الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٧١ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧١ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخبرا عن عموم رحمته بعباده وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان ، جليل أو حقير ، كبير أو صغير : فقال ( ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) أي : فإن الله يقبل توبته ، كما قال تعالى : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 110 ] ، وقال ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم ) [ التوبة : 104 ] ، وقال ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [ الزمر : 53 ] ، أي : لمن تاب إليه .
قوله: ( وَمَنْ تَابَ ) يقول: ومن تاب من المشركين, فآمن بالله ورسوله ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) يقول: وعمل بما أمره الله فأطاعه, فإن الله فاعل به من إبداله سيئ أعماله في الشرك بحسنها في الإسلام, مثل الذي فعل من ذلك بمن تاب وآمن وعمل صالحا قبل نـزول هذه الآية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) قال: هذا للمشركين الذين قالوا لما أنـزلت ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) ...
إلى قوله ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كان هؤلاء إلا معنا, قال: ومن تاب وعمل صالحا فإن لهم مثل ما لهؤلاء ( فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) لم تُحظر التوبة عليكم.
قوله تعالى : ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متاباقوله تعالى : ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا [ ص: 76 ] لا يقال : من قام فإنه يقوم ; فكيف قال من تاب فإنه يتوب ؟
فقال ابن عباس : المعنى من آمن من أهل مكة وهاجر ولم يكن قتل وزنى بل عمل صالحا وأدى الفرائض فإنه يتوب إلى الله متابا ; أي فإني قدمتهم وفضلتهم على من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم واستحل المحارم .
وقال القفال : يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين ، ولهذا قال : إلا من تاب وآمن ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا فله حكم التائبين أيضا .
وقيل : أي من تاب بلسانه ولم يحقق ذلك بفعله ، فليست تلك التوبة نافعة ; بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى الله متابا ، أي تاب حق التوبة وهي النصوح ولذا أكد بالمصدر .
ف " متابا " مصدر معناه التأكيد ، كقوله : وكلم الله موسى تكليما أي فإنه يتوب إلى الله حقا فيقبل الله توبته حقا .
{ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } أي: فليعلم أن توبته في غاية الكمال لأنها رجوع إلى الطريق الموصل إلى الله الذي هو عين سعادة العبد وفلاحه فليخلص فيها وليخلصها من شوائب الأغراض الفاسدة، فالمقصود من هذا الحث على تكميل التوبة وإيقاعها على أفضل الوجوه وأجلها ليقدم على من تاب إليه فيوفيه أجره بحسب كمالها.
قوله - عز وجل - : ( ومن تاب وعمل صالحا ) قال بعض أهل العلم : هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا ، يعني : من تاب من الشرك وعمل صالحا ، أي : أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن ، ) ( فإنه يتوب إلى الله ) أي : يعود إليه بعد الموت ، ) ( متابا ) حسنا يفضل به على غيره ممن قتل وزنى ، فالتوبة الأولى وهو قوله : " ومن تاب " رجوع عن الشرك ، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة .
وقال بعضهم : هذه الآية أيضا في التوبة عن جميع السيئات .
ومعناه : ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله .
وقوله : ( يتوب إلى الله ) خبر بمعنى الأمر ، أي : ليتب إلى الله .
وقيل : معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله .
«ومن تاب» من ذنوبه غير من ذكر «وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا» أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا.
والذين يوحدون الله، ولا يدعون ولا يعبدون إلهًا غيره، ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله قتلها إلا بما يحق قتلها به: من كفر بعد إيمان، أو زنى بعد زواج، أو قتل نفس عدوانًا، ولا يزنون، بل يحفظون فروجهم، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، ومن يفعل شيئًا من هذه الكبائر يَلْقَ في الآخرة عقابًا.
يُضاعَفْ له العذاب يوم القيامة، ويَخْلُدْ فيه ذليلا حقيرًا.
(والوعيد بالخلود لمن فعلها كلَّها، أو لمن أشرك بالله).
لكن مَن تاب مِن هذه الذنوب توبة نصوحًا وآمن إيمانًا جازمًا مقرونًا بالعمل الصالح، فأولئك يمحو الله عنهم سيئاتهم ويجعل مكانها حسنات؛ بسبب توبتهم وندمهم.
وكان الله غفورًا لمن تاب، رحيمًا بعباده حيث دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته بأكبر المعاصي.
ومن تاب عمَّا ارتكب من الذنوب، وعمل عملا صالحا فإنه بذلك يرجع إلى الله رجوعًا صحيحًا، فيقبل الله توبته ويكفر ذنوبه.
ثم أشار - سبحانه - إلى شروط التوبة الصادقة فقال : ( وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً ) .أى : ومن تاب عن المعاصى تركا تاما ، وداوم على العمل الصالح ليستدرك ما فاته منه ، فإنه فى هذه الحالة يكون قد تاب ورجع إلى الله - تعالى - رجوعا صحيحا ، مقبولا منه - سبحانه - بحيث يترتب عليه محو العقاب وإثبات الثواب .وهكذا نجد رحمة الله - تعالى - تحيط بالعبد من كل جوانبه ، لكى تحمله على ولوج باب التوبة والطاعة ، وتوصد فى وجهه باب الفسوق والعصيان .
الصفة السادسة: اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن من صفة عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، ثم ذكر بعد ذلك حكم من يفعل هذه الأشياء من العقاب، ثم استثنى من جملتهم التائب، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزه عباد الرحمن عن الأمور الخفيفة، فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل والزنا، أليس أنه لو كان الترتيب بالعكس منه كان أولى؟
الجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمسكاً بالشرك تديناً ومقدماً على قتل الموءودة تديناً وعلى الزنا تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، وأجاب الحسن رحمه الله من وجه آخر فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار، كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر وأنت تدعون ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ وأنتم تقتلون الموءودة، ﴿ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ وأنتم تزنون.
السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ ومعلوم أنه من يحل قتله لا يدخل في النفس المحرمة فكيف يصح هذا الاستثناء؟
الجواب: المقتضى لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بالمعارض فقوله: ﴿ حَرَّمَ الله ﴾ إشارة إلى المقتضى وقوله: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ إشارة إلى المعارض.
السؤال الثالث: بأي سبب يحل القتل؟
الجواب: بالردة وبالزنا بعد الإحصان، وبالقتل قوداً على ما في الحديث، وقيل وبالمحاربة وبالبينة، وإن لم يكن لما شهدت به حقيقة.
السؤال الرابع: منهم من فسر قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ بالردة فهل يصح ذلك؟
الجواب: لفظ القتل عام فيتناول الكل.
وعن ابن مسعود قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أي؟
قال أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت ثم أي؟
قال أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تصديقه.
السؤال الخامس: ما الأثام؟
الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن الأثام جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال.
وثانيها: وهو قول أبي مسلم: أن الأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام فأطلق اسم الشيء على جزائه.
وثالثها: قال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم وقال مجاهد: ﴿ أَثَاماً ﴾ واد في جهنم، (وقرأ ابن مسعود ﴿ أَثَاماً ﴾ أي شديداً، يقال يوم ذو أثام لليوم العصيب).
أما قوله: ﴿ يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ يضاعف ﴾ بدل من ﴿ يَلْقَ ﴾ لأنهما في معنى واحد، وقرئ (يضعف) و(نضعف له العذاب) بالنون ونصب العذاب، وقرئ بالرفع على الاستئناف أو على الحال، وكذلك (يخلد) (وقرئ) (ويخلد) على البناء للمفعول مخففاً ومثقلاً من الإخلاد والتخليد، وقرئ (وتخلد) بالتاء على الالتفات.
المسألة الثانية: سبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
المسألة الثالثة: قال القاضي: بين الله تعالى أن المضاعفة والزيادة يكون حالهما في الدوام كحال الأصل، فقوله: ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ ﴾ أي ويخلد في ذلك التضعيف، ثم إن ذلك التضعيف إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره أو منفرداً والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجمع بينهما قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح، فكذا هاهنا.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ إشارة إلى ما ثبت أن العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإذلال والإهانة، كما أن الثواب هو المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم.
أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين، وإنما الدال عليه قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ .
المسألة الثانية: نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل غير مقبولة، وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء.
المسألة الثالثة: فإن قيل: العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان، فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشواً، قلنا: أفردهما بالذكر لعلو شأنهما، ولما كان لابد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.
المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ على وجوه: أحدها: قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب.
وثانيها: قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
وثالثها: قال قوم: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات»، قيل من هم يا رسول الله؟
قال: «الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات» وعلى هذا التبديل في الآخرة.
ورابعها: قال القفال والقاضي: أنه تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صالحا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما فائدة هذا التكرير؟
الجواب: من وجهين: الأول: أن هذا ليس بتكرير لأن الأول لما كان في تلك الخصال بين تعالى أن جميع الذنوب بمنزلتها في صحة التوبة منها.
الثاني: أن التوبة الأولى رجوع عن الشرك والمعاصي، والتوبة الثانية رجوع إلى الله تعالى للجزاء والمكافأة كقوله تعالى: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ أي مرجعي.
السؤال الثاني: هل تكون التوبة إلا إلى الله تعالى فما فائدة قوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً ﴾ ؟
الجواب: من وجوه: الأول: ما تقدم من أن التوبة الأولى الرجوع عن المعصية والثانية الرجوع إلى حكم الله تعالى وثوابه الثاني: معناه أن من تاب إلى الله فقد أتى بتوبة مرضية لله مكفرة للذنوب محصلة للثواب العظيم الثالث: قوله: ﴿ وَمَن تَابَ ﴾ يرجع إلى الماضي فإنه سبحانه ذكر أن من أتى بهذه التوبة في الماضي على سبيل الإخلاص فقد وعده بأنه سيوفقه للتوبة في المستقبل، وهذا من أعظم البشارات.
<div class="verse-tafsir"
يريد: ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه بذلك تائب إلى الله ﴿ مَتاباً ﴾ مرضياً عنده مكفراً للخطايا محصلاً للثواب.
أو فإنه تائب متاباً إلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يستوجبون، والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين.
وفي كلام بعض العرب: لله أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد.
أو: فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعاً حسناً وأيّ مرجع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ بِأنْ يَمْحُوَ سَوابِقَ مَعاصِيهِمْ بِالتَّوْبَةِ ويُثْبِتَ مَكانَها لَواحِقَ طاعَتِهِمْ، أوْ يُبَدِّلَ مَلَكَةَ المَعْصِيَةِ في النَّفْسِ بِمَلَكَةِ الطّاعَةِ.
وقِيلَ بِأنْ يُوَفِّقَهُ لِأضْدادِ ما سَلَفَ مِنهُ، أوْ بِأنْ يُثْبِتَ لَهُ بَدَلَ كُلِّ عِقابٍ ثَوابًا.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَلِذَلِكَ يَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويُثِيبُ عَلى الحَسَناتِ.
﴿ وَمَن تابَ ﴾ عَنِ المَعاصِي بِتَرْكِها والنَّدَمِ عَلَيْها.
﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ يَتَلافى بِهِ ما فَرَطَ، أوْ خَرَجَ عَنِ المَعاصِي ودَخَلَ في الطّاعَةِ.
﴿ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ ﴾ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ بِذَلِكَ.
﴿ مَتابًا ﴾ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ ماحِيًا لِلْعِقابِ مَحُصِّلًا لِلثَّوابِ، أوْ يَتُوبُ مَتابًا إلى اللَّهِ الَّذِي يُحِبُّ التّائِبِينَ ويَصْطَنِعُ بِهِمْ أوْ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ وإلى ثَوابِهِ مَرْجِعًا حَسَنًا وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.
<div class="verse-tafsir"
{ومن تاب وعمل صالحاً فإنّه يتوب إلى الله متاباً} أي ومن تاب وحقق التوبة بالعمل الصالح فإنه يتوب بذلك إلى الله تعالى متاباً مرضياً عنده مكفراً للخطايا محصلاً للثواب
﴿ ومَن تابَ ﴾ أيْ: عَنِ المَعاصِي الَّتِي فَعَلَها بِتَرْكِها بِالكُلِّيَّةِ والنَّدَمِ عَلَيْها ﴿ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ يَتَلافى بِهِ ما فَرَطَ مِنهُ، أوْ: ومَن خَرَجَ عَنْ جِنْسِ المَعاصِي - وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ - ودَخَلَ في الطّاعاتِ ﴿ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ ﴿ مَتابًا ﴾ أيْ رُجُوعًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، ماحِيًا لِلْعِقابِ، مُحَصِّلًا لِلثَّوابِ، أوْ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى ذِي اللُّطْفِ الواسِعِ الَّذِي يُحِبُّ التّائِبِينَ، ويَصْطَنِعُ إلَيْهِمْ، أوْ فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى ثَوابِهِ سُبْحانَهُ مَرْجِعًا حَسَنًا، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطُ والجَزاءُ مُتَغايِرانِ، وهَذا لِبَيانِ حالِ مَن تابَ مِن جَمِيعِ المَعاصِي، وما تَقَدَّمَ لِبَيانِ مَن تابَ مِن أُمَّهاتِها، فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً يعني: تاب من الشرك والمعاصي، وعمل صالحاً بعد التوبة، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً يعني: مناصحاً لا يرجع.
ويقال: مَتاباً له في الجنة.
ويقال: مَتاباً.
يعني: توبة.
يعني: يتوب توبة مخلصة.
ثم قال: وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ يعني: لا يحضرون مجالس الكذب والفحش والكفر وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ يعني: مجالس اللهو والباطل مَرُّوا كِراماً يعني: حلماء معرضين عنها.
وقال القتبي: مَرُّوا كِراماً لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني: وعظوا بالقرآن لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها يعني: لم يقعوا عليها صُمًّا يعني: لا يسمعون وَعُمْياناً ولا يبصرون، ولكنهم سمعوا وانتفعوا به، وهذا قول مقاتل.
وقال القتبي: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها أي: لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها، عمي لم يروها.
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يعني: اجعل أزواجنا وذريتنا من الصالحين، تقر أعيننا بذلك.
ويقال: وفقهم للطاعة، واعصمهم من المعصية، ليكونوا معنا في الجنة، فتقر بهم أعيننا.
قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وذريتنا بلفظ الوحدان.
وقرأ الباقون وَذُرِّيَّاتِنا بلفظ الجماعة، ثم قال: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يعني: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي: قادة في الخير.
وروي عن عروة: أنه كان يدعو بأن يجعله الله ممن يحمل عنه العلم، فاستجيب دعاؤه.
وروي عن مجاهد: معناه، «اجعلنا ممن نقتدي بمن قبلنا، حتى يقتدي بنا من بعدنا» .
ويقال: معناه اجعلنا ممن يقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا المتقون، فهذا كله من خصال عباد الرحمن، من قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ إلى هاهنا.
فوصف أعمالهم.
ثم بين ثوابهم فقال عز وجل: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ يعني: غرف الجنة كقوله: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر: 20] بِما صَبَرُوا يعني: صبروا على أمر الله تعالى في الدنيا، وعلى الطاعة وَيُلَقَّوْنَ فِيها يعني: في الجنة تَحِيَّةً يعني: التسليم وَسَلاماً يعني: سلام الله تعالى لهم.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وَيُلَقَّوْنَ فِيها بنصب الياء، وجزم اللام، والتخفيف.
وقرأ الباقون وَيُلَقَّوْنَ بضم الياء ونصب اللام، وتشديد القاف، فمن قرأ بالتخفيف، يعني: يلقي بعضهم بعضاً بالسلام، ومن قرأ بالتشديد يعني: يجيء إليهم سلام الله تعالى، يعني: يلقى إليهم السلام من الله تعالى.
ثم قال عز وجل: خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين في الجنة حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني: موضع القرار، وموضع الخلود.
قوله عز وجل: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول: ما يفعل بكم ربي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني: لولا عبادتكم.
ويقال: ما يفعل بعذابكم لولا عبادتكم غير الله تعالى.
ويقال: مَا ينتظر بهلاككم، لولا عبادة من يعبدوني، لأنزلت عذابي- ويقال: لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني: يقول، لولا إيمانكم (١) ثم قال: عز وجل فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً يعني: عذاباً يلزمهم، فقتلوا ببدر، وعجلت أرواحهم إلى النار، فتلك عقوبتهم فيها.
ويقال: لِزاماً يعني: موتاً.
وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه: «خمس قد مضين من ذلك: اللزام، والروم والقمر والدخان والبطشة» .
- ويقال: ما يحتاج بعذابكم لولا عبادتكم الأصنام.
ويقال مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ لولا عبادتكم غير الله.
ويقال: ما ينتظر بهلاككم لولا عبادة من يعبدني، لأنزلت عذابي إلى غير ذلك، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد (٢) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .
والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه» بلفظ واحد، ورواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح» .
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ...
الآية: عبارة أكثر المفسرين أَنَّ الذي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعة وإنْ أفرط، والمُسْرِفَ هو المُنْفِقُ في المعصية وإنْ قَلَّ إنفاقهُ، وإنَّ الْمُقتِرَ هو الذي يمنع حَقّاً عليه وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والوجه أَنْ يقال: إنَّ النفقة في المعصية أمر قد حَظَرَتِ الشريعةُ قليلَه وكثيره، وهؤلاءِ الموصوفون مُنَزَّهُونَ عن ذلك، وإنَّما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات والمُبَاحَاتِ، فأدب الشريعة فيها إلاَّ يفرط الإنسانِ حتى يُضَيِّعَ حَقّاً آخر أو عيالا ونحو هذا، وألّا يضيّق أيضا ويقتر حتى يجمع العيالَ ويفرط في الشُّحِّ، والحَسَنُ في ذلك هو القوام، أي: المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخير الأمور أوساطها ولهذا ترك النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أبا بكْرٍ الصِّدِّيقَ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ لأَنَّ ذلك وَسَطٌ بنسبة جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ في الدِّينِ، ومنع غيره من ذلك.
وقال عبد الملك بن مروان لعمرَ بن عبد العزيز حين زَوَّجَه ابنته فاطمة: مَا نَفَقَتُكَ؟
فقال له عمر: الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثم تلا الآية «٢» ، وقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: كفى بالمرء سَرَفاً أَلاَّ يشتهيَ شيئاً إلاَّ اشتراه فأكله «٣» .
وقَواماً: خبر كانَ واسمها مقدّر، أي: الإنفاق.
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية: في نحو هذه الآية قَال اْبنُ مسعود:
قَلْتُ يَوْماً: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظمُ؟
قال: «أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قْلتُ:
ثُمَّ أَي قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟
قَالَ: أَنْ تَزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» ثُمَّ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم هذه «١» الآية والأثام في كلام العرب: العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابن زيد وقتادة هذه الآية.
قال ع «٢» : يُضاعَفْ: بالجزم بدل من يَلْقَ قال سيبويه: مضاعفة العذاب هو لقي الأثام.
وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ: لا خلاف بين العلماء أَن الاستثناء عام في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل، وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النساء» .
وقوله سبحانه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ أي: بأنْ يجعلَ أعمالهم بَدَل معاصيهم الأُولَى طاعةً قاله ابن عباس «٣» وغيره، ويحتمل أنْ يكونَ ذلك في يوم القيامة، يجعل بدل السيئات الحسنات تَكَرُّماً منه سبحانه وتعالى كما جاء في «صحيح مسلم» «٤» ، وهو تأويل ابن المُسَيِّبِ.
ص: والأَوْلَى: ويحتمل أنْ يكون الاستثناءُ هنا مُنْقَطِعاً، أي: لكن من تاب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن تابَ ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أنَّها عَنِ الذُّنُوبِ المَذْكُورَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ ولَمْ يَزْنِ، ﴿ وَعَمِلَ صالِحًا ﴾ فَإنِّي قَدْ قَدَّمْتُهم وفَضَّلْتُهم عَلى مَن قاتَلَ نَبِيِّي واسْتَحَلَّ مَحارِمِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: مَن أرادَ التَّوْبَةَ وقَصَدَ حَقِيقَتَها، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يُرِيدَ اللَّهَ بِها ولا يَخْلِطْ بِها ما يُفْسِدُها؛ وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ مَن تَجَرَ فَإنَّهُ يَتَّجِرُ في البَزِّ ومَن ناظَرَ فَإنَّهُ يُناظِرُ في النَّحْوِ، أيْ: مَن أرادَ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَ هَذا الفَنَّ؛ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى [هَذِهِ] الآيَةِ: ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا، فَإنَّ ثَوابَهُ وجَزاءَهُ يَعْظُمانِ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ الَّذِي أرادَ بِتَوْبَتِهِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا ﴾ يُؤَدِّي عَنْ هَذا المَعْنى، كَفى مِنهُ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: إذا تَكَلَّمْتَ فاعْلَمْ أنَّكَ تُكَلِّمُ الوَزِيرَ، أيْ: تُكَلِّمُ مَن يَعْرِفُ كَلامَكَ ويُجازِيكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أيْ: فَإنِّي أتَوَكَّلُ عَلى مَن يَنْصُرُنِي ولا يُسْلِمُنِي.
وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: فَإنَّهُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ مَرْجِعًا يَقْبَلُهُ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الصَّنَمُ؛ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الزُّورَ صَنَمٌ كانَ لِلْمُشْرِكِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ الغِناءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ، ومَكْحُولٌ؛ ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَسْمَعُونَ الغِناءَ.
والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ.
والرّابِعُ: لَعِبٌ كانَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والخامِسُ: الكَذِبُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: شَهادَةُ الزُّورِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ.
والسّابِعُ: أعْيادُ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّامِنُ: مَجالِسُ الخَنا، قالَهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ.
وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَعاصِي قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أذى المُشْرِكِينَ إيّاهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الباطِلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: الشِّرْكُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: إذا ذَكَرُوا النِّكاحَ كَنُّوا عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: إذا ذَكَرُوا الفُرُوجَ كَنُّوا عَنْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَرُّوا كِرامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: مَرُّوا حُلَماءَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: مَرُّوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: إذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ جاوَزُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا ﴾ أيْ: وُعِظُوا ﴿ بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ وهي القُرْآنُ ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَتَغافَلُوا عَنْها كَأنَّهم صُمٌّ لَمْ يَسْمَعُوها، عُمْيٌ لَمْ يَرَوْها.
وقالَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: لَمْ يَثْبُتُوا عَلى حالَتِهِمُ الأُولى كَأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا ولَمْ يَرَوْا، وإنْ لَمْ يَكُونُوا خَرُّوا حَقِيقَةً؛ تَقُولُ العَرَبُ: شَتَمْتُ فُلانًا فَقامَ يَبْكِي، وقَعَدَ يَنْدُبُ، وأقْبَلَ يَعْتَذِرُ، وظَلَّ يَتَحَيَّرُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قامَ ولا قَعَدَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " وذُرِّيّاتِنا " عَلى الجَمْعِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، [وَحَفْصٌ] عَنْ عاصِمٍ: " وذَرِّيَّتَنا " عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَيَوَةَ: " قُرّاتِ أعْيُنٍ " يَعْنُونَ: مَن يَعْمَلُ بِطاعَتِك فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ في الدُّنْيا أمْ في الآخِرَةِ؟
قالَ: لا، بَلْ في الدُّنْيا، وأيُّ شَيْءٍ أقَرُّ لِعَيْنِ المُؤْمِنِ مِن أنْ يَرى زَوْجَتَهُ ووَلَدُهُ يُطِيعُونَ اللَّهَ، واللَّهِ ما طَلَبَ القَوْمُ إلّا أنْ يُطاعَ اللَّهُ فَتَقَرُّ أعْيُنُهم.
قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: ﴿ قُرَّةَ ﴾ لِأنَّها فُعْلٌ، والفُعْلُ لا يَكادُ يُجْمَعُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ فَلَمْ يَجْمَعْهُ؛ والقُرَّةُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: قَرَّتْ عَيْنُهُ قُرَّةً، ولَوْ قِيلَ: قُرَّةُ عَيْنٍ أوْ قِراتُ أعْيُنٍ كانَ صَوابًا.
وقالَ غَيْرُهُ: أصِلُ القُرَّةِ مِنَ البَرْدِ، لِأنَّ العَرَبَ تَتَأذّى بِالحَرِّ، وتَسْتَرْوِحُ إلى البَرْدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اجْعَلْنا أئِمَّةً يُقْتَدى بِنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: هَذا مِنَ الواحِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي ﴾ .
والثّانِي: اجْعَلْنا مُؤْتَمِّينَ بِالمُتَّقِينَ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مِنَ المَقْلُوبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: واجْعَلِ المُتَّقِينَ لَنا إمامًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللهِ مَتابًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُورَ وإذا مَرُّوا بِاللَغْوِ مَرُّوا كِرامًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ أكَّدَ هَذا اللَفْظُ أمْرَ التَوْبَةِ، والمَعْنى: ومَن تابَ فَإنَّهُ قَدْ تَمَسَّكَ بِأمْرٍ وثِيقٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن يُسْتَحْسَنُ قَوْلُهُ في أمْرٍ: لَقَدْ قُلْتَ يا فُلانُ قُولًا.
وكَذَلِكَ الآيَةُ مَعْناها مَدْحُ المَتابِ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنَّهُ يَجِدُ بابًا لِلْفَرَجِ والمَغْفِرَةِ عَظِيمًا.
ثُمُ اسْتَمَرَّتِ الآياتُ في صِفَةِ عِبادِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى- المُؤْمِنِينَ بِأنْ نَفى عنهم شَهادَةَ الزُورِ.
و"يَشْهَدُونَ" في هَذَهِ الآيَةِ ظاهِرُ مَعْناها: يُشاهِدُونَ ويَحْضُرُونَ.
و "الزُورُ": كُلُّ باطِلٍ زُوِّرَ وزُخْرِفَ، فَأعْظَمُهُ الشِرْكُ، وبِهِ فَسَّرَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ الغِناءُ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، ومِنهُ الكَذِبُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: المَعْنى: لا يَشْهَدُونَ الزُورَ، فَهي مِنَ الشَهادَةِ لا مِنَ المُشاهَدَةِ، و "الزُورُ": الكَذِبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والشاهِدُ بِالزُورِ -حاضِرُهُ ومُؤَدِّيهِ- فَجَرَةٌ، فالمَعْنى الأوَّلُ أعَمُّ، لَكِنَّ المَعْنى الثانِيَ أغْرَقُ في المَعاصِي وأنْكى.
و "اللَغْوُ": كُلُّ سَقْطٍ مِن فِعْلٍ أو قَوْلٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الغِناءُ واللهْوُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قارَبَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ سَفَهُ المُشْرِكِينَ وأذاهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وذِكْرُ النِساءِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنُ المُنْكَرِ، و "كِرامًا" مَعْناهُ: مُعْرِضِينِ مُسْتَخِفِّينَ يَتَجافَوْنَ عن ذَلِكَ، ويَصْبِرُونَ عَلى الإيذاءِ مِنهُ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمِعَ غِناءً فَأسْرَعَ في مَشْيِهِ وذَهَبَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ فَقالَ: "لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ أُمْ عَبْدٍ كَرِيمًا، وقَرَأ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا إذا مَرَّ المُسْلِمْ بِمُنْكَرٍ فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحُدُودُ التَغْيِيرِ مَعْرُوفَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ﴾ ، يُرِيدُ: ذُكِّرُوا بِالقُرْآنِ آخِرَتَهم ومَعادَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهم بِهَذِهِ الصِفَةِ بَلْ يَكُونُ خُرُوجُهم سُجَّدًا وبُكِيًّا، وهَذا كَما تَقُولُ: لَمْ يَخْرُجْ زَيْدٌ لِلْحَرْبِ جَزَعًا، أيْ: إنَّما خَرَجَ جَرِيئًا مُقْدِمًا، أو كَأنَّ الَّذِي يَخِرُّ أصَمَّ أعْمى هو المُنافِقُ أوِ الشاكُّ، والتَأْوِيلُ الثانِي، وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وهو أنَّ ﴿ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ هي صِفَةٌ لِلْكُفّارِ، وهي عِبارَةٌ عن إعْراضِهِمْ وجَهْدِهِمْ في ذَلِكَ، وقِرْنُ ذَلِكَ بِقَوْلِكَ، قَعَدَ فُلانٌ يَشْتُمُنِي، وقامَ فُلانٌ يَبْكِي، وأنْتَ لَمْ تَقْصِدِ الإخْبارَ بِقُعُودٍ ولا قِيامٍ، وإنَّما هي تَوْطِئاتٌ في الكَلامِ والعِبارَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ المُسْتَمِعَ لِلذِّكْرِ قائِمُ القَناةِ قَوِيمُ الأمْرِ، فَإذا أعْرَضَ وضَلَّ كانَ ذَلِكَ خُرُورًا، وهو السُقُوطُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ وتَرْتِيبٍ، وإنْ كانَ قَدْ شُبِّهَ بِهِ الَّذِي يَخِرُّ ساجِدًا، ولَكِنَّ أصْلَهُ أنَّهُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبٍ.
ثُمْ مَدَحَ المُؤْمِنِينَ حالَ الدُعاءِ إلَيْهِ في أنْ يُقِرَّ العُيُونَ بِالأهْلِ والذُرِّيَّةِ.
و "قُرَّةُ العَيْنِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرِّ، وهو الأشْهَرُ؛ لِأنَّ دَمْعَ السُرُورِ بارِدٌ ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ، فَمِن هَذا يُقالُ: أقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ وأسْخَنَ اللهُ عَيْنَ العَدُوِّ، وقُرَّةُ العَيْنِ في الأزْواجِ والذُرِّيَّةِ أنْ يَراهُمُ الإنْسانُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وحَضْرَمِيٌّ، وبَيَّنَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الوَجْهَ مِن ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ يَهْتَدِي الِابْنُ، والأبُ كافِرٌ، والزَوْجُ، والزَوْجَةُ كافِرَةٌ، فَكانَتْ قُرَّةُ عُيُونِهِمْ في إيمانِ أحْبابِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ: "وَذُرِّيّاتِنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: "وَذُرِّيَّتِنا" بِالإفْرادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ قِيلَ: هو جَمْعُ "آمٍّ"، مِثْلُ قائِمْ وقِيامٌ، وقِيلَ: هو مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، أيِ: اجْعَلْنا يَأْتَمُّ بِنا المُتَّقُونَ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا أنْ يَكُونَ الداعِي مُتَّقِيًا قُدْوَةً، وهَذا هو قَصْدُ الداعِي، قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: لَمْ يَطْلُبُوا الرِياسَةَ، بَلْ أنْ يَكُونُوا قُدْوَةً في الدِينِ، وهَذا حَسَنٌ أنْ يُطْلَبَ ويُسْعى لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
إذا وقع الإخبار عن شيء أو توصيفٌ له أو حالةٌ منه بمرادف لما سبق مثله في المعنى دون زيادة تعيَّن أن يكون الخبر الثاني مستعملاً في شيء من لوازم معنى الإخبار يبيّنه المقام، كقول أبي الطَّمحان لقَيْنِي: وإني من القوم الذين هُمُ هُمُ *** وقول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري *** وقول النبي صلى الله عليه وسلم «من رَآني في المنام فقد رآني» فقوله تعالى هنا: ﴿ ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً ﴾ وقع الإخبار عن التائب بأنه تائب إذ المتاب مصدر ميمي بمعنى التوبة فيتعيّن أن يُصرف إلى معنى مفيد، فيجوز أن يكون المقصود هو قوله: ﴿ إلى الله ﴾ فيكون كناية عن عظيم ثوابه.
ويجوز أن يكون المقصود ما في المضارع من الدلالة على التجدد، أي فإنه يستمر على توبته ولا يرتد على عَقبيه فيكون وعداً من الله تعالى أن يُثبّته على القول الثابت إذا كان قد تاب وأيّد توبته بالعمل الصالح.
ويجوز أن يكون المقصود ما للمفعول المطلق من معنى التأكيد، أي من تاب وعمل صالحاً فإن توبته هي التوبة الكاملة الخالصة لله على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» فيكون كقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا توبُوا إلى الله توبة نصوحاً ﴾ [التحريم: 8].
وذكر المفسرون احتمالات أخرى بعيدة.
والتوكيد ب (إنّ) على التقادير كلها لتحقيق مضمون الخبر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ يَعْنِي لا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا، ولا يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في العِبادَةِ وسِيطًا.
﴿ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي حَرَّمَ قَتْلَها، وهي نَفْسُ المُؤْمِنِ والمَعاهِدِ.
﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ والحُقُّ المُسْتَباحُ بِهِ قَتْلُها، ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمانٍ، أوْ زِنًى بَعْدَ إحْصانٍ، أوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» .
﴿ وَلا يَزْنُونَ ﴾ والزِّنى إتْيانُ النِّساءِ المُحَرَّماتِ في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ، واللِّواطُ زِنًى في أحَدِ القَوْلَيْنِ وهو في القَوْلِ الثّانِي مُوجِبٌ لِقَتْلِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وفي إتْيانِ البَهائِمِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كالزِّنى في الفَرْقِ بَيْنَ البِكْرِ والثَّيِّبِ.
الثّانِي: أنَّهُ يُوجِبُ قَتْلَ البَهِيمَةِ ومَن أتاها لِلْخَبَرِ المَأْثُورِ فِيهِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.
فَجَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ ثَلاثٍ مِنَ الكَبائِرِ: الشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ والزِّنى، رَوى عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ (أوْ قالَ غَيْرِي): أيُّ ذَنْبٍ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟
قالَ: (أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟
قالَ: (أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خِيفَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ) قالَ: ثُمَّ أيٌّ ؟
قالَ: (أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ) قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ.
» ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي هَذِهِ الثَّلاثَةَ أوْ بَعْضَها ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: : أحَدُها: أنَّ الأثامَ العُقُوبَةُ قالَهُ بَلْعامُ بْنُ قَيْسٍ: جَزى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ الثّانِي: أنَّ الأثامَ اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَقِيتُ المَهالِكَ في حَرْبِنا ∗∗∗ وبَعْدَ المَهالِكِ تَلْقى أثامًا الثّالِثُ: الجَزاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الشّاعِرُ: وإنَّ مَقامَنا نَدْعُو عَلَيْكم ∗∗∗ بِأبْطَحَ ذِي المَجازِ لَهُ أثامُ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُضاعَفَةَ عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّها الجَمْعُ بَيْنَ عُقُوباتِ الكَبائِرِ المُجْتَمِعَةِ.
الثّالِثُ: أنَّها اسْتِدامَةُ العَذابِ بِالخُلُودِ.
﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ ﴾ أيْ يَخْلُدُ في العَذابِ بِالشِّرْكِ.
﴿ مُهانًا ﴾ بِالعُقُوبَةِ.
﴿ إلا مَن تابَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الزِّنى.
﴿ وَآمَنَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ وَعَمِلَ عَمَلا صالِحًا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ السَّيِّئاتِ.
﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: في الدُّنْيا يُبَدِّلُهم بِالشِّرْكِ إيمانًا، وبِالزِّنى إحْصانًا وبِذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، وبِطاعَتِهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ في الآخِرَةِ فِيمَن غَلَبَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ فَيُبَدِّلُ اللَّهُ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُبَدِّلُ اللَّهُ عِقابَ سَيِّئاتِهِ إذا تابَ مِنها بِثَوابِ حَسَناتِهِ إذا انْتَقَلَ إلَيْها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لِما تَقَدَّمَ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
﴿ رَحِيمًا ﴾ لِما بَعْدَها.
وَحَكى الكَلْبِيُّ «أنَّ وحْشِيًّا وهو عَبْدُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوانَ كَتَبَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ وقَتْلِ حَمْزَةَ إلى النَّبِيِّ : هَلْ مِن تَوْبَةٍ؟
فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ بِمَكَّةَ إياسِي مِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآيَةَ وإنَّ وحْشِيًّا قَدْ فَعَلَ هَذا كُلَّهُ، وقَدْ زَنى وأشْرَكَ وقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إلا مَن تابَ ﴾ أيْ مِنَ الزِّنى وآمَنَ بَعْدَ الشِّرْكِ وعَمِلَ صالِحًا بَعْدَ السَّيِّئاتِ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلَيْهِ فَقالَ وحْشِيٌّ: هَذا شَرْطٌ شَدِيدٌ ولَعَلِّي لا أبْقى بَعْدَ التَّوْبَةِ حَتّى أعْمَلَ صالِحًا، فَكَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ : هَلْ مِن شَيْءٍ أوْسَعَ مِن هَذا؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلى وحْشِيٍّ.
فَأرْسَلَ وحْشِيٌّ إلى النَّبِيِّ : إنّى لَأخافُ أنْ لا أكُونَ في مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في وحْشِيٍّ وأصْحابِهِ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ الآيَةَ.
فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلى وحْشِيٍّ إلى النَّبِيِّ فَأسْلَمَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟
قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك قلت: ثم أي؟
قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت: ثم أي؟
قال: أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ﴾ .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؛ فنزل ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر...
﴾ ونزلت ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ [ الزمر: 53] .
وأخرج البخاري وابن المنذر من طريق القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جبير هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟
فقرأت عليه ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ فقال سعيد: قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليَّ فقال: هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء.
وأخرج ابن المبارك عن شفي الأصبحي قال: إن في جهنم جبلاً يدعى: صعوداً.
يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه، وإن في جهنم قصراً يقال له: هوى.
يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله.
قال تعالى ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ [ طه: 81] وأن في جهنم وادياً يدعى: أثاماً.
فيه حيات وعقارب في فقار احداهن مقدار سبعين قلة من السم، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة، وإن في جهنم وادياً يدعى: غياً.
يسيل قيحاً ودماً.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟
قال: الصلوات لمواقيتهن.
قلت: ثم أي؟
قال: بر الوالدين قلت: ثم أي؟
قال: ثم الجهاد في سبيل الله، ولو استزدته لزادني.
وسألته أي الذنب أعظم عند الله؟
قال: الشرك بالله قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك» فما لبثنا إلا يسيراً حتى أنزل الله: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن عون بن عبد الله قال: سألت الأسود بن يزيد هل كان ابن مسعود يفضل عملاً على عمل؟
قال: نعم.
سألت ابن مسعود قال: سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت «يا رسول الله أي الأعمال أحبها إلى الله وأقربها من الله؟
قال: الصلاة لوقتها قلت: ثم ماذا على اثر ذلك؟
قال: ثم بر الوالدين قلت: ثم ماذا على أثر ذلك؟
قال: الجهاد في سبيل الله، ولو استزدته لزادني قلت: فأي الأعمال أبغضها إلى الله وأبعدها من الله؟
قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وأن تقتل ولدك أن يأكل معك، وإن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر..
﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل «إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتذر الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغدو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر في قوله: ﴿ يلق أثاماً ﴾ قال: واد في جهنم.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ يلق أثاماً ﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ﴿ أثام ﴾ أودية في جهنم فيها الزناة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يلق أثاماً ﴾ قال: نكالاً.
وكنا نحدث أنه واد في جهنم، وذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني إياك والزنا فإن أوّله مخافة، وآخره ندامة.
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن شفي الأصبحي قال: إن في جهنم وادياً يدعى: أثاماً.
فيه حيات وعقارب في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من السم، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة.
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يلق أثاماً ﴾ ما الأثام؟
قال: الجزاء قال فيه عامر بن الطفيل: وروّينا الأسنة من صداء ** ولاقت حمير منا أثاما وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ «يضاعف» بالرفع «له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه» بنصب الياء ورفع اللام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ويخلد فيه ﴾ يعني في العذاب ﴿ مهاناً ﴾ يعني يهان فيه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ اشتد ذلك على المسلمين فقالوا: ما منا أحد إلا أشرك، وقتل، وزنى، فأنزل الله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا...
﴾ [ الزمر: 53] .
يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك، ثم نزلت بعده ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ فأبدلهم الله بالكفر الإِسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالانكار المعرفة، وبالجهالة العلم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: نزلت آية من تبارك بالمدينة في شأن قاتل حمزة وحشي وأصحابه كانوا يقولون: انا لنعرف الإِسلام وفضله فكيف لنا بالتوبة وقد عبدنا الأوثان، وقتلنا أصحاب محمد، وشربنا الخمور، ونكحنا المشركات؟!
فأنزل الله فيهم ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر..
﴾ الآية.
ثم أنزلت توبتهم ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ فأبدلهم الله بقتال المسلمين قتال المشركين، ونكاح المشركات نكاح المؤمنات، وبعبادة الأوثان عبادة الله.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن هذه الآية ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ .
قال: هؤلاء كانوا في الجاهلية فأشركوا، وقتلوا وزنوا.
فقالوا: لن يغفر الله لنا.
فأنزل الله: ﴿ إلا من تاب ﴾ .
قال: كانت التوبة والإِيمان والعمل الصالح، وكان الشرك والقتل والزنا.
كانت ثلاث مكان ثلاث.
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قرأنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سنين ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ ثم نزلت ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها، وفرحه بأنا ﴿ فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ [ الفتح: 1] .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال: لما نزلت ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كنا أشركنا في الجاهلية، وقتلنا، فنزلت ﴿ إلا من تاب ﴾ .
وأخرج أبو داود في تاريخه عن ابن عباس ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ ثم استثنى ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ثم انصرفت، فاذا امرأة عند بابي فقالت: جئتك أسألك عن عمل عملته هل ترى لي منه توبة؟
قلت: وما هو؟
قالت: زنيت وولد لي وقتلته قلت: لا..
ولا كرامة.
فقامت وهي تقول: واحسرتاه..
!
أيخلق هذا الجسد للنار؟
فلما صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة قصصت عليه أمر المرأة قال: ما قلت لها؟
قلت لا..
ولا كرامة قال: بئس ما قلت.
أما كنت تقرأ هذه الآية!
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا من تاب ﴾ الآية.
قال أبو هريرة: فخرجت فما بقيت دار بالمدينة ولا خطة إلا وقفت عليها فقلت: إن كان فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأت ولتبشر.
فلما انصرفت من العشي إذا هي عند بابي فقلت: ابشري إني ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما قلت لي، وما قلت لك فقال: بئس ما قلت أما كنت تقرأ هذه الآية!
وقرأتها عليها فخرجت ساجدة وقالت: أحمد الله الذين جعل لي توبة ومخرجاً، أشهد أن هذه الجارية لجارية معها وابن لها حران لوجه الله، وإني قد تبت مما عملت» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: هم المؤمنون؛ كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من تاب ﴾ قال: من ذنبه ﴿ وآمن ﴾ قال: بربه.
﴿ وعمل صالحاً ﴾ قال: فيما بينه وبين ربه ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: إنما التبديل طاعة الله بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه، والخير تعمله بعد الشر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: التبديل في الدنيا يبدل الله بالعمل السيء العمل الصالح، وبالشرك اخلاصاً، وبالفجور عفافاً، ونحو ذلك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: الإِيمان بعد الشرك.
وأخرج عبد بن حميد عن مكحول ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: إذا تابوا جعل الله ما عملوا من سيئاتهم حسنات.
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحسين ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: في الآخرة وقال الحسن: في الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي قال: إن المؤمن يعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرأها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدِّلَتْ حسنات فعند ذلك يقول ﴿ هاؤم اقرأوا كتابيه ﴾ [ الحاقة: 19] .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سلمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
وأخرج أحمد وهناد ومسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا وهو مقر ليس ينكر، وهو مُشْفِقٌ من الكبار أن تجيء فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل: ومن هم يا رسول الله؟
قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات» .
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: حتى يتمنى العبد أن سيئاته كانت أكثر مما هي.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قيل له: إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال: ولم ذاك؟
قال: يتأوّلون هذه الآية ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ فقال أبو العالية: وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله من كتاب.
ثم تلا هذه الآية ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: «جاء شيخ كبير فقال: يا رسول الله رجل غدر وفجر فلم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، ولو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم.
فهل له من توبة؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت..؟
قال: نعم.
قال: فإن الله غافر لك، ومبدل سيئاتك حسنات قال: يا رسول الله وغدارتي...
وفجراتي..
قال: وغدراتك وفجراتك» .
وأخرج الطبراني عن سلمة بن كهيل قال: «جاء شاب فقال: يا رسول الله أرأيت من لم يدع سيئة إلا عملها، ولا خطيئة إلا ركبها، ولا أشرف له سهم فما فوقه إلا اقتطعه بيمينه، ومن لو قسمت خطاياه على أهل المدينة لغمرتهم؟
فقال النبي: صلى الله عليه وسلم أأسلمت...؟
قال: أما أنا فاشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قال: اذهب فقد بدل الله سيئاتك حسنات قال: يا رسول الله وغدارتي..
وفجراتي..
قال: وغدراتك وفجراتك ثلاثاً» فولى الشاب وهو يقول: الله أكبر.
وأخرج البغوي وابن قانع والطبراني عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها؟
فذكر نحوه.
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال: التبديل يوم القيامة إذا وقف العبد بين يدي الله والكتاب بين يديه ينظر في السيئات والحسنات فيقول: قد غفرت لك ويسجد بين يديه فيقول: قد بدلت فيسجد فيقول: قد بدلت فيسجد فيقول الخلائق: طوبى لهذا العبد الذي لم يعمل سيئة قط.
وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: اعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعاً وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة» .
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول في قوله: ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ قال: يجعل مكان السيئات الحسنات قال: فرأيت مكحولاً غضب حتى جعل يرتعد.
<div class="verse-tafsir"
[قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ومن آمن: يريد رجلاً قبل هؤلاء ممن كان آمن من أهل مكة، وهاجر ولم يكن قتل، ولا زنا ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ يريد الفرائض] (١) ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا ﴾ يريد: أي فضلتهم وقدمتهم على من قاتل نبيي ، واستحل محارمي (٢) وعلى هذا معنى الآية: من آمن وأدى ما افتُرض عليه، ولم يكن ممن قتل وزنا، فإنه يصير إلى ما آتاه الله من التفضيل والتقديم على من قتل وزنا ثم تاب.
وقال الكلبي: ومن تاب من الشرك وعمل صالحًا بعد التوحيد فإنه يتوب إلى الله متابًا، يقول: يجد عند الله متابًا (٣) وقال مقاتل: ﴿ وَمَنْ تَابَ ﴾ من الشرك ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا ﴾ يعني: مناصحًا (٤) (٥) هذا ما ذكره أهل التفسير في هذه الآية؛ وهو غير مقنع، ولا شاف.
وكشف أرباب المعاني عن معنى الآية؛ قال صاحب النظم: ليس في نظم العرب، أن يقولوا: من قام وصلى فإنه يصلي صلاة؛ لأنه ليس في ظاهره فائدة إلا بأن يكونا مختلفين في المعنى، فالتأويل -إن شاء الله-: ﴿ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ فإنه يرجع يوم القيامة إلى الله عز وجل فيكافئه ويثيبه بعمله.
وعلى هذا التوبة الأولى: رجوع عن الشرك والمعصية، والثانية: رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة، كقوله: {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] أي: مرجعي في المعاد (٦) وقال ابن الأنباري: يُسأل عن هذه الآية فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ ﴾ بعد قوله: ﴿ وَمَنْ تَابَ ﴾ وهل يجوز لقائل أن يقول: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب؟
والجواب: أن التكرير وجب لزيادةٍ في المعنى؛ ومعنى الآية: من أراد التوبة وقصد حقيقتها ينبغي أن يريد الله بها، ولا يخلط بها أمرًا من أمور الدنيا.
كما يقول الرجل: من تجر فإنه يتجر في البَزِّ (٧) (٨) وقال أبو علي الفارسي: وجه دخول الفاء في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ ﴾ كما ذكرنا في قوله: ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ ﴾ ومعنى قوله: ﴿ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ ﴾ فالقول في هذا: أن اللفظ على شيء، والمعنى على غيره، وذلك غير ضيق في كلامهم، ألا ترى أنهم قد قالوا: ما أنت وزيد، والمعنى لم تؤذيه، واللفظ إنما هو على المسألة من المخاطب، وزيد معطوف عليه، وكذلك قولهم: أمكنك الصيد، والمعنى: ارمه، وكذلك: هذا الهلال أي: انظر إليه، فكذلك قوله: ﴿ وَمَن تَابَ ﴾ كأنه: ومن عزم على التوبة فينبغي أن يبادر إليها ويتوجه بها إلى الله سبحانه، وهذا كما قال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ ﴾ أي: إذا عزمت على ذلك، وعلى هذا المعنى قوله: ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا ﴾ أي: ينبغي أن يتوب، كقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228] أي: ينبغي أن يتربصن.
هذا كلامه (٩) وأمثل هذه الأقوال ما ذكره صاحب النظم.
(١) ما بين المعقوفين، ساقط من: (ج).
(٢) ذكره الواحدي، في "الوسيط" 3/ 347، بسياق قريب من هذا.
(٣) "تنوير المقباس" ص 305، بلفظ: يجد ثوابها عند الله.
(٤) الناصح: الخالص.
"تهذيب اللغة" 4/ 250 (نصح)، و"لسان العرب" 2/ 615.
(٥) "تفسير مقاتل" ص 47 ب، وعلى هذا فالتوبة في الآية عن جميع السيئات.
ومعناه: ومن أراد التوبة، وعزم عليها فليتب لوجه الله.
"تفسير البغوي" 6/ 98.
(٦) ذكر هذا القول البغوي 6/ 97، ولم ينسبه.
(٧) البَزُّ: ضرب من الثياب.
"تهذيب اللغة" 13/ 173 (بز).
(٨) ذكره ابن الجوزي 6/ 108، عن ابن الأنباري.
(٩) لم أجده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً ﴾ أي متاباً مقبولاً مرضياً عند الله كما تقول: لقد قلت يا فلان قولاً، أي قولاً حسناً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.
﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الباقون بفتح الياء وكسر التاء.
﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.
الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.
﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.
وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.
النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه لم يترك طاعة الله طرفة عين.
ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.
وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.
يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.
وسمى المائين الكثيرين بحرين.
والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.
وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.
سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله ؟
والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.
وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.
الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.
ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.
قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.
يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.
﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.
ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.
يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.
والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.
والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.
وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".
إذا نبذها وراء ظهره.
والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.
قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.
ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.
فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.
وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.
ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.
وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.
وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.
ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.
ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".
ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.
وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.
قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.
والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله .
وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.
وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".
قال ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع ﴾ .
وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.
وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.
والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.
وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير ﴾ .
ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.
قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".
ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.
ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.
ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.
والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.
قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.
ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.
ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.
فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.
شبهت بالقصور العالية.
واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.
ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ في أحد تفاسيره.
وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.
وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.
ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.
أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.
قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.
وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.
والشكور مصدر كالكفور.
ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.
وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.
وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.
وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.
وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.
ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.
وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.
وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.
وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.
وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.
والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.
وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.
ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.
والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.
عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.
ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.
وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.
ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.
وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.
وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.
وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.
وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.
واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.
"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟
قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.
قلت: ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.
قلت: ثم أي؟
قال أن تزاني حليلة جارك" .
فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.
وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.
والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.
وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.
ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.
هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.
وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.
وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.
وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.
وقال الزجاج.
السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.
وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .
وقال القاضي والقفال: إنه يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.
ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.
ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.
والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.
ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.
فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.
وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.
وعن مجاهد: أعياد المشركين.
وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله وعلى رسوله.
والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.
وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.
وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.
ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.
وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.
وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.
قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.
والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.
قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.
ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.
عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.
وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.
وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.
وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.
قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.
وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.
والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.
والثالث حصول الرضا.
وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.
وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.
ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.
قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله .
وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.
وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.
وقيل: الغرفة اسم للجنة.
وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.
ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.
ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.
قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.
وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟
والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.
قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.
﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.
والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.
وقيل: يكون العقاب لزاماً.
وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله أعلم.
التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.
ويروى أن موسى سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.
فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.
وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.
فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.
والرزخ هو القلب.
وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.
وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.
ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.
﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.
﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.
﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.
وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.
وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.
﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.
﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.
﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.
وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.
ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.
قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ وصف - عز وجل - هؤلاء الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن.
وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى.
وقوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ : قال بعضهم: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر.
وقال بعضهم: ﴿ هَوْناً ﴾ أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحاً.
وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، والله ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم.
وفي بعض الأخبار مرفوعاً عن رسول الله قال: "المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ" وأصله: أنهم يمشون هوناً من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يُلْحِقَ بأحد منهم ضرر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ : قال بعضهم: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم.
وقال بعضهم: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلاماً، أي سداداً وصواباً من القول، وردّاً مصروفاً أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ...
﴾ الآية [القصص: 55]، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفة والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ .
عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله : "رحم الله الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم" ثم قال: "من صلى ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً قائماً" وقال الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجداً لربهم تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما خشع له نهارهم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله عما في ضميرهم، ليس على حقيقة القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع.
ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، والله أعلم.
ثم أخبر عن عذابها فقال: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .
قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه غير عذاب جهنم.
وقال بعضهم: الغرام: الهلاك وقال: ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ أي: جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حيث قال: ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال بعضهم: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا.
وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .
وقال أبو عوسجة: ﴿ هَوْناً ﴾ من الرفق يقال: هان يهون هوناً، فهو هائن.
وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به.
والغرام: الهلاك.
وكذلك قال القتبي: غراما، أي: هلكة.
وقال: مشياً هوناً: رويداً، سلاماً، أي: سداداً من القول لا رفث فيه ولا هجر.
وقوله: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ .
قال بعضهم: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصداً وأعطوا فضلا وجادوا، واستبشروا ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: ولم يتمسكوا عن الحق.
وقوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: بين الإسراف والتقتير مقصداً؛ وهو تأويل مقاتل.
وقال بعضهم: الإسراف هو الإنفاق في معصية الله، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم يمنعوا عن طاعته، ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله.
وقال بعضهم: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها.
والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به.
وقال بعضهم: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: وسطا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ولكن بين ذلك.
وأصل ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾ ، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: قائماً في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر.
ثم يحتمل هذا وجهين: ﴿ لاَ يَدْعُونَ ﴾ أي: لا يعبدون دون الله غيره، أو: لا يسمون غير الله.
﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ : أخبر في الآية الأولى في قوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هوناً ولا يؤذون أحداً ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديداً،؛ هذه معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم بالليل حيث قال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ الآية.
ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما أمروا بالوضع فيها.
وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم الله حيث قال: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ موصول بهذا أيضاً، ومقدم عن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ ؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثاماً.
قال بعضهم: أثاماً: أي: وادياً في جهنم.
وقال بعضهم: أثاماً: عذاباً في النار.
وقوله: ﴿ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قال بعضهم: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى فيه.
وقال بعضهم: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب.
وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ دل أنها محرمة بعد غير كافرة.
﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، وإما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق" ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛ فدل أنه ما ذكرنا.
وقال أبو عوسجة: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم.
قال: والقوام: الوسط.
ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد.
قال أبو معاذ: في قوله: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ لغات أربع: ﴿ ولم يُقْتِروا ﴾ : برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و ﴿ يَقْتِروا ﴾ بنصب الياء، وخفض التاء، و ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ برفع التاء، والمعنى كله واحد.
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ : قال بعضهم: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - والله أعلم - قوم عقلوا عن الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله.
وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أولئك - أعني: أهل صفوة الله وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صمّاً ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين متفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...
﴾ الآية [الأنفال: 2].
وقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ : فإن قيل: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ ، فما معنى الضعف هاهنا؟
قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا بالله بعدما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول الله : ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضاً - لأزواجه حيث قال: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، كل من كان أعظم قدراً وأكثر نعماً عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله.
والثاني: أن يكون ذلك للأئمة - أعني: الكفرة والرؤساء - دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ .
أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة.
ثم استثنى من تاب منهم، فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً...
﴾ الآية، في الذين قال: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم.
وقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل الله سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك.
والثاني: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: "ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟
قال: هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"؛ وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً ﴾ لا يرجع عنها أبداً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ ﴾ على الأمر، دليله قوله حيث قال: ﴿ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية [الأنفال: 66].
والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبداً، وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبداً.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قد ذكرناه، ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : قد ذكرناه أيضاً.
وقال بعضهم: إذا أوذوا صفحوا.
وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه.
وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي: عقوبة، الآثام: العقوبة.
وقوله: ﴿ مَرُّوا كِراماً ﴾ أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم.
﴿ صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ أي: لم يتغافلوا عنها.
وقال بعضهم: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صما وعمياناً عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعاً وبصراً؛ وهو واحد.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ : قد نعتهم - عز وجل - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار [و]نعتهم أيضاً في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً...
﴾ الآية [التحريم: 6]؛ فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا.
قال الحسن: والله ما شيء أحبّ إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع الله، وقال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ : قال بعضهم: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى يقتدى بنا.
وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون.
وأصله - والله أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار متقياً، لا من اقتدى صار ضالا فاسقاً، هذا - والله أعلم - تأويله، وإلا سؤالهم: أن اجعلنا إماماً للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.
ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ أولئك يجزون الجنة بما عملوا ﴾ ، فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن مسعود.
وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ ﴾ فيها بالتخفيف والتشديد، ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً ﴾ أي: يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ ﴾ .
أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض.
وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ : دائمين.
﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ : تأويله - والله أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام.
وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه.
وقال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ ﴾ أي: ما يصنع بكم ربي.
وتأويله - والله أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم.
وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: هو عذاب يوم بدر - يعني: ألزم بعضهم بعضا - وكذلك قال ابن مسعود قال: "مضت آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر"، وقال: لزاماً، أي: عذاباً ملازماً غير مفارق، وهو عذاب الآخرة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: "ما أعبأ بهذا الأمر" أي: ما أصنع به، ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول القتبي، والله أعلم.
ومن تاب إلى الله، وبَرْهَن على صدق توبته بفعل الطاعات وترك المعاصي فإن توبته توبة مقبولة.
<div class="verse-tafsir" id="91.35Q18"