الآية ٧٧ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٧٧ من سورة الفرقان

قُلْ مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا ٧٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٧ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٧ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( قل ما يعبأ بكم ربي ) أي : لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه; فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا .

وقال مجاهد ، وعمرو بن شعيب : ( ما يعبأ بكم ربي ) يقول : ما يفعل بكم ربي .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ) يقول : لولا إيمانكم ، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين ، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين .

وقوله : ( فقد كذبتم ) أي : أيها الكافرون ( فسوف يكون لزاما ) أي : فسوف يكون تكذيبكم لزاما لكم ، يعني : مقتضيا لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة ، ويدخل في ذلك يوم بدر ، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومحمد بن كعب القرظي ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم .

وقال الحسن البصري : ( فسوف يكون لزاما ) يعني : يوم القيامة .

ولا منافاة بينهما .

والله أعلم .

آخر تفسير سورة الفرقان ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ) يصنع لولا دعاؤكم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ) قال: يعبأ: يفعل.

وقوله: ( لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) يقول: لولا عبادة من يعبده منكم, وطاعة من يطيعه منكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) يقول: لولا إيمانكم, وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين, ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حبَّبه إلى المؤمنين.

وحدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) قال: لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه.

وقوله: ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) يقول تعالى ذكره لمشركي قريش قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد كذبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل إليكم وخالفتم أمر ربكم الذي أمر بالتمسك به لو تمسكتم به, كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم, وخلافكم أمر بارئكم, عذابًا لكم ملازما, قتلا بالسيوف وهلاكا لكم مفنيا يلحق بعضكم بعضا, كما قال أبو ذُؤَيب الهُذَليّ: فَفاجــــأَهُ بِعادِيَــــةٍ لِـــزَامٍ كمَــا يَتَفَجَّــرُ الحَــوْضُ اللَّقِيـفُ (8) يعني باللزام: الكبير الذي يتبع بعضه بعضا, وباللقيف: المتساقط الحجارة المتهدّم, ففعل الله ذلك بهم, وصدقهم وعده, وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه, وألحق بعضهم ببعض, فكان ذلك العذاب اللزام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, قال: أخبرني مولى لشقيق بن ثور أنه سمع سلمان أبا عبد الله, قال: صليت مع ابن الزُّبير فسمعته يقرأ: فقد كذب الكافرون.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: ثنا سعيد بن أدهم السدوسيّ, قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة, عن عبد المجيد, قال: سمعت مسلم بن عمار, قال: سمعت ابن عباس يقرأ هذا الحرف: فقد كذب الكافرون ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ).

حدثنا محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) يقول: كذب الكافرون أعداء الله.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عامر, عن ابن مسعود, قال: فسوف يلقون لزاما يوم بدر.

حدثني أبو السائب, قال: ثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم, عن مسروق.

قال: قال عبد الرحمن: خمس قد مضين: الدخان, واللزام, والبطشة, والقمر, والروم.

حدثني الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, قوله: ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال أُبَيِّ بن كعب: هو القتل يوم بدر.

حدثنا بن حميد, قال: ثنا سلمة, عن عمرو, عن مغيرة, عن إبراهيم, قال: اللزام: يوم بدر.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, عن ليث, عن مجاهد ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: هو يوم بدر.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: يوم بدر.

حدثني القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن مَعْمر, عن منصور, عن سفيان, عن ابن مسعود, قال: اللزام, القتل يوم بدر.

حُدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) الكفار كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبما جاء به من عند الله, فسوف يكون لزاما, وهو يوم بدر.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله, قال: قد مضى اللزام, كان اللزام يوم بدر, أسروا سبعين, وقتلوا سبعين.

وقال آخرون: معنى اللزام: القتال.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: فسوف يكون قتالا اللزام: القتال.

وقال آخرون: اللزام: الموت.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) قال: موتا.

وقال بعض أهل العلم بكلام العرب: معنى ذلك: فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو شرّ.

وقد بيَّنا الصواب من القول في ذلك.

وللنصب في اللزامِ وجه آخر غير الذي قلناه, وهو أن يكون في قوله ( يَكُون ) مجهول, ثم ينصب اللزام على الخبر كما قيل: إذَا كان طَعْنًا بَيْنَهُمْ وَقتالا وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تَدْعون من دونه من الآلهة والأنداد, وهذا قول لا معنى للتشاغل به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل.

آخر تفسير سورة الفرقان, والحمد لله وحده.

--------------------------- الهوامش : (8) البيت لأبي ذؤيب الهذلي ( اللسان : لقف) .

قال : وحوض لقف ولقيف : تهور من أسفله واتسع ، ومنه قول أبي ذؤيب :* فلـم تـر غـير عاديـة لزامًـا * ..

.

البيت قال : ويقال: الملآن .

والأول: هو الصحيح .

قال : والعادية : القوم يعدون على أرجلهم أي : فحملتهم لزامًا ، كأنهم لزموه ، لا يفارقون ما هم فيه .

ا هـ .

وقال في (لزم) : واللزام : الملازم قال أبو ذؤيب : ( البيت كروايته في لقف ) ثم فسره كما فسره هناك .

قال : واللقيف : المتهور من أسفله .

وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن ( مصورة الجامعة رقم 26059 ص 170) : لزام : أي كثيرة بعضها في أثر بعض وبهامشه : اللقيف المتهدم ، الذي سقطت حجاره بعضها على بعض .

اه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم هذه آية مشكلة تعلقت بها الملحدة .

يقال : ما عبأت بفلان أي ما باليت به ; أي ما كان له عندي وزن ولا قدر .

وأصل " يعبأ " من العبء وهو الثقل .

وقول الشاعر [ أبو زبيد ] :[ ص: 81 ]كأن بصدره وبجانبيه عبيرا بات يعبئوه عروسأي يجعل بعضه على بعض .

فالعبء الحمل الثقيل ، والجمع أعباء .

والعبء المصدر .

و " ما " استفهامية ; ظهر في أثناء كلام الزجاج ، وصرح به الفراء .

وليس يبعد أن تكون نافية ; لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفي خرج مخرج الاستفهام ; كما قال تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان قال ابن الشجري : وحقيقة القول عندي أن موضع " ما " نصب ; والتقدير : أي عبء يعبأ بكم ; أي أي مبالاة يبالي ربي بكم لولا دعاؤكم ; أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه ، فالمصدر الذي هو الدعاء على هذا القول مضاف إلى مفعوله ; وهو اختيار الفراء .

وفاعله محذوف وجواب " لولا " محذوف كما حذف في قوله : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال تقديره : لم يعبأ بكم .

ودليل هذا القول قوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فالخطاب لجميع الناس ; فكأنه قال لقريش منهم : أي ما يبالي الله بكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت ; وذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله .

ويؤيد هذا قراءة ابن الزبير وغيره .

( فقد كذب الكافرون ) فالخطاب ب " ما يعبأ " لجميع الناس ، ثم يقول لقريش : فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون التكذيب هو سبب العذاب لزاما .

وقال النقاش وغيره : المعنى ; لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك .

بيانه : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين ونحو هذا .

وقيل : ما يعبأ بكم أي بمغفرة ذنوبكم ولا هو عنده عظيم لولا دعاؤكم معه الآلهة والشركاء .

بيانه : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم .

قاله الضحاك .

وقال الوليد بن أبي الوليد : بلغني فيها : أي ما خلقتكم ولي حاجة إليكم إلا أن تسألوني فأغفر لكم وأعطيكم .

وروى وهب بن منبه أنه كان في التوراة : يا ابن آدم وعزتي ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلا من كل شيء فأنا خير لك من كل شيء .

قال ابن جني : قرأ ابن الزبير وابن عباس فقد كذب الكافرون .

قال الزهراوي والنحاس : وهي قراءة ابن مسعود وهي على التفسير ; للتاء والميم في " كذبتم " .

وذهب القتبي والفارسي إلى أن الدعاء مضاف إلى الفاعل ، والمفعول محذوف .

الأصل : لولا دعاؤكم آلهة من دونه ; وجواب " لولا " محذوف ، تقديره في هذا الوجه : لم يعذبكم .

ونظير قوله : لولا دعاؤكم آلهة قوله : إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم .

فقد كذبتم أي كذبتم بما دعيتم إليه ; هذا على [ ص: 82 ] القول الأول ; وكذبتم بتوحيد الله على الثاني .

فسوف يكون لزاما أي يكون تكذيبكم ملازما لكم .

والمعنى : فسوف يكون جزاء التكذيب ، كما قال : ووجدوا ما عملوا حاضرا أي جزاء ما عملوا ، وقوله : فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أي جزاء ما كنتم تكفرون .

وحسن إضمار التكذيب لتقدم ذكر فعله ; لأنك إذا ذكرت الفعل دل بلفظه على مصدره ، كما قال : ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم أي لكان الإيمان .

وقوله : وإن تشكروا يرضه لكم أي يرضى الشكر .

ومثله كثير .

وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما نزل بهم يوم بدر ، وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل وغيرهم .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله : وقد مضت البطشة والدخان واللزام .

وسيأتي مبينا في سورة الدخان إن شاء الله تعالى .

وقالت فرقة : هو توعد بعذاب الآخرة .

وعن ابن مسعود أيضا : اللزام التكذيب نفسه ; أي لا يعطون التوبة منه ; ذكره الزهراوي ; فدخل في هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذي يلزمونه .

وقال أبو عبيدة : " لزاما " فيصلا أي فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين .

والجمهور من القراء على كسر اللام ; وأنشد أبو عبيدة لصخر :فإما ينجوا من خسف أرض فقد لقيا حتوفهما لزاماولزاما وملازمة واحد .

وقال الطبري : " لزاما " يعني عذابا دائما لازما ، وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض ; كقول أبي ذؤيب :ففاجأه بعادية لزام كما يتفجر الحوض اللقيفيعني باللزام : الذي يتبع بعضه بعضا ، وباللقيف : المتساقط الحجارة المتهدم .

النحاس : وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال : سمعت قعنبا أبا السمال يقرأ : " لزاما " بفتح اللام .

قال أبو جعفر : يكون مصدر لزم ، والكسر أولى ، يكون مثل قتال ومقاتلة ، كما أجمعوا على الكسر في قوله عز وجل : ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى .

قال غيره : " اللزام " بالكسر مصدر لازم لزاما مثل خاصم خصاما ، و " اللزام " بالفتح مصدر لزم مثل سلم سلاما أي سلامة ; ف " اللزام " بالفتح اللزوم ، واللزام الملازمة ، والمصدر في القراءتين وقع موقع اسم الفاعل .

فاللزام وقع موقع ملازم ، واللزام وقع موقع لازم .

كما قال تعالى : [ ص: 83 ] قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا أي غائرا .

قال النحاس : وللفراء قول في اسم " يكون " قال : يكون مجهولا .

وهذا غلط ; لأن المجهول لا يكون خبره إلا جملة ، كما قال تعالى : إنه من يتق ويصبر وكما حكى النحويون كان زيد منطلق .

يكون في " كان " مجهول ويكون المبتدأ وخبره خبر المجهول ، التقدير : كان الحديث ; فأما أن يقال : كان منطلقا ، ويكون في " كان " مجهول ، فلا يجوز عند أحد علمناه .

وبالله التوفيق وهو المستعان والحمد لله رب العالمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأخبر تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بغير هؤلاء وأنه لولا دعاؤكم إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة ما عبأ بكم ولا أحبكم فقال: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} أي: عذابا يلزمكم لزوم الغريم لغريمه وسوف يحكم الله بينكم وبين عباده المؤمنين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل ما يعبأ بكم ربي ) قال مجاهد وابن زيد : أي : ما يصنع وما يفعل بكم .

قال أبو عبيدة يقال : ما عبأت به شيئا أي : لم أعده ، فوجوده وعدمه سواء ، مجازه : أي وزن وأي مقدار لكم عنده ، ) ( لولا دعاؤكم ) إياه ، وقيل : لولا إيمانكم ، وقيل : لولا عبادتكم ، وقيل : لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام ، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر .

وقال قوم : معناها : قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه يعني إنه خلقكم لعبادته ، كما قال : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( الذاريات - 56 ) وهذا قول ابن عباس ومجاهد .

وقال قوم : " قل ما يعبأ " ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة ، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم ، كما قال الله تعالى : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ( النساء - 147 ) .

وقيل : ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد ، كما قال : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ( العنكبوت - 65 ) ، وقال : فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ( الأنعام - 42 ) .

وقيل : " قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم " يقول : ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم .

) ( فقد كذبتم ) أيها الكافرون ، يخاطب أهل مكة ، يعني : إن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه .

( فسوف يكون لزاما ) هذا تهديده لهم ، أي : يكون تكذيبكم لزاما ، قال ابن عباس : موتا .

وقال أبو عبيدة : هلاكا وقال ابن زيد : قتالا .

والمعنى : يكون التكذيب لازما لمن كذب ، فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله .

وقال ابن جرير عذابا دائما لازما وهلاكا مقيما يلحق بعضكم ببعض .

واختلفوا فيه ، فقال قوم : هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون .

وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد ومقاتل ، يعني : أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازما لهم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عمر بن حفص بن غياث ، أخبرنا أبي ، أخبرنا الأعمش ، حدثنا مسلم ، عن مسروق قال : قال عبد الله : خمس قد مضين : الدخان ، والقمر ، والروم ، والبطشة ، واللزام " ( فسوف يكون لزاما ) وقيل : اللزام هو عذاب الآخرة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» يا محمد لأهل مكة «ما» نافية «يعبأ» يكترث «بكم ربي لولا دعاؤكم» إياه في الشدائد فيكشفها «فقد» أي فكيف يعبأ بكم وقد «كذبتم» الرسول والقرآن «فسوف يكون» العذاب «لزاما» ملازما لكم في الآخرة بعد ما يحلّ بكم في الدنيا، فقتل منهم يوم بدر سبعون وجواب لولا دلَّ عليه ما قبلها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أخبر الله تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بالناس، لولا دعاؤهم إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة، فقد كَذَّبتم-أيها الكافرون- فسوف يكون تكذيبكم مُفْضِيًا لعذاب يلزمكم لزوم الغريم لغريمه، ويهلككم في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : ( قُلْ مَا .

.

.

) .قال القرطبى : يقال : ما عبأت بفلان ، أى : ما باليت به .

أى : ما كان له عندى وزن ولا قدر .

وأصل يعبأ : من العبء وهو الثقل .

.

.

فالعبء : الحمل الثقيل ، والجمع أعباء .

و " ما " استفهامية ، وليس يبعد أن تكون نافية ، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفى خرج مخرج الاستفهام ، وحقيقة القول عندى أن موضع " ما " نصب والتقدير أى عبء يعبأ بكم ربى؟

أى : أى مبالاة يبالى بكم ربى لولا دعاؤكم .

.هذا ، وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال منها : أن قوله - تعالى - : ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ) خطاب للمؤمنين أو للناس جميعا ، وأن المصدر هو .

دعاؤكم مضاف لفاعله ، وأن بقية الآية وهى قوله : ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ .

.

.

) خطاب للكافرين ، والمعنى على هذا القول :قل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنين أو للناس جميعا ، أى اعتداد لكم عند ربكم لولا دعاؤكم ، أى : لولا عبادتكم له - عز وجل - أى : لولا إخلاصكم العبادة له لما اعتد بكم .ثم أفرد الكافرين بالخطاب فقال : ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) أيها الكافرون ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ) .أى : فسوف يكون جزاء التكذيب " لزاما " أى : عذابا دائما ملازما لكم .

فلزاما مصدر لام ، كقاتل قتالا ، والمراد به هنا اسم الفاعل .وقد وضح صاحب الكشاف هذا القول فقال : لما وصف الله - تعالى - عبادة العباد ، وعدد صالحاتهم وحسناتهم .

.

.

أتبع ذلك ببيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ، لأجل عبادتهم فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصرح للناس ، ويجزم لهم القول ، بأن الاكتراث لهم عند ربهم ، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر .

.

.وقوله ( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) يقول : إذا أعلمتكم أن حكمى ، أنى لا أعتد بعبادى إلا من أجل عبادتهم ، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمى ، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم فى النار .

ونظيره فى الكلام أن يقول الملك لمن عصاه : " إن من عادتى أن أحسن إلى من يطيعنى ، ويتبع أمرى ، فقد عصيتَ فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك .

.

" .ومن العلماء من يرى أن الخطاب فى الآية للكافرين ، وأن المصدر مضاف لمفعوله ، فيكون المعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين ، ما يعبأ بكم ربى ، ولا يكترث لوجودكم ، لولا دعاؤه إياكم على لسانى ، إلى توحيده وإخلاص العبادة له ، وبما أنى قد دعوتكم فكذبتم دعوتى .

فسوف يكون عاقبة ذلك ملازمة العذاب لكم .وهذا قول جيد ولا إشكال فيه وقد تركنا بعض الأقوال لضعفها ، وغناء هذين القولين عنها .وبعد : فهذا تفسير لسورة " الفرقان " تلك السورة التى حكت شبهات المشركين وأبطلتها .

وساقت من تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيته ، وبشرت عباد الرحمن بأرفع المنازل .ونسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا منهم ، وأن يحشرنا فى زمرتهم .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ ﴾ فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الخليل ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه (يستقله) ويستحقره، وقال أبو عبيدة ما أعبأ به أي وجوده وعدمه عندي سواء، وقال الزجاج معناه أي لا وزن لكم عند ربكم، والعبء في اللغة الثقل، وقال أبو عمرو بن العلاء ما يبالي بكم ربي.

المسألة الثانية: في ﴿ مَا ﴾ قولان أحدهما أنها متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر، كأنه قيل وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم، والثاني أن تكون ما نافية.

المسألة الثالثة: ذكروا في قوله: ﴿ لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول وثانيهما: أن الدعاء مضاف إلى الفاعل وعلى هذا التقدير ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: لولا دعاؤكم لولا إيمانكم.

وثانيها: لولا عبادتكم.

وثالثها: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله  ﴾ .

ورابعها: دعاؤكم يعني لولا شكركم له على إحسانه لقوله: ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ  ﴾ .

وخامسها: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.

أما قوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ فالمعنى أني إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم وهو عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني، وقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك.

فإن قيل إلى من يتوجه هذا الخطاب؟

قلنا إلى الناس على الإطلاق، ومنهم (مؤمنون) عابدون ومكذبون عاصون، فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب، وقرئ (فقد كذب الكافرون) (فسوف) يكون العذاب لزاماً، وقرئ ﴿ لِزَاماً ﴾ بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت، والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعد ما علم أنه مما توعد به لأجل الإبهام ويتناول ما لا يحيط به الوصف، ثم قيل هذا العذاب في الآخرة، وقيل كان يوم بدر وهو قول مجاهد رحمه الله، والله أعلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها، ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة: أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم، لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن يصرّح للناس، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة ولم يعتدّ بهم ولم يكونوا عنده شيء يبالي به.

والدعاء: العبادة.

و ﴿ مَا ﴾ متضمنة لمعنى الاستفهام، وهي في محل النصب، وهي عبارة عن المصدر، كأنه قيل: وأي عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم.

يعني أنكم لا تستأهلون شيئاً من العبء بكم لولا عبادتكم.

وحقيقة قولهم ما عبأت به: ما اعتددت به من فوادح همومي ومما يكون عبئاً عليّ، كما تقول: ما اكترثت له، أي: ما اعتددت به من كوارثي ومما يهمني.

وقال الزجاج في تأويل ﴿ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى ﴾ أي: وزن يكون لكم عنده؟

ويجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ نافيه، ويجوز أن تكون ﴿ مَا ﴾ نافية، ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ يقول: إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتدّ بعبادي إلا عبادتهم، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم في النار.

ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني ويتبع أمري، فقد عصيت فسوف ترى ما أحلّ بك بسبب عصيانك.

وقيل: معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام.

وقيل: ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، فإن قلت: إلى من يتوجه هذا الخطاب؟

قلت: إلى الناس على الإطلاق، ومنهم مؤمنون عابدون ومكذبون عاصون، فخوطبوا بما وجدوا في جنسهم من العبادة والتكذيب.

وقرئ: ﴿ فقد كذب الكافرون ﴾ وقيل: يكون العذاب لزاماً.

وعن مجاهد رضي الله عنه: هو القتل يوم بدر، أنه لوزم بين القتلى لزاماً.

وقرئ: ﴿ لزاماً ﴾ بالفتح بمعنى اللزوم، كالثبات والثبوت.

والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعدما علم أنه مما توعد به، لأجل الابهام وتناول ما لا يكتنهه الوصف، والله أعلم بالصواب.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الفرقان لقي الله يوم القيامة وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأدخل الجنة بغير نصب» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ ما يَصْنَعُ بِكم مَن عَبَّأْتُ الجَيْشَ إذا هَيَّأْتُهُ أوْ لا يَعْتَدُّ بِكم.

﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ لَوْلا عِبادَتُكم فَإنَّ شَرَفَ الإنْسانِ وكَرامَتَهُ بِالمَعْرِفَةِ والطّاعَةِ وإلّا فَهو وسائِرُ الحَيَواناتِ سَواءٌ.

وقِيلَ مَعْناهُ ما يَصْنَعُ بِعَذابِكم لَوْلا دُعاؤُكم مَعَهُ آلِهَةً وما إنْ جُعِلَتِ اسْتِفْهامِيَّةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكم.

﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ بِما أخْبَرْتُكم بِهِ حَيْثُ خالَفْتُمُوهُ.

وقِيلَ فَقَدْ قَصَّرْتُمْ في العِبادَةِ مِن قَوْلِهِمْ: كَذَبَ القِتالُ إذا لَمْ يُبالِغْ فِيهِ.

وقُرِئَ «فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ» أيِ الكافِرُونَ مِنكم لِأنَّ تَوَجُّهَ الخِطابِ إلى النّاسِ عامَّةٌ بِما وُجِدَ في جِنْسِهِمْ مِنَ العِبادَةِ والتَّكْذِيبِ.

﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا ﴾ يَكُونُ جَزاءُ التَّكْذِيبِ لازِمًا يَحِيقُ بِكم لا مَحالَةَ، أوْ أثَرُهُ لازِمًا بِكم حَتّى يَكُبَّكم في النّارِ، وإنَّما أُضْمِرَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِلتَّهْوِيلِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَكْتَنِهُهُ الوَصْفُ، وقِيلَ المُرادُ قَتْلُ يَوْمِ بَدْرٍ وأنَّهُ لُوزِمَ بَيْنَ القَتْلى لِزامًا، وقُرِئَ «لَزامًا» بِالفَتْحِ بِمَعْنى اللُّزُومِ كالثَّباتِ والثُّبُوتِ.

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ الفُرْقانِ لَقِيَ اللَّهَ وهو مُؤْمِنٌ بِأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأُدْخِلَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ نَصَبٍ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم} ما متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب ومعناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام أو لولا عبادتكم له أي أنه خلقكم لعبادته كقوله وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون أي الاعتبار عند ربكم لعبادتكم أو ما يصنع

بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة وهو كقوله تعالى ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم {فقد كذّبتم} رسولي يا أهل مكة {فسوف يكون} العذاب {لزاماً} أي ذا لزام أو ملازماً وضع مصدر لازم موضع اسم الفاعل وقال الضحاك ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه الها آخر

سورة الشعراء مكية وهي مائتان وعشرون وسبع آيات

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ أنَّ الفائِزِينَ بِتِلْكَ النَّعْماءِ الجَلِيلَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ إنَّما نالُوها بِما عُدِّدَ مِن مَحاسِنِهِمْ، ولَوْلاها لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمْ أصْلًا، أيْ: قُلْ لِلنّاسِ مُشافِهًا لَهم بِما صَدَرَ عَنْ جِنْسِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ: ﴿ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ أيْ: أيَّ عِبْءٍ يَعْبَأُ بِكُمْ، وأيَّ اعْتِدادٍ يَعْتَدُّ بِكم ﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ أيْ: عِبادَتُكم لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - حَسْبَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ، فَإنَّ ما خُلِقَ لَهُ الإنْسانُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى وطاعَتَهُ - جَلَّ وعَلا - وإلّا فَهو والبَهائِمُ سَواءٌ، فَما مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وهي في مَحَلِّ النَّصْبِ، وهي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ، وأصْلُ العِبْءِ الثِّقْلُ، وحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ: (ما عَبَأْتُ بِهِ) ما اعْتَدَدْتُ لَهُ مِن فَوادِحِ هَمِّي ومِمّا يَكُونُ عِبْئًا عَلَيَّ، كَما تَقُولُ: ما اكْتَرَثْتُ لَهُ، أيْ: ما أعْدَدْتُ لَهُ مِن كَوارِثِي ومِمّا يُهِمُّنِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ تَعالى لَوْلا عِبادَتُكُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، أيْ لَيْسَ يَعْبَأُ، وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَوْلا دُعاؤُكم لَما اعْتَدَّ بِكُمْ، وهَذا بَيانٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُخاطَبِينَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ بَيانٌ لِحالِ الكَفَرَةِ مِنهُمْ، والمَعْنى: إذا أعْلَمْتُكم أنَّ حُكْمِي أنِّي لا أعْتَدُّ بِعِبادِي إلّا لِعِبادَتِهِمْ فَقَدْ خالَفْتُمْ حُكْمِي ولَمْ تَعْمَلُوا عَمَلَ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، فالفاءُ مِثْلُها في قَوْلِهِ: فَقَدْ جِئْنا خُراسانا والتَّكْذِيبُ مُسْتَعارٌ لِلْمُخالَفَةِ، وقِيلَ: المُرادُ فَقَدْ قَصَّرْتُمْ في العِبادَةِ، عَلى أنَّهُ مِن قَوْلِهِمْ: (كَذَبَ القِتالُ) إذا لَمْ يُبالَغْ فِيهِ، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِنَ التَّقْصِيرِ في العِبادَةِ تَرْكُها.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ «فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ» وهو عَلى مَعْنى (كَذَّبَ الكافِرُونَ مِنكُمْ) لِعُمُومِ الخِطابِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، واسْتَحْسَنَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ خِطابٌ لِكَفَرَةِ قُرَيْشٍ، والمَعْنى عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضٍ: ما يَعْبَأُ بِكم لَوْلا عِبادَتُكم لَهُ سُبْحانَهُ، أيْ: لَوْلا إرادَتُهُ تَعالى التَّشْرِيعِيَّةُ لِعِبادَتِكم لَهُ تَعالى لَما عَبَأ بِكم ولا خَلَقَكُمْ، وفِيهِ مَعْنًى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ وقِيلَ: المَعْنى ما يَعْبَأُ بِكم لَوْلا دُعاؤُهُ سُبْحانَهُ إيّاكم إلى التَّوْحِيدِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أيْ: لَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المَعْنى ما يُبالِي سُبْحانَهُ بِمَغْفِرَتِكم لَوْلا دُعاؤُكم مَعَهُ آلِهَةً، أوْ ما يَفْعَلُ بِعَذابِكم لَوْلا شِرْكُكم كَما قالَ تَعالى: ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ ﴾ وقِيلَ: المَعْنى ما يَعْبَأُ بِعَذابِكم لَوْلا دُعاؤُكم إيّاهُ تَعالى وتَضَرُّعُكم إلَيْهِ في الشَّدائِدِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ ﴾ وقِيلَ: المَعْنى ما خَلَقَكم سُبْحانَهُ ولَهُ إلَيْكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم وتَسْتَغْفِرُوهُ فَيَغْفِرَ لَكُمْ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما آثَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لا يُنافِي كَوْنَ الخِطابِ لِقُرَيْشٍ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَقَدْ خُصِّصَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا ﴾ أيْ: جَزاءُ التَّكْذِيبِ أوْ أثَرُهُ لازِمًا يَحِيقُ بِكم حَتّى يُكِبَّكم في النّارِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ الدّالَّةُ عَلى لُزُومِ ما بَعْدَها لِما قَبْلَها، فَضَمِيرُ «يَكُونُ» لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَقَدِّمِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ عَلى التَّجَوُّزِ، وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مِمّا لا يَكْتَنِهُهُ البَيانُ.

وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعَذابِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ مَن قَرَأ «يَكُونُ العَذابُ لِزامًا» وصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اللِّزامَ قَتْلُ يَوْمِ بَدْرٍ، ورَوِيَ عَنْ أُبَيٍّ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وأبِي مالِكٍ، ولَعَلَّ إطْلاقَهُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ لُوزِمَ فِيهِ بَيْنَ القَتْلى لِزامًا.

وقَرَأ ابْنُ جُرَيْجٍ (تَكُونُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى مَعْنى تَكُونُ العاقِبَةُ، وقَرَأ المِنهالُ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ وأبُو السَّمّالِ «لَزامًا» بِفَتْحِ اللّامِ مَصْدَرَ لَزَمَ، يُقالُ: لَزَمَ لُزُومًا ولِزامًا كَثَبَتَ ثُبُوتًا وثَباتًا، ونَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ عَنْ أبِي السَّمّالِ أنَّهُ قَرَأ «لِزامِ» عَلى وزْنِ حِذامِ جَعَلَهُ مَصْدَرًا مَعْدُولًا عَنِ اللِّزْمَةِ كَفِجارِ المَعْدُولِ عَنِ الفِجْرَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ هَذا.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ: قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ إشارَةُ قُصُورِ حالِ المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ شارَكُوهم في لَوازِمِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ ونَحْوِهِما، وقالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ إنَّ وجْهَ فِتْنَتِهِ النَّظَرُ إلَيْهِ نَفْسِهِ، والغَفْلَةُ فِيهِ عَنْ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، ويُشْعِرُ هَذا بِأنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فِتْنَةٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ أطْلَعْناهم عَلى أعْمالِهِمْ فَطالَعُوها بِعَيْنِ الرِّضا، فَسَقَطُوا مِن أعْيُنِنا بِذَلِكَ، وجَعَلْنا أعْمالَهم هَباءً مَنثُورًا، وهَذِهِ الآيَةُ - وإنْ كانَتْ في وصْفِ الكُفّارِ - لَكِنْ في الحَدِيثِ أنَّ في المُؤْمِنِينَ مَن يُجْعَلُ عَمَلُهُ هَباءً كَما تَضَمَّنَتْهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) والخَطِيبُ في (المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ) عَنْ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««لَيُجاءَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْمٍ مَعَهم حَسَناتٌ مِثْلُ جِبالِ تِهامَةَ حَتّى إذا جِيءَ بِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم هَباءً ثُمَّ قَذَفَهم في النّارِ، قالَ سالِمٌ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، حُلَّ لَنا هَؤُلاءِ القَوْمَ، قالَ: كانُوا يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَأْخُذُونَ هِنْئَةً مِنَ اللَّيْلِ ولَكِنْ كانُوا إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الحَرامِ وثَبُوا عَلَيْهِ، فَأدْحَضَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم»» وذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ ﴾ الآيَةَ أنَّ حُكْمَهُ عامٌّ في كُلِّ مُتَحابَّيْنِ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى.

وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: نَقْلُ الأحْجارِ مَعَ الأبْرارِ خَيْرٌ مِن أكْلِ الخَبِيصِ مَعَ الفُجّارِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ ﴾ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن هَذا - مَعَ قَوْلِهِمْ: كُلُّ ولِيٍّ عَلى قَدَمِ نَبِيٍّ - أنْ يَكُونَ لِكُلِّ ولِيٍّ عَدُوٌّ يَتَظاهَرُ بِعَداوَتِهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى سُوءِ حالِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، ولِذا قِيلَ: إنَّ عَداوَتَهم عَلامَةُ سُوءِ الخاتِمَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا مُتَوَجِّهِينَ إلى جِهَةِ الطَّبِيعَةِ ولِذا حُشِرُوا مَنكُوسِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا ﴾ أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن مالَ إلى هَوى نَفْسِهِ واتَّبَعَهُ فِيما تَوَجَّهَ إلَيْهِ، ومِن هُنا دَقَّقَ العارِفُونَ النَّظَرَ في مَقاصِدِ أنْفُسِهِمْ حَتّى إنَّهم إذا أمَرْتَهم بِمَعْرُوفٍ لَمْ يُسارِعُوا إلَيْهِ، وتَأمَّلُوا ماذا أرَدْتَ بِذَلِكَ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَزَلْ تَحُسُّهُ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فاسْتَغْرَبَ ذَلِكَ مِنها لِعِلْمِهِ أنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ، فَأمْعَنَ النَّظَرَ فَإذا هي قَدْ ضَجِرَتْ مِنَ العِبادَةِ فَأرادَتِ الجِهادَ رَجاءَ أنْ تُقْتَلَ فَتَسْتَرِيحَ مِمّا هي فِيهِ مِنَ النَّصَبِ، ولَمْ تَقْصِدْ بِذَلِكَ الطّاعَةَ، بَلْ قَصَدَتِ الفِرارَ مِنها.

وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ الآيَةَ، أيْ: ألَمْ تَرَ كَيْفَ مَدَّ ظِلَّ عالَمِ الأجْسامِ ﴿ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ﴾ في كَتْمِ العَدَمِ، ثُمَّ جَعَلْنا شَمْسَ عالَمِ الأرْواحِ عَلى وُجُودِ ذَلِكَ الظِّلِّ دَلِيلًا بِأنْ كانَتْ مُحَرِّكَةً لَها إلى غايَتِها المَخْلُوقَةِ هي لِأجْلِها، فَعُرِفَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لَوْلا الأرْواحُ لَمْ تُخْلَقِ الأجْسادُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ مُرَكَّبٍ فَإنَّهُ سَيَنْحَلُّ إلى بَسائِطِهِ إذا حَصَلَ عَلى كَمالِهِ الأخِيرِ، وبِوَجْهٍ آخَرَ: الظِّلُّ ما سِوى نُورِ الأنْوارِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صانِعِهِ الَّذِي هو شَمْسُ عالَمِ الوُجُودِ، وهَذا شَأْنُ الذّاهِبِينَ مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنا ﴾ إشارَةٌ إلى مَرْتَبَةٍ أعْلى مِن ذَلِكَ، وهي الِاسْتِدْلالُ بِهِ تَعالى عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ وهَذِهِ مَرْتَبَةُ الصِّدِّيقِينَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ ، وألّا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ وبِوَجْهٍ آخَرَ: الظِّلُّ حِجابُ الذُّهُولِ والغَفْلَةِ، والشَّمْسُ شَمْسُ تَجَلِّي المَعْرِفَةِ مِن أُفُقِ العِنايَةِ عِنْدَ صَباحِ الهِدايَةِ، ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ لَجَعَلَهُ دائِمًا لا يَزُولُ، وإنَّما يُسْتَدَلُّ عَلى الذُّهُولِ بِالعِرْفانِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَبَضْناهُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الكَشْفَ التّامَّ يَحْصُلُ بِالتَّدْرِيجِ عِنْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ.

﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ تَسْتَتِرُونَ بِهِ عَنْ رُؤْيَةِ الأجانِبِ لَكم واطِّلاعِهِمْ عَلى حالِكم مِنَ التَّواجُدِ وسَكْبِ العَبَراتِ ﴿ والنَّوْمَ سُباتًا ﴾ راحَةً لِأبْدانِكم مِن نَصَبِ المُجاهَداتِ ﴿ وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا ﴾ تَنْتَشِرُونَ فِيهِ لِطَلَبِ ضَرُورِيّاتِكم ﴿ وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ ﴾ أيْ: رِياحَ الِاشْتِياقِ عَلى قُلُوبِ الأحْبابِ ﴿ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ مِنَ التَّجَلِّياتِ والكُشُوفِ ﴿ وأنْزَلْنا ﴾ مِن سَماءِ الكَرَمِ ماءَ حَياةِ العِرْفانِ ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ أيْ: قُلُوبًا مَيْتَةً ﴿ ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ الحَيَوانِيَّةُ، يَسْقِيهِمْ سُبْحانَهُ لِيَرُدَّهم إلى القِيامِ بِالعِباداتِ ﴿ وأناسِيَّ كَثِيرًا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ سَكَنُوا إلى رِياضِ الإنْسِ يَسْقِيهِمْ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ لِيَفْطِمَهم عَنْ مَراضِعِ الإنْسانِيَّةِ إلى المَشارِبِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ ولَقَدْ صَرَّفْناهُ ﴾ أيِ: القُرْآنَ الَّذِي هو ماءُ حَياةِ القُلُوبِ بَيْنَهم ﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ بِهِ مَوْطِنَهُمُ الأصْلِيَّ ﴿ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا ﴾ بِنِعْمَةِ القُرْآنِ وما عَرَفُوا قَدْرَها ﴿ وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ بَحْرَ الرُّوحِ وبَحْرَ النَّفْسِ (هَذا) وهو بَحْرُ الرُّوحِ ﴿ عَذْبٌ فُراتٌ ﴾ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ الرَّبّانِيَّةِ، (وهَذا) وهو بَحْرُ النَّفْسِ ﴿ مِلْحٌ أُجاجٌ ﴾ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ الحَيَوانِيَّةِ ﴿ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ فَحَرامٌ عَلى الرُّوحِ أنْ يَكُونَ مَنشَأ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وعَلى النَّفْسِ أنْ تَكُونَ مَعْدِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ.

وذُكِرَ أنَّ البَرْزَخَ هو القَلْبُ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: تَلاطَمَتْ صِفَتانِ فَتَلاقَيَتا في قُلُوبِ الخَلْقِ، فَقُلُوبُ أهْلِ المَعْرِفَةِ مُنَوَّرَةٌ بِأنْوارِ الهِدايَةِ، مُضِيئَةٌ بِضِياءِ الإقْبالِ، وقُلُوبُ أهْلِ النَّكِرَةِ مُظْلِمَةٌ بِظُلُماتِ المُخالَفَةِ، مُعْرِضَةٌ عَنْ سُنَنِ التَّوْفِيقِ، وبَيْنَهُما قُلُوبُ العامَّةِ لَيْسَ لَها عِلْمٌ بِما يَرِدُ عَلَيْها وما يَصْدُرُ مِنها، لَيْسَ مَعَها خِطابٌ ولا لَها جَوابٌ، وقِيلَ: البَحْرُ العَذْبُ إشارَةٌ إلى بَحْرِ الشَّرِيعَةِ، وعُذُوبَتُهُ لِما أنَّ الشَّرِيعَةَ سَهْلَةٌ لا حَرَجَ فِيها ولا دِقَّةَ في مَعانِيها، ولِذَلِكَ صارَتْ مَوْرِدَ الخَواصِّ والعَوامِّ، والبَحْرُ المِلْحُ إشارَةٌ إلى بَحْرِ الحَقِيقَةِ، ومُلُوحَتُهُ لِما أنَّ الحَقِيقَةَ صَعْبَةُ المَسالِكِ لا يَكادُ يُدْرِكُ ما فِيها عَقْلُ السّالِكِ، والبَرْزَخُ إشارَةٌ إلى الطَّرِيقَةِ؛ فَإنَّها لَيْسَتْ بِسَهْلَةٍ كالشَّرِيعَةِ ولا صَعْبَةٍ كالحَقِيقَةِ بَلْ بَيْنَ بَيْنَ.

﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا ﴾ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ في سَماءِ القُلُوبِ بُرُوجَ المَنازِلِ والمَقاماتِ، وهي اثْنا عَشَرَ: التَّوْبَةُ والزُّهْدُ والخَوْفُ والرَّجاءُ والتَّوَكُّلُ والصَّبْرُ والشُّكْرُ واليَقِينُ والإخْلاصُ والتَّسْلِيمُ والتَّفْوِيضُ والرِّضا، وهي مَنازِلُ الأحْوالِ السَّيّارَةِ: شَمْسُ التَّجَلِّي، وقَمَرُ المُشاهَدَةِ، وزَهْرَةُ الشَّوْقِ، ومُشْتَرِي المَحَبَّةِ، وعُطارِدُ الكُشُوفِ، ومِرِّيخُ الفَناءِ، وزُحَلُ البَقاءِ، « ﴿ وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ » بِغَيْرِ فَخْرٍ ولا خُيَلاءَ لِما شاهَدُوا مِن كِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَؤُلاءِ العِبادَ يُعامِلُونَ الأرْضَ مُعامَلَةَ الحَيَوانِ لا الجَمادِ، ولِذا يَمْشُونَ عَلَيْها هَوْنًا ﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ ﴾ وهم أبْناءُ الدُّنْيا ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ أيْ: سَلامَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن شَرِّكُمْ، أوْ إذا خاطَبَهم كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مِنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وما فِيهِما مِنَ اللَّذَّةِ والنَّعِيمِ وتَعَرَّضَ لَهم لِيَشْغَلَهم عَمّا هم فِيهِ ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ سَلامُ مُتارَكَةٍ وتَوْدِيعٍ ﴿ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا ﴾ لِما عَلِمُوا أنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ المُؤْمِنِ، واللَّيْلَ وقْتُ اجْتِماعِ المُحِبِّ بِالحَبِيبِ: نَهارِي نَهارُ النّاسِ حَتّى إذا بَدا لِي اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إلَيْكَ المَضاجِعُ أقْضِي نَهارِي بِالحَدِيثِ وبِالمُنى ∗∗∗ ويَجْمَعُنِي والهَمَّ بِاللَّيْلِ جامِعُ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ خَوْفِهِمْ مِنَ القَطِيعَةِ والبُعْدِ عَنْ مَحْبُوبِهِمْ، وذَلِكَ ما عَنَوْهُ بِعَذابِ جَهَنَّمَ لا العَذابُ المَعْرُوفُ، فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَسْتَعْذِبُهُ مَعَ الوِصالِ، ألا تَسْمَعَ ما قِيلَ: فَلَيْتَ سُلَيْمى في المَنامِ ضَجِيعَتِي ∗∗∗ في جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ أوْ في جَهَنَّمَ ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ فُيُوضاتِهِمْ حَسَبَ قابِلِيَّةِ المُفاضِ عَلَيْهِ لا يُسْرِفُونَ فِيها بِأنْ يُفِيضُوا فَوْقَ الحاجَةِ ولا يُقَتِّرُونَ بِأنْ يُفِيضُوا دُونَ الحاجَةِ، أوْ إلى أنَّهم إذا أنْفَقُوا وُجُودَهم في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لَمْ يُبالِغُوا في الرِّياضَةِ إلى حَدِّ تَلَفِ البَدَنِ ولَمْ يُقَتِّرُوا في بَذْلِ الوُجُودِ بِالرُّكُونِ إلى الشَّهَواتِ ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ بِرَفْعِ حَوائِجِهِمْ إلى الأغْيارِ ﴿ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ قَتْلَها ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: إلّا بِسَطْوَةِ تَجَلِّياتِهِ تَعالى ﴿ ولا يَزْنُونَ ﴾ بِالتَّصَرُّفِ في عَجُوزِ الدُّنْيا ولا يَنالُونَ مِنها شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ تَعالى ﴿ والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ لا يَحْضُرُونَ مَجالِسَ الباطِلِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ﴾ وهو ما لا يُقَرِّبُهم إلى مَحْبُوبِهِمْ ﴿ مَرُّوا كِرامًا ﴾ مُعْرِضِينَ عَنْهُ ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ بَلْ أقْبَلُوا عَلَيْها بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ مُشاهِدِينَ بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ أنْوارَ ما ذُكِّرُوا بِهِ مِن كَلامِ رَبِّهِمْ ﴿ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا ﴾ مَنِ ازْدَوَجَ مَعَنا وصَحِبَنا (وذُرِّيّاتِنا) الَّذِينَ أخَذُوا عَنّا ﴿ قُرَّةَ أعْيُنٍ ﴾ بِأنْ يُوَفَّقُوا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ ﴿ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا ﴾ وهُمُ الفائِزُونَ بِالفَناءِ والبَقاءِ الأتَمَّيْنِ ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ ﴾ وهو مَقامُ العِنْدِيَّةِ ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ في البِدايَةِ عَلى تَكالِيفِ الشَّرِيعَةِ، وفي الوَسَطِ عَلى التَّأدُّبِ بِآدابِ الطَّرِيقَةِ، وفي النِّهايَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحَقِيقَةُ ﴿ ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً ﴾ هي أُنْسُ الأسْرارِ بِالحَيِّ القَيُّومِ وسَلامًا وهو سَلامَةُ القُلُوبِ مِن خُطُورِ القَطِيعَةِ ﴿ خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ لِأنَّها مَشْهَدُ الحَقِّ، ومَحَلُّ رِضا المَحْبُوبِ المُطْلَقِ.

نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِرِضائِهِ، ويَمْنَحَنا بِسَوابِغِ نَعْمائِهِ وآلائِهِ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ أنْبِيائِهِ، وأحَبِّ أحِبّائِهِ،  ، وشَرَّفَ قَدْرَهُ وعَظَّمَ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً يعني: تاب من الشرك والمعاصي، وعمل صالحاً بعد التوبة، فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً يعني: مناصحاً لا يرجع.

ويقال: مَتاباً له في الجنة.

ويقال: مَتاباً.

يعني: توبة.

يعني: يتوب توبة مخلصة.

ثم قال: وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ يعني: لا يحضرون مجالس الكذب والفحش والكفر وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ يعني: مجالس اللهو والباطل مَرُّوا كِراماً يعني: حلماء معرضين عنها.

وقال القتبي: مَرُّوا كِراماً لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يعني: وعظوا بالقرآن لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها يعني: لم يقعوا عليها صُمًّا يعني: لا يسمعون وَعُمْياناً ولا يبصرون، ولكنهم سمعوا وانتفعوا به، وهذا قول مقاتل.

وقال القتبي: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها أي: لم يتغافلوا عنها، فكأنهم صم لم يسمعوها، عمي لم يروها.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ يعني: اجعل أزواجنا وذريتنا من الصالحين، تقر أعيننا بذلك.

ويقال: وفقهم للطاعة، واعصمهم من المعصية، ليكونوا معنا في الجنة، فتقر بهم أعيننا.

قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وذريتنا بلفظ الوحدان.

وقرأ الباقون وَذُرِّيَّاتِنا بلفظ الجماعة، ثم قال: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يعني: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي: قادة في الخير.

وروي عن عروة: أنه كان يدعو بأن يجعله الله ممن يحمل عنه العلم، فاستجيب دعاؤه.

وروي عن مجاهد: معناه، «اجعلنا ممن نقتدي بمن قبلنا، حتى يقتدي بنا من بعدنا» .

ويقال: معناه اجعلنا ممن يقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا المتقون، فهذا كله من خصال عباد الرحمن، من قوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ إلى هاهنا.

فوصف أعمالهم.

ثم بين ثوابهم فقال عز وجل: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ يعني: غرف الجنة كقوله: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ [الزمر: 20] بِما صَبَرُوا يعني: صبروا على أمر الله تعالى في الدنيا، وعلى الطاعة وَيُلَقَّوْنَ فِيها يعني: في الجنة تَحِيَّةً يعني: التسليم وَسَلاماً يعني: سلام الله تعالى لهم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وَيُلَقَّوْنَ فِيها بنصب الياء، وجزم اللام، والتخفيف.

وقرأ الباقون وَيُلَقَّوْنَ بضم الياء ونصب اللام، وتشديد القاف، فمن قرأ بالتخفيف، يعني: يلقي بعضهم بعضاً بالسلام، ومن قرأ بالتشديد يعني: يجيء إليهم سلام الله تعالى، يعني: يلقى إليهم السلام من الله تعالى.

ثم قال عز وجل: خالِدِينَ فِيها يعني: دائمين في الجنة حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني: موضع القرار، وموضع الخلود.

قوله عز وجل: قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول: ما يفعل بكم ربي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني: لولا عبادتكم.

ويقال: ما يفعل بعذابكم لولا عبادتكم غير الله تعالى.

ويقال: مَا ينتظر بهلاككم، لولا عبادة من يعبدوني، لأنزلت عذابي- ويقال: لَوْلا دُعاؤُكُمْ يعني: يقول، لولا إيمانكم (١) ثم قال: عز وجل فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً يعني: عذاباً يلزمهم، فقتلوا ببدر، وعجلت أرواحهم إلى النار، فتلك عقوبتهم فيها.

ويقال: لِزاماً يعني: موتاً.

وقال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه: «خمس قد مضين من ذلك: اللزام، والروم والقمر والدخان والبطشة» .

- ويقال: ما يحتاج بعذابكم لولا عبادتكم الأصنام.

ويقال مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ لولا عبادتكم غير الله.

ويقال: ما ينتظر بهلاككم لولا عبادة من يعبدني، لأنزلت عذابي إلى غير ذلك، والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد (٢) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ الآية، ما نافية وتحتمل التقرير، ثم الآية تحتمل أنْ تكون خطاباً لجميع الناس، فكأنه قال لقريش منهم: ما يبالي الله بكم، ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إيَّاه، أَنْ لو كانت، إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] .

وقال النقاش وغيره: المعنى: لولا استغاثتكم إليه في الشدائد، وقرأ ابن الزبير «١» وغيره: «فَقَدْ كَذَّبَ الْكَافِرُونَ» وهذا يؤيِّد أَنَّ الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم، ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب أو التكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، ويحتمل أنْ يكون الخطابُ بالآيتين لقريش [خاصة] «٢» وقال الداوديّ: وعن ابن عيينة: لَوْلا دُعاؤُكُمْ معناه: لولا دعاؤكم إيّاه لتطيعوه، انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه» «٣» : زعم بعض الأدباء أنَّ «لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ» معناه: لولا سؤالُكم إياه وطلبُكم منه، ورأى أَنَّه مصدر أُضِيفَ إلى فاعل، وليس كما زعم وإنما هو مصدر أضيف إلى مفعول، والمعنى: قل يا محمد للكفار: لولا دعاؤكم ببعثة الرسول إليكم وتبين الأدلة لكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً ذكر هذا عند قوله تعالى:

لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] .

في آخر سورة النور، انتهى.

ت والحق أنَّ الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومَنِ ادَّعى التخصيص فعليه بالدليل، والله أعلم.

ويعبأ: مشتق من العِبْءِ وهو الثِّقَلُ الذي يعبّأ ويرتب كما يعبأ الجيش.

قال الثعلبيُّ: قال أبو عُبَيْدَةَ: يقالُ: ما عَبَأْتُ به شيئاً، أي: لم أَعُدَّه شيئاً فوجوده وعدمه سواء، انتهى.

وقال العراقي: مَا يَعْبَؤُا أي: ما يبالي، انتهى.

[وأكثر الناس على أن اللزام المشار إليه هو يوم بدر، وقالت فرقة: هو توعد بعذاب الآخرة] »

، وقال ابن عباس: اللزام الموت «٢» ، وقال البخاريُّ: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً «٣» أي: هلكة، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الجَنَّةَ.

وقالَ غَيْرُهُ: الغُرْفَةُ: كُلُّ بِناءٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، والمُرادُ غُرَفُ الجَنَّةِ، وهي مِنَ الزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ، ﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ عَلى دِينِهِمْ وعَلى أذى المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " ويُلَقَّوْنَ " بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ويَلْقَوْنَ " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ، ﴿ تَحِيَّةً وسَلامًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، ويُرْسِلُ إلَيْهِمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ بِالسَّلامِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: " تَحِيَّةً " يَعْنِي السَّلامَ، " وسَلامًا " أيْ: سَلَّمَ اللَّهُ لَهم أمَرَهم وتَجاوَزَ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ما يَصْنَعُ بِكُمْ!

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ؛ تَقُولُ: ما عَبَأْتُ بِفُلانٍ، أيْ: ما كانَ لَهُ عِنْدِي وزْنٌ ولا قَدْرٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: ما يَعْبَأُ بِعَذابِكم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْلا إيمانُكم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْلا عِبادَتُكم، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم لِتَعْبُدُوهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ؛ والمُرادُ نَفْعُ الخَلْقِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ.

والرّابِعُ: لَوْلا تَوْحِيدُكم، حَكاهُ الزَّجّاجُ.

وعَلى قَوْل الأكْثَرِينَ لَيْسَ في الآيَةِ إضْمارٌ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فِيها إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: ما يَعْبَأُ بِعَذابِكم لَوْلا ما تَدْعُونَهُ مِنَ الشَّرِيكِ والوَلَدِ، ويُوَضِّحُ ذَلِكَ [قَوْلُهُ]: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا ﴾ يَعْنِي: العَذابَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مَن شاءَ دَلّى النَّفْسَ في هُوَّةٍ ضَنْكٍ ولَكِنْ مَن لَهُ بِالمَضِيقْ أيْ: بِالخُرُوجِ مِنَ المَضِيقِ.

وهَلْ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ لِلْكُفّارِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ فَهو خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ  ، ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ ﴾ يَعْنِي: تَكْذِيبُكم ﴿ لِزامًا ﴾ أيْ: عَذابًا لازِمًا [لَكُمْ]؛ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَقُتِلُوا يَوْمئِذٍ، واتَّصَلَ بِهِمْ عَذابُ الآخِرَةِ لازِمًا لَهم، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُجاهِدٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اللِّزامَ: القِتالُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا ﴾ ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يُجازَوْنَ" بِألِفٍ، و "الغُرْفَةُ" مِن مَنازِلِ الجَنَّةِ، وهي الغُرَفُ فَوْقَ الغُرَفِ، وهي اسْمُ جِنْسٍ، كَما قالَ: ولَوْلا الحَبَّةُ السَمْرا ءُ لَمْ أحْلُلْ بِوادِيكُمْ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَيُلَقَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّ القافِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، وطَلْحَةُ، ومُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  : "وَيَلْقَوْنَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وتَخْفِيفِ القافِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ الآيَةُ.

أمَرٌ لِمُحَمَّدٍ  أنْ يُخاطِبَ بِذَلِكَ، و "ما" تَحْتَمِلُ النَفْيَ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والكَلامُ في نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها أنْ تَكُونَ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ خِطابًا لِجَمِيعِ الناسِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِقُرَيْشٍ مِنهُمْ: ما يُبالِي اللهُ بِكُمْ، ولا يَنْظُرُ إلَيْكم لَوْلا عِبادَتُكم إيّاهُ أنْ لَوْ كانَتْ، وذَلِكَ الَّذِي يَعْبَأُ بِالبَشَرِ مِن أجْلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ  ﴾ .

وقالَ النَقّاشُ: المَعْنى: لَوْلا اسْتِغاثَتُكم إلَيْهِ في الشَدائِدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو عُرْفُ الناسِ المَرْعِيُّ فِيهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: "فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ"، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ الخِطابَ بِـ ﴿ ما يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ هو لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمْ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: فَأنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمْ ولَمْ تَعْبُدُوهُ، فَسَوْفَ يَكُونُ العَذابُ أو يَكُونُ التَكْذِيبُ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ- لِزامًا.

والثانِي أنْ يَكُونَ الخِطابُ بِالآيَتَيْنِ لِقُرَيْشٍ خاصَّةً، أيْ: ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمُ الأصْنامَ دُونَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَعْذِيبَكم.

والثالِثُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم إلى شَرْعِهِ، فَوَقَعَ مِنكُمُ الكُفْرُ والإعْراضُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَصْدَرُ في هَذا التَأْوِيلِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفي الأوَّلَيْنَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و "يَعْبَأُ" مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْءِ وهو مِنَ الثِقَلِ الَّذِي يُعَبَّأُ ويُرَتَّبُ كَما يُعْبَّأُ الجَيْشُ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ"، قالَ الزَهْراوِيُّ: وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: وهي عَلى التَفْسِيرِ.

وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّ اللِزامَ المُشارَ إلَيْهِ في هَذا المَوْضِعِ هو يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى: فَسَوْفَ يَكُونُ جَزاءُ التَكْذِيبِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اللِزامُ هو التَكْذِيبُ نَفْسُهُ، أيْ: لا يُعْطَوْنَ تَوْبَةً، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: اللِزامُ المَوْتُ، وهَذا نَحْوُ القَوْلِ بِبَدْرٍ، وإنْ أرادَ بِهِ مُتَأوِّلٌ المَوْتَ المُعْتادَ في الناسِ عُرْفًا فَهو ضَعِيفٌ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِزامًا" بِكَسْرِ اللامِ، مِن لُوزِمْ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِصَخْرِ الغَيِّ: فَإمّا يَنْجُوا مِن حَتْفِ أرْضٍ ∗∗∗ فَقَدْ لَقِيا حُتُوفَهُما لِزامًا وقَرَأ أبُو السَمالِ: "لَزامًا" بِفَتْحِ اللامِ، مِن لَزِمْ، واللهُ أعْلَمُ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقانِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ والصَلاةُ والسَلامُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهُ أجْمَعِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن، وما تضمنته من توحيد الله، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعلّلاتهم، وأحوال المؤمنين، وأقيمت الحجج الدامغة للمعْرضين، ختمت بأمر الله رسولَه عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يُزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شَفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتورّكهم في مجادلته؛ فبيّن لهم حقارتهم عند الله تعالى وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمةً منه بهم لإصلاح حالهم وقطعاً لعذرهم فإذْ كذّبوا فسوف يحلّ بهم العذاب.

و ﴿ ما ﴾ من قوله: ﴿ ما يعبؤا بكم ﴾ نافية.

وتركيب: ما يعبأ به، يدل على التحقير، وضده عَبأ به يفيد الحفَاوة.

ومعنى ﴿ ما يعبأ ﴾ : ما يبالي وما يهتمّ، وهو مضارع عَبَأ مثل: ملأ يَملأ مشتقّ من العِبء بكسر العين وهو الحِمل بكسر الحاء وسكون الميم، أي الشيء الثقيل الذي يحمل على البعير ولذلك يطلق العِبء على العِدْل بكسر فسكون، ثم تشعبت عن هذا إطلاقات كثيرة.

فأصل ﴿ ما يعبأ ﴾ : ما يحْمِل عِبئاً، تمثيلاً بحالة المُتعَب من الشيء، فصار المقصود: ما يهتمّ وما يكترث، وهو كناية عن قلة العناية.

والباء فيه للسببية، أي بسببكم وهو على حذف مضاف يدل عليه مقام الكلام.

فالتقدير هنا: ما يعبأ بخطابكم.

والدعاء: الدعوة إلى شيء، وهو هنا مضاف إلى مفعوله، والفاعل يدل عليه ﴿ ربّي ﴾ أي لولا دعاؤه إياكم، أي لولا أنه يدعوكم.

وحذف متعلق الدعاء لظهوره من قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ ، أي الداعي وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام.

والمعنى: أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع ولا اعتزاز بكم.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ وما خلقت الجنّ والإنس إلا لِيَعْبُدون ما أُريد منهم مِن رزق وما أُريد أن يُطْعِمُون ﴾ [الذاريات: 56، 57].

وضمير الخطاب في قوله: ﴿ دعاؤكم ﴾ موجّه إلى المشركين بدليل تفريع ﴿ فقد كَذّبتم ﴾ عليه وهو تهديد لهم، أي فقد كذبتم الداعي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام.

وهذا التفسير هو الذي يقتضيه المعنى، ويؤيده قول مجاهد والكلبي والفراء.

وقد فسر بعض المفسرين الدعاء بالعبادة فجعلوا الخطاب موجهاً إلى المسلمين فترتب على ذلك التفسير تكلفات وقد أغنى عن التعرض إليها اعتمادُ المعنى الصحيح فمن شاء فلينظرها بتأمل ليعلم أنها لا داعي إليها.

وتفريع ﴿ فقد كذبتم ﴾ على قوله: ﴿ لولا دعاؤكم ﴾ ، والتقدير: فقد دعاكم إلى الإسلام فكذبتم الذي دعاكم على لسانه.

والضمير في ﴿ يكون ﴾ عائد إلى التكذيب المأخوذ من ﴿ كذبتم ﴾ ، أي سوف يكون تكذيبهم لزاماً لكم، أي لازماً لكم لا انفكاك لكم منه.

وهذا تهديد بعواقب التكذيب تهديداً مهولاً بما فيه من الإبهام كما تقول للجاني: قد فعلتَ كذا فسوف تتحمل ما فعلت.

ودخل في هذا الوعيد ما يحلّ بهم في الدنيا من قتل وأسر وهزيمة وما يحل بهم في الآخرة من العذاب.

واللِّزام: مصدر لازم، وقد صيغ على زنة المفاعلة لإفادة اللزوم، أي عدم المفارقة، قال تعالى: ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربّك لكان لزاماً ﴾ في سورة طه (129).

والضميرُ المستتر في (كان) عائد إلى عذاب الآخرة في قوله: ﴿ ولعذَاب الآخرة أشدّ وأبقَى ﴾ [طه: 127]، فالإخبار باللزام من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة.

وقد اجتمع فيه مبالغتان: مبالغة في صيغته تفيد قوة لزومه، ومبالغة في الإخبار به تفيد تحقيق ثبوت الوصف.

وعن ابن مسعود وأُبَيّ بن كعب: اللِّزام: عذاب يوم بَدر.

ومرادهما بذلك أنه جزئيّ من جزئيات اللِّزام الموعود لهم.

ولعلّ ذلك شاع حتى صار اللزام كالعَلم بالغلبة على يوم بدر.

وفي الصحيح عن ابن مسعود: خمس قد مضَين: الدخان والقمر، والروم، والبطشة، واللزام، يعني أن اللِّزام غير عذاب الآخرة.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُرْفَةَ الجَنَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّها أعْلى مَنازِلِ الجَنَّةِ وأفْضَلُها كَما أنَّ الغُرْفَةَ أعْلى مَنازِلِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ بِما صَبَرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما صَبَرُوا عَنِ الشَّهَواتِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: بِما صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ.

﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَقاءً دائِمًا.

الثّانِي: مُلْكًا عَظِيمًا.

﴿ وَسَلامًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها جِماعُ السَّلامَةِ الخَيْرُ.

الثّانِي: هو أنْ يُحَيِّيَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالسَّلامِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَلِأصْحابِ الخَواطِرِ في التَّحِيَّةِ والسَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّحِيَّةُ عَلى الرُّوحِ والسَّلامُ عَلى الجَسَدِ.

الثّانِي: أنَّ التَّحِيَّةَ عَلى العَقْلِ والسَّلامَ عَلى النَّفْسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما يَصْنَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: ما يُبالِي، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

﴿ لَوْلا دُعاؤُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَوْلا عِبادَتُكم وإيمانُكم بِهِ، والدُّعاءُ العِبادَةُ.

الثّانِي: لَوْلا دُعاؤُهُ لَكم إلى الطّاعَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: لَوْلا دُعاؤُكم لَهُ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ وأصابَكُمُ السُّوءُ رَغْبَةً إلَيْهِ وخُضُوعًا إلَيْهِ.

﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَذَّبْتُمْ بِرُسُلِي.

الثّانِي: قَصَّرْتُمْ عَنْ طاعَتِي مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ كَذَبَ في الحَرْبِ إذا قَصَّرَ.

﴿ لِزامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَذابُ الدُّنْيا وهو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ.

الثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ في القِيامَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: يُوَلِّي عِنْدَ حاجَتِها البَشِيرُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ المَوْتِ اللِّزامِ الرّابِعُ: هو لُزُومُ الحُجَّةِ في الآخِرَةِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأظْهَرَ الأوْجُهَ أنْ يَكُونَ اللِّزامُ الجَزاءَ لِلُزُومِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾ يقول: لولا إيمانكم.

فاخبر الله أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإِيمان كما حببه إلى المؤمنين ﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ قال: موتاً.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ قل ما يعبأ بكم ربي ﴾ قال: ما يفعل ﴿ لولا دعاؤكم ﴾ قال: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن الوليد بن أبي الوليد قال: بلغني أن تفسير هذه الآية ﴿ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾ أي ما خلقتكم لي بكم حاجة إلا أن تسألوني فأغفر لكم، وتسألوني فأعطيكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزبير، انه قرأ في صلاة الصبح الفرقان، فلما أتى على هذه الآية قرأ ﴿ فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاماً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاماً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ قال: موتاً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتاده ﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ قال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال (اللزام) هو القتل الذي أصابهم يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قد مضى اللزام كان يوم بدر؛ قتلوا سبعين، وأسروا سبعين.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: خمس قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: كنا نحدث أن (اللزام) يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ قال: يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ قال: ذاك يوم القيامة.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: مضى خمس آيات وبقي خمس منها.

انشقاق القمر وقد رأيناه، ومضى الدخان، ومضت البطشة الكبرى، ومضى اليوم العقيم، ومضى اللزام، والله أعلم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ ، قال الليث: تقول: ما أعبأ بهذا الأمر، أي: ما أصنع به، كأنك تستقلُّه وتستحقرُه.

تقول: عَبَأَ يَعْبَأُ عَبْأً وعِبَاءً ممدود (١) وقال أبو عبيدة: يقال ما عَبأتُ به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا (٢) [وقال شَمِر: قال أبو عبد الرحمن: ما عَبَأت به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا] (٣) وقال أبو عدنان، عن بعض أهله، يقال: ما يعبأ الله بفلان، إذا كان فاجرًا، أو مائقًا (٤) (٥) ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده، كما يقول: ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي وزن، ولا قدر.

وأصل العِبْء في اللغة: الثِقل، ومن ذلك: عبأت المتاع، جعلت بعضه على بعض (٦) وقال بعض أهل اللغة: أصل هذا الحرف، من: تهيئة الشيء، قال: عَبَأت الطيب، أَعْبَؤُه عَبْأ إذا هيأته، قال: كأنَّ بِنَحرِه وبِمنْكبيه ...

عَبيرًا باتَ يعبؤه عَروس (٧) قال أبو زيد: يقال: عَبَأت الأمر والطيب عَبْأ إذا ما صنعته وخلطته، وعَبَأت المتاع عَبْأ إذا هيأته.

ويقال: عَبَّأته تعبئة، وكل من كلام العرب، وعبأت الخيل تعبئة وتعبيئًا.

انتهى كلامه (٨) (٩) قال مجاهد، ومقاتل: يقول: ما يفعل بكم ربي (١٠) (١١) وقال ابن عباس، والكلبي، وابن زيد: ما يصنع بكم ربي (١٢) (١٣) وقوله: ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ قال مجاهد، والكلبي: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال أبو إسحاق: أي: لولا توحيدكم إياه (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقال ابن قتيبة، في هذه الآية: أي ما يعبأ بعذابكم ربي، لولا ما تدعونه من دونه من الشريك والولد (٢٢) قال ابن الأنباري: وهذا لم يقل به أحد من السلف، وهو عندي غير صحيح؛ لأن الدعاء يجوز أن يقع على شيئين متضادين، فيقال: لولا دعاؤكم الأصنام، ولولا دعاؤكم الله، وإذا احتمل الحرف الوقوع على معنيين متضادين، لم يجز حذف المنوي؛ لأنه يلتبس؛ ألا ترى أن من قال: أنا أكره كلامك، لم يحسن له أن يقول: أنا أكره.

ويسكت؛ لأن المخاطب لا يدري أكراهته تقع على الكلام، أم على السكوت، فإضمار ابن قتيبة الشركاء، والآلهة، في الآية غير صحيح (٢٣) قوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ الخطاب لأهل مكة، أي: كذبتم محمدًا -  - (٢٤) (٢٥) قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ قال الليث: اللزام الذي يلزمك ولا يفارقك (٢٦) (٢٧) فإما ينجوَا من حَتفِ أرضٍ ...

فقد لَقيا حُتوفهما لزامًا (٢٨) أي: أنه واقع لا محالة.

قال الزجاج: وتأويل هذا: أن الحتف إذا كان مقدرًا فهو لازم، إن نجا من حتف مكان لقيه الحتف في مكان آخر لازمًا له لزامًا (٢٩) (٣٠) قال أبو إسحاق: وتأويله: فسوف تلزمكم العقوبة بتكذيبكم، [فيدخل في هذا يوم بدر، وغيره مما يلزمهم من العذاب.

وذكر وجهًا آخر، فقال: تأويله -والله أعلم-: فسوف يكون تكذيبكم] (٣١) (٣٢) وقال الكلبي: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أخذًا باليد، والقتل يوم بدر؛ وهو من عذاب الدنيا فأسروا يوم بدر وقتلوا (٣٣) وقال الفراء: فسوف يكون تكذيبكم يوم بدر لزامًا، عذابًا لازمًا لكم (٣٤) ﴿ لِزَامًا ﴾ فيصلًا (٣٥) ﴿ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أي: فيصلًا (٣٦) (٣٧) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(١) كتاب "العين" 2/ 263 (عبء)، وذكره ابن جرير 19/ 55، ولم ينسبه.

(٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 82.

وذكره البخاري، ولم ينسبه، "الفتح" 8/ 490.

(٣) ما بين المعقوفين، في (ج)، وهو في "تهذيب اللغة" 3/ 235 (عبا).

(٤) المائق: الهالك حمقاً وغباوة.

"تهذيب اللغة" 9/ 363 (موق)، و"لسان العرب" 10/ 350.

(٥) "تهذيب اللغة" 3/ 234 (عبا)، وفيه: قال أبو عدنان عن رجل من باهلة.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.

ونقله عنه الأزهري 3/ 234 (عبا).

وفي (ج): (النقل) بدل: (الثقل).

(٧) بنصه في "إصلاح المنطق" 149، دون إنشاد البيت.

وذكره الثعلبي 8/ 105 ب، ولم ينسب القول ولا البيت.

وأنشد البيت الطبرسي 7/ 283، ولم ينسبه، وإنما قال: قال الشاعر يصف أسدًا.

وأنشده القرطبي 13/ 84، بلفظ: كان بصدره وبجانبيه.

وأنشده في "لسان العرب" 1/ 118 (عبأ)، ونسبه لأبي زبيد.

قال الشنقيطي 6/ 359: قوله: يعبؤه، أي: يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به، واكتراثه به.

(٨) "تهذيب اللغة" 3/ 235 (عبا).

(٩) "تهذيب اللغة" 3/ 235 (عبا)، بلفظ: ما عبأت به شيئاً: لم أباله.

(١٠) "تفسير مجاهد" 2/ 457، وأخرجه ابن جرير 19/ 55، وابن أبي حاتم 8/ 2745.

و"تفسير مقاتل" ص 47 ب.

واقتصر عليه الهواري 3/ 220.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.

(١٢) أخرجه ابن جرير 19/ 55، عن ابن زيد.

وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2745، عن عمرو بن شعيب.

وذكره الأزهري 3/ 234، عن الكلبي.

(١٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 275.

(١٤) أخرجه عن مجاهد ابن جرير 19/ 55، وابن أبي حاتم 8/ 2745، و"تفسير مجاهد" 2/ 457.

وفي "تنوير المقباس" ص 306: ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ أن الله أمركم بالتوحيد.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 275.

قال الهواري 3/ 220: لولا عبادتكم وتوحيدكم وإخلاصكم، كقوله: ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ  ﴾ .

(١٦) "تفسير مقاتل" ص 47 ب.

(١٧) "تنوير المقباس" ص 306.

(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.

وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: لولا إيمانكم ولعل المراد بهذا الإيمان والتوحيد، ما ذكره الماوردي 4/ 162، ولم ينسبه: لولا دعاؤكم له إذا مسكم الضر وأصابكم السوء، رغبة إليه وخضوعًا إليه.

(١٩) رجح ابن القيم هذا القول؛ فقال: والصحيح من القولين: لولا أنكم تدعونه == وتعبدونه، أي: أي شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل.

"جلاء الأفهام" ص 254.

وذكر هذا ابن العربي المالكي، في "أحكام القرآن" 3/ 430، عن بعض الأدباء، ولم يسمه، ثم قال: وليس هو كما زعم، وإنما هو مصدر أضيف إلى المفعول، والمعنى: قل يا محمد للكفار: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ببعثة الرسل إليكم، وتبيين الأدلة لكم، فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً.

قال الثعالبي: والحق أن الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومن ادعى التخصيص فعليه بالدليل، والله أعلم.

"الجواهر الحسان" 2/ 476.

قال ابن عاشور 13/ 438: والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء؛ لأنكم مكذبون، وإنما قلت: الآن؛ لأن: ما، لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس: لا.

(٢٠) أخرج ابن جرير 19/ 55، وابن أبي حاتم 8/ 2745، عن ابن عباس -  ما- من طريق علي بن أبي طلحة وأخبر الله تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم ...

(٢١) "تنوير المقباس" ص 306.

وعند مقاتل خلاف ذلك؛ قال في قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ النبي -  - بعد كفار مكة.

(٢٢) "تأويل مشكل القرآن" 438.

والسبب في كون هذه الآية مشكلة؛ لأن فيها مضمر، فاختلف في تعيينه.

أفاده ابن قتيبة، ولذا ذهب إلى ما ذهب إليه أخذاً بظاهر الآية، ثم قال: ويوضح ذلك قوله: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أي: يكون العذاب لمن كذب ودعا من دونه إلهاً لازماً.

وذكر الطوسي 7/ 513، هذا القول عن البلخي؛ قال: معناه: لولا كفركم وشرككم ما يعبأ بعذابكم، وحذف العذاب وأقام المضاف إليه مقامه.

وذكر ابن جرير الطبري 19/ 57، قول ابن قتيبة، ورد عليه فقال: وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم، يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد.

وهذا قول لا معنى للتشاغل == به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل.

وقد ذكر الشنقيطي 6/ 359، هذه المسألة بالتفصيل واستدل على صحة الأقوال الواردة في الآية، واستبعد القول الذي ذكره ابن قتيبة؛ لأن فيه تقدير مالا دليل عليه، ولا حاجة إليه.

(٢٣) سبق ذكر رد ابن جرير عليه.

(٢٤) أخرج ذلك ابن أبي حاتم 8/ 2745، عن السدي.

(٢٥) أخرج ابن أبي حاتم 8/ 2745، عن الوليد بن أبي الوليد، قال: بلغني أن تفسير هذه الآية: ما خلقتكم لي بكم حاجة، إلا أن تسألوني فأغفر، وتسألوني فأعطكم.

(٢٦) "العين" 7/ 372 (لزم)، بمعناه، وكذا في "تهذيب اللغة" 13/ 220.

(٢٧) صخر الغَي، صخر بن عبد الله الخيثمي، من بني هذيل، شاعر جاهلي، لقب بصخر الغي، لخلاعته، وشدة بأسه، وكثرة شره "الشعر والشعراء" ص 448، و"الأعلام" 3/ 201.

(٢٨) ذكره أبو عبيدة، في "المجاز" 2/ 82، ونسبه للهذلي، ولفظه: فإما ينجوا من حتف يوم ...

فقد لقيا حتوفهما لزامًا وأنشده أبو عبيدة استدلالًا على أن المراد باللزام: الفيصل.

وذكره الزجاج 4/ 78، عن أبي عبيدة استدلالًا على ما ذكره، وكذا الأزهري 31/ 320 (لزم)، ورواية البيت موافقة لما في المعاني، والتهذيب، مما يدل على نقل الواحدي عنهما.

والله أعلم.

وذكره ابن عطية 11/ 84، من إنشاد أبي عبيدة.

وذكره القرطبي 13/ 86، بلفظ: فإما ينجوا من خسف أرض (٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 79.

واختار هذا الماوردي 4/ 162؛ فقال: وأظهر الأوجه أن يكون اللزام الجزاء للزومه.

وتبعه العز، في تفسيره 2/ 435.

(٣٠) "تفسير مجاهد" 2/ 457.

و"تفسير مقاتل" ص 47 ب.

وأخرج عبد الرزاق 2/ 72، عن قتادة، قال: قال أبي: هو القتل يوم بدر.

وأخرجه ابن جرير 19/ 56، عن ابن == مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم، ومجاهد، والضحاك.

وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2746، عن أبي مالك، وأبي بن كعب، وابن مسعود، والقرظي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك.

وبه قال الهوَّاري 3/ 220.

وأخرج ابن جرير 19/ 57، عن ابن عباس -  ما- من طريق علي بن أبي طلحة: اللزام: الموت.

وأخرج عن ابن زيد: اللزام: القتال.

قال في "الوسيط" 3/ 349: والمعنى أنهم قتلوا يوم بدر، واتصل به عذاب الآخرة، لازماً لهم فلحقهم الوعيد الذي ذكر الله ببدر.

وأما في "الوجيز" 785، فلم يحدد بل جعل الآية مطلقة؛ فقال: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ ﴾ العذاب لازماً لكم.

(٣١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78.

(٣٣) "تنوير المقباس" ص 306، بمعناه.

(٣٤) "معانى القرآن" للفراء 2/ 275، بمعناه.

(٣٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 78، ثم قال: وهو في قريب مما قلنا، ألا أن القول أشرح.

و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 82.

(٣٦) "تهذيب اللغة" 13/ 221 (لزم).

(٣٧) قال الزجاج 4/ 79 ومن قرأ: لَزاماً، بفتح اللام، فهو على مصدر لزم لزاماً.

ونحوه في "إعراب القرآن"، للنحاس 3/ 170.

قال القرطبي 13/ 86: اللِّزام، بالكسر: مصدر لازم، لزاماً، مثل: خاصم خصامًا، واللَّزام، بالفتح، مصدر: لزِم، مثل: سلِم سلاماً، أي: سلامة، فالَلزام بالفتح: الُلزوم، والِلزام: الملازمة.

وفي "لسان العرب" 12/ 542 (لزم): وهو في اللغة.

الملازمة للشيء والدوام عليه، وهو أيضًا الفصل في القضية، فكأنه من الأضداد.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ﴾ يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية، وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال: الأول: أن المعنى إن الله لا يبالي بكم لولا عبادتكم له، فالدعاء بمعنى العبادة وهذا قريب من معنى قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] الثاني: أن الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال، والمعنى لا يبالي الله بكم، ولكن يرحمكم إذا استغثتم به ودعوتموه ويكون على هذين القولين خطاباً لجميع الناس من المؤمنين والكافرين، لأن فيهم من يعبد الله ويدعوه، أو خطاباً للمؤمنين خاصة، لأنهم هم الذين يدعون الله ويعبدونه، ولكن يضعف هذا بقوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ الثالث: أنه خطاب للكفار خاصة والمعنى على هذا: ما يعبأ بكم لولا أن يدعوكم إلى دينه، والدعاء على هذا بمعنى الأمر بالدخول في الدين، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، وأما على القول الأول والثاني فهو مصدر مضاف إلى الفاعل ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ هذا خطاب لقريش وغيرهم من الكفار دون المؤمنين ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ أي سوف يكون العذاب لزاماً ثابتاً وأضمر العذاب وهو اسم كان لأنه جزاء التكذيب المتقدم، واختلف هل يراد بالعذاب هنا القتل يوم بدر، أو عذاب الآخر؟

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.

﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الباقون بفتح الياء وكسر التاء.

﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.

الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.

﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.

وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.

النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه  لم يترك طاعة الله طرفة عين.

ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.

وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد  فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.

يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.

وسمى المائين الكثيرين بحرين.

والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان  ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.

سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله  ؟

والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.

وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.

الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.

ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.

قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.

يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.

﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.

ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.

يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.

والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.

والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير  ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.

وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".

إذا نبذها وراء ظهره.

والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.

قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.

ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.

فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.

وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.

ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.

وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.

وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.

ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.

ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".

ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.

وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.

قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.

والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله  .

وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.

وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".

قال  ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع  ﴾ .

وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.

وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.

والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.

وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير  ﴾ .

ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله  ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله  مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.

قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".

ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين  ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه  سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.

ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.

ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.

والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.

قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.

ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.

ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.

فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.

شبهت بالقصور العالية.

واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.

ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار  ﴾ في أحد تفاسيره.

وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.

وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.

ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.

أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.

قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.

وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.

والشكور مصدر كالكفور.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.

وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم  حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك  ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.

وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.

وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.

وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.

ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.

وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.

وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.

وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.

وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.

﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.

والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.

وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.

ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.

والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد  لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.

عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.

ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.

وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.

ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.

وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون  ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.

وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.

وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.

وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.

واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.

"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟

قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.

قلت: ثم أي؟

قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.

قلت: ثم أي؟

قال أن تزاني حليلة جارك" .

فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.

وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.

والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.

وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.

ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.

هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.

وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.

وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.

وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله  بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.

وقال الزجاج.

السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.

وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه  يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟

قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .

وقال القاضي والقفال: إنه  يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.

ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.

ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.

والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.

ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.

فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.

وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.

وعن مجاهد: أعياد المشركين.

وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله  وعلى رسوله.

والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.

وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.

وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.

ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.

وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.

وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.

قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.

والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.

قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.

ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.

عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.

وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.

وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.

وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.

قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.

وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.

والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.

والثالث حصول الرضا.

وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.

وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.

ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.

قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله  .

وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.

وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.

ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.

وقيل: الغرفة اسم للجنة.

وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.

ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.

ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.

قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.

وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟

والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله  ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم  ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.

قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.

﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.

والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.

وقيل: يكون العقاب لزاماً.

وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.

ويروى أن موسى  سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله  : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.

فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.

وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.

فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.

والرزخ هو القلب.

وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.

وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله  ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.

ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.

﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين  ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.

﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.

﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.

وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.

وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.

﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.

﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي  ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.

﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.

وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.

ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ وصف - عز وجل - هؤلاء الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن.

وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى.

وقوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ : قال بعضهم: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر.

وقال بعضهم: ﴿ هَوْناً ﴾ أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحاً.

وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، والله ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم.

وفي بعض الأخبار مرفوعاً عن رسول الله  قال: "المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ" وأصله: أنهم يمشون هوناً من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يُلْحِقَ بأحد منهم ضرر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ : قال بعضهم: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم.

وقال بعضهم: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلاماً، أي سداداً وصواباً من القول، وردّاً مصروفاً أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ...

﴾ الآية [القصص: 55]، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفة والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ .

عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  : "رحم الله الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم" ثم قال: "من صلى ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله  ساجداً قائماً" وقال الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجداً لربهم تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما خشع له نهارهم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله  عما في ضميرهم، ليس على حقيقة القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع.

ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، والله أعلم.

ثم أخبر عن عذابها فقال: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .

قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه غير عذاب جهنم.

وقال بعضهم: الغرام: الهلاك وقال: ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ أي: جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حيث قال: ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .

وقال بعضهم: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا.

وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .

وقال أبو عوسجة: ﴿ هَوْناً ﴾ من الرفق يقال: هان يهون هوناً، فهو هائن.

وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به.

والغرام: الهلاك.

وكذلك قال القتبي: غراما، أي: هلكة.

وقال: مشياً هوناً: رويداً، سلاماً، أي: سداداً من القول لا رفث فيه ولا هجر.

وقوله: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ .

قال بعضهم: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصداً وأعطوا فضلا وجادوا، واستبشروا ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: ولم يتمسكوا عن الحق.

وقوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: بين الإسراف والتقتير مقصداً؛ وهو تأويل مقاتل.

وقال بعضهم: الإسراف هو الإنفاق في معصية الله، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم يمنعوا عن طاعته، ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله.

وقال بعضهم: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها.

والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به.

وقال بعضهم: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له.

﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: وسطا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ ولكن بين ذلك.

وأصل ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾ ، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه.

﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: قائماً في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر.

ثم يحتمل هذا وجهين: ﴿ لاَ يَدْعُونَ ﴾ أي: لا يعبدون دون الله غيره، أو: لا يسمون غير الله.

﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ : أخبر في الآية الأولى في قوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هوناً ولا يؤذون أحداً ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديداً،؛ هذه معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم بالليل حيث قال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ الآية.

ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما أمروا بالوضع فيها.

وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم الله حيث قال: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ موصول بهذا أيضاً، ومقدم عن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ ؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثاماً.

قال بعضهم: أثاماً: أي: وادياً في جهنم.

وقال بعضهم: أثاماً: عذاباً في النار.

وقوله: ﴿ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قال بعضهم: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى فيه.

وقال بعضهم: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب.

وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ دل أنها محرمة بعد غير كافرة.

﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، وإما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق" ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛ فدل أنه ما ذكرنا.

وقال أبو عوسجة: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم.

قال: والقوام: الوسط.

ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد.

قال أبو معاذ: في قوله: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ لغات أربع: ﴿ ولم يُقْتِروا ﴾ : برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و ﴿ يَقْتِروا ﴾ بنصب الياء، وخفض التاء، و ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ برفع التاء، والمعنى كله واحد.

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ : قال بعضهم: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - والله أعلم - قوم عقلوا عن الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله.

وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أولئك - أعني: أهل صفوة الله وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صمّاً ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين متفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...

﴾ الآية [الأنفال: 2].

وقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ : فإن قيل: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ ، فما معنى الضعف هاهنا؟

قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا بالله بعدما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول الله  : ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً  إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ  ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضاً - لأزواجه حيث قال: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، كل من كان أعظم قدراً وأكثر نعماً عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله.

والثاني: أن يكون ذلك للأئمة - أعني: الكفرة والرؤساء - دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ .

أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة.

ثم استثنى من تاب منهم، فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً...

﴾ الآية، في الذين قال: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم.

وقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل الله سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك.

والثاني: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: "ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟

قال: هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"؛ وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود.

وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً ﴾ لا يرجع عنها أبداً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ  ﴾ على الأمر، دليله قوله حيث قال: ﴿ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية [الأنفال: 66].

والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبداً، وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبداً.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قد ذكرناه، ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : قد ذكرناه أيضاً.

وقال بعضهم: إذا أوذوا صفحوا.

وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه.

وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي: عقوبة، الآثام: العقوبة.

وقوله: ﴿ مَرُّوا كِراماً ﴾ أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم.

﴿ صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ أي: لم يتغافلوا عنها.

وقال بعضهم: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صما وعمياناً عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعاً وبصراً؛ وهو واحد.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ : قد نعتهم - عز وجل - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار [و]نعتهم أيضاً في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً...

﴾ الآية [التحريم: 6]؛ فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا.

قال الحسن: والله ما شيء أحبّ إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع الله، وقال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ : قال بعضهم: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى يقتدى بنا.

وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون.

وأصله - والله أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار متقياً، لا من اقتدى صار ضالا فاسقاً، هذا - والله أعلم - تأويله، وإلا سؤالهم: أن اجعلنا إماماً للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.

ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ أولئك يجزون الجنة بما عملوا ﴾ ، فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن مسعود.

وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ ﴾ فيها بالتخفيف والتشديد، ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً ﴾ أي: يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ  ﴾ .

أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض.

وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ : دائمين.

﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ : تأويله - والله أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام.

وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه.

وقال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ ﴾ أي: ما يصنع بكم ربي.

وتأويله - والله أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم.

وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: هو عذاب يوم بدر - يعني: ألزم بعضهم بعضا - وكذلك قال ابن مسعود قال: "مضت آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر"، وقال: لزاماً، أي: عذاباً ملازماً غير مفارق، وهو عذاب الآخرة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: "ما أعبأ بهذا الأمر" أي: ما أصنع به، ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول القتبي، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للكفار المُصِرِّين على كفرهم: ما يبالي بكم ربي لنفع يعود إليه من طاعتكم، لولا أنَّ له عبادًا يدعونه دعاء عبادة ودعاء مسألة لما بالى بكم، فقد كذبتم الرسول فيما جاءكم به من ربكم، فسوف يكون جزاء التكذيب ملازمًا لكم.

من فوائد الآيات من صفات عباد الرحمن: البعد عن الشرك، وتجنُّب قتل الأنفس بغير حق، والبعد عن الزنى، والبعد عن الباطل، والاعتبار بآيات الله، والدعاء.

التوبة النصوح تقتضي ترك المعصية وفعل الطاعة.

الصبر سبب في دخول الفردوس الأعلى من الجنّة.

غنى الله عن إيمان الكفار.

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله