الآية ٥٦ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٥٦ من سورة النمل

۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍۢ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 40 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) أي : يتحرجون من فعل ما تفعلونه ، ومن إقراركم على صنيعكم ، فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم .

فعزموا على ذلك ، فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فلم يكن لقوم لوط جواب له, إذ نهاهم عما أمره الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال, إلا قيل بعضهم لبعض: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) عما نفعله نحن من إتيان الذكران في أدبارهم.

كما حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: سمعت الحسن بن عُمارة يذكر عن الحكم, عن مجاهد, عن ابن عباس, في قوله: (أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) قال: من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاء بهم.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قال: ( يَتَطَهَّرُونَ ) من أدبار الرجال والنساء, استهزاء بهم يقولون ذلك.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة أنه تلا(إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) قال: عابوهم بغير عيب أي: إنهم يتطهرون من أعمال السوء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون أي عن أدبار الرجال .

يقولون ذلك استهزاء منهم ; قاله مجاهد .

وقال قتادة : عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ْ} قبول ولا انزجار ولا تذكر وادكار، إنما كان جوابهم المعارضة والمناقضة والتوعد لنبيهم الناصح ورسولهم الأمين بالإجلاء عن وطنه والتشريد عن بلده.

فما كان جواب قومه { إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ْ} فكأنه قيل: ما نقمتم منهم وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج، فقالوا: { إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ْ} أي: يتنزهون عن اللواط وأدبار الذكور.

فقبحهم الله جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات، ولم يكتفوا بمعصيتهم لنبيهم فيما وعظهم به حتى وصلوا إلى إخراجه، والبلاء موكل بالمنطق فهم قالوا: { أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ْ} ومفهوم هذا الكلام: " وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم ونجاة من خرج منها "

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) من أدبار الرجال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط» أهل «من قريتكم إنهم أناس يتطهرون» من أدبار الرجال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فما كان لقوم لوط جواب له إلا قول بعضهم لبعض: أَخْرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتنزهون عن إتيان الذكران.

قالوا لهم ذلك استهزاءً بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك جوابهم السيىء على نبيهم فقال : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ .

.

) .والفاء للتفريع ، والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء .أى : هكذا نصح لوط قومه وزجرهم ، فما كان جوابهم شيءا من الأشياء سوى قول بعضهم لبعض أخرجوا لوطا والمؤمنين من قريتكم التى يساكنوكم فيها .وفى التعبير بقولهم : ( مِّن قَرْيَتِكُمْ ) إشارة إلى غرورهم وتكبرهم فكأنهم يعتبرون لوطا وأهله المؤمنين دخلاء عليهم ، ولا مكان لهم بين هؤلاء المجرمين لأن القرية - وهى سدوم - هى قريتهم وحدهم ، دون لوط وأهله .وقوله - تعالى - حكاية عنهم : ( إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) تعليل للإخراج ، وبيان لسببه ، أى أخرجوهم من قريتكم لأنهم أناس يتنزهون عن الفعل الذى نفعله ، وينفرون من الشهوة التى نشتهيها وهى إتيان الرجال .

.وما أعجب العقول عندما تنتكس ، والنفوس عندما ترتكس ، إنها تأبى أن يبقى معها الأطهار ، بل تحرض على طردهم ، ليبقى معها الممسوخون والمنحرفون الذين انحطت طباعهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فرأوه حسنا .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : وقولهم : ( إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الرابعة: قصة لوط عليه السلام: قال صاحب الكشاف، واذكر لوطاً أو أرسلنا لوطاً بدلالة ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا  ﴾ عليه، و(إذ) بدل على الأول ظرف على الثاني.

أما قوله: ﴿ أَتَأْتُونَ الفاحشة ﴾ فهو على وجه التنكير وإن كان بلفظ الاستفهام وربما كان التوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ.

أما قوله: ﴿ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنهم كانوا لا يتحاشون من إظهار ذلك على وجه الخلاعة ولا يتكاتمون وذلك أحد ما لأجله عظم ذلك الفعل منهم فذكر في توبيخه لهم ماله عظم ذلك الفعل.

وثانيها: أن المراد بصر القلب أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها وأن الله تعالى لم يخلق الذكر للذكر فهي مضادة لله في حكمته.

وثالثها: تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم، فإن قلت فسرت (تبصرون) بالعلم وبعده ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ فكيف يكونون علماء وجهلاء؟

قلت أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك أو تجهلون العاقبة أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها، ثم إنه تعالى بين جهلهم بأن حكى عنهم أنهم أجابوا عن هذا الكلام بما لا يصلح أن يكون جواباً له فقال: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ فجعلوا الذي لأجله يخرجون أنهم يتطهرون من هذا الصنيع الفاحش وهذا يوجب تنعيمهم وتعظيمهم أولى لكن في المفسرين من قال: إنما قالوا ذلك على وجه الهزء، ثم بين تعالى أنه نجاه وأهله إلا امرأته وأهلك الباقين وقد تقدم كل ذلك مشروحاً، والله أعلم، وهاهنا آخر القصص في هذه السورة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرأ الأعمش: ﴿ جوابُ قومه ﴾ ، بالرفع.

والمشهورة أحسن ﴿ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ يتنزهون عن القاذورات كلها، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيظنا إنكارهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو استهزاء ﴿ قدرناها ﴾ قدّرنا كونها ﴿ مِنَ الغابرين ﴾ كقوله: ﴿ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين ﴾ [الحجر: 60] فالتقدير واقع على الغبور في المعنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ أيْ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أفْعالِنا، أوْ عَنِ الأقْذارِ ويَعُدُّونَ فِعْلَنا قَذَرًا.

﴿ فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ ﴾ قَدَّرْنا كَوْنَها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ.

﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ ﴾ مَرَّ مِثْلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أخرجوا آل لوط} أي لوطا ومتبعيه فخبر كان جوابه واسمه أن قالوا {مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} يتنزهون عن القاذورات ينكرون هذا العمل القذر ويغيظنا أنكارهم قيل هو استهزاء كقوله أنك لأنت الحكيم الرشيد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ ﴾ أيْ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ، وإخْراجُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعْلَمُ مِن بابِ أوْلى.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِآلِ لُوطٍ هو عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَ دِينَهُ كَما يُرادُ مِن بَنِي آدَمَ آدَمُ وبَنُوهُ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَدْخُلُ امْرَأتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (إلّا) إلَخْ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ واقِعٌ في مَوْقِعِ اسْمِ كانَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ «جَوابُ» بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ ذاكَ واقِعًا مَوْقِعَ الخَبَرِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَرْيَتِكُمْ ﴾ بِإضافَةِ القَرْيَةِ إلى- كَمْ- تَهْوِينٌ لِأمْرِ الإخْراجِ، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِهْزاءَ أيْ إنَّهم أُناسٌ يَزْعُمُونَ التَّطَهُّرَ والتَّنَزُّهَ عَنْ أفْعالِنا أوْ عَنِ الأقْذارِ ويَعُدُّونَ فِعْلَنا قَذِرًا وهم مُتَكَلِّفُونَ بِإظْهارِ ما لَيْسَ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَوابَ صَدَرَ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَراتِبِ مَواعِظِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم كَلامٌ آخَرُ غَيْرَهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلُوطاً يعني: وأرسلنا لوطاً، عطفاً على قوله، وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ ويقال معناه: واذكر لوطا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يعني: حين قال لقومه: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ- يعني: أتعملون المعصية وهي اللواطة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ يعني: تعلمون أنها فاحشة ومعصية هو وأعظم لذنوبكم (١) قوله عز وجل: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً يعني: تجامعون الرجال شهوة منكم مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أي جاهلون فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ وإنما نصب الجواب، لأنه خبر كان واسمه إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يعني: يتنزهون ويقذروننا بهذا الفعل، وإنا لا نحب أن يكون بين أظهرنا من ينهانا عن أعمالنا.

قال الله تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ يعني: ابنتيه ريثا وزعورا إِلَّا امْرَأَتَهُ لم ننجها من العذاب قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ أي: تركناها من الباقين في العذاب.

ويقال: قضينا عليها أنها من الباقين في العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً- يعني: على شذاذهم، أي الخارجين، المنفردين منهم، ومن كان منهم في الأسفار (٢) ثم قال عز وجل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال بعضهم: معناه قال الله تعالى للنبي  قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وقال بعضهم: معناه الحمد لله على هلاك كفار الأمم الماضية.

يعني: ما ذكر في هذه السورة من هلاك فرعون وقومه وثمود وقوم لوط.

