّ له من فاعل.
قلت: هو مسند إلى مصدره، لأن معناه: ليفعل الحكم بينهم، ومثله: جمع بينهما؛ وألف بينهما.
ومثله ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ [الأنعام: 94] فيمن قرأ ﴿ بينكم ﴾ منصوباً: أي وقع التقطع بينكم.
وهذه القراءة مجاوبة لقوله: ﴿ دعوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ عَلى عادَتِهِ تَعالى في إتْباعِ ذِكْرِ المُحِقِّ المُبْطِلُ والتَّنْبِيهِ عَلى ما يَنْبَغِي بَعْدَ إنْكارِهِ لِما لا يَنْبَغِي، وقُرِئَ ( قَوْلُ ) بِالرَّفْعِ و ( لِيُحْكَمَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ مَصْدَرِهِ عَلى مَعْنى لِيُفْعَلَ الحُكْمُ.
﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيما يَأْمُرانِهِ أوْ في الفَرائِضِ والسُّنَنِ.
﴿ وَيَخْشَ اللَّهَ ﴾ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ فِيما بَقِيَ مِن عُمُرِهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وقالُونُ عَنْ نافِعٍ بِلا ياءٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو بِسُكُونِ الهاءِ، وحَفْصٌ بِسُكُونِ القافِ فَشَبَّهَ تَقِهِ بِكَتِفٍ وخُفِّفَ والهاءُ ساكِنَةٌ في الوَقْفِ بِالِاتِّفاقِ.
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين} وعن الحسن قول بالرفع والنصب أفرى لأن أولى الاسمين بكونه إسما لكان أوعليهما في التعريف وأن يقولوا أوغل بخلاف قول المؤمنين {إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} النبى عليه الصلاة والسلام ليحكم أي ليفعل الحكم {بَيْنَهُمْ} بحكم الله الذي أنزل عليه {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا} قوله {وَأَطَعْنَا} أمره {وأولئك هُمُ المفلحون} الفائزون
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا ﴾ جارٍ عَلى عادَتِهِ تَعالى في اتِّباعِ ذِكْرِ المُحِقِّ المُبْطِلِ والتَّنْبِيهُ عَلى ما يَنْبَغِي بَعْدَ إنْكارِهِ لِما لا يَنْبَغِي، ونَصْبُ ﴿ قَوْلَ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ وأنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمِها، ونَصَّ سِيبَوَيْهُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى جَوازِ العَكْسِ فَيَرْفَعُ ﴿ قَوْلَ ﴾ عَلى الِاسْمِيَّةِ ويُنْصَبُ المَصْدَرُ الحاصِلُ مِنَ السَّبْكِ عَلى الخَبَرِيَّةِ.
وقَدْ قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والحَسَنُ: بِرَفْعِ «قَوْلٌ» عَلى ذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والنَّصْبُ أقْوى لِأنَّ الأوْلى لِلِاسْمِيَّةِ ما هو أوْغَلُ في التَّعْرِيفِ وذَلِكَ هو المَصْدَرُ الَّذِي أُوِّلَ بِهِ أنْ يَقُولُوا لِأنَّهُ لا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِلتَّنْكِيرِ بِخِلافِ ﴿ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُهُ كَما إذا اخْتُزِلَتْ عَنْهُ الإضافَةُ، وقِيلَ في وجْهِ أعْرَفِيَّتِهِ إنَّهُ لا يُوصَفُ كالضَّمِيرِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ في الأعْرَفِيَّةِ، ثُمَّ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَصْدَرَ الحاصِلَ مِن سَبْكِ أنَّ والفِعْلِ لا يَجِبُ كَوْنُهُ مُضافًا في كُلِّ مَوْضِعٍ ألا تَرى أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى ﴾ إنَّهُ بِمَعْنى ما كانَ هَذا القُرْآنُ افْتِراءً.
وذَكَرَ أنَّ جَوازَ تَنْكِيرِهِ مَذْهَبُ الفارِسِيِّ وهو ومُتَعَيِّنٌ في نَحْوِ أنْ يَقُومَ رَجُلٌ إذْ هو مُؤَوَّلٌ قَطْعًا بِقِيامِ رَجُلٍ وهو نَكِرَةٌ بِلا رَيْبَ.
وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ النَّصْبَ أقْوى صِناعَةً لَكِنَّ الرَّفْعَ أقْعَدُ مَعْنًى وأوْفى لِمُقْتَضى المَقامِ لَمّا أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ هو الخَبَرُ فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحُدُوثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ هاهُنا في أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمُّ وأكْمَلُ فَإذَنْ هو أحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ قَلِيلَةَ الجَدْوى سَهْلَةَ الحُصُولِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً مُجْمَلَةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ فالمَعْنى إنَّما كانَ مُطْلَقَ القَوْلِ الصّادِرِ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذا دَعَوْا إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وبَيْنَ خُصُومِهِمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا إلَخْ أيْ خُصُوصِيَّةِ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنْهم لا قَوْلًا آخَرَ أصْلًا، وأمّا النَّصْبُ فالمَعْنى عَلَيْهِ إنَّما كانَ قَوْلًا لِلْمُؤْمِنِينَ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمْ ﴿ سَمِعْنا ﴾ إلَخْ فَفِيهِ مَن جَعَلَ أخَصَّ النِّسْبَتَيْنِ وأبْعَدَهُما وُقُوعًا وحُضُورًا في الأذْهانِ وأحَقُّهُما بِالبَيانِ مَفْرُوغًا عَنْها عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ وإبْرازُ ما هو بِخِلافِها في مَعْرَضِ القَصْدِ الأصْلِيِّ ما لا يُخْفى انْتَهى، وبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهم بِأنَّ مَساقَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ سَمِعْنا وأطَعْنا في مُقابَلَةِ إعْراضِ المُنافِقِينَ فَحَيْثُ ذَمَّ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ناسَبَ أنَّ يُمْدَحَ هَذا، ولا شَكَّ أنَّ الأنْسَبَ في مَدْحِهِ الإخْبارُ عَنْهُ لا الإخْبارُ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ ﴿ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا ﴾ اسْمُ كانَ ( وقَوْلَ المُؤْمِنِينَ ) خَبَرُها وفي ذَلِكَ مَدْحٌ لِقَوْلِهِمْ سَمِعْنا وأطَعْنا إذْ مَعْنى كَوْنِهِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ قَوْلٌ لائِقٌ بِهِمْ ومِن شَأْنِهِمْ عَلى أنَّ الأهَمَّ بِالإفادَةِ كَوْنُ ذَلِكَ القَوْلِ الخاصِّ هو قَوْلُهم ﴿ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ قَوْلِهِمُ المُقَيَّدِ بِما ذَكَرَ لِيَظْهَرَ أتَمَّ ظُهُورِ مُخالِفَةِ حالِ قَوْلِهِمْ سَمِعْنا وأطَعْنا وحالَ قَوْلِ المُنافِقِينَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا فَتَدَبَّرْ فَإنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن ( أطَعْنا ) هُنا غَيْرُ المُرادِ مِنهُ فِيما سَبَقَ فَكَأنَّهم أرادُوا سَمِعْنا كَلامَكم وأطَعْنا أمْرَكم بِالذَّهابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَكم وبَيْنَنا، وقِيلَ المَعْنى قَبِلْنا قَوْلَكم وانْقَدْنا لَهُ وأجَبْنا إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ أنَّ المَعْنى سَمِعْنا قَوْلَ النَّبِيِّ وأطَعْنا أمْرَهُ، وقِيلَ المُرادُ مِنَ الطّاعَةِ الثُّبُوتُ أوِ الإخْلاصُ لِتَغايُرِ ما مَرَّ وهو كَما تَرى.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وخالِدُ بْنُ الياسٍ «لِيَحْكُمَ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُجاوِبًا لَدَعَوْا، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هُنا وفِيما مَرَّ ونائِبُ الفاعِلِ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ لِيَحْكُمَ هو أيِ الحُكْمِ، والمَعْنى لِيَفْعَلَ الحُكْمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وحِيلَ بَيْنَهُمْ ﴾ .
﴿ وأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُمْ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ أيْ وأُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذَكَرَ مِنَ النَّعْتِ الجَلِيلِ ﴿ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ أيْ هُمُ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ والنّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ قال مقاتل: نزلت في شأن بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كانت بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشرا إلى النبيّ ، فقال بشر: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإنَّ محمداً يحيف علينا فنزل: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وقال في رواية الكلبي: إنّ عثمان بن عفان اشترى من عليّ ما أرضا فَنَدَّمَهُ قومه، وقالوا: عمدت إلى أرض سَبْخَةٍ لا ينالها الماء فاشتريتها: رُدَّها عليه، فقال: قد ابتعتها منه، فقالوا: ردها، فلم يزالوا به حتى أتاه فقال: «اقبض مني أرضك فإني قد اشتريتها ولم أرضها لأنه لا ينالها الماء» ، فقال له عليّ : «بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها مني، وأنت تعرفها وتعلم ما هي فلا أقبلها منك» .
قال: فدعا عليٌّ عثمان ما أن يخاصمه إلى النبي ، فقال قوم عثمان: لا تخاصمه إلى النبيّ ، فإن خاصمته إليه قَضَى له عليك، وهو ابن عمه، وأكرم عليه منك، ثم اختصما إلى النبيّ فقضى لعليّ على عثمان، فنزل في قوم عثمان .
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ يعني: صدقنا بالله وبالرسول، وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي يعرض عن طاعتهما طائفة منهم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الإقرار وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدقين.
قال بعضهم: هذا التفسير الذي ذكره الكلبي غير صحيح، لأن قوم عثمان كانوا مؤمنين من الذين هاجروا معه إلى المدينة، وقد ذكر أنهم ليسوا بمؤمنين.
وقال بعضهم: هذا صحيح لأن في قوم عثمان بعضهم منافقين مبغضين لبني هاشم لعداوة كانت بينهم في الجاهلية، وكان عثمان يميل إلى قرابته، ولا يعرف نفاقهم.
ويقال: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: ليس عملهم عمل المؤمنين المخلصين.
ثم قال عز وجل: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: إلى حكم الله ورسوله ويقال: إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ يعني: ليقضي بينهم بالقرآن إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ يعني: طائفة منهم معرضون عن طاعة الله ورسوله.
قوله عز وجل: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يعني: القضاء يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ يعني: خاضعين، مسرعين، طائعين.
قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة.
ثم قال: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: شك ونفاق أَمِ ارْتابُوا يعني: شكوا في القرآن، أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ يعني: يجور الله عليهم ورسوله.
قال بعضهم: اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الإفهام، فكأن الله تعالى يعلمنا بأن في قلوبهم مرضاً، وأنهم شكوا ونافقوا، ويقال: في قلوبهم مرض، يعني: بل في قلوبهم مرض أم ارْتابُوا بل شكوا ونافقوا.
قال الله تعالى: بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يعني: هم الظالمون لا النبي .
ثم قال عز وجل: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ يعني: المصدقين إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: إلى كتاب الله ورسوله يعني: أمر رسوله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ يعني: ليقضي بينهم بالقرآن أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا يعني: سمعنا قول النبيّ وأطعنا أمره، فإن فعلوا ذلك وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين الفائزين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال الزَّجَّاجُ «١» وغيره: المعنى: كُلٌّ قد علم [اللهُ] «٢» صَلاَتَهُ وتسْبِيحَهُ.
وقال الحسن «٣» : المعنى: كُلٌّ قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه.
وقالت فرقة: المعنى: كل قد علم صلاةَ اللهِ وتسبيحَ اللهِ اللَّذَيْنِ أمر بهما وهدى إليهما، فهذه إضافة خَلْقٍ إلى خالقٍ، وباقي الآية وعيد، ويُزْجِي معناه: يسوق، والرُّكام، الذي يركب بَعْضُه بعضاً ويتكاثف، والودق: المطر، قال البخارِيُّ: مِنْ خِلالِهِ أي: من بين أضعاف السحاب، انتهى.
وقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ قيل: ذلك حقيقةٌ، وقد جعل الله في السماء جبالاً من بَرَدٍ، وقالت فرقة: ذلك مجازٌ، وإنَّما أراد وصف كثرته، وهذا كما تقول: عند فلان جبال من مال وجبال من العلم.
قلت: وحَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى إنْ لم يمنع من ذلك مانع، ومن كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي أبي علي التنوخي، أحد الرواة عن أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيِّ والمُخْتَصِّينَ به- قال: أخبرنا أَبو بكر الصوليُّ عن بعض العلماء قال: رأيتُ امرأةً بالبادية، وقد جاء البَرَدُ فذهب بزرعها، فجاء الناس يعزّونها، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم أنتَ المَأْمُولُ لأَحْسَنِ الخَلَفِ وبيدك التعويضُ مِمَّا تَلِفَ، فافعل بنا ما أَنْتَ أهله، فإنَّ أرزاقنا عليك وآمالنا مصروفة إليك، قال: فلم أبرحْ حتى مَرَّ رجل من الأَجِلاَّءِ، فحُدِّث بما كان فَوَهَبَ لها خَمْسِمائَةٍ دينارٍ، فأجاب الله دعوتها وفرّج في الحين كربتها، انتهى.
والسنا مقصوراً: الضوءُ، وبالمد: المَجْدُ، والباء في قوله بِالْأَبْصارِ يحتمل أن تكون زائدة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ يُقالُ لَهُ: بِشْرٌ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيٍّ حُكُومَةٌ، فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ لِلْيَهُودِيِّ: إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا !
ولَكِنَّ بَيْنِي وبَيْنَكَ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُنافِقِينَ ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ قَوْلِهِمْ: آمَنّا ﴿ وَما أُولَئِكَ ﴾ يَعْنِي: المُعْرِضِينَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: إلى كِتابِهِ ﴿ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ الرَّسُولُ ﴿ إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ ﴾ ومَعْنى الكَلامِ: أنَّهم كانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ؛ وإنْ كانَ الحَقُّ لَهم عَلى غَيْرِهِمْ، أسْرَعُوا إلى حُكْمِهِ مُذْعِنِينَ، لِثِقَتِهِمْ أنَّهُ يَحْكُمُ لَهم بِالحَقِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: والإذْعانُ في اللُّغَةِ: الإسْراعُ مَعَ الطّاعَةِ، تَقُولُ: قَدْ أذْعَنَ لِي، أيْ: قَدْ طاوَعَنِي لِما كُنْتُ ألْتَمِسُهُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: كُفْرٌ ﴿ أمِ ارْتابُوا ﴾ أيْ: شَكُّوا في القُرْآنِ؟
وهَذا اسْتِفْهامُ ذَمٍّ وتَوْبِيخٍ، والمَعْنى: أنَّهم كَذَلِكَ، وإنَّما ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهامِ لِيَكُونَ أبْلَغَ في ذَمِّهِمْ، كَما قالَ جَرِيرٌ في المَدْحِ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وَأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ] أيْ: أنْتُمْ كَذَلِكَ.
فَأمّا الحَيْفُ، فَهو: المَيْلُ في الحُكْمِ؛ يُقالُ: حافَ في قَضِيَّتِهِ، أيْ: جارَ، ﴿ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ أيْ: لا يَظْلِمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَدًا، بَلْ هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ والإعْراضِ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ.
ثُمَّ نَعَتَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ هَذا بِخَبَرٍ ماضٍ، وإنَّما المَعْنى: إنَّما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا.
وقَرَأالحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ: " إنَّما كانَ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ " بِضَمِّ اللّامِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي [لَيْلى]: " لِيُحْكَمَ بَيْنَهم " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ الكافِ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: سَمِعْنا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأطَعْنا أمْرَهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ فِيما يَكْرَهُونَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَخْشَ اللَّهَ ﴾ أيْ: فِيما مَضى مِن ذُنُوبِهِ ﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ فِيما بَعْدَ أنْ يَعْصِيَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: " ويَتَّقْهِي " مَوْصُولَةً بِياءٍ.
ورَوى قالُونُ عَنْ نافِعٍ: " ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ " بِكَسْرِ الهاءِ لا يَبْلُغُ بِها الياءَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَتَّقِهِ " جَزْمًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ﴾ ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَسُولَ إلا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "قَوْلَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قَوْلُ" بِالرَفْعِ، واخْتُلِفَ عَنِ الآخِرَيْنِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: شَرْطُ "كانَ" أنْ يَكُونَ اسْمُها أعْرَفُ مَن خَبَرِها، فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ أقْوى، والمَعْنى: إنَّما كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَهُ المُؤْمِنُونَ إذا دُعُوا إلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَـ "كانَ" هَذِهِ لَيْسَتْ إخْبارًا عَنِ الماضِي، وإنَّما كَقَوْلِ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةً أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ، وجُعِلَ الدُعاءُ إلى اللهِ مِن حَيْثُ هو إلى شَرْعِهِ ودِينِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَحْكُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ، والحَسَنُ: "لِيُحْكَمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"المُفْلِحُونَ": البالِغُونَ آمالَهم في دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ.
و"جَهْدُ اليَمِينِ" بُلُوغُ الغايَةِ في تَعْقِيدِها، و"لَيَخْرُجُنَ" مَعْناهُ: إلى الغَزْوِ، وهَذِهِ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا حِينَ دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ: أحَدُها النَهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ؛ إذْ عُرِفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ، طاعَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكُمْ، وفي هَذا الوَجْهُ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ، والثالِثُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ، طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم هو المَطْلُوبُ مِنكُمْ، والرابِعُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تُقْنِعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمِ، طاعَةُ اللهِ مَعْرُوفَةٌ، وشَرْعُهُ وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهِيعٌ لائِحٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تُقْسِمُوا ﴾ ، و ﴿ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ﴾ اعْتِراضٌ بَلِيغٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وكُلِّ مَن يَسْتَعْلِي عن أمْرِ مُحَمَّدٍ ، وقَوْلُهُ: "تَوَلَّوْا" مَعْناهُ: تَتَوَلَّوْا، مَحْذُوفُ التاءِ الواحِدَةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ ﴾ ، ولَوْ جَعَلْنا "تَوَلَّوْا" فِعْلًا ماضِيًا وقَدَّرْنا في الكَلامِ خُرُوجًا مِن خِطابِ الحاضِرِ إلى ذِكْرِ الغائِبِ لاقْتَضى الكَلامُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا".
والَّذِي حُمِّلَ رَسُولُ اللهِ هو التَبْلِيغُ ومُكافَحَةُ الناسِ بِالرِسالَةِ وإعْمالُهُ الجَهْدَ في إنْذارِهِمْ، والَّذِي حُمِّلَ الناسُ هو السَمْعُ والطاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -رِوايَةُ ورْشٍ -: "وَيَتَّقِهِي" بِياءٍ بَعْدَ الهاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو الوَجْهُ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "وَيَتَّقِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ لا يَبْلُغُ بِها الياءَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "وَيَتَّقِهْ" جَزْمًا لِلْهاءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "وَيَتَّقْهِ" بِسُكُونِ وكَسْرِ الهاءِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني لأن الإخبار عن الذين يعرضون عندما يدعون إلى الحكومة بأنهم ليسوا بالمؤمنين في حين أنهم يظهرون الإيمان يثير سؤال سائل عن الفاصل الذي يميز بين المؤمن الحق وبين الذي يرائي بإيمانه في حين يُدعى إلى الحكومة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتضي أن يبين للسائل الفرق بين الحالين لئلا يلتبس عنده الإيمان المزور بالإيمان الصادق، فقد كان المنافقون يموهون بأن إعراض من أعرض منهم عن التحاكم عند رسول الله ليس لتزلزل في إيمانه بصدق الرسول ولكنه إعراض لمراعاة أعراض من العلائق الدنيوية كقول بشْر: إن الرسول يُبغضني.
فبيّن الله بطلان ذلك بأن المؤمن لا يرتاب في عدل الرسول وعدم مصانعته.
وقد أفاد هذا الاستئناف أيضاً الثناء على المؤمنين الأحقاء بضد ما كان ذماً للمنافقين.
وذلك من مناسبات هذا الاستئناف على عادة القرآن في إرداف التوبيخ بالترغيب والوعيد بالوعد والنذارة بالبشارة والذم بالثناء.
وجيء بصيغة الحصر ب ﴿ إنما ﴾ لدفع أن يكون مخالف هذه الحالة في شيء من الإيمان وإن قال بلسانه إنه مؤمن، فهذا القصر إضافي، أي هذا قول المؤمنين الصادقين في إيمانهم لا كقول الذين أعرضوا عن حكم الرسول حين قالوا: ﴿ آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ﴾ [النور: 47] فلما دعوا إلى حكم الرسول عصوا أمره فإن إعراضهم نقيض الطاعة، وسيأتي بيانه قريباً.
وليس قصراً حقيقياً لأن أقوال المؤمنين حين يدعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم غير منحصرة في قول: ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ ولا في مرادفه، فلعل منهم من يزيد على ذلك.
وفي «الموطأ» من حديث زيد بن خالد الجهني: " أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله (يعني وهو يريد أن رسول الله يقضي له كما وقع التصريح في رواية الليث بن سعد في «البخاري» أن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله فقال: أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله).
وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم (يريد لا تقض له علي فأذَنْ لي أن أبين) فقال رسول الله تكلم..
" الخ.
وليس المراد بقول ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ خصوص هذين اللفظين بل المراد لفظهما أو مرادفهما للتسامح في مفعول فعل القول أن لا يحكى بلفظه كما هو مشهور.
وإنما خص هذان اللفظان بالذكر هنا من أجل أنهما كلمة مشهورة تقال في مثل هذه الحالة وهي مما جرى مجرى المثل كما يقال أيضاً «سمع وطاعة» بالرفع و«سمعاً وطاعة» بالنصب، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ في سورة [النساء: 46].
وفي حديث أبي هريرة: «قال النبي للأنصار: تكفوننا المؤونة ونَشْرِكُكم في الثمرة.
فقال الأنصار: سمعنا وأطعنا».
و ﴿ قول المؤمنين ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ و ﴿ أن يقولوا ﴾ هو اسم ﴿ كان ﴾ وقدم خبر كان على اسمها متابعة للاستعمال العربي لأنهم إذا جاؤوا بعد ﴿ كان ﴾ بأن والفعل لم يجيئوا بالخبر إلا مقدماً على الاسم نظراً إلى كون المصدر المنسبك من أن والفعل أعرفَ من المصدر الصريح، ولم يجيئوا بالخبر إلا مقدماً كراهية توالي أداتين وهما: ﴿ كان ﴾ و ﴿ أن ﴾ .
ونظائر هذا الاستعمال كثيرة في القرآن.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ في سورة [آل عمران: 147].
وجيء في وصف المؤمنين بالفلاح بمثل التركيب الذي وصف به المنافقون بالظلم بصيغة القصر المؤكد ليكون الثناء على المؤمنين ضداً لمذمة المنافقين تاماً.
واعلم أن القصر المستفاد من ﴿ إنما ﴾ هنا قصر إفراد لأحد نوعي القول.
فالمقصود منه الثناء على المؤمنين برسوخ إيمانهم وثبات طاعتهم في المنشط والمكره.
وفيه تعريض بالمنافقين إذ يقولون كلمة الطاعة ثم ينقضونها بضدها من كلمات الإعراض والارتياب.
ونظير هذه الآية في طريق قصر ب (إلاّ) قوله تعالى: ﴿ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴾ في سورة [آل عمران: 147].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في بِشْرٍ، رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ودَعاهُ بِشْرٌ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ لِأنَّ الحَقَّ إذا كانَ مُتَوَجِّهًا عَلى المُنافِقِ إلى غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ لِيَسْقُطَ عَنْهُ، وإذا كانَ لَهُ حاكِمٌ إلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ مِنهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وَقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ مِن بَنِي أُمَيَّةَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ خُصُومَةٌ في ماءٍ وأرْضٍ فامْتَنَعَ المُغِيرَةُ أنْ يُحاكِمَ عَلِيًّا إلى رَسُولِ اللَّهِ وقالَ: إنَّهُ يُبْغِضُنِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
﴿ وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طائِعِينَ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: خاضِعِينَ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: مُسْرِعِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: مُقْرِنِينَ، قالَهُ الأخْفَشُ وفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن دُعِيَ إلى حاكِمٍ فَعَلَيْهِ الإجابَةُ ويُحْرَجُ إنْ تَأخَّرَ.
وَقَدْ رَوى أبُو الأشْهَبِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن دُعِيَ إلى حاكِمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ» .
ثُمَّ قالَ: ﴿ أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شِرْكٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: نِفاقٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ أمِ ارْتابُوا ﴾ أيْ شَكُّوا ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في عَدْلِ رَسُولِ اللَّهِ .
الثّانِي: في نُبُوَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ﴾ قال: أناس من المنافقين، أظهروا الإِيمان والطاعة، وهم في ذلك يصدون عن سبيل الله، وطاعته، وجهاد مع رسوله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن الرجل كان يكون بينه وبين الرجل خصومة، أو منازعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا دعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محق أذعن وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض وقال: انطلق إلى فلان فأنزل الله: ﴿ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ﴾ إلى قوله: ﴿ هم الظالمون ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان بينه وبين أخيه شيء فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له» .
وأخرج الطبراني عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الآية (١) قال الفراء: ليس هذا بخبر (٢) (٣) (٤) (٥) وقال مقاتل: يقولوا سمعنا قول النبي وأطعنا أمره (٦) وقال ابن عباس: وإن كان ذلك فيما يكرهون (٧) (٨) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ قال ابن عباس: فيما ساءه وسرّه (٩) وقال مقاتل: في أمر الحكم ﴿ وَيَخْشَ اللَّهَ ﴾ في ذنوبه التي عملها ﴿ وَيَتَّقْهِ ﴾ فيما تعبد (١٠) (١١) والمعنى: يتقي عذاب الله بطاعته (١٢) وفي (يتقه) وجوه من القراءات: أحدها: (يتَّقهي) موصولة بياء (١٣) وروى قالون (١٤) (١٥) (١٦) وقرأ أبو عمرو: (ويتَّقه) جزمًا (١٧) (١٨) وقد حكى سيبويه (١٩) (٢٠) (٢١) وروى حفص عن عاصم (ويتقه) ساكنة القاف مكسورة الهاء مختلسه (٢٢) ووجهه أن (تقه) من (يتقه) بمنزلة: كتف، فكما (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقال ابن الأنباري (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) ومن يتَّق فإنَّ الله معه ...
ورزق الله منتاب (٣١) وقال مقاتل بن سليمان وغيره (٣٢) - أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فأنزل الله فيما حلفوا قوله تعالى: (١) "تفسير مقاتل" 2/ 40 أ.
(٢) في (أ): (الحبر) في الموضعين.
(٣) في (أ): (الحبر) في الموضعين.
(٤) (عنه): ساقطة من (ع).
(٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 258.
(٦) "تفسير مقاتل" 2/ 40 أ.
(٧) في (ظ)، (ع): (يكرهونه).
(٨) ذكره عنه القرطبي 12/ 294.
(٩) ذكره عنه البغوي 6/ 56.
وذكره الرازي 24/ 22 من غير نسبة.
(١٠) في (أ): (يعبد)، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير مقاتل".
(١١) "تفسير مقاتل" 2/ 40 أ.
(١٢) هذا قول الطبري 14/ 157 بنصِّه.
(١٣) وهذه قراءة جمهور القراء.
"السبعة" ص 457، "التَّبصرة" ص 274، "التيسير" ص 163.
(١٤) هو: عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى، الزرقي مولى بني زهرة، أبو موسى، الملقب بقالون.
قارئ المدينة في زمانه ونحويّهم.
يقال إنَّه ربيب نافع، وقد اختص به كثيرًا، وهو الذي سمَّاه قالون لجودة قراءته، وهي لفظة رومية معناه: جيّد.
وانقطع لإقراء القرآن والعربية، وطال عمره وبعد صيته.
توفي سنة 120 هـ.
"معرفة القراء الكبار" للذهبي 1/ 155، "غاية النهاية" 1/ 615، "شذرات الذهب" 2/ 48.
(١٥) انظر: "السبعة" ص 457، "التبصرة" ص 274، "التيسير" ص 163.
(١٦) هكذا في جميع النسخ، وفي "الحجّة": دخلت.
(١٧) انظر: "السبعة" ص 457، "التبصرة" ص 274، "التيسير" ص 162.
(١٨) في "الحجة": زائدة.
(١٩) "الكتاب": 4/ 198.
(٢٠) في (ظ)، (ع): (آية).
(٢١) في "الحجة": فكما.
(٢٢) انظر: "السبعة" ص 458، "التبصرة" ص 274، "التيسير" ص 163.
(٢٣) في (ظ)، (ع): (فلما)، والمثبت من (أ) والحجة.
(٢٤) في (ع): (سكن).
(٢٥) في (أ): (يقه).
(٢٦) من قوله: (يتقهي) موصولة ..
إلى هنا.
نقلاً عن "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 327 - 329 مع تقديم وتأخير واختلاف يسير.
== وانظر أيضًا في "توجيه القراءات": "علل القراءات السبع" لابن خالويه 2/ 111 - 113، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 503 - 504، "الكشف" لمكي 2/ 140 - 142.
(٢٧) ذكر ابن خالويه في "علل القراءات" 2/ 113 هذا القول باختصار مع البيت، ولم ينسبه لأحد.
وابن خالويه يروي عن ابن الأنباري.
(٢٨) أي توهّم أنَّها لام الفعل فتُسكن للجزم.
(٢٩) (الياء): ساقطة من (ع).
(٣٠) لم أجده في كتابه "معاني القرآن".
ويظهر أنه من تمام كلام ابن الأنباري.
والبيت بلا نسبة في "الخصائص" لابن جني 1/ 306، والصاحبي في "فقه اللغة" لابن فارس ص 48، و"شرح شواهد الشافية" ص 228، و"لسان العرب" 1/ 218 (أوب) 15/ 402 (وقي) والرواية عندهم: (مؤتاب) في موضع (منتاب).
وصدر البيت في "همع الهوامع" 1/ 79 بلا نسبة.
(٣١) هكذا في جميع النسخ، وفي بقية المصادر التي ذكرت البيت: مؤتاب.
(٣٢) "تفسير مقاتل" 2/ 40 ب.
وذكر الثعلبي 3/ 88 أنحوه بغير سند.
وروى ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 6/ 214 عن ابن عباس نحو هذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين ﴾ الآية.
معناه إنما الواجب أن يقول المؤمنون: سمعنا وأطعنا إذا دعوا إلى الله ورسوله، وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى شرعه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.
وأبو عمرو طريق الهاشمي.
بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.
الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.
﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.
الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.
التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.
وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.
قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.
قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.
ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.
عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله للعمل بها.
ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.
قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.
وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.
ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.
ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.
وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.
وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.
وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.
﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.
وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.
ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟
فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.
وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله والإخلاص له.
﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.
قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.
واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي ؟
والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟
وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.
من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.
وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.
وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.
وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.
ثم إنه هل يشكل الإماء؟
فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.
عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.
ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.
ومنهم من قال للوجوب.
ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.
قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.
إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.
ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.
وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.
قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.
وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.
وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.
يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.
ثم انطلق معه إلى النبي فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.
ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.
ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.
ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟
اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
وعن بعض السلف ويروى عن علي أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.
وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.
وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.
﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.
ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.
وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.
وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".
والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.
واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.
وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.
وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.
ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.
ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.
قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.
وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.
قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.
والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.
وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟
قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.
فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.
قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.
وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.
ثم إنه عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟
والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.
وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.
وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.
وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.
الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.
وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.
وعن جعفر الصادق بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.
قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.
احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.
فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.
واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.
فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.
وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.
وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.
وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.
وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.
والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.
ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.
وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.
وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.
وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.
ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.
ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.
"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟
قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.
قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .
قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.
والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.
فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.
قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.
وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.
وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول ويشعب عليه رأيه.
قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.
وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.
قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.
ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.
وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.
وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.
وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله في الاستئذان.
ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.
هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.
وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.
والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.
وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.
وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.
قال مقاتل: هذا في الخطبة.
وقال مجاهد: في صف القتال.
وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.
ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.
وعن جعفر بن محمد : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.
وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.
واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.
ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.
ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.
تأكيد الوجوب الحذر.
قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.
وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.
والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر ﴾ .
التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.
﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.
﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.
فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.
قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.
﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.
قوله: ﴿ لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ...
﴾ الآية؛ قد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: إنه وقعت بين علي بن أبي طالب وبين عثمان - - خصومة في أرض اشتراها عثمان من علي، فاختصما إلى رسول الله في تلك، فقضى لعلي على عثمان، وألزمه الأرض، فقال قوم لعثمان: إنه ابن عمه وأكرم عليه فقضى عليك له، أو نحو هذا من الكلام، فنزل في قوم عثمان ذلك ...
إلى آخر ما ذكر.
لكن هذا بعيد؛ إذ لا يحتمل أن يكون عثمان أو قومه يخطر ببالهم في رسول الله ما ذكر.
وقال بعضهم: نزل هذا في بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشراً إلى رسول الله، ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف، فقال: إن محمداً يحيف علينا، أو نحوه من الكلام؛ فنزل هذا؛ لكنا لا نعلم أنه فيمن نزل سوى أن فيه بياناً أنها إنما نزلت في المنافقين.
وفي ظاهر الآية دلالة أنهم علموا أن رسول الله لا يقضي إلا بالحق؛ ألا ترى أنه ذكر في آخره: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ مسرعين مطيعين، ولو كان عندهم أنه يقضي بالجور لكانوا لا يأتونه للقضاء، وإن كان الحق لهم مخافة الجور والظلم عليهم، لكن ما ذكر في سياق هذا يمنع هذا التأويل.
وقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ في هذا من الدلالة أن عندهم أنه لا يقضي بالحق لهم، وأنه يجور؛ حيث قال: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ إن كان على هذا الوصف فهو يخاف جوره وحيفه، إلا أن تجعل الآية في فرق من المنافقين: فرقة منهم عرفوا أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم كان في قلوبهم مرض، وفرقة ارتابوا، وفرقة خافوا جوره، وهم كانوا فرقاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ ﴾ ومنهم من قال: كذا، ومنهم من قال: كذا.
أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: وإن يكن لهم القضاء بالحق أتوه مذعنين؛ أي: إذا عرفوا أنه يقضي لهم لا محالة أتوه، وإلا لا يأتونه، فإن كان على هذا، فما ذكر على سياقه من المرض والارتياب والخوف في الحيف فمستقيم.
على هذين الوجهين يحتمل أن يخرج تأويل الآية، وأما على غير ذلك فإنا لا نعلم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لأن من ارتاب، أو شك في رسالته، أو خاف جوره وحيفه فهو كافر، ليس بمؤمن.
وفي قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ ﴾ يخرج على وجهين وإن كان ظاهره حرف شك: أحدهما: على الإيجاب والتحقيق، أي: في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا على ما ذكرنا في حرف الاستفهام أنه في الظاهر، وإن كان استفهاماً فهو في التحقيق علم وإيجاب؛ أي: قد علمت ورأيت ونحوه؛ لما لا يجوز الاستفهام منه، فعلى ذلك هذا.
والثاني: ما ذكرنا أنه في فرق: فرقة عرفت أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم ارتابت، وفرقة منهم خافت جوره وظلمه.
قال القتبي: قوله: ﴿ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: خاضعين.
وقال أبو عوسجة: مسرعين، مطيعين؛ يقال: ناقة مذعان: أي سريعة، ونوق مذاعين، والحيف: الجور، حاف يحيف حيفاً فهو حائف.
وقوله: ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل إضافة الدعاء إلى الله وجهين: أحدهما: دعوا إلى كتاب الله وإلى رسوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ .
والثاني: إضافته إلى الله هي إضافة إلى رسوله، كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ جعل طاعة الرسول طاعة لله؛ فعلى ذلك جائز أن يراد بإضافة الدعاء إلى الله دعاء إلى رسول الله، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ لا يحتمل أن يكونوا يخافون حيف الله وجوره، لكن إنما يخافون جور رسوله أو كتابه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قد ذكرنا إضافة الدعاء إلى الله في قصّة المنافقين ونعتهم، فعلى ذلك في نعت المؤمنين.
وقوله: ﴿ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ يحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ أي: سمعنا الدعاء وأطعنا الأمر.
ويحتمل: سمعنا: أجبنا وأطعنا الأمر.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ليس على حقيقة القول منهم والنطق به، ولكن إخبار من الله - - عما هم عليه واعتقدوا به؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل اعتقاده طاعة الله وطاعة رسوله، فيكون كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ﴾ هذا أخبار عما أطعموهم، ليس أنهم قالوا باللسان: إنما نطعمكم لكذا، ولكن إخبار عما في قلوبهم، فعلى ذلك الأوّل.
وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ المفلح هو الذي يظفر بحاجته دنيوية وأخروية؛ يقال: فلان أفلح: أي: ظفر بحاجته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَيَخْشَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخشى الله على ما مضى من ذنوبه ويتقيه فيما بقي من عمره.
أو يخشى الله على ما يكون منه من التقصير والتفريط ويتقي ذلك وكل معصية الله ومخالفته ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون ﴾ وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة (فأولئك هم المؤمنون) فهما واحد.
وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ قال بعضهم: كل يمين بالله فهي جهد اليمين؛ لأنهم من عاداتهم أنهم كانوا لا يحلفون بالله إلا في العظيم من الأمر والخطير، فأمّا الأمر الدون فإنما يحلفون بغيره، فيكون على هذا كل يمين بالله فهو جهد اليمين.
ويحتمل أن يكونوا حلفوا بيمين غليظة شديدة على ما يغلظ الناس في أيمانهم ربّما، فسمي ذلك جهد اليمين.
أو أن يكون جهد اليمين ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ هو جهد أيمانهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ﴾ يحتمل وجوهاً: لئن أمرتهم ليخرجن من أرضهم التي تخاصموا إليه فيها؛ أي: ليخرجن ويسلمونها إلى خصمهم.
ويحتمل: لئن أمرتهم ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من جميع أملاكهم وما تحويه أيديهم، تعظيماً لأمرك وإجلالا، فكيف لا يتبعون لقضائك وينقادون لحكمك.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من المدينة بعيالاتهم وجميع حواشيهم إلى بلدة أخرى.
وقال بعضهم: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ أي: أمرتهم أن يخرجوا في الجهاد ليخرجن؛ لأنهم كانوا يتخلّفون.
ثم أمر رسوله أن ينهاهم عن القسم الذي أقسموا فقال: ﴿ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: لا تقسموا؛ فإن الله لو بلغ منكم الجهد لهم تبلغوه، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: أطيعوه وقولوا له المعروف.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ﴾ تم الكلام، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ .
وفي هذا الكلام حذف؛ للإيجاز يستدل بظاهره عليه؛ كأن القوم كانوا ينافقون ويحلفون في الظاهر على ما يضمرون خلافه، فقيل لهم: لا تقسموا هي طاعة معروفة صحيحة لا نفاق فيها، لا طاعة فيها نفاق.
وقال بعضهم: لا تحلفوا، ولتكن هذه منكم للنبيّ طاعة معروفة حسنة.
وقال بعضهم: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: طاعة يعرف أنها طاعة بالقول والعمل، لا تكونوا كاذبين فيها بالقول دون العمل، وبعضه قريب من بعض: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ فلا تقسموا.
وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم كانوا يسرون ويضمرون فيما بينهم التولي والإعراض عن حكمه، ثم أخبرهم بذلك؛ فعلموا أنه بالله عرف ذلك.
وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أي: فإن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ قال: فإنما على النبي ما أمر بتبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم وأمرتم من الطاعة لله ورسوله.
ويحتمل: فأنما عليه أداء ما حمل من الفرائض، وعليكم أداء ما حملتم وأمرتم من الفرائض.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ ﴾ أي: لا يسأل هو، ولا يؤاخذ بما عليكم، ولا تسألون أنتم ولا تؤاخذون - أيضاً - بما عليه؛ إنما يسأل كل عما عليه؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ﴾ لا شك أنهم إن أطاعوه اهتدوا ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
إنما كان قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله، هالى الرسول ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، وأولئك المتصفون بتلك الصفات هم الفائزون في الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.v48jm"