الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٦٠ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٠ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والقواعد من النساء ) قال سعيد بن جبير ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة ، والضحاك : هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد ، ( اللاتي لا يرجون نكاحا ) أي : لم يبق لهن تشوف إلى التزويج ، ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ) أي : ليس عليها من الحرج في التستر كما على غيرها من النساء .
قال أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثني علي بن الحسين بن واقد ، عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة عن ابن عباس : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) الآية [ النور : 31 ] فنسخ ، واستثنى من ذلك ( والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ) الآية قال ابن مسعود [ في قوله ] : ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) قال : الجلباب ، أو الرداء : وكذا روي عن ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي ، والحسن ، وقتادة ، والزهري ، والأوزاعي ، وغيرهم .
وقال أبو صالح : تضع الجلباب ، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار .
وقال سعيد بن جبير وغيره ، في قراءة عبد الله بن مسعود : " أن يضعن من ثيابهن " وهو الجلباب من فوق الخمار فلا بأس أن يضعن عند غريب أو غيره ، بعد أن يكون عليها خمار صفيق .
وقال سعيد بن جبير : ( غير متبرجات بزينة ) يقول : لا يتبرجن بوضع الجلباب ، أن يرى ما عليها من الزينة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد الله ، حدثنا ابن المبارك ، [ حدثني سوار بن ميمون ، حدثتنا طلحة بنت عاصم ، عن أم الضياء ، أنها قالت : دخلت علي عائشة ] فقلت : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في الخضاب ، والنفاض ، والصباغ ، والقرطين ، والخلخال ، وخاتم الذهب ، وثياب الرقاق؟
فقالت : يا معشر النساء ، قصتكن كلها واحدة ، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات .
أي : لا يحل لكن أن يروا منكن محرما .
وقال السدي : كان شريك لي يقال له : " مسلم " ، وكان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان ، فجاء يوما إلى السوق وأثر الحناء في يده ، فسألته عن ذلك ، فأخبرني أنه خضب رأس مولاته - وهي امرأة حذيفة - فأنكرت ذلك .
فقال : إن شئت أدخلتك عليها؟
فقلت : نعم .
فأدخلني عليها ، فإذا امرأة جليلة ، فقلت : إن مسلما حدثني أنه خضب رأسك؟
فقالت : نعم يا بني ، إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا ، وقد قال الله في ذلك ما سمعت .
وقوله : ( وأن يستعففن خير لهن ) أي : وترك وضعهن لثيابهن - وإن كان جائزا - خير وأفضل لهن ، والله سميع عليم .
يقول تعالى ذكره: واللواتي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء، فلا يحضن ولا يلدن، واحدتهنّ قاعد ( اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا ) يقول: اللاتي قد يئسن من البعولة، فلا يطمعن في الأزواج ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) يقول: فليس عليهنّ حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهنّ، يعني جلابيبهنّ، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال، وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا ) وهي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار، وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرّج لما يكره الله وهو قوله: ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ثُمَّ قَالَ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ).
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ( يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) يعني الجلباب، وهو القناع، وهذا للكبيرة التي قد قعدت عن الولد، فلا يضرّها أن لا تجلبب فوق الخمار.
وأما كلّ امرأة مسلمة حرّة، فعليها إذا بلغت المحيض أن تدني الجلباب على الخمار، وقال الله في سورة الأحزاب يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكان بالمدينة رجال من المنافقين إذا مرت بهم امرأة سيئة الهيئة والزيّ، حسب المنافقون أنها مزنية وأنها من بغيتهم، فكانوا يؤذون المؤمنات بالرفث ولا يعلمون الحرّة من الأمة، فأنـزل الله في ذلك يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ يقول: إذا كان زيهنّ حسنا لم يطمع فيهن المنافقون.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، في قوله: ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ ) التي قعدت من الولد وكبرت.
قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: ( اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا ) قال: لا يُردنه ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) قال: جلابيبهنّ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ &; 19-217 &; النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) قال: وضع الخمار، قال: التي لا ترجو نكاحا، التي قد بلغت أن لا يكون لها في الرجال حاجة.
ولا للرجال فيها حاجة، فإذا بلغن ذلك وضعن الخمار.
غير متبرّجات بزينة، ثم قال: ( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ) كان أبي يقول هذا كله.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ذرّ، عن أبي وائل، عن عبد الله، في قوله: ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) قال: الجلباب أو الرداء، شكّ سفيان.
قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) قال: الرداء.
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله في هذه الآية ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) قال: هي الملحفة.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت أبا وائل قال: سمعت عبد الله يقول في هذه الآية ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) قال: الجلباب.
حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: أخبرني الحكم، عن أبي وائل، عن عبد الله، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، في قوله: ( أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) قال: هو الرداء.
قال الحسن، قال: عبد الرزاق، قال الثوري: وأخبرني أبو حصين وسالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير، قال: هو الرداء.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي ( أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) قال: تضع الجلباب المرأة التي قد عجزت ولم تزوّج.
قال الشعبيّ: فإن أُبيّ بن كعب يقرأ " أنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ".
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: قلت لابن أبي نجيح، قوله: ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) قال: الجلباب، قال يعقوب: &; 19-218 &; قال أبو يونس: قلت له: عن مجاهد؟
قال: نعم، في الدار والحجرة.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) قال: جلابيبهنَّ.
وقوله: ( غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) يقول: ليس عليهنّ جناح في وضع أرديتهنّ إذا لم يردن بوضع ذلك عنهنّ أن يبدين ما عليهنّ من الزينة للرجال.
والتبرّج: هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره.
وقوله: ( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ) يقول: وإن تعففن عن وضع جلابيبهنّ وأرديتهنّ، فيلبسنها خير لهنّ من أن يضعنها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ) قال: أن يلبسن جلابيبهنّ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ) قال: ترك ذلك، يعني: ترك وضع الثياب.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ) والاستعفاف: لبس الخمار على رأسها، كان أبي يقول هذا كله ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ ) ما تنطقون بألسنتكم ( عليم ) بما تضمره صدوركم، فاتقوه أن تنطقوا بألسنتكم ما قد نهاكم عن أن تنطقوا بها، أو تضمروا في صدوركم ما قد كرهه لكم، فتستوجبوا بذلك منه عقوبة.
قوله تعالى : والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليمفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : والقواعد من النساء القواعد واحدتها قاعد ، بلا هاء ؛ ليدل حذفها على أنه قعود الكبر ، كما قالوا : امرأة حامل ؛ ليدل بحذف الهاء أنه حمل حبل .
قال الشاعر :فلو أن ما في بطنه بين نسوة حبلن وإن كن القواعد عقراوقالوا في غير ذلك : قاعدة في بيتها ، وحاملة على ظهرها ، بالهاء .
والقواعد أيضا : أساس البيت واحده قاعدة ، بالهاء .الثانية : القواعد : العجز اللواتي قعدن عن التصرف من السن ، وقعدن عن الولد والمحيض ؛ هذا قول أكثر العلماء .
قال ربيعة : هي التي إذا رأيتها تستقذرها من كبرها .
وقال أبو عبيدة : اللاتي قعدن عن الولد ؛ وليس ذلك بمستقيم ، لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتع ، قاله المهدوي .الثالثة : قوله تعالى : فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة إنما [ ص: 287 ] خص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن ؛ إذ لا مذهب للرجال فيهن ، فأبيح لهن ما لم يبح لغيرهن ، وأزيل عنهم كلفة التحفظ المتعب لهن .الرابعة : قرأ ابن مسعود ، وأبي ، وابن عباس ( أن يضعن من ثيابهن ) بزيادة ( من ) قال ابن عباس : وهو الجلباب .
وروي عن ابن مسعود أيضا ( من جلابيبهن ) والعرب تقول : امرأة واضع ، للتي كبرت فوضعت خمارها .
وقال قوم : الكبيرة التي أيست من النكاح ، لو بدا شعرها فلا بأس ؛ فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار .
والصحيح أنها كالشابة في التستر ؛ إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار ، قاله ابن مسعود ، وابن جبير ، وغيرهما .الخامسة : قوله تعالى : غير متبرجات بزينة أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن ؛ فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق .
والتبرج : التكشف والظهور للعيون ؛ ومنه : بروج مشيدة .
وبروج السماء والأسوار ؛ أي لا حائل دونها يسترها .
وقيل لعائشة - رضي الله عنها - : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في الخضاب ، والصباغ ، والتمائم ، والقرطين ، والخلخال ، وخاتم الذهب ، ورقاق الثياب ؟
فقالت : يا معشر النساء ، قصتكن قصة امرأة واحدة ، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرما .
وقال عطاء : هذا في بيوتهن ، فإذا خرجت فلا يحل لها وضع الجلباب .
وعلى هذا غير متبرجات غير خارجات من بيوتهن .
وعلى هذا يلزم أن يقال : إذا كانت في بيتها فلا بد لها من جلباب فوق الدرع ، وهذا بعيد ، إلا إذا دخل عليها أجنبي .
ثم ذكر تعالى أن تحفظ الجميع منهن ، واستعفافهن عن وضع الثياب ، والتزامهن ما يلزم الشباب أفضل لهن وخير .
وقرأ ابن مسعود ( وأن يتعففن ) بغير سين .
ثم قيل : من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها .
روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا .
قال ابن العربي : وإنما [ ص: 288 ] جعلهن كاسيات لأن الثياب عليهن ، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رق يصفهن ، ويبدي محاسنهن ؛ وذلك حرام .قلت : هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى .
والثاني : أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه : ولباس التقوى ذلك خير .
وأنشدوا :إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسياوخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصياوفي صحيح مسلم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي ، وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ، ومنها ما دون ذلك ، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا : ماذا أولت ذلك يا رسول الله ؟
قال : الدين .
فتأويله - صلى الله عليه وسلم - القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى : ولباس التقوى ذلك خير .
والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب ؛ كما قال شاعرهم [ هو امرؤ القيس ] :ثياب بني عوف طهارى نقية وأوجههم عند المشاهد غرانوقد قال صلى الله عليه وسلم - لعثمان : إن الله سيلبسك قميصا فإن أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه .
فعبر عن الخلافة بالقميص ، وهي استعارة حسنة معروفة .قلت : هذا التأويل أصح التأويلين ، وهو اللائق بهن في هذه الأزمان ، وخاصة الشباب ، فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات ؛ فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى حقيقة ، ظاهرا وباطنا ، حيث تبدي زينتها ، ولا تبالي بمن ينظر إليها ، بل ذلك مقصودهن ، وذلك مشاهد في الوجود منهن ، فلو كان عندهن شيء من التقوى لما فعلن ذلك ، ولم يعلم أحد ما هنالك .
ومما يقوي هذا التأويل ما ذكر من وصفهن في بقية الحديث في قوله : رؤسهن كأسنمة البخت .
والبخت ضرب من الإبل عظام الأجسام ، عظام الأسنمة ؛ شبه رءوسهن بها لما رفعن [ ص: 289 ] من ضفائر شعورهن على أوساط رءوسهن .
وهذا مشاهد معلوم ، والناظر إليهن ملوم .
قال صلى الله عليه وسلم - : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء .
خرجه البخاري .
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ أي: اللاتي قعدن عن الاستمتاع والشهوة { اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا ْ} أي: لا يطمعن في النكاح، ولا يطمع فيهن، وذلك لكونها عجوزا لا تشتهى، أو دميمة الخلقة لا تشتهي ولا تشتهى { فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ ْ} أي: حرج وإثم { أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ْ} أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه، الذي قال الله فيه للنساء: { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ْ} فهؤلاء، يجوز لهن أن يكشفن وجوههن لآمن المحذور منها وعليها، ولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما توهم منه جواز استعمالها لكل شيء، دفع هذا الاحتراز بقوله: { غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ْ} أي: غير مظهرات للناس زينة، من تجمل بثياب ظاهرة، وتستر وجهها، ومن ضرب الأرض برجلها، ليعلم ما تخفي من زينتها، لأن مجرد الزينة على الأنثى، ولو مع تسترها، ولو كانت لا تشتهى يفتن فيها، ويوقع الناظر إليها في الحرج { وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ْ} والاستعفاف: طلب العفة، بفعل الأسباب المقتضية لذلك، من تزوج وترك لما يخشى منه الفتنة، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ ْ} لجميع الأصوات { عَلِيمٌ ْ} بالنيات والمقاصد، فليحذرن من كل قول وقصد فاسد، وليعلمن أن الله يجازي على ذلك.
قوله تعالى : ( والقواعد من النساء ) يعني اللاتي قعدن عن الولد والحيض من الكبر ، لا يلدن ولا يحضن ، واحدتها " قاعد " بلا هاء .
وقيل : قعدن عن الأزواج ، وهذا معنى قوله : ( اللاتي لا يرجون نكاحا ) أي : لا يردن الرجال لكبرهن ، قال ابن قتيبة : سميت المرأة قاعدا إذا كبرت ، لأنها تكثر القعود .
وقال ربيعة الرأي : هن العجز ، اللائي إذا رآهن الرجال استقذروهن ، فأما من كانت فيها بقية من جمال ، وهي محل الشهوة ، فلا تدخل في هذه الآية ، ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) عند الرجال ، يعني : يضعن بعض ثيابهن ، وهي الجلباب والرداء الذي فوق الثياب ، والقناع الذي فوق الخمار ، فأما الخمار فلا يجوز وضعه ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأبي بن كعب : " أن يضعن من ثيابهن " ، ( غير متبرجات بزينة ) أي : من غير أن يردن بوضع الجلباب ، والرداء إظهار زينتهن ، والتبرج هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تتنزه عنه .
) ( وأن يستعففن ) فلا يلقين الجلباب والرداء ، ( خير لهن والله سميع عليم )
«والقواعد من النساء» قعدن عن الحيض والولد لكبرهن «اللاتي لا يرجون نكاحا» لذلك «فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن» من الجلباب والرداء والقناع فوق الخمار «غير متبرجات» مظهرات «بزينة» خفيفة كقلادة وسوار وخلخال «وأن يستعففن» بأن لا يضعنها «خير لهن والله سميع» لقولكم «عليم» بما في قلوبكم.
والعجائز من النساء اللاتي قعدن عن الاستمتاع والشهوة لكبرهن، فلا يطمعن في الرجال للزواج، ولا يطمع فيهن الرجال كذلك، فهؤلاء لا حرج عليهن أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء الذي يكون فوق الثياب غير مظهرات ولا متعرضات للزينة، ولُبْسهن هذه الثياب - سترًا وتعففًا- أحسن لهن.
والله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأعمالكم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء اللاتى بلغن سن اليأس ، فقال : ( والقواعد مِنَ النسآء اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ .
.
.
) .والقواعد : جمع قاعدة - بغير تاء - لاختصاص هذه الكلمة بالنساء كحائض وطامث .وقالوا : سميت المرأة العجوز بذلك ، لأنها تكثر القعود لكبر سنها .أى : والنساء العجائز اللاتى قعدن عن الولد أو عن الحيض ، ولا يطمعن فى الزواج لكبرهن ، فليس على هؤلاء النساء حرج أن ينزعن عنهن ثيابهن الظاهرة ، والتى لا يفضى نزعها إلى كشف عورة ، أو إظهار زينة أمر الله - تعالى - بسترها .فقوله - سبحانه - : ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ) بيان لمظهر من مظاهر التيسير فى شريعة الإسلام ، لأن المرأة العجوز إذا تخففت من بعض ثيابها التى لا يفضى التخفف منها إلى فتنة أو إلى كشف عورة .
.
.
فلا بأس بذلك ، لأنها - فى العادة - لا تتطلع النفوس إليها ، وذلك بأن تخلع القناع الذى يكون فوق الخمار ، والرداء الذى يكون فوق الثياب .وقوله - تعالى - ( غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ ) حال .
وأصل التبرج : التكلف والتصنع فى إظهار ما يخفى ، من قولهم سفينة بارجة أى : لا غطاء عليها .والمراد به هنا : إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الذين لا يصح لهم الاطلاع عليها .أى : لا حرج على النساء القواعد من خلع ثيابهن الظاهرة ، حال كونهن غير مظهرات للزينة التى أمرهن الله - تعالى - بإخفائها ، وغير قاصدات بهذا الخلع لثيابهن الظاهرة التبرج وكشف ما أمر الله - تعالى - بستره .وقوله - سبحانه - : ( وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ) أى : وأن يبقين ثيابهن الظاهرة عليهن بدون خلع ، خير لهن ، وأطهر لقلوبهن ، وأبعد عن التهمة ، وأنفى لسوء الظن بهن .وسمى الله - تعالى - إبقاء ثيابهن عليهن استعفافا .
أى : طلبا للعفة ، للإشعار بأن الاحتشام والتستر .
.
.
خير للمرأة حتى ولو كانت من القواعد .وقوله - تعالى - ( والله سَمِيعٌ عِلِيمٌ ) أى : سميع لكل ما من شأنه أن يُسمع ، عليم بأحوال النفوس وحركاتها وسكناتها .وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة ، قد بينت للناس أقوم المناهج ، وأسمى الآداب ، وأفضل الأحكام التى باتباعها يسعد الأفراد والجماعات .
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ﴾ الكل ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ لأن ذلك يقال في الرجال والنساء والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي، وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق الأولى، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف.
المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ يدخل فيه البالغون والصغار، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الصغار، واحتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه، قال ابن المسيب: لا يغرنكم قوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيء من محاسنها، وقال الآخرون: بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله، وظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن ودخول الموالي عليهم بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين في الاستئذان في سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ إن أريد به العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمراً لهم في الحقيقة، وإن أريد ﴿ الذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم ﴾ لم يجز أن يكون أمراً لهم، ويجب أن يكون أمراً لنا بأن نأمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي، وقد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان في الظاهر متوجهاً عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجهاً على المولى كقولك للرجل: ليخفك أهلك وولدك، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده.
المسألة الرابعة: قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائماً في البيت فدفع الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب وقام من خلفه وحركه فلم يستيقظ فقال الغلام اللهم أيقظه لي ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام فانكشف من عمر شيء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزل عليه ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ فحمد الله تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام وما ذاك يا عمر؟
فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه، وقال: إن الله يحب الحليم الحي العفيف المتعفف، ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر.
وقال بعضهم: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد، وقيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية.
المسألة الخامسة: قال ابن عمر ومجاهد قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ﴾ عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ صيغة الذكور لا صيغة الإناث، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال بالليل والنهار، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء، لأن الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً اطلاع النساء عليها ولكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه.
المسألة السادسة: من العلماء من قال الأمر في قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ﴾ على الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب.
أما قوله تعالى: ﴿ والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عمر ﴿ الحلم ﴾ بالسكون.
المسألة الثانية: اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازي قوله تعالى: ﴿ والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ﴾ يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة: رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضاً بثماني عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنياً على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه، وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة، وقد بينا أن الزيادة على المعتاد جائزة كالنقصان منه فجعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان، وهي ثلاث سنين، وقد حكى عن أبي حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام، وهو محمول على استكمال ثماني عشرة سنة والدخول في التاسعة عشرة.
حجة الشافعي رحمه الله ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحداً كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة؟
ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته ولطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن الاحتلام والسن.
البحث الثاني: اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغاً، فأبو حنيفة وأصحابه ما جعلوه بلوغاً والشافعي رحمه الله جعله بلوغاً، قال أبو بكر الرازي رحمه الله ظاهر قوله: ﴿ والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ﴾ ينفي أن يكون الإنبات بلوغاً إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغاً وكذلك قوله عليه السلام وعن الصبي حتى يحتلم حجة الشافعي رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقاني قال أبو بكر الرازي هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه: أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية، والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام.
وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، وفي بعضها من اخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير، فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا من السن وهي ثماني عشرة سنة فأكثر.
وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذاك لا للبلوغ، قال الشافعي رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره؟
وهدا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة.
البحث الثالث: ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار، روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه، وعن ابن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** وسما فأدرك خمسة الأشبار وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً، وفوق البلوغ ويكون قصيراً فلا عبرة به.
المسألة الثالثة: قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال عليه السلام: «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر».
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: نعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها، وعن ابن مسعود رضي الله عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم، ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر، وقال الله تعالى: ﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم.
المسألة الرابعة: قال الأخفش: يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام، يحلم حلماً بضم اللام، ومن الحلم حلم بضم اللام، يحلم حلماً بكسر اللام.
أما قوله تعالى: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مّنَ الظهيرة وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ﴾ يعني ثلاث أوقات، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة، ثم بين الأوقات فقال: ﴿ مّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مّنَ الظهيرة وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء ﴾ ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجرداً عن الثياب مكشوف العورة.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ قرأ أهل الكوفة: ﴿ ثلاث ﴾ بالنصب على البدل من قوله: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ﴾ وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع أي: هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف.
المسألة الثالثة: العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها.
المسألة الرابعة: الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين: أحدهما: بقوله تعالى: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ والثاني: بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات.
المسألة الخامسة: من الناس من قال إن قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا ﴾ فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وصار ذلك منسوخاً بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن، وفي بعضها بغير إذن.
فلا وجه لحمل ذلك على النسخ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلاً، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم، قلنا لا يجب ذلك أيضاً، لأن قوله: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة، وإذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء، فلا يجب النسخ أيضاً على هذا القول، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين.
المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رحمه الله: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحداً يعمل بهن، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة، وقرأ هذه الآية وقوله: ﴿ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى ﴾ وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى ﴾ الآية.
أما قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: أتقولون في قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ ﴾ أنه يقتضي الإباحة على كل حال؟
الجواب: قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضاً.
السؤال الثاني: فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم؟
الجواب: لا وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضاً إذا ظن أن هناك كشف عورة، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته؟
قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال.
وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة غيره على ما تقدم ذكره.
السؤال الثالث: أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم؟
الجواب: نعم وفي قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ دلالة عى أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره وقد نص تعالى على ذلك من بعد فقال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ والمراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم بلوغه في وجوب الاستئذان، فهذا معنى قوله: ﴿ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وقد يجوز أن يظن ظان أن من خدم في حال الصغر، فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك، فبين تعالى أنه كما حظر على البالغين الدخول إلا بالاستئذان فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن.
السؤال الرابع: الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك ومن لم يبلغ الحلم أو يتناول الكل من ذوي الرحم؟
والأجنبي أيضاً لو كان المملوك من ذوي الرحم هل يجب عليه الاستئذان؟
الجواب: أما الصورة الأولى فنعم، إما لعموم قوله تعالى: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ أو بالقياس على المملوك، ومن لم يبلغ الحلم بطريق الأولى، وأما الصورة الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية.
السؤال الخامس: ما محل ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؟
الجواب: إذا رفعت ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ كان ذلك في محل الرفع على الوصف، والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
السؤال السادس: ما معنى قوله: ﴿ طَوافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؟
الجواب: قال الفراء والزجاج إنه كلام مستأنف كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد، وأصله من الطواف، والمعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن.
السؤال السابع: بم ارتفع ﴿ بَعْضُكُمْ ﴾ ؟
الجواب: بالابتداء وخبره ﴿ على بَعْضٍ ﴾ على معنى طائف على بعض، وإنما حذف لأن ﴿ طَوفُونَ ﴾ يدل عليه.
أما قوله: ﴿ والقواعد مِنَ النساء الاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت: امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض والجمع قواعد، وإذا أردت القعود قلت قاعدة، وقال المفسرون: القواعد هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع لهن في الأزواج، والأولى أن لا يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع والرغبة فيهن باقية، فالمراد قعودهن عن حال الزوج، وذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال.
المسألة الثانية: قوله تعالى في النساء: ﴿ لاَ يَرْجُونَ ﴾ كقوله: ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ .
المسألة الثالثة: لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة، فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب هاهنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ أَن يَضَعْنَ جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه (أن يضعن خمرهن رؤوسهن) وعن بعضهم أنه قرأ (أن يضعن من ثيابهن)، وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن، وقد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب ولذلك قال: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة.
المسألة الرابعة: حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها، والبرج سعة العين التي يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.
<div class="verse-tafsir"
القاعد: التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ لا يطمعن فيه: والمراد بالثياب الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار ﴿ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ ﴾ غير مظهرات زينة، يريد: الزينة الخفيفة التي أرادها في قوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ [النور: 31] أو غير قاصدات بالوضع التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه.
والاستعفاف من الوضع خير لهنّ لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب، بعثاً منه عن اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [البقرة: 237] ، ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [البقرة: 280] .
فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟
قلت: تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم: سفينة بارج، لا غطاء عليها.
والبرج: سعة العين، يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلاّ أنه اختصّ بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.
وبدأ، وبرز بمعنى: ظهر، من أخوات: تبرج وتبلج، كذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ الَّذِينَ بَلَغُوا مِن قَبْلِهِمْ في الأوْقاتِ كُلِّها، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن أوْجَبَ اسْتِئْذانَ العَبْدِ البالِغِ عَلى سَيِّدَتِهِ، وجَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المَعْهُودُونَ الَّذِينَ جُعِلُوا قَسِيمًا لِلْمَمالِيكِ فَلا يَنْدَرِجُونَ فِيهِمْ.
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ.
﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ ﴾ العَجائِزُ اللّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والحَمْلِ.
﴿ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا ﴾ لا يَطْمَعْنَ فِيهِ لِكِبَرِهِنَّ.
﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ ﴾ أيِ الثِّيابَ الظّاهِرَةَ كالجِلْبابِ، والفاءُ فِيهِ لِأنَّ اللّامَ في ( القَواعِدُ ) بِمَعْنى اللّاتِي أوْ لِوَصْفِها بِها.
﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ غَيْرَ مُظْهِراتٍ زِينَةً مِمّا أُمِرْنَ بِإخْفائِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ وأصْلُ التَّبَرُّجِ التَّكَلُّفُ في إظْهارِ ما يَخْفى مِن قَوْلِهِمْ: سَفِينَةٌ بارِجَةٌ لا غِطاءَ عَلَيْها، والبَرَجُ سِعَةُ العَيْنِ بِحَيْثُ يُرى بَياضُها مُحِيطًا بِسَوادِها كُلِّهِ لا يَغِيبُ مِنهُ شَيْءٌ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِكَشْفِ المَرْأةِ زِينَتَها ومَحاسِنَها لِلرِّجالِ.
﴿ وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ مِنَ الوَضْعِ لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ.
﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِمَقالَتِهِنَّ لِلرِّجالِ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِمَقْصُودِهِنَّ.
<div class="verse-tafsir"
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)
{والقواعد} جمع قاعد لأنها من الصفات المختصة بالنساء كالطالق والحائض
النور (٦١ - ٦٠)
أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد لكبرهن {مّنَ النساء} حال {اللاتى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} يطعمن فيه وهى فى محل الرفع صفة للمبتدأ وهي القواعد والخبر {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} إثم ودخلت الفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط بسبب الألف واللام {أَن يَضَعْنَ} في أن يضعن {ثِيَابَهُنَّ} أي الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار {غَيْرِ} حال {متبرجات بِزِينَةٍ} أي غير مظهرات زينة يريد الزينة الخفية كالشعر والنحر والساق ونحو ذلك أي لا يقصدن بوضعها التبرج ولكن التخفيف وحقيقة التبرج تكلف اظهار ما يجب إخفاؤه {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} أي يطلبن العفة عن وضع الثياب فيستترن وهو مبتدأ خبره {خَيْرٌ لَّهُنَّ والله سَمِيعٌ} لما يعلن {عَلِيمٌ} بما يقصدن
﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ ﴾ أيِ العَجائِزِ وهو جَمْعٌ قاعِدٌ كَحائِضٍ وطامِثٍ فَلا يُؤَنَّثُ لِاخْتِصاصِهِ ولِذا جُمِعَ عَلى فَواعِلَ لِأنَّ التّاءَ فِيهِ كالمَذْكُورَةِ أوْ هو شاذٌّ، قالَ ابْنُ السُّكَيْتِ: امْرَأةٌ قاعِدٌ قَعَدَتْ عَنِ الحَيْضِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَتِ العَجائِزُ قَواعِدَ لِأنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ القُعُودَ لِكِبَرِ سِنِّهِنَّ، وقالَ ابْنُ رَبِيعَةَ: لِقُعُودِهِنَّ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ حَيْثُ أيِسْنَ ولَمْ يَبْقَ لَهُنَّ طَمَعٌ في الأزْواجِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ لا يَطْمَعْنَ فِيهِ لِكِبَرِهِنَّ صِفَةً كاشِفَةً ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ ﴾ أيِ الثِّيابِ الظّاهِرَةِ الَّتِي لا يُفْضِي وضْعُها لِكَشْفِ العَوْرَةِ كالجِلْبابِ والرِّداءِ والقِناعِ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ قالَ: في مُصْحَفِ أبِيّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جَناحٌ أنْ يَضَعْنَ جَلابِيبِهِنَّ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ كَذَلِكَ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ اقْتَصَرَ بَعْضٌ في تَفْسِيرِ الثِّيابِ عَلى الجِلْبابِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ ( القَواعِدُ ) والفاءُ إمّا لِأنَّ اللّامَ في القَواعِدِ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى اللّاتِي وإمّا لِأنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالمَوْصُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ حالٌ، وأصْلُ التَّبَرُّجِ التَّكَلُّفُ في إظْهارِ ما يَخْفى مِن قَوْلِهِمْ: سَفِينَةٌ بارِجٌ لا غِطاءَ عَلَيْها، والبُرْجَ سِعَةُ العَيْنِ بِحَيْثُ يُرى بَياضُها مُحِيطًا بِسَوادِها كُلِّهِ لا يَغِيبُ مِنهُ شَيْءٌ، وقِيلَ: أصْلُهُ الظُّهُورُ مِنَ البُرْجِ أيِ القَصْرِ ثُمَّ خَصَّ بِأنْ تَتَكَشَّفَ المَرْأةُ لِلرِّجالِ بِإبْداءِ زِينَتِها وإظْهارِ مَحاسِنِها، ولَيْسَتِ الزِّينَةُ مَأْخُوذَةً في مَفْهُومِهِ حَتّى يُقالَ: إنَّ ذِكْرَ الزِّينَةِ مِن بابِ التَّجْرِيدِ، والظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، وقِيلَ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ لِأنَّهم يُفَسِّرُونَ التَّبَرُّجَ بِمُتَعَدٍّ، فَفي القامُوسِ تَبَرَّجَتْ أظْهَرَتْ زِينَتَها لِلرِّجالِ وفِيهِ نَظَرٌ، والمُرادُ بِالزِّينَةِ الزِّينَةُ الخَفِيَّةُ لِسَبْقِ العِلْمِ بِاخْتِصاصِ الحُكْمِ بِها ولِما في لَفْظِ التَّبَرُّجِ مِنَ الإشْعارِ، والتَّنْكِيرِ لِإفادَةِ الشِّياعِ وأنَّ زِينَةً ما وإنْ دَقَّتْ داخِلَةً في الحُكْمِ أيْ غَيْرِ مُظْهِراتٍ زِينَةٍ مِمّا أُمِرَ بِإخْفائِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ .
﴿ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ ﴾ بِتَرْكِ الوَضْعِ والتَّسَتُّرِ كالشَّوابِّ ﴿ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ مِنَ الوَضْعِ لِبُعْدِهِ مِنَ التُّهْمَةِ فَلِكُلِّ ساقِطَةٍ لاقِطَةٍ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ لِلْآيَةِ مَعْنًى اسْتَحْسَنَهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ مِن بابِ: «عَلى لا حُبَّ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ» أيْ لا مَنارَ فِيهِ فَيُهْتَدى بِهِ وكَذَلِكَ المُرادُ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ لا زِينَةَ لَهُنَّ فَيَتَبَرَّجْنَ بِها لِأنَّ الكَلامَ فِيمَن هُنَّ بِهَذِهِ المَثابَةِ، وكَأنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ اسْتِعْفافِهِنَّ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ خَيْرٌ لَهُنَّ فَما ظَنُّكَ بِذَواتِ الزِّينَةِ مِنَ الشَّوابِّ، وأبْلَغُ ما في ذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ وضْعِ الثِّيابِ في حَقِّ القَواعِدِ مِنَ الِاسْتِعْفافِ إيذانًا بِأنَّ وضْعَ الثِّيابِ لا مَدْخَلَ لَهُ في العِفَّةِ هَذا في القَواعِدِ فَكَيْفَ بِالكَواعِبِ ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ مُبالَغٌ في سَمْعِ جَمِيعِ ما يَسْمَعُ فَيُسْمِعُ بِما يَجْرِي بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الرِّجالِ مِنَ المُقاوَلَةِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ فَيَعْلَمُ سُبْحانَهُ مَقاصِدَهُنَّ.
وفِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ ما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
قوله: وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ يعني: الآيسات من الحيض.
والقاعدة: المرأة التي قعدت عن الزوج وعن الحيض والولد، والجماعة: قواعد اللَّاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكاحاً يعني: لا يحتجن إلى الزوج، ولا يرغب فيهن.
فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أي مأثم أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ يعني جلبابهن ويخرجن بغير جلباب غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ والتبرج: إظهار الزينة، يعني: لا يؤذن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن.
وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ يعني: يتعففن، فلا يضعن الجلباب.
خَيْرٌ لَهُنَّ من الوضع.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ لمقالتهن يعني: العجوز إذا وضعت جلبابها، وتبدي زينتها وتقول: من يرغب فيَّ عَلِيمٌ بنيتها وبفعلها.
ويقال: سَمِيعٌ عَلِيمٌ بجميع ما سبق في هذه السورة.
ويقال: سَمِيعٌ عَلِيمٌ انصرف إلى ما بعده فيما يتحرجون عن الأكل.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- بَيِّنٌ لا يحتاجُ إلى تفسير.
وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ: هن اللواتي قد أسنّ وقَعَدْنَ عن الوِلْدِ، واحدتهن قَاعِدٌ، وقال ربيعة: هي هنا التي تُسْتَقْذَرُ من كِبرَهَا، قال غيره: وقد تَقْعُدُ المرأة عن الوِلْدِ وفيها مُسْتَمْتَعٌ، ولما كان الغالب من النساء أَنَّ ذواتَ هذا السِّنِّ لا مذهبَ للرجال فيهنَّ- أُبِيحَ لهنَّ ما لم يُبَحْ لغيرهنَّ، وقرأ «١» ابن مسعود وأبيّ: «أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهنَّ» والعرب تقول: امرأة، واضع للتي كَبُرَتْ، فوضعت خمارَها، ثم استثنى عليهن في وضع الثياب أَلاَّ يقصدنَ به التَّبَرُّجَ وإبداءَ الزينة فرُبَّ عجوزٍ يبدو منها الحِرْصُ على أَنْ يظهر لها جمال، والتبرج:
طلب البُدُوِّ والظهورِ للعين، ومنه: بُرُوجٌ مُشَيَّدة، والذي أبيح وضعه لهن الجِلبابُ الذي فوق الخمار والرداء، قاله ابن مسعود «٢» وغيره، ثم ذكر تعالى أَنَّ تَحَفُّظَ الجميعِ مِنْهُنَّ، واستعفافَهُنَّ عن وضع الثياب، والتزامهنَّ ما يلتزم الشَّوَابُّ من الستر- أفضلُ لَهُنَّ وخير.
وقوله تعالى: «والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ» : أي: سميع لما يقولُ كُلُّ قائل وقائلة، عليم بمقصد كل أحد، وفي هاتين الصفتين توعد وتحذير.
وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ إلى قوله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ظاهر الآية وأَمْرُ الشريعة: أَنَّ الحَرَجَ عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل، ويقتضي العذر أَنْ يقعَ منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا، وللناس أقوال في الآية وتخصيصات يطول ذكرها، وذكر الله تعالى
بيوتَ القراباتِ، وسقط منها بيوت الأبناء فقال المفسرون: ذلك لأَنَّها داخلة في قوله:
مِنْ بُيُوتِكُمْ لأنَّ بيت ابن الرجل بيتُه.
وقوله تعالى: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ يريد ما خزنتم وصار في قبضتكم، فمعظمه ما ملكه الرجلُ في بيته وتحت غلقه، وهو تأويل الضَّحِّاكِ ومجاهد «١» ، وعند جمهور المفسرين: يدخل في الآية الوكلاءُ والعبيدُ والأُجراءُ بالمعروف.
وقرأ «٢» ابن جبير: «ملكتم مفاتيحه» مبنيا للمفعول وزيادة ياء بين التاء والحاء، وقَرَنَ تعالى في هذه الآية الصديقَ بالقرابة المَحْضَةِ الوكيدة لأَنَّ قُرْبَ المودة لصيق قال معمر: قلت لقتادَة: أَلاَ أشرب من هذا الجُبِّ؟
قال: أنت لي صديق، فما هذا الاستئذان؟
«٣» قال ابن عباس «٤» في «كتاب النقاش» : الصديق أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] .
وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً: ردّ لمذهب جماعة ٤١ ب من العرب كانت/ لا تأكل أفذاذاً البتَّةَ، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وأَنَّ إحضار الأكيل لَحَسَنٌ ولكن بأَلاَّ يحرم الانفرادُ، قال البخاريُّ «٥» : أشتاتاً وشتى واحد، انتهى.
وقال بعض أهل العلم: هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام: [ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» «٦» الحديث، وبقوله تعالى: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
الآية، وبقوله عليه السلام] «١» من حديث ابن عمر: «لاَ يَجْلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلاَّ بِإذْنِهِ ...
» «٢» الحديث.
قلت: والحق أَنْ لا نسخَ في شيءٍ مِمَّا ذُكِرَ، وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى.
وقوله سبحانه: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً: قال النَّخَعِيُّ: أراد المساجد «٣» ، والمعنى:
سُلِّمُوا على مَنْ فيها، فإنْ لم يكن فيها أحد فالسلام أنْ يقول: السلامُ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين.
وقال ابن عباس «٤» وغيره: المراد البيوتُ المسكونة، أي: سلِّموا على مَنْ فيها، [قالوا: ويدخل في ذلك غيرُ المسكونة] «٥» ، ويُسَلِّم المرءُ فيها على نفسه بأنْ يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
قلت: وفي «سلاح المؤمن» ، وعن ابن عباس في قوله عز وجل: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً
فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ قال: هو المسجدُ إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» «١» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً، انتهى، وهذا هو الصحيح عن ابنِ عباس، وفَهِمَ النوويُّ أَنَّ الآية في البيوت المسكونة، قال: ففي الترمذيِّ عن أنس قال: قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «يَا بُنَيَّ، إذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ» «٢» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي أبي داودَ عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «ثلاثة كلّهم ضامن على الله عز وجل: [رجل خرج غازيا في سبيل الله عز وجل] «٣» فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إلَى المَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلامٍ فَهُو ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى» «٤» ، حديث حسن رواه أَبو داودَ بإسناد حسن، ورواه آخرون، والضمان: الرعاية للشيء، والمعنى: أَنَّه في رعاية الله عز وجل، انتهى.
وقوله تعالى: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً وصفها تعالى بالبركة لأَنَّ فيها الدعاءَ واستجلابَ مودَّةِ المسلم عليه.
قلت: وقد ذكرنا في سورة النساءِ: ما ورد في المصافحة من رواية ابن السُّنِّيِّ قال النووي: وَرُوِّينَا في «سنن» أَبي داودَ والترمذيِّ وابن ماجه عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» «٥» انتهى.
والكاف من قوله: كَذلِكَ: كافُ تشبيهٍ وذلك: إشارة إلى هذه السنن.
وقال أيضاً بعضُ الناس في هذه الآية: أَنَّها منسوخة بآية الاستئذان المتقدمة.
قال ع «٦» : والنسخ لا يُتَصَوَّرُ في شيءٍ من هذه الآيات، بل هي مُحْكَمَةٌ، أَمَّا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وجَّهَ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوهُ، فَدَخَلَ فَرَأى عُمَرَ عَلى حالَةٍ كَرِهَ عُمَرُ رُؤْيَتَهُ عَلَيْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ودِدْتُ لَوْ أنَّ اللَّهَ أمَرَنا ونَهانا في حالِ الِاسْتِئْذانِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ مَرْثَدٍ كانَ لَها غُلامٌ، فَدَخَلَ عَلَيْها في وقْتٍ كَرِهَتْهُ فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ، فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالَةٍ نَكْرَهُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَمَعْنى الآيَةِ: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
والثّانِي: الذُّكُورَ والإناثَ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
ومَعْنى الكَلامِ: لِيَسْتَأْذِنْكم مَمالِيكُكم في الدُّخُولِ عَلَيْكم.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: العَبِيدَ الصِّغارَ والإماءَ الصِّغارَ، لِأنَّ العَبْدَ البالِغَ بِمَنزِلَةِ الحُرِّ البالِغِ في تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلى مَوْلاتِهِ، فَكَيْفَ يُضافُ إلى الصِّبْيانِ الَّذِينَ هم غَيْرُ مُكَلَّفِينَ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ ﴾ وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ: " الحُلْمَ " بِإسْكانِ اللّامِ ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيْ: مِن أحْرارِكم مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ أيْ: ثَلاثَةَ أوْقاتٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَها فَقالَ: ﴿ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَبِيتُ عُرْيانًا، أوْ عَلى حالَةٍ لا يُحِبُّ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فِيها ﴿ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ﴾ أيِ: القائِلَةِ ﴿ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ حِينَ يَأْوِي الرَّجُلُ إلى زَوْجَتِهِ، ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " ثَلاثُ عَوْراتٍ " بِرَفْعِ الثّاءِ مِن " ثَلاثُ "، والمَعْنى: هَذِهِ الأوْقاتُ هي ثَلاثُ عَوْراتٍ، لِأنَّ الإنْسانَ يَضَعُ فِيها ثِيابَهُ، فَرُبَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ثَلاثَ عَوْراتٍ " بِنَصْبِ الثّاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجَعَلُوهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ والأوْقاتُ لَيْسَتْ عَوْراتٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: أنَّها أوْقاتُ ثَلاثِ عَوْراتٍ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُعْرِبَ [بِإعْرابِ المَحْذُوفِ] .
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: " عَوَراتٍ " بِفَتْحِ الواوِ، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ الأحْرارَ ﴿ وَلا عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي: الخَدَمَ والغِلْمانَ ﴿ جُناحٌ ﴾ أيْ: حَرَجٌ ﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ أيْ: بَعْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الأوْقاتِ أنْ لا يَسْتَأْذِنُوا، فَرَفَعَ الحَرَجَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ، ﴿ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: هم طَوّافُونَ عَلَيْكم ﴿ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ أيْ: يَطُوفُ بَعْضُكم وهُمُ المَمالِيكُ عَلى بَعْضٍ وهُمُ الأحْرارُ.
* فَصْلٌ وَأكْثَرُ عُلَماءِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والشَّعْبِيُّ.
وحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا ﴾ ؛ والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكم، أوْ مِنَ الأحْرارِ الحُلُمَ، فَلْيَسْتَأْذِنُوا، أيْ: في جَمِيعِ الأوْقاتِ في الدُّخُولِ عَلَيْكم ﴿ كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي: كَما اسْتَأْذَنَ الأحْرارُ الكِبارُ، الَّذِينَ هم قَبْلَهم في الوُجُودِ، وهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ فالبالِغُ يَسْتَأْذِنُ في كُلِّ وقْتٍ، والطِّفْلُ والمَمْلُوكُ يَسْتَأْذِنانِ في العَوْراتِ الثَّلاثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْنِي: العُجْزَ، واحِدُها: قاعِدٌ، ويُقالُ: إنَّما قِيلَ لَها: قاعِدٌ، لِقُعُودِها عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ، وقَدْ تَقْعُدُ عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ ومَثْلُها يَرْجُو النِّكاحَ، ولا أراها سُمِّيَتْ قاعِدًا إلّا بِالقُعُودِ، لِأنَّها إذا أسَنَّتْ عَجَزَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ وكَثْرَةِ الحَرَكَةِ، وأطالَتِ القُعُودَ، فَقِيلَ لَها: " قاعِدٌ " بِلا هاءٍ، لِيَدُلَّ حَذْفَ الهاءِ عَلى أنَّهُ قُعُودُ كِبَرٍ، كَما قالُوا: " امْرَأةٌ حامِلٌ "، لِيَدُلُّوا بِحَذْفِ الهاءِ عَلى أنَّهُ حَمْلُ حَبَلٍ، وقالُوا في غَيْرِ ذَلِكَ: قاعِدَةٌ في بَيْتِها، وحامِلَةٌ عَلى ظَهْرِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ ﴾ أيْ: عِنْدَ الرِّجالِ؛ ويَعْنِي بِالثِّيابِ: الجِلْبابُ والرِّداءُ والقِناعُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ، هَذا المُرادُ بِالثِّيابِ، لا جَمِيعَ الثِّيابِ، ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يُرِدْنَ بِوَضْعِ الجِلْبابِ أنْ تُرى زِينَتُهُنَّ؛ والتَّبَرُّجُ: إظْهارُ المَرْأةِ مَحاسِنَها، ﴿ وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ ﴾ فَلا يَضَعْنَ تِلْكَ الثِّيابَ ﴿ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: امْرَأةُ واضِعٌ: إذا كَبِرَتْ فَوَضَعَتِ الخِمارَ، ولا يَكُونُ هَذا إلّا في الهَرِمَةِ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يُباحُ [لِلْعَجُوزِ] كَشْفُ وجْهِها ويَدَيْها بَيْنَ يَدَيِ الرِّجالِ، وأمّا شَعْرُها، فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَشَعْرِ الشّابَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ المَعْنى أنَّ الأطْفالَ أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ في الأوقاتِ الثَلاثَةِ المَذْكُورَةِ، وأُبِيحَ لَهُمُ الأمْرُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوقاتِ، ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونُوا -إذا بَلَغُوا الحُلُمَ- عَلى حُكْمِ الرِجالِ في الِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ، وهَذا بَيانٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
و"القَواعِدُ" يُرِيدُ النِساءَ اللائِي قَدْ أسْنَنَّ وقَعَدْنَ عَنِ الوَلَدِ، واحِدَتُهُنَّ قاعِدٌ، وقالَ رَبِيعَةُ: هي هُنا الَّتِي تُسْتَقْذَرُ مِن كِبَرِها، قالَ غَيْرُهُ: وقَدْ تَقْعُدُ المَرْأةُ عَنِ الوَلَدِ وفِيها مُسْتَمْتَعٌ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ مِنَ النِساءِ أنَّ ذَواتِ هَذا السِنِّ لا مَذْهَبَ لِلرَّجُلِ فِيهِنَّ أُبِيحَ لَهُنَّ ما لَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِنَّ، وأُزِيلَ عنهُنَّ كُلْفَةَ التَحَفُّظِ المُتْعِبِ؛ إذْ عِلَّةُ التَحَفُّظِ مُرْتَفِعَةٌ فِيهِنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ يَضَعْنَ مِن ثِيابِهِنَّ"، وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: "مِن جَلابِيبِهِنَّ"، والعَرَبُ تَقُولُ: "امْرَأةٌ واضِعٌ" لِلَّتِي كَبَرَتْ فَوَضَعَتْ خِمارَها، ثُمُ اسْتُثْنِيَ عَلَيْهِنَّ في وضْعِ الثِيابِ ألّا يَقْصِدْنَ بِهِ التَبَرُّجَ وإبْداءَ الزِينَةِ، فَرُبَّ عَجُوزٍ يَبْدُو مِنها الحِرْصُ عَلى أنْ يَظْهَرَ لَها جَمالٌ ونَحْوَ هَذا مِمّا هو أقْبَحُ الأشْياءِ وأبْعَدُهُ عَنِ الحَقِّ.
والتَبَرُّجُ طَلَبُ البُدُوِّ والظُهُورِ، ومِنهُ: "بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ"، وأصْلُ ذَلِكَ بُرُوجُ السَماءِ والأسْوارِ، والَّذِي أُبِيحُ وضْعُهُ لِهَذِهِ الصَنِيفَةِ الجِلْبابُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ والرِداءُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تَحَفُّظَ الجَمِيعِ مِنهُنَّ واسْتِعْفافَهُنَّ عن وضْعِ الثِيابِ والتِزامَهُنَّ ما يَلْتَزِمُهُ الشَبابُ مِنَ السَتْرِ، أفْضَلُ لَهُنَّ وخَيْرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنْ يَتَعَفَّفْنَ" بِغَيْرِ سِينٍ، ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُ كُلُّ قائِلٍ وقائِلَةٍ، عَلِيمٌ بِمَقْصِدِ كُلِّ أحَدٍ في قَوْلِهِ، وفي هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ تُوعَدٌ وتَحْذِيرٌ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية مخصّصة لقوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ إلى قوله: ﴿ على عورات النساء ﴾ [النور: 31].
ومناسبة هذا التخصيص هنا أنه وقع بعد فرض الاستيذان في الأوقات التي يضع الرجال والنساء فيها ثيابهم عن أجسادهم، فعطف الكلام إلى نوع من وضع الثياب عن لابسها وهو وضع النساء القواعد بعض ثيابهن عنهن فاستثني من عموم النساء النساءُ المتقدمات في السن بحيث بلغن إبان الإياس من المحيض فرخص لهن أن لا يضربن بخمرهن على جيوبهن، وأن لا يدنين عليهن من جلابيبهن.
فعن ابن مسعود وابن عباس: الثياب الجلباب، أي الرداء والمقنعة التي فوق الخمار.
وقال السدي: يجوز لهن وضع الخمار أيضاً.
والقواعد: جمع قاعد بدون هاء تأنيث مثل: حامل وحائض لأنه وصف نُقل لمعنى خاص بالنساء وهو القعود عن الولادة وعن المحيض.
استعير القعود لعدم القدرة لأن القعود يمنع الوصول إلى المرغوب وإنما رغبة المرأة في الولد والحيضُ من سبب الولادة فلما استعير لذلك وغلب في الاستعمال صار وصف قاعد بهذا المعنى خاصّاً بالمؤنث فلم تلحقه هاء التأنيث لانتفاء الداعي إلى الهاء من التفرقة بين المذكر والمؤنث وقد بينه قوله: ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ ، وذلك من الكبر.
وقوله: ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ وصف كاشف ل ﴿ القواعد ﴾ وليس قيداً.
واقترن الخبر بالفاء في قوله ﴿ فليس عليهن جناح ﴾ لأن الكلام بمعنى التسبب والشرطية، لأن هذا المبتدأ يشعر بترقب ما يرد بعده فشابه الشرط كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ [المائدة: 38].
ولا حاجة إلى ادعاء أن (ال) فيه موصولة إذ لا يظهر معنى الموصول لحرف التعريف وإن كثر ذلك في كلام النحويين.
و ﴿ أن يضعن ﴾ متعلق ب ﴿ جناح ﴾ بتقدير (في).
والمراد بالثياب بعضها وهو المأمور بإدنائه على المرأة بقرينة مقام التخصيص.
والوضع: إناطة شيء على شيء، وأصله أن يعدى بحرف (على) وقد يعدى بحرف (عن) إذا أريد أنه أزيل عن مكان ووضع على غيره وهو المراد هنا كفعل (ترغبون) في قوله تعالى: ﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ في سورة النساء (127)، أي أن يزلن عنهن ثيابهن فيضعنها على الأرض أو على المشجب.
وعلة هذه الرخصة هي أن الغالب أن تنتفي أو تقل رغبة الرجال في أمثال هذه القواعد لكبر السن.
فلما كان في الأمر بضرب الخُمُر على الجيوب أو إدناء الجلابيب كلفة على النساء المأمورات اقتضاها سد الذريعة، فلما انتفت الذريعة رفع ذلك الحكم رحمة من الله، فإن الشريعة ما جعلت في حكم مشقة لضرورة إلا رفعت تلك المشقة بزوال الضرورة وهذا معنى الرخصة.
ولذلك عقب هذا الترخيص بقوله: ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ .
والاستعفاف: التعفف، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استجاب، أي تعففهن عن وضع الثياب عنهن أفضل لهن ولذلك قيد هذا الإذن بالحال وهو ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي وضعاً لا يقارنه تبرج بزينة.
والتبرج: التكشف.
والباء في ﴿ بزينة ﴾ للملابسة فيؤول إلى أن لا يكون وضع الثياب إظهاراً لزينة كانت مستورة.
والمراد: إظهار ما عادة المؤمنات ستره.
قال تعالى: ﴿ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴾ [الأحزاب: 33]، فإن المرأة إذا تجلت بزينة من شأنها إخفاؤها إلا عن الزوج فكأنها تعرض باستجلاب استحسان الرجال إياها وإثارة رغبتهم فيها، وهي وإن كانت من القواعد فإن تعريضها بذلك يخالف الآداب ويزيل وقار سنها، وقد يرغب فيها بعض أهل الشهوات لما في التبرج بالزينة من الستر على عيوبها أو الإشغال عن عيوبها بالنظر في محاسن زينتها.
فالتبرج بالزينة: التحلي بما ليس من العادة التحلي به في الظاهر من تحمير وتبييض وكذلك الألوان النادرة، قال بشار: وإذا خرجتتِ تقنَّعي *** بالحُمْر إن الحسن أحمر وسألت عائشة أم المؤمنين عن الخضاب والصباغ والتمايم (أي حقاق من فضة توضع فيها تمايم ومعاذات تعلقها المرأة) والقرطين والخَلخَال وخاتم الذهب ورقاق الثياب فقالت: «أحل الله لكن الزينة غير متبرجات لمن لا يحل لكن أن يروا منكن محرَّماً».
فأحالت الأمر على المعتاد والمعروف، فيكون التبرج بظهور ما كان يحجبه الثوب المطروح عنها كالوشام في اليد أو الصدر والنقش بالسواد في الجيد أو الصدر المسمى في تونس بالحرقوص (غير عربية).
وفي «الموطإ»: «دخلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خماراً كثيفاً» أي شقته لئلا تختمر به فيما بعد.
وقيل: إن المعنيَّ بقوله: ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ غير منكشفات من منازلهن بالخروج في الطريق، أي أن يضعن ثيابهن في بيوتهن، أي فإذا خرجت فلا يحل لها ترك جلبابها، فيؤول المعنى، إلى أن يضعن ثيابهن في بيوتهن، ويكون تأكيداً لما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ [النور: 31] أي كونهن من القواعد لا يقتضي الترخيص لهن إلا في وضع ثيابهن وضعاً مجرداً عن قصد ترغيب فيهن.
وجملة: ﴿ والله سميع عليم ﴾ مسوقة مساق التذييل للتحذير من التوسع في الرخصة أو جعلها ذريعة لما لا يحمد شرعاً، فوصف «السميع» تذكير بأنه يسمع ما تحدثهن به أنفسهن من المقاصد، ووصف «العليم» تذكير بأنه يعلم أحوال وضعهن الثياب وتبرجهن ونحوها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ يَسْتَأْذِنَّ في هَذِهِ الأوْقاتِ خاصَّةً ويَسْتَأْذِنَّ الرِّجالَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: أنَّهُمُ العَبِيدُ والإماءُ.
وَفِي المَعْنى بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العَبْدُ دُونَ الأمَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلى سَيِّدِهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها الإماءُ لِأنَّ العَبْدَ يَجِبُ أنَّ يَسْتَأْذِنَ أبَدًا في هَذِهِ الأوْقاتِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى عُمُومِهِ في العَبْدِ والأمَةِ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ هُمُ الصِّغارُ الأحْرارُ فَمَن كانَ مِنهم غَيْرَ مُمَيِّزٍ لا يَصِفُ ما رَأى فَلَيْسَ مِن أهْلِ الِاسْتِئْذانِ ومَن كانَ مُمَيِّزًا يَصِفُ ما رَأى ويَحْكِي ما شاهَدَ فَهو المَعْنِيُّ بِالِاسْتِئْذانِ.
﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ وهَذِهِ السّاعاتُ الثَّلاثُ هي أوْقاتُ اسْتِئْذانِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ولا يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِئْذانُ في غَيْرِها مِنَ الأوْقاتِ، فَذَكَرَ الوَقْتَ الأوَّلَ وهو مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وهو مِن بَعْدِ الِاسْتِيقاظِ مِنَ النَّوْمِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الثّانِيَ فَقالَ: ﴿ وَحِينَ تَضَعُونَ ﴾ وهو وقْتُ الخَلْوَةِ لِنَوْمَةِ القائِلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ يَعْنِي الآخِرَةَ وقَدْ تُسَمِّيها العامَّةُ العَتَمَةَ وسُمِّيَتِ العِشاءَ لِأنَّ ظَلامَ وقْتِها يُعَشِّي البَصَرَ.
وَإنَّما خَصَّ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةَ لِأنَّها أوْقاتُ خَلَواتِ الرَّجُلِ مَعَ أهْلِهِ ولِأنَّهُ رُبَّما بَدا فِيها عِنْدَ خَلْوَتِهِ ما يَكْرَهُ أنْ يَرى مِن جَسَدِهِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ في مَنزِلِهِ وقْتَ القائِلَةِ فَأنْفَذَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بِصَبِيٍّ مِن أوْلادِ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ مُدْلِجٌ فَدَخَلَ عَلى عُمَرَ بِغَيْرِ إذْنٍ وكانَ نائِمًا فاسْتَيْقَظَ عُمَرُ بِسُرْعَةٍ فانْكَشَفَ شَيْءٌ مِن جَسَدِهِ فَنَظَرَ إلَيْهِ الغُلامُ فَحَزِنَ عُمَرُ فَقالَ: ودِدْتُ لَوْ أنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ نَهى أبْناءَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنِنا، ثُمَّ انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ أُنْزِلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا [شُكْرًا لِلَّهِ] .» ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ السّاعاتُ الثَّلاثُ هي أوْقاتُ العَوْراتِ فَصارَتْ مِن عَوْراتِ الزَّمانِ فَجَرَتْ مَجْرى عَوْراتِ الأبْدانِ فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالإذْنِ.
﴿ لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْكم يا أهْلَ البُيُوتِ جُناحٌ في تَبَذُّلِكم في هَذِهِ الأوْقاتِ.
الثّانِي: لَيْسَ عَلَيْكم جَناحٌ في مَنعِهِمْ في هَذِهِ الأوْقاتِ.
وَلا عَلى المَمْلُوكِينَ والصِّغارِ جَناحٌ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ فِيما سِوى هَذِهِ الأوْقاتِ.
﴿ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي أنَّهم طَوّافُونَ عَلَيْكم لِلْخِدْمَةِ لَكم فَلَمْ يَنَلْهم حَرَجٌ في دُخُولِ مَنازِلِكم، والطَّوّافُونَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الدُّخُولَ والخُرُوجَ.
ثُمَّ أوْجَبَ عَلى مَن بَلَغَ مِنَ الصِّبْيانِ الِاسْتِئْذانَ إذا احْتَلَمُوا وبَلَغُوا لِأنَّهم صارُوا بِالبُلُوغِ في حُكْمِ الرِّجالِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي الرِّجالَ.
قَوْلُهُ: ﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ ﴾ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهُنَّ اللّاتِي قَعَدْنَ بِالكِبَرِ عَنِ الحَيْضِ والحَمْلِ ولا يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَلْ سُمِّينَ بِذَلِكَ لِأنَّهُنَّ بَعْدَ الكِبَرِ يَكْثُرُ مِنهُنَّ القُعُودُ.
وَقالَ زَمْعَةُ: لا تُرادُ، فَتَقْعُدُ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِها والأوَّلُ أشْبَهُ.
قالَ الشّاعِرُ: فَلَوْ أنَّ ما في بَطْنِهِ بَيْنَ نِسْوَةٍ حَبِلْنَ ولَوْ كانَ القَواعِدُ عُقَّرا وَقَوْلُهُ: ﴿ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ أنَّهُنَّ لِأجْلِ الكِبَرِ لا يُرِدْنَ الرِّجالَ ولا يُرِيدُهُنَّ الرِّجالُ.
﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِلْبابُها وهو الرِّداءُ الَّذِي فَوْقَ خِمارِها فَتَضَعُهُ عَنْها إذا سَتَرَها باقِي ثِيابِها قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: خِمارُها ورِداؤُها، قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ والتَّبَرُّجُ أنْ تُظْهِرَ مِن زِينَتِها ما يَسْتَدْعِي النَّظَرَ إلَيْها فَإنَّهُ في القَواعِدِ وغَيْرِهِنَّ مَحْظُورٌ.
وَإنَّما خَصَّ القَواعِدَ بِوَضْعِ الجِلْبابِ لِانْصِرافِ النُّفُوسِ عَنْهُنَّ ما لَمْ يَبْدُ شَيْءٌ مِن عَوْراتِهِنَّ.
والشّابّاتُ المُشْتَهَياتُ يَمْنَعْنَ مِن وضْعِ الجِلْبابِ أوِ الخِمارِ ويُؤْمَرْنَ بِلُبْسٍ أكْثَفِ الجَلابِيبِ لِئَلّا تَصِفَهُنَّ ثِيابُهُنَّ.
وَقَدْ رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «لِلزَّوْجِ ما تَحْتَ الدِّرْعِ، ولِلِابْنِ والأخِ ما فَوْقَ الدِّرْعِ، ولِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ أرْبَعَةُ أثْوابٍ: دِرْعٌ وخِمارٌ وجِلْبابٌ وإزارٌ» .
﴿ وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ يَعْنِي إنْ يَسْتَعْفِفِ القَواعِدُ عَنْ وضْعِ ثِيابِهِنَّ ويَلْزَمْنَ لُبْسَ جَلابِيبِهِنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ مِن وضْعِها وإنْ سَقَطَ الحَرَجُ عَنْهُنَّ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود والبيهقي في السنن عن ابن عباس ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك ﴿ القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله: ﴿ والقواعد من النساء ﴾ قال: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار، وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرج، لما يكره الله وهو قوله: ﴿ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ﴾ .
وأخرج أبو عبيد في فضائله، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، والبيهقي في السنن عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ أن يضعن ثيابهن ﴾ ويقول: هي الجلباب.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في السنن عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ﴾ قال: الجلباب والرداء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عمر في الآية قال: تضع الجلباب.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ والقواعد من النساء ﴾ يقول: المرأة إذا قعدت عن النكاح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والقواعد من النساء ﴾ يعني المرأة الكبيرة التي لا تحيض من الكبر ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ يعني تزويجاً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ قال: لا يردنه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: أخبرني مسلم مولى امرأة حذيفة بن اليمان أنه خضب رأس مولاته فدخلت عليها فسألتها فقالت: نعم يا بني إني من ﴿ القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ وقد قال الله في ذلك ما سمعت.
وأخرج ابن المنذر عن ميمون بن مهران قال: في مصحف أبي بن كعب ومصحف ابن مسعود ﴿ فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن غير متبرجات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقرآن ﴿ فليس عليهم جناح أن يضعن جلابيبهن غير متبرجات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها سئلت: عن الخضاب، والصباغ، والقرطين، والخلخال، وخاتم الذهب، وثياب الرقاق، فقال: يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ قال: يلبسن جلابيبهن.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في السنن عن عاصم الأحول قال: دخلت على حفصة بنت سيرين وقد ألقت عليها ثيابها فقلت أليس يقول الله: ﴿ والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ﴾ قال: اقرأ ما بعده ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ هو ثياب الجلباب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ قال ابن السكيت: امرأة قاعد، إذا قعدت عن المحيض، فإذا أردت القعود قلت: قاعدة (١) وقال أبو الهيثم: القواعد من صفات الإناث، لا يقال: رجال قواعد، يقال: رجل قاعد عن الغزو، وقوم قعَّاد وقاعدون [عن الغزو] (٢) (٣) والمفسرون كلهم قالوا في القواعد: هنّ اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر (٤) قال اللَّيث: امرأة قاعد (٥) (٦) (٧) وقال الزجاج: هي التي قعدت عن الزوج.
وهذا معنى قوله ﴿ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا ﴾ (٨) قال ابن عباس: يعني تزويجها (٩) وقال السدي: هن اللاتي قد (١٠) (١١) (١٢) وقال الفراء: لا يطمعن أن يتزوجن من الكبر (١٣) ويرجون في فعل جميع (١٤) ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾ .
وقد مرّ.
وقوله ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ﴾ قال عامّة المفسرين (١٥) (١٦) فالمراد (١٧) يدل عليه ما روي أنَّ في حرف ابن مسعود (من ثيابهن) (١٨) (١٩) وقال الحسن: رخص لها أن تمشي في درع (٢٠) (٢١) وكان ابن عباس يقرأ: [أن يضعن] (٢٢) (٢٣) وروى السدي عن أصحابه: فليس عليهن جناح أن يضعن خمرهن عن رؤوسهن (٢٤) وروى خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: يرخصون للمرأة الكبيرة (٢٥) (٢٦) فعلى هذا القول يجوز لها أن تضع الخمار.
والصحيح ما عليه المفسرون.
قوله تعالى ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ التَّبرج: التكشف وهو أن تظهر المرأة محاسنها من وجهها وجسدها (٢٧) قال أبو إسحاق: التبرج إظهار الزينة وما يستدعى (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقال المبرد: ﴿ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ أي مبديات من زينة يستدعين بها.
وقال المفسرون: يعني من غير أن يردن بوضع (٣١) (٣٢) قال مقاتل: لا تريد (٣٣) (٣٤) وقال مقاتل بن حيان: يقول: ليس لها أن تضع [الجلباب] (٣٥) (٣٦) وقال قتادة: إن المرأة تكون (٣٧) (٣٨) وقال عطاء: تضع الجلباب في بيتها فأما إذا خرجت فلا يصلح (٣٩) فعلى هذا معنى ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ غير خارجات من (٤٠) (٤١) ثم قال ﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ قال ابن عباس: يستعففن فلا يضعن الجلباب (٤٢) وقال مجاهد: يلبسن جلابيبهن خيرٌ لهنّ من وضع (٤٣) (٤٤) قوله ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لقولكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما في قلوبكم (٤٥) (١) قول ابن السكيت في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 200 (قعد).
وهو بنحوه في "المشوف المعلم" 2/ 652.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 200 (قعد).
(٤) انظر: "الطبري" 18/ 165، الثعلبي 3/ 89 ب.
(٥) في (أ): (قاعدة).
(٦) في (ع): (كبرهن).
(٧) قول الليث لم أجده في "تهذيب اللغة"، ولعله سقط من المطبوع.
وهو بنحوه في "العين" 1/ 143 "قعد" دون قوله: وانقطع عنها الحبل.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 53.
(٩) روى ابن أبي حاتم 7/ 66 ب هذا القول عن سعيد بن جبير.
(١٠) (قد): ساقطة من (ظ).
(١١) في (ظ): (تركن الأزواج من كبر وقد كبرن عنهن).
(١٢) روى ابن أبي حاتم 7/ 66 ب معنى هذا القول عن مجاهد وزيد بن أسلم.
(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 261.
(١٤) في (ع): (جمع).
(١٥) انظر: "الطبري" 18/ 165 - 166، ابن أبي حاتم 7/ 67 أ، الثعلبي 3/ 89 ب ابن كثير 3/ 304، "الدر المنثور" 6/ 222.
(١٦) في (ع): (التي).
(١٧) في (ظ): (والمراد).
(١٨) روى ابن أبي حاتم 7/ 67 ب عن سعيد بن جبير قال: في قراءة ابن مسعود (أن يضعن من ثيابهن).
وروى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 63، وابن أبي حاتم 7/ 67 ب عن معمر قال: في حرف ابن مسعود (أن يضعن من ثيابهن).
وعلى فرض صحة هذه القراءة عن ابن مسعود فهي قراءة تفسيرية.
(١٩) لم أجده بهذا اللفظ عن ابن مسعود.
وروى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 63، والطبري 18/ 166، وابن أبي حاتم 7/ 67 أعن ابن مسعود في قوله: (أن يضعن ثيابهن) قال: الرداء.
وروى عنه الطبري 18/ 166، وابن أبي حاتم 7/ 67 أ، والبيهقي في "السنن الكبرى" 3/ 93 قال: الجلباب.
وروى عنه الطبري 18/ 166 قال: هي الملحفة.
وقد روى الطبري 18/ 165، وابن أبي حاتم 7/ 67 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 93 عن ابن عباس نحو هذا المعنى.
وروى ابن أبي حاتم 7/ 67 أنحوه عن أبي صالح.
(٢٠) في (أ): (دروع).
(٢١) روى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 63، وابن أبي حاتم 7/ 67 ب عن الحسن قال: لا جناح على المرأة إذا قعدت عن النكاح أن تضع الجلباب والمنطق.
(٢٢) ساقط من (ع).
(٢٣) في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 222: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقرآن: فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن.
والذي في "تفسير ابن أبي حاتم" 7/ 67 ب عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقول: فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن.
وهذه قراءة تفسير يدل عليه ما رواه البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 93 عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (أن يضعن ثيابهن) ويقول: هو الجلباب.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 221 ونسبه أيضًا لأبي عبيد في "فضائله"، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف.
(٢٤) ذكره الرازي 24/ 35، والنيسابوري في "غرائب القرآن" 18/ 128 من رواية السدي عن شيوخه.
(٢٥) في (ع): (والكبيرة).
(٢٦) لم أجده.
(٢٧) انظر: (برج) في "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 55 - 56، "الصحاح" للجوهري 1/ 299، "لسان العرب" 2/ 212.
(٢٨) في (ع): (تستدعى، الرجال).
(٢٩) في (ع): (تستدعى، الرجال).
(٣٠) قول أبي إسحاق في "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 56 (برج) بنصِّه.
وليس قوله في هذا الموضع من سورة النور في كتابه "معاني القرآن"، بل ذكر هذا القول عند قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ .
والأظهر أن الواحدي نقل قول الزجاج عن "تهذيب اللغة" للأزهري.
(٣١) في (ظ): (موضع).
(٣٢) الثعلبي 3/ 89 ب، الطبري 14/ 167.
(٣٣) في (ع): (لا يريد).
(٣٤) "تفسير مقاتل" 2/ 41 أ.
(٣٥) ليست في جميع النسخ، وهي زيادة زدناها من "تفسير ابن أبي حاتم".
(٣٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 68 أ.
(٣٧) (تكون): ساقطة من (ظ)، (ع).
(٣٨) لم أجده.
(٣٩) ذكره عنه القرطبي 12/ 310.
(٤٠) في (ظ): (عن).
(٤١) قال القرطبي 12/ 310 بعد حكايته هذا القول عن عطاء، وذكره كلام الواحدي من غير نسبة: وعلى هذا يلزم أن يقال: إذا كانت في بيتها فلابد لها من جلباب فوق الدِّرع، وهذا بعيد إلا إذا دخل عليها أجنبي.
(٤٢) روى ابن أبي حاتم 7/ 68 أعن سعيد بن جبير مثله.
(٤٣) في (ظ): (موضع).
(٤٤) رواه الطبري 18/ 167، وابن أبي حاتم 7/ 68 أعنه مختصرًا وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 222 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤٥) في (ظ)، (ع): (والله سميع عليم) لقولكم بما في قلوبكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والقواعد مِنَ النسآء ﴾ جمع قاعد وهي العجوز، فقيل: هي التي قعدت عن الولد، وقيل: التي قعدت عن التبرج ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ﴾ أباح الله لهذا الصنف من العجائز ما لم يبح لغيرهنّ من وضع الثياب، قال ابن مسعود إنما أبيح لهنّ وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ إنما أباح الله لهنّ وضع الثياب بشرط ألا يقصدن إظهار زينة، والتبرج هو الظهور ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ المعنى أن الاستعفاف عن وضع الثياب المذكورة خير لهنّ من وضعها، والأولى لهن أن يلتزمن من ما يلتزم شباب النساء من الستر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.
وأبو عمرو طريق الهاشمي.
بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.
الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.
﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.
الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.
التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.
وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.
قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.
قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.
ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.
عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله للعمل بها.
ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.
قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.
وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.
ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.
ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.
وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.
وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.
وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.
﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.
وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.
ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟
فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.
وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله والإخلاص له.
﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.
قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.
واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي ؟
والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟
وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.
من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.
وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.
وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.
وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.
ثم إنه هل يشكل الإماء؟
فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.
عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.
ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.
ومنهم من قال للوجوب.
ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.
قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.
إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.
ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.
وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.
قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.
وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.
وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.
يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.
ثم انطلق معه إلى النبي فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.
ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.
ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.
ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟
اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.
وعن بعض السلف ويروى عن علي أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.
وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.
وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.
﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.
ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.
وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.
وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".
والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.
واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.
وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.
وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.
ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.
ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.
قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.
وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.
قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.
والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.
وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟
قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.
فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.
قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.
وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.
ثم إنه عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟
والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.
وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.
وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.
وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.
الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.
وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.
وعن جعفر الصادق بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.
قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.
احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.
فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.
واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.
فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.
وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.
وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.
وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.
وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.
والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.
ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.
وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.
وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.
وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.
ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.
ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.
"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟
قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.
قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .
قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.
والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.
فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.
قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.
وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.
وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول ويشعب عليه رأيه.
قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.
وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.
قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.
ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.
وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.
وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.
وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله في الاستئذان.
ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.
هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.
وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.
والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.
وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.
وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.
قال مقاتل: هذا في الخطبة.
وقال مجاهد: في صف القتال.
وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.
ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.
وعن جعفر بن محمد : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.
وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.
واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.
ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.
ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.
تأكيد الوجوب الحذر.
قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.
وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.
والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر ﴾ .
التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.
﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.
﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.
فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.
قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.
﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ قال بعضهم: ذكر أن رجلا وامرأته تسمى أسماء بنت مرثد اتخذا طعاماً للنبي، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا يا رسول الله أن يدخل على الرجل وامرأته بغير إذن وهما في ثوب واحد غلامها المملوك، فأنزل الله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: نزل هذا في شأن عمر بن الخطاب، وهو ما قال: "وافقت ربّي في ثلاث"؛ ذكر أن رسول الله بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فانطلق إليه ليدعوه، فوجده قائلا قد أغلق عليه الباب، فسأل الغلام عنه، فأخبر أنه في هذا البيت، قال: فدفع الغلام الباب على عمر وسلم، فلم يستيقظ عمر، فرجع الغلام ورد الباب، فقام من خلفه وحركه، فلم يستيقظ، فقال الغلام: اللهم أيقظه لي، قال: ودفع الباب، ثم ناداه ودخل فاستيقظ عمر فجلس، فانكشف منه شيء، فرآه الغلام وعرف عمر أن الغلام قد رأى ذلك منه، فقال عمر: وددت - والله - أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذنه، ثم انطلق معه إلى رسول الله فوجده قد نزل عليه هذه الآية وأمر بالاستئذان على دخولهم في هذه الساعات.
لكن لا حاجة لنا إلى أن نتعرف أنها نزلت في شأن فلان أو فلان، أو في أمر فلان وسببه، سوى أن نتعرف المودع فيها وما ذكر من أنواع الآداب والأحكام.
ثم خاطب بالاستئذان المستأذن عليه لا المستأذن والسادات والآباء ومن يعول الصغار حيث قال: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ وذلك الخطاب - والله أعلم - يخرج مخرج الأمر للآباء والسادات بتعليم صبيانهم أمور الدين والقيام بما يحتاجون إليه، والتأديب على ذلك إن أبت أنفسهم، وكذلك ما روي عن رسول الله حيث قال: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرقوا بينهم في المضاجع" خاطب به الآباء والأولياء أن يأمروهم بأمور الدين أمر عادة، والتعليم لهم والتأديب إن امتنعوا عن ذلك، ولم يخاطبهم في أنفسهم لجهلهم وقلة معرفتهم بأمرهم، وإذا بلغوا وعرفوا النهي والأمر، فعند ذلك خاطبهم بأنفسهم بالاستئذان؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ خاطبهم إذا بلغوا، وأمرهم بالاستئذان في أنفسهم، وما داموا صغاراً خاطب به الآباء والأولياء لما لا يجري عليهم القلم، وليس الخطاب والأمر والنهي إلا لجرية القلم عليهم، وترك الأمر والخطاب لرفع القلم عنهم.
وأمّا أمر الآباء لهم بذلك فيخرج مخرج الشفقة لهم عليهم والقيام لبعض مصالحهم، وذلك جائز.
ثم اختلف فيما ملكت أيماننا: قال جماعة: هن النساء دون الرجال، وأما الرجال فإنهم يستأذنون في جميع الأوقات.
وقال بعضهم: هم النساء والرجال جميعاً، والنهي عن الدخول في هذه الأوقات الثلاث؛ إذ هي أوقات غرة وساعات غفلة للذكور والإناث جميعاً.
ومنهم من يقول: هم الكبار فإنهم دون الصغار.
والأشبه أن يكون في الصغار منهم؛ لأن الكبار منهم والأحرار سواء في حظر النظر إلى العورة وإباحته؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ وهم الأحرار والصغار؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ الصغار منهم؛ أمر السادات بتعليمهم ما ذكرنا من الأمور، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ ﴾ أي: لم يحتلموا، ويحتمل الذين لم يبلغوا الحلم أو لم يبلغوا مبلغ الحلم بعد ما جعلهم في مراتب ثلاث؛ أعني: الصغار في حال لا يؤمرون ولا ينهون، وهي الحال التي لا يميزون بين العورة وبين غير العورة، وهو ما قال: ﴿ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ﴾ أي: لا يعرفون العورة من غير العورة، وحال يعرفون ذلك إلا أنه لا يقع لهم الحاجة إليها فيؤمرون بالستر عنهم، وحال يقع الحاجة إليها وقضاء الوطر، فيؤمرون بالحجاب والتفريق في المضاجع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: ثلاث أوقات عورات لكم وساعاتها.
ويحتمل: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ أي: ثلاث حالات تظهر فيها العورة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ أي: ليس مما يمنع السرق عن السرقة فيها.
وفيه أن العمل بالاجتهاد في الأغلب والأكبر من الرأي والأمر ليس على الحقيقة جائز؛ لأنه قد سمّى بثلاث عورات من الأمر، ونهى عن الدخول بلا استئذان، وإن كان يجوز أن تكون العورة مستورة، والمباح في غيرها من الأوقات الدخول بلا استئذان، ويجوز أن يكون هناك كشف العورة؛ حيث قال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي: بعد ثلاث ساعات ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ لكنه أباح وحظر بالأغلب والأكبر، لا على الحقيقة، وهكذا العمل بالاجتهاد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: يخدمونكم بعد هذه الثلاث ساعات يدخلون عليكم بغير إذن بعضكم على بعض بالخدمة؛ فلا إذن عليهم؛ لما ذكرنا أن الأغلب أن تكون العورات مستورة في غير هذه الثلاث ساعات، وفي الثلاث لا.
قال القتبي: ﴿ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ : العبيد والإماء ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ يريد هذه الأوقات؛ لأنها أوقات التجرد وظهور العورة.
أما قبل صلاة الفجر فللخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار.
وأما عند الظهيرة فلوضع الثياب للقيلولة.
وأما بعد صلاة العشاء فلوضع الثياب للنوم.
﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي: بعد هذه الأوقات.
ثم قال: ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ يريد: أنهم خدمكم؛ فلا بأس بأن يدخلوا؛ قال الله - -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ أي: يطوف عليهم في الخدمة.
وقال أبو عوسجة: الظهيرة: نصف النهار، وظهائر: جمع، وأظهرت، أي: دخلت في الظهيرة.
وقوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ فقد ذكرنا أنه خاطب به الأولياء في تعليم الآداب وأمور الدين الصغار، ولم يخاطبهم هو؛ حيث قال: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ ﴾ وإذا بلغوا خاطبهم بأنفسهم؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ ﴾ وجهين: يحتمل: إذا احتلموا.
ويحتمل: إذا بلغوا وقت الحلم؛ فالأوّل على حقيقة الاحتلام، والثاني على قرب بلوغ الاحتلام؛ فكأن الأوّل أشبه؛ لأنه خاطبهم في أنفسهم، وأمرهم بالاستئذان، فلو لم يكونوا بالغين لم يخاطبهم، ولكن خاطب به الأولياء، كما خاطبهم في الآية الأولى.
وفيه دلالة أن الحدّ في بلوغ الصغير الاحتلام، وعلى ذلك اتفاق القول منهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يقول: والله أعلم -: ما أمر به قبل هذه الآية البالغين ألا يدخلوا بيتاً حتى يستأذنوا على أهله.
أو أن يكون قوله: ﴿ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني: الكبار، أي: يكون الاستئذان في الكبار معروفاً ظاهراً، وفي الصغار لا، فأمر إذا بلغوا أن يستأذنوا كما يستأذن الكبار منهم.
وروي عن النبي ما يوافق ظاهر الآية، وهو رفع القلم عن ثلاث: أحدهم: الصبي حتى يحتلم، وأما إذا بلغ خمس عشرة سنة فمما اختلف أصحابنا فيه: رآه أبو يوسف ومحمد بالغاً؛ لحديث ابن عمر أن النبي أجازه في القتال وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجز له وهو ابن أربع عشرة سنة، لكن ليس فيه أنه أجازه لبلوغه، ولم يجزه لأنه لم يبلغ؛ جائز إجازته في العام الثاني لقوته وطاقته على القتال، ولم يجزه في العام الأول لضعفه ووهنه وعجزه عن القتال.
واحتج بعض مشايخنا - رحمهم الله - لقول أبي حنيفة في تحديده بثماني عشرة سنة لبلوغ الغلام إذا لم يحتلم، قال: لأن الوسط من احتلام الغلمان أن يبلغوا خمس عشرة سنة، وربما احتلموا قبل ذلك، وربما تأخر احتلامهم عنه، ووجد المعروف فيمن نقصت سنه عن اثنتي عشرة ألا يحتلم، فإذا بلغها فربما احتلم، فجعل حدّ الزيادة على الخمس عشرة سنة التي هي وسط بين المختلفين - ثلاث سنين، كما كان مقدار النقصان عنها ثلاث سنين، وهذا القول من قوله استحسان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ أعلامه؛ أي: يبين لكم الأعلام التي تحتاجون إليها وتعرفون ما يسع لكم مما لا يسع وما يؤتى مما يتقى.
وقال بعضهم: آياته - هاهنا -: أمره ونهيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ قال أهل التأويل: قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ لا يريدون نكاحاً، لكن الأشبه أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ أي: لا يطمعن أن يرغب فيهن الرجال لكبرهن، وإلا كن يردن النكاح، وإن كبرن وعجزن.
وقوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ قال بعضهم: ثيابهن: الرداء، وكذلك روي في حرف ابن مسعود أنه قرأ: (أن يضعن من ثيابهن) وهو الرداء.
وقال بعضهم: هو الجلباب؛ يقال: الجلباب: هو القناع الذي يكون فوق الخمار؛ فلا بأس أن تضع ذلك عند أجنبي وغيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: من غير أن تكون وضعت الرداء أو الجلباب تريد بذلك إظهار الزينة والتبرج.
وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ أي: وألا يضعن ما ذكرنا من الثياب خير لهن من أن يضعن.
وقال بعضهم: الخمار.
لكنه لا يحتمل؛ لأنه معلوم أن المرأة وإن كبرت وعجزت لا تكشف عورتها لأحد.
ثم الزينة ربما تكشف للمحارم، ولا تكشف للغريب، وهو الرأس والصدر ونحوه، فإذا بلغت في السن مبلغاً لا تطمع أن يرغب في نكاحها لا تتزين، ومع ما لا تفعل لا يحل للأجنبي أن ينظر إلى شعرها، ولا إلى صدرها، ولا إلى ساقها، وإنها وإن صلت ورأسها مكشوف فصلاتها فاسدة، وإذا كان كذلك فليس يجوز أن يجعل تأويل وضع الثياب الخمار؛ لما ذكرنا، ولكن الرداء والجلباب الذي يلبس إذا خرجن من منازلهن.
فإن قيل: إنما أطلق لها بهذه الآية أن تضع خمارها عن رأسها؛ إذا لم يرها أحد.
قيل: الشابة - أيضاً - يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا خلت في البيت؛ فلذلك يدل على أن العجوز أُذن لها أن تضع ثوبها وهو الجلباب أو الملاءة التي كانت تغطي بها وجهها إذا خرجت، وإذا كان المطلق لها هذا فالواجب على الشابة ألا تظهر وجهها إذا كانت تُشتهى ولا يهديها، فإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ وهو الزينة التي لا يمكن سترها بحال، وهو الكحل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ قال بعضهم: أي: غير مظهرات محاسنهن.
وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ ﴾ أي: غير متزينات بزينة، والمتبرجة: المتزينة؛ لإظهار الزينة، والزينة: هي الداعية المرغبة إلى النظر إليها وقضاء الشهوة، فكأنه أباح لها وضع الثياب إذا كانت غير متزينة، وإذا كانت متزينة فلا، وأباح لها - أيضاً - إذا لم يكن بها محاسن يرغب فيها، وإذا كان بها ذلك لم يبح.
وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ يحتمل وجهين: [أحدهما:] يحتمل: وإن يستعففن ولا يبدين محاسنهن خير لهن من أن يبدين.
والثاني: وإن يستعففن ولا يضعن ثيابهن حتى يكون ذلك علماً بين معرفة الحرة من الأمة خير لهن من الوضع؛ كقوله: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ﴾ أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين كما تؤذى الإماء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ ﴾ كأن قوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ ﴾ هاهنا صلة قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ وإلا ليس في هذه الآية ما يوصل به.
أو أن يكون جواباً له.
قال القتبي: القواعد من النساء: هن العجزة، واحدها: قاعد، ويقال: إنما قيل لها: قاعد؛ لقعودها من الحيض والولد، ومثلها لا ترجو النكاح، أي: تطمع فيه، ولا أراها سميت قاعداً بالقعود عما ذكر، إلا أنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: قاعد، بلا هاء؛ ليدل بحذف الهاء على أنه قعود كِبَر، كما قالوا: امرأة حامل بلا هاء؛ ليعرف على أنه حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة علي ظهرها، وقال: والعرب تقول: امرأة واضع: إذا كبرت فوضعت الثياب، ولا يكون هذا إلا في الهرمة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ كل واحد من الحرفين يكون معناه معنى الآخر؛ كقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ ﴾ إذا كن محصنات كن غير مسافحات، وإذا كن غير مسافحات كن محصنات؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ ، إذا كن لا يرجون النكاح كن غير متبرجات - والله أعلم - لأن التزين إنما يكون منهن طمعاً في النكاح والناس مع ما لا يرجون النكاح يتزين ويتبرجن، فقال: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ﴾ غير مظهرات الزينة.
على هذين الوجهين جائز أن يخرج تأويل الآية.
وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ ﴾ عن ذلك كله ﴿ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
والعجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل لكبرهن، اللاتي لا يطمعن في النِّكَاح فليس عليهنّ إثم أن يضعن بعض ثيابهنّ كالرداء والقناع، غير مظهرات للزينة الخفية التي أُمِرْن بسترها، وأن يتركن وضع تلك الثياب خير لهنّ من وضعها إمعانًا في الستر والتعفف، والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.R4Blk"