ويقال: قال: الحمد لله الذي علمك، وبيّن لك هذا الأمر.

ويقال: إن هذا كان للوط حين أنجاه، أمره بأن يحمد الله تعالى.

ثم قال: وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ يعني: المرسلين الَّذِينَ اصْطَفى يعني: اختارهم الله تعالى للرسالة والنبوة.

وروي عن مجاهد أنه قال: «هم أمة محمد  ،» وكذلك قال مقاتل.

وقال سفيان الثوري: «هم أصحاب محمد  » ثم قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ يعني: الله تعالى أفضل أم الآلهة التي تعبدونها، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقرير يعني: الله تعالى خير لهم مما يشركون، فكان النبيّ  إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى، وأجل وأكرم» ويقال: معناه أعبادة الله خير أم عبادة ما يُشْرِكُونَ به من الأوثان؟

وقال القتبي: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ.

يعني: أم من تشركون؟

فتكون ما مكان من كما قال: وَالسَّماءِ وَما بَناها [الشمس: 5] يعني: ومن بناها وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [الليل: 3] يعني: ومن خلق.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وهذه الألفاظُ الدالةُ على قَسَمِ تجاوب باللام، وإن لم يتقدمْ قَسَمٌ ظاهرٌ، فاللامُ في لَنُبَيِّتَنَّهُ: جوابُ القَسَمِ.

ورُوِيَ في قصصِ هذهِ الآيةِ أَن هؤلاءِ التسعة لمَّا كانَ فِي صَدْرِ الثلاثة الأيام بعد عَقْرِ النَّاقَةِ وَقَدَ أخبرَهُمْ صالحٌ بمجيء العذابِ، اتفق هؤلاءِ التسعةُ فَتَحَالَفُوا على أن يأتوا دارَ صالحٍ ليلاً فيقتلوه وأهلَه المُخْتَصِّينَ به، قالوا: فإن كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحقُّ، وإن كانَ صادقاً كنَّا قد عجّلناه قبلنا وشفينا به نفوسنا، فجاؤوا واخْتَفَوْا لذلك في غارٍ قريبٍ من داره، فروي أنّه انحدرت عليهم صخرة ٥٣ ب شَدَخَتْهُم جميعاً/، ورُوِيَ أنَّها طَبَّقَتْ عليهمُ الغَارَ فَهَلَكوا فيه حينَ هَلَكَ قَوْمُهُمْ، وكلُّ فَريقٍ لا يَعلم بِما جَرَى على الآخِرَ، وقَدْ كانوا بنوا على جحودِ الأمر من قرابةِ صالحٍ، ويعني بالأهل كلَّ مَنْ آمنَ بهِ قاله الحسن «٢» .

وقوله سبحانه: وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ قال ابن العربيّ الحاتميّ: المكر إرداف النّعم مع المخالفةِ وإبقاءِ الحالِ معَ سُوءِ الأدَب، انتهى من شرحه لألفاظ الصوفية.

والتدميرُ: الهلاكُ وخاوِيَةً مَعْنَاهُ: قَفْرا، وهذه البيوتُ المشارُ إليهَا هِي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلّم عَامَ تَبُوكَ: «لاَ تَدْخَلُوا بُيُوتَ المُعَذَّبِينَ إلاَّ أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ» «٣» .

الحديثُ في «صحيحِ مُسْلِمٍ» وغيره.

وقوله تعالى: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تقدمَ قصصُ هؤلاءِ القومِ، وتُبْصِرُونَ معناه: بقلوبكم.

قال أبو حيان «٤» : وشَهْوَةً مفعولٌ منْ أجله، انتهى.

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لَعَنَ الله مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» «٥» .

رواه أبو داود والترمذيّ والنسائيّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.

والثّانِي: وبَعْضُكم يُبْصِرُ بَعْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ تَجْهَلُونَ القِيامَةَ وعاقِبَةَ العِصْيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ ﴾ أيْ: جَعَلْناها بِتَقْدِيرِنا وقَضائِنا عَلَيْها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " قَدَرْناها " خَفِيفَةً، وهي في مَعْنى المُشَدَّدَةِ.

وباقِي القِصَّةِ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ: ٧٧] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ ﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ ﴿ فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ ﴾ ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ ﴾ أمْرُ البُيُوتِ وخَرابِها مِمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى، فَفي كُلِّ الشَرائِعِ أنَّهُ إنَّما يُعاقِبُ بِهِ الظَلَمَةَ، وفي التَوْراةِ: (ابْنُ آدَمَ، لا تَظْلِمْ، يُخْرَبْ بَيْتُكَ)، و"خاوِيَةً" نَصَبَ عَلى الحالِ الَّتِي فِيها الفائِدَةُ، ومَعْناها: الخالِيَةُ قَفْرًا، قالَ الزَجاجُ: وقُرِئَتْ "خاوِيَةٌ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى الِابْتِداءِ المُضْمَرِ، والتَقْدِيرُ: هي خاوِيَةٌ، أو عَنِ الخَبَرِ عن "تِلْكَ" و"بُيُوتُهُمْ" بَدَلٌ عَلى خَبَرٍ ثانٍ، وهَذِهِ البُيُوتُ المُشارُ إلَيْها هي الَّتِي قالَ فِيها النَبِيُّ  عامَ تَبُوكٍ: «لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ...» الحَدِيثُ.

ثُمْ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلُوطًا ﴾ ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ لُوطًا.

و"الفاحِشَةُ": إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ "تُبْصِرُونَ" مَعْناهُ: بِقُلُوبِكم أنَّها خَطِيئَةٌ وفاحِشَةٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبْصِرُونَ بِأبْصارِكُمْ؛ لِأنَّكم تَتَكَشَّفُونَ بِفِعْلِ ذَلِكَ ولا يَسْتَتِرُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: " أإنّكم "، وقَدْ تَقَدَّمَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "جَوابَ" نَصَبا، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ: "جَوابُ" بِالرَفْعِ، ونَسَبَ ابْنُ جِنِّيِ قِراءَةَ الرَفْعِ إلى الحَسَنِ، وفَسَّرَها في الشاذِّ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن قَوْمِ لُوطٍ أنَّهم كانُوا تَرَكُوا في جَوابِهِمْ طَرِيقَ الحُجَّةِ، وأُخِذُوا بِالمُغالَبَةِ، فَتَآمَرُوا بِإخْراجِهِ وإخْراجِ مِن آمَنَ مَعَهُ، ثُمْ ذَمُّوهم بِمَدْحِهِ وهي التَطَهُّرُ مِن هَذِهِ الدَناءَةِ الَّتِي أصَفُقُوا عَلَيْها.

قالَ قَتادَةُ: عابُوهم واللهِ بِغَيْرِ عَيْبٍ.

وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "قَدَّرْناها" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِشَدِّ الدالِّ، الأولى بِمَعْنى: جَعَلْناها وحَصَّلْناها، والثانِيَةُ بِمَعْنى: قَدَّرْنا عَلَيْها، مِنَ القَدَرِ والقَضاءِ.

و"الغابِرُونَ": الباقُونَ في العَذابِ، وغَبَرَ بِمَعْنى بَقِيَ، وقَدْ يَجِيءُ أحْيانًا في بَعْضِ كَلامِ العَرَبِ ما يُوهِمْ أنَّهُ بِمَعْنى مَضى، وإذا تُؤَمِّلُ تَوَجُّهُ حَمَلَهُ عَلى مَعْنى البَقاءِ، والمَطَرُ الَّذِي أُمْطِرَ عَلَيْهِمْ هو حِجارَةُ السَجِّينِ أهْلَكَتْ جَمِيعَهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ لِمَن جَعَلَ مِنَ الفُقَهاءِ الرَجْمَ في اللُوطِيَّةِ، وبِها تَأْنَسُ لِأنَّ اللهَ تَعالى عَذَّبَهم عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ الحِجارَةَ لِمَعْصِيَتِهِمْ، ولَمْ يَقِسْ هَذا القَوْلَ عَلى الزِنى فَيَعْتَبِرُ الإحْصانَ، بَلْ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: يَرْجُمانِ في اللُوطِيَّةِ أحْصَنا أو لَمْ يُحَصِّنا، وإنَّما ورَدَ عَنِ النَبِيِّ  : «اقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ»، فَذَهَبَ مِن ذَهَبَ إلى رَجْمِهِما بِهَذِهِ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم نظير هاته الآية في سورة الأعراف (82)، وخالفتها هذه بوقوع العطف بالفاء في قوله ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ دون الواو، وبقوله ﴿ أخرجوا ءال لوط ﴾ عوض ﴿ أخرجوهم ﴾ [الأعراف: 82] وبقوله ﴿ قدرناها ﴾ عوض ﴿ كانت ﴾ [الأعراف: 83]، وبقوله ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ عوض ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ [الأعراف: 84].

فأما موقع الفاء هنا فهو لتعقيب الجملة المعطوفة بالفاء على التي قبلها تعقيب جزء القصة على أوله فلا تفيد إلا تعقيب الإخبار، وهي في ذلك مساوية للواو.

ولكن أوثر حرف التعقيب في هذه الآية لكونها على نسج ما حكيت به قصة ثمود في قوله تعالى ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ [النمل: 45]، فالاختلاف بين هذه الآية وآية الأعراف تفنُّن في الحكاية، ومراعاة للنظير في النسج.

وهذا من أساليب قصص القرآن كما بينته في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير.

وكذلك قوله ﴿ أخرجوا آل لوط ﴾ دون ﴿ أخرجوهم ﴾ [الأعراف: 82] لأن المحكي من كلام القوم هو تآمرهم على إخراج آل لوط؛ فما هنا حكاية بمرادف كلامهم وما في الأعراف حكاية بالمعنى والغرض هو التفنّن أيضاً.

وكذلك الاختلاف بين ﴿ قدرناها ﴾ هنا وبين ﴿ كانت في الأعراف ﴾ (83).

وأما الاختلاف بين ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ وبين ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ [الأعراف: 84] فهما عبرتان بحالهم تفرعتا على وصف ما حلّ بهم فوزعت العبرتان على الآيتين لئلا يخلو تكرير القصة من فائدة.

والمراد بآل لوطٍ لوطٌ وأهل بيته لأن ربّ البيت ملاحظ في هذا الاستدلال كقوله تعالى ﴿ أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب ﴾ [غافر: 46]، أراد فرعون وآله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.

الثّانِي: يُبْصِرُ بَعْضُكم بَعْضًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ قال: مؤمن، وكافر، قولهم صالح مرسل من ربه.

وقولهم ليس بمرسل.

وفي قوله: ﴿ لم تستعجلون بالسيئة ﴾ قال: العذاب ﴿ قبل الحسنة ﴾ قال: الرحمة.

وفي قوله: ﴿ قالوا اطيرنا بك ﴾ قال: تشاءمنا.

وفي قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: من قوم صالح.

وفي قوله: ﴿ تقاسموا بالله ﴾ قال: تحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى أهلكوا وقومهم أجمعين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا هم فريقان يختصمون ﴾ قال: إن القوم بين مصدق ومكذب.

مصدق بالحق ونازل عنده، ومكذب بالحق تاركه.

في ذلك كانت خصومة القوم ﴿ قالوا اطيرنا بك ﴾ قال: قالوا: ما أصبنا من شر فإنما هو من قبلك ومن قبل من معك قال: ﴿ طائركم عند الله ﴾ يقول: علم أعمالكم عند الله ﴿ بل أنتم قوم تفتنون ﴾ قال: تبتلون بطاعة الله ومعصيته ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: من قوم صالح ﴿ قالوا: تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ﴾ قال: توافقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه قال: ذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح- يعني مسرعين- ليقتلوه بعث الله عليهم صخرة فأخمدتهم ﴿ ثم لنقولن لوليه ﴾ يعنون رهط صالح ﴿ ومكروا مكراً ﴾ قال: مكرهم الذي مكروا بصالح ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ قال: مكر الله الذي مكر بهم: رماهم بصخرة فأهمدتهم ﴿ فانظر كيف كان ﴾ مكرهم قال: شر والله ﴿ كان عاقبة مكرهم ﴾ أن دمرهم الله وقومهم أجمعين ثم صيرهم إلى النار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ طائركم ﴾ قال: مصائبكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: كان أسماؤهم زعمي، وزعيم، وهرمي، وهريم، وداب، وهواب، ورياب، وسيطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط ﴾ قال: وهم الذين عقروا الناقة وقالوا حين عقروها تبيتن صالحاً وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح ما شهدنا من هذا شيئاً، وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رياح ﴿ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون ﴾ قال: كانوا يقرضون الدراهم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ ﴾ روي أن الرهط الذين تقاسموا على قتل صالح اختفوا ليلاً في غار، قريباً من داره ليخرجوا منه إلى داره بالليل، فوقعت عليهم صخرة فأهلكتهم، ثم هلك قومهم بالصيحة ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض، ونجا صالح ومن آمن به ﴿ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ قيل: معناه تبصرون بقلوبكم أنها معصية وقيل: تبصرون بأبصاركم لأنهم كانوا ينكشفون بفعل ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض، وقيل: تبصرون آثار الكافر قبلكم وما نزل بهم من العذاب ﴿ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ و ﴿ الغابرين ﴾ ﴿ وَأَمْطَرْنَا ﴾ قد ذكر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.

وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.

الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.

الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.

الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.

﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.

"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.

والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.

قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.

والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.

وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.

وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله  هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.

ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.

عن ابن عباس: كان النبي  قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.

﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.

والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.

وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.

قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.

ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.

قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.

يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.

وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.

من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.

وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".

وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون  ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.

القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.

أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط  أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.

وقيل: أمر لنبينا  بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله  بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.

ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.

قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.

قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.

عن رسول الله  أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.

ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل  ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.

ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.

والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.

والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.

وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.

ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.

قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.

قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.

ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.

وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.

ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.

والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.

والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".

ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.

والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله  ، وإنه افتعال من الضر.

وعن ابن عباس: هو المجهود.

وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.

وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.

والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".

وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.

ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.

والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.

واعلم أن الله  ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.

قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.

وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.

قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.

قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله  في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.

وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله  في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.

وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.

وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.

وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.

ومن هنا قال  : "بئس خطيب القوم أنت" .

لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.

والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.

عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله  يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.

قال المفسرون: سال المشركون رسول الله  عن وقت الساعة فنزلت.

وأيان بمعنى متى.

إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.

ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.

ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.

وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.

ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.

وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.

وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.

وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.

قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.

التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.

والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.

وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق  .

ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.

فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.

ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.

وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.

وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ﴾ : كأن فيه إضماراً كأنه قال: أرسلنا لوطاً إلى قومه.

﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ أي: أتاتون الفاحشة وأنتم تبصرون، وتعلمون أنها فاحشة.

﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً ﴾ أي: اشتهاء لكم ﴿ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ﴾ : يقول: تأتون الذكور وتدعون النساء، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ...

﴾ الآية [الشعراء: 165].

وقوله: ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ : قال بعضهم: ولكن أنتم قوم تجهلون، أي: تجهلون الأمر فتعصون.

ويشبه أن هذا جواب قول كان من قومه نحو ما قالوا: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ  ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ ما تقولون، أي: على جهل ما تقولون ذلك، أو كلام نحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ﴾ في وقت إلا أن قالوا كذا، لا في الأوقات كلها؛ لأنه قد كان منهم قول وجوابات نحو ما قالوا: ﴿ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 29] ونحوه، وقولهم: ﴿ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ ؛ دل هذا منهم أنهم قد علموا أن ما يأتون ويعملون أنه خبيث وفحش ومنكر حيث قالوا: ﴿ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ .

ثم يحتمل قولهم هذا وجوهاً: أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء منهم بهم.

والثاني: قالوا: ﴿ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ ﴾ ؛ فإنهم يستقذرون أعمالنا وأفعالنا.

والثالث: على التحقيق ﴿ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ فيه دلالة أن غير الزوجة يجوز أن يسمى أهلا.

قال عامة أهل التأويل: أهله: بناته.

وفي قوله: ﴿ قَدَّرْنَاهَا مِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ دلالة خلق أفعال العباد؛ حيث أخبر أنه قدرها من الغابرين، والغبور والبقاء فعلها، فأخبر أنه قدر ذلك منها وخلق.

وقوله: ﴿ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ ﴾ أي: الباقين في عذاب الله.

وفي حرف ابن مسعود: ﴿ ولقد وفينا إليه أهله كلهم إلا عجوزا في الغابرين ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ﴾ أي: ساء مطر المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار، ولم تنفعهم النذارة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فما كان لقومه من جواب إلا قولهم: أخرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس يتنزهون عن الأقذار والأنجاس، قالوا ذلك استهزاءً بآل لوط الذين لا يشاركونهم فيما يرتكبونه من الفواحش، بل ينكرون عليهم ارتكابها.

<div class="verse-tafsir" id="91.vK4W9"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد