الآية ٦٤ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٦٤ من سورة النور

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض ، وأنه عالم غيب السماوات والأرض ، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم ، فقال : ( قد يعلم ما أنتم عليه ) و " قد " للتحقيق ، كما قال قبلها : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) ، وقال تعالى : ( قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ) [ الأحزاب : 18 ] .

وقال تعالى : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ) [ المجادلة : 1 ] ، وقال : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) [ الأنعام : 33 ] ، وقال : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء [ فلنولينك قبلة ترضاها ] ) [ البقرة : 144 ] فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل ب " قد " ، كما يقول المؤذن تحقيقا وثبوتا : " قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة " فقوله تعالى : ( قد يعلم ما أنتم عليه ) أي : هو عالم به ، مشاهد له ، لا يعزب عنه مثقال ذرة ، كما قال تعالى : ( وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم ) [ الشعراء : 217 - 220 ] .

وقال : ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) [ يونس : 61 ] ، وقال تعالى : ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) [ الرعد : 33 ] أي : هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر .

وقال تعالى : ( ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون [ إنه عليم بذات الصدور ] ) [ هود : 5 ] ، وقال تعالى : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) [ الرعد : 10 ] ، وقال تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] ، وقال : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [ الأنعام : 59 ] .

والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدا .

وقوله : ( ويوم يرجعون إليه ) أي : ويوم ترجع الخلائق إلى الله - وهو يوم القيامة - ( فينبئهم بما عملوا ) أي : يخبرهم بما فعلوا في الدنيا ، من جليل وحقير ، وصغير وكبير ، كما قال تعالى : ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) [ القيامة : 13 ] .

وقال : ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) [ الكهف : 49 ] .

ولهذا قال هاهنا : ( ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ) والحمد لله رب العالمين ، ونسأله التمام .

والحمد لله رب العالمين ونسأله التمام آخر تفسير سورة النور ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره : ألا إن لله ملك جميع السماوات والأرض: يقول: فلا ينبغي لمملوك أن يخالف أمر مالكه فيعصيه، فيستوجب بذلك عقوبته، يقول: فكذلك أنتم أيها الناس لا يصلح لكم خلاف ربكم الذي هو مالككم فأطيعوه، وأتمروا لأمره، ولا تنصرفوا عن رسوله إذا كنتم معه على أمر جامع إلا بإذنه.

وقوله: ( قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) من طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم من ذلك، كما حدثني أيضا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) صنيعكم هذا أيضا( وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ) يقول: ويوم يرجع إلى الله الذين يخالفون عن أمره ( فينبئهم ) يقول: فيخبرهم حينئذ، ( بِمَا عَمِلُوا ) في الدنيا، ثم يجازيهم على ما أسلفوا فيها، من خلافهم على ربهم ( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) يقول: والله ذو علم بكل شيء عملتموه أنتم وغيركم وغير ذلك من الأمور، لا يخفى عليه شيء، بل هو محيط بذلك كله، وهو موفٍّ كلّ عامل منكم أجر عمله يوم ترجعون إليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليمقوله تعالى : ألا إن لله ما في السماوات والأرض خلقا وملكا .

قد يعلم ما أنتم عليه فهو يجازيكم به .

و يعلم هنا بمعنى علم .

ويوم يرجعون إليه بعد ما كان في خطاب رجع في خبر وهذا يقال له : خطاب التلوين .

فينبئهم بما عملوا أي يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها .

والله بكل شيء عليم من أعمالهم وأحوالهم .ختمت السورة بما تضمنت من التفسير ، والحمد لله على التيسير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ْ} ملكا وعبيدا، يتصرف فيهم بحكمه القدري، وحكمه الشرعي.

{ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ْ} أي: قد أحاط علمه بما أنتم عليه، من خير وشر، وعلم جميع أعمالكم، أحصاها علمه، وجرى بها قلمه، وكتبتها عليكم الحفظة الكرام الكاتبون.

{ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ْ} في يوم القيامة { فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ْ} يخبرهم بجميع أعمالهم، دقيقها وجليلها، إخبارا مطابقا لما وقع منهم، ويستشهد عليهم أعضاءهم، فلا يعدمون منه فضلا أو عدلا.

ولما قيد علمه بأعمالهم، ذكر العموم بعد الخصوص، فقال: { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ْ}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض ) ملكا وعبيدا ، ( قد يعلم ما أنتم عليه ) من الإيمان والنفاق أي : يعلم ، و " قد " صلة ( ويوم يرجعون إليه ) يعني : يوم البعث ، ( فينبئهم بما عملوا ) من الخير والشر ، ( والله بكل شيء عليم ) أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه ، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة ، حدثنا محمد بن إبراهيم الكرابيسي ، حدثنا سليمان بن توبة ، حدثنا أبو داود الأنصاري ، أخبرنا محمد بن إبراهيم الشامي ، حدثنا شعيب بن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تنزلوا النساء الغرف ، ولا تعلموهن الكتابة ، وعلموهن الغزل ، وسورة النور " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألا إنَّ لله ما في السماوات والأرض» ملكا وخلفا وعبيدا «قد يعلم ما أنتم» أيها المكلفون «عليه» من الإيمان والنفاق «و» يعلم «يوم يرجعون إليه» فيه التفات عن الخطاب إلى من يكون «فينبئهم» فيه «بما عملوا» من الخير والشر «والله لكل شيء» من أعمالهم وغيرها «عليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألا إن لله ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وعبادة، قد أحاط علمه بجميع ما أنتم عليه، ويوم يرجع العباد إليه في الآخرة، يخبرهم بعملهم، ويجازيهم عليه، والله بكل شيء عليم، لا تخفى عليه أعمالهم وأحوالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ( ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض ) .أى : له - سبحانه - ما فى السموات والأرض من موجودات خَلقا ومُلكا وتصرفا وإيجاداً ( قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ) ايها المكلفون من طاعة أو معصية ، ومن استجابة لأمره أو عدم استجابة .( وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ ) أى : ويعلم - سبحانه - أحوال خلقه جميعا يوم يرجعون إليه يوم القيامة .

فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .( والله ) - تعالى - ( بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ ) بحيث لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ على أَمْرٍ جمِيع ﴾ ثم ذكروا في قوله: ﴿ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب مهم أو الأمر الذي يعم ضرره ونفعه وفي قوله: ﴿ إِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ إشارة إلى أنه خطب جليل لابد لرسول صلى الله عليه وسلم من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه.

وثانيها: عن الضحاك في أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وثالثها: عن مجاهد في الحرب وغيره.

المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزوله قال الكلبي: كان صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظر المنافقون يميناً وشمالاً فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن.

المسألة الثالثة: قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان، وذلك يدل على أن كل فرض لله تعالى واجتناب محرم من الإيمان والجواب: هذا بناء على أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا ولا نزاع في أنه كفر.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَئذِنُونَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَئذِنُونَكَ ﴾ المعنى تعظيماً لك ورعاية للأدب ﴿ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ أي يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه، قال الضحاك ومقاتل: المراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك لأنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فوالله ما نراه يعدل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك، وفي قوله: ﴿ واستغفر لَهُمُ الله ﴾ وجهان: أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيهاً على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن، لأن الاستغفار يدل على الذنب وربما ذكر عند بعض الرخص الثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان.

المسألة الثانية: قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ .

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو اختيار المبرد والقفال، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان أمره فرضاً لازماً، والذي يدل على هذا قوله عقيب هذا ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ .

وثانيها: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً يا محمد، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله، عن سعيد بن جبير.

وثالثها: لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله  ﴾ عن ابن عباس.

ورابعها: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ فالمعنى يتسللون قليلاً قليلاً، ونظير تسلل تدرج وتدخل، واللواذ: الملاوذة وهي أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعني يتسللون عن الجماعة (على سبيل الخفية) واستتار بعضهم ببعض، و(لواذاً) حال أي ملاوذين وقيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه، وقرئ ﴿ لِوَاذاً ﴾ بالفتح ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: قال مقاتل: كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان.

وثانيها: قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال.

وثالثها: قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق.

ورابعها: يتسللون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كتابه وعن ذكره، وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله ﴾ معناه التهديد بالمجازاة.

أما قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الأخفش (عن) صلة والمعنى يخالفون أمره وقال غيره معناه يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت (عن) لتضمين المخالفة معنى الإعراض.

المسألة الثانية: كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية، وقال أبو بكر الرازي: الأظهر أنها لله تعالى لأنه يليه، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، ووجه الاستدلال به أن نقول: تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه، قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، فما الدليل عليه؟

ثم إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين أحدهما: أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب، وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني: أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقاً واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقاً واجب القبول، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر، وهو أنه لو كان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله تعالى، وذلك باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ؟

قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفاً للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر، فلم لا يجوز أن يكون كذلك؟

سلمنا ذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر؟

فإن قلت لفظة (عن) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام الله تعالى أن لا يكون زائداً، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى مأمور بالحذر عن العذاب، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب؟

أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب؟

وهذا أول المسألة، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لابد وأن يدل على حسن الحذر، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت: لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب ولهذا يحسن الاحتياط وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول العقاب، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ لا يفيد إلا أمراً واحداً، وعندما أن أمراً واحداً يفيد الوجوب، فلم قلت إن كل أمر كذلك؟

سلمنا أن كل أمر كذلك، لكن الضمير في قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول، والآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك؟

الجواب: قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه؟

قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره، ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه، وحسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله: افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله: الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك الأمر حقاً واجب القبول، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، فإن موافقة الشيء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير مقتضاه، فإذا دل على حقية الشيء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ذلك الدليل، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.

قوله لو كان كذلك لكان تارك المندوب مخالفاً فوجب أن يستحق العقاب، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأموراً به وهو ممنوع، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ أمراً بالحذر عن المخالف لا أمراً للمخالف بالحذر؟

قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذاً عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ضائعاً لأن الحذر ليس فعلاً يتعدى إلى مفعولين.

قوله كلمة (عن) ليست بزائدة، قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى.

قوله لم قلتم إن قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ يدل على وجوب الحذر عن العقاب؟

قلنا لا ندعي وجوب الحذر، ولكن لا أقل من جواز الحذر، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب.

قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب؟

قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللاً به، فيلزم عمومه لعموم العلة.

قوله هب أن أمر الله أو أمر رسوله للوجوب، فلم قلتم إن الأمر كذلك؟

قلنا لأنه لا قائل بالفرق، والله أعلم.

المسألة الرابعة: من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق، كما يقال أمر فلان مستقيم.

وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يتناول قول الرسول وفعله وطريقته، وذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجباً علينا، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما لو كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا، والعذاب الأليم عذاب الآخرة، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد، ثم قال الحسن: الفتنة هي ظهور نفاقهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: القتل.

وقيل: الزلازل والأهوال، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر.

أما قوله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض ﴾ فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما وعلى ما بينهما وما فيهما، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب، وعلمه بما يخفيه ويعلنه، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ فإنما أدخل ﴿ قَدْ ﴾ لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق.

ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد: وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير.

كما في قوله الشاعر: فإن يمس مهجور الفناء فربما *** أقام به بعد الوفود وفود والخطاب والغيبة في قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاماً ويرجعون للمنافقين، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أدخل ﴿ قَدْ ﴾ ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن ﴿ قَدْ ﴾ إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى (ربما) فوافقت (ربما) في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله: فَإنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الفِنَاءِ فَرُبَّمَا ** أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوُفُودِ وُفُودُ ونحوه قول زهير: أَخِي ثِقَةٍ لاَ تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَه ** وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْ والمعنى: أنّ جميع ما في السموات والأرض مختصّة به خلقاً وملكاً وعلماً، فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها، وسينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم وسيجازيهم حق جزائهم.

والخطاب والغيبة في قوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات.

ويجوز أن يكون ﴿ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ عاماً؛ و ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ للمنافقين، والله أعلم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ النورِ أَعطِي من الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ فيما مضَى وفيما بقى» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ مِنَ المُخالَفَةِ والمُوافَقَةِ والنِّفاقِ والإخْلاصِ، وإنَّما أكَّدَ عِلْمَهُ بِـ ( قَدْ ) لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ.

﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ ﴾ يَوْمَ يَرْجِعُ المُنافِقُونَ إلَيْهِ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أيْضًا مَخْصُوصًا بِهِمْ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

﴿ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا ﴾ مِن سُوءِ الأعْمالِ بِالتَّوْبِيخِ والمُجازاةِ عَلَيْهِ.

﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ النُّورِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ فِيما مَضى وفِيما بَقِيَ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض} ألا تنبيه على أن لا يخالفوا أمر من له ما فى السموات والأرض {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} أدخل قد ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد والمعنى أن جميع ما في السموات والأرض مختص به خلقاً وملكاً وعلماً فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون فى سترها {ويوم يرجعون إليه} وبفتح الباء وكسر الجيم يعقوب أي ويعلم يوم يردون إلى جزائه وهو يوم القيامة والخطاب والغيبة في قوله قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاما ويرجعون إليه يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين {فَيُنَبّئُهُمْ} يوم القيامة {بِمَا عَمِلُواْ} بما أبطنوا من سوء أعمالهم ويجازيهم حق جزائهم {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} فلا يخفي عليه خافية وروى أن ابن عباس رضى الله عنه قرأ سورة النور على المنبر في الموسم وفسرها على وجه لو سمعت الروم به لا سلمت والله أعلم

الفرقان (٣ - ١)

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا إيجادًا وإعْدامًا بَدْءًا وإعادَةً لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ شَرِكَةٍ أوِ اسْتِقْلالًا ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ مِنَ الأحْوالِ والأوْضاعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُوافِقَةُ والمُخالِفَةُ والإخْلاصُ والنِّفاقُ ودُخُولُ المُنافِقِينَ مَعَ أنَّ الخِطابَ فِيما قَبْلُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ ﴾ خاصٌّ بِالمُنافِقِينَ وهو مَفْعُولٌ بِهِ عُطِفَ عَلى ما ﴿ أنْتُمْ ﴾ أيْ يَعْلَمُ يَوْمَ يَرْجِعُ المُنافِقُونَ المُخالِفُونَ لِلْأمْرِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْجَزاءِ والعِقابِ.

وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ بِيَوْمِ رَجْعِهِمْ لا بِرَجْعِهِمْ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ وغايَةُ تَقْرِيرِهِ لِما أنَّ العِلْمَ بِوَقْتِ وُقُوعِ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدَهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عِلْمَهُ جَعَلَ وعَلا بِنَفْسِ رَجْعِهِمْ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى البَيانِ قَطْعًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ السّابِقُ خاصًّا بِهِمْ أيْضًا فَيَتَحَقَّقُ التِفاتانِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في ﴿ أنْتُمْ ﴾ والتِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في ﴿ يُرْجَعُونَ ﴾ والعَطْفُ عَلى حالِهِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ الآنَ ويَوْمَ إلَخْ فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ عَلى الحالِ في ضِمْنِ الدَّوامِ والثُّبُوتِ.

وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( يَوْمَ ) ظَرْفًا لِمَحْذُوفٍ يُعْطَفُ عَلى ما قَبْلِهِ أيْ وسَيُحاسِبُهم يَوْمَ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ولا أرى اخْتِصاصَهُ بِالوَجْهِ الثّانِي في الخِطابِ.

وفِي البَحْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ والظَّهْرُ عَطْفٌ ( يَوْمَ ) عَلى ﴿ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ والعِلْمُ يَظْهَرُ لَكم أوْ نَحْوَ هَذا يَوْمَ فَيَكُونُ ( يَوْمَ ) نَصْبًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ وقَدْ لِلتَّحْقِيقِ وفَيا الِاحْتِمالانِ المُتَقَدِّمانِ آنِفًا، وقَدْ مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ ما يُرادُ بِمِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الوَعِيدِ أوِ الوَعْدِ.

ولا يَخْفى المُناسِبُ لِكُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالاتِ في ( أنْتُمْ ويُرْجَعُونَ ) وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ وأبُو عَمْرٍو «يُرْجَعُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا ﴾ أيْ بِعَمَلِهِمْ أوْ بِالَّذِي عَمِلُوهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ الأمْرِ فَيُرَتِّبُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والجَزاءِ أوْ فَيُنْبِئُهم بِما عَمِلُوا خَيْرًا أوْ شَرًّا فَيُرَتِّبُ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ ما يَلِيقُ بِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ لا يُخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ.

والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلِهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِرِعايَةِ رُؤُوسِ الآيِ.

وقِيلَ وفِيهِ بَحْثٌ: إنَّهُ لِلْحَصْرِ عَلى مَعْنى واللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لا بِبَعْضِ الأشْياءِ كَما يَزْعُمُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الفَلاسِفَةِ ومَن حَذا حَذْوَهم حَفِظَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالاتِ لَنا نُورًا نَهْتَدِي بِهِ إذا أدَلَّهم لَيْلُ الجَهالاتِ هَذا.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ﴾ إلى آخِرِهِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى جَمْعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وتَرْكِيبُ الإنْسانِ مِنها ثُمَّ خُرُوجِ مَطَرِ الإحْساسِ مِن عَيْنَيْهِ وأُذُنَيْهِ مَثَلًا ويَنْزِلُ مِن سَماءِ العَقْلِ الفَيّاضِ بِرَدِّ حَقائِقِ العُلُومِ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ فَتَظْهَرُ آثارُهُ عَلَيْهِ ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ ﴿ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ ﴾ نُورُ تَجَلِّيهِ ﴿ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ﴾ بِأنْ يُعَطِّلَها عَنِ الإبْصارِ ويُفْنِيَ أصْحابَها عَنْها لِما أنَّ الإدْراكَ بِنُورِهِ فَوْقَ الإدْراكِ بِنُورِ الإبْصارِ ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ إشارَةٌ إلى لَيْلِ المَحْوِ ونَهارِ الصَّحْوِ أوْ لَيْلِ القَبْضِ ونَهارِ البَسْطِ أوْ لَيْلِ الجَلالِ ونَهارِ الجَمالِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وقِيلَ: يُزْجِي سَحابَ المَعاصِي إلى أنْ يَتَراكَمَ فَتَرى مَطَرَ التَّوْبَةِ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ كَما خَرَجَ مِن سَحابِ ﴿ وعَصى آدَمُ ﴾ مَطَرٌ ﴿ ثُمَّ اجْتَباهُ ﴾ رَبُّهُ ويَنْزِلُ مِن سَماءِ القُلُوبِ مِن جِبالِ القَسْوَةِ فِيها مِن بَرْدِ القَهْرِ يُقَلِّبُ اللَّهُ لَيْلَ المَعْصِيَةِ لِمَن يَشاءُ إلى نَهارِ الطّاعَةِ وبِالعَكْسِ ﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الماءِ ﴿ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ﴾ يَعْتَمَّدُ في سَيْرِهِ عَلى الباطِنِ وهم أهْلُ الجَذْبَةِ المَغْمُورُونَ في بِحارِ المَحَبَّةِ ﴿ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ﴾ يَعْتَمِدُ في سَيْرِهِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ لَكِنَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ خاصَّةً مِنهُما وهم صِنْفٌ مِنَ الكامِلِينَ سَكَنُوا زَوايا الخُمُولِ ولَمْ يُخالِطُوا النّاسَ ولَمْ يَشْتَغِلُوا بِالإرْشادِ ﴿ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ ﴾ يَعْتَمِدُ في سَيْرِهِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ وبِغَيْرِهِ مِنهُما وهم صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الكامِلِينَ بَرَزُوا لِلنّاسِ وخالَطُوهم واشْتَغَلُوا بِالإرْشادِ وعَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ بِما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ والطَّرِيقَةُ وعامَلُوا النّاسَ والمُرِيدِينَ بِذَلِكَ أيْضًا ﴿ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في خَلْقِهِ مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرِ كالكامِلِينَ الَّذِينَ أوْقَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أسْرارِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ وما حَدَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ونَوْعٍ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ فَعامَلُوا بَعْدَ أنْ عَمِلُوا في أنْفُسِهِمْ ما يَلِيقُ بِهِمْ كُلِّ أُمَّةِ وكُلِّ نَوْعٍ بِما حَدَّ لَهُ ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ .

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ ﴾ الآياتُ إشارَةٌ إلى أحْوالِ المُنْكِرِينَ في القَلْبِ عَلى المَشايِخِ وأحْوالِ المُصَدِّقِينَ بِهِمْ قَلْبًا وقالِبًا وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ سَبَبٌ لِحُصُولِ المُكاشَفاتِ ونَحْوِها، وقالَ أبُو عُثْمانَ: مَن أمَرَ السُّنَّةَ عَلى نَفْسِهِ قَوْلًا وفِعْلًا نَطَقَ بِالحِكْمَةِ ومَن أمَرَ الهَوى عَلى نَفْسِهِ نَطَقَ بِالبِدْعَةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ الِاسْتِبْدادُ بِشَيْءٍ قالَ عَبْدُ اللَّهِ الرّازِيُّ: قالَ قَوْمٌ مِن أصْحابِ أبِي عُثْمانَ لِأبِي عُثْمانَ أوْصِنا فَقالَ: عَلَيْكم بِالِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ وإيّاكم ومُخالَفَةَ الأكابِرِ والدُّخُولَ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ إلّا بِإذْنِهِمْ ومَشُورَتِهِمْ وواسَوُا المُحْتاجِينَ بِما أمْكَنَكم فَإذا فَعَلْتُمْ أرْجُو أنْ لا يُضَيِّعَ اللَّهُ تَعالى لَكم سَعْيًا ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ فِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الرَّسُولِ  ما فِيهِ، وذَكَرَ أنَّ الشَّيْخَ في جَماعَتِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يَحْتَرِمَ في مُخاطَبَتِهِ ويُمَيِّزَ عَلى غَيْرِهِ ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخَرّازُ: الفِتْنَةُ إسْباغُ النِّعَمِ مَعَ الِاسْتِدْراجِ، وقالَ الجُنَيْدُ قَدَّسَ سِرَّهُ: قَسْوَةُ القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْرُوفِ والمُنْكِرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: طَبْعٌ عَلى القُلُوبِ والعَذابُ الألِيمُ هو عَذابُ البُعْدِ والحِجابُ عَنِ الحَضْرَةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ ونَسْألُهُ سُبْحانَهُ التَّوْفِيقَ إلى أقْوَمِ المَسالِكِ فَلا رَبَّ غَيْرِهِ ولا يُرْجى إلّا خَيْرَهُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني: المصدقين الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ يعني: مع النبيّ  على أمر جمعهم لتدبير في أمر جهاد، أو في أمر من أمور الله تعالى فيه طاعة لَمْ يَذْهَبُوا يعني: لم يفارقوا رسول الله  حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ.

وذلك أن النبيّ  كان يجمعهم يوم الجمعة فيستشيرهم في أمر الغزو، فكان يثقل على بعضهم المقام، فيخرجون بغير إذنه.

وقال بعضهم: نزلت في يوم الخندق، وكان بعض الناس يرجعون إلى منازلهم بغير إذن النبيّ  ، وتركوه وأصحابه، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بأن لا يرجعوا إلا بإذنه  ، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو لا ينبغي لأحد أن يرجع بغير إذنه.

وفي الآية بيان حفظ الأدب، بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو، لا ينبغي لأحد أن يرجع إلا بإذنه، ولا يخالف أمر السرية.

وروي عن مكحول أنه سئل عن هذه الآية وعنده عطاء، قال: «هذا في الجمعة، وفي الزحف، وفي كل أمر جامع» .

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وليسوا بمنافقين.

وكان المؤمنون بعد نزول هذه الآية لم يرجعوا حتى يستأذنوا، وأما المنافقون فيرجعون بغير إذنه.

ثم قال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ يعني: لبعض أمورهم وحوائجهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ولا تأذن لمن شئت، لأن بعض المنافقين لم يكن لهم في الرجوع حاجة، فإن أرادوا أن يرجعوا فلا تأذن لهم، وأذن للمؤمنين.

وقال مقاتل: نزلت في شأن عثمان حين استأذن في غزوة تبوك بالرجوع إلى أهله، فأذن له.

ثمّ قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ أي فيما استأذنوك من الرجوع بغير حاجة لهم.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ به.

ثم قال عز وجل: لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ يعني: لا تدعوا محمدا باسمه  كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ولكن وقِّروه وعظموه، وقولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، ويا أبا القاسم.

وفي الآية بيان توقير معلم الخير، لأن رسول الله  كان معلّم الخير، فأمر الله عز وجل بتوقيره وتعظيمه، وفيه معرفة حق الأستاذ، وفيه معرفة أهل الفضل.

ثم ذكر المنافقين فقال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ يعني: يرى الله الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ يعني: يخرجون من المسجد لِواذاً يلوذ بعضهم ببعض.

وذلك أن المنافقين كان يشقُّ عليهم المقام هناك يوم الجمعة وغيره، فيتسللون من بين القوم، ويلوذ الرجل بالرجل، أو بالسارية لئِلاَّ يراه النبي  حتى يخرج من المسجد.

يقال: لاذ يلوذ إذا عاذ وامتنع بشيء.

ويقال: معنى (لواذا) هنا معنى الخلاف، يعني: يخالفون خلافاً، فخوفهم الله تعالى عقوبته فقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يعني: عن أمر الله تعالى.

ويقال: عن أمر رسول الله  .

ويقال: عَنْ زيادة في الكلام للصلة.

ومعناه: يخالفون أمره إلى غير ما أمرهم به أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ يعني: الكفر، لأن أمر رسول الله  واجب، فمن تركه على وجه الجحود كفر.

ويقال: فِتْنَةٌ يعني: بلية في الدنيا.

ويقال: فساد في القلب.

أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: يصيبهم عذابا عظيما في الآخرة.

ويقال: القتل بالسيف.

ويقال: يجعل حلاوة الكفر في قلبه.

وقوله: أَوْ على معنى الإفهام، لا على وجه الشك والتخيير.

ثم قال عز وجل: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق عبيده وإماؤه وفي مملكته قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الاستقامة في الإيمان، والنفاق وغير ذلك.

ويقال: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من خير أو شر، فيجازيكم بذلك وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر، فيجازيهم بذلك.

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالهم وأقوالهم، وبما في أنفسهم.

وروي عن الأعمش، عن سفيان بن سلمة، قال: شهدت ابن عباس ولي الموسم، وقرأ سورة النور على المنبر وفسّرها، فلو سمعتها الروم لأسلمت.

وقال عمر رضي الله تعالى عنه: «تعلموا سورة براءة، وَعَلِّموا نساءكم سورة النور» ، والله أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد وعلى رسله وصحبه وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] ففي التعدي والخدع ونحوه، وأمَّا هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يسرها- استباحَةُ طعامها على هذه الصفة، وأمَّا آية الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكَشَفَةِ، فإذا استأذن المرءُ ودخل المنزل بالوجه المباح صَحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكون في الآية نسخ فتأمله.

وقوله/ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: إنّما هنا: ٤٢ أللحصر، والأمر الجامع يُرَادُ به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة، فالأدب اللازم في ذلك ألّا يذهب أحد لعذر إلّا بإذنه، والإمام الذي يُتَرَقَّبُ إذنه هو إمام الإمارة، وروي: أنَّ هذه الآية نزلت في وقت حفر النبي صلى الله عليه وسلّم خندقَ المدينة، فكان المؤمنون يستأذنون، والمنافقون يذهبون دون إذن، ثم أمر تعالى نَبِيَّهُ عليه السلام بالاستغفار لصنفي المؤمنين: مَنْ أَذِنَ له، ومَنْ لم يُؤْذن [له] «١» .

وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم.

وقوله تعالى: لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي: لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض، وأمرهم تعالى في هذه الآية وفي غيرها أنْ يدعوا رسول الله بأشرف أسمائه وذلك هو مُقْتَضَى التوقير، فالأدب في الدعاء أنْ يقول: يا رسولَ الله، ويكون ذلك بتوقير وبِرٍّ، وخفض صوت، قاله مجاهد «٢» ، واللواذ: الرَّوْغَانُ، ثم أمرهم تعالى بالحذر من عذاب الله ونِقْمَتِهِ إذا خالفوا أمره ومعنى يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي: يقع خلافهم بعد أمره، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ قد علم ما أهلُ الأرض والسماء عليه، وباقي الآية بيّن، والحمد لله.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِإسْخاطِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإنَّهُ إذا دَعا عَلى شَخْصٍ فَدَعَوْتُهُ مُوجِبَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ونَهَوْا أنْ يَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ، والأُسُودُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَهْيٌ لَهم عَنِ الإبْطاءِ إذا أمَرَهم والتَّأخُّرِ إذا دَعاهم، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُعاذٌ القارِئُ: " دُعاءَ الرَّسُولِ نَبِيِّكم " بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ ونُونٍ قَبْلَ الباءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ ﴾ التَّسَلُّلُ: الخُرُوجُ في خُفْيَةٍ.

واللِّواذُ: أنْ يَسْتَتِرَ بِشَيْءٍ مَخافَةَ مَن يَراهُ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ﴾ التَّهْدِيدُ بِالمُجازاةِ.

قالَ الفَرّاءُ: «كانَ المُنافِقُونَ يَشْهَدُونَ الجُمُعَةَ فَيَذْكُرُهم رَسُولُ اللَّهِ  ويَعِيبُهم بِالآياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهِمْ، فَإنَّ خُفِّيَ لِأحَدِهِمُ القِيامُ قامَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا ﴾ » أيْ: يَلُوذُ هَذا بِهَذا، أيْ: يَسْتَتِرُ ذا بِذا.

وَإنَّما قالَ: ﴿ لِواذًا ﴾ لِأنَّها مَصْدَرُ " لاوَذْتُ "، ولَوْ كانَ مَصْدَرًا لِـ " لُذْتُ " لَقُلْتَ: لُذْتُ لِياذًا، كَما تَقُولُ: قُمْتُ قِيامًا.

وكَذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: وقَعَ البِناءُ عَلى لاوَذَ مُلاوَذَةً، ولَوْ بُنِيَ عَلى لاذَ يَلُوذُ، لَقِيلَ: لِياذًا.

وقِيلَ: هَذا كانَ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، كانَ المُنافِقُونَ يَنْصَرِفُونَ عَنْ غَيْرِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  مُخْتَفِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي " عَنْ " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] زائِدَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ يُخالِفُونَ ﴾ : يُعْرِضُونَ عَنْ أمْرِهِ.

وَفِي الفِتْنَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الضَّلالَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بَلاءٌ في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: كُفْرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: القَتْلُ في الدُّنْيا.

والثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: ما في أنْفُسِكم، وما تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمائِرُكم مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ؛ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى الجَزاءِ عَلى ذَلِكَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عن أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  ، وأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى ألّا يَجْعَلُوا مُخاطَبَةَ رَسُولِ اللهِ  في النِداءِ كَمُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإنَّ سِيرَتَهم كانَتِ التَداعِيَ بِالأسْماءِ، وعَلى غايَةِ البَداوَةِ وقِلَّةِ الِاهْتِبالِ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وفي غَيْرِها أنْ يَدْعُوَ رَسُولَ اللهِ  بِأشْرَفِ أسْمائِهِ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى التَوْقِيرِ والتَعْزِيزِ، فالمُبْتَغِي في الدُعاءِ أنْ يَقُولَ: يا رَسُولَ اللهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِتَوْقِيرٍ وخَفْضِ صَوْتٍ وبِرٍّ، وألّا يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هُوَ: لا تَحْسَبُوا دُعاءَ الرَسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، أيْ: دُعاؤُهُ عَلَيْكم مُجابٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظُ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، والأوَّلُ أصَحُّ.

ثُمْ أخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى أنَّ المُتَسَلِّلِينَ مِنهم لِواذًا قَدْ عَلَّمَهُمْ، واللِواذُ: الرَوَغانُ والمُخالَفَةُ، وهو مَصْدَرُ "لاوَذَ" ولَيْسَ بِمَصْدَرِ "لاذَ"؛ لَأنَّهُ كانَ يُقالُ لَهُ: "لِياذًا"، ذَكَرَهُ الزَجاجُ وغَيْرُهُ.

ثُمْ أمَرَهم بِالحَذَرِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ونِقْمَتِهِ إذا خالَفُوهُ عن أمْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخالِفُونَ عن أمْرِهِ ﴾ مَعْناهُ: يَقَعُ خِلافُهم بَعْدَ أمْرِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: كانَ المَطَرُ عن رِيحٍ، و"عن" هي لِما عَدا الشَيْءَ، و"الفِتْنَةُ" في هَذا المَوْضِعِ: الإخْبارُ والرَزايا في الدُنْيا، أو بِالعَذابِ الألِيمِ في الآخِرَةِ، ولا بُدَّ لِلْمُنافِقِينَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألا إنَّ" اسْتَفْتَحَ الكَلامَ وأخْبَرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَمَواتِ والأرْضِ مُلْكًا وخَلَفًا، ثُمْ أخْبَرَهم أنَّهُ قَدْ عَلِمْ ما أهْلُ الأرْضِ والسَماءِ عَلَيْهِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ مِنهُمُ المُخاطِبِينَ لَأنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهم بِهِ أعْنِي، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: "يَعْلَمُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: والعِلْمُ الظاهِرُ لَكم -أو نَحْوَ هَذا- يَوْمَ، فَيَكُونُ النَصْبُ عَلى الظَرْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرْجِعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو: "يَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

وقالَ عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ الجُهَنِيُّ: «رَأيْتُ النَبِيَّ  يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ خاتِمَةَ النُورِ فَقالَ: "واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ».

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النُورِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ث تذييل لما تقدم في هذه السورة كلها.

وافتتاحه بحرف التنبيه إيذان بانتهاء الكلام وتنبيه للناس ليعُوا ما يرد بعد حرف التنبيه، وهو أن الله مالك ما في السماوات والأرض، فهو يجازي عباده بما يستحقون وهو عالم بما يفعلون.

ومعنى: ﴿ ما أنتم عليه ﴾ الأحوال الملابسين لها من خير وشر، فحرف الاستعلاء مستعار للتمكن.

وذكَّرهم بالمعاد إذ كان المشركون والمنافقون منكرينه.

وقوله: ﴿ فينبئهم بما عملوا ﴾ كناية عن الجزاء لأن إعلامهم بأعمالهم لو لم يكن كناية عن الجزاء لما كانت له جدوى.

وقوله: ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ تذييل لجملة: ﴿ قد يعلم ما أنتم عليه ﴾ لأنه أعم منه.

وفي هذه الآية لطيفة الاطلاع على أحوالهم لأنهم كانوا يسترون نفاقهم.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ  بِإسْخاطِهِ لِأنَّ دُعاءَهُ يُوجِبُ العُقُوبَةَ ولَيْسَ كَدُعاءِ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ ولْيَدْعُ بِالخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ عَنِ الإبْطاءِ عِنْدَ أمْرِهِ والتَّأخُّرِ عِنْدَ اسْتِدْعائِهِ لَهم إلى الجِهادِ ولا يَتَأخَّرُونَ كَما يَتَأخَّرُ بَعْضُهم عَنْ إجابَةِ بَعْضٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يَتَسَلَّلُونَ عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ لِواذًا أيْ يَلُوذُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ يَنْضَمُّ إلَيْهِ اسْتِتارًا مِن رَسُولِ اللَّهِ  لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى المُنافِقِينَ أثْقَلَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ وحُضُورِ الخُطْبَةِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا يَتَسَلَّلُونَ في الجِهادِ رُجُوعًا عَنْهُ يَلُوذُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِواذًا فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَقالَ الحَسَنُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِواذًا ﴾ أيْ فِرارًا مِنَ الجِهادِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: وقُرَيْشٌ تَجُوُلُ مِنكم لِواذًا لَمْ تُحافِظْ وخَفَّ مِنها الحُلُومُ ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ أيْ يُعْرِضُونَ عَنْ أمْرِهِ، وقالَ الأخْفَشُ: عَنْ في هَذا المَوْضِعِ زائِدَةٌ ومَعْنى الكَلامِ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أمْرَهُ، وسَواءٌ كانَ ما أمَرَهم بِهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ أوِ الدُّنْيا.

﴿ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كُفْرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عُقُوبَةٌ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّالِثُ: بَلِيَّةٌ تُظْهِرُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القَتْلُ في الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَذابٌ بِجَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ قد يعلم ما أنتم عليه ﴾ الآية.

قال: ما كان قوم قط على أمر ولا على حال إلا كانوا بعين الله، وإلا كان عليهم شاهد من الله.

وأخرج أبو عبيد في فضائله والطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية؛ يعني خاتمة سورة النور، وهو جاعل أصبعيه تحت عينيه يقول.

«والله بكل شيء بصير» والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ دخلت قد للتأكيد، وفي الكلام معنى الوعيد، وقيل: معناها التقليل على وجه التهكم والخطاب لجميع الخلق، أو للمنافقين خاصة ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ يعني المنافقين، والعامل في الظرف بينهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.

وأبو عمرو طريق الهاشمي.

بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.

الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.

﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.

الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.

وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.

قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.

قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.

ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.

عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله  للعمل بها.

ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.

قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.

وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.

ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.

ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.

وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.

وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.

﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.

وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله  فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟

فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.

وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله  والإخلاص له.

﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.

قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.

واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي  ؟

والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟

وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله  "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.

من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.

وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.

وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.

ثم إنه هل يشكل الإماء؟

فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.

عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.

ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.

ومنهم من قال للوجوب.

ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.

قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.

إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.

ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.

وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.

قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.

وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.

وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.

يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله  وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.

ثم انطلق معه إلى النبي  فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.

ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.

ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.

ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟

اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي  يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.

وعن بعض السلف ويروى عن علي  أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.

وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين  ويبين الله لكم الآيات  ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.

وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد  بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.

﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.

ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله  بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.

وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".

والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.

واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.

وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.

وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.

ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.

ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.

قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.

وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.

قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.

والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.

وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟

قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.

فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.

قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.

وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.

ثم إنه  عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟

والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.

وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.

وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.

وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.

الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.

وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.

وعن جعفر الصادق بن محمد  : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.

قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.

احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه  أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.

فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.

واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.

فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.

وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.

وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله  ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.

وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.

والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.

ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.

وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.

وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.

ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.

ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.

"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي  أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟

قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.

قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .

قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله  ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.

والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله  بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.

فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.

قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.

وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول  ويشعب عليه رأيه.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.

وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.

قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.

ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.

وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.

وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه  فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.

وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم  ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله  في الاستئذان.

ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.

هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.

وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.

والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.

وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.

وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.

قال مقاتل: هذا في الخطبة.

وقال مجاهد: في صف القتال.

وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.

ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.

وعن جعفر بن محمد  : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.

وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.

واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.

ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.

ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.

تأكيد الوجوب الحذر.

قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.

وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.

والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر  ﴾ .

التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.

﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي  وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.

﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.

فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.

قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.

﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ ، [و] قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 15]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً  ﴾ هذا - والله أعلم - ليس أن ما ذكر من الاستئذان وترك الارتياب من حقيقة الإيمان بالتلاوة، ونحوه من شرط الإيمان، ولكن - والله أعلم - أن الأولى بالمؤمنين هذا ألا يذهبوا حتى يستأذنوا رسوله وألا يرتابوا، وأن يجاهدوا، وأن تزداد لهم التلاوة [و] ما ذكر، ليس على جعله شرطاً للإيمان، ولكن ما ذكرنا من الأولى بهم والاختيار ما ذكر، والله أعلم.

ثم ذكر في هذه الآية: أن المؤمنين لا يذهبون عنه ولا يفارقونه إلا بالاستئذان منهم من رسول الله، وذكر أن المنافقين يذهبون ويفارقونه تسللا ولواذاً؛ حيث قال: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ ذكر أنهم لا يستأذنوك، وإنما يستأذنك المنافقون بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ فهذه الآيات في ظاهر المخرج مختلفة وإن كانت في المعاني المدرجة فيها موافقة، فهذا سبيل من يحتج بظاهر المخرج؛ إذ للملاحدة أن تقول: هو مختلف في الظاهر وأنه من عند غير الله بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ فدل ما ذكرنا أن الاحتجاج بظاهر المخرج باطل، والاعتقاد به فاسد خيال.

وجائز أن يكون ما ذكر من استئذان المؤمنين وترك استئذان أولئك للخروج منه؛ لما لا يستأذنه المؤمنون للخروج من القتال إلا لعذر، وأولئك يستأذنونه للخروج لا للعذر؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ  ﴾ ونحوه، وأمّا المؤمنون فلا يستأذنونه إلا بعذر.

أو أن يكون ذلك في نوازل مختلفة، أو في فرق، أو أن يكون المؤمنون يظهرون له عذرهم ويفوضون أمرهم إلى رسول الله على أن ينظر في ذلك: فإن رأى الصواب أن ينصرفوا صرفهم، وإن رأى الصواب الكون والمقام معه أقاموا معه، والمنافقون لا على ذلك كانوا يفعلون، وعلى هذا - والله أعلم - جائز أن يخرج تأويل الآيات التي ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ ﴾ أي: مع رسول الله ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ اختلف فيه: قال: بعضهم: يوم الجمعة، ويوم العيد.

وقال بعضهم: في الغزو والجهاد، يخبر أن المؤمنين يكونون معه، لا يذهبون عنه إلا بإذن، والمنافقون يتسللون ويذهبون مستخفين منه ويخرجون من عنده، وأصله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ أي: على أمر طاعة ﴿ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذه الآية نسخت الآية التي في سورة براءة؛ حيث قال في تلك: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقال هاهنا: ﴿ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾ أذن له بالإذن لهم في هذه وعيره في ذاك بالإذن لهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا من التأويل.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ الأمر بالاستغفار لهم يخرج مخرج الأمر بالتشفع لهم.

وقوله: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم إلى ما يدعوكم إليه كدعاء بعضكم بعضاً: مرة تجيبونه، ومرة لا تجيبونه، كما يجيب بعضكم بعضاً إذا دعاه مرة، ولا يجيبه تارة؛ بل أجيبوا رسول الله في جميع ما يدعوكم إليه في كل حال تكونون.

والثاني: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضاً يقول يا فلان، ولكن ادعوا باسم هو مخصوص به: يا رسول الله، ويا نبي الله؛ على ما أقررتم أنه مخصوص من بينكم، ليس كمثلكم في الدعاء والإجابة، اجعلوه مخصوصاً تعظيماً له وإجلالا، وخصوصية له وفضيلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ .

قال بعضهم: يعني: المنافقين إذا كانوا في أمر جامع فيسمعون رسول الله يذكر مثالبهم ومساوئهم وعيوبهم فيتسللون كراهية لذلك، ويلوذ بعضهم ببعض.

وقال بعضهم: نزل هذا في المنافقين الذين كانوا يذهبون عنه ويخرجون من عنده بغير استئذان.

وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ أي: يستترون بالشيء، ويلوذ بعضهم ببعض، ويستتر بعضهم ببعض ويخرجون.

وقوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يخالفون أمره، وحرف "عن" يكون صلة فيه.

وجائز أن يكون على ظاهر ما ذكر: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ : فإن كان على هذا فكأنه قال: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يعدلون عن أمره ويزيغون عنه؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ يحتمل: الفتنة: الكفر.

ويحتمل الفتنة: القتال والتعذيب في الدنيا؛ أو يصيبهم العذاب في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ليس هاهنا ما يستقيم أن يجعل قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ صلة له، اللهم إلا أن يجعل ذلك صلة قوله: من يجعل له الولد والشريك.

أو صلة قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] أي: أن من له ما في السماوات والأرض لا يحتمل أن تقع الحاجة [له] إلى الولد أو الشريك.

أو من له ملك ما في السماوات والأرض يختار لرسالته من يشاء بشراً أو ملكاً، ليس لأحد القول في ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ هذا وعيد منه وإعلام أنه مراقبهم مطلع عليهم في جميع أحوالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ لأن من علم أن عليه رقيباً وحافظاً، كان أنبه وأيقظ وأحذر ممن لم يعلم ذلك.

أو أن يكون على علم بأحوالكم وما أنتم عليه من الخلاف لأمره خلقكم، أو أرسل إليكم رسولاً لا على جهل بذلك وغفلة.

أو يؤخر عنكم العذاب على علم بما أنتم عليه ليوم موعود، لا بسهو وغفلة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ...

﴾ الآية [إبراهيم: 42]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ .

[وقوله:] ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ أي: إنما يؤخر ذلك عنهم إلى يوم الرجوع إليه؛ فعند ذلك ينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم.

قال أبو عوسجة: يتسللون، أي: يذهبون مستخفين، يقال: انسل الرجل، أي: انسرق من الناس، أو فارقهم، و [هم] لا يعلمون به، والتسلل من الجماعة.

وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ : يقال: لاذ مني، أي: اختبأ مني واختفى.

ويقال: لاذ بي، أي: استتر بي.

وقال القتبي: قوله: ﴿ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ أي: من يستتر بصاحبه، ويتسلل، ويخرج، يقال: لاذ فلان، و اللواذ: مصدر.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألا إن لله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتدبيرًا، يعلم ما أنتم -أيها الناس- عليه من الأحوال، لا يخفى عليه منها شيء، ويوم القيامة- حين يرجعون إليه بالبعث بعد الموت- يخبرهم بما عملوا من أعمال في الدنيا، والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض.

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده