الآية ٦٦ من سورة النمل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 27 النمل > الآية ٦٦ من سورة النمل

بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّۢ مِّنْهَا ۖ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة النمل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة النمل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها ) أي : انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها .

وقرأ آخرون : " بل أدرك علمهم " ، أي : تساوى علمهم في ذلك ، كما في الصحيح لمسلم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل - وقد سأله عن وقت الساعة - ما المسؤول عنها بأعلم من السائل أي : تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسؤول والسائل .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( بل ادارك علمهم في الآخرة ) أي : غاب .

وقال قتادة : ( بل ادارك علمهم في الآخرة ) يعني : يجهلهم ربهم ، يقول : لم ينفذ لهم إلى الآخرة علم ، هذا قول .

وقال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : " بل أدرك علمهم في الآخرة " حين لم ينفع العلم ، وبه قال عطاء الخراساني ، والسدي : أن علمهم إنما يدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك ، كما قال تعالى : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ) [ مريم : 38 ] .

وقال سفيان ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن أنه كان يقرأ : " بل أدرك علمهم " قال : اضمحل علمهم في الدنيا ، حين عاينوا الآخرة .

وقوله : ( بل هم في شك منها ) عائد على الجنس ، والمراد الكافرون ، كما قال تعالى : ( وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ) [ الكهف : 48 ] أي : الكافرون منكم .

وهكذا قال هاهنا : ( بل هم في شك منها ) أي : شاكون في وجودها ووقوعها ، ( بل هم منها عمون ) أي : في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) اختلفت القراء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر وعامة قرّاء أهل الكوفة : (بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام من " بل " وتشديد الدال من " ادراك ", بمعنى: بل تدارك علمهم أي تتابع علمهم بالآخرة هل هي كائنة أم لا ثم أدغمت التاء في الدال كما قيل: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ وقد بينا ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته.

وقرأته عامة قرّاء أهل مكة: " بَلْ أدْرَك عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ" بسكون الدال وفتح الألف, بمعنى هل أدرك علمهم علم الآخرة.

وكان أبو عمرو بن العلاء يُنكر فيما ذكر عنه قراءة من قرأ: " بَلْ أدْرَكَ" ويقول: إن " بل " إيجاب والاستفهام في هذا الموضع إنكار.

ومعنى الكلام: إذا قرئ كذلك " بَلْ أَدْرَكَ" لم يكن ذلك لم يدرك علمهم في الآخرة, وبالاستفهام قرأ ذلك ابن محيصن على الوجه الذي ذكرت أن أبا عمرو أنكره.

وبنحو الذي ذكرت عن المكيين أنهم قرءوه، ذُكر عن مجاهد أنه قرأه, غير أنه كان يقرأ في موضع بل: أم.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الله بن موسى, قال: ثنا عثمان بن الأسود, عن مجاهد, أنه قرأ " أمْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ" وكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقرأ بإثبات ياء في بل, ثم يبتدئ " أدّراك " بفتح ألفها على وجه الاستفهام وتشديد الدال.

حدثنا حميد بن مسعدة, قال: ثنا بشر بن المفضل, قال: ثنا شعبة, عن أبي حمزة, عن ابن عباس في هذه الآية: " بَلى أدَّرَاكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ": أي لم يدرك.

حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي حمزة, قال: سمعت ابن عباس يقرأ " بَلى أدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ" إنما هو استفهام أنه لم يدرك.

وكأن ابن عباس وجه ذلك إلى أن مخرجه مخرج الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث.

والصواب من القراءات عندنا في ذلك، القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قرأة أهل مكة والبصرة, وهي " بَلْ أَدْرَكَ عِلْمُهُمْ" بسكون لام بل، وفتح ألف أدرك، وتخفيف دالها, والأخرى منهما عن قرأة الكوفة, وهي (بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام وتشديد الدال من ادّارك؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرّاء الأمصار, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا.

فأما القراءة التي ذُكرت عن ابن عباس, فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعراب, فخلاف لما عليه مصاحف المسلمين, وذلك أن في بلى زيادة ياء في قراءاته ليست في المصاحف, وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار.

وأما القراءة التي ذكرت عن ابن محيصن, فإن الذي قال فيها أبو عمرو قول صحيح؛ لأن العرب تحقق ببل ما بعدها لا تنفيه، والاستفهام في هذا الموضع إنكار لا إثبات, وذلك أن الله قد أخبر عن المشركين أنهم من الساعة في شكّ, فقال: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ).

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: بل أدرك علمهم في الآخرة فأيقنوها إذ عاينوها حين لم ينفعهم يقينهم بها, إذ كانوا بها في الدنيا مكذّبين.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: قال عطاء الخراساني, عن ابن عباس: " بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ" قال: بصرهم في الآخرة حين لم ينفعهم العلم والبصر.

وقال آخرون: بل معناه: بل غاب علمهم في الآخرة.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: " بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ في الآخرة " يقول: غاب علمهم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ في الآخِرَةِ ) قال: يقول: ضلّ علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم,(هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ).

وقال آخرون: معنى ذلك: لم يبلغ لهم فيها علم.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد, قال: ثني أبي, عن جدي, قال: ثنا الحسين, عن قَتادة في قوله: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ ) قال: كان يقرؤها: " بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ" قال: لم يبلغ لهم فيها علم, ولا يصل إليها منهم رغبة.

وقال آخرون: معنى ذلك: بل أدْرَكَ: أم أدرك.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ" قال: أم أدرك.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عثمان, عن مجاهد: " بَلْ أدْرَكَ علْمُهُمْ" قال: أم أدرك علمهم، من أين يدرك علمهم؟

حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, بنحوه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على قراءة من قرأ " بَلْ أدْرَكَ" القول الذي ذكرناه عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس, وهو أن معناه: إذا قرئ كذلك (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) بل أدرك علمهم نفس وقت ذلك في الآخرة حين يبعثون, فلا ينفعهم علمهم به حينئذ, فأما في الدنيا فإنهم منها في شكّ, بل هم منها عمون.

وإنما قلت: هذا القول أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، على القراءة التي ذُكِرَت؛ لأن ذلك أظهر معانيه.

وإذ كان ذلك معناه، كان في الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ظهر منه عنه، وذلك أن معنى الكلام: وما يشعرون أيان يُبْعثون, بل يشعرون ذلك في الآخرة, فالكلام إذا كان ذلك معناه, وما يشعرون أيان يبعثون, بل أدرك علمهم بذلك في الآخرة, بل هم في الدنيا في شك منها.

وأما على قراءة من قرأه (بَلِ ادَّارَكَ ) بكسر اللام وتشديد الدال, فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد, وهو أن يكون معنى بل: أم, والعرب تضع أم موضع بل, وموضع بل: أم, إذا كان في أول الكلام استفهام كما قال الشاعر: فَوَاللــهِ مـا أَدْرِي أَسَـلْمَى تَغَـوَّلَت أمِ النَّــوْمُ أَمْ كُــلٌّ إلــيَّ حَـبِيبُ (1) يعني بذلك بل كلّ إلي حبيب, فيكون تأويل الكلام: وما يشعرون أيان يبعثون, بل تدارك علمهم في الآخرة: يعني تتابع علمهم في الآخرة: أي بعلم الآخرة: أي لم يتتابع بذلك ولم يعلموه, بل غاب علمهم عنه, وضل فلم يبلغوه ولم يدركوه.

وقوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ) يقول: بل هؤلاء المشركون الذين يسألونك عن الساعة في شك من قيامها، لا يوقنون بها ولا يصدّقون بأنهم مبعوثون من بعد الموت (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) يقول: بل هم من العلم بقيامها عمون.

------------------------ الهوامش: (1) تغولت: تراءت لي في النوم في صور مختلفة.

والشاهد في البيت: أن "أم" الأولى متصلة، لأنها معادلة للهمزة، يقول: لا أدري أهو طيف سلمى عرض لي وتراءى، أم هو النوم يخلط على صور الأشياء، وهي أضغاث الأحلام.

وأما (أم) الثانية فإنها للإضراب: بمعنى (بل) يقول: بل كل ذلك حبيب إلى نفسي.

يريد ما يتراءى له من طيف الخيال.

وما يراه في النوم من الأحلام.

والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة 236 من مصورة الجامعة).

وفي (اللسان: درك).

فأما من قرأ: "بل أدارك"، فإن الفراء قال: معناه لغة: تدارك، أي تتابع علمهم في الآخرة؛ يريد بعلم الآخرة: تكون أو لا تكون: ولذلك قال: (بل هم في شك منها بل هم منها عمون) قال: وهي في قراءة أبي: (أم تدارك)؛ والعرب تجعل (بل) مكان (أم)، و (أم) مكان (بل) إذا كان في أول الكلام استفهام، مثل قول الشاعر: "فوالله ما أدري.." البيت.

معنى (أم): (بل).

وقال أبو معاذ النحوي: ومن قرأ: "بل أدرك"، ومن قرأ: "بل أدارك" فمعناهما واحد.

يقول: هم علماء في الآخرة، كقول الله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) ونحو ذلك، قال السدي في تفسيره: اجتمع علمهم في الآخرة، ومعناها عنده: أي علموا في الآخرة أن الذي كانوا يوعدون به حق.

وقال الأزهري: والقول في تفسير أدرك وأدارك ومعنى الآية: ما قال السدي وذهب إليه أبو معاذ وأبو سعيد.

والذي قاله الفراء في معنى تدارك أي تتابع علمهم في الآخرة، أنها تكون أو لا تكون ليس بالبين، إنما المعنى: أنه تتابع علمهم في الآخرة، وتوطأ حين حقت القيامة، وخسروا، وبان لهم صدق ما وعدوا، حين لا ينفعهم ذلك العلم ا ه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : بل ادارك علمهم في الآخرة هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي .

وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد : ( بل أدرك ) من الإدراك .

وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش : ( بل [ ص: 210 ] ادرك ) غير مهموز مشددا .

وقرأ ابن محيصن : ( بل أدارك ) على الاستفهام .

وقرأ ابن عباس : ( بلى ) بإثبات الياء ( أدارك ) بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها ; قال النحاس : وإسناده إسناد صحيح ، هو من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس .

وزعم هارون القارئ أن قراءة أبي ( بل تدارك علمهم ) وحكى الثعلبي أنها في حرف أبي ( أم تدارك ) والعرب تضع ( بل ) موضع ( أم ) و ( أم ) موضع ( بل ) إذا كان في أول الكلام استفهام ; كقول الشاعر :فوالله لا أدري أسلمي تقولت أم القول أم كل إلي حبيبأي : بل كل .قال النحاس : القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد ، لأن أصل ( ادارك ) : تدارك ; أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل ; وفي معناه قولان :أحدهما : أن المعنى : بل تكامل علمهم في الآخرة ; لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم به .والقول الآخر : أن المعنى : بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة ; فقالوا تكون وقالوا لا تكون .

القراءة الثانية فيها أيضا قولان :أحدهما : أن معناه كمل في الآخرة ; وهو مثل الأول ; قال مجاهد : معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم ; لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين .والقول الآخر : أنه على معنى الإنكار ; وهو مذهب أبي إسحاق ; واستدل على صحة هذا القول بأن بعده بل هم منها عمون أي لم يدرك علمهم علم الآخرة .

وقيل : بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم .

والقراءة الثالثة : ( بل ادرك ) فهي بمعنى : بل ادارك .

وقد يجيء ( افتعل وتفاعل ) بمعنى ; ولذلك صحح ( ازدوجوا ) حين كان بمعنى ( تزاوجوا ) .

القراءة الرابعة ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار ; كما تقول : أأنا قاتلتك ؟

!

فيكون المعنى لم يدرك ; وعليه ترجع قراءة ابن عباس ; قال ابن عباس : بل ادارك علمهم في الآخرة أي لم يدرك .

قال الفراء : وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث ، كقولك لرجل تكذبه : بلى لعمري قد أدركت السلف فأنت تروي ما لا أروي .

وأنت تكذبه .

وقراءة سابعة : ( بل ادرك ) بفتح اللام ; عدل إلى الفتحة لخفتها .

وقد حكي نحو ذلك عن قطرب في ( قم الليل ) فإنه عدل إلى الفتح .

وكذلك و ( بع الثوب ) ونحوه .

وذكر الزمخشري في الكتاب : وقرئ ( بل أأدرك ) بهمزتين ( بل أدرك ) بألف بينهما ( بلى أأدرك ) ( أم تدارك ) ( أم أدرك ) فهذه ثنتا عشرة قراءة ، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال : فإن قلت فما وجه قراءة ( بل أدرك ) على الاستفهام ؟

قلت : هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم ، وكذلك من قرأ : ( أم أدرك ) و ( أم تدارك ) لأنها ( أم ) التي بمعنى ( بل والهمزة ) وأما من قرأ : ( بلى أأدرك ) على الاستفهام فمعناه : بلى يشعرون متى يبعثون ، ثم أنكر علمهم بكونها ، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها ; لأن العلم بوقت الكائن [ ص: 211 ] تابع للعلم بكون الكائن .

في الآخرة في شأن الآخرة ومعناها .

بل هم في شك منها أي في الدنيا .

بل هم منها عمون أي بقلوبهم واحدهم عمو .

وقيل : عم ، وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ } أي: بل ضعف، وقل ولم يكن يقينا، ولا علما واصلا إلى القلب وهذا أقل وأدنى درجة للعلم ضعفه ووهاؤه، بل ليس عندهم علم قوي ولا ضعيف وإنما { هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا } أي: من الآخرة، والشك زال به العلم لأن العلم بجميع مراتبه لا يجامع الشك، { بَلْ هُمْ مِنْهَا } أي: من الآخرة { عَمُونَ } قد عميت عنها بصائرهم، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال بل أنكروها واستبعدوها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بل ادارك علمهم ) قرأ أبو جعفر ، وابن كثير ، وأبو عمرو : " أدرك " على وزن أفعل أي : بلغ ولحق ، كما يقال : أدركه علمي إذا لحقه وبلغه ، يريد : ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة .

قال مجاهد : يدرك علمهم ، ( في الآخرة ) ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم .

قال مقاتل : بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا وعموا عنه في الدنيا وهو قوله : ( بل هم في شك منها ) يعني : هم اليوم في شك من الساعة ، وقرأ الآخرون : " بل ادارك " موصولا مشددا مع ألف بعد الدال المشددة ، أي : تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق .

وقيل : معناه اجتمع علمهم في الآخرة أنها كائنة ، وهم في شك في وقتهم ، فيكون بمعنى الأول .

وقيل : هو على طريق الاستفهام ، معناه : هل تدارك وتتابع علمهم بذلك في الآخرة ؟

أي : لم يتتابع وضل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه ، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد يدل عليه .

قراءة ابن عباس " بلى " بإثبات الياء ، " أدارك " بفتح الألف على الاستفهام ، أي : لم يدرك ، وفي حرف أبي " أم تدارك علمهم " ، والعرب تضع " بل " موضع " أم " و " أم " موضع " بل " وجملة القول فيه : أن الله أخبر أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم في الآخرة وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب ، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا .

وذكر علي بن عيسى أن معنى " بل " هاهنا : " لو " ومعناه : لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة لم يشكوا .

قوله - عز وجل - : ( بل هم في شك منها ) بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة .

( بل هم منها عمون ) جمع عم ، وهو أعمى القلب .

قال الكلبي : يقول هم جهلة بها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بل» بمعنى هل «أدرك» وزن أكرم، وفي قراءة أخرى ادّارَكَ بتشديد الدال وأصله تدارك أبدلت التاء دالاً وأدغمت في الدال واجتلبت همزة الوصل أي بلغ ولحق أو تتابع وتلاحق «علمهم في الآخرة» أي بها حتى سألوا عن وقت مجيئها ليس الأمر كذلك «بل هم في شك منها بل هم منها عمون» من عمى القلب وهو أبلغ مما قبله والأصل عميون استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الميم بعد حذف كسرتها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهم: لا يعلم أحد في السموات ولا في الأرض ما استأثر الله بعلمه من المغيَّبات، ولا يدرون متى هم مبعوثون مِن قبورهم عند قيام الساعة؟

بل تكامل علمهم في الآخرة، فأيقنوا بالدار الآخرة، وما فيها مِن أهوال حين عاينوها، وقد كانوا في الدنيا في شك منها، بل عميت عنها بصائرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( بَلِ ادارك .

.

.

) قرأه الجمهور - بكسر اللام وتشديد الدال وبعدها ألف - وأصله تدارك ، بزنة تفاعل .وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال أشهرها : أن التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء ، وأصله التتابع والتلاحق .

يقال : تدارك بنو فلان ، إذا تتابعوا فى الهلاك ، و " فى " بمعنى الباء .أى : بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى ، ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل .والمقصود : أن أسباب علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها قد تساقطت من اعتبارهم لكفرهم بها ، فَأُجْرِى ذلك مُجْرَى تتابعها فى الانقطاع .ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل ، فيكون المعنى : بل تكامل علمهم بشئون الآخرة ، حين يعاينون ما أعد لهم من عذاب ، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب فى الدنيا .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة ) إضراب عما تقدم على وجه يفيد تأكيده وتقريره .

.

.

والمعنى : بل تتابع علمهم فى شأن الآخرة ، التى ما ذكر من البعث حال من أحوالها ، حتى انقطع وفنى ، ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا ، مع توفر أسبابه ، فهو ترق من وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل أفحش .

.

.

وجوز أن يكون " ادارك " بمعنى استحكم وتكامل .

.

.ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للقولين ، على معنى أن المشركين اضمحل علمهم بالآخرة لكفرهم بها فى الدنيا ، فإذا ما بعثوا يوم القيامة وشاهدوا العذاب ، أيقنوا بحقيقتها ، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما كانوا ينكرونه فى الدنيا .

قد صار حقيقة لا شك فيها ، ولا مفر لهم من عذابها .

.ومن الآيات التى توضح هذا المعنى قوله - تعالى - : ( لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ ) أى : علمك بما كنت تنكره فى الدنيا قد صار فى نهاية القوة والوضوح .وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( بل أدرك علمهم فى الآخرة ) - بسكون اللام من بل .

وهمزة قطع مفتوحة مع سكون الدال فى " أَدْرَك " فهو بزنة أفعل .أى : بل كمل علمهم فى الآخرة ، وذلك بعد أن شاهدوا أهوالها ، ورأوها بأعينهم ، وقد كانوا مكذبين فها فى الدنيا .وقوله - سبحانه - : ( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ) بيان لأحوالهم فى الدنيا .أى : أن هؤلاء المشركين كانوا فى الدنيا يشكون فى الآخرة ، بل كانوا فى عمى عنها ، بحيث لا يفتحون بصائرهم أو أبصارهم ، عما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنها .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد انتقلت فى تصوير كفر هؤلاء المشركين بالآخرة ، من حالة شنيعة إلى حالة أخرى أشد منها فى الشناعة والجحود .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هذه الإضرابات الثلاثة ما معناها؟

قلت : ما هى إلا تنزيل لأحوالهم؛ وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث ، ثم لا يعلمون بأن القيامة كائنة ، ثم إنهم يخبطون فى شك ومرية ، فلا يزيلونه مع أن الإزالة مستطاعة .

.

.

ثم بما هم أسوأ حالا وهو العمى ، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه ، لا يخطر بباله حق ولا باطل ، ولا يفكر فى عاقبة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بالقدرة فكذلك بين أنه هو المختص بعلم الغيب، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه هو الإله المعبود، لأن الإله هو الذي يصح منه مجازاة من يستحق الثواب على وجه لا يلتبس بأهل العقاب، فإن قيل الاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت المستثنى منه ودلت الآية هاهنا على استثناء الله سبحانه وتعالى عمن في السموات والأرض فوجب كونه ممن في السموات والأرض وذلك يوجب كونه تعالى في المكان والجواب: هذه الآية متروكة الظاهر لأن من قال إنه تعالى في المكان زعم أنه فوق السموات، ومن قال إنه ليس في مكان فقد نزهه عن كل الأمكنة، فثبت بالإجماع أنه تعالى ليس في السموات والأرض فإذن وجب تأويله فنقول إنه تعالى ممن في السموات والأرض كما يقول المتكلمون: الله تعالى في كل مكان على معنى أن علمه في الأماكن كلها، لا يقال إن كونه في السموات والأرض مجاز وكونهم فيهن حقيقة وإرادة المتكلم بعبارة واحدة ومجازاً غير جائزة، لأنا نقول كونهم في السموات والأرض، كما أنه حاصل حقيقة وهو حصول ذواتهم في الأحياز فكذلك حاصل مجازاً، وهو كونهم عالمين بتلك الأمكنة فإذا حملنا هذه الغيبة على المعنى المجازي وهو الكون فيها بمعنى العلم دخل الرب سبحانه وتعالى والعبيد فيه فصح الاستثناء.

أما قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ فهو صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم علم الغيب وذكر في جملة الغيب متى البعث بقوله: ﴿ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ فأيان بمعنى متى وهي كلمة مركبة من أي والآن وهو الوقت وقرئ ﴿ إِيَّانَ ﴾ بكسر الهمزة.

أما قوله: ﴿ بَلِ ادرك عِلْمُهُمْ فِي الأخرة ﴾ فاعلم أن كلام صاحب الكشاف فيه مرتب على ثلاثة أبحاث: البحث الأول: فيه اثنتا عشرة قراءة بل أدرك بل أدرك بل ادارك بل تدارك بل أأدرك بهمزتين بل آأدرك بألف بينهما بل آدرك بالتخفيف والنقل بل ادرك بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على الاستفهام بلى أدرك بلى أأدرك أم تدارك أو أدرك.

البحث الثانث: ادارك أصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وادَّرك افتعل.

البحث الثالث: معنى ادَّرك علمهم انتهى وتكامل وأدرك تتابع واستحكم ثم فيه وجوه: أحدها: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفتها وهم شاكون جاهلون، وذلك قوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ ﴾ يريد المشركين ممن في السماوات والأرض لأنهم لما كانوا من جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع كما يقال بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم.

فإن قيل الآية سيقت لاختصاص الله تعالى بعلم الغيب وإن العباد لا علم لهم بشيء منه وإن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به، فكيف ناسب هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟

والجواب: كأنه سبحانه قال كيف يعلمون الغيب مع أنهم شكوا في ثبوت الآخرة التي دلت الدلائل الظاهرة القاهرة عليها فمن غفل عن هذا الشيء الظاهر كيف يعلم الغيب الذي هو أخفى الأشياء الوجه الثاني: أن وصفهم باستحكام العلم تهكم بهم كما تقول لأجهل الناس ما أعلمك على سبيل الهزء وذلك حيث شكوا في إثبات ما الطريق إليه واضح ظاهر الوجه الثالث: أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى من قولك أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، أما وجه قراءة من قرأ بل أأدرك على الاستفهام فهو أنه استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم وكذا من قرأ أم أدرك وأم تدارك لأنها أم هي التي بمعنى بل والهمزة وأما من قرأ بلى أدرك فإنه لما جاء ببلى بعد قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ كان معناه بلى يشعرون ثم فسر الشعور بقوله أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم، فكأنه قال شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون، وأما من قرأ بلى أأدرك على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها وإذ أنكر علمهم بكونها وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها.

فإن قلت هذه الإضرابات الثلاث ما معناها؟

قلت ماهي إلا بيان درجاتهم وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية، ثم بما هو أسوأ حالاً وهو العمى وفيه نكتة وهي أنه تعالى جعل الآخرة مبدأ عماهم فلذلك عداه بمن دون عن لأن الفكر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ بل أدَّرك ﴾ ، ﴿ بل ادَّراك ﴾ ، ﴿ بل ادَّارك ﴾ ، ﴿ بل تدارك ﴾ ، ﴿ بل أأدرك ﴾ بهمزتين ﴿ بل آأدرك ﴾ ، بألف بينهما.

﴿ بل أدرك ﴾ ، بالتخفيف والنقل ﴿ بل ادّرك ﴾ بفتح اللام وتشديد الدال.

وأصله: بل أدّرك؟

على الاستفهام ﴿ بلى أدرك ﴾ ، ﴿ بلى أأدرك ﴾ ، ﴿ أم تدارك ﴾ ، ﴿ أم أدرك ﴾ فهذه ثنتا عشرة قراءة: وأدّارك: أصله تدارك، فأدغمت التاء في الدال.

وادّرك: افتعل.

ومعنى أدرك علمهم: انتهى وتكامل.

وادّارك: تتابع واستحكم.

وهو على وجهين، أحدهما: أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيه، قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته، وهم شاكون جاهلون، وهو قوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ : يريد المشركين ممن في السموات والأرض؛ لأنهم لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع، كما يقال: بنو فلان فعلوا كذا وإنما فعله ناس منهم.

فإن قلت: إن الآية سيقت لاختصاص الله بعلم الغيب، وأن العباد لا علم لهم بشيء منه وأن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به، فكيف لاءم هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟

قلت: لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب، ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الذي يكون فيه، وكان هذا بياناً لعجزهم ووصفاً لقصور علمهم: وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لابد أن يكون- وهو وقت جزاء أعمالهم- لا يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به.

والوجه الثاني: أن وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكم بهم، كما تقول لأجهل الناس: ما أعلمك!على سبيل الهزؤ، وذلك حيث شكوا وعموا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك، فضلاً أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته: وفي: أدرك علمهم، وادارك علمهم: وجه آخر، وهو أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى، من قولك: أدركت الثمرة؛ لأن تلك غايتها التي عندها تعدم: وقد فسره الحسن رضي الله عنه باضمحل علمهم وتدارك، من تدارك بنو فلان: إذا تتابعوا في الهلاك فإن قلت، فما وجه قراءة من قرأ: بل أأدرك على الاستفهام؟

قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: أم أدرك.

وأم تدارك؛ لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة.

فإن قلت: فمن قرأ: بلى أدرك، وبلى أأدرك؟

قلت: لما جاء ببلى، بعد قوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ كان معناه: بلى يشعرون، ثم فسر الشعور بقوله: أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في نفي العلم، فكأنه قال: شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها، فيرجع إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون.

وأما من قرأ: بلى أأدرك؟

على الاستفهام فمعناه: بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها؛ لأنّ العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن ﴿ فِى الأخرة ﴾ في شأن الآخرة ومعناه.

فإن قلت: هذه الاضرابات الثلاث ما معناها؟

قلت: ما هي إلا تنزيل لأحوالهم: وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة.

ألا ترى أن من لم يسمع اختلاف المذاهب وتضليل أربابها بعضهم لبعض: كان أمره أهون ممن سمع بها وهو جاثم لا يشخص به طلب التمييز بين الحق والباطل، ثم بما هو أسوأ حالاً وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حقاً ولا باطلاً.

ولا يفكر في عاقبة.

وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه فلذلك عدّاه بمن دون عن؛ لأنّ الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ لَمّا نَفى عَنْهم عِلْمَ الغَيْبِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِنَفْيِ شُعُورِهِمْ بِما هو مَآلُهم لا مَحالَةَ بالَغَ فِيهِ، بِأنْ أضْرَبَ عَنْهُ وبَيَّنَ أنَّ ما انْتَهى وتَكامَلَ فِيهِ أسْبابُ عِلْمِهِمْ مِنَ الحُجَجِ والآياتِ وهو أنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ لا يَعْلَمُونَهُ كَما يَنْبَغِي.

﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ كَمَن تَحَيَّرَ في الأمْرِ لا يَجِدُ عَلَيْهِ دَلِيلًا.

﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ لا يُدْرِكُونَ دَلائِلَها لِاخْتِلالِ بَصِيرَتِهِمْ، وهَذا وإنِ اخْتُصَّ بِالمُشْرِكِينَ مِمَّنْ في السَّمَواتِ والأرْضِ نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ كَما يُسْنَدُ فِعْلُ البَعْضِ إلى الكُلِّ، والإضْراباتُ الثَّلاثُ تَنْزِيلٌ لِأحْوالِهِمْ، وقِيلَ الأوَّلُ إضْرابٌ عَنْ نَفْيِ الشُّعُورِ بِوَقْتِ القِيامَةِ عَنْهم إلى وصْفِهِمْ بِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِمْ في أمْرِ الآخِرَةِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، وقِيلَ أدْرَكَ بِمَعْنى انْتَهى واضْمَحَلَّ مِن قَوْلِهِمْ أدْرَكْتُ الثَّمَرَةَ لِأنَّ تِلْكَ غايَتُها الَّتِي عِنْدَها تُعْدَمُ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ بَلِ ادّارَكَ ﴾ بِمَعْنى تَتابَعَ حَتّى اسْتَحْكَمَ، أوْ تَتابَعَ حَتّى انْقَطَعَ مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ، وأبُو بَكْرٍ «أدْرَكَ» وأصْلُهُما تَفاعَلَ وافْتَعَلَ.

وقُرِئَ «أأدْرَكَ» و «أمْ أدْرَكَ» بِهَمْزَتَيْنِ «وَءاأدْرَكَ» بِألِفٍ بَيْنَهُما و «بَلْ أدْرَكَ» و «بَلْ تَدارَكَ» و «بَلى أأدْرَكَ» و «بَلى أأدْرَكَ» و «أمْ أدْرَكَ» و «أمْ تَدارَكَ»، وما فِيهِ اسْتِفْهامٌ صَرِيحٌ أوْ مُضَمَّنٌ مِن ذَلِكَ فَإنْكارٌ وما فِيهِ بَلى فَإثْباتٌ لِشُعُورِهِمْ وتَفْسِيرٌ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى التَّهَكُّمِ، وما بَعْدَهُ إضْرابٌ عَنِ التَّفْسِيرِ مُبالَغَةً في نَفْيِهِ ودَلالَةً عَلى أنَّ شُعُورَهم بِها أنَّهم شاكُّونَ فِيها ﴿ بَلِ ﴾ إنَّهم ﴿ مِنها عَمُونَ ﴾ أوْ رَدٌّ وإنْكارٌ لِشُعُورِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بل ادارك} أدرك مكي وبصري ويزيد والمفضل أي انتهى وتكامل من أدركت الفاكهة تكاملت نضجاً بَلِ أدرك عن الأعشى افتعل بل ادرك غيرهم استحكم وأصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وزيد ألف الوصل ليمكن التكلم بها {عِلْمُهُمْ فِى الآخرة} أي في شأن الآخرة ومعناها والمعنى أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة قد حصلت لهم ومكنوا من معرفته وهم شاكون جاهلون وذلك قوله {بَلْ هُمْ فِى شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ} والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم وصفهم أو لا بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة ثم يأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه والإزالة مستطاعة ثم بما هو أسوء حالاً وهو العمى وقد جعل الآخرة مبتدأ عماهم ومنشأه فلذا عداه بمن دون عن لأن الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم من التدبر والتفكر ووجه ملاءمة مضمون هذه الآية وهو وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة بما قبله وهو اختصاصه تعالى بعلم الغيب وأن العباد لا علم لهم بشيء منه أنه لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب وكان هذا بياناً لعجزهم

ووصفاً لقصور علمهم وصل به أن عندهم عجزاً أبلغ منه وهو أنهم يقولون للكائن الذي لابد من كونه وهو وقت جزاء أعمالهم لا يكون مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به وجاز أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما تقول لأجهل الناس ما أعلمك على سبيل الهزؤ وذلك حيث شكوا وعملوا عن إثباته الذي الطريق إلى علمه مسلوك فضلاً أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته ويجوز أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى من قولك أدركت النمرة لأن لك غايتها التي عندها تعدم

النمل (٧٤ - ٦٧)

وقد فسرها الحسن بإضمحل علمهم في الآخرة وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ إضْرابٌ عَمّا تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ تَأْكِيدَهُ وتَقْرِيرَهُ، وأصْلُ ﴿ ادّارَكَ ﴾ تَدارَكَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسَكَنَتْ فاجْتَلَبَتْ هَمْزَةَ الوَصْلِ وهو مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ وهو مُرادُ مَن فَسَّرَ التَّدارُكَ هُنا بِالِاضْمِحْلالِ والفَناءِ، وإلّا فَأصْلُ التَّدارُكِ التَّتابُعِ والتَّلاحُقِ مُطْلَقًا، (وفِي الآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ”عِلْمُهُمْ“.

والعِلْمُ يَتَعَدّى بِفي كَما يَتَعَدّى بِالباءِ، وهي حِينَئِذٍ بِمَعْنى الباءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما، والمَعْنى بَلْ تَتابَعَ عِلْمُهم في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي ما ذَكَرَ مِنَ البَعْثِ حالٌ مِن أحْوالِها حَتّى انْقَطَعَ وفَنِيَ ولَمْ يَبْقَ لَهم عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِمّا سَيَكُونُ فِيها قَطْعًا مَعَ تَوَفُّرِ أسْبابِهِ فَهو تَرَقٍّ عَنْ وصْفِهِمْ بِجَهْلٍ فاحِشٍ إلى وصْفِهِمْ بِجَهْلٍ أفْحَشَ، ولَيْسَ تَدارُكُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ لَهم عِلْمٌ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ فانْتَفى شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِتَنْزِيلِ أسْبابِ العِلْمِ ومُبادِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ، وإجْراءُ تَساقُطِها عَنْ دَرَجَةِ اعْتِبارِهِمْ كُلَّما لاحَظُوها مَجْرى تَتابُعِها إلى الِانْقِطاعِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيِ ﴿ ادّارَكَ ﴾ أسْبابَ عِلْمِهِمْ، والتَّدارُكُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ التَّساقُطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِها إلى ما هو أفْحَشُ مِنهُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وهو حَيْرَتُهم في ذَلِكَ أيْ بَلْ هم في شَكٍّ عَظِيمٍ مِن نَفْسِ الآخِرَةِ وتَحَقُّقِها كَمَن تَحَيَّرَ في أمْرٍ لا يَجِدُ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَضْلًا عَنِ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ فِيها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ شاكِّينَ إلى وصْفِهِمْ بِما هو أفْظَعُ مِنهُ وهو كَوْنُهم عُمْيًا قَدِ اخْتَلَتْ بَصائِرُهم بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُدْرِكُونَ طَرِيقَ العِلْمِ بِها وهو الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، فالمُرادُ ﴿ عَمُونَ ﴾ عَنْ دَلائِلِها أوْ عَمُونَ عَنْ كُلِّ ما يُوصِلُهم إلى الحَقِّ ويَدْخُلُ فِيهِ دَلائِلُها دُخُولًا أوَّلِيًّا، (ومِنها) مُتَعَلِّقٌ بِعَمُونَ، قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، ولَعَلَّ تَعْدِيَتَهُ بِمَن دُونَ عَنْ لِجَعْلِ الآخِرَةِ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، والكُفْرُ بِالعاقِبَةِ والجَزاءِ يَدَعُ الشَّخْصَ عاكِفًا عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ لا يَتَدَبَّرُ ولا يَتَبَصَّرُ فِيما عَدا ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ ادّارَكَ ﴾ بِمَعْنى اسْتَحْكَمَ وتَكامَلَ ووَصَفَهم بِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وتَكامُلِهِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، ومَآلُ التَّهَكُّمِ المَذْكُورِ نَفِيُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ لَكِنْ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ، والإضْرابانِ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الوَصْفِ بِالفَظِيعِ إلى الوَصْفِ بِالأفْظَعِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ وهو وجْهٌ حَسَنٌ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ بِتَرْجِيحِهِ عَلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالادِّراكِ الِاسْتِحْكامَ لَكِنْ عَلى مَعْنى اسْتَحْكَمَ أسْبابُ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ مِنَ الآياتِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ وتَمَكَّنُوا مِنَ المَعْرِفَةِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ وهم جاهِلُونَ في ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ دَلالَةَ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى إرادَةٍ وهم جاهِلُونَ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ.

وقالَ الكِرْمانِيُّ: التَّدارُكُ التَّتابُعُ، والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا الحُكْمُ والقَوْلُ والمَعْنى بَلْ تَتابَعُ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاهم بَعْضُهم.

وشَكَّ فِيها بَعْضُهم واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم وفِيهِ ما فِيهِ.

وقِيلَ: إنَّ في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ.

(بِادّارَكَ) .

وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ والطَّبَرْسِيُّ، واقْتَضَتْهُ بَعْضُ الآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بَلِ اسْتَحْكَمَ في الآخِرَةِ عِلْمُهم بِما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا حَيْثُ رَأوْا ذَلِكَ عِيانًا، وكانَ الظّاهِرُ يَدّارَكُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ.

وقِيلَ: التَّدارُكُ عَلَيْهِ مِن تَدارَكْتُ أمْرَ فُلانٍ إذا تَلافَيْتَهُ، ومَفْعُولُهُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ بَلْ تَدارَكَ في الآخِرَةِ عَلِمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا أيْ تَلافاهُ، وحاصِلُ المَعْنى بَلْ عَلِمُوا ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ العِلْمُ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى ما عَلِمْتَ، ولا يَخْفى أنَّ في وجْهِ تَرْتِيبِ الإضْراباتِ الثَّلاثِ حَسَبَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ خَفاءً فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ أُبَيٌّ أمْ «تَدارَكَ».

عَلى الأصْلِ وجَعَلَ أمْ بَدَلَ (بَلْ)، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ بَلْ أدْرَكَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وشَدَّ الدّالَ بِناءً عَلى وزْنِهِ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَّ وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا فَصارَ فِيهِ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ كَما في قَوْلِهِمُ: اثْرُدْ وأصْلُهُ اثْتَرِدْ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ «بَلِ»، ورُوِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَيّاشٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأهْلُ مَكَّةَ.

«بَلْ أدْرَكَ».

عَلى وزْنٍ أفْعَلَ بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي حَيْوَةَ وغَيْرِهِ عَنْهُ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

بَلِ آدَّرَكَ» بِمَدَّةٍ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدَّرَكَ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا تَخْفِيفًا كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ «بَلْ» لِأنَّ بَلْ لِلْإيجابِ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ أيْ لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ اهـ.

وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، كَما قالَ أبُو حَيّانَ، الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ (بَلْ) وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ، بَلْ أماءً شَرِبْتَ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي، وقَرَأ مُجاهِدٌ «أمْ أدْرَكَ» جَعَلَ أمْ بَدَلَ (بَلْ) وأدْرَكَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أيْضًا «بَلْ أدّارَكَ» بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى (ادّارَكَ) فَتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةُ لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا بَلْ أأدَّرَكَ بِهَمْزَتَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفْعَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا والأعْرَجُ.

«بَلْ أدَرَكَ».

بِهَمْزَةٍ، وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ وهي الدّالُ في فاءِ افْتَعَلَ بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا، وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ.

«بَلِ ادَّرَكَ» بِحَذْفِ هَمْزَةِ أدْرَكَ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

«بَلى أدْرَكَ».

بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجِبُ بِهِ المُسْتَفْهِمُ المَنفِيَّ، وقَرَأ.

«بَلْ (آأدّارَكَ)».

بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، فَهَذِهِ عِدَّةُ قِراءاتٍ فَما فِيهِ مِنها اسْتِفْهامٌ صَرِيحٌ أوْ مُضَمَّنٌ فَهو إنْكارٌ ونَفْيٌ، وما فِيهِ بَلى فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ يَلِي جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ جازَ أنْ يَسْتَأْنِفَ بَعْدَهُ كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ فَقِيلَ لَهُمْ: بَلى إيجابًا لِما نَفَوْا، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ بِمَعْنى أمْ هم في شَكِّ مِنها لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ اهـ، يَعْنِي أنَّ المَعْنى أأُدْرِكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا؟

فَبَلْ بِمَعْنى أمْ عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنْ جَعَلَ بَلْ بِمَعْنى أمْ ومُعادَلَتُها لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما فِيهِ بَلى فَإثْباتٌ لِشُعُورِهِمْ وتَفْسِيرٌ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ الَّذِي هو أبْلَغُ وُجُوهِ النَّفْيِ والإنْكارِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ إلَخْ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ الَّذِي هو أبْلَغُ وُجُوهِ النَّفْيِ والإنْكارِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَنِ التَّفْسِيرِ مُبالَغَةً في النَّفْيِ ودَلالَةً عَلى أنَّ شُعُورَهم بِها أنَّهم شاكُّونَ فِيها بَلْ إنَّهم مِنها عَمُّونَ فَهو عَلى مِنوال: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ أوْ رَدٌّ وإنْكارٌ لِشُعُورِهِمْ عَلى أنَّ الإضْرابَ إبْطالِيٌّ فافْهَمْ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يا محمد لكفار مكة لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والناس الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ يعني: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ الله، رفع على معنى البدل، فكأنه يقول: لا يعلم أحد الغيب إلا الله أي لا يعلم ذلك إلا الله، ثم قال: وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يعني: متى يبعثون يعني: أوان يبعثون.

قوله عز وجل: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بل ادّرك.

قرأ الباقون ادَّارَكَ بالألف.

فمن قرأ أدرك، فمعناه: أدرك علمهم علم الآخرة.

وروي عن السدي قال: اجتمع علمهم يوم القيامة فلم يشكوا، ولم يختلفوا ويقال: معناه علموا في الآخرة أن الذين كانوا يوعدون حق، ولا ينفعهم ذلك.

ومن قرأ ادراك علمهم فأصله تدارك، فأدغم التاء في الدال، وشددت وأدخلت ألف الوصل، ليسلم السكون للدال، ومعناه: تتابع علمهم، أي حكمهم على الآخرة، واستعمالهم الظنون في علم الآخرة، فهم يقولون تارة: إنها تكون، وتارة لا تكون الساعة.

ويقال: معناه تدارك، أي تكامل علمهم يوم القيامة لأنهم يبعثون ويشاهدون ما وعدوا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها أي: من قيام الساعة في الدنيا بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ يعني: يتعامون عن قيامها.

ويقال: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي من علمها جاهلون.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ، بَلِ ادراك علمهم وهذه القراءة أشد إيضاحاً للمعنى الذي ذكرناه.

ثم حكى قول الكفار فقال عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ يعني: أحياء من القبور لَقَدْ وُعِدْنا هذا يعني: هذا الذي يقول محمد  : نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا الذي يقول إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: أحاديث الأولين وكذبهم، مثل حديث رستم واسفنديار.

ويقال: إن هذا إلاَّ مثل رسل الأولين فيما كذبوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويَعْدِلُونَ يجوز أن يرادَ به: يعدِلُونَ عن طريق الحقِّ، ويجوزُ أَنْ يُرَادَ به يَعْدِلُونَ باللهِ غيره، أي: يجعلون له عديلا ومثيلا، وخِلالَها مَعْنَاه: بَيْنها، والرواسي: الجبال، والبحرانِ/: الماءُ العذبُ والماءُ الأجاج على ما تقدم، والحاجز: ما جَعَلَ الله بيْنَهما مِنْ حَوَاجِز الأرْضِ وموانِعها على رِقَّتِها في بعض المواضع، ولطافتِها لولا قدرة الله لغلب المالح العذب.

وقوله سبحانه: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ...

الآية، وعن حبيب بن مسلمة «١» الفهري وكان مجاب الدعوة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «لاَ يَجْتَمِعُ مَلأٌ فَيَدْعُوَ بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إلاَّ أَجَابَهُمْ اللهُ تعالى» «٢» ، رواه الحاكم في «المستدرك» ، انتهى من «سلاح المؤمن» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاَهٍ» «٣» رواه الترمذيُّ وهذا لفظه.

قال «صاحب السلاح» : ورواه الحاكمُ في «المستدرك» وقال: مستقيمُ الإسناد، انتهى.

والسُّوءَ عامٌّ في كل ضرُّ يَكْشِفُه اللهُ تعالى عن عبادِه، قال ابن عطاء الله: ما طُلِبَ لَك شيءٌ مثلَ الاضْطِرَارِ، ولا أسْرَع بالمواهِب لكَ مثلَ الذِّلةِ والافتقارِ، انتهى.

و «الظلماتُ» عام لظلمةِ الليل ولظلمةِ الجهل والضلال، والرزق من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ وهو: المَكْرُوبُ المَجْهُودُ؛ ﴿ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ يَعْنِي الضُّرَّ ﴿ وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ ﴾ أيْ: يَهْلَكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آَخَرِينَ، و ﴿ تَذَكَّرُونَ ﴾ بِمَعْنى تَتَّعِظُونَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.

﴿ أمَّنْ يَهْدِيكُمْ ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم إلى مَقاصِدِكم إذا سافَرْتُمْ ﴿ فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ﴾ وقَدْ بَيَّنّاها في (الأنْعامِ: ٦٣، ٩٧) وشَرَحْنا ما يَلِيها مِنَ الكَلِماتِ فِيما مَضى [الأعْرافِ: ٥٧ ويُونُسَ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ يَعْنِي مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أيْ: مَتى يَبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " بَلْ أدْرَكَ " قالَ مُجاهِدٌ: " بَلْ " بِمَعْنى " أمْ " والمَعْنى: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمَهم، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: هَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ؟

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إنَّهم لا يَقِفُونَ في الدُّنْيا عَلى حَقِيقَةِ العِلْمِ بِالآخِرَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ بَلِ ادّارَكَ ﴾ عَلى مَعْنى: بَلْ تَدارَكَ، أيْ: تَتابَعَ وتَلاحَقَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ.

ثُمَّ في مَعْناها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِأنّهم مَبْعُوثُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا، عَلِمُوهُ في الآَخِرَةِ.

والثّانِي: بَلْ تَدارَكَ ظَنُّهم وحَدْسُهم في الحُكْمِ عَلى الآخِرَةِ، فَتارَةً يَقُولُونَ: إنَّها كائِنَةٌ، وتارَةً يَقُولُونَ: لا تَكُونُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " بَلِ ادَّرَكَ " عَلى وزْنِ افْتَعَلَ مِن أدْرَكْتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها ﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في شَكٍّ مِنَ القِيامَةِ ﴿ بَلْ هم مِنها عَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مِن عِلْمِها وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّحْلِ:١٢٧، المُؤْمِنُونَ: ٣٥، ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ ﴾ يَعْنُونَ: العَذابَ الَّذِي تَعِدُنا.

﴿ قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَرُبَ لَكم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَبِعَكم، واللّامُ زائِدَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: رَدِفَكم.

وَفِي ما تَبِعَهم مِمّا اسْتَعْجَلُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَوْمَ بَدْرٍ.

والثّانِي: عَذابُ القَبْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: عَلى أهْلِ مَكَّةَ حِين لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ ﴿ وَما يُعْلِنُونَ ﴾ بِألْسِنَتِهِمْ مِن عَداوَتِكَ وخِلافِكَ؛ والمَعْنى أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

﴿ وَما مِن غائِبَةٍ ﴾ أيْ: وما مِن جُمْلَةٍ غائِبَةٍ، ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ؛ والمَعْنى: إنَّ عِلْمَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ بَيِّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ تَعالى اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلِ هم في شَكٍّ مِنها بَلِ هم مِنها عَمُونَ ﴾ وقَّفَهم في هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعانِي الَّتِي يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ ولا لِوَثَنٍ فِيها، فَهي عِبَرٌ ونِعَمٌ، فالحُجَّةُ قائِمَةٌ بِها مِنَ الوَجْهَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُجِيبُ المُضْطَرَّ ﴾ مَعْناهُ: بِشَرْطِ أنْ يَشاءَ عَلى المُعْتَقَدِ في الإجابَةِ، لَكِنَّ المُضْطَرَّ لا يُجِيبُهُ مَتى أُجِيبُ إلّا اللهَ عَزَّ وجَلَّ، و"السُوءَ" عامٌ في كُلِّ ضُرٍّ يَكْشِفُهُ اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَجْعَلُكُمْ" بِياءٍ عَلى صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، ورُوِيَتْ عنهُ بِنُونٍ.

وكُلُّ قَرْنٍ خَلَفٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.

و"الظُلُماتُ" عامٌ لِظُلْمَةِ اللَيْلِ الَّتِي هي الحَقِيقَةُ في اللُغَةِ، ولِظُلْمِ الجَهْلِ والضَلالِ والخَوْفِ الَّتِي هي مَجازاتٌ وتَشْبِيهاتٌ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَجَلَّتْ عَماياتُ الرِجالِ عَنِ الصِبا وَكَما تَقُولُ: أظْلَمَ الأمْرُ وأنارَ، وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قَوْلِهِ: "بُشْرًا"، وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: "يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشْرِكُونَ" عَلى المُخاطَبِ.

و"بَدْءُ الخَلْقِ" اخْتِراعُهُ وإيجادُهُ، و"الخَلْقَ": هُنا المَخْلُوقُ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ بَنُو آدَمَ مِن حَيْثُ ذِكْرِ الإعادَةِ والبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الخَلْقَ" مَصْدَرُ: خَلَقَ يَخْلُقُ، ويَكُونُ "يَبْدَأُ" و"يُعِيدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْإتْقانِ والإحْسانِ، كَما تَقُولُ: فَلانٌ يُبْدِئُ ويُعِيدُ في أمْرِ كَذا وكَذا، أيْ يُتْقِنُهُ.

و"الرِزْقُ" مِنَ السَماءِ بِالمَطَرِ، ومِنَ الأرْضِ بِالنَباتِ، هَذا مَشْهُورٌ ما يُحِسُّهُ البَشَرُ، وكَمْ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ.

ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أنَّ الغَيْبَ مِمّا انْفَرَدَ بِهِ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ غَيْبًا لِغَيْبِهِ عَنِ المَخْلُوقِينَ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ ﴾ إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الكُفّارَ سَألُوا وألَحُّوا عن وقْتِ القِيامَةِ الَّتِي يَعِدُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالتَسْلِيمِ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وتَرْكِ التَحْدِيدِ، وأعْلَمُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا يَعْلَمُ وقْتَ الساعَةِ سِواهُ، فَجاءَ بِلَفْظٍ يَعُمُ السامِعَ وغَيْرَهُ، وأخْبَرَ عَنِ البَشَرِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، وبِهَذِهِ الآيَةِ احْتَجَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها عَلى قَوْلِها: ومَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللهِ الفِرْيَةَ.

والمَكْتُوبَةُ في قَوْلِهِ: " إلّا اللهُ " بَدَلٌ مِن "مَن".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيّانَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ: "إيّانَ" بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلِ ادّارَكَ"، أصْلُهُ: تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ بَعْدَ أنْ أُبْدِلَتْ، ثُمُ احْتِيجَ إلى ألْفِ الوَصْلِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ: "تَدارَكَ" فِيما رُوِيَ عنهُ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بَلِ ادَّرَكَ" عَلى وزْنِ افْتَعَلَ، وهي بِمَعْنى تَفاعَلَ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ: "بَلَ ادَّرَكَ" بِفَتْحِ الامِ ولا هَمْزَ، وبِتَشْدِيدِ الدالِّ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "بَلْ أدْرَكَ" وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أمْ تَدارَكَ عِلْمُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بَلَ أدْرَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "بَلْ آدّارَكَ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بَلْ آدَّرَكَ" عَلى الِاسْتِفْهامِ، ونَسَبَها أبُو عَمْرُو الدانِي إلى ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

فَأمّا قِراءَةُ الِاسْتِفْهامِ فَهي عَلى مَعْنى الهُزْءِ بِالكَفَرَةِ، والتَقْرِيرُ لَهم عَلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ عنهُمْ، أيْ: أعَلِمُوا أمْرَ الآخِرَةِ وأدْرَكَها عِلْمَهُمْ؟

وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ، أيْ: تَناهى، كَما تَقُولُ: أدْرَكَ النَباتُ وغَيْرُهُ، وكَما تَقُولُ: هَذا ما أدْرَكَ عَلْمِي مِن كَذا وكَذا، فَهَذا قَدْ تَتابَعَ وتَناهى عِلْمُهم بِالآخِرَةِ إلى أنْ يَعْرِفُوا لَها مِقْدارًا فَيُؤْمِنُوا، وإنَّما لَهم ظُنُونٌ كاذِبَةٌ، أو ألّا يَعْرِفُوا لَها وقْتًا، وكَذَلِكَ ادّارَكَ وتَدارَكَ وسِواها، وإنْ حَمَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى التَوْقِيفِ والِاسْتِفْهامِ ساغَ، وجاءَ إنْكارًا لَأنْ أدْرَكُوا شَيْئًا نافِعًا، والمَعْنى الثانِي: بَلْ أدْرَكَ بِمَعْنى يُدْرِكُ، أيْ أنَّهم في الآخِرَةِ يُدْرِكُ عِلْمَهم وقْتَ القِيامَةِ، ويَرَوُا العَذابَ والحَقائِقَ الَّتِي كَذَّبُوا بِها، وأمّا في الدُنْيا فَلا.

وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَحا إلَيْهِ الزَجاجُ، فَقَوْلُهُ: ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ظَرْفٌ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ في بِمَعْنى الباءِ، والعِلْمُ قَدْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: عِلْمِي يَزِيدُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وعِلْمِي بِأسْوامِ المِياهِ ∗∗∗............

البَيْتُ ثُمْ وصَفَهم عَزَّ وجَلَّ بِأنَّهم في شَكٍّ مِنها، ثُمْ أرَدَفَهم بِصِفَةٍ أبْلَغَ مِنَ الشَكِّ وهي العَمى بِالجُمْلَةِ عن أمْرِ الآخِرَةِ، و"عَمُونَ" أصْلُهُ "عَمِيُونَ" فَعِلَوْنَ كَحَذِرُونَ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام.

ويؤمن بذلك المشركون.

وفي «معالم التنزيل» وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلاً لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالاً عاماً معياره الاستثناء بقوله ﴿ إلا الله.

﴾ وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام.

وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض.

فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها.

وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله ﴿ لا يعلم من في السموات والأرض الغيب ﴾ في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب.

واستثناء ﴿ إلا الله ﴾ منه لتأويل ﴿ من في السماوات والأرض ﴾ بمعنى: أحد، فهو استثناء متصل على رأي المحققين وهو واقع من كلام منفي.

فحق المستثنى أن يكون بدلاً من المستثنى منه في اللغة الفصحى فلذلك جاء اسم الجلالة مرفوعاً ولو كان الاستثناء منقطعاً لكانت اللغة الفصحى تنصب المستثنى.

وبعد فإن دلائل تنزيه الله عن الحلول في المكان وعن مماثلة المخلوقات متوافرة فلذلك يجري استعمال القرآن والسنة على سنن الاستعمال الفصيح للعلم بأن المؤمن لا يتوهم ما لا يليق بجلال الله تعالى.

ومن المفسرين من جعل الاستثناء منقطعاً وقوفاً عند ظاهر صلة ﴿ من في السماوات والأرض ﴾ لأن الله ينزّه عن الحلول في السماء والأرض.

وأما من يتفضل الله عليه بأن يظهره على الغيب فذلك داخل في علم الله قال تعالى ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ﴾ [الجن: 26، 27].

فأضاف (غيب) إلى ضمير الجلالة.

وأردف هذا الخبر بإدماج انتفاء علم هؤلاء الزاعمين علم الغيب أنهم لا يشعرون بوقت بعثهم بل جحدوا وقوعه إثارة للتذكير بالبعث لشدة عناية القرآن بإثباته وتسفيه الذين أنكروه.

فذلك موقع قوله ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون، ﴾ أي أن الذين يزعمون علم الغيب ما يشعرون بوقت بعثهم.

و ﴿ أيان ﴾ اسم استفهام عن الزمان وهو معلِّق فعل ﴿ يشْعرون ﴾ عن العمل في مفعوليه.

وهذا تورّكٌ وتعيير للمشركين فإنهم لا يؤمنون بالبعث بَلْةَ شعورهم بوقته.

و ﴿ بل ﴾ للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم ب ﴿ لا يشعرون أيان يبعثون ﴾ وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك.

وقرأ الجمهور ﴿ إدَّارك ﴾ بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله (تدارك) فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيها بعد أن سكنت واجتُلِب همز الوصل للنطق بالساكن.

قال الفراء وشمر: وهو تفاعل من الدّرك بتفحتين وهو اللحاق.

وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال، وذكروا وجوهاً مثقلة بالتكلف.

والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لَحِق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنسٌ، لمّا أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى: تداركت علومهم بعضها بعضاً.

وذلك صالح لمعنيين: أولهما: أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلَّقى الخلف عن السلف علمَهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه ﴿ وقال الذين كفروا أإذا كنّا تراباً وءاباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ [النمل: 67 68].

وقريب من هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين (81) ﴿ بل قالوا مثل ما قال الأولون ﴾ الوجه الثاني: أن يكون التدارك مستعملاً مجازاً مرسلاً في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافاً يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها: أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها، ويسمونها البلية، فذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة.

وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله.

وحرف (في) على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة.

ويجوز وجه آخر وهو أن يكون ﴿ ادارك ﴾ مبالغة في (أدْرَك) ومفعوله محذوفاً تقديره: إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملاً في معنى التحقق، ويكون حرف (في) على أصله من الظرفية.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ﴿ بل أدرك ﴾ بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة.

يقال: أدرك، إذا فني.

وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أيمة اللغة، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمّر عنه قال شمّر: ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في «الكشاف» في هذه الآية وصاحب «القاموس».

وقال أبو منصور: هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحداً قال: أدرك الشيء إذا فني.

وأقول قد ثبت في اللغة: أدركت الثمار، إذا انتهى نضجها، ونسبه في «تاج العروس» لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات.

قال الكواشي في «تبصرة المتذكر»: المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها.

فحاصل المعنى على قراءة الجمهور ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ وقد تلقى بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة.

وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة.

أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشراً.

وأما جملة ﴿ بل هم في شك منها ﴾ فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكاً من وقوع الآخرة.

و(من) للابتداء المجازي، أي في شك ناشئ عن أمر الآخرة.

وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم.

وجملة ﴿ بل هم منها عمون ﴾ ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة.

و ﴿ عمون ﴾ : جمع عممٍ بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى.

وقال زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله *** ولكنني عن علم ما في غدً عم فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس.

و (من) في قوله ﴿ منها عمون ﴾ للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشئ لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم.

وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق ب ﴿ عمون ﴾ .

وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة.

وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله ﴿ بل هم في شك منها ﴾ .

وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علماً مضطرباً أو جهلاً فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد.

ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلاً من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعاً على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفاً عند الكلام على قراءة الجمهور ﴿ أدّارك ﴾ من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول.

وضمائر جمع الغائبين في قوله ﴿ يشعرون، ويبعثون، علمهم، هم في شك، هم منها عمون ﴾ عائدة إلى (من) الموصولة في قوله تعالى ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ .

و(من) هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي.

والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصاً للعموم يقرب من أن يكون خلافاً لفظياً.

ومنه قوله تعالى ﴿ وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن ﴾ [البقرة: 228] فإن ضمير ﴿ بعولتهن ﴾ عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن.

وبهذا تعلم أن التعبير ب ﴿ الذين كفروا ﴾ [النمل: 67] هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق (من) في قوله ﴿ لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ ﴾ وفي صِفَةِ عِلْمِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِفَةُ ذَمٍّ فَعَلى هَذا في مَعْناهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غابَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم، قالَهُ ابْنُ مُحَيْصِنٍ.

الثّالِثُ: اضْمَحَلَّ عِلْمُهم، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: ضَلَّ عِلْمُهم وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

فَهَذا تَأْوِيلُ مَن زَعَمَ أنَّها صِفَةُ ذَمٍّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صِفَةُ حَمْدٍ لِعِلْمِهِمْ وإنْ كانُوا مَذْمُومِينَ فَعَلى هَذا في مَعْناهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أُدْرِكَ عِلْمُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: اجْتَمَعَ عِلْمُهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: تَلاحَقَ عِلْمُهم، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ فِي شَكٍّ مِنها ﴾ يَعْنِي مِنَ الآخِرَةِ فَمَن جَعَلَ ما تَقَدَّمَ صِفَةَ ذَمٍّ لِعِلْمِهِمْ جَعَلَ نُقْصانَ عِلْمِهِمْ في الدُّنْيا فَلِذَلِكَ أفْضى بِهِمْ إلى الشَّكِّ في الآخِرَةِ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ صِفَةَ حَمْدٍ لِعِلْمِهِمْ جَعَلَ كَمالَ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا في الدُّنْيا عَلى شَكٍّ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بل ادارك علمهم في الآخرة ﴾ قال: حين لم ينفع العلم.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ بل ادرك علمهم في الآخرة ﴾ قال: لم يدرك علمهم قال أبو عبيد: يعني أنه قرأها بالاستفهام.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بل ادرك علمهم في الآخرة ﴾ يقول: غاب علمهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بل ادارك علمهم في الآخرة ﴾ قال: ام ادرك علمهم ﴿ أم هم قوم طاغون ﴾ [ الذاريات: 53] بل هم قوم طاغون.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ بل ادارك علمهم ﴾ مثقلة مكسورة اللام على معنى تدارك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ بل ادارك علمهم في الآخرة ﴾ قال: تتابع علمهم في الآخرة بسفههم وجهلهم ﴿ بل هم عنها عمون ﴾ قال: عموا عن الآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرأ ﴿ بل ادرك علمهم في الآخرة ﴾ قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة.

وفي قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ﴾ قال: كيف عذب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالح، والأمم التي عذب الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عسى أن يكون ردف لكم ﴾ قال: اقترب لكم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ عسى أن يكون ردف لكم ﴾ قال: اقترب منكم.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ عسى أن يكون ردف لكم ﴾ قال: عجل لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ردف لكم ﴾ قال: أزف لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ردف لكم بعض الذي تستعجلون ﴾ قال: من العذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ﴾ قال: يعلم ما عملوا بالليل والنهار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وليعلم ما تكن صدورهم ﴾ قال: السر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب ﴾ يقول: ما من شيء في السماء والأرض سراً وعلانية إلا يعلمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وما من غائبة ﴾ يقول: ما من قولي ولا عملي في السماء والأرض إلا وهو عنده ﴿ في كتاب ﴾ في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السموات والأرض.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ﴾ ﴿ ادَّارَكَ ﴾ معناه: تدارك، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها، وكونها من حيزها، فلما سكنت للإدغام اجتلبت لها همزة الوصل، كما اجتلبت في قوله: ﴿ فَادَّارَأْتُمْ  ﴾ ، و ﴿ اطَّيَّرْنَا  ﴾ ، ونحوه.

ومنه قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا  ﴾ ، أي: تلاحقوا (١) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿ بَلْ أَدْرَكَ ﴾ (٢) [ومعنى أدرك:] (٣) (٤) وقال شمر: أدرك، وتدارك، وادَّارك، وادَّرَك، واحد؛ يقال: أَدْرَكته، وتدارَكته، وادَّارَكته، وادَّرَكته (٥) تداركتما عَبْسًا وذُبيانَ بعدما (٦) وأنشد للطِرمَّاح: فلما أدركناهن أبدينَ للَّهوى (٧) قال ابن عباس: يريد ما جهلوا في الدنيا، وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة (٨) وقال مقاتل: يقول: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شَكُّوا وعموا عنه في الدنيا (٩) وقال السدي: اجتمع عليهم يوم القيامة فلم يَشُكُّوا ولم يختلفوا (١٠) قال أبو معاذ النحوي: من قرأ: ﴿ بَلْ أدْرَكَ ﴾ أو قرأ: في ﴿ بَلِ ادَّارَكَ ﴾ فمعناهما واحد؛ يقول: هم علماءُ في الآخرة، [ومعناها عنده: علموا في الآخرة أن الذي] (١١) ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا  ﴾ (١٢) وروى (١٣) (١٤) (١٥) وأنشد للأخطل: وأدْركَ علمي في سواءةَ أنها ...

تُقيم على الأوتار والمشربِ الكَدْر (١٦) أي: أحاط علمي بها أنها كذلك (١٧) وأما الفراء وكثير من المفسرين وأهل المعاني فقد تخبطوا في هذه الآية [وذهبوا إلى ما لا وجه له (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال الأزهري: وهذا يوافق قول السدي؛ لأن معنى: تواطأ تحقق واتفق حين لا ينفعهم (٢٢) وقال أبو إسحاق: من قرأ: (بَلِ ادَّارَكَ) وهو الجيد؛ فعلى معنى: بل تدارك، أي: بل تكامل علمهم يوم القيامة بالبعث، وبأن كلَّ ما وعدوا حق.

قال: ومن قرأ: (بَلْ أدْرَكَ) فهو على معنى: التقرير والاستخبار؛ كأنه قيل: لم يُدرك علمهم بالآخرة، أي: ليس يقفون في الدنيا على حقيقتها، ثم بيَّن ذلك في قوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ﴾ وقالوا في تفسير: (بَلْ أدرَكَ) أم أدرك.

هذا كلامه (٢٣) وقد فَصَل الزجاج بين القراءتين، فجعل القراءة الثانية استفهامًا بمعنى الإنكار، وحرف الاستفهام: (بل)، الذي هو بمعنى: (أم)، وبهذا قال جماعة، وأنشدوا أبياتًا؛ منها قوله: أمِ النومُ أمْ كلٌّ إليَّ حبيبُ (٢٤) (٢٥) وإلى هذا ذهب أبو علي؛ فقال: المعنى: إنهم لم يدركوا علم الآخرة، أي: لم يعلموا حدوثها وكونها، ومعنى قوله: ﴿ فِي الْآخِرَةِ ﴾ معنى الباء، أي: علمهم بالآخرة، قال: وهذا كما تقول: أجئتني بالأمس أي: لم تجئ، والمعنى: لم يدرك علمهم بحدوث الآخرة (٢٦) وهذا الوجه غير ما حكينا عن مقاتل وابن عباس والسدي، ولم يَفصل أبو علي بين القراءتين -كما فصل أبو إسحاق- وأجراهما على الاستفهام الذي معناه الإنكارة ويؤكد هذا الوجه قراءة ابن عباس: ﴿ بَلى أدَّارَكَ ﴾ بالاستفهام [[أخرج هذه القراءة ابن جرير 20/ 6، من طريق أبي حمزة، وقال ابن جرير في ضبطها: وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقرأ بإثبات ياء في: بل، ثم يبتدئ: أدَّارك، بفتح ألفها على وجه الاستفهام، وتشديد الدال.

ثم قال بعد ذلك: فأما القراءة التي ذكرت عن ابن عباس، فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعراب فخلاف ما عليه مصاحف المسلمين، وذلك أن في: بلى، زيادة ياء في قراءته ليست في المصاحف، وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قراء الأمصار.

وقال عنها النحاس: إسناده صحيح.

"إعراب القرآن" 3/ 218.

وذكر هذه القراءة ابن خالويه، ونسبها لابن عباس، وأبي حيوة، وكتبت هكذا: [بَلْ أدْرَكَ] "شواذ القراءات" 111، كما ذكرها ابن جني، "المحتسب" 2/ 142، وكتبت هكذا: [بَلى ادْرَكَ] ممدودًا.]].

قال الأزهري: هو استفهام فيه رد وتهكم، ومعناه: لم يدرك علمهم في الآخرة (٢٧) وروى شعبة عن أبي حمزة (٢٨) ﴿ بَلى أدَّارَكَ ﴾ بقطع الألف؛ لأنه استفهام، فحذف ألف الوصل (٢٩) قال الفراء: وهو وجه جيد؛ لأنه أشبه بالاستهزاء بأهل الجحد، كقولك للرجل تكذبه: بلى لعمري لقد أدركتَ السلف، فأنت تروي ما لا نروي، وأنت تُكذِّبُه (٣٠) قال شمر: ورُوي لنا حرفٌ عن الليث، ولم أسمعه لغيره، ذَكر أشبه يقال: أدركَ الشيءُ إذا فَنِيَ (٣١) (٣٢) ﴿ فِي الْآخِرَةِ ﴾ على هذا القول يكون أيضًا بمعنى: بالآخرة، كما ذكره أبو علي.

وقرأ عاصم في بعض الروايات (أدرَكَ) على افتعل، وهو بمعنى: أدرك وتدارك، كما حكينا عن شمر.

قوله تعالى: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ﴾ \[قال مقاتل: بل هم اليوم في الدنيا في شك منها\] (٣٣) (٣٤) وقال أبو علي: ﴿ مِنْهَا ﴾ : من علمها وحدوثها.

يعني: علم الآخرة (٣٥) ﴿ بَلْ هُمْ مِنْهَا ﴾ من علمها (٣٦) ﴿ عَمُونَ ﴾ في الدنيا (٣٧) (٣٨) وقال الكلبي في قوله: ﴿ بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ﴾ يقول: هم جهلة بها (٣٩) وقال المبرد: ﴿ عَمُونَ ﴾ جمع عمٍ، وأكثر ما يستعمل في القلب، وأنشد: ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ (٤٠) قال ابن عباس في هذه الآية: أعمى قلوبهم عما أعد لأوليائه من النعيم، وعما أعد لأعدائه من العذاب.

والكلام في العمي قد تقدم عند قوله: ﴿ عَمِينَ ﴾ في سورة الأعراف (٤١) (١) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 401.

و"تأويل مشكل القرآن" 354.

وذكر نحوه النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 218.

وابن جني في "المحتسب" 2/ 143.

قال ابن الجزري: والطاءُ والدالُ وتا منه ومِن ...

عُليا الثنايا والصفيرُ مستكنْ "متن الجزرية في معرفة تجويد الآيات القرآنية" 10.

قوله: منه، أي: من طرف اللسان، ومن أصول عليا الثنايا، وهي الأسنان المتقدمة، اثنتان فوق، واثنتان تحت.

وأما قوله: (والصفير مستكن) فهو وصف لما ذكره بعد ذلك من الحروف.

"الدقائق المحكمة في شرح المقدمة"، لأبي زكريا الأنصاري 10.

ويسمى إدغام متقاربين.

"منحة ذي الجلال في شرح تحفة الأطفال" 83.

(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿ بَلْ أَدْرَكَ ﴾ خفيفة لغير ألف، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ ﴾ بالألف ممدودة.

وروى المفضل عن == عاصم.

(بَلْ أَدرَكَ) مثل أبي عمرو، وروى الأعشى عن أبي بكر عن عاصم ﴿ بَلِ ادَّارَكَ ﴾ على وزن: افتعل.

"السبعة في القراءات" 485، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 400.

و"النشر في القراءات العشر" 2/ 339.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ب).

(٤) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 400.

(٥) في "تهذب اللغة" 10/ 113 (درك) عن شمر: أدرك الشيء وأدركته وتدارك القوم، واداركوا، وأدركوا، إذا أدرك بعضهم بعضًا.

ويقال: تداركته، وادّاركته، وادّركته.

(٦) شطر بيت من معلقة زهير، يقول: تلافيتما أمر هاتين القبيلتين بعدما أفنى القتال رجالهما، ويعني بهما: هرم ابن سنان، والحارث بن عوف.

"ديوان زهير" 79.

وأنشد البيت الأزهري، "تهذيب اللغة" 10/ 113 (درك).

(٧) "تهذيب اللغة" 10/ 113 (درك).

وعجز البيت: محاسن واستولين دون محاسن وهو في "ديوان الطرماح" 267.

(٨) أخرج ابن جرير 20/ 7، عن ابن عباس، من طريق عطاء الخراساني: بصرهم في الآخرة حين لم ينفعهم العلم والبصر.

ومن طريق علي بن أبي طلحة، بلفظ: غاب == علمهم.

وأخرج عن ابن زيد: ضل علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم.

واختار ابن جرير رواية عطاء.

وذكر الثعلبي 8/ 134 أ، عن ابن عباس، أنه قال: أي: لم يدركه.

(٩) تفسير مقاتل" 61 ب.

(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم 9/ 2915.

(١١) هكذا في نسخة: (أ)، (ب)، وهو ساقط من نسخة (ج).

ولعل ما بعده هو: أن الذي كانوا يوعدون حق.

(١٢) "تهذيب اللغة" 10/ 112 (درك)، و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 244.

قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال قتادة: ذلك والله يوم القيامة، سمعوا حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.

وقال الحسن: لئن كانوا في الدنيا صُمًا عُميًا عن الحق، فما أبصرهم وأسمعهم يوم القيامة.

"الوسيط" 3/ 184.

(١٣) في نسخة: (ب): قال أبو تراب.

(١٤) أحمد بن خالد، أبو سعيد البغدادي، الضرير، اللغوي، لقي ابن الأعرابي، وأبا عمرو الشيباني، قدم نيسابور، وأقام بها، وأملى بها كتبًا في معاني الشعر والنوادر، وأخذ عن ابن قتيبة.

"إنباه الرواة على أنباه النحاة" 1/ 76، و"بغية الوعاة" 1/ 305.

(١٥) "تهذيب اللغة" 10/ 112 (درك)، وفيه: روى ابن الفرج.

و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 244، وليس فيه: وروى أبو تراب.

وهو قول الهواري 3/ 262، قال: أي: علموا في الآخرة أن الأمر كما قال الله، فآمنوا حين لم ينفعهم علمهم، ولا إيمانهم.

(١٦) بيت من قصيدة له في هجاء قبائل قيس، وسواءة: من قيس عيلان، مراده أن بني سواءة يرضون بما قد يصيبهم من الذل، والهوان.

"شرح ديوان الأخطل" 156.

وذكر البيت الأزهري، "تهذيب اللغة" 10/ 112 (درك)، من إنشاد أبي سعيد الضرير.

(١٧) "تهذيب اللغة" 10/ 112 (درك)، و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 244، من إنشاد أبي سعيد الضرير.

(١٨) قال الفراء 2/ 299: معناه: لعلهم تدارك علمهم.

يقول: تتابع علمهم في الآخرة.

يريد: بعلم الآخرة أنها تكون أو لا تكون.

وذكر نحوه ابن قتيبة غريب القرآن 326، وابن جرير 20/ 6.

وذكر الهواري 3/ 262، عن الحسن: أي: لم يبلغ علمهم في الآخرة، أي: لو بلغ عحهم أن الآخرة كائنة لآمنوا بها في الدنيا كما آمن المؤمنون.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

(٢٠) "تهذيب اللغة" 10/ 112 (درك).

و"معاني القراءات" للأزهري 2/ 244.

(٢١) أخرج ابن جرير 20/ 7: بلفظ: أم أدرك علمهم من أين يدرك علمهم.

وأخرجه == ابن أبي حاتم 9/ 2914، بلفظ: لم يدرك علمهم في الآخرة.

وفي "تفسير مجاهد" 2/ 475 في قول الله تعالى: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ يقول الله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ﴾ .

(٢٢) "تهذيب اللغة" 10/ 113 (درك).

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 127.

وذكر نحوه النحاس، "إعراب القرآن" 3/ 218.

(٢٤) أنشده الفراء، "معاني القرآن" 2/ 299، كاملًا، ولم ينسبه، وصدره: فواللَّه ما أدري أسلمى تغولت يقال: تغولت المرأة: إذا تلونت.

"تهذيب اللغة" 8/ 193 (غال).

وأنشده كذلك ابن جرير 20/ 8.

وذكره الأزهري من إنشاد الفراء، "تهذيب اللغة" 10/ 112 (درك).

ولم ينشده الزجاج عند هذه الآية.

وأنشده الثعلبي 8/ 134 أ، ولم ينسبه.

ونسب لعقبة المضرب برواية: فوالله ما أدري أسلمى تفولت ...

أم الحلم أم كل إلى حبيب (٢٥) وهذا قول الفراء.

"معاني القرآن" 2/ 299.

ورجحه ابن جرير 20/ 8، على قراءة: ﴿ بَلِ ادَّارَكَ ﴾ .

(٢٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 400.

(٢٧) "تهذيب اللغة" 10/ 114 (درك).

وقد كتبت القراءة عنده هكذا: بلى أأدرك.

وأما == عند الفراء 2/ 299، وابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" 345، فقد كتبت كما عند ابن جرير.

(٢٨) أبو حمزة، عمران بن أبي عطاء الواسطي، سمع ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وهو قليل الحديث، صدوق له أوهام، وحدث عنه سفيان، وشعبة وأبو عوانة، وغيرهم.

"سير أعلام النبلاء" 5/ 387، وتقريب التهذيب 751.

(٢٩) يعني أن أصل الفعل: ادارك، خماسي أوله همزة وصل، ثم دخلت همزة الاستفهام فسقطت همزة الوصل لفظًا ورسما.

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 299، قال ابن قتيبة عن هذه القراءة: وهذه القراءة أشد إيضاحًا للمعنى؛ لأنه قال: وما يشعرون متى يبعثون، ثم قال: بل تداركت ظنونهم في علم الآخرة؛ فهم يحدسون ولا يدرون.

"تأويل مشكل القرآن" 354.

(٣١) "العين" 5/ 328 (درك).

(٣٢) "تهذيب اللغة" 10/ 114 (درك).

وقال بعده الأزهري: وهذا غير صحيح، ولا محفوظ عن العرب، وما علمت أحدًا قال: أدرك الشيء إذا فني، ولا يعرج على هذا القول، ولكن يقال: أدركتِ الثمارُ، إذا انتهى نضجها.

(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).

(٣٤) "تفسير مقاتل" 61 ب.

(٣٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 401.

(٣٦) "تأويل مشكل القرآن" 354.

(٣٧) "تفسير مقاتل" 61 ب.

(٣٨) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 401.

(٣٩) ذكر الهواري 3/ 262، عن الكلبي: أي: لا يدرون ما الحساب فيها وما العذاب.

(٤٠) البيت لزهير من معلقته، وصدره: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ديوان زهير 86.

وأنشد البيت الأزهري، ونسبه لزهير، وليس فيه النقل عن المبرد.

"تهذيب اللغة" 3/ 245 (عمى).

(٤١) عند قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ  ﴾ قال الواحدي: قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته، وشدة بطشه.

وقال الزجاج: أي: قد عموا عن الحق والإيمان.

قال الليث: يقال: رجل عمٍ إذا كان أعمى القلب.

وقال أبو معاذ النحوي: رجل عم في أمره لا يبصره، ورجل أعمى في البصر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة ﴾ وزن أدّراك تفاعل ثم سكنت التاء وأدغمت الدال واجتلبت ألف الوصل، والمعنى تتابع علمهم بالآخرة وتناهى إلى أن يكفروا بها، أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها، وقرئ أدرك بهمزة قطع على وزن أفعل والمعنى على هذا: يدرك علمهم في الآخرة، أي يعلمون فيها الحق، لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق، فقوله: ﴿ فِي الآخرة ﴾ على هذا ظرف، وعلى القراءة الأولى بمعنى الباء ﴿ عَمُونَ ﴾ جمع عم، وهو من عمى القلوب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنبيه ﴾ على الجمع المخاطب وهكذا ﴿ لتقولن ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون فيهما على التكلم ﴿ مهلك ﴾ بفتح الميم واللام: أبو بكر غير البرجمي وحماد والمفضل.

وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام.

الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان ﴿ أنا دمرناهم ﴾ و ﴿ أن الناس ﴾ بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس ﴿ أئنكم ﴾ مذكور في "الأنعام" ﴿ يشكرون ﴾ بياء الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ أءله ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ يذكرون ﴾ بياء الغيبة: ابو عمرو وهشام.

الآخرون بتاء الخطاب ﴿ بل أدرك ﴾ بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل ﴿ بل ادّرك ﴾ بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني.

الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.

الوقوف: ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ الحسنة ﴾ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.

﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ معك ﴾ ط ﴿ تفتنون ﴾ ه ﴿ ولا يصلحون ﴾ ه ﴿ لصادقون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ مكرهم ﴾ ط لمن قرأ.

"إنا" بكسر الألف على الاستئناف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ النساء ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ قريتكم ﴾ ج لاحتمال تقدير لام التعليل ﴿ يتطهرون ﴾ ه ﴿ إلا أمرأته ﴾ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة ﴿ في الغابرين ﴾ ه ﴿ مطر المنذرين ﴾ ه ﴿ اصطفى ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ط لأن ما بعده استفهام متسأنف و"أم" منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ﴿ ماء ﴾ ج للعدول مع اتحاد المقول ﴿ بهجة ﴾ ط ولاحتمال الحال أي وقد ورد ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ القتال ﴾ ط ﴿ عزيزاً ﴾ ه ج للآية والعطف ﴿ فريقاً ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافاً أو حالاً ﴿ تطؤها ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ جميلاً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ ضعفين ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ج للعطف ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ تطهيراً ﴾ ه لوقوع العوارض بين المعطوفين ﴿ والحكمة ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من أمرهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ الناس ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ تخشاه ﴾ ط ﴿ منهن وطراً ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ له ﴾ ط ﴿ من قبل ﴾ لا ﴿ مقدوراً ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ وصف أو بدل ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ النبيين ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام.

والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه كما تقول في البيضة عشرون منا حديداً اي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.

والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع.

قال في الكشاف: قوله ﴿ لمن كان ﴾ بدل من قوله ﴿ لكم ﴾ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه وصفة الأسوة.

والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف.

وقوله ﴿ يرجو الله واليوم الآخر ﴾ كقولك: رجوت زيداً وفضله أي رجوت فضل زيد، أو اريد يرجو ايام الله واليوم الآخر خصوصاً.

وقوله ﴿ وذكر ﴾ معطوف على ﴿ كان ﴾ وفيه أن المقتدي برسول الله  هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد.

ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى الخطب أو البلاء.

عن ابن عباس: كان النبي  قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً اي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع.

﴿ وصدق الله ورسوله ﴾ في كل وعد ﴿ وما زادهم إلا إيماناً ﴾ بمواعيده إلا فساد هم بقتل نبيهم.

والتقاسم التحالف فإن كان أمراً فظاهر وإن كان خبراً فمحله نصب بإضمار "قد" اي قالوا متقاسمين: والتبيت العزم على إهلاك العدوّ ليلاً.

وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر.

قال في الكشاف" كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحاً وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين.

ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعاً لا أحدهما.

قلت: إنما ارتكب هذا التكليف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.

يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلاً في مكانه ونجى صالحاً ومن معه وهذا مكر الله.

وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون رامياً.

من قرأ ﴿ أنا دمرناهم ﴾ بالفتح فمرفوع المحل بدلاً من العاقبة أو خبراً لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر "كان" أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوباً بنزع الخافض.

وانتصب ﴿ خاوية ﴾ على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ موافقة لما بعده ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ ﴿ وأمطرنا ﴾ وكله على "أفعل".

وقال في "حم السجدة" ﴿ ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون  ﴾ موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.

القصة الخامسة قصة لوط ﴿ و ﴾ انتصب ﴿ لوطاً ﴾ بإضمار "اذكر" أو بما دل عليه ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ و"إذ" بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، و ﴿ يبصرون ﴾ إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ بل أنتم قوم تجهلون ﴾ أنكم تفعلون فعل الجاهلية بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو اراد جهلهم بالعاقبة، أو اراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها.

أو الخطاب في قوله ﴿ تجهلون ﴾ تغليب ولو قرئ بياء الغيبة نظراً إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في "الأعراف" ﴿ قل الحمد لله ﴾ قيل: هو خطاب للوط  أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب.

وقيل: أمر لنبينا  بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عيله وسلم كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله  بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة.

ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفاً عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن.

قال جار الله: معنى الاستفهام "وأم" المتصلة في قوله ﴿ الله خير أمّا يشركون ﴾ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط؛ فمن المعلوم أنه لا خير فيما اشركوه أصلاً حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه.

قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.

عن رسول الله  أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.

ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئاً بما هو أبين الحسيات فقال: ﴿ أمن خلق السموات ﴾ وإنما قال ههنا ﴿ وأنزل لكم ﴾ واقتصر في إبراهيم على قوله ﴿ وأنزل  ﴾ لأن لفظة ﴿ لكم ﴾ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ مغنياً عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول.

ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ فأنبتنا ﴾ تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلاً في ذلك من حيث الغرس والسقي.

والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة.

والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به.

وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت.

ومعنى ﴿ أءله مع الله ﴾ أغيره يقرن به ويجعل شريكاً له.

قال في الكشاف: قوله ﴿ بل هم ﴾ بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم.

قلت: إنما تعين الغيبة ههنا لأن الخطاب في قوله ﴿ ما كان لكم ﴾ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات.

ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك.

وقوله ﴿ يعدلون ﴾ من العدل أو من العدول اي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.

ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها.

والقرار المستقر اي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها.

والحاجز البرزخ كما في "الفرقان".

ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم.

والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله  ، وإنه افتعال من الضر.

وعن ابن عباس: هو المجهود.

وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة.

وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره.

والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في "البقرة" وفي ادعوني وقوله ﴿ ويكشف السوء ﴾ كالبيان لقوله ﴿ يجيب المضطر ﴾ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر "الأنعام".

وقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ معناه تذكرون تذكراً قليلاً، ويجوز أن يراد بالقلة العدم.

ثم استدل لحاجة الناس وخصوصاً الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل باحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضاً، فاحتج عليهم بذلك لذلك.

والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات.

واعلم أن الله  ذكر قوله ﴿ أءله مع الله ﴾ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ ثم بقوله ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ثم بقوله ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ ثم بقوله ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾ ثم ﴿ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ﴾ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فاشركوا من غير حجة وبرهان.

قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلهاً آخر.

وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب.

قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعاً يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحداً لم يذكر كقوله: وبلدة ليس بها أنيس *** إلا اليعافير وإلا العيس والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيساً ففيها أنيس بتاً للقول بخلوها عن الأنيس.

قلت: لقائل أن يقول: إن استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله  في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيساً القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس.

وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله  في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين ايضاً.

وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازاً معاً.

وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضاً لأنهم أيضاً عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.

وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب.

ومن هنا قال  : "بئس خطيب القوم أنت" .

لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.

والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معاً من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة.

عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله  يقول ﴿ قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ﴾ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحداً لئلا يأمن الخلق مكره.

قال المفسرون: سال المشركون رسول الله  عن وقت الساعة فنزلت.

وأيان بمعنى متى.

إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو "فعال" من أن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزاً آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال ﴿ بل ادّارك ﴾ أي تدارك.

ومن قرأ بغير الألف فهو "افتعل" من الدرك أي تتابع واستحكم.

ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكماً بهم كما يقول لأجل الناس: ما أعلمك.

وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقيناً فلأن لا يعرفوا وقته أول.

ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم "أدركت الثمرة" لأن تلك غايتها التي عندها تعدم.

وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلاً إنهم لا يعلمون القيامة فضلاً عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلاً إنهم عمون عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون "عن" والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض.

وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا.

وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف.

قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله ﴿ بل هم قوم يعدلون ﴾ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.

التأويل: ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر.

والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية.

وكان في مدينة القالب الإنساني ﴿ تسعة رهط ﴾ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس ﴿ يفسدون ﴾ في ارض القلب بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ تقاسموا ﴾ بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق  .

ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمَّارة حين قصدت هلاكهم ﴿ ومكروا مكراً ﴾ في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ ومكرنا مكراً ﴾ بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أن صلاحهم في هلاكهم.

فمن قتلته فأنا ديته ﴿ فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ﴾ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجميعن وهم النفس وصفاتها ﴿ فتلك بيوتهم ﴾ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة ﴿ بما ظلموا ﴾ أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه ﴿ وأنجينا الذين آمنوا ﴾ وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها.

ولوط الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس ﴿ أتأتون الفاحشة ﴾ وهي كل ما زلت به اقدامهم عن الصراط المستيم وأمارتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ تميزون الخير من الشر.

وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه ﴿ فما كان جواب قومه ﴾ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال ﴿ أخرجوا ﴾ الصفات الروحاينة من قرية الشخص الإنساني ﴿ إنهم أناس يتطهرون ﴾ من لوث الدنيا وشهواتها ﴿ فأنجيناه وأهله ﴾ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا ﴿ إلا امرأته ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ وأمطرنا ﴾ على النفس وصفاتها مطراً بترك الشهوات ﴿ فساء مطر المنذرين ﴾ أي صعب فإِن الفطام من المألوفات شديد وهذه حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال ﴿ قل الحمد لله وسلام ﴾ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي ﴿ على عباده ﴾ ﴿ أمن خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة ﴿ فأنبتنا به حدائق ﴾ من العلوم والمعاني والأسرار ﴿ أءله مع الله ﴾ من الهوى ﴿ أمن جعل ﴾ أرض النفس ﴿ قراراُ ﴾ في الجسد ﴿ وجعل خلالها أنهاراً ﴾ من دواعي البشرية ﴿ وجعل لها رواسي ﴾ من القوى والحواس ﴿ وجعل بين ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ حاجزاً ﴾ القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما ﴿ أءله مع الله ﴾ كما زعمت الطبائعية ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ في العدم بلسان الحال ﴿ ويجعلكم ﴾ مستعدين لخلافته في الأرض ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد ﴿ أمن يهديكم في ظلمات ﴾ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية ﴿ أءله مع الله ﴾ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا.

وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا ﴿ من يبدأ الخلق ﴾ بالوجود المجازي ﴿ ثم يعيده ﴾ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة ﴿ ومن يرزقكم ﴾ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح ﴿ أءله مع الله ﴾ كائناً من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أمر نبيه بالحمد له والثناء عليه على هلاك أعداء الرسل الخالية.

ثم قال: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ وهم الرسل والأنبياء، صلوات الله عليهم.

وجائز أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه لما أنعم عليه من أنواع النعم، منها ما ذكر من هلاك أعداء الرسل وإبقاء أوليائهم؛ تخويفاً لأعداء رسول الله  أن يهلكوا كما أهلك أعداء الرسل الخالية.

أو أن يكون أمره إياه بالحمد له والثناء عليه؛ لما أنعم عليه في نفسه من أنواع النعم من النبوة والرسالة والهداية ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ ﴾ : يحتمل الرسل؛ كقوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

ويحتمل الأمر بالسلام على أصحابه وجميع المؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، أمر رسوله بالسلام على المرسلين وعلى أصحابه وعلى المؤمنين.

ثم في قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ دلالة: أن لا أحد يستوجب الصفوة إلا بالله؛ حيث قال: ﴿ ٱصْطَفَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي: الذي فعل هذا بالأمم الخالية من الهلاك للأعداء وإبقاء الرسل والأولياء، أم الأصنام التي تشركون في عبادته، وهي لا تملك شيئاً من ذلك؟

يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله يملك ما ذكر من إهلاك أعدائه وإبقاء رسله، والأصنام التي تعبدونها دونه لا تملك شيئاً، فكيف تشركونها في ألوهيته؟!

وإلا لم يذكر جواب قوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ جوابه أن يقولوا: بل الله خير.

وكذلك روي في الخبر عن رسول الله  - إن ثبت -: أنه كان إذا قرأ هذه الآية، قال: "بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم" وقوله: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : يذكرهم بهذا؛ لوجهين: أحدهما: يذكر قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات النبات من الأرض، وإخراجه على إقرارهم أن الله خالق ذلك لا غيره، فيقول: فإذا علمتم أن الله هو خالق ذلك كله، فكيف أشركتم غيره ممن لا يملك ذلك، ولا يقدر في تسمية الإلهية والعبادة؟!

والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعاً، واتصال منافع أحدهما بالآخر، على تباعد ما بينهما؛ ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا عدد، فإذا عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيهما؟!

وهو كقوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ .

وهذا الحرف على الثنوية والدهرية وهؤلاء لقولهم بالعدد وإنكارهم الواحد، والأول على المقرين بالواحد إلا أنهم أشركوا الأصنام في التسمية والعبادة.

وقوله: ﴿ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الحدائق: الحيطان، والبساتين: ما دون الحيطان.

وقال بعضهم: الحدائق: الحوائط التي خصت بالأشجار، والبساتين: هي الملتفة بها.

وقال أبو عوسجة: الحدائق: البساتين والرياض، والحديقة: الروضة.

وقال القتبي: الحدائق: البساتين واحدها: حديقة، سميت بذلك لأنها تحدق بها، أي: تحيط ﴿ ذَاتَ بَهْجَةٍ ﴾ : حسن المنظر.

وجائز أنها سميت ذات بهجة لما يبتهج صاحبها إذا نظر إليها ويسر.

وقوله: ﴿ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا ﴾ أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد؛ فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو دونكم في كل شيء؟!

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: [أحدهما]: يحتمل ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله.

والثاني: ﴿ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يعدلون على الله، ويميلون إلى غيره من العدول، والله أعلم.

﴿ أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً ﴾ : يقرون عليها، ويتعيشون فيها ويبيتون، ﴿ وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً ﴾ : ينتفعون بها أنواع المنافع ويشربون، ﴿ وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾ ، أي: الجبال لئلا تميد بهم، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ : قال بعضهم: جعل بين بحر فارس والروم جزيرة العرب حاجزاً، وسميت: جزيرة؛ لما جزر الماء فيها، أي: ذهب.

وقال بعضهم: بحر الشام وبحر العراق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾ بين العذب والمالح حاجزاً بلطفه، لا يختلط هذا بهذا ولا هذا بهذا؛ لطفاً منه، يذكرهم نعمه عليهم ولطفه: أن كيف أشركتم في عبادته وألوهيته من لا يملك ذلك، وصرفتم شكرها إلى غير المنعم؟!

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله.

﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : لأن من لا ينتفع بما يعلم فكأنه جاهل، نفى عنهم العلم لتركهم الانتفاع به؛ كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان والعقل؛ لتركهم الانتفاع بهذه الجوارح والحواس، وإن كانت لهم هذه الجوارح؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم لتركهم الانتفاع به.

والثاني: ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ لما لا يتكلفون النظر فيما ذكر، أو لا يعلمون أن بينهما حاجزا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخرج على الصلة بقوله: ﴿ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ كأنه يقول: من يملك إجابة المضطر وكشف السوء عنه وجعلكم الخلفاء في الأرض خير، أمّن لا يملك من ذلك شيئاً؟

فجواب ذلك أن يقولوا: بل الذي يملك ذلك خير ممن لا يملك ولا يقدر على ذلك.

أو يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما: أحدهما: أنكم تعلمون أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله  ، لا الأصنام التي تعبدونها، فكيف أشركتموها في الألوهية والعبادة؟!

والثاني: أنه إذا أجاب دعوة المضطر وكشف السوء والأحزان ومنع؛ فدل بقاء ذلك كله واتساق الأمر أنه واحد لا شريك له؛ فهذا على الثنوية، والأوّل على المشركين؛ لإشراكهم غيره في العبادة له وتسيمته الإله.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ على الوجوه التي ذكرناها؛ وكذلك قوله: ﴿ أَمَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ ﴾ أي: من يقدر على ما تقدم ذكره يملك البعث بعد الموت وإحياءكم؛ يلزمهم البعث بهذا أي: من يقدر [على] هذا يقدر [على] ما ذكر.

﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ أي: لا إله مع الله، بل الله هو المتفرد بذلك دون من يعبدون ويشركون.

وقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أي: من لج في هذا أو أنكر ذلك وادعى الشرك فيه لغيره، ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في مقالتكم.

وقوله: ﴿ بُشْرَاً ﴾ من البشارة و"نُشْراً" بالنون من التفريق والرفع.

وقوله: ﴿ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ ﴾ : يخلفون من قبلهم من الأمم؛ قال أبو معاذ: وواحد خلفاء خليف، وواحد الخلائف خليفة، والخليف من الخالف كالعليم من العالم.

وقوله: ﴿ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله ﴾ يقول - والله أعلم - يفعل ذلك، أي يرزقكم، وينزل لكم من السماء ماء، وينبت من الأرض ما تأكلون، ويرعى أنعامكم، أو مع الله إله يهديكم في ظلمات البر والبحر، ويرسل لكم الريح بشراً، أو يجيب المضطر ويكشف السوء عنه، وكل ما ذكر، أي: ليس معه إله سواه، بل الله يفعل ذلك وحده، فكيف أشركتم غيره في إلهيته وعبادته، على علم منكم أن الذي تعبدون من دونه لا يملك شيئاً أن يفعل ذلك بكم؟!

يذكر سفههم وقلة بصرهم ومعرفتهم.

ثم قال: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ﴾ أن مع الله إلهاً فعل ذلك بكم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

ثم قال: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : كأنه قال - والله أعلم - لرسوله: قل لا يعلم ممن تعبدون من أهل السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله؛ لأن بعضهم كان يعبد أهل السماوات وهم الملائكة، وبعضهم كانوا يعبدون من في الأرض؛ يقول: لا يعلم ممن تعبدون من دون الله من في السماوات والأرض الغيب، إنما يعلم الغيب الله.

ثم قوله: ﴿ ٱلْغَيْبَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ما يغيب بعضهم من بعض؛ يقول: ما يغيب بعضهم من بعض فهو يعلم ذلك.

والثاني: لا يعلم الغيب إلا الله، أي: ما كان وما يكون إلى أبد الآبدين لا يعلم ذلك إلا الله وإن أعلموا وعلموا ذلك.

ومنهم من صرف الغيب إلى البعث والساعة، يقول: لا يعلم الساعة أحد متى تكون إلا الله.

وقوله: ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ : قال أهل التأويل: وما يشعر أهل مكة متى يبعثون، لكن لو كان الجهل عن وقت البعث، فأهل مكة وغيرهم من أهل السماوات وأهل الأرض في جهلهم بوقت البعث شرعاً سواء، لا أحد يعلم مِن أهل السماوات والأرض أنه متى يبعث، إلا أن تكون الآية في منكري البعث، فحينئذ جائز صرفه إلى بعض دون بعض، فأما في وقت البعث فالناس في جهلهم بوقت البعث سواء، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 187]، أخبر أنه لم يطَّلِعْ أحد على علم ذلك عند الله.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ : اختلف في قراءته وتأويله.

أما القراءة: فإنه قرأ بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد والألف.

وقرأ بعضهم: ﴿ ادَّرَكَ ﴾ بإسقاط الألف والتشديد.

وقرأ بعضهم: ﴿ بلي ﴾ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ ، على الوقف عليها، و ﴿ أَأَدّرَكَ ﴾ على الاستفهام: ﴿ بلى أَأَدَّرَكَ ﴾ .

ومنهم من قرأ على الاستفهام: ﴿ آدْرَكَ ﴾ على غير إثبات الياء في حرف ﴿ بَل ﴾ وعلى غير قطع منه.

فمن قرأ: ﴿ ٱدَّارَكَ ﴾ بالتشديد على غير الاستفهام، يقول: معناه: تدارك واجتمع، أي: تدارك علمهم في الآخرة، يقول: أبلغ علمهم بالآخرة.

أي: لم يدرك ولم يبلغ علمهم، ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ ، يسفههم ويجهلهم، يقول: ما بلغ علمهم بالآخرة.

وقال بعضهم: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: أم ادَّارك علمهم.

وقال بعضهم: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، أي: خاب علمهم عن الآخرة، وادّرك في الآخرة حين لم ينفعهم.

وعن الحسن: قال: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ ، أي: اضمحل علمهم وذهب، وعن ابن عباس وغيره قالوا: ﴿ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ ، بل أجمع علمهم بأن الآخرة كائنة، وهم مشركو العرب.

﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا ﴾ قال: يقولون مرة: الآخرة كائنة ثم يشكون فيها فيقولون: ما ندري أكائنة أم لا؟

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ يعني: جهلة بها.

وجائز أن يسمى الشاك في شيء: عَمِيّاً.

وأبو عوسجة والقتبي يقولان: ﴿ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ ﴾ أي: تدارك ظنهم في الآخرة، وتتابع في القول.

﴿ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ أي: من علمها.

وقال بعضهم من أهل الأدب: لا تستقيم قراءة من قرأ بإثبات الياء في ﴿ بلى ﴾ والصلة بالأول؛ لأن (بلى) بالياء إنما يقال في الإيجاب والإثبات، وما تقدم من الكلام هو على الإنكار والنفي، وذلك غير مستقيم في اللغة والكلام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أم هل تتابع علمهم بالآخرة فأيقنوا بها؟

لا، بل هم في شك وحيرة من الآخرة، بل قد عميت بصائرهم عنها.

<div class="verse-tafsir" id="91.XdV40"

مزيد من التفاسير لسورة النمل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